← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الحرائر. ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾؛ أي: فاخطبوهن بإذن سادتهن، واطلبوا منهم نكاحهن، فقد اتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها باطل؛ لأن الله تعالى جعل إذن السيد شرطًا في جواز نكاح الأمة. وقال بعضُ الفقهاء: المرادُ من الأهل من لهم علين ولاية التزويج، ولو غير المالكين كالأب والجد والقاضي والوصي، إذ لكل منهم تزويج أمة اليتيم. ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: وأعطوهن مهورهن، وأدوها إليهن بإذن أهلهن، أو أدوها إلى مواليهن، وأجمعوا إلا مالكًا على أن المهر للسيد؛ لأنه ملكه، وإنما أضيف إيتاء المهر إلى الإماء لأنه ثمن بضعهن. وقال مالك (١): المهر حق للزوجة على الزوج، وإن كانت أمة فهو لها لا لمولاها، وإن كان الرقيق لا يملك شيئًا لنفسه، لأن المهر حق الزوجة تصلح به شأنها، ويكون تطييبًا لنفسها في مقابلة رياسة الزوج عليها، وسيد الأمة مخير بين أن يأخذه منها بحق الملك، أو يتركه لها لتصلح به شأنها، وهو الأفضل الأكمل. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: أعطوهن مهورهن بالمعروف؛ أي: من غير ضرار، ولا مطل ولا نقصان، وقيل: معناه وآتوهن مهور أمثالهن، اللاتي يساوينهن في الحال والحسب. وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ حال من مفعول فانكحوهن؛ أي: فانكحوهن حال كونهن محصنات؛ أي: عفائف من الزنا ندبًا بناء (٢) على المشهور من جواز نكاح الزواني، ولو كن إماء وقيل المعنى: أعطوهن أجورهن حالة كونهن متزوجات لكم، ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾؛ أي: غير مجاهرات بالزنا؛ أي: غير مؤجرة نفسها مع أي رجل أرادها كالمومسات، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾؛ أي: غير متخذات أخلاء معينين يزنون بهنَّ سرًّا، وهو حال مؤكدة كالذي قبله؛ لأن الإحصان لا يجامع السفاح كما مر. والمسافحون (٣) هم الزانون المبتذلون، وكذلك المسافحات من الزواني

стр. 2382

المبتذلات، اللواتي هن سوق الزنا، ومتخذوا الأخدان هم الزناة المتسترون، الذين يصحبون واحدة واحدة، وكذلك متخذات الأخدان من الزواني المتسترات، اللواتي يصحبن واحدًا واحدًا، ويزنين خفية، وهذان نوعان كانا في الجاهلية، قاله ابن عباس والشعبي والضحاك وغيرهم. وقد كان الزنا في الجاهلية قسمين: سريًّا وعلنيًّا، فالسري: يكون خاصًّا، فيكون للمرأة خدن يزني بها سرًّا، ولا تبذل نفسها لكل أحد، والعلني: يكون عامًّا، وهو المراد بالسفاح، قاله ابن عباس، وكان البغايا من الإماء ينصبن الرايات الحمر لتعرف منازلهن، ولا تزال هذه العادة متبعةً إلى الآن في بلاد السودان والحبشة والصومال وغيرها، فتوجد بيوت خاصة لشراب المسكر، وفيها البغاء العلني. وروي عن ابن عباس (١): أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما ظهر من الزنا، ويقولون: إنه لؤم، ويستحلون ما خفي، ويقولون إنه لا بأس، وقد نزل في تحريم النوعين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾. وهذان النوعان فاشيان في بلاد الإفرنج، والبلاد التي تقلدهم في شرورهم، كمصر والصومال وجيبوتي وبعض بلاد الهند، بل عم الآن كل من النوعين مشارق الأرض ومغاربها، تقليدًا للإفرنج، فيا لها من مصيبة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقصارى القول: أن الله فرض في نكاح الإماء مثل ما فرض في نكاح الحرائر، من الإحصان والعفة لكل من الزوجين، لكن جعل الإحصان وعدم السفاح في نكاح الحرائر من قبل الرجال، فقال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ لأن الحرائر ولا سيما الأبكار أبعد من الرجال من الفاحشة، وأقل انقيادًا لطاعة الشهوة، على أن الرجال هم الطالبون للنساء والقوامون عليهن. وجعل قيد الإحصان في جانب الإماء، فاشترط على من يريد أن يتزوج أمة أن يتحرى فيها أن تكون محصنة، مصونة في السر والجهر، فقال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ وذلك أن الزنا كان غالبًا في الجاهلية على الإماء،

стр. 2383

وكانوا يشترونهن للاكتساب ببغائهن، حتى إن عبد الله بن أبيٍّ كان يكره إماءه على البغاء، بعد أن أسلمن، فنزل في ذلك: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على أنهن لذلهن وضعفهن وكونهن مظنة للانتقال من يد إلى أخرى، لم تمرن نفوسهن على الاختصاص برجل واحد، يرى لهن عليه من الحقوق ما تطمئن به نفوسهن في الحياة الزوجية، التي هي من شؤون الفطرة. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالبناء للفاعل، ومعناه: حفظن فروجهن، وقيل معناه أسلمن، كما قال عمرو بن مسعود، والشعبي والنخعي والسدي، قالوا: الإحصان هنا (١) الإِسلام، والمعنى: أن الأمة المسلمة عليها نصف حد الحرة المسلمة، وقد ضعف هذا القول، بأن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت في قوله من فتياتكم المؤمنات، فكيف يقال في المؤمنات فإذا أسلمن، قاله إسماعيل القاضي. وقرأ الباقون بالبناء للمفعول إلا عاصمًا فاختلف فيه ومعناه زُوِّجن. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ﴾؛ أي: فإن فعلن ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾؛ أي: بالزنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: فعلى الإماء اللاتي زنين ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: نصف ما على الحرائر الأبكار، إذا زنين من العقاب؛ أي: من الجلد، فيجلدن خمسين جلدة، ويجلد العبد للزنا إذا زنى خمسين جلدة، ولا فرق في المملوك بين المتزوج وغير المتزوج، فإنه يجلد خمسين مطلقًا، ولا رجم عليه، هذا قول أكثر العلماء. والمعنى: أنّ الإماء إذا زنين بعد إحصانهن بالزواج .. فعليهن من العقاب نصف ما على المحصنات الكاملات، وهنَّ الحرائر إذا زنين، وهذا العقاب ما بينه بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فتجلد الأمة المتزوجة خمسين جلدة، وتجلد الحرة مائة، ولا ترجم لأن الرجم لا يتنصف. والحكمة في ذلك: ما قدمناه فيما سلف، وهو كون الحرة أبعد عن داعية الفاحشة، والأمة ضعيفة عن مقاومتها، فرحم الله ضعفها وخفف العقاب عنها.

стр. 2384

﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذاك الذي ذكرنا لكم، من إباحة نكاح الإماء عند العجز عن الحرائر جائز، ﴿لِمَنْ خَشِيَ﴾ وخاف ﴿الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: خاف الوقوع في الزنا بسبب العزوبة وشدة الشهوة، والمعنى: ذلك لمن خاف أن تحمله شدة الغلمة وشدة الشهوة على الزنا، وإنما سمي الزنا بالعنت لما يعقبه من المشقة، وهو الحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فأباح الله تعالى نكاح الأمة بثلاثة شروط: عدم القدرة على نكاح الحرة، وخوف العنت، وكون الأمة مؤمنة. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾ عن فكاح الإماء متعفِّفين، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من نكاحهن كي لا يكون الولد رقيقًا. والمعنى (١): وصبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهن، لما في ذلك من تربية قوة الإرادة، وتنمية ملكة العفة، وتغليب العقل على عاطفة الهوى، ومن عدم تعرض الولد للرق، وخوف فساد أخلاقه، بإرثه منها المهانة والذلة؛ إذ هي بمنزلة المتاع والحيوان، فربما ورث شيئًا من إحساسها ووجدانها وعواطفها الخسيسة. وروي عن عمر ﵁ أنه قال: إذا نكح العبد الحرة .. فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الحر الأمة .. فقد أرق نصفه. ورحم الله القائل: إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيْ مَنْزِلِ الْمَرْءِ حُرَّةٌ ... تُدَبِّرُهُ ضَاعَتْ مَصَالِحُ دَارِهِ وسر هذا: ما شرحناه من قبل، من أن معنى الزوجية حقيقة واحدة مركبة من ذكر وأنثى، وكل منهما نصفها فهما شخصان صورةً واحدةً، اعتبارًا بالإحساس والشعور والوجدان والمودة والرحمة، ومن ثم ساغ أن يطلق على كل منهما لفظ: زوج؛ لاتحاده بالآخر، وإن كان فردًا في ذاته ومستقلًا في شخصه. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾؛ أي: غفار لمن صدرت منه الهفوات، كاحتقار الإماء المؤمنات، والطعن فيهن عند الحديث في نكاحهن، وعدم الصبر على معاشرتهن بالمعروف، وسوء الظن بهن، ﴿رَحِيمٌ﴾ بعباده حيث رخص لهم فيما رخص فيه بإباحته لهم نكاح الإماء، وإن كان يؤدي إلى إرقاق الولد، مع أن

стр. 2385

هذا يقتضي المنع لاحتياجهم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة. وهذه الجملة (١) كالتوكيد لما تقدم، يعني أنه تعالى كفر لكم، ورحمكم حيث أباح لكم ما أنتم محتاجون إليه. الإعراب ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾: الواو: عاطفة. ﴿المحصنات﴾: معطوف على ﴿أُمَّهَاتُكُمْ﴾، من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ على كونه نائب فاعل لـ ﴿حُرِّمَ﴾. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿المحصنات﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ملكته أيمانكم. ﴿كِتَابَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف تقديره: كتب الله ذلك عليكم كتابًا، وهو مضاف. ولفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾: مضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بالفعل المحذوف، لا (٢) بالمصدر المذكور؛ لأن المصدر هنا فضلة، وقيل: هو متعلق بنفس المصدر؛ لأنه نائب عن الفعل، حيث لم يذكر معه، فهو كقولك: مرورًا يزيد؛ أي: أمرر به، والجملة المحذوفة مستأنفة، مسوقة لتأكيد مضمون جملة قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ لأنه لمّا قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ...﴾ علم أن ذلك مكتوب، فأكده بهذه الجملة. ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾. ﴿وَأُحِلَّ﴾: الواو عاطفة. ﴿أحل﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾. ﴿وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ظرف ومضاف

стр. 2386

إليه، والظرف صلة لما، أو صفة لها. ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾: فعل وفاعل وناصب، والمصدر المؤول من الجملة مرفوع على كونه بدل اشتمال من ما الموصولة، ومفعول تبتغوا محذوف، تقديره: أن تبتغوه، عائد على ما الموصولة، والتقدير: اْحل لكم ما وراء ذلكم ابتغاؤهُ بأموالكم. ﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَبْتَغُوا﴾. ﴿مُحْصِنِينَ﴾: حال من فاعل تبتغوا. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: حال مؤكدة، ومضاف إليه. ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾. ﴿فَمَا﴾: الفاء: استئنافية. ما: موصولة في محل الرفع مبتدأ. ﴿اسْتَمْتَعْتُمْ﴾: فعل، وفاعل. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير به. ﴿مِنْهُنَّ﴾ جار ومجرور حال من ضمير به. ﴿فَآتُوهُنَّ﴾: الفاء رابطة الخبر بالمبتدأ لما في المبتدأ من العموم. ﴿أتوهن﴾: فعل، وفاعل، ومفعول أول. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مفعول ثان، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿فَرِيضَةً﴾: حال من أجورهن، أو مصدر مؤكد؛ أي: فرض الله ذلك فريضة، أو صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: فآتوهن أجورهن إيتاءً مفروضًا. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾: الواو استئنافية. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لا، وجملة لا من اسمها وخبرها: مستأنفة. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله. ﴿تَرَاضَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير به. ﴿مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَرَاضَيْتُمْ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله.

стр. 2387

﴿عَلِيمًا﴾: خبر أول لها. ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن مستأنفة. ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم، أو اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَسْتَطِعْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها فعل شرط لها، أو صلة الموصول. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَسْتَطِعْ﴾. ﴿طَوْلًا﴾: مفعول به. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَنْكِحَ﴾: منصوب بأن، وفاعله ضمير يعود على من. ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾: مفعول به. ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾: صفة للمحصنات، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام مقدرة، متعلقة بمحذوف صفة ﴿طَوْلًا﴾، تقديره: ومن لم يستطع منكم طولًا ومهرًا كائنًا لنكاح المحصنات المؤمنات. ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. ﴿فَمِنْ مَا﴾: الفاء: رابطة الجواب، أو رابطة الخبر بالمبتدأ. ﴿من ما﴾: جار ومجرور متعلق بالجواب المحذوف، أو بالخبر المحذوف، تقديره: فلينكح، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مِنْ فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف، تقديره: مما ملكته. ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه حال من الضمير المحذوف في ملكته. ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾: صفة لفتياتكم. ﴿وَاللَّهُ﴾: الواو: استنئافية، أو اعتراضية. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿بِإِيمَانِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بأعلم. ﴿بَعْضُكُمْ﴾: مبتدأ،

стр. 2388

ومضاف إليه. ﴿مِنْ بَعْضٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، أو معترضة. ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾. ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن من لم يستطع طول الحرة ينكح الإماء، وأردتم بيان كيفية نكاحها .. فأقول لكم: انكحوهن وآتوهن. ﴿انكحوهن﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة من محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بانكحوهن. ﴿وَآتُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة انكحوهن. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: متعلق بآتوهن، أو حال من أجورهن. ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: حال من المفعول في فانكحوهن. ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: حال ثانية مؤكدة للأولى. ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: الواو عاطفة. لا: زائدة، زيدت لتأكيد نفي ﴿غَيْرَ﴾. ﴿مُتَّخِذَاتِ﴾: معطوف على ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾، وهو مضاف. ﴿أَخْدَانٍ﴾: مضاف إليه. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: الفاء: فاء الفصحية؛ لأنا أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم جواز نكاح الإماء بالشرط المذكور، وأردتم بيان حكم ما إذا أتين بفاحشة .. فأقول لكم: ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه. ﴿أُحْصِنَّ﴾: فعل ونائب فاعل مبني بسكون على النون المدغمة في نون الإناث، ونون الإناث: في محل الرفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ﴾: الفاء: رابطة لجواب إذا الشرطية. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿أَتَيْنَ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿بِفَاحِشَةٍ﴾: متعلق ﴿أَتَيْنَ﴾.

стр. 2389

﴿فَعَلَيْهِنَّ﴾: الفاء: رابطة لجواب إن الشرطية. ﴿عليهن﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿نِصْفُ﴾: مبتدأ مؤخر، وهو مضاف. ﴿مَا﴾: في محل الجر، مضاف إليه. ﴿عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾: جار ومجرور، صلة لما، أو صفة لها. ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾: جار ومجرور، حال من الضمير في الجار والمجرور، العامل (١) فيها هو العامل في صاحبها، ولا يجوز أن يكون حالًا من ما؛ لأنها مجرورة بالإضافة فلا يكون لها عامل لفظي، والجملة من المبتدأ والخبر: في محل الجزم جواب إن الشرطية، وجملة إن الشرطية: جواب إذا الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا الشرطية: في محل النصب مقول لجواب إذا، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة، أو معترضة. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور خبر له، والجملة مستأنفة. ﴿خَشِيَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على من. ﴿الْعَنَتَ﴾: مفعول به. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستتر في خشي، والجملة الفعلية صلة من الموصولة، والعائد الضمير المستتر في ﴿خَشِيَ﴾. ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾: فعل وفاعل وناصب، والجملة في تأويل مصدر مرفوع على الابتداءِ؛ تقديره: وصبركم. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر له. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ جمع محصنة بفتح الصاد، يقال: حصنت المرأة - بضم الصاد - حصنًا وحصانة، إذا كانت عفيفة، فهي حاصن، وحاصنة وحَصَان بفتح الصاد، ويقال: أحصنت المرأة إذا تزوجت؛ لأنها تكون في حصن الرجل وحمايته، وأحصنها أهلها زوجوها.

стр. 2390

والحاصل: أن الفتح في المحصنات على وجهين: أشهرهما: أنه أُسند الإحصان إلى غيرهن وهو: إما الأزواج أو الأولياء، فإن الزوج يحصن امرأته؛ أي: يعفَّها، والولي يحصنها بالتزويج، والله يحصنها بذلك. والثاني: أن هذا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور، يعني أنه اسم فاعل، وإنما شذ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ: أحصن فهو محصن، وأفلج فهو ملفج، وأسهب فهو مسهب، وأما الكسر فإنه أسند الإحصان إليهن؛ لأنهن يحصن أنفسهن بعفافهن أو يحصن فروجهن بالحفظ، أو يحصن أزواجهن. ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ جمع مسافح، اسم فاعل من سافح من باب فاعل، وأصله من السفح وهو الصب، وإنما سمي الزنا سفاحًا لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة، وقضاء الشهوة فقط. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ جمع أجر، وهو في الأصل الجزاء الذي يعطى في مقابلة شيء ما من عمل، أو منفعة، والمراد به هنا المهر. ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الاستطاعة: كون الشيء في طوعك، لا يتعاصى عليك، والطول: الغنى والفضل، من مال أو قدرة على تحصيل الرغائب، يقال: طال يطول طولًا، في الأفضال والقدرة، وفلان ذو طول؛ أي: ذو قدرة في ماله. والطول بالضم ضد القصر. ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ الأخدان: جمع خدن بكسر أوله وسكون ثانيه، وهو الصاحب، ويطلق على الذكر والأنثى، وهو الصديق للمرأة يزني بها سرًّا، قال أبو زيد: الأخدان الأصدقاء على الفاحشة. وفي "المصباح" و "القاموس" الأخدان: جمع خدن بالكسر، كحمل وأحمال، وعدل وأعدال. ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ والعنت في الأصل انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري الإنسان، وأريد به هنا ما يجر إليه الزنا من العقاب الدنيوي والأخروي، يقال: عنت عنتًا من باب طرب إذا ارتكب الزنا، وفي "القاموس": والعنت محركًا الفساد، والإثم والهلاك ودخول المشقة على الإنسان، ولقاء الشدة والزنا والوهن والانكسار واكتساب المآثم، وأعنته غيره، وعنته تعنيتًا إذا شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه.

стр. 2391

البلاغة وقد تضمنت هاتان الآيتان أنواعًا من البلاغة: منها: التكرار بلفظ المؤمنات في قوله: ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وفي قوله: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وفي قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ و ﴿مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾، وبلفظ: ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾، في قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾، وفي قوله: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. ومنها: الإشارة في قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما تقدم من المحرمات، وفي قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ إشارةً إلى تزويج الإماء. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول، وفي قوله: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ استعار لفظ الإحصان، وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح، وهو صب الماء في الأنهار والعيون، بتدفق وسرعة. وكذلك: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر: هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله، وفي قوله: ﴿طَوْلًا﴾ استعارهُ للمهر يتوصل به إلى معالي الأمور. ومنها: الطباق في قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾؛ لأن المحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله. ومنها: الاحتراز في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إذ المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال فاحترز عنه بقوله من النساء. ومنها: الاعتراض بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾. والله أعلم * * *

стр. 2392

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر (١) أحكام النكاح فيما سلف على طريق البيان والإسهاب .. ذكر هنا عللها وأحكامها، كما هو دأب القرآن الكريم أن يعقب ذكر الأحكام التي يشرعها للعباد ببيان العلل والأسباب؛ ليكون في ذلك طمأنينة للقلوب، وسكون للنفوس لتعلم مغبة (٢) ما هي مقدمة عليه من الأعمال، وعاقبة ما كلفت به من الأفعال، حتى تقبل عليها وهي مثلجة الصدور، عالمة بأن لها فيها سعادةً في دنياها وأخراها، ولا تكون في عماية من أمرها، فتتيه في أودية الضلالة وتسير قدمًا لا إلى غاية. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٣): أنه تعالى لمَّا بيّن كيفية التصرف في النفوس بالنكاح .. بيَّن كيفية التصرّف في الأوال الموصلة إلى النكاح، وإلى ملك اليمين، وأن المهور والأثمان المبذولة في ذلك لا تكون مما

стр. 2393

ملكت بالباطل، والباطل هو: كل طريق لم تُبحه الشريعة فيدخل فيه السرقة، والخيانة والغصب والقمار والملاهي وعقود الربا وأثمان البيوع الفاسدة كما سيأتي. وقال المراغي (١): قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله لمّا ذكر فيما سلف كيفية معاملة اليتامى وإيتاء أموالهم إليهم عند الرشد وعدم دفع الأموال إلى السفهاء، ثم بيّن وجوب دفع المهور للنساء، وأنكر عليهم أخذها بوجه من الوجوه، ثم ذكر وجوب إعطاء شيءٍ من أموال اليتامى إلى أقاربهم إذا حضروا القسمة .. ذكر هنا قاعدة عامة للتعامل في الأموال تطهيرًا للأنفس في جمع المال المحبوب لها. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه تعالى لمّا ذكر الوعيد على فعل بعض الكبائر .. ذكر الوعد على اجتناب الكبائر، والظاهر أن الذنوب تنقسم على قسمين؛ إلى كبائر وسيئات، وهي التي عبر عنها أكثر العلماء بالصغائر. وقيل (٣): المناسبة أنه لمّا نهى الله عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن قتل النفس، وهما أكبر الذنوب المتعلقة بحقوق العباد، وتوعد فاعل ذلك بأشد العقوبات .. نهى عن جميع الكبائر التي يعظم ضررها، وتؤذن بضعف إيمان مرتكبها، ووعد من تركها بالمُدخَل الكريم. التفسير وأوجه القراءة ٢٦ - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ هذه الآيات إلى قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ كأنها واقعة في جواب أسئلة مقدرة (٤)، تقديرها: ما الحكمة في هذه الأحكام، وما فائدتها للعباد وهل من كان قبلنا من الأمم السالفة كلف بمثلها، فلم يبح

стр. 2394

لهم أن يتزوجوا كل امرأة، وهل كان ما أمرنا الله به أو نهانا عنه تشديدًا علينا أو تخفيفًا عنا؟ واللام (١) في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾ زائدة مؤكدة لإرادة التبيين، كما زيدت في لا أبا لك لتأكيد إضافة الأب، والمعنى: يريد الله بما شرعه لكم من الأحكام أن يبين لكم، ويوضح ما فيه مصالحكم ومنافعكم، وقيل يبين لكم ما يقربكم منه وقيل يبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: ويريد الله أن يرشدكم طرائق من تقدمكم، ومناهجهم من الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم وتقتفوا آثارهم، وتسيروا سيرتهم، فكل ما بيَّن الله تحريمه وتحليله لنا من النساء .. كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل، فالشرائع والتكاليف وإن اختلفت باختلاف أحوال الاجتماع والأزمان كما قال: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ .. فهي متفقة في مراعاة المصالح العامة للبشر. فروح الديانات جميعًا وأساسها توحيد الله تعالى، وعبادته والخضوع له، على صور مختلفة، ومآل ذلك تزكية النفس بالأعمال التي تقوم بها، وتهذيب الأخلاق لتَبْتَعِدَ عن سيء الأفعال والأقوال، ﴿و﴾ يريد الله أن ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: أن يرجعكم عن المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته، ويوفقكم للتوبة عنها، قيل: إن الأحكام قبل البعثة لم تثبت فأين المعصية؟ أجيب: بأن المراد المعصية ولو صورةً، والمعنى: ويريد الله تعالى أن يجعلكم بالعمل بتلك الأحكام تائبين، راجعين عما كان قبلها من تلك الأنكحة الضارة التي كان فيها انحراف عن سنن الفطرة؛ إذ كنتم تنكحون ما نكح آباؤكم، وتقطعون أرحامكم، ولا تلتفتون إلى المعاني السامية التي في الزوجية، من تقوية روابط النسب، وتجديد قرابة الصهر، والسعادة التي تثلج قلوب الزوجين، والمودة والرحمة اللتين تعمر بهما نفوسهما. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾

стр. 2395

بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبره لهم من أمورهم؛ أي: فبعلمه المحيط بما في الأكوان شرع لكم من الدين ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم، وبحكمته لم يكلفكم بما يشق عليكم، وبما فيه الأذى والضرر لكم، وبها يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات ٢٧ - ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يُرِيدُ﴾ بما كلّفكم به من تلك الشرائع ﴿نْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: أن يطهركم من الذنوب ويزكي نفوسكم من الأدناس، قال ابن عباس: معناه: يريد أن يطهركم من كل ما يكرهُ إلى ما يحب ويرضى، وقيل: معناه يدلكم على ما يكون سببًا لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ المحرمة ويستبيحونها ويفعلونها. قيل: هم (١) اليهود والنصارى، وقيل: هم اليهود خاصة؛ لأنهم يقولون: إن نكاح بنت الأخ من الأب حلال، وقيل: هم المجوس؛ لأنهم يستحلون نكاح الأخوات، وبنات الإخوة، فلما حرمهن الله تعالى .. قالوا: إنكم تحلون بنت الخالة، وبنت العمة، والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت، فنزلت هذه الآية، وقيل: هم الزناة يريدون أن تكونوا مثلهم. ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ وتعدلوا عن الحق، وقصد السبيل ﴿مَيْلًا﴾ بموافقتهم على اتباع الشهوات، واستحلال المحرمات ﴿عَظِيمًا﴾؛ أي: بينًا بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة، على ندور غير مستحل لها؛ أي: أن تخطئوا خطأً عظيمًا بنكاح الأخوات من الأب ونحوها، لقولهم: إنه حلال في كتابنا، وبمشاركتهم في اتباع الشهوات، فإن الزاني يحب أن يشركه في الزنا غيره، ليفرق اللوم عليه وعلى غيره، ومتبعوا الشهوات هم الذين يدورون مع شهوات أنفسهم، وينهمكون فيها، فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها، فلا يبالون بما قطعوا من حقوق الأرحام، ولا بما أزالوا من مودة القرابة، فليس مقصدهم إلا التمتع باللذة. وأما الذين يفعلون ما يأمر به الدين: فليس غرضهم إلا امتثال أوامره، لا اتباع شهواتهم، ولا الجري وراء لذاتهم، وقرأ الجمهور أن تميلوا بتاء الخطاب، وقرىء بالياء على الغيبة، فالضمير في ﴿يميلوا﴾ يعود على الذين يتبعون

стр. 2396

الشهوات. وقرأ الجمهور ﴿ميلًا﴾ بسكون الياء، وقرأ الحسن بفتحها. ٢٨ - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ : ﴿أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أيها الأمة المحمدية، ويسَهل عليكم في جميع أحكام الشرع، كإباحة نكاح الأمة عند الضرورة، ونحوه من سائر الرخص، ولم يثقل التكاليف عليكم، كما ثقلها على بني إسرائيل، كما أخبره في كتابه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وكما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة". ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾؛ أي: خلق الله جنس الإنسان حالة كونه ضعيفًا؛ أي: عاجزًا عن مخالفة هواه، غير قادر على مخالفة دواعيه، حيث لم يصبر عن النساء، وعن اتباع الشهوات، ولا يستخدم قواه في مشاق الطاعات، ولذلك خفف الله تكليفه، وقد ورد عن النبي ﷺ :"لا خير في النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريمًا ويغلبهن لئيم، فأحب أن أكون كريمًا مغلوبًا ولا أحب أن أكون لئيمًا غالبًا". وقيل: هو ضعيف في أصل الخلقة؛ لأنه خلق من ماء مهين .. وقد رحم الله عباده (١)، فلم يحرم عليهم من النساء إلا ما في إباحته مفسدة عظيمة، وضرر كبير، ولا يزال الزنا ينتشر حيث يضعف وازع الدين، ولا يزال الرجال هم المعتدين، فهم يفسدون النساء ويغرونهن بالأموال، ويحجر الرجل على امرأته ويحجبها، بينما يحتال على امرأة غيره ويخرجها من خِدرها، وإنه لغِرٌّ جاهلٌ، أفيظن أن غيره لا يحتال على امرأته كما احتال هو على امرأة سواه، فقلما يفسق رجل إلا يكون قدوةً لأهل بيته في الفسق والفجور، وفي الحديث: "عفوا تعف نسائكم وبروا آباءكم تبرّكم أبناؤكم" رواه الطبراني من حديث جابر. وقد بلغ الفسق في هذا الزمن حدًّا صار الناس يظنونه من الكياسة، وزالت غيرتهم، وأسلسوا القياد لنسائهم كما يسلسن لقيادتهن، فوهت الروابط الزوجية، ونخر السوس في سعادة البيوت، ووجدت الرذيلة لها مرتعًا خصيبًا في أجواء الأسر، حتى أصبح الرجل لا يثق بنسله، وكثرت الأمراض والعلل بشتى مظاهرها.

стр. 2397

أخرج البيهقي (١) في "شعب الإيمان" عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وعد هذه الآيات الثلاث: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، والرابعة: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، والخامسة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، والسادسة: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، والسابعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، والثامنة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ .. الآية. وقال الراغب (٢): ووصف الإنسان بأنه خلق ضعيفًا إنما هو باعتباره بالملأ الأعلى، نحو: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، أو باعتباره بنفسه دون ما يعتريه من فيض الله ومعونته، أو اعتبارًا بكثرة حاجاته، وافتقار بعضهم إلى بعض، أو اعتبارًا بمبدئه ومنتهاه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ وأما إذا اعتُبر بعقله، وما أعطاه من القوة التي يتمكن بها من خلافة الله في أرضه، ويبلغ يها في الآخرة إلى جواره تعالى .. فهو أقوى ما في هذا العالم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. وقرأ ابن عباس ومجاهد: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ مبنيًّا للفاعل مسندًا إلى ضمير اسم الله، وانتصاب ضعيفًا على الحال. ٢٩ - وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ شروع في بيان بعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس، إثر بيان المحرمات المتعلقة بالأبضاع، وإنما خَصَّ الأكل بالذكر؛ لأن معظم المقصود من الأموال الأكل، فالمراد: النهي عن مطلق الأخذ، قيل: ويدخل فيه أكل مال نفسه، وأكل مال غيره، فأكل مال نفسه بالباطل إنفاقه في المعاصي.

стр. 2398

أي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدَّقوا بما جاء به محمَّد ﷺ لا تأكلوا أموالكم المتداولة بينكم بالوجه الباطل الممنوع في الشرع؛ أي: بالطريق الذي يخالف الشرع، كالغصب والسرقة والخيانة والقمار وعقود الربا وشهادة الزور والحلف الكاذب وجحد الحق، ونحو ذلك كالرُشا، والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ منقطع؛ لأن التجارة عن تراضٍ ليست من جنس أكل المال بالباطل، فتكون ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى: لكن، والمعنى: لكن أكلها بتجارة صادرة عن تراض منكم، وطيب نفس من المتعاقدين جائز لكم. وخص التجارة (١) بالذكر دون غيرها كالهبة والصدقة والوصية؛ لأن غالب التصرف في الأموال بها ولأن أسباب الرزق متعلق بها غالبًا، ولأنها أرفق بذوي المروءات، بخلاف الإيهاب وطلب الصدقات، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب على أن ﴿تَكُونَ﴾ ناقصة، واسما ضمير مستتر يعود على (٢) الأموال، تقديره: إلا أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة عن تراض منكم، فيجوز أكلها، أو يعود على ﴿تجارة﴾ والتقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة عن تراض منكم. وقرأ الباقون بالرفع على أن تكون تامة، والمعنى: إلا أن توجد تجارة صادرة عن تراض منكم، فيجوز أكل الأموال المكتسبة بها. واختلف العلماء في التراضي (٣)، فقالت طائفة: تمامه، أي: تمام البيع وجوبه بافتراق الأبدان بعد عقد البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه اختر، كما في الحديث الصحيح: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر" أخرجه الشيخان عن ابن عمر، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وإسحاق وغيرهم. وقال

стр. 2399

مالك وأبو حنيفة: تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة، فيرتفع بذلك الخيار، وأجابوا عن الحديث بما لا طائل تحته. فائدة: وفي قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ رمز (١) إلى أن المال المحرم يكون عادة موضع التنازع في التعامل بين الآكل والمأكول منه، كل منهما يريد جذبه إليه، والمراد بالأكل الأخذ على أي وجه، وعبر عنه بالأكل لأنه أكثر أوجه استعمال المال وأقواها. وأضاف الأموال إلى الجميع، ولم يقل: لا يأكل بعضكم مال بعض، تنبيهًا إلى تكافل الأمة في الحقوق والمصالح، كان مال كل واحد منها هو مال الأمة جميعها، فإذا استباح أحدهم أن يأكل مال الآخر بالباطل .. كان كأنه أباح لغيره أن يأكل ماله، فالحياة قصاص، وإرشادًا إلى أن صاحب المال يجب عليه بذل شيء منه للمحتاج وعدم البخل عليه به، إذ هو كأنما أعطاه شيئًا من ماله، وبهذا قد وضع الإِسلام قواعد عادلة للأموال لدى من يعتنق مبادئه: منها: أن مال الفرد مال الأمة، مع احترام الحيازة والملكية وحفظ حقوقها، فهو يوجب على ذي المال الكثير حقوقًا معينة للمصالح العامة، وعلى ذي المال القليل حقوقًا أخرى للبائسين وذوي الحاجات من سائر أصناف البشر، ويحث على البر والإحسان والصدقات في جميع الأوقات. وبهذا لا يوجد في بلاد الإِسلام مضطر إلى القوت أو عريان، سواء أكان مسلمًا أم غير مسلم؛ لأن الإِسلام فرض على المسلمين إزالة ضرورة المضطر، كما فرض في أموالهم حقوقًا للفقراء والمساكين. وكل فرد يقيم في بلادهم يرى أن مال الأمة هو مالُه، فإذا اضطر إليه .. يجده مذخورًا له، كما جُعل المال المفروض في أموال الأغنياء تحت سيطرة الجماعة الحاكمة من الأمة، حتى لا يمنعه من في قلبه مرض، وحثهم على البذل

стр. 2400

ورغبهم فيه، وذمهم على البخل، ووكل ذلك إلى أنفسهم؛ لتقوى لديهم ملكة السخاء والمروءة والرحمة. ومنها: أنه لم يبح للمحتاج أن يأخذ ما يحتاج إليه من أيدي أربابه إلا بإذنهم، حتى لا تنتشر البطالة والكسل بين أفراد الأمة، وتوجد الفوضى في الأموال والضعف والتواني في الأحوال، ويدب الفساد في الأخلاق والآداب. ولو أقام المسلمون معالم دينهم، وعملوا بشرائعه .. لضربوا للناس الأمثال، واستبان لهم أنه خير شريعة أخرجت للناس، ولأقاموا مدنية صحيحة في هذا العصر، يتأسى بها كل من يريد سعادة الجماعات، ولا يجعلها تَئِنُ تحت أثقال العوز والحاجة، كما هو حادث الآن من التنافر العام، والنظر الشزر من العمال إلى أصحاب رؤوس الأموال. ومعنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: لا تكونوا من ذوي الأطماع الذين يأكلون أموال الناس بغير مقابل لها من عين أو منفعة، ولكن كلوها بالتجارة التي قوام الحل فيها التراضي، وذلك هو اللائق بأهل المروءة والدين، إذا أرادوا أن يكونوا من أرباب الثراء. وفي الآية إيماء إلى أنواع شتى من الفوائد: منها: أن مدار حل التجارة على تراضي المتبايعين، فالغش والكذب والتدليس فيها من المحرمات. ومنها: أن جميع ما في الدنيا من التجارة، وما في معناها، من قبيل الباطل الذي لا بقاء له ولا ثبات، فلا ينبغي أن يشغل العاقل بها عن الاستعداد للآخرة، التي هي خير وأبقى. ومنها: الإشارة إلى أن معظم أنواع التجارة يدخل فيها الأكل بالباطل، فإنَّ تحديد قيمة الشيء، وجعل ثمنه على قدره بالقسطاس المستقيم يكاد يكون مستحيلًا، ومن ثم يجري التسامح فيها إذا كان أحد العوضين أكبر من الآخر، أو إذا كان سبب الزيادة براعة التاجر في تزيين سلعته، وترويجها بزخرف القول من غير غش ولا خداع، فكثيرًا ما يشتري الإنسانُ الشيء وهو يعلم أنه يمكنه شراؤه

стр. 2401

من موضع آخر بثمن أقلّ، وما نشأ هذا إلّا من خلابة التاجر وكياسته في تجارته، فيكون هذا من باطل التجارة الحاصلة بالتراضي، فيكون حلالًا، والحكمة في إباحة ذلك الترغيب في التجارة؛ لشدة حاجة الناس إليها، والتنبيه إلى استعمال ما أوتوا من الذكاء والفطنة في اختيار الأشياء، والتدقيق في المعاملة حفظًا للأموال، حتى لا يذهب شيء منها بالباطل؛ أي: بدون منفعة تقابلها. فإذا ما وجد في التجارة الربح الكثير بلا غشٍ ولا تغرير، بل بتراض من الطرفين .. لم يكن في هذا حرج، ولولا ذلك ما رغب أحد في التجارة، ولا اشتغل بها أحد من أهل الدين، على شدة حاجة العمران إليها، وعدم الاستغناء عنها. ولما كان المال عديل الروح، وقد نهينا عن إتلافه بالباطل، كنهينا عن إتلاف النفس؛ لكون أكثر إتلافهم لها بالمغامرات؛ لنهب الأموال، وما كان متصلًا بها، وربما أدى ذلك إلى الفتن التي ربما كان آخرها القتل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: لا تفعلوا ما تستحقون به القتل، من قتل المؤمن بغير حق والردة والزنا بعد الإحصان، أو المعنى: لا يقتل بعضكم بعضًا، وإنما قال: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ لأنهم أهل دين واحد، فهم كنفس واحدة، وللإشعار بتعاون الأمة وتكافلها ووحدتها، وقد جاء في الحديث: "المؤمنون كالنفس الواحدة"؛ ولأن قتل الإنسان لغيره يفضي إلى قتله قصاصًا أو ثأرًا، فكأنه قتل نفسه. وبهذا علمنا القرآن: أن جناية الإنسان على غيره جناية على نفسه، وجناية على البشر جميعًا، لا على المتصلين به برابطة الدين أو الجنس أو السياسة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ كما أنه أرشدنا باحترام نفوس الناس بعدها كنفوسنا، إلى أن نحترم نفوسنا بالأولى، فلا يباح بحال أن يقتل أحد نفسه؛ ليستريح من الغم وشقاء الحياة، فمهما اشتدت المصائب بالمؤمن .. فعليه أن يصبر ويحتسب، ولا ييأس من الفرج الإلهي، ومن ثَمَّ لا يكثرُ بَخْعُ النفس والانتحار إلا حيث يقل الإيمان، ويفشو الكفر والإلحاد.

стр. 2402

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ كان بكم رحيمًا حيث نهاكم عن كل ما تستوجبون به مشقة؛ أي: إنه بنهيكم عن أكل الأموال بالباطل وعن قتلكم أنفسكم كان رحيمًا بكم؛ إذ حفظ دماءكم كما حفظ أموالكم، التي عليها قوام المصالح، واستمرار المنافع، وعلمكم أن تتراحموا وتتوادوا، ويكون كل منكم عونًا للآخر، يحافظ على ماله، ويدافع عن نفسه إذا جد الجد، ودعت الحاجة إلى الدفاع عنه. ٣٠ - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المنهي المذكور من أكل الأموال بالباطل، وقتل الأنفس، أو سائر المحرمات المذكورة من أول السورة إلى هنا، ﴿عُدْوَانًا﴾؛ أي: تعديًا (١) وعمدًا لا خطأً، ﴿وَظُلْمًا﴾؛ أي: بغير حق لا قصاصًا، أو المعنى ﴿عُدْوَانًا﴾؛ أي: (٢) تعديًا على الغير، ﴿وَظُلْمًا﴾؛ أي: لنفسه بتعريضها للعقاب، لا جهلًا ونسيانًا وسفهًا، وقال المراغي (٣): العدوان هو التعدي على الحق، وهو يتعلق بالقصد، بأن يتعمد الفاعل الفعل، وهو عالم أنه قد تعدى الحق وجاوزه إلى الباطل، والظلم يتعلق بالفعل نفسه، بأن لا يتحرى الفاعل عمل ما يحل فيفعل ما لا يحل، والوعيد مقرون بالأمرين معًا، فلا بد من قصد الفاعل العدوان، وأن يكون فعله ظلمًا لاحقًا، فإذا وجد أحدهما دون الآخر .. لم يستحق الفاعل هذا التهديد الشديد، فإذا قتل الإنسان رجلًا كان قد قتل أباه أو ابنه .. فهنا قد وجد العدوان ولم يوجد الظلم، وإذا سلب امرؤ مال آخر ظانًّا أنه ماله الذي كان قد سرقه أو اغتصبه، ثم تبين أن المال ليس ماله، وأن هذا الرجل لم يكن هو الذي أخذ ماله .. فها هنا قد وجد الظلم دون العدوان، وقرىء ﴿عِدوانًا﴾ بالكسر، ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾؛ أي: فسوف ندخله في الآخرة نارًا هائلة شديدة العذاب، يصلى فيها، عقوبة له على جريمته ومدلول (٤) ﴿نَارًا﴾ مطلق، والمراد - والله أعلم - تقييدها بوصف الشدة، أو ما يناسب هذا الجرم العظيم من أكل المال بالباطل وقتل الأنفس.

стр. 2403

وقرأ الجمهور (١): ﴿نُصْلِيهِ﴾ بضم النون، وقرأ النخعي والأعمش بفتحها من صلاه الثلاثية، ومنه شاة مصلية، وقرىء أيضًا ﴿نصلّيه﴾ مشددًا، وقرىء ﴿يصليه﴾، والظاهر أن الفاعل ضمير يعود على الله؛ أي: فسوف يصليه هو؛ أي: الله تعالى، وأجاز الزمخشري: أن يعود الضمير على ذلك، قال: لكونه سببًا للمصلي، وفيه بعد. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإصلاء والإدخال في النار ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ أي: يسيرًا سهلًا هينًا على الله لا يمنعه منه مانع، ولا يدفعه عنه دافع، ولا يشفع فيه إلا بإذنه شافع، فلا يغترَّن الظالمون المعتدون بحلمه تعالى عليهم في الدنيا، وعدم معاجلتهم بالعقوبة، فيظنوا أنهم بمنجاة من عقابه في الآخرة، ولا يكونن كأولئك المشركين الذين قالوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾. ٣١ - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾ وتتركوا ﴿كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: عظائم ما نهاكم الله عنه من الذنوب، كالشرك والزنا وقتل النفس المحرمة مثلًا، وتفعلوا عزائم ما أمركم الله به، كالصلوات الخمس وصيام رمضان والزكاة والحج، ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ أي: نمحُ عنكم صغائر الذنوب، ونغفرها لكم فلا نؤاخذكم بها، فتصير بمنزلة ما لم يعمل؛ لأن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر وفعل المأمورات، ولا تكفر كبارها إلا بالتوبة والإقلاع عنها، فمعنى تكفير السيئات: إزالة ما يستحق عليها من العقوبات، وجعلها كأن لم تكن، فالمراد بالسيئات هنا الصغائر؛ لأنهم قسموا الذنوب إلى قسمين: صغائر كالنظرة واللمسة والقبلة مثلًا، وكبائر كالزنا والسرقة، وقالوا: أكبر الكبائر الشرك بالله، وأصغر الصغائر حديث النفس. وإنما زدنا في تفسير الآية قيد وتفعلوا عزائم المأمورات؛ لأنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيئات بمجرد اجتناب الكبائر، بما أخرجه النسائي وابن ماجه وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه، والبيهقي في "سننه"، عن أبي هريرة وأبي سعيد: أن النبي ﷺ جلس على المنبر ثم قال: "والذي نفسي بيده، ما من عبد يصلي الصلوات الخمس،

стр. 2404

ويصوم رمضان، ويؤدي الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع .. إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة، حتى إنها لتصفق"، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وقيل: لا يشترط ذلك بل تكفر الصغائر باجتناب الكبائر، فإنَّ اجتناب الكبائر من أعظم الطاعات، وهو المعتمد لظاهر الآية. ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾ في الآخرة ﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾؛ أي: موضعًا طيبًا ومنزلًا حسنًا، أو ندخلكم مكانًا لكم فيه الكرامة عند ربكم، وهو الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، ومعنى كونه كريمًا أنه لا نكد فيه ولا تعب، بل فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، جعلنا الله من أهلها. وقرأ ابن عباس وابن جبير (١): ﴿إن تجتنبوا كبير﴾ على الإفراد، وقرأ المفضلُ عن عاصم: ﴿يُكفِّر﴾ ﴿ويدخلكم﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ ابن عباس: ﴿من سيئاتكم﴾، بزيادة (من)، وقرأ نافع: ﴿مُدْخَلًا﴾ هنا، وفي الحج بفتح الميم، ورُويت عن أبي بكر، وقرأ باقي السبعة بضمها. واعلم: أنه قد اختلف العلماءُ في عدد الكبائر، وتحقيق معناها، فقال ابن مسعود: هي ثلاث: القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، وروي عنه أيضًا أنها أربع، فزاد الإشراك بالله، وقال عليٌّ: هي سبع، الإشراك بالله، وقتل النفس، وقذفُ المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرارُ يوم الزحف، والتعرب بعد الهجرة، وقال عبيد بن عمير: الكبائر سبع كقول علي في كل واحدة منها أية من كتاب الله، وجعل الآية في التعرب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ...﴾ الآية. والأحاديث الصحيحة (٢) كما سيأتي مختلفة في عددها، ومجموعها يزيد على سبع، ومن ثم قال ابن عباس: لما قال له رجل: الكبائر سبع؟ قال: هي إلى سبعين أقرب، وفي رواية عنه: هي إلى سبع مئة أقرب؛ إذ لا صغيرة مع

стр. 2405

الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، ومراده أن كل ذنب يرتكب لعارض يعوض على النفس، من استشاطة غضب أو ثورة شهوة، وصاحبه متمكن من دينه، يخاف الله ولا يستحل محارمه، فهو من السيئات التي يكفرها الله تعالى، إذ لولا ذلك العارض القاهر للنفس لم يكن ليجترحه تهاونًا بالدين، إذ هو بعد اجتراحه يندم ويتألم ويتوب ويرجع إلى الله تعالى، ويعزم على عدم العودة إلى اقتراف مثله، فهو إذ ذاك لأَنْ يتوب عليه ويكفر عنه أقربُ، وكل ذنب يرتكبه الإنسان مع التهاون بالأمر، وعدم المبالاة بنظر الله إليه، ورؤيته إياه حيث نهاه، فهو مهما كان صغيرًا في صورته أو في ضرره يعد كبيرًا من حيث الإصرار والاستهتار، فتطفيف الكيل والميزان ولو حبة لمن اعتاده، والهمز واللمز، وعيب الناس، والطعن في أعراضهم لمن تعوده، كل ذلك كبيرة ولا شك، وكان النبي ﷺ يذكر في كل مقام ما تمس إليه الحاجة ولم يرد الحصر والتحديد. وأما في تحقيقها فقيل: إن الذنوب كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها: صغيرة بالنسبة إلى ما هو أكبر منها، كما يقال: الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا. وقال ابن عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وقال ابن مسعود: الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آيةً، وقال سعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار فهو كبيرة، وقال جماعة من أهل الأصول: الكبائر كل ذنب رتب عليه الحد أو صرح بالوعيد فيه، وقيل: كل ذنب عظم قبحه وعظمت عقوبته، إما في الدنيا بالحدود، وإما في الآخرة بالعذاب عليه، وقيل غير ذلك مما لا طائل في ذكره. فصل في ذكر الأحاديث الواردة في الكبائر فمنها: ما روي عن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا"، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ألا وشهادة الزور، وقول الزور"، وكان متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. أخرجاه في "الصحيحين". وعن أنس بن مالك ﵁ قال: ذكر لنا رسول الله ﷺ الكبائر

стр. 2406

فقال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس"، وقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قول الزور" أو قال: "شهادة الزور" متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والزنا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" متفق عليه. وعن ابن مسعود ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك"، قال: قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" رواه البخاري. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس"، وفي رواية, أن أعرابيًّا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله"، قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس"، قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي يقتطع مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب" رواه البخاري. وعنه ﵄ أن رسول الله قال: "إن من الكبائر شتم الرجل والديه"، قالوا: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: "نعم! يسب الرجل أبا الرجل أو أمه، فيسب أباه أو أمه"، وفي رواية: "من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" وذكر الحديث، متفق عليه. الإعراب ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، مسوقة لتقرير ما سبق من

стр. 2407

الأحكام، وكونها جارية على مناهج المهتدين من الأنبياء والصالحين. ﴿لِيُبَيِّنَ﴾: اللام لام كي، ولكنها زائدة، زيدت لتأكيد إرادة التبيين. ﴿لِيُبَيِّنَ﴾: منصوب بأن مضمرة بعد اللام، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: يريد الله تبيينه لكم. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُبَيِّنَ﴾ على كونها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: يريد الله بيانه لكم، وهدايته لكم. ﴿سُنَنَ الَّذِينَ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صلة الموصول. ﴿وَيَتُوبَ﴾: معطوف أيضًا على ﴿يُبَيِّنَ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، تقديره: وتوبته عليكم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان والجملة مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. ﴿اللَّهُ﴾: الواو عاطفة. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة الفعلية؛ أعني: جملة يريد الله. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿يَتُوبَ﴾: منصوب بـ ﴿أن﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: والله يريد توبته عليكم. ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ﴾. ﴿يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿مَيْلًا﴾: مفعول مطلق. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يُرِيدُ﴾؛ تقديره: ويريد الذين يتبعون الشهوات ميلكم ميلًا عظيمًا.

стр. 2408

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر. ﴿يُخَفِّفَ﴾: منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: يريد الله تخفيفه عنكم، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾ فعل ونائب فاعل. ﴿ضَعِيفًا﴾: حال من الإنسان، وهي حال مؤكدة، والجملة مستأنفة، بمنزلة التعليل لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أيُّ﴾: منادى نكرة مقصودة. ها: حرف تنبيه زائد زيد تعويضًا عما فات أي من الإضافة، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع، أو في النصب صفة له، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿لَا تَأكُلُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة جواب النداء. ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَأكُلُوا﴾، أو حال من ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾. ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: متعلق بـ ﴿تَأكُلُوا﴾. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع بمعنى لكن. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب. ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص. ﴿تِجَارَةً﴾: خبرها منصوب على قراءة النصب، واسمها ضمير يعود على المعاملة مثلًا، وعلى قراءة الرفع فتكون تامة، ﴿تِجَارَةً﴾: فاعلها، وجملة ﴿تَكُونَ﴾ على كلا الإعرابين: صلة أن المصدرية، أن مع صلتها: في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف؛ تقديره: لكن كون المعاملة تجارة عن تراض منكم جائز، أو كون تجارة عن تراض منكم جائز، والجملة جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب. ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿تِجَارَةً﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿تَرَاضٍ﴾، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾: جازم وفعل وفاعل معطوف على جملة ﴿لَا تَأكُلُوا﴾. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾:

стр. 2409

مفعول به ومضاف إليه. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الجلالة. ﴿بِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿رَحِيمًا﴾، وهو خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: الواو استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب، أو هما. ﴿يَفْعَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مفعول به. ﴿عُدْوَانًا﴾: حال من فاعل يفعل. ﴿وَظُلْمًا﴾: معطوف عليه، ولكن بعد تأويلهما بمشتق؛ تقديره: ومن يفعل ذلك حالة كونه متعديًا على غيره، وظالمًا لنفسه، أو منصوبان على المفعول لأجله. ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب مقترنًا بـ ﴿سوف﴾، ﴿سَوْفَ﴾: حرف تنفيس. ﴿نُصْلِيهِ﴾: فعل ومفعول أول. ﴿نَارًا﴾: مفعول ثان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، ولم يجزم لفظه لاقترانه بحرف التنفيس، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرًا﴾ وهو خبر كان، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة. ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، مجزوم بحذف النون. ﴿كَبَائِرَ مَا﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿تُنْهَوْنَ﴾: فعل مغير ونائب فاعل. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد ضمير عنه. ﴿نُكَفِّرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿أَن﴾ على كونه جواب الشرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله،

стр. 2410

وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿عَنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُكَفِّرْ﴾. ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَنُدْخِلْكُمْ﴾. معطوف على ﴿نُكَفِّرْ﴾ مجزوم على كونه جواب ﴿إن﴾: الشرطية، و ﴿الكاف﴾: مفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مُدْخَلًا﴾: منصوب على الظرفية متعلق بندخل. ﴿كَرِيمًا﴾: صفة له، ويصح نصبه على المصدرية، والمدخول فيه على هذا محذوف، تقديره: وندخلكم الجنة إدخالًا كريمًا. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، السنن جمع سنة، كغرف وغرفة، والسنة: الطريقة، ويقال: تاب إلى الله توبة وتوبًا ومتابًا، من باب قال، إذا رجع من معصيته إلى طاعته، وتاب الله عليه إذا غفر له، ورجع عليه بفضله، والمعنى هنا: ويغفر لكم، ومعناه في الموضع الثاني أعني قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ التوفيق للهداية، والرجوع إلى الطاعة، ﴿الشَّهَوَاتِ﴾: جمع شهوة، كهفوات جمع هفوة، وهي المستلذات المحرمة، يقال: شها الشيء يشهو من باب دعا، ويقال: شهي يشهى - من باب رضي يرضى - شهوةً إذا أحبه ورغب فيه رغبة شديدة، ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ يقال: مال يميل من - باب باع - ميلًا وتميالًا وميلانًا وميلولةً إلى المكان عدل إليه، أو إلى الشيء، أو إلى الشخص، إذا رغب فيه أو أحبه، ومال عن الطريق إذا حاد عنه، ومال الحاكم في حكمه إذا جار وظلم، ومال الحائط إذا زال عن استوائه، والمراد هنا الميل عن الطريق المستقيم. ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ والضعيف: صفة مشبهة من ضعف يضعف ضعافة وضعافية ضد قوي، وهو من باب فعل المضموم كشرف، يجمع على ضعاف وضعفاء وضعفة وضعفى مؤنثه ضعيفة. ﴿أموالَكم﴾: جمع مال، والمال هو ما ملكته من جميع الأشياء، وهو عند أهل البادية يطلق على النعم والمواشي كالإبل والغنم، يذكر ويؤنث فيقال: هو المال، وهي المال، سمي به لميل القلب إليه، ويقال: مال يمول مولًا ومؤولًا من باب قال، يقال: مال زيد إذا صار ذا مال أو

стр. 2411

كثر ماله، وموَّله إذا صيره ذا مال، ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل: ضد الحق، يجمع على أباطيل، يقال: بطل يبطل - من باب نصر - بطلًا وبطولًا، إذا ذهب خسرًا وضياعًا فهو باطل، وفي "المراغي": الباطل من البطل، والبطلان وهو الضياع والخسار، وفي الشرع: أخذ المال بدون عوض حقيقي يعتد به، ولا رضي ممن يؤخد منه، أو إنفاقه في غير وجه حقيقي نافع، فيدخل في ذلك الغصب والغش والربا والغبن وإنفاق المال في الوجوه المحرمة والإسراف بوضع المال فيما لا يرضى به العقلاء، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ﴾: اجتنب من باب افتعل، والاجتناب: ترك الشيء جانبًا، والكبائر جمع كبيرة ككريمة وكرماء، وهي المعصية العظيمة، ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾ والسيئات: جمع سيئة، وهي الفعلة التي تسوء صاحبها عاجلًا أو آجلًا، والمراد بها هنا الصغائر، كما هو مذهب الجمهور. ﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: وفي "السمين": قرأ (١) نافع وحده هنا، وفي الحج ﴿مُدْخَلًا﴾ بفتح الميم، والباقون بضمها، ولم يختلفوا في ضم التي في الإسراء كما مرَّ. فأما المضموم الميم فإنه يحتمل وجهين: أحدهما: أنه مصدر، وقد علم أن المصدر الميمي من الرباعي فما فوقه، كاسم المفعول منه، والمدخول فيه على هذا محذوف؛ أي: وندخلكم الجنة إدخالًا كريمًا. والثاني: أنه اسم مكان الدخول. وفي نصبه حينئذ احتمالان: أحدهما: أنه منصوب على الظرف، وهو مذهب سيبويه. والثاني: أنه مفعول به، وهو مذهب الأخفش، وهكذا كل مكان مختص بعد دخل، فإن فيه هذين المذهبين، وهذه القراءة واضحة، لأن اسم المصدر والمكان جاريان على فعلهما، وأما قراءة نافع: فتحتاج إلى تأويل، وذلك لأن

стр. 2412

المفتوح الميم إنما هو من الثلاثي، والفعل السابق لهذا كما رأيت رباعي، فقيل: إنه منصوب بفعل مقدر مطاوع لهذا الفعل المذكور، والتقدير: وندخلكم فتدخلون مدخلًا، ومدخلًا منصوب على ما تقدم إما المصدرية وإما المكانية بوجهيها، وقيل: هو مصدر على حذف الزوائد، نحو أنبتكم من الأرض نباتًا على إحدى القراءتين انتهى. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والبديع (١): منها: التكرار في اسم الله وفي قوله: ﴿يُرِيدُ﴾ في أربعة مواضع، وفي قوله: ﴿يَتُوبَ﴾، ﴿أَنْ يَتُوبَ﴾. ومنها: إطلاق المستقبل على الماضي في قوله: ﴿يُرِيدُ﴾، وفي قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾؛ لأن إرادة الله وبيانه قديمان؛ إذ تبيانه في كتبه المنزلة، والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾، وفي قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾؛ لأنه استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام؛ لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق. وفي قوله: ﴿أَنْ يُخَفِّفَ﴾ لأن التخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف: رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني. وفي قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ جعله ضعيفًا باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله. ومنها: الزيادة في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، قال الزمخشري: تقديره: يريد الله أن يبين لكم، فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين، كما زيدت في لا أبا لك؛ لتأكيد إضافة الأب كما مر ذلك. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾؛ لأنه مجاز عن

стр. 2413

مطلق الأخذ؛ لأن المراد النهي عن مطلق الأخذ، وإنما خص الأكل بالذكر؛ لأن معظم المقصود من الأموال الأكل. ومنها: الحذف في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ لأنه على تقدير إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه وتفعلوا الطاعات؛ لأن التكفير ليس مرتبًا على الاجتناب فقط، بل لا بد معه من فعل الطاعات. ومنها: قصد الدلالة على الثبوت في جملة، وعلى التجدد في أخرى، في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ لأنه جاءت الجملة الأولى اسمية والثانية فعلية، لإظهار تأكيد الجملة الأولى؛ لأنها أدل على الثبوت، ولتكرير اسم الله تعالى فيها على طريق الإظهار والإضمار، وأما الجملة الثانية: فجاءت فعلية مشعرة بالتجدد؛ لأن إرادتهم تتجدد في كل وقت. ومنها: إطلاق الكل وإرادة البعض في قوله: ﴿لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ لأن إضافة الأموال إلى المخاطبين معناه أموال بعضكم، كما قال تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. والله أعلم * * *

стр. 2414

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣) الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنه تعالى لما نهى عن أكل المال بالباطل، وعن قتل الأنفس، وكان ما نهى عنه مدعاة إلى التبسط في الدنيا والعلو فيها، وتحصيل حطامها .. نهاهم عن تمني ما فضل الله به بعضهم على بعض؛ إذ التمني لذلك سبب مؤثر في تحصيل الدنيا، وشوق النفس إليها بكل طريق، فلم يكتف بالنهي عن تحصيل المال بالباطل، وقتل الأنفس، حتى نهى عن السبب المحرض على ذلك، وكانت المبادرة إلى النهي عن السبب آكد لفظاعته ومشقته، فبدىء به، ثم أتبع بالنهي عن السبب حسمًا لمادة المسبب، وليوافق العمل القلبي العمل الخارجي، فيستوي الباطن والظاهر في الامتناع عن الأفعال القبيحة. وقال في "المراغي" (٢): المناسبة: أن الله لما نهى عن أكل

стр. 2415

أموال الناس بالباطل، وعن القتل، وتوعد فاعلهما بالويل والثبور، وهما من أفعال الجوارح؛ ليصير الظاهر طاهرًا عن المعاصي الوخيمة العاقبة .. نهى عن التمني، وهو التعرض لها بالقلب حسدًا؛ لتطهر أعمالهم الباطنة، فيكون الباطن موافقًا للظاهر، ولأن التمني قد يجر إلى الأكل، والأكل قد يقول إلى القتل، فإن من يرتع حول الحمى .. يوشك أن يقع فيه انتهى. وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ ...﴾ قال أبو حيان (١): مناسبتها لما قبلها: أنه لما نهى عن التمني المذكور، وأمر بسؤال الله من فضله .. أخبر تعالى بشيء من أحوال الميراث، وأن في شرعه ذلك مصلحة عظيمة، من تحصيل مال للوارث لم يسع فيه، ولم يتعن فيه بطلب فرب ساع لقاعد. وقال المراغي: مناسبتها لما قبلها: أن الله لما (٢) نهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن تمني أحد ما فضل الله به غيره عليه من المال، حتى لا يسوقه التمني إلى التعدي، وهو وإن كان نهيًا عامًّا، فالسياق يعين المراد منه، وهو المال؛ لأن أكثر التمني يتعلق به، ثم ذكر القاعدة العامة في حيازة الثروة وهي الكسب .. انتقل إلى نوع آخر تأتي به الحيازة وهو الإرث. قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها (٣): أن الله لما نهى كلًّا من الرجال والنساء عن تمني ما فضل الله به بعضهم على بعض وأرشدهم إلى الاعتماد في أمر الرزق على كسبهم، وأمرهم أن يؤتوا الوارثين أنصبتهم، وفي هذه الأنصبة يستبين تفضيل الرجال على النساء .. ذكر هنا أسباب التفضيل.

стр. 2416

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ...﴾ سبب نزوله (١): ما رواه الترمذي والحاكم عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ...﴾، وأنزل فيها ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل أفنحن في العمل هكذا، إن عملت المرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ...﴾ الآية أخرج (٢) أبو داود في سننه من طريق ابن إسحاق عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد ابنة الربيع، وكانت مقيمة في حجر أبي بكر فقرأت: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ فقالت: لا ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ وإنما نزلت في أبي بكر وابنه، حين أبى الإِسلام، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم أمره أن يؤتيه نصيبه. قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ...﴾ سبب نزوله: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله ﷺ : "القصاص"، فأنزل الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ...﴾ الآية فرجعت بغير قصاص. وروي أن سعد بن الربيع - كان نقيبًا من نقباء الأنصار - نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد، فلطمها فأنطلق معها أبوها إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي ﷺ : "لتقتص منه"، فنزلت ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فقال: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا والذي أراد الله خير" وأخرج (٣)

стр. 2417

ابن جرير من طرق عن الحسن، وفي بعضها أن رجلًا من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي ﷺ بينهما القصاص فنزلت: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾، ونزلت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. وأخرج نحوه عن ابن جريج والسدي وأخرج ابن مردويه عن علي قال: أتى النبي ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله إنه ضربني، فأثر في وجهي، فقال رسول الله ﷺ : "ليس له ذلك" فأنزل الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ...﴾ الآية، فهذه شواهد يقوي بعضها بعضًا. التفسير وأوجه القراءة ٣٢ - ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: لا تغتبطوا أيها المؤمنون كون ما فضل الله وخص به بعضكم، ورفعه به على بعض آخر من الأمور الدنيوية أو الدينية، كالجاه والمال والعلم والطاعة لأنفسكم، ولا تنافسوا فيه؛ لأن ذلك (١) التفضيل قسمة من الله، صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض، فعلى كل واحد أن يرضى بما قُسم له، ولا يحسد أخاه على حظه، فالحسد أن يتمنى أن يكون ذلك الشيء له ويزول عن صاحبه، والغبطة أن يتمنى مثلما لغيره، وهو مرخص فيه، والأول منهي عنه. والتمني (٢): هو التعلق بحصول أمر في المستقبل عكس التلهف؛ لأنه التعلق بحصول أمر في الماضي، فإن تعلق بانتقال ما لغيره له، أو لغيره مع زواله عنه، فهو حسد مذموم، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وفي ذلك قال الإِمام أحمد بن حنبل: ألاَ قُلْ لِمَنْ بَاتَ لِيْ حَاسِدَا ... أَتَدْرِيْ عَلَى مَنْ أَسَأتَ الأدَبْ

стр. 2418

أَسَأتَ عَلَى اللهِ في فِعْلِهِ ... كَأَنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِيْ مَا وَهَبْ فَكَانَ جَزَاؤُكَ أَنْ خَصَّنِي ... وَسَدَّ عَلَيْكَ طَرِيْقَ الطَّلَبْ وإن تعلق بمثل ما لغيره مع بقاء نعمته، فإن كان تقوى أو صلاحًا، أو إنفاق مال في الخير .. فهو مندوب، وهو المعني بقوله ﵊: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الخير، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها، ويعلمها الناس" وأما إن تمنى المال لمجرد الغنى .. فهو جائز. قال ابن عباس (١): لا يتمنى الرجل مال غيره، ودابته وامرأته ولا شيئًا من الذي ثبت له، كالجاه وغير ذلك مما يجري فيه التنافس، وذلك هو الحسد المذموم؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله تعالى صادرة عن حكمة وتدبير لائق بأحوال العباد، متفرع على العلم بجلائل شؤونهم ودقائقها، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وقولوا: اللهم ارزقنا مثله أو خيرًا منه مع التفويض. قيل: نزلت هذ الآية في حق أم سلمة زوج النبي ﷺ ، حين قالت للنبي ﷺ : ليت الله كتب علينا ما كتب على الرجال لكي نؤجر كما يؤجر الرجال، فنهى الله عن ذلك، وقال: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ﴾؛ أي: الرجال ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: النساء، من الجماعة والجمعة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بين الله ثواب كل من الرجال والنساء باكتسابهم فقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظ من الثواب والأجر ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾؛ أي: على ما اكتسبوا، وعملوا من الخيرات، كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنفقة على النساء. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾؛ أي: ثواب ﴿مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾؛ أي: على ما عملن من الخيرات في بيوتهن، كحفظ فروجهن وطاعة الله وأزواجهن، وقيامهن بمصالح البيت من الطبخ والخبز، وحفظ الثياب ومصالح المعاش وكالطلق والارضاع. أي: إن الله (٢) كلف كلًّا من الرجال والنساء أعمالًا، فما

стр. 2419

كان خاصًّا بالرجال لهم نصيب من أجره لا يشاركم فيه النساءُ، وما كان خاصًّا بالنساء لهن نصيب من أجره، لا يشاركهن فيه الرجال، وليس لأحدهما أن يتمنى ما هو مختص بالآخر، وقد أراد أن يختص النساء بأعمال البيوت، والرجالُ بالأعمال الشاقة التي في خارجها، ليتقن كل منهما عمله، ويقوم بما يجب عليه مع الإخلاص. وعلى كل منهما أن يسأل ربه الإعانة، والقوة على ما نيط به من عمل، ولا يجوز أن يتمنى ما نيط بالآخر، ويدخل في هذا النهي تمني كل ما هو من الأمور الخلقية، كالعقل والجمال؛ إذ لا فائدة في تمنيها لمن لم يعطها، ولا يدخل فيه ما يقع تحت قدرة الإنسان من الأمور الكسبية؛ إذ يحمد من الناس أن ينظر بعضهم إلى ما نال الآخرون، ويتمنوا لأنفسهم مثله أو خيرًا منه بالسعي والجد. والخلاصة: أنه تعالى طلب إلينا أن نوجه الأنظار والأفكار إلى ما يقع تحت كسبنا، ولا نوجهها إلى ما ليس في استطاعتنا، فإنما الفضل بالأعمال الكسبية، فلا تتمنوا شيئًا بغير كسبكم وعملكم، فعلى المسلم أن يعتمد على مواهبه وقواه في كل مطالبه، بالجد والاجتهاد، مع رجاء فضل الله فيما لا يصل إليه كسبه، إما للجهل به وإما للعجز عنه، فالزارع مثلًا يجتهد في زراعته، ويتبع السنن والأسباب التي سنها الله تعالى لعمله، ويسأل الله أن يمنع الآفات والجوائح عنه. روى عكرمة أن النساء سألن الجهاد فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فنزلت: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ﴾ أيها المؤمنون والمؤمنات ما احتجتم إليه من حوائج الدين والدنيا، يعطكم ﴿مِن﴾ خزائن ﴿فَضْلِهِ﴾ وإحسانه وإنعامه، فإن خزائنه مملوءة لا تنفذ، ولا تتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فضل عليكم. قال الفخر الرازي (١): قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ تنبيه على أن

стр. 2420

الإنسان لا يجوز له أن يعين شيئًا في الطلب والدعاء، ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سببًا لصلاحه في دينه ودنياه، على سبيل الإطلاق انتهى. وقد ورد في الحديث (١): "لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني اللهم أعطني مثله"، وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "سلوا الله من فضله فالله يحب أن يسأل وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج". وقرأ ابن كثير والكسائي (٢): ﴿وسلوا﴾ بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على السين، وذلك إذا كان أمرًا للمخاطب وقبل السين واو أو فاء، نحو ﴿فسل الذين يقرؤون الكتاب﴾ و ﴿فسلوا أهل الذكر﴾، وقرأ باقي السبعة بالهمز. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ - ومنه محل فضله وسؤالكم - ﴿عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا به، ولذلك جعل الناس على طبقات، فرفع بعضهم على بعض درجات بحسب مراتب استعدادهم، وتفاوت اجتهادهم في معترك الحياة، ولا يزال العاملون يستزيدونه، ولا يزال ينزل عليهم من جوده وكرمه ما يفضلون به القاعدين الكسالى، حتى بلغ التفاوت بين الناس في الفضل حدًّا بعيدًا، وكاد التفاوت بين الشعوب يكون أبعد من التفاوت بين بعض الحيوان وبعض الإنسان؛ أي: فإنه (٣) تعالى هو العالم بما يكون صلاحًا للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل، وليحترز في دعائه عن التعيين، فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر. ٣٣ - ﴿وَلِكُلٍّ﴾ إنسان ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾؛ أي: أولياء وأقارب ورثة يرثون ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾؛ أي: يرثون من المال الذي تركه الوالدان والأقربون إن ماتوا، فيكون الوالدان والأقربون موروثين لا وارثين، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ مبتدأ خبره ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾؛ أي: والحلفاء الذين عقدتم لهم عقد
следующие страницы →