← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وبضمهما وبها قرأ الحسن وعيسى بن عمر، وبفتح الباء مع سكون الخاء وبها قرأ قتادة وابن الزبير، وبضم الباء وسكون الخاء وبها قرأ جمهور الناس. ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يخفون ما أعطاهم الله ، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه من العلم والمال وسعة الحال، فيشمل اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ ، وما عندهم من العلم، والأغنياء الذين كتموا الغنى، وأظهروا الفقر وبخلوا بالمال، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ وضع (١) الظاهر موضع المضمر، إشعارًا بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله ، ومن كان كافرًا لنعمة الله فله عذاب يهينه، كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء. أي وهيَّأنا (٢) لهؤلاء بكبرهم وبخلهم وعدم شكرهم عذابًا يهينهم ويذلهم، فهو عذاب جامع بين الألم والذلة جزاءًا لهم على ما اقترفوا، وسماهم الله كفارًا للإيذان بأن هذه أخلاق وأعمال لا تصدر إلا من الكفور، لا من المؤمن الشكور. وفي الحديث الذي رواه أحمد أنه ﷺ قال: "إذا أنعم الله على عبده نعمة .. أحب أن يظهر أثرها عليه". ٣٨ - قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معطوف على قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، ووجه ذلك (٣): أن الأولين قد فرّطوا بالبخل، وبأمر الناس به، وبكتم ما آتاهم الله من فضله، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها؛ لمجرد الرياء والسمعة، كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس بأنه كريم، ويتطاول على غيره بذلك، ويشمخ بأنفه عليه، مع ما ضم إلى هذا الإنفاق الذي يعود عليه بالضرر من عدم الإيمان باللهِ ولا باليوم الآخر. أي: وهم الذين يصرفون أموالهم في غير مصارفها، ليراهم الناس ويمدحوهم، ويقولوا فيهم: ما أسخاهم وما أجودهم، ولا يريدون بما أنفقوا وجه الله تعالى، ولا يصدقون بوحدانية الله تعالى، ولا بمجيء المعاد الذي فيه جزاء الأعمال.

стр. 2452

وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه". أخرجه مسلم. الرئاء والرياء والمراءاة سواء، والحاصل: أن مانعي الإحسان من أهل الفخر والخيلاء فريقان: فريق يبخلون ويكتمون فضل الله عليهم، وفريق يبذل المال لا شكرًا لله على نعمه، ولا اعترافًا لعباده بحق، بل ينفقونها مرائين الناس؛ أي: يقصدون أن يروهم فيعظموا قدرهم، ويحمدوا فعلهم. والكبرياء كما تكون من شىء في نفس الشخص، تكون أيضًا بما يكون له من المال والنسب، والمرائي أقل شرًّا من البخيل؛ إذ هو يحمل الناس على قبول فخره واختياله في مقابلة ما يبذله لهم من مال، فكأنه رأى لهم عليه حقًّا عوضًا من التعظيم والثناء الذي يطلبه بريائه، وأما البخيل: فقد بلغ من احتقاره للناس أنه لا يرى لهم عليه شيئًا من الحقوق فهو يكلفهم تعظيمه وأمواله مدخرة في الصناديق. والمرائي بخيل في الحقيقة؛ إذ هو إنما يبذل المال لمن لا حق لهم عنده، ويبخل على أرباب الحقوق كالزوجة والولد والخادم والأقربين كالوالدين، ولا يتحرى في إنفاقه النفع العام ولا الخاص، وإنما يتحرى مواطن التعظيم والمدح، وإن كان الإنفاق ضارًّا، كالمساعدة على فسق أو فتنة .. فهو تاجر يشتري تعظيم الناس له، وتسخيرهم للقيام بخدمته. ومعنى قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: إن المؤمنين المرائين في إنفاقهم يثقون بما عند الناس، من المدح والثناء والتعظيم والإطراء، ولا يثقون بما أعد الله لعباده من الثواب والجزاء، ويفضلون التقرب إليهم على التقرب إليه، فالله في نظرهم أهون من الناس، فمثل هؤلاء لا يعدون مؤمنين إيمانًا حقيقيًّا بالله، ولا باليوم الآخر، بل إيمانهم ضرب من التخيل، ليس له ما يؤيده من أثر في القلب، ولا إذعان للنفس فهم لا يعرفون الله، وإنما يسمعون

стр. 2453

الناس يقولون قولًا فيقلدونهم فيما يحفظونه منهم، فهم لا يعرفون أنه موجد الكائنات النافذ علمه وقدرته فيما في الأرض والسموات، ولو كانوا مؤمنين باليوم الآخر، وأن هناك حياة أبدية .. لما فضلوا عليها عرض هذه الحياة القصيرة. ومن أمارات التفرقة بين المخلص والمرائي: أن الأول قلما يتذكر عمله أو يذكره إلا لمصلحة كترغيب بعض الناس في البذل، كأن يقول: إني على ما بي من فقر قد أعطيت كذا درهمًا في مصلحة كذا، فاللائق بمثلك أن يبذل كذا وكذا درهمًا. أما الثاني: فهو يلتمس الفرص والمناسبات للفخر والتبجح بما أعطى وما فعل، كما لا يبذل المال ولا يعمل العمل الصالح إلا بقصد الرياء والسمعة، إذ ليس له وراء حظوظ الدنيا أمل ولا مطلب. فهؤلاء حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾؛ أي: ومن يكن الشيطان معينًا له في هذه الأفعال في الدنيا .. فساء قرينًا؛ أي: فبئس الصاحب له في النار هو، فإن الله تعالى يقرن مع كل كافر شيطانًا في سلسلة في النار؛ أي: إن هؤلاء المتكبرين ما حملهم على ما فعلوا إلا وسوسة الشيطان، وهو بئس الصاحب والخليل، والمقصد من هذا أن حالهم في الشر كحال الشيطان. وفي الآية إيماء إلى تأثير قرناء المرء في سيرته، وأن الواجب اختيار القرين الصالح على قرين السوء، وتعريض بتنفير الأنصار من معاشرة اليهود الذين كانوا ينهونهم عن الإنفاق في سبيل الله، وبيان أنهم شياطين يعِدون الفقر، وينهون عن العرف. أما القرين الصالح: فهو عون على الخير، مرغب فيه، منفر بسيرته ونصحه عن الشر، مبعد عنه، مذكر بالتقصير، مبصر بالعيوب، وكم أصلح القرين الصالح فاسدًا، وكم أفسد قرين السوء صالحًا، وفي "الفتوحات": لما ذكر الأوصاف المتقدمة من البخل، والأمر به، والكتمان والإنفاق رئاء الناس، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر .. ذكر سببها الذي تنشأ عنه وهو مقارنة الشيطان، ومخالطته وملازمته للمتصفين بالأوصاف المتقدمة، كما يؤخذ من "النهر" لأبي حيان.

стр. 2454

٣٩ - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: وما الذي يصيبهم من الضرر ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ ورسوله ﴿و﴾ بمجيء ﴿اليوم الآخر﴾ إيمانًا صحيحًا يظهر أثره في العمل، ﴿وَأَنْفَقُوا﴾ في الخيرات ﴿مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى ابتغاء وجه الله، وطلبًا لمرضاته، وإنما (١) قدم الإيمان هنا وأخره في الآية الأخرى؛ لأن القصد بذكره إلى التحضيض ههنا والتعليل ثمة. وفي هذا الأسلوب إثارة تعجيب الناس من حالهم؛ إذ هم لو أخلصوا .. لما فاتهم منفعة الدنيا، ولفازوا مع ذلك بسعادة العقبى، فكثيرًا ما يفوت المرائي ما يرمي إليه من التقرب إلى الناس، وامتلاك قلوبهم، ويظفر بذلك المخلص الذي لم يكن من همه أن أحدًا يعرف ما عمل. فجهله جدير بأن يتعجب منه؛ لأنه جهل بالله، وجهل بأحوال الناس، ولو آمن وأخلص ووثق بوعد الله ووعيده .. لكان في هذا سعادته، فالإيمان سلوى من كل فائت، وفقده عرضة لليأس من كل خير، وأما المؤمن فأقل ما يؤتاه في المصائب الصبر، الذي يخفف وقعها على النفس، وأكثره رحمة الله، التي بها تتحول النقمة إلى نعمة، بما يستفيد من الاختبار والتمحيص وكمال العبرة والتهذيب. وقد يبتلي الله المؤمن ويمتحن صبره، فيعطيه إيمانه من الرجاء به ما تخالط حلاوته مرارة المصيبة حتى تغلبها، وقد يأنس بها أحيانًا؛ لعظم رجائه وصبره، وهذا وإن كان نادرًا فهو واقع حاصل، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿بِهِمْ﴾ وبأحوالهم المخفية ﴿عَلِيمًا﴾ يعني: لا يخفى عليه شيء من أعمال هؤلاء الذين ينفقون أموالهم لأجل الرياء والسمعة، فلا يثيبهم بما ينفقونه رئاء الناس، فينبغي للمؤمن أن يكتفي بعلم الله في إنفاقه، ولا يبالي بعلم الناس، فهو الذي لا ينسى عمل العاملين، ولا يظلمهم من أجرهم شيئًا. وفي هذه الآيات الكريمة الهداية الكافية في معاملة الناس لربهم ولبعضهم بعضًا، ولكن المسلمين قصروا في اتباع هذه الأوامر، وأعرضوا عن مساعدة ذوي

стр. 2455

القربى والجيران واليتامى والمساكين. ٤٠ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يَظْلِمُ﴾ أحدًا ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: وزن نملة حمراء صغيرة، أي: لا يظلم قليلًا ولا كثيرًا، ونظم هذا الكلام مع الذي قبله: وماذا عليهم لو آمنوا وأنفقوا، فإن الله لا يظلم ولا يبخس ولا ينقص أحدًا من ثواب عمله مثقال ذرة، وقال ابن عباس: الذرة رأس نملة حمراء، وقيل: الذرة كل جزء من أجزاء الهباء، الذي يكون في الكوة إذا كان فيها ضوء الشمس لا وزن لها، وهذا مثلٌ ضربه الله تعالى لأقل الأشياء، فخرج الكلام على أصغر شيء يعرفه الناس، وفي ذكره إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاءه. والخلاصة: أن الظلم لا يقع من الله تعالى؛ لأنه من النقص الذي يتنزه عنه، وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم، وقد شرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول إلى مثله في هدايتهم وحفظ مصالحهم، وهي تسوق إلى الخير وتصرف عن الشر، وأيدها بالوعد والوعيد، فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه .. كان هو الظالم لنفسه؛ لأن الله تعالى لا يظلم أحدًا. ﴿وَإِنْ تَكُ﴾؛ أي: وإن يكن مثقال الذرة ﴿حَسَنَةً﴾ وأنث (١) الضمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى مؤنث، وحذف النون من غير قياس تخفيفًا وتشبيهًا بحروف العلة، وقرأ نافع وابن كثير ﴿حسنةٌ﴾ بالرفع على أن كان تامة بمعنى وإن حصلت حسنة، والباقون بالنصب. والمعنى: وإن تكن زنة الذرة حسنة، ﴿يُضَاعِفْهَا﴾؛ أي: يضاعف جزاء تلك الحسنة عشرة أمثالها، أو أضعافًا كثيرة إلى سبع مائة، كما جاء في آية أخرى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب ﴿يضعِّفْها﴾ بالتشديد من غير ألف، فكلاهما بمعنى واحد. وقيل هذا عند الحساب فمن بقي له من الحسنات مثقال ذرة .. ضاعفها الله

стр. 2456

له إلى سبع مئة، وإلى أجر عظيم. قال قتادة: لأن تفضل حسناتي على سيئاتي بمثقال ذرة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها. وعن أنس بن مالك ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر: فيعطى بحسنات قد عمل بها في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها". رواه مسلم. ﴿وَيُؤْتِ﴾؛ أي: يعط الله صاحب الحسنة ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾؛ أي: من عنده تعالى: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وثوابًا جزيلًا فلا يقدر أحد قدره وهو الجنة. أي: إنه تعالى لواسع فضله، لا يكتفي بجزاء المحسنين على إحسانهم فحسب، بل يزيدهم من فضله، ويعطيهم من لدنه عطاءً كبيرًا، وسمي هذا العطاء أجرًا ولا مقابل له من الأعمال؛ لأنه لما كان تابعًا للأجر على العلم سمي باسمه لمجاورته له، وفي ذلك إيماء إلى أنه لا يكون لغير المحسنين، إذ هو علاوة على أجور أعمالهم، فلا مطمع للمسيئين فيه، ٤١ - والفاء في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ فاء الفصيحة، والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع، أي: إذا كان الله لا يضيع من عمل العالمين مثقال ذرة .. فكيف يكون حال هؤلاء الكفار والمنافقين يوم القيامة، إذا جمعناهم والخلائق، وجئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم؛ أي: نبي يشهد على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم، فما من أمة إلا لها بشير ونذير، وهذه الشهادة عبارة عن عرض أعمال الأمم على أنبيائهم، لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين، ومقابلة عقائدهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم، فمن شهد لهم نبيهم بانهم على ما جاء به وما أمر الناس بالعمل به .. فهم ناجون، ومن تبرأ منهم أنبياؤهم لمخالفة أعمالهم وعقائدهم لما جاؤوا به .. فأولئك هم الخاسرون، وإن ادعوا اتباعهم والانتماء إليهم. ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾؛ أي: وجئنا بك يا محمَّد حالة كونك

стр. 2457

شاهدًا على هؤلاء الذين سمعوا القرآن، وخوطبوا به بما علموا؛ أي: شاهدًا على من آمن بالإيمان، وعلى من كفر بالكفر، وعلى من نافق بالنفاق، والرسول ﷺ بسيرته وأخلاقه العالية وسنته المرضية يكون حجة على من تركها، وتساهل في اتباعها، وعلى من تغالى فيها، وابتدع البدع المحدثة من بعده، أو المعنى: وجئنا بك شاهدًا على صدق هؤلاء الأنبياء الذين شهدوا على أممهم لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامع قواعدهم، وقيل: وجئنا بك مزكيًّا معدلًا لأمتك؛ لأن أمته ﷺ يشهدون للأنبياء على قومهم إذ جحدوا البلاغ. وروى الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل! قال: "نعم أحب أن أسمعه من غيري"، قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا جئت إلى هذد الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ قال: "حسبك الآن"، قال: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. زاد مسلم: (شهيدًا ما دمت فيهم)، أو قال: (ما كنت فيهم)، شك أحد رواته. فانظر أيها الأخ الكريم كيف اعتبر بهذه الشهادة الشهيد الأعظم ﷺ ، فبكى لتذكر هذا اليوم، وهل نعتبر كما اعتبر؟ وهل نستعد لهول ذلك اليوم باتباع سنته، ونجتهد في اجتناب البدع والتقاليد التي لم تكن في عهده، وبذا نكون أمة وسطًا لا تفريط عندها في الدين، ولا إفراط لا في الشؤون الجسمية، ولا في الشؤون الروحية، أو نظل في غوايتنا تقليدًا للآباء، فنكون كما قال الكافرون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. ٤٢ - ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ جئنا من كل أمة بشهيد، ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: يتمنى الذين كفروا بالله ورسوله ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ أي: خالفوا رسوله محمدًا ﷺ ، فيما أمر به ونهى عنه، ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾؛ أي: يتمنون لو دفنوا في الأرض، ويهال عليهم التراب، ويسوى عليهم كما يسوى على الموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا، وأنهم كانوا هم والأرض سواء، أو لم يخلقوا، وقال

стр. 2458

الكلبي (١): يقول الله تعالى للبهائم والوحوش والطيور والسباع: كوني ترابًا، فتسوى بهن الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافر لو يكون ترابًا لعظم هول ذلك اليوم، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾؛ أي: لا يقدرون أن يكتموا ويخفوا عن الله حديثًا عن عقائدهم وأعمالهم؛ لأن جوارحهم تشهد عليهم. أي: إنهم (٢) يريدون الكتمان، أولًا لما علموا أن الله لا يغفر شركًا، فيقولون: ربنا والله ربنا ما كنا مشركين، رجاء غفران الله لهم، لكنهم تشهد عليهم الأعضاء والزمان والمكان، فلم يستطيعوا الكتمان، فهنالك يودون أنهم كانوا ترابًا ولم يكتموا الله حديثًا. قرأ نافع وابن عامر (٣): ﴿تُسَوَّى﴾ بفتح التاء وتشديد السين، وقرأ حمزة والكسائي: بفتح التاء وتخفيف السين، وقرأ الباقون: بضم التاء وتخفيف السين، والمعنى على القراءة الأولى والثانية: أن الأرض هي التي تسوى بهم؛ أي: أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأض، فساخوا فيها، وقيل: الباء في قوله: ﴿بهم﴾ بمعنى على؛ أي: تسوى عليهم الأرض، وعلى القراءة الثالثة الفعل مبني للمفعول؛ أي: لو سوى الله بهم الأرض، فيجعلهم والأرض سواء، حتى لا يبعثوا. ٤٣ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمَّد ﷺ ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: لا تقيموا الصلاة ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ أي: حال كونكم نشاوى من شرب الشراب ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾؛ أي: إلى أن تعلموا قبل الشروع فيها ما تقولونه، بأن تفيقوا من السكر، ﴿وَلَا﴾ تقيموها حال كونكم ﴿جُنُبًا﴾؛ أي: متصفين بالجنابة ﴿إِلَّا﴾ حال كونكم ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أي: مسافرين، وقيل إلا اسم بمعنى (غير) صفة لـ ﴿جُنُبًا﴾، أي؛ ولا تقيموها حال كونكم جنبًا غير مسافرين، ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ من الجنابة ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مرضًا يمنع من استعمال الماء، ﴿أَوْ عَلَى

стр. 2459

سَفَرٍ﴾، أي: متلبسين بسفر طويل أو قصير، ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ أي؛ جاء أحدكم موضع قضاء الحاجة، فأحدث بخروج شيء من أحد السبيلين، والمراد به جميع أسباب الحدث الأصغر وأصل الغائط المكان المطمئن من الأرض، وقرأ ابن مسعود من ﴿الغيط﴾، وخرج على وجهين: أحدهما: أنه مصدر، إذ قالوا: غاط يغيط غيطًا. والثاني: أن أصله فيعل ثم حذف كـ: مَيْتٍ، قاله أبو حيان. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ أي: أو ماسستم بشرتهن ببشرتكم، وبه استدل الشافعي - رحمه الله تعالى - على أن اللمس ينقض الوضوء، وقيل أو جامعتموهن، وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي المائدة ﴿لمستم﴾ واستعماله كناية عن الجماع أقل من الملامسة، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ يجب استعماله تتطهرون به للصلاة بعد الطلب، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾؛ أي؛ فاقصدوا ترابًا ﴿طَيِّبًا﴾؛ أي: طاهرًا بعد دخول الوقت، فاضربوا به ضربتين، ﴿فَامسَحوا﴾ منه ﴿بوجوهكم﴾ بالضربة الأولى، ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ بالضربة الثانية، وحذف الممسوح به هنا وأظهره في آية المائدة، في قوله: ﴿منه﴾ فحمل عليه ما هنا، وقد أشرنا له بقولنا منه، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ كالتعليل للترخيص المستفاد مما قبله؛ أي: كان كثير العفو والمحو لذنوب عباده عن صحف الملائكة، غفورًا: أي؛ كثير الغفر والستر لها عن أعين الملائكة، فلا يؤاخذهم بها، فلذلك يسَّر عليكم الأمر ورخص لكم في التيمم. وقال الشوكاني قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾؛ أي؛ عفا عنكم وغفر لكم تقصيركم، ورحمكم بالترخيص لكم والتوسعة عليكم انتهى. واعلم أن الخطاب في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ موجه إلى المسلمين قبل السكر، بأن يجتنبوه إذا ظنوا أنهم سيصلون، ليحتاطوا فيجتنبوه في أكثر الأوقات، وقد كان هذا تمهيدًا لتحريم السكر تحريمًا باتًّا لا هوادة فيه، إذ من يتقي أن يجيء عليه وقت الصلاة وهو سكران، يترك الشرب عامة النهار وأول الليل، لتفرق الصلوات الخمس في هذه المدة، فلم يبق للسكر إلا وقت النوم من

стр. 2460

بعد العشاء إلى السحر، فيقل الشراب لمزاحمة النوم له، وأول النهار من صلاة الفجر إلى وقت الظهيرة وقت الكسب والعمل لأكثر الناس، ويقل أن يسكر فيه إلا أصحاب البطالة والكسل. وقد ورد أنهم كانوا بعد نزولها يشربون بعد العشاء، فلا يصبحون إلا وقد زال السكر، وصاروا يعلمون ما يقولون، وعبر بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ولم يقل ولا تقربوا الصلاة سكارى، مع أنه أخصر من الأول؛ لأن بين الأسلوبين فرقًا، الأول يتضمن النهي عن السكر الذي يخشى أن يمتد إلى وقت الصلاة، فيفضي إلى أدائها في أثنائه. وخلاصة المعنى عليه: احذروا أن يكون السكر وصفًا لكم عند حضور الصلاة، فتصلوا وأنتم سكارى، فامتثال هذا النهي إنما يكون بترك السكر في وقت الصلاة، وفيما يقرب منها، والثاني يتضمن النهي عن الصلاة حال السكر فحسب. وأما نهيهم عن الصلاة جنُبًا: فلا يتضمن نهيهم عن الجنابة قبل الصلاة؛ لأنها من سنن الفطرة، وإنما ينهاهم عن الصلاة في أثنائها حتى يغتسلوا؛ ولهذا قال جنبًا، ولم يقل وأنتم جنب. ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أي: ولا تقربوا الصلاة جنبًا في أي حال، إلا حال كونكم عابري سبيل؛ أي: مجتازين الطريق. وقد روي أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، وكان يصيبهم الجنابة ولا يجدون ممرًا إلا فيه، فرخص لهم في ذلك، ولم يأمر النبي ﷺ بسد تلك الأبواب والكوى إلا في آخر عمره الشريف، ولم يستثن إلا خوخة أبي بكر ﵁، الخوخة: الكوة والباب الصغير. ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ أي لا تقربوا الصلاة جنبًا إلى أن تغتسلوا، إلا فيما رخص لكم فيه من حالة السفر.

стр. 2461

وحكمة الاغتسال من الجنابة (١): أن الجنابة تحدث تهيجًا في الأعصاب، فيتأثر البدن كله، ويحدث فتور وضعف فيه، يزيله الاغتسال بالماء، ومن ثم ورد: "إنما الماء من الماء" رواه مسلم. والخلاصة: أن الدين طلب الصلاة حال العلم والفهم وتدبر القرآن والذكر، وذلك يتوقف على الصحو وترك السكر، كما طلب أن يكون الجسم نظيفًا نشيطًا، وذلك لا يكون إلا لإزالة الجنابة. ولما كانت الصلاة فريضة موقوتة لا هوادة فيها؛ لأنها تذكر المرء وتعده للتقوى، وكان الاغتسال من الجنابة يتعسر في بعض الحالات، ويتعذر في بعضها الآخر .. رخص لنا في ترك استعمال الماء، والاستعاضة عنه بالتيمم، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ المراد بالمرض: المرض الذي يخاف زيادته باستعمال الماء، كبعض الأمراض الجلدية، والقروح كالحصبة والجدري ونحو ذلك. والسفر يشمل الطويل والقصير، والمراد بالمجيء من الغائط الحدث الأصغر، بخروج شيء من أحد السبيلين القبل والدبر، أو بغيره من سائر أسباب الحدث الأصغر، وملامسة النساء التقاء البشرتين، أو غشيانهن على الخلاف المذكور فيه كما مر. ففي هذه الحالات كلها - المرض، السفر، فقد الماء، عقب الحدث الأصغر الموجب للوضوء، والحدث الأكبر الموجب للغسل - اقصدوا وتحروا صعيدًا طيبًا؛ أي: ترابًا طاهرًا من الأرض لا قذارة فيه ولا أوساخ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، ثم صلوا. والخلاصة: أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حديثًا أصغر، أو ملامس النساء ولم يجد الماء، فعلى كل هؤلاء التيمم فقط.

стр. 2462

روي أن هذه الآية نزلت في بعض أسفار النبي ﷺ ، وقد انقطع عقد لعائشة فأقام النبي ﷺ يلتمسه، والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فلما نزلت وصلوا بالتيمم .. جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة، فجعل يقول ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر، وفي رواية يرحمك الله يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجًا. ثم ذكر (١) منشأ السهولة واليسر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ العفو التيسير والسهولة، ومنه قوله تعالى ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، وقوله ﷺ : "قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق"؛ أي: أسقطتها تيسيرًا عليكم، ومن عفوه وتيسيره وتسهيله أن أسقط في حال المرض والسفر وجوب الوضوء والغسل. وفي ذلك إيماء إلى أن ما كان من الخطأ في صلاة السكارى، كقولهم: "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون" مغفور لهم، لا يؤاخذون عليه، واعلم: أن التيمم من خصائص هذه الأمة، خصها الله تعالى به ليسهل عليهم أسباب العبادة، ويدل على ذلك ما روي عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا، إذا لم نجد الماء" أخرجه مسلم. فصول في أحكام تتعلق بالآية الفصل الأول منها إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة، ولا حائل بينهما .. انتقض وضوئهما، وهو قول ابن مسعود، وابن عمر، وبه قال الزهري، والأوزاعي، والشافعي؛ لما روى الشافعي بسنده عن ابن عمر أنه قال: قُبلة

стр. 2463

الرجل امرأته وجَسُّهَا بيده من الملامسة، فمن قبَّل امرأته، أو جسها بيده فعليه الوضوء. أخرجه مالك في "الموطأ"، قال الشافعي: وبلغنا عن ابن مسعود مثله. وقال مالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق: إذا كان اللمس بشهوة .. انتقض الوضوء، وإن لم يكن بشهوة .. فلا، ويدل عليه ما روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قبل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال عروة: ومن هي إلا أنت فضحكت. أخرجه أبو داود. وأجيب عن هذا الحديث بأنه ليس بثابت، قال الترمذي: إنه لا يصح إسناده بحال، وسمعت محمَّد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن ثابت لم يسمع من عروة، وضعف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث، وقال: هو شبه لا شيء، وفيه ضعف من وجه آخر، وهو أن عروة هذا ليس بعروة بن الزبير ابن أخت عائشة، إنما هو شيخ مجهول، قال البيهقي: يعرف بعروة المزني. وإنما المحفوظ عن عائشة أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم، كذا رواه الثقات عن عائشة. وقال أبو حنيفة: لا ينتقض الوضوء باللمس إلا أن يحدث الانتشار، وقال قوم: لا ينتقض بحال، وهو قول ابن عباس، وبه قال الحسن والثوري. واحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما روى عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله، ورجلاي في قِبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح). أخرجاه في "الصحيحين". وأجاب من أوجب الوضوء باللمس عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون غمزه لها بحائل. الفصل الثاني اختلف قول الشافعي في لمس المحرم، كالأم والبنت والأخت أو أجنبية

стр. 2464

صغيرة، فأصح القولين عنه: أنه لا ينتقض الوضوء به، والثاني: أنه ينتقض الوضوء به، ومأخذ القولين عند أصحاب الشافعي التردد بين التعلق بعموم الآية في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، أو النظر إلى المعنى في النقض باللمس، وهو تحرك الشهوة، فإن أخذنا بعموم الآية .. فينتقض الوضوء بلمس المحارم، وإن أخذنا بالمعنى .. فلا ينتقض، وفي الملموس قولان، والملموس هو الذي لا فعل منه في المباشرة رجلًا كان أو امرأة، واللامس هو الفاعل للمس، وإن لم يقصد المباشرة. فأحد القولين: أنه ينتقض وضوء اللامس والملموس لعموم الآية؛ لأنه لمس وقع بين الرجل والمرأة فينتقض وضوؤهما معًا. والقول الثاني: أنه ينتقض وضوء اللامس دون الملموس؛ لما روي عن عائشة ﵂ قالت: "فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوضعت يدي على أخمص قدميه وهو ساجد وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". أخرجه مسلم. فلو انتقض وضوؤه ﷺ لقطع الصلاة، ولو لمس شعر امرأة أو سنها أو ظفرها، فلا وضوء عليه. الفصل الثالث في الحدث وهو الخارج من السبيلين، عينًا كان كالبول والغائط، أو أثرًا كالريح ونحوها، فإذا حصل شيء من ذلك .. فلا تصح صلاته، ما لم يتوضأ أو يتيمم عند عدم الماء؛ لما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، فقال رجل من أهل حضرموت: ما الحدثُ يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط. أخرجاه في "الصحيحين". أما خروج النجاسة من غير السبيلين، كالفصد والحجامة والرعاف والقيء

стр. 2465

ونحوها: فذهب قوم إلى أنه لا وضوء من خروج هذه الأشياء، يروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال عطاء وطاووس، والحسن وابن المسيب، وإليه ذهب مالك والشافعي؛ لما روي عن أنس قال: احتجم رسول الله ﷺ ، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه. أخرجه الدارقطني. وذهب قوم إلى إيجاب الوضوء من ذلك، منهم سفيان الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق، واتفق هؤلاء على أن خروج القليل منه لا ينقض، ويدل على انتقاض الوضوء بخروج هذه الأشياء ما روي عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء: أن النبي ﷺ قاء فتوضأ، قال معدان: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت له ذلك، فقال: صدق، أنا صببت له وضوءه، أخرجه الترمذي، وقال: هو أصح شيء في هذا الباب. الفصل الرابع من نواقض الوضوء: زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم؛ لما روي عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "العين وكاء السه، فمن نام .. فليتوضأ". أخرجه أبو داود وابن ماجه. ويستثنى من ذلك النوم اليسير قاعدًا مفضيًا بمحل الحدث إلى الأرض، ويدل على ذلك ما روي عن أنس قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الأخيرة، حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون. أخرجه أبو داود. وذهب قوم إلى أن النوم لا ينقض الوضوء بكل حال، وهو قول أبي هريرة وعائشة ﵄، وبه قال الحسن وإسحاق والمزني، وذهب قوم إلى أنه لو نام قائمًا أو قاعدًا أو ساجدًا وهو في الصلاة .. فلا وضوء عليه حتى يضطجع، وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي، لما روي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس على من نام ساجدًا وضوء، حتى يضطجع، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله". أخرجه أحمد ابن حنبل وضعف بعضهم هذا الحديث.

стр. 2466

الفصل الخامس من نواقض الوضوء مس الفرج من نفسه أو غيره، فذهب قوم إلى أنه يوجب الوضوء، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة ﵃ وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، غير أن الشافعي قال: ينتقض الوضوء إذا لمس ببطن الكف، والرجل والمرأة في ذلك سواء، ويدل على ذلك ما روي عن بسرة بنت صفوان، أن رسول الله ﷺ قال: "من مس ذكره .. فلا يصلِّ حتى يتوضأ"، أخرجه الترمذي، وقال حديث صحيح ولأبي داود والنسائي نحوه. وعن أم حبيبة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس فرجه فليتوضأ". أخرجه ابن ماجه وصححه أحمد وأبو زرعة. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أفضى بيده إلى ذكره، وليس دونه ستر .. فقد وجب عليه الوضوء" أخرجه أحمد ابن حنبل. وذهب قوم إلى أن مس الذكر لا يوجب الوضوء، وهو قول علي وابن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة، وبه قال الحسن: وإليه ذهب الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي، واحتجوا بما روي عن طلق بن علي قال: قدمنا على رسول الله ﷺ ، فجاءه رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ قال: "هل هو إلا مضغة منه؟ " أو قال: "بضعة منه". أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي نحوه بمعناه. وأجاب من أوجب الوضوء على من مس الذكر عن حديث طلق بن علي، بأن قدومه على رسول الله ﷺ كان في أول الهجرة، وهو يبني المسجد، وأبو هريرة ﵁ من آخرهم إسلامًا وقد روى بانتقاض الوضوء بمس الذكر، فصار حديث أبي هريرة ﵁ ناسخًا لحديث طلق بن علي، وأيضًا فإن حديث طلق يرويه عنه ابنه قيس بن طلق، وهو ليس بالقوي عند أهل الحديث.

стр. 2467

الفصل السادس: في التيمم وأركانه التيمم لغة: القصد، ومنه قول بعضهم: تَيَمَّمْتُكُم لَمَّا فَقَدْتُ أُولِيْ النُّهَى ... وَمَنْ فَقَدَ المَاءَ تَيَمَّمَ بِالتُّرْبِ وشرعًا: إيصال التراب إلى الوجه واليدين بشرائط مخصوصة، وأركانه خمسة: الأول: تراب طاهر خالص له غبار يعلق بالوجه واليدين، ويجوز بالرمل إذا كان عليه غبار. الثاني: قصد الصعيد، فلو تعرض لمهب الريح .. لم يكفه، ولو يممه غيره بإذنه مع عجزه جاز، وإن كان قادرًا فوجهان. الثالث: نقل التراب إلى الوجه واليدين. الرابع: نية استباحة الصلاة، فلو نوى رفع الحدث .. لم يصح، وأكمله أن ينوي استباحة الفرض والنفل. الخامس: مسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين والترتيب. ولا يصح التيمم لصلاة إلا بعد دخول وقتها، ولا يجوز الجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، وهو قول علي وابن عباس وابن عمر، وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب جماعة إلى أن التيمم كالوضوء فيجوز تقديمه على الوقت، ويجوز أن يصلي به ما شاء من النوافل قبل الفرض وبعده إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى، وأن يقرأ القرآن إن كان جنبًا ويشترط طلب الماء في السفر؛ بأن يطلبه في رحله وعند رفقته، ان كان في صحراء ولا حائل دون نظره .. نظر حواليه، وإن كان دون نظره حائل قريب من تل أو جدار أو نحوه .. عدل عنه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب، ولا يشترط الطلب عند أبي حنيفة، فإن رأى الماء ولا يقدر عليه؛ لمانع من عدو، أو سبع يمنعه من الذهاب إليه، أو كان الماء في بئر وليس معه آلة الاستقاء .. فهو كالعادم، فيتيمم ويصلي ولا إعادة عليه. والله أعلم.

стр. 2468

الإعراب ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة مسوقة (١) لبيان الأحكام المتعلقة بحقوق الوالدين والأقارب ونحوهم، إثر بيان الأحكام المتعلقة بحقوق الأزواج، وصدر بما يتعلق بحقوق الله التي هي آكد الحقوق، وأعظمها تنبيهًا، على عظم شأن حقوق الوالدين بنظمهما في سلكها، كما في سائر المواقع. ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُشْرِكُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاعْبُدُوا﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُشْرِكُوا﴾، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به منصوب؛ أي: لا تشركوا به شيئًا من الأشياء صنمًا أو غيره أو منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: لا تشركوا به شيئًا من الإشراك جليًّا أو خفيًّا. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿بالوالدين﴾: جار ومجرور متعلق بفعل محذوف معطوف على جملة قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾، تقديره: وأحسنوا بالوالدين. ﴿إِحْسَانًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بذلك المحذوف. ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه معطوف على قوله ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾. ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾: معطوفان على ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾. ﴿وَالْجَارِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿الجار﴾: معطوف على ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾، صفة لـ ﴿جار﴾، ومضاف إليه. ﴿وَالْجَارِ﴾: معطوف على ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾. ﴿الْجُنُبِ﴾: صفة لجار؛ لأنه مشتق؛ لأنه اسم فاعل. ﴿وَالصَّاحِبِ﴾: معطوف على ﴿ذي القربى﴾. ﴿بِالْجَنْبِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ﴿الصاحب﴾، تقديره حالة كونه ملتبسًا بالجنب؛ أي: بالقرب بجنبه. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: معطوف على ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ ومضاف إليه.

стр. 2469

﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر معطوفة على ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: وما ملكته أيمانكم. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُحِبُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المعللة لمحذوف تقديره: لا تفتخروا على هؤلاء المذكورين لأن الله لا يحب ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على من الموصولة. ﴿مُخْتَالًا﴾: خبر أول لـ ﴿كَانَ﴾، ﴿فَخُورًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾: صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد الضمير المستتر في ﴿كَانَ﴾. ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم، عائد على ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا﴾، وجمعه اعتبارًا لمعناه، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره في محل النصب بدل من ﴿مَن﴾ الموصولة، في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. ﴿يَبْخَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَيَأمُرُونَ النَّاسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿يَبْخَلُونَ﴾. ﴿بِالْبُخْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَيَأمُرُونَ﴾. ﴿وَيَكْتُمُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَبْخَلُونَ﴾. ﴿مَا آتَاهُمُ﴾: ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿وَيَكْتُمُونَ﴾، ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: ما آتاهم الله إياه؛ لأن آتى بمعنى أعطى، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿مَا﴾ الموصولة، أو من الضمير المحذوف. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: فعل وفاعل والجملة

стр. 2470

مستأنفة. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْتَدْنَا﴾. ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به. ﴿مُهِينًا﴾: صفة له. ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل الرفع معطوف على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾؛ أي: وهم الذين ينفقون، ويجوز (١) أن يكون عطفًا على ﴿الكافرين﴾، بناء على إجراء التغاير الوصفي مجرى التغاير الذاتي. ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿أَمْوَالَهُمْ﴾. ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾: مفعول لأجله ومضاف إليه، أو حال من فاعل ﴿يُنْفِقُونَ﴾، بتأويله بمشتق تقديره: ينفقون حالة كونهم مرائين الناس، فـ ﴿رِئَاءَ﴾: مصدر مضاف إلى المفعول. ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿الْآخِرِ﴾: صفة لـ ﴿اليوم﴾. ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الشرط أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾: فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونه فعل الشرط له. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿قَرِينًا﴾ وهو خبر ﴿يَكُنِ﴾. ﴿فَسَاءَ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط وجوبًا؛ لكون الجواب جملة جامدية. ﴿سَاءَ﴾: فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ لشبهه بالمثل، تقديره: هو يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾. ﴿قَرِينًا﴾: تمييز له، والجملة في محل الجزم جواب ﴿منْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: مستأنفة، والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا تقديره: هو؛ أي: الشيطان أو القرين. ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾.

стр. 2471

﴿وَمَاذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿ذا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْ آمَنُوا﴾: ﴿لَوْ﴾ مصدرية. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة الفعلية صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية، ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، متعلق بما تعلق به ﴿عَلَيْهِمْ﴾، تقديره: وما الذي استقر عليهم في إيمانهم باللهِ واليوم الآخر، وفي المقام أوجه أخر من الإعراب فراجعها. ﴿وَأَنْفَقُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَأَنْفَقُوا﴾. ﴿رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إياه، وهو العائد على ﴿ما﴾ أو الرابط لها، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِمْ﴾: متعلق بقوله ﴿عَلِيمًا﴾، وهو خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، وجملة ﴿لَا يَظْلِمُ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إنْ﴾، وجملة ﴿إنْ﴾: مستأنفة. ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿وَإِنْ تَكُ﴾: الواو: استئنافية. ﴿إنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَكُ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية، وعلامة جزمه سكون النون المحذوفة للتخفيف؛ لأن أصله: وإن تكون، فحذفت الضمة للجازم، والواو لالتقاء الساكنين، والنون للتخفيف، فالحذفان الأولان (١) واجبان، والثالث جائز، و ﴿حَسَنَةٌ﴾: بالرفع فاعلها؛ لأنه من كان التامة؛ أي: وإن تحصل حسنة .. يضاعفها لصاحبها، من عشر إلى سبع مئة ضعف، وفي قراءة النصب ﴿حَسَنَةً﴾ خبر تكون، واسمها ضمير مستتر فيها جوازًا يعود على الذرة؛ أي: وإن تك الذرة حسنة .. يضاعفها، حتى يوافيها صاحبها يوم القيامة وهي كالجبل العظيم.

стр. 2472

﴿يُضَاعِفْهَا﴾: فعل ومفعول مجزوم على كونه جواب الشرط، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: مستأنفة، ﴿وَيُؤْتِ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُضَاعِفْهَا﴾، مجزوم بحذف حرف العلة، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والمفعول الأول لآتى محذوف تقديره: ويؤت صاحبها، ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُؤْتِ﴾. ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ثان لآتى، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة لـ ﴿أَجْرًا﴾. ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾. ﴿فَكَيْفَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿كيف﴾: اسم للاستفهام التوبيخي والتقريعي، في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فكيف حالهم أو صنيعهم، والعامل (١) في إذا هو هذا المقدر، أو في محل النصب بفعل محذوف، تقديره: فكيف يكونون أو يصنعون، ويجري فيها الوجهان في نصبها: إما النصب على التشبيه بالحال، كما هو مذهب سيبويه، أو على التشبيه بالظرف، كما هو مذهب الأخفش، وذلك المحذوف هو العامل في إذا أيضًا، وجملة كيف مع العامل المحذوف مستأنفة. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط. ﴿جِئْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، والظرف متعلق بالعامل المحذوف في ﴿كيف﴾ كما مر آنفًا؛ أي: فكيف يكونون وقت مجيئنا. ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جِئْنَا﴾، أو حال (٢) من ﴿شهيد﴾ على قول من أجاز تقديم حال المجرور عليه. ﴿بِشَهِيدٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جِئْنَا﴾، ﴿وَجِئْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿جِئْنَا﴾ الأول. ﴿بِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جِئْنَا﴾. ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾، وهو حال من الكاف في ﴿بِكَ﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.

стр. 2473

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يوم﴾: منصوب على الظرفية وهو مضاف. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، في محل الجر مضاف إليه، مبني بسكون مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين؛ لالتقائها ساكنة مع التنوين، والظرف متعلق بـ ﴿يَوَدُّ﴾. ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾: ﴿لَوْ﴾: مصدرية. ﴿تُسَوَّى ... الْأَرْضُ﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿بِهِمُ﴾: متعلق بـ ﴿تُسَوَّى﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية، ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يَوَدُّ﴾، تقديره: يودون تسوية الأرض بهم. ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿حَدِيثًا﴾: مفعول ثان، والجملة إما معطوفة على جملة ﴿يَوَدُّ﴾ أو مستأنفة، والتقدير: وهم لا يكتمون الله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا﴾: جملة ندائية مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء. ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾: مبتدأ وخبر، والجملة حال من فاعل ﴿تَقْرَبُوا﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تَعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، تقديره: إلى علمكم ما تقولون، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَقْرَبُوا﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿تَعْلَمُوا﴾، ﴿تَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما تقولونه. ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. ﴿وَلَا جُنُبًا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿جُنُبًا﴾: حال من فاعل ﴿تَقْرَبُوا﴾، فهو معطوف على جملة قوله ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فكأنه قيل: لا تقربوا

стр. 2474

الصلاة سكارى ولا جنبًا، وهو السر (١) في إعادة لا ليفيد النهي عن كل. ﴿إِلَّا﴾: اسم بمعنى غير صفة لـ ﴿جُنُبًا﴾، ولكن نقل إعرابها إلى ما بعدها؛ لكونها على صورة الحرف. ﴿عَابِرِي﴾: صفة لـ ﴿جُنُبًا﴾، منصوب بالياء وهو مضاف. ﴿سَبِيلٍ﴾: مضاف إليه، والتقدير: لا تقربوا الصلاة جنبًا غير عابري سبيل؛ أي: غير مسافرين؛ أي: حالة كونكم جنبًا مقيمين غير معذورين، وقيل: إنه منصوب على الحال، فهو استثناء مفرغ، والعامل فيها فعل النهي، والتقدير: لا تقربوا الصلاة في حال الجنابة إلا في حال السفر. ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن المضمرة، والمصدر المؤول من أن المقدرة وما بعدها مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، وهي متعلقة بـ ﴿تَقْرَبُوا﴾، والتقدير: ولا تقربوا الصلاة جنبًا إلى اغتسالكم إلا عابري سبيل. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف جزم. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إنْ﴾، ﴿مَرْضَى﴾: خبر كان. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: جار ومجرور في محل النصب معطوف على خبر كان، والتقدير: وإن كنتم مرضى أو متلبسين بسفر. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ معطوف على ﴿كُنْتُمْ﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَحَدٌ﴾. ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءَ﴾. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم معطوف على ﴿كُنْتُمْ﴾. ﴿فَلَمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَجِدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾، ﴿مَاءً﴾: مفعول به، ووجد هنا بمعنى وجدان الضالة، فيتعدى لواحد، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، معطوفة على قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، على كونها فعل شرط لها. ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب

стр. 2475

جملة طلبية. ﴿تَيَمَّمُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل. ﴿صَعِيدًا﴾: مفعول به. ﴿طَيِّبًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية: مستأنفة كما أشرنا إليه سابقًا. ﴿فَامْسَحُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أمسحوا﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم معطوف على ﴿تَيَمَّمُوا﴾، على كونها جواب الشرط. ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿امسحوا﴾. ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾: معطوف على ﴿وجوهِكم﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿عَفُوًّا﴾: خبر أول لـ ﴿كَانَ﴾، ﴿غَفُورًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ من اسمها وخبرها: في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المتعلقة بمعلول محذوف، تقديره: وإنما يسر عليكم، ورخص لكم في التيمم؛ لكونه عفوًا غفورًا. التصريف ومفردات اللغة ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾، ﴿الْقُرْبَى﴾: مؤنث الأقرب، كالفضلى مؤنث الأفضل، وهو من قرُب من باب فعل المضموم، ومعناه الجار القريب الجوار أو النسب، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: ﴿الْجُنُبِ﴾: بضمتين صفة يستوي فيه المفرد والمثنى، والمجموع مذكرًا كان أو مؤنثًا، ومعناه: والجار البعيد القرابة أو الجوار، ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: ﴿الْجُنُبِ﴾: بالفتح والسكون الناحية والجانب، ﴿مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ المختال: اسم فاعل من اختال يختال، إذا تكبر وأعجب بنفسه، وألفه منقلبة عن ياء؛ لأنه من خال يخيل، وفي "المصباح": وسميت الخيل خيلًا لاختيالها، وهو إعجابها بنفسها مرحًا، ومنه يقال اختال الرجل وبه خيلاء، وهو الكبر والإعجاب انتهى. ﴿فَخُورًا﴾: صيغة مبالغة من الفخر، وهو عد مناقب الإنسان ومحاسنه، وفي "المصباح": أيضًا فخرت به فخرًا من باب نفع، وافتخر به مثله، والاسم الفخار، وهو المباهاة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب، وغير ذلك، إما في المتكلم أو في آبائه انتهى. فالمختال: ذو الخيلاء والكبر، يأنف من أقاربه

стр. 2476

وجيرانه وأصحابه ومماليكه، أو لا يلتفت إليهم، والفخور الذي يعدد محاسنه من العلم والمال والجاه تعاظمًا وتكبرًا، ﴿مُهِينًا﴾؛ أي: ذا الإهانة والذلة اسم فاعل من أهان الرباعي. ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾: القرين: المصاحب الملازم، وهو فعيل بمعنى مفاعل، كالخليط والجليس، والقرين أيضًا الحبل؛ لأنه يقرن به بين البعيرين، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: ظلم من باب ضرب، يتعدى لمفعول واحد، وذلك الواحد محذوف تقديره: لا يظلم أحدًا، وينتصب مثقال على أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي: ظلمًا وزن ذرة، كما تقول: لا أظلم قليلًا ولا كثيرًا، وقيل: ضمن معنى ما يتعدى لاثنين، فانتصب مثقال على أنه مفعول ثان، والأول محذوف كما قدرنا، والتقدير: لا ينقص أحدًا مثقال ذرة من الخير أو الشر، كما ذكره أبو حيان، والمثقال، أصله المقدار الذي له ثقل مهما قل ثم أطلق على المعيار المخصوص للذهب وغيره، والذرة أصغر ما يدرك من الأجسام، ومن ثم قالوا: إنها النملة، أو رأسها أو الخردلة أو الهباء ما يظهر من نور الشمس الداخل من الكوة، ولذلك روي عن ابن عباس ﵄: أنه أدخل يده في التراب، ثم نفخ فيه، فقال: كل واحدة من هؤلاء ذرة. ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾: السكارى - بفتح السين وضمها - جمع سكران، مؤنثه سكرى، ويقال في لغة بني أسد: سكرانة، وفعله سكر من باب طرب، والسكر لغة: السد، ومنه قيل لما يعرض للمرء من شرب المسكر؛ لأنه يسد ما بين المرء وعقله، وأكثر ما يقال السكر، لإزالة العقل بالمسكر، وقد يقال ذلك؛ لإزالته بالغضب، ونحوه من عشق وغيره، والسكر - بفتح السين وسكون الكاف - حبس الماء، وبالكسر نفس الموضع المسدود، وأما السكر - بفتحهما - فما يسكر به من المشروب، ومنه قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. ﴿وَلَا جُنُبًا﴾: الجنب يطلق على المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، كما مر آنفًا؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب، ويقال رجل جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، وامرأة جنب، وامرأتان جنب،

стр. 2477

ونساء جنب، قاله الكرخي، ومثله أبو حيان، وهو المشهور في اللغة والفصيح، وبه جاء القرآن، وقد جمعوه جمع سلامة بالواو والنون، فقالوا: قوم جنبون، وجمع تسكير فقالوا: قوم أجناب، وأما تثنيته فقالوا: جنبان. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾: الغائط - بزنة فاعل - المنحفض من الأرض كالوادي، وأهل البادية والقرى الصغيرة يقصدونه عند قضاء الحاجة، للستر والاستخفاء عن الناس، ثم عبر به عن نفس الحدث، كناية للاستحياء عن ذكره، وفرقت العرب بين الفعلين منه، فقالت: غاط في الأرض إذا ذهب وأبعد، إلى مكان لا يراه إلا من وقف عليه، وتغوط إذا أحدث. وقرأ ابن مسعود: ﴿من الغيط﴾ وفيه قولان: أحدهما: وإليه ذهب ابن جني، أنه مخفف من فيعل، كهين وميت في هين وميت. الثاني: أنه مصدر على وزن فعل يقال غاط يغيط غيطًا، وغاط يغوط غوطًا، وقال أبو البقاء: هو مصدر تغوط، فكان القياس غوطًا، فقلبت الواو ياء، وإن سكنت وانفتح ما قبلها لخفتها، كأنه لم يطلع على أن فيه لغة أخرى من ذوات الياء حتى ادعى ذلك. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والبيان والبديع (١): منها: التجوز بطلاق الشيء على ما يقاربه في المعنى، في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ﴾ أطلق الظلم على انتقاص الأجر، من حيث إن نقصه عن الموعود به قريب في المعنى من الظلم. ومنها: التنبيه بما هو أدنى على ما هو أعلى في قوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.

стр. 2478

ومنها: الإبهام في قوله: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾؛ إذ لم يبين فيه المضاعفة في الأجر. ومنها: السؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع أو تقريره لنفسه في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾. ومنها: العدول من بناء إلى بناء لمعنىً في قوله: ﴿بِشَهِيدٍ﴾، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿بِشَهِيدٍ﴾، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. ومنها: التجوز بإطلاق المحل على الحال فيه في قوله: ﴿مِنَ الْغَائِطِ﴾. ومنها: الكناية في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. ومنها: التقديم والتأخير في قوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾. ومنها: الحذف في عدة مواضع مثل: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: أحسنوا إلى الوالدين إحسانًا، ذكره أبو حيان في "البحر المحيط". ومنها: التعريض في قوله: ﴿مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ عرض بذلك إلى ذم الكبر المؤدي إلى احتقار الناس وإهانتهم. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾، ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ حيث كرر الباء، بخلاف نظيره في سورة البقرة فإنه لم يكرر فيه الباء، وفائدة إعادتها ثانيًا التأكيد؛ لأن (١) هذه الآية في حق هذه الأمة، فالاعتناء بها أكثر، وإعادة الباء تدل على زيادة التأكيد، فناسب ذلك هنا، بخلاف آية البقرة؛ فإنها في حق بني إسرائيل، والمراد