← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ...﴾ سبب نزوله (١): ما رواه الترمذي والحاكم عن أم سلمة أنها قالت: يغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث، فأنزل الله قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ...﴾، وأنزل فيها ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل أفنحن في العمل هكذا، إن عملت المرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ...﴾ الآية أخرج (٢) أبو داود في سننه من طريق ابن إسحاق عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد ابنة الربيع، وكانت مقيمة في حجر أبي بكر فقرأت: ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ فقالت: لا ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ﴾ وإنما نزلت في أبي بكر وابنه، حين أبى الإِسلام، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم أمره أن يؤتيه نصيبه. قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ...﴾ سبب نزوله: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تستعدي على زوجها أنه لطمها، فقال رسول الله ﷺ : "القصاص"، فأنزل الله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ...﴾ الآية فرجعت بغير قصاص. وروي أن سعد بن الربيع - كان نقيبًا من نقباء الأنصار - نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد، فلطمها فأنطلق معها أبوها إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي ﷺ : "لتقتص منه"، فنزلت ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، فقال: "أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا والذي أراد الله خير" وأخرج (٣)

стр. 2417

ابن جرير من طرق عن الحسن، وفي بعضها أن رجلًا من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي ﷺ بينهما القصاص فنزلت: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾، ونزلت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾. وأخرج نحوه عن ابن جريج والسدي وأخرج ابن مردويه عن علي قال: أتى النبي ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله إنه ضربني، فأثر في وجهي، فقال رسول الله ﷺ : "ليس له ذلك" فأنزل الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ...﴾ الآية، فهذه شواهد يقوي بعضها بعضًا. التفسير وأوجه القراءة ٣٢ - ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: لا تغتبطوا أيها المؤمنون كون ما فضل الله وخص به بعضكم، ورفعه به على بعض آخر من الأمور الدنيوية أو الدينية، كالجاه والمال والعلم والطاعة لأنفسكم، ولا تنافسوا فيه؛ لأن ذلك (١) التفضيل قسمة من الله، صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد، وبما ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض، فعلى كل واحد أن يرضى بما قُسم له، ولا يحسد أخاه على حظه، فالحسد أن يتمنى أن يكون ذلك الشيء له ويزول عن صاحبه، والغبطة أن يتمنى مثلما لغيره، وهو مرخص فيه، والأول منهي عنه. والتمني (٢): هو التعلق بحصول أمر في المستقبل عكس التلهف؛ لأنه التعلق بحصول أمر في الماضي، فإن تعلق بانتقال ما لغيره له، أو لغيره مع زواله عنه، فهو حسد مذموم، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وفي ذلك قال الإِمام أحمد بن حنبل: ألاَ قُلْ لِمَنْ بَاتَ لِيْ حَاسِدَا ... أَتَدْرِيْ عَلَى مَنْ أَسَأتَ الأدَبْ

стр. 2418

أَسَأتَ عَلَى اللهِ في فِعْلِهِ ... كَأَنَّكَ لَمْ تَرْضَ لِيْ مَا وَهَبْ فَكَانَ جَزَاؤُكَ أَنْ خَصَّنِي ... وَسَدَّ عَلَيْكَ طَرِيْقَ الطَّلَبْ وإن تعلق بمثل ما لغيره مع بقاء نعمته، فإن كان تقوى أو صلاحًا، أو إنفاق مال في الخير .. فهو مندوب، وهو المعني بقوله ﵊: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الخير، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها، ويعلمها الناس" وأما إن تمنى المال لمجرد الغنى .. فهو جائز. قال ابن عباس (١): لا يتمنى الرجل مال غيره، ودابته وامرأته ولا شيئًا من الذي ثبت له، كالجاه وغير ذلك مما يجري فيه التنافس، وذلك هو الحسد المذموم؛ لأن ذلك التفضيل قسمة من الله تعالى صادرة عن حكمة وتدبير لائق بأحوال العباد، متفرع على العلم بجلائل شؤونهم ودقائقها، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وقولوا: اللهم ارزقنا مثله أو خيرًا منه مع التفويض. قيل: نزلت هذ الآية في حق أم سلمة زوج النبي ﷺ ، حين قالت للنبي ﷺ : ليت الله كتب علينا ما كتب على الرجال لكي نؤجر كما يؤجر الرجال، فنهى الله عن ذلك، وقال: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ﴾؛ أي: الرجال ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: النساء، من الجماعة والجمعة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بين الله ثواب كل من الرجال والنساء باكتسابهم فقال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظ من الثواب والأجر ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾؛ أي: على ما اكتسبوا، وعملوا من الخيرات، كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنفقة على النساء. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾؛ أي: ثواب ﴿مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾؛ أي: على ما عملن من الخيرات في بيوتهن، كحفظ فروجهن وطاعة الله وأزواجهن، وقيامهن بمصالح البيت من الطبخ والخبز، وحفظ الثياب ومصالح المعاش وكالطلق والارضاع. أي: إن الله (٢) كلف كلًّا من الرجال والنساء أعمالًا، فما

стр. 2419

كان خاصًّا بالرجال لهم نصيب من أجره لا يشاركم فيه النساءُ، وما كان خاصًّا بالنساء لهن نصيب من أجره، لا يشاركهن فيه الرجال، وليس لأحدهما أن يتمنى ما هو مختص بالآخر، وقد أراد أن يختص النساء بأعمال البيوت، والرجالُ بالأعمال الشاقة التي في خارجها، ليتقن كل منهما عمله، ويقوم بما يجب عليه مع الإخلاص. وعلى كل منهما أن يسأل ربه الإعانة، والقوة على ما نيط به من عمل، ولا يجوز أن يتمنى ما نيط بالآخر، ويدخل في هذا النهي تمني كل ما هو من الأمور الخلقية، كالعقل والجمال؛ إذ لا فائدة في تمنيها لمن لم يعطها، ولا يدخل فيه ما يقع تحت قدرة الإنسان من الأمور الكسبية؛ إذ يحمد من الناس أن ينظر بعضهم إلى ما نال الآخرون، ويتمنوا لأنفسهم مثله أو خيرًا منه بالسعي والجد. والخلاصة: أنه تعالى طلب إلينا أن نوجه الأنظار والأفكار إلى ما يقع تحت كسبنا، ولا نوجهها إلى ما ليس في استطاعتنا، فإنما الفضل بالأعمال الكسبية، فلا تتمنوا شيئًا بغير كسبكم وعملكم، فعلى المسلم أن يعتمد على مواهبه وقواه في كل مطالبه، بالجد والاجتهاد، مع رجاء فضل الله فيما لا يصل إليه كسبه، إما للجهل به وإما للعجز عنه، فالزارع مثلًا يجتهد في زراعته، ويتبع السنن والأسباب التي سنها الله تعالى لعمله، ويسأل الله أن يمنع الآفات والجوائح عنه. روى عكرمة أن النساء سألن الجهاد فقلن: وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال، فنزلت: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ﴾ أيها المؤمنون والمؤمنات ما احتجتم إليه من حوائج الدين والدنيا، يعطكم ﴿مِن﴾ خزائن ﴿فَضْلِهِ﴾ وإحسانه وإنعامه، فإن خزائنه مملوءة لا تنفذ، ولا تتمنوا نصيب غيركم ولا تحسدوا من فضل عليكم. قال الفخر الرازي (١): قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ تنبيه على أن

стр. 2420

الإنسان لا يجوز له أن يعين شيئًا في الطلب والدعاء، ولكن يطلب من فضل الله ما يكون سببًا لصلاحه في دينه ودنياه، على سبيل الإطلاق انتهى. وقد ورد في الحديث (١): "لا يتمنين أحدكم مال أخيه، ولكن ليقل: اللهم ارزقني اللهم أعطني مثله"، وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "سلوا الله من فضله فالله يحب أن يسأل وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج". وقرأ ابن كثير والكسائي (٢): ﴿وسلوا﴾ بحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على السين، وذلك إذا كان أمرًا للمخاطب وقبل السين واو أو فاء، نحو ﴿فسل الذين يقرؤون الكتاب﴾ و ﴿فسلوا أهل الذكر﴾، وقرأ باقي السبعة بالهمز. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ - ومنه محل فضله وسؤالكم - ﴿عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا به، ولذلك جعل الناس على طبقات، فرفع بعضهم على بعض درجات بحسب مراتب استعدادهم، وتفاوت اجتهادهم في معترك الحياة، ولا يزال العاملون يستزيدونه، ولا يزال ينزل عليهم من جوده وكرمه ما يفضلون به القاعدين الكسالى، حتى بلغ التفاوت بين الناس في الفضل حدًّا بعيدًا، وكاد التفاوت بين الشعوب يكون أبعد من التفاوت بين بعض الحيوان وبعض الإنسان؛ أي: فإنه (٣) تعالى هو العالم بما يكون صلاحًا للسائلين، فليقتصر السائل على المجمل، وليحترز في دعائه عن التعيين، فربما كان ذلك محض المفسدة والضرر. ٣٣ - ﴿وَلِكُلٍّ﴾ إنسان ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾؛ أي: أولياء وأقارب ورثة يرثون ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾؛ أي: يرثون من المال الذي تركه الوالدان والأقربون إن ماتوا، فيكون الوالدان والأقربون موروثين لا وارثين، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ مبتدأ خبره ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾؛ أي: والحلفاء الذين عقدتم لهم عقد

стр. 2421

الحلف والنصرة وصافحت أيمانكم أيمانهم عند العقد، فآتوهم وأعطوهم الآن؛ أي: في صدر الإِسلام نصيبهم وحظهم الذي تعطونهم في الجاهلية وهو السدس، وكان الحليف في الجاهلية يرث السدس من مال حليفه فنسخ بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ وهذا التفسير مرويٌّ عن ابن عباس. وقيل معنى الآية: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أي: ولكل (١) من الرجال الذين لهم نصيبٌ مما اكتسبوا، ومن النساء اللاتي لهن نصيب مما اكتسبن جعلنا موالي مما ترك؛ أي: أقارب وأولياء لهم حق الولاية على ما يتركونه من كسبهم ومالهم ويرثونه منهم، ثم بيَّن هؤلاء الموالي فقال: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ أي: أولئك الموالي الذين يرثون كلًّا من الفريقين هم الوالدان والأقربون والأزواج، الذين عقدت لهم أيمانكم؛ أي: إن هؤلاء الموالي هم جميع الورثة، من الأصول والفروع والحواشي والأزواج الذين عقدت أيمانكم، فإن كلًّا من الزوجين له حق الإرث بالعقد، والمتعارف عند الناس في العقد أن يكون المصافحة باليدين، قاله أبو مسلم الأصفهاني. ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾؛ أي: فأعطوهم هؤلاء الموالي نصيبهم المقدر لهم، ولا تنقصوهم منه شيئًا، وقيل: إن (٢) لفظة كل واقعة على تركة، ومما ترك بيان لـ (كل)، والمعنى: ولكل تركة كائنة مما ترك الوالدان والأقربون، ومما ترك الزوج والزوجة الذين عقدت أيمانكم جعلنا موالي وورثة متفاوتة في الدرجة، يلونها ويحرزون منها أنصبائهم بحسب استحقاقهم، فالمراد بالذين عقدت أيمانكم الأزواج والزوجات، فالنكاح يسمى عقدًا، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني. ويصح (٣) أن تكون جملة جعلنا موالي صفة لكل، والضمير الراجع إليه محذوف، والكلام مبتدأ وخبر، والمعنى حينئذ: ولكل قوم جعلناهم وارثًا نصيب معين مغاير لنصيب قوم آخرين، مما ترك المورثون، فآتوهم نصيبهم من الميراث.

стр. 2422

وقيل: المراد من قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الحلفاء، وبقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ النصرة والنصيحة والمصافاة في العشرة، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ متضمن معنى الشرط، خبره ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، وعلى هذه الوجوه فليست الآية منسوخة، بخلاف ما لو حمل الذين عقدت أيمانكم على الحلفاء في الجاهلية، وقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ على الميراث وهو السدس، فالآية حينئذ منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، وكذا لو حمل على مؤاخاة النبي ﷺ أو على الأبناء الأدعياء. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أعمالكم وغيرها ﴿شَهِيدًا﴾؛ أي: مطلعًا عالمًا بها، فهو عالم الغيب والشهادة؛ أي: إن الله رقيب شاهد على تصرفاتكم في التركة وغيرها، فلا يطمعنَّ من بيده المال أن يأكل من نصيب أحد الورثة شيئًا، سواء أكان ذكرًا أم أنثى، كبيرًا أم صغيرًا، وجاءت هذه الآية لمنع طمع بعض الوارثين في نصيب بعض. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالألف والمفعول محذوف؛ أي: عاقدتهم أيمانكم، وقرىء ﴿عَقَدَت﴾ بغير ألف، والمفعول محذوف أيضًا هو والعائد تقديره: عقدت حلفهم أيمانكم، وروي عن حمزة أنه قرأ: ﴿عقّدت﴾ بتشديد القاف على التكثير؛ أي: والذين عقدت لهم أيمانكم الحلف. ٣٤ - ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾، أي: مسلطون ﴿عَلَى﴾ تأديب ﴿النِّسَاءِ﴾ تسليط الولاة على الرعايا ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن بكمال العقل، وحسن التدبير ورزانة الرأي، ومزيد القوة في الأعمال والطاعات، ولذِلك خُصوا بالنبوة والإمامة والولاية وإقامة الشعائر، والشهادة في جميع القضايا، ووجوب الجهاد والجمعة وغير ذلك، لكون الرجل يتزوج بأربع نسوة ولا يجوز للمرأة غير زوج واحد، ومنه زيادة النصيب في الميراث، وبيده الطلاق والنكاح والرجعة وإليه الانتساب، فكل هذا يدل على فضل الرجال على

стр. 2423

النساء، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: وبسبب إنفاقهم عليهن من أموالهم في المهور والنفقات ومؤن النساء. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد .. لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" أخرجه الترمذي. أي: إن من (١) شأن الرجال أن يقوموا على النساء بالحماية والرعاية، وتبع هذا فرض الجهاد عليهم دونهن؛ لأن ذلك من أخص شؤون الحماية، وجعل حظهم من الميراث أكثر من حظهن؛ لأن عليهم من النفقة ما ليس عليهن، وسبب هذا: أن الله فضل الرجال على النساء في الخلقة، وأعطاهم ما لم يعطهن من الحول والقوة، كما فضلهم بالقدرة على الإنفاق على النساء من أموالهم، فإن في المهور تعويضًا للنساء، ومكافأة لهن على الدخول تحت رياسة الرجال، وقبول القيامة عليهن نظير عوض مالي يأخذنه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. والمراد بالقيام: الرياسة التي يتصرف فيها المرؤوس بإرادة الرئيس واختياره؛ إذ لا معنى للقيام إلا الإرشاد والمراقبة في تنفيذ ما يرشد إليه وملاحظة أعماله، ومن ذلك حفظ المنزل، وعدم مفارقته إلا بإذنه، ولو لزيارة القربى وتقدير النفقة فيه، فهو الذي يقدرها بحسب ميسرته، والمرأة هي التي تنفذ على الوجه الذي يرضيه ويناسب حاله سعة وضيقًا. ولقيام الرجل بحماية المرأة وكفايتها ومختلف شؤونها يمكنها أن تقوم بوظيفتها الفطرية، وهي الحمل والولادة وتربية الأطفال، وهي آمنة في سربها، مكفية ما يهمها من أمور أرزاقها. ثم فصل حال النساء في الحياة المنزلية، التي تكون المرأة فيها تحت رياسة الرجل، فذكر أنها قسمان: قسم صالحات مطيعات، وقسم عاصيات متمردات، فذكر القسم الأول بقوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾؛ أي: فالنساء اللاتي يراعين حقوق الله وحقوق العباد، ﴿قَانِتَاتٌ﴾؛ أي:

стр. 2424

مطيعات لله ولأزواجهن ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي: حافظات للسر الذي يجري بينهن وبين أزواجهن في الخلوة من الرفث - الجماع - والشؤون الخاصة بالزوجية، لا يطلعن أحدًا على ذلك السر، ولو قريبًا، وبالأولى يحفظن العرض من يد تلمس أو عين تبصر أو أذن تسمع، أو حافظات لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهن عنهن، من حفظ نفوسهن وأموالهم، ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أي: بسبب تحفيظ الله إياهن ذلك السر، وأمره إياهن بحفظه، فهن يطعنه ويعصين الهوى، أو حافظات لغيب أزواجهن بحفظ الله لهن ومعونته وتسديده، أو حافظات بما استحفظهن الله من أداء الأمانة إلى أزواجهن، على الوجه الذي أمر الله به، أو حافظات له بحفظ الله لهن بما أوصى به الأزواج في شأنهن من حسن العشرة، وقرأ أبو جعفر: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ بنصب الاسم الشريف على حذف المضاف؛ أي: بسبب حفظهن حدود الله وأوامره، وفي الآية: أكبر زجر وعظة لمن تتفكه من النساء بإفشاء الأسرار الزوجية، ولا تحفظ الغيب فيها، وفي الحديث: "إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه". وكذلك: عليهن أن يحفظن أموال الرجال، وما يتصل بها من الضياع، روى ابن جرير والبيهقي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها". وقرأ الآية. وهذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن سلطان التأديب، إذ لا يوجد ما يدعو إليه، وإنما سلطانهم على القسم الثاني، الذي ذكره الله تعالى، وذكر حكمه بقوله: ﴿و﴾ النساء ﴿اللاتي تخافون نشوزهن﴾؛ أي: تظنون عصيانهن لكم وخروجهن عن طاعتكم، برؤية أمارات النشوز عليها، قولًا كأن كانت تلبيه أولًا إذا دعاها، وتخضع له إذا خاطبها، فرفعت عليه صوتها، أو لم تجبه إذا دعاها أو فعلًا كأن كانت تقوم له إذا دخل عليها وتسرع إلى أمره إذا أمرها، فرأى منها خلاف ذلك، أو تعلمون نشوزهن كأن دعاها إلى فراشه فأبت منه بغير عذر، ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾؛ أي: فانصحوا لهن بالترهيب والترغيب، وذكروهن بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وخوفوهن عقوبة الله على النشوز، كأن يقول لها: اتقي الله وخافيه، فإن لي عليك حقًّا وارجعي عما

стр. 2425

أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك، ونحو ذلك فإن أصرت على ذلك .. هجرها في المضجع، كما قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: وأعرضوا عنهن في المراقد والمفارش، وحولوا عنهن وجوهكم في المضاجع، فلا تدخلوهن تحت اللحاف إذا حققتم منهن النشوز، ولم ينفعهن الوعظ والنصيحة بالقول، فإن أصرف على النشوز بعد الوعظ والهجران .. ضربها ضربًا غير مبرح، كما قال تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ إن لم ينجح الهجران ضربًا لا يكسر عظمًا، ولا ينهر دمًا، ولا يورث شينًا، والأولى ترك الضرب كما يستفاد من الأحاديث الصحيحة. عن حكيم بن معاوية عن أبيه قال: "قلتُ يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت". أخرجه أبو داود، قوله: "ولا تقبح"؛ أي: لا تقل قبحك الله. وعن عبد الله بن زمعة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم لعله يجامعها - أو قال يضاجعها - من آخر اليوم" متفق عليه. وعن عمرو بن الأحوص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ، وذكر في الحديث قصة فقال: "ألا فاستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما من عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا". أخرجه الترمذي، بزيادة قوله: "عوان" جمع عانية؛ أي: أسيرة، شبه المرأة ودخولها تحت أمر زوجها بالأسير، والضرب المبرح: الشديد الشاق. وعن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته". أخرجه أبو داود. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان عليها .. لعنتها الملائكة حتى تصبح". متفق عليه.

стр. 2426

وفي رواية أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فأبت عليه .. إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها". وفي رواية: "إذا باتت مهاجرة فراش زوجها .. لعنتها الملائكة حتى تصبح". وفي أخرى "حتى ترجع". وعن طَلْقِ بن علي: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى حاجة، فلتأته وإن كانت على التنور" أخرجه الترمذي. وله عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو دخيل عندك يوشك أن يفارقك إلينا". وله عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة". ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾؛ أي؛ فإن رجعْن عن النشوز إلى طاعتكم عند هذا التأديب ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾؛ أي: فلا تطلبوا عليهن طريقًا إلى الضرب والهجران، على سبيل التعنت والإذاية، ولا تتعرضوهن بما وقع من النشوز، واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. أو المعنى: فإن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية .. فلا تبغوا ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيرها، فابدؤوا بما بدأ الله به، من الوعظ ثم الهجر ثم الضرب ثم التحكيم، ومتى استقام لكم ظاهر حالها .. فلا تبحثوا عما في سرائرها من الحب والبغض. ثم هدد وخوف من يظلم النساء ويبغي عليهن فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿كَانَ عَلِيًّا﴾؛ أي: متصفًا بجميع صفات الكمال ﴿كَبِيرًا﴾؛ أي: متنزهًا عن جميع النقائص، والمعنى: إن الله تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم ما لا تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن ما لا طاقة لهن من المحبة، وأنه تعالى مع ذلك يتجاوز عن سيئاتكم، فأنتم أحق بالعفو عن أزواجكم عند طاعتهن لكم. فكأنه يقول لهم: إن سلطانه عليكم فوق سلطانكم على نسائكم، فإذا بغيتم

стр. 2427

عليهن .. عاقبكم، وإن تجاوزتم عن هفواتهن كرمًا .. تجاوز عنكم، وكفر عنكم سيئاتكم. وليس بخاف أن الرجال الذين يستذلون نسائهم إنما يلدون عبيدًا لغيرهم؛ إذ هم يتربون على الظلم ويستسيغونه، ولا يكون في نفوسهم شيء من الكرامة ولا من الشمم والإباء، وأمّة تُخرج أبناءً كهؤلاءِ إنما تُربي عبيدًا أذلاء، لا يقومون بنصرتها، ولا يغارون لكرامتها، فما أحراهم بأن يكونوا قطعانًا من الغنم تزدجِرُ من كل راع، وتستجيب لكل ناعق. استدراك في معنى قوله: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ...﴾ الآية: والحاصل: أن اللاتي (١) تأنسون منهن الترفع، وتخافون أن لا يقمن بحقوق الزوجية على الوجه الذي ترضونه .. فعليكم أن تعاملوهن على النهج الآتي: ١ - أن تبدؤوا بالوعظ الذي ترون أنه يؤثر في نفوسهن، فمن النساء من يكفيها التذكير بعقاب الله وغضبه، ومنهن من يؤثر في أنفسهن التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا، كشماتة الأعداء، ومنعها بعض رغباتها كالثياب والحلي ونحو ذلك. وعلى الجملة: فاللبيب لا تخفى عليه العظات التي لها المحل الأرفع في قلب امرأته، فإن لم يجد ذلك .. فله أن يجرب: ٢ - الهجر والإعراض في المضجع، ويتحقق ذلك بهجرها في الفراش مع الإعراض والصد، وقد جرت العادة بأن الاجتماع في المضجع يهيج شعور الزوجية، فتسكن نفس كل من الزوجين إلى الآخر، ويزول ما كان في نفوسهما من اضطراب أثارته الحوادث قبل ذلك، فإذا هو فعل ذلك .. دعاها هذا إلى السؤال عن أسباب الهجر والهبوط بها من نشز المخالفة إلى مستوى الموافقة، فإن لم يفد ذلك .. فله أن يجرب:

стр. 2428

٣ - الضرب غير المبرح؛ أي: غير المؤذي إيذاء شديدًا كالضرب باليد أو بعصا صغيرة. وقد يستعظم بعض من قلد الإفرنج من المسلمين مشروعية ضرب المرأة الناشز، ولا يستعظمون أن تنشز وتترفع هي عليه، فتجعله وهو الرئيس مرؤوسًا محتقرًا، وتُصر على نشوزها، فلا تلين لوعظه ونصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، فإن كان قد ثقل ذلك عليهم .. فليعلموا أن الإفرنج أنفسهم يضربون نسائهم العالمات المهذبات، بل فعل هذا حكماؤهم وعلماؤهم وملوكهم وأمراؤهم، فهو ضرورة لا يستغنى عنها، ولا سيما في دين عام للبدو والحضر من جميع أصناف البشر، وكيف يُستنكر هذا والعقل والفطرة يدعوان إليه، إذا فسدت البيئة - الحالة - وغلبت الأخلاق الفاسدة، ولم ير الرجل مناصًا منه، ولا ترجع المرأة عن نشوزها إلا به. لكن إذا صلحت البيئة وصارت النساء يستجبن للنصيحة، أو يزدجرن بالهجر .. وجب الاستغناء عنه؛ إذ نحن مأمورون بالرفق بالنساء، واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بمعروف، أو تسريحهن بمعروف. والخلاصة: أن الضرب علاج مُرٌّ قد يستغني عنه الخير الكريم، ولكنه لا يزول من البيوت إلا إذا عم التهذيب الرجال والنساء، وعرف كلٌّ ما له من الحقوق، وكان للدين سلطان على النفوس، يجعلها تراقب الله في السر والعلن، وتخشى أمره ونهيه. ٣٥ - ثم بين الطريق السوي الذي يتبع عند حدوث النزاع وخوف الشقاق، فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ والخطاب فيه لولاة الأمور، وصلحاء الأمة؛ أي: وإن علمتم أيها الولاة، أو أيها المؤمنون شقاقًا، ومخالفة واقعة بين الزوجين، ولم تعلموا من أيهما الشقاق .. ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ أي: فأرسلوا أيها الولاة أو المؤمنون برضى الزوجين - وجوبًا - إلى الزوج رجلًا عَدْلًا عارفًا بالحكم ودقائق الأمور، كائنًا من أقارب الزوج ندبًا؛ لأن الأقارب أعرف

стр. 2429

بحاله من الأجانب، وأشد طلبًا للإصلاح بينهما، ولأن قلبه أسكن إليهم إن وجد منهم، إلا فمن الأجانب يستكشف عن حاله ليعلم أهو ظالم أو مظلوم، وأرسلوا إلى الزوجة رجلًا عدلًا عارفًا بالحكم من أقاربها، يستكشف عن حالها؛ ليعلم أهي ظالمة أو مظلومة، ثم بعد استكشاف الحكمين ما عند الزوجين يجتمعان، ويتشاوران فيما هو الأصلح للزوجين من الموافقة إن أمكنت، أو المفارقة إن لم تمكن الموافقة، ويوكل الزوج حكمه في طلاق وقبول عوض عليه وتوكل هي حكمها في الاختلاع فيجتهدان، ويأمران الظالم بالرجوع، أو يفرقان إن رأيا في الفراق مصلحة، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾: إن قصد الحكمان إصلاحًا، وتوفيقًا بين الزوجين، وقطعًا لخصومتهما .. ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: أوقع الله الموافقة بين الزوجين؛ أي: إن كانت نية الحكمين صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه الله تعالى .. أوقع الله الموافقة بين الزوجين، إما على الاجتماع، أو على الفراق، ببركة نية الحكمين، وسعيهما في الخير، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾ بموافقة الزوجين ومخالفتهما ﴿خَبِيرًا﴾ ببواطن الزوجين، وسرائرهما كظواهرهما، فيعلم كيف يوفق بين المختلفين، ويجمع بين المتفرقين، وفيه وعد شديد للزوجين والحكمين إن سلكوا غير طريق الحق. وعبارة المراغي في هذه الآية قوله (١): ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ...﴾ الآية، هذا الخطاب عام يدخل فيه الزوجان وأقاربهما، فإن قاموا بذلك فذاك، وإلا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين أن يسعى في إصلاح ذات بينهما، والخلاف بينهما قد يكون بنشوز المرأة، وقد يكون بظلم الرجل، إن كان بالأول فعلى الرجل أن يعالجه بأقرب أنواع التأديب التي ذكرت في الآية التي سلفت، وإن كان بالثاني، وخيف من تمادي الرجل في ظلمه، أو عجز عن إنزالها عن نشوزها، وخيف أن يحول

стр. 2430

الشقاق بينهما دون إقامتهما لأركان الزوجية الثلاث، من السكون والمودة والرحمة .. وجب على الزوجين وذوي القربى أن يبعثوا الحكمين، وعليهم أن يوجهوا إرادتهم إلى إصلاح ذات البين، ومتى صدقت الإرادة، وصحت العزيمة. فالله كفيل بالتوفيق بفضله وجوده. وبهذا تعلم شدة عناية الله بأحكام نظام الأسر والبيوت، وكيف لم يذكر مقابل التوفيق وهو التفريق؛ لأنه يبغضه، ولأنه يود أن يشعر المسلمين بأنه لا ينبغي أن يقع. ولكن واأسفا لم يعمل المسلمون بهذه الوصية الجليلة إلا قليلًا حتى دب الفساد في البيوت، ونخر فيها سوس العداوة والبغضاء، ففتك بالأخلاق والآداب وسرى من الوالدين إلى الأولاد، ثم ذكر أن ما شرع من الأحكام جاء وفق الحكمة والمصلحة؛ لأنه من حكيم خبير بأحوال عباده، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾؛ أي: إنَّ هذه الأحكام التي شرعت لكم كانت من لدن عليم بأحوال العباد وأخلاقهم، خبير بما يقع بينهم وبأسبابه، ما ظهر منها وما بطن، ولا يخفى عليه شيء من وسائل الأصلاح بينهما. وفي الآية: إرشاد إلى أن ما يقع بين الزوجين من خلاف، وإن ظن أنه مستعص يتعذر علاجه .. فقد يكون في الواقع على غير ذلك من أسباب عارضة، يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين؛ لقربهما منهما أن يمحصا ما علق من أسبابه بقلوبهما، فيزيلاها متى حسنت النية وصحت العزيمة. ولتعلم - أيها المؤمن - أن رابطة الزوجية أقوى الروابط التي تربط بين اثنين من البشر، فبها يشعر كل من الزوجين بشركة مادية ومعنوية، وبها يؤاخذ كل منهما شريكه على أدق الأمور وأصغرها، فيحاسبه على فلتات اللسان، وبالظنة والوهم وخفايا خلجات القلب، فيغريهما ذلك بالتنازع في كل ما يقصر فيه أحدهما من الأمور المشتركة بينهما، وما أكثرها وأعسر التوقي منها، وكثيرًا ما يفضي التنازع إلى التقاطع، والعتاب إلى الكره والبغضاء، فعليك أن تكون حكيمًا في معاملة الزوجة، خبيرًا بطباعها، وبهذا تحسن العشرة بينكما، انتهى.

стр. 2431

الإعراب ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾. ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾: الواو عاطفة أو استئنافية. ﴿لا تتمنوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أو مستأنفة. ﴿مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ﴾: ما موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به، ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾ متعلق به، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير به، ﴿بَعْضَكُمْ﴾: مفعول ﴿فَضَّلَ﴾ ومضاف إليه. ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾: جار ومجرور متعلق بفضل، ﴿لِلرِّجَالِ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، ﴿نَصِيبٌ﴾: مبتدأ مؤخر والجملة مستأنفة، ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نَصِيبٌ﴾، ﴿اكْتَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما، أو صفة لها والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما اكتسبوه. ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة قوله؛ ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾، ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما اكتسبنه، ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقدير: حوائجكم. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق باسألوا، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾ اسمها، ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عَلِيمًا﴾، وهو خبر كان، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة: مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. ﴿وَلِكُلٍّ﴾: الواو استئنافية ﴿لكل﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، والتنوين في ﴿كل﴾ عوض عن كلمة محذوفة، أي: لكل قوم ﴿جعلنا﴾ صفة لقوم، ومفعول ﴿جعلنا﴾ الأول محذوف، أي جعلناهم. ﴿مَوَالِيَ﴾: مفعول

стр. 2432

ثان لـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿مَوَالِيَ﴾. ﴿تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾: معطوف على ﴿الْوَالِدَانِ﴾، الجملة الفعلية صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: مما تركه الوالدان والأقربون، والتقدير: وجعلنا موالي وأقرباء يرثون مما تركه الوالدان والأقربون لكل إنسان، وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب فلا نطيل الكلام بذكرها. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره عاقدت حلفهم أيمانكم، ﴿فَآتُوهُمْ﴾: الفاء رابطة الخبر بالمبتدأ لما في المبتدأ من العموم. ﴿أتوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿نَصِيبَهُمْ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾، وهو خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾: مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة. ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَوَّامُونَ﴾، ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾ حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾: متعلق بـ ﴿فَضَّلَ﴾، والجملة الفعلية صلة ما المصدرية، ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره بتفضيل الله بعضهم على بعض، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿قَوَّامُونَ﴾، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾: الواو عاطقة، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾، ﴿أَنْفَقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره وبما أنفقوه.

стр. 2433

﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من الضمير المحذوف. ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾. ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية بمعنى الواو، ﴿الصالحاتُ﴾: مبتدأ، ﴿قَانِتَاتٌ﴾: خبر والجملة مستأنفة، ﴿حَافِظَاتٌ﴾: خبر ثان، ﴿لِلْغَيْبِ﴾: متعلق به، ﴿بِمَا﴾: الباء حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿حَفِظَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ما المصدرية، ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، وتقديره: بحفظ الله؛ أي: بتحفيظ الله إياهن، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿حافظات﴾. ﴿وَاللَّاتِي﴾: الواو عاطفة، ﴿اللاتي﴾: مبتدأ، ﴿تَخَافُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة الخبر، ﴿عظوهن﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾، ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، وكذلك جملة ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾ معطوفة عليها. ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾؛ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حكم ما إذا نشزن، وأردتم بيان حكم ما إذا أطعنكم .. فأقول لكم: ﴿إن﴾ أطعنكم: ﴿إنْ﴾: حرف شرط، ﴿أَطَعْنَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿فَلَا تَبْغُوا﴾ الفاء رابطة لجواب إن الشرطية. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَبْغُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية، والجملة في محل الجزم على كونها جوابًا لها. ﴿عَلَيْهِنَّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَبْغُوا﴾. ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول به، وجملة إن الشرطية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الله، ﴿عَلِيًّا﴾: خبر أول

стр. 2434

لها، ﴿كَبِيرًا﴾ خبر ثان، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾. ﴿وَإِنْ﴾: الواو استئنافية، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿خِفْتُمْ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بإن، ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿فَابْعَثُوا﴾: الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، ﴿ابعثوا﴾؛ فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها، وجملة إن الشرطية: مستأنفة. ﴿حَكَمًا﴾: مفعول به، ﴿مِنْ أَهْلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿حَكَمًا﴾. ﴿وَحَكَمًا﴾ معطوف على ﴿حَكَمًا﴾ الأول، ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾: صفة لـ ﴿حَكَمًا﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿يُرِيدَا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿إِصْلَاحًا﴾: مفعول به، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، مجزوم بإن على كونه جوابًا لها، ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُوَفِّقِ﴾، وجملة ﴿إن﴾: الشرطية مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على الله، ﴿عَلِيمًا﴾: خبر أول لكان، ﴿خَبِيرًا﴾ خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ﴿تَتَمَنَّوْا﴾: مضارع تمنى يتمنى تمنيًّا، من باب تفعل الخماسي، والتمني (١): تشهي حصول الأمر المرغوب فيه، وحديث النفس بما يكون، وبما لا يكون، وقيل التمني: تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها، وذلك قد يكون عن تخمين وظن، وقد يكون بلا روية، وأكثر التمني ما لا حقيقة له، وقيل: التمني عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون.

стр. 2435

﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وفضله: إحسانه ونعمه المتكاثرة، ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ الموالي من يحق لهم الاستيلاء على التركة، واحده مولى، والمولى: الابن والعم وابن الابن وابن العم وكل قريب وعاصب. ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ القوامون: جمع تصحيح لقوام، يقال هذا قيم المرأة وقوامها إذا كان يقوم بأمرها، ويهتم بحفظها، والقوام: هو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يقال: فضله على غيره إذا حكم له بالفضل عليه، وصيره أفضل منه، والفضل: الزيادة والدرجة، يجمع على فضول، وما به الفضل قسمان: فطري: وهو قوة مزاج الرجل وكماله في الخلقة، ويتبع ذلك قوة العقل، وصحة النظر في مبادئ الأمور وغاياتها. وكسبي: وهو قدرته على الكسب والتصرف في الأمور، ومن ثم كلف الرجال بالإنفاق على النساء والقيام برياسة المنزل، ﴿قَانِتَاتٌ﴾ جمع قانتة، اسم فاعل من القنوت، وهو السكون والطاعة لله وللأزواج، ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي اللاتي يحفظن ما يغيب عن الناس، ولا يقال إلا في حال الخلوة بالمرأة، كشؤون الجماع والاستمتاع فلا تخبرنه للناس، والغيب: السر يجمع على غياب وغيوب. ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾؛ أي (١): تظنون، فالخوف هنا بمعنى الظن، وربما يأتي بمعنى العلم، أصل النشوز الارتفاع إلى الشرور، ونشوز المرأة: بغضها لزوجها، وعصيانها لأمره، ورفع نفسها عليه تكبرًا، وعبارة أبي السعود: النشوز من النشز وهو المرتفع من الأرض، يقال: نشزت الأرض إذا ارتفعت عما حواليها، ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: يقال: هجره يهجره هجرًا وهجرانًا - من باب نصر - إذا صرمه وقطعه، ضد وصله، وهجر الشيء: تركه وأعرض عنه، وهجر زوجه: اعتزل عنها ولم يطلقها، و ﴿المضاجع﴾: على زنة مفاعل، جمع مضجع - بفتح الجيم - موضع الضجوع، ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾: فيه وجهان (٢):

стр. 2436

أحدهما: أن الشقاق مضاف إلى بين ومعناها الظرفية، والأصل شقاقًا بينهما، ولكنه اتسع فيه، فأضيف الحدث إلى ظرفه، وظرفيته باقية، نحو ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. والثاني: أنه خرج عن الظرفية وبقي كسائر الأسماء، كأنه أريد المعاشرة والمصاحبة بين الزوجين، وقال أبو البقاء: البين هنا الوصل الكائن بين الزوجين، وسمي الخلاف شقاقًا؛ لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه، أو لأن كلا منهما صار على شق؛ أي: جانب. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من المعاني والبيان والبديع: منها: الإطناب في قوله: ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ و ﴿نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، وفي قوله: ﴿حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾؛ لأنه شبه استحقاقهم للإرث وتملكهم له بالاكتساب، واشتق من لفظ الاكتساب بمعنى الاستحقاق، اكتسبوا بمعنى استحقوا على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ فقد كنى بذلك عن الجماع. ومنها: التأكيد بصيغة المبالغة في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ﴾؛ لأن فعال من صيغ المبالغة، ومجيء الجملة اسمية لإفادة الدوام والاستمرار. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾. والله أعلم * * *

стр. 2437

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: لما كان الكلام (١) من أول السورة إلى هنا في وصايا عديدة، ونصائح حكيمة، كابتلاء اليتامى قبل تسليمهم أموالهم، والنهي عن إيتاء الأموال للسفهاء، وعن قتل النفس، والإرشاد إلى كيفية معاملة النساء، وطرق تأديبهن، تارة بالموعظة الحسنة، وأخرى بالقسوة والشدة، مع مراقبة الله في كل ذلك .. ناسب بعدها التذكير بحسن معاملة الخالق، بالإخلاص له في الطاعة، وحسن معاملة الطوائف المختلفة من الناس، وعدم الضن عليهم بالمال في أوقات الشدة، مع قصد التقرب إلى الله تعالى، لا لقصد الفخر والخيلاء؛ لأن ذاك عمل

стр. 2438

من لا يرجو ثواب الله تعالى، ولا يخشى عقابه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: لما بين الله صفات المتكبرين وسوء أحوالهم، وتوعدهم على ذلك بأشد أنواع الوعيد .. زاد الأمر توكيدًا وتشديدًا .. فذكر أنه لا يظلم أحدًا من العاملين بوصاياه لا قليلًا وكثيرًا، بل يوفيه حقه بالقسطاس المستقيم، وفي هذا أعظم الترغيب لفاعلي البر والإحسان، وحفز لهممهم على العمل، وفي معنى الآية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾. وفي "الفتوحات" قوله (١): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة؛ لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله وبالإحسان للوالدين ومن ذكر معهم، ثم أعقب ذلك بذم البخل والأوصاف المذكورة معه، ثم وبخ من لم يؤمن ولم ينفق في طاعة الله، وكان هذا كله توطئة لذكر الجزاء على الحسنات والسيئات .. أخبر تعالى بصفة عدله، وأنه تعالى لا يظلم أدنى شيء، ثم أخبر بصفة الإحسان فقال: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: لما وصف الله الوقوف بين يديه يوم العرض، والأهوال التي تؤدي إلى تمني الكافر العدم، فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، والتي تجعله لا يستطيع أن يكتم الله حديثًا، وذكر أنه لا ينجو في ذلك اليوم إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان بالله والطاعة لرسوله .. وصف في هذه الآية الوقوف بين يديه في مقام الأنس وحضرة القدس المنجي من هول الوقوف في ذلك اليوم، وطلب فيه استكمال القوى العقلية وتوجيهها إلى جانب العلي الأعلى بأن لا تكون مشغولة بذكرى غيره، طاهرة من الأنجاس والأخباث؛ لتكون على أتم العدة للوقوف في ذلك الموقف الرهيب، مستشعرة تلك العظمة والجلال والكبرياء.

стр. 2439

أسباب النزول قوله تعالى (١): ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان علماء بني إسرائيل يبخلون بما عندهم من العلم، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ...﴾ الآية. وأخرج ابن جرير من طرق ابن إسحاق، عن محمَّد بن أبي محمَّد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال: كان كردم بن زيد حليف كعب بن الأشرف، وأسامة بن حبيب، ونافع بن أبي نافع، وبحري بن عمرو وحيي بن أخطب، ورفاعة بن زيد بن التابوت، يأتون رجالًا من الأنصار، يخالطونهم وينصحون لهم، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون، فأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ إلى قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم عن علي قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن المنذر عن علي قال: نزلت هذه الآية ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي. وأخرج بن مردويه عن الأسلع بن شريك قال: كنت أرحِّل ناقة رسول الله ﷺ ، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، فخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ

стр. 2440

وَأَنْتُمْ سُكَارَى ...﴾ الآية كلها. وأخرج الطبراني عن الأسلع قال: "كنت أخدم النبي ﷺ ، وأرحل له، فقال لي ذات يوم: يا أسلع قم فأرحل، فقلت: يا رسول الله أصابتني جنابة، فسكت رسول الله ﷺ ، وأتاه جبريل بآية الصعيد، فقال رسول الله ﷺ : قم يا أسلع فتيمم، فأراني التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، فقمت فتيممت ثم رحلت له". وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب: أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد، فأنزل الله قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ...﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار كان مريضًا، فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ ولم يكن له خادم يناوله، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى ...﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال (١): نال أصحاب النبي ﷺ جراحة، ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ ، فنزلت: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى ...﴾ الآية كلها. التفسير وأوجه القراءة ٣٦ - ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيها الناس، بقلوبكم وجوارحكم: أي؛ أطيعوه فيما أمر به ونهى عنه، ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ شركًا جليًّا ولا خفيًّا ﴿بِهِ﴾ ، ﴿شَيْئًا﴾ من الأشياء، سواء أكان جمادًا كالصنم، أو حيوانًا حيًّا أو ميتًا، فقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أمر بالطاعة، وقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ أمر بالإخلاص في العبادة فالثاني تأسيس لا تأكيد كما قيل. فعبادة الله (٢): هي الخضوع له، وتمكين هيبته وعظمته من النفس، والخشوع لسلطانه في السر والجهر، وأمارة ذلك: العمل بما به أمر، وترك ما

стр. 2441

عنه نهى، وبذا تصلح جميع الأعمال من أقوال وأفعال، فالعبادة هي الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب المعروفة، يرجى خيرها، ويخشى شرها، وهذه السلطة لا تكون لغير الله تعالى، فلا يرجى غيره ولا يخشى سواه، فمن اعتقد أن غيره يشركه فيها .. كان مشركًا، وإذا نهى الله عن إشراك غيره معه .. فلأن ينهى عن إنكار وجوده وجحد ألوهيته أولى. وقيل (١): العبودية أربعة أنواع: الوفاء بالعهود، والرضا بالموجود، والحفظ للحدود، والصبر على المفقود. والإشراك بالله ضروب مختلفة (٢): منها: ما ذكره الله عن مشركي العرب من عبادة الأصنام، باتخاذهم أولياء وشفعاء عند الله، يقربون المتوسل بهم إليه، ويقضون الحاجات عنده، وقد جاء ذكر هذا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ومنها: ما ذكره عن النصارى من أنهم عبدوا المسيح ﵇، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾. والخلاصة: وأخلصوا لله في العبادة، ولا تجعلوا له في الربوبية والعبادة شريكًا؛ لأن من عبد مع الله غيره، أو أراد بعمله غير الله .. فقد أشرك به، ولا يكون مخلصًا. وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت رديف رسول الله ﷺ على حمار يقال له: عفير، أو اسمه يعفور، فقال: "يا معاذ، هل تدري ما حق الله

стр. 2442

على عباده، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس قال: لا تبشرهم؛ فيتكلوا" متفق عليه. إنما قال: لا تبشرهم فيتكلوا؛ لأنه ﷺ رأى ذلك أصلح لهم، وأحرى أن لا يتكلوا على هذه البشارة، ويتركوا العمل الذي ترفع لهم به الدرجات في الجنة، وبعد أن أمر الله بعبادته وحده لا شريك له، أعقبه بالوصية بالوالدين، فقال: ﴿و﴾ أحسنوا ﴿بالوالدين إحسانًا﴾ وبرًّا وعطفًا بالقيام بخدمتهما، وبالسعي في تحصيل مطالبهما، والإنفاق عليهما بقدر الطاقة، وبعدم رفع الصوت عليهما، وعدم تخشين الكلام معهما، وعدم شهر السلاح عليهما، وعدم قتلهما، ولو كانا كافرين؛ لأنه ﷺ نهى حنظلة عن قتل أبيه أبي عامر الراهب وكان مشركًا. وعن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ من اليمن استأذنه في الجهاد، فقال ﷺ : "هل لك أحد باليمن؟ " فقال أبواي فقال: "أبواك أذنا لك؟ " فقال: لا، فقال: "فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما". وعن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك"، قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك". متفق عليه. وفي رواية قال: "أمك ثم أمك ثم أباك، ثم أدناك فأدناك"، قوله: "ثم أباك" فيه حذف تقديره: ثم بر أباك. وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما، ثم لم يدخل الجنة". وإنما قرن الله بر الوالدين بعبادته وتوحيده .. لتأكد حقهما على الولد.

стр. 2443

والمعنى: أحسنوا بهما، ولا تقصروا في شيء مما يطلبانه؛ لأنهما السبب الظاهر في وجودكم وتربيتكم بالرحمة والإخلاص، وقد فصلت هذه الوصية في سورة الإسراء بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾. والخلاصة: أنَّ العبرة بما في نفس الولد، من قصد البر والإحسان والإخلاص فيه، بشرط أن لا يحد الوالدان من حرية الولد واستقلاله في شؤونه الشخصية أو المنزلية، ولا في الأعمال الخاصة بدينه ووطنه، فإذا أراد أحدهما الاستبداد في شيء من ذلك .. فليس من البر العمل برأيهما اتباعًا لهواهما. ﴿و﴾ أحسنوا وصلوا ﴿بِذِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: أحسنوا إلى صاحب القرابة لكم، وهو ذو رحمه من قبل أَبيه وأمه، كأخ وعم وخال وغيرهم، وكرر الباء إشارة إلى تأكد حق الرحم. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره .. فليصل رحمه". متفق عليه. قوله: ينسأ له في أثره يعني: يؤخر له في أجله وعمره، والمعنى: وأحسنوا معاملة أقرب الناس إليكم بعد الوالدين، وإذا أدى المرء حقوق الله، فصحت عقيدته، وصلحت أعماله، وقام بحقوق الوالدين .. صلح البيت، وحسن حال الأسرة، وإذا صلح البيت .. كان قوة كبيرة، فإذا عاون أهله ذوي القربى الذين ينسبون إليهم .. كان لكل منهم قوة أخرى تتعاون مع هذه الأسرة وبذا تتعاون الأمة جمعاء، وتمد يد المعونة لمن هو في حاجة إليها، ممن ذكروا بعد في قوله: ﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿اليتامى﴾ بالرفق بهم، وبمسح رأسهم، وبتربيتهم وحفظ أموالهم. وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما شيئًا". أخرجه البخاري.

стр. 2444

وإنما أمر بالإحسان إليهم؛ لأن اليتيم قد فقد الناصر المعين وهو الأب مع صغره، وقلما تستطيع الأم مهما اتسعت معارفها أن تقوم بتربيته تربية كاملة، فعلى القادرين أن يعاونوا في تربيته، وإلا كان وجوده جناية وثقلًا على الأمة؛ لجهله وفساد أخلاقه، وكان خطرًا على من يعاشرهم من لداته، وجرثومة فساد بينهم، ومعلوم أن اليتامى جمع يتيم، وهو صغير لا أب له، وإن كان له جد وأم كما سبق في البقرة. ﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿المساكين﴾ بالصدقة، أو بالرد الجميل، وهو جمع مسكين، وهو من التصقت يده بالتراب، فيشمل الفقير، وإنما أمر بالإحسان إليهم؛ لأنه لا ينتظم حال المجتمع إلا بالعناية بهم، وصلاح حالهم، وإلا كانوا وبالًا عليه. والمساكين ضربان: مسكين معذور تجب مواساته، وهو من كان سبب عدمه الضعف والعجز، أو نزول آفة سماوية ذهبت بماله، ومثل هذا يجب عونه بمساعدته بالمال الذي يسد عوزه، ويستعين به على الكسب. ومسكين غير معذور في تقصيره، وهو من عدم المال بإسرافه وتبذيره، ومثل هذا يبذل له النصح ويدل على طرق الكسب، فإن اتعظ وقبل النصح فبها، وإلا ترك أمره إلى أولي الأمر، فهم أولى بتقويم إعوجاجه، وإصلاح ما فسد من أخلاقه. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله"، وأحسبه قال: "وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر". متفق عليه. ﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿الجار ذي القربى﴾؛ أي: إلى الجار الذي قرب منكم جواره وداره، أو إلى الجار الذي له مع الجوار اتصال بكم في النسب، أوله (١) اتصال بكم في الدين، فقد روي عنه ﷺ : "الجيران ثلاثة: فجار له ثلاثة حقوق: حق الجوار وحق القرابة وحق الإِسلام، وجار له حقان: حق الجوار وحق

стр. 2445

الإِسلام، وجار له حق واحد: حق الجوار فقط، وهو المشرك من أهل الكتاب". رواه البزار وغيره. وقرىء بالنصب (١) على الاختصاص تعظيمًا لحقه؛ لأن له ثلاثة حقوق: حق القرابة وحق الجوار وحق الإِسلام، كما قرئ ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ نصبًا على الاختصاص. ﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿الجار الجَنْب﴾؛ أي: المجانب عنكم، أي البعيد داره عن داركم، أو الذي لا قرابة له منكم، فله حقان: حق الجوار وحق الإِسلام، وقرأ الأعمش والمفضل ﴿والجار الجنب﴾ بفتح الجيم وسكون النون؛ أي: ذي الجنب، وهو الناحية، وأنشد الأخفش: الناس جنب والأمر جنب. ذكره الشوكاني. والجوار (٢): ضرب من ضروب القرابة، فهو قرب بالمكان والسكن، وقد يأنس الإنسان بجاره القريب أكثر مما يأنس بالنسيب، فيحسن أن يتعاون الجاران، ويكون بينهما الرحمة والإحسان، فإذا لم يحسن أحدهما إلى الآخر .. فلا خير فيهما لسائر الناس. وحدد الحسن البصري الجوار بأربعين دارًا، من كل جانب من الجوانب الأربعة، والأولى عدم التحديد بالدور، وجعل الجار من تجاوره ويتراءى وجهك ووجهه في غدوك أو رواحك. وإكرام الجار من شيم العرب قبل الإِسلام، وزاده الإِسلام تأكيدًا بما جاء في الكتاب والسنة، ومن إكرامه إرسال الهدايا إليه ودعوته إلى الطعام، وتعاهده بالزيارة والعيادة، إلى نحو ذلك. وقد حث الدين على الإحسان في معاملة الجار ولو غير مسلم، وعن ابن

стр. 2446

عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورِّثه". متفق عليه. وعن عائشة مثله. وعن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال:"إلى أقربهما بابًا منك". رواه البخاري. وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك". أخرجه مسلم. وفي رواية قال: أوصاني خليلي ﷺ قال: "إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك فأصبهم منها بمعروف". وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه". متفق عليه. ولمسلم: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه"، البوائق: الغوائل والشرور. وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا نساء المؤمنات، لا تُحقِّرَنَّ جارة لجارتها، ولو فرسن شاة". متفق عليه. معناه: ولو أن تهدي إليها فرسن شاة: وهو الظلف وأراد به الشيء الحقير. وعنه: أن رسول الله ﷺ قال: "من كان يؤمن باللهِ واليوم الآخر .. فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن باللهِ واليوم الآخر .. فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فليقل خيرًا أو ليصمت". متفق عليه. ﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿الصاحب بالجنب﴾، روي عن ابن عباس ﵄ أنه الرفيق في السفر، والمنقطع إليك يرجو نفعك ورفدك، فهو إما رفيق في سفر، أو جار ملاصق، أو شريك في تعلم أو حرفة، أو قاعد بجنبك في مسجد أو مجلس، وقيل: هي المرأة، فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك، وقيل: هو كل من صاحبته وعرفته، ولو وقتًا قصيرًا، فيشمل صاحب الحاجة

стр. 2447

الذي يمشي بجانبك، يستشيرك أو يستعين بك. وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره". أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. ﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿ابن السبيل﴾؛ أي: إلى المسافر المنقطع عن بلده بالسفر، السائح الرحالة في غرض صحيح غير محرم. والأمر بالإحسان إليه يتضمن الترغيب في السياحة والإعانة عليها، ويشمل اللقيط أيضًا، وهو أجدر بالعناية من اليتيم، وأحق بالإحسان إليه، وقد عني الأوروبيون بجمع اللقطاء وتربيتهم وتعليمهم، ولولا ذلك لاستطار شرهم، وعم ضرهم، وقد كنا أحق بهذا الإحسان منهم؛ لأن الله قد جعل في أموالنا حقًّا معلومًا للسائل والمحروم. وقال الأكثرون: المراد بابن السبيل الضيف يمر بك فتكرمه، وتحسن إليه؛ أي: وأحسنوا إلى الضيف بإكرامه، وله ثلاثة أيام حق، وما فوق ذلك صدقة. وعن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر .. فليكرم ضيفه جائزته"، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: "يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه". وقال: "من كان يؤمن باللهِ واليوم الآخر .. فليقل خيرًا أو ليصمت". متفق عليه، زاد في رواية: "ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه"، قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال: "يقيم عنده ولا شيء له يقريه به"، قوله: "جائزته يومه وليلته" الجائزة: العطية؛ أي: يقري الضيف ثلاثة أيام، ثم يعطيه ما يجوز به من منهل إلى منهل، وقيل: هو أن يكرم الضيف، فإذا سافر .. أعطاه ما يكفيه يومًا وليلة، حتى يصل إلى موضع آخر، وقوله: أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه؛ أي: يوقعه في الإثم؛ لأنه إذا أقام عنده ولم يُقْرِهِ أثم بذلك.

стр. 2448

﴿و﴾ أحسنوا إلى ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وأيديكم من عبيدكم وإمائكم، ويشمل هذا تحريرهم وعتقهم، وهو أتم الإحسان وأكمله، ومساعدتهم على شراء أنفسهم دفعة واحدة، أو نجومًا وأقساطًا، وحسن معاملتهم في الخدمة، بأن لا يكلفوا ما لا يطيقون، ولا يؤذون بقول ولا بفعل. وقيل: الآية (١) عامة فتشمل جميع الحيوانات من عبيد وإماء وغيرهم، فالحيوانات غير الأرقاء أكثر في يد الإنسان من الأرقاء، فغلب جانب الكثرة، فعبر عنه بـ ﴿ما﴾، وأمر الله بالإحسان إلى كل مملوك آدمي وغيره. وقد روى الشيخان قوله ﷺ : "هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده .. فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، وإن كلفتموهم .. فأعينوهم عليه". وقد أكد (٢) النبي ﷺ الوصية بهم في مرض موته، وكان ذلك من آخر وصاياه، فقد روى أحمد والبيهقي من حديث أنس قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: الصلاة: وما ملكت أيمانكم"، وقد أوصانا الله بهؤلاء، حتى لا يظن أن استرقاقهم يجيز امتهانهم، ويجعلهم كالحيوانات المسخرة، ثم ذكر ما هو علة للأمر السابق فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: لا تفتخروا على هؤلاء المذكورين لأن الله : ﴿لَا يُحِبُّ﴾؛ أي: يعاقب ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا﴾ في مشيته متكبرًا عن أقاربه الفقراء وجيرانه الضعفاء وأصحابه لا يحسن عشرتهم، ﴿فَخُورًا﴾ بلسانه على الناس بما أعطاه الله تعالى من العلم والمال وغيرهما، فالمختال (٣): المتكبر الذي تظهر أثار الكبر في حركاته وأعماله، والفخور المتكبر: الذي تظهر آثار الكبر في أقواله، فتجده يذكر ما يرى أنه ممتاز به عن الناس زهوًا بنفسه، واحتقارًا لغيره، والمختال الفخور مبغوض عند الله تعالى؛ لأنه احتقر جميع الحقوق التي

стр. 2449

أوجبها الله للناس، وأوجبها لنفسه، من الشعور بعظمته وكبريائه، فهو كالجاحد لصفات الألوهية التي لا تليق إلا له. فالمختال لا يقوم بعبادة ربه حق القيام؛ لأن العبادة لا تكون إلا عن خشوع للقلب، ومن خشع قلبه .. خشعت جوارحه، ولا يقوم بحقوق الوالدين ولا ذوي القربى لأنه لا يشعر بحق لغيره عليه، وبالأولى لا يشعر بحق لليتيم أو المسكين أو لجار قريب أو بعيد، فهو لا يرجى منه بر ولا إحسان، وإنما يتوقع منه إساءة وكفران. ومن الكبر والخيلاء إطالة الثوب، وجر الذيل بطرًا ومرحًا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾، وليس من الكبر والخيلاء أن يكون المرء وقورًا في غير غلظة، عزيز النفس مع الأدب والرقة. روى أبو داود والترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة، فقال ﷺ : "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس" بطر الحق: رده استخفافًا وترفعًا، وغمص الناس: احتقارهم والازدراء بهم. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره خيلاء". متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرًا". متفق عليه. وعنه رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجِّل جمته، يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة". متفق عليه. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل ممن

стр. 2450

كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء .. خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة". أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الفخر والخيلاء في الفدادين من أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم". متفق عليه. الفدادون: هم الفلاحون والحراثون، وأصحاب الإبل والبقر، المتكثرون منها، المتكبرون على الناس بهما. ٣٧ - ثم بين الله المختال الفخور فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ والأظهر أن الموصول منصوب على الذم، أو مرفوع على الذم، ويجوز أن يكون بدلًا من قوله كان مختالًا، وأن يكون مبتدأ خبره محذوف، تقديره: أحقاء بكل ملامة، أو كافرون، والأوضح من هذه الأوجه كلها أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: هؤلاء المختالون الفخورون هم الذين يبخلون ويمنعون الناس ما منحوا به من المال والعلم، ويأمرون الناس غيرهم بالبخل، والامتناع من أداء ما يجب عليهم أداؤه من المال والعلم، ويحثونهم عليه. روى ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس: كان جماعة من اليهود يأتون إلى الأنصار يتنصحون لهم، فيقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ...﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ كما مر في أسباب النزول. والمراد بالبخل في الآية (١): البخل بالإحسان، الذي أمر به فيما تقدم، فيشمل البخل بلين الكلام، وإلقاء السلام، والنصح في التعليم، وإنقاذ المشرف على التهلكة. وفي البخل أربع لغات: فتح الباء والخاء، وبها قرأ حمزة والكسائي،

стр. 2451

وبضمهما وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر، وبفتح الباء مع سكون الخاء وبها قرأ قتادة وابن الزبير، وبضم الباء وسكون الخاء وبها قرأ جمهور الناس. ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يخفون ما أعطاهم الله ، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه من العلم والمال وسعة الحال، فيشمل اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ ، وما عندهم من العلم، والأغنياء الذين كتموا الغنى، وأظهروا الفقر وبخلوا بالمال، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ وضع (١) الظاهر موضع المضمر، إشعارًا بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله ، ومن كان كافرًا لنعمة الله فله عذاب يهينه، كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء. أي وهيَّأنا (٢) لهؤلاء بكبرهم وبخلهم وعدم شكرهم عذابًا يهينهم ويذلهم، فهو عذاب جامع بين الألم والذلة جزاءًا لهم على ما اقترفوا، وسماهم الله كفارًا للإيذان بأن هذه أخلاق وأعمال لا تصدر إلا من الكفور، لا من المؤمن الشكور. وفي الحديث الذي رواه أحمد أنه ﷺ قال: "إذا أنعم الله على عبده نعمة .. أحب أن يظهر أثرها عليه". ٣٨ - قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معطوف على قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، ووجه ذلك (٣): أن الأولين قد فرّطوا بالبخل، وبأمر الناس به، وبكتم ما آتاهم الله من فضله، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها؛ لمجرد الرياء والسمعة، كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس بأنه كريم، ويتطاول على غيره بذلك، ويشمخ بأنفه عليه، مع ما ضم إلى هذا الإنفاق الذي يعود عليه بالضرر من عدم الإيمان باللهِ ولا باليوم الآخر. أي: وهم الذين يصرفون أموالهم في غير مصارفها، ليراهم الناس ويمدحوهم، ويقولوا فيهم: ما أسخاهم وما أجودهم، ولا يريدون بما أنفقوا وجه الله تعالى، ولا يصدقون بوحدانية الله تعالى، ولا بمجيء المعاد الذي فيه جزاء الأعمال.

стр. 2452

وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه". أخرجه مسلم. الرئاء والرياء والمراءاة سواء، والحاصل: أن مانعي الإحسان من أهل الفخر والخيلاء فريقان: فريق يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم، وفريق يبذل المال لا شكرًا لله على نعمه، ولا اعترافًا لعباده بحق، بل ينفقونها مرائين الناس؛ أي: يقصدون أن يروهم فيعظموا قدرهم، ويحمدوا فعلهم. والكبرياء كما تكون من شىء في نفس الشخص، تكون أيضًا بما يكون له من المال والنسب، والمرائي أقل شرًّا من البخيل؛ إذ هو يحمل الناس على قبول فخره واختياله في مقابلة ما يبذله لهم من مال، فكأنه رأى لهم عليه حقًّا عوضًا من التعظيم والثناء الذي يطلبه بريائه، وأما البخيل: فقد بلغ من احتقاره للناس أنه لا يرى لهم عليه شيئًا من الحقوق فهو يكلفهم تعظيمه وأمواله مدخرة في الصناديق. والمرائي بخيل في الحقيقة؛ إذ هو إنما يبذل المال لمن لا حق لهم عنده، ويبخل على أرباب الحقوق كالزوجة والولد والخادم والأقربين كالوالدين، ولا يتحرى في إنفاقه النفع العام ولا الخاص، وإنما يتحرى مواطن التعظيم والمدح، وإن كان الإنفاق ضارًّا، كالمساعدة على فسق أو فتنة .. فهو تاجر يشتري تعظيم الناس له، وتسخيرهم للقيام بخدمته. ومعنى قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: إن المؤمنين المرائين في إنفاقهم يثقون بما عند الناس، من المدح والثناء والتعظيم والإطراء، ولا يثقون بما أعد الله لعباده من الثواب والجزاء، ويفضلون التقرب إليهم على التقرب إليه، فالله في نظرهم أهون من الناس، فمثل هؤلاء لا يعدون مؤمنين إيمانًا حقيقيًّا بالله، ولا باليوم الآخر، بل إيمانهم ضرب من التخيل، ليس له ما يؤيده من أثر في القلب، ولا إذعان للنفس فهم لا يعرفون الله، وإنما يسمعون

стр. 2453

الناس يقولون قولًا فيقلدونهم فيما يحفظونه منهم، فهم لا يعرفون أنه موجد الكائنات النافذ علمه وقدرته فيما في الأرض والسموات، ولو كانوا مؤمنين باليوم الآخر، وأن هناك حياة أبدية .. لما فضلوا عليها عرض هذه الحياة القصيرة. ومن أمارات التفرقة بين المخلص والمرائي: أن الأول قلما يتذكر عمله أو يذكره إلا لمصلحة كترغيب بعض الناس في البذل، كأن يقول: إني على ما بي من فقر قد أعطيت كذا درهمًا في مصلحة كذا، فاللائق بمثلك أن يبذل كذا وكذا درهمًا. أما الثاني: فهو يلتمس الفرص والمناسبات للفخر والتبجح بما أعطى وما فعل، كما لا يبذل المال ولا يعمل العمل الصالح إلا بقصد الرياء والسمعة، إذ ليس له وراء حظوظ الدنيا أمل ولا مطلب. فهؤلاء حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾؛ أي: ومن يكن الشيطان معينًا له في هذه الأفعال في الدنيا .. فساء قرينًا؛ أي: فبئس الصاحب له في النار هو، فإن الله تعالى يقرن مع كل كافر شيطانًا في سلسلة في النار؛ أي: إن هؤلاء المتكبرين ما حملهم على ما فعلوا إلا وسوسة الشيطان، وهو بئس الصاحب والخليل، والمقصد من هذا أن حالهم في الشر كحال الشيطان. وفي الآية إيماء إلى تأثير قرناء المرء في سيرته، وأن الواجب اختيار القرين الصالح على قرين السوء، وتعريض بتنفير الأنصار من معاشرة اليهود الذين كانوا ينهونهم عن الإنفاق في سبيل الله، وبيان أنهم شياطين يعِدون الفقر، وينهون عن العرف. أما القرين الصالح: فهو عون على الخير، مرغب فيه، منفر بسيرته ونصحه عن الشر، مبعد عنه، مذكر بالتقصير، مبصر بالعيوب، وكم أصلح القرين الصالح فاسدًا، وكم أفسد قرين السوء صالحًا، وفي "الفتوحات": لما ذكر الأوصاف المتقدمة من البخل، والأمر به، والكتمان والإنفاق رئاء الناس، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر .. ذكر سببها الذي تنشأ عنه وهو مقارنة الشيطان، ومخالطته وملازمته للمتصفين بالأوصاف المتقدمة، كما يؤخذ من "النهر" لأبي حيان.

стр. 2454

٣٩ - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: وما الذي يصيبهم من الضرر ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ ورسوله ﴿و﴾ بمجيء ﴿اليوم الآخر﴾ إيمانًا صحيحًا يظهر أثره في العمل، ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ في الخيرات ﴿مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى ابتغاء وجه الله، وطلبًا لمرضاته، وإنما (١) قدم الإيمان هنا وأخره في الآية الأخرى؛ لأن القصد بذكره إلى التحضيض ههنا والتعليل ثمة. وفي هذا الأسلوب إثارة تعجيب الناس من حالهم؛ إذ هم لو أخلصوا .. لما فاتهم منفعة الدنيا، ولفازوا مع ذلك بسعادة العقبى، فكثيرًا ما يفوت المرائي ما يرمي إليه من التقرب إلى الناس، وامتلاك قلوبهم، ويظفر بذلك المخلص الذي لم يكن من همه أن أحدًا يعرف ما عمل. فجهله جدير بأن يتعجب منه؛ لأنه جهل بالله، وجهل بأحوال الناس، ولو آمن وأخلص ووثق بوعد الله ووعيده .. لكان في هذا سعادته، فالإيمان سلوى من كل فائت، وفقده عرضة لليأس من كل خير، وأما المؤمن فأقل ما يؤتاه في المصائب الصبر، الذي يخفف وقعها على النفس، وأكثره رحمة الله، التي بها تتحول النقمة إلى نعمة، بما يستفيد من الاختبار والتمحيص وكمال العبرة والتهذيب. وقد يبتلي الله المؤمن ويمتحن صبره، فيعطيه إيمانه من الرجاء به ما تخالط حلاوته مرارة المصيبة حتى تغلبها، وقد يأنس بها أحيانًا؛ لعظم رجائه وصبره، وهذا وإن كان نادرًا فهو واقع حاصل، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿بِهِمْ﴾ وبأحوالهم المخفية ﴿عَلِيمًا﴾ يعني: لا يخفى عليه شيء من أعمال هؤلاء الذين ينفقون أموالهم لأجل الرياء والسمعة، فلا يثيبهم بما ينفقونه رئاء الناس، فينبغي للمؤمن أن يكتفي بعلم الله في إنفاقه، ولا يبالي بعلم الناس، فهو الذي لا ينسى عمل العاملين، ولا يظلمهم من أجرهم شيئًا. وفي هذه الآيات الكريمة الهداية الكافية في معاملة الناس لربهم ولبعضهم بعضًا، ولكن المسلمين قصروا في اتباع هذه الأوامر، وأعرضوا عن مساعدة ذوي

стр. 2455

القربى والجيران واليتامى والمساكين. ٤٠ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يَظْلِمُ﴾ أحدًا ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: وزن نملة حمراء صغيرة، أي: لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا، ونظم هذا الكلام مع الذي قبله: وماذا عليهم لو آمنوا وأنفقوا، فإن الله لا يظلم ولا يبخس ولا ينقص أحدًا من ثواب عمله مثقال ذرة، وقال ابن عباس: الذرة رأس نملة حمراء، وقيل: الذرة كل جزء من أجزاء الهباء، الذي يكون في الكوة إذا كان فيها ضوء الشمس لا وزن لها، وهذا مثلٌ ضربه الله تعالى لأقل الأشياء، فخرج الكلام على أصغر شيء يعرفه الناس، وفي ذكره إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاءه. والخلاصة: أن الظلم لا يقع من الله تعالى؛ لأنه من النقص الذي يتنزه عنه، وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم، وقد شرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول إلى مثله في هدايتهم وحفظ مصالحهم، وهي تسوق إلى الخير وتصرف عن الشر، وأيدها بالوعد والوعيد، فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه .. كان هو الظالم لنفسه؛ لأن الله تعالى لا يظلم أحدًا. ﴿وَإِنْ تَكُ﴾؛ أي: وإن يكن مثقال الذرة ﴿حَسَنَةً﴾ وأنث (١) الضمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى مؤنث، وحذف النون من غير قياس تخفيفًا وتشبيهًا بحروف العلة، وقرأ نافع وابن كثير ﴿حسنةٌ﴾ بالرفع على أن كان تامة بمعنى وإن حصلت حسنة، والباقون بالنصب. والمعنى: وإن تكن زنة الذرة حسنة، ﴿يُضَاعِفْهَا﴾؛ أي: يضاعف جزاء تلك الحسنة عشرة أمثالها، أو أضعافًا كثيرة إلى سبع مائة، كما جاء في آية أخرى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب ﴿يضعِّفْها﴾ بالتشديد من غير ألف، فكلاهما بمعنى واحد. وقيل هذا عند الحساب فمن بقي له من الحسنات مثقال ذرة .. ضاعفها الله
следующие страницы →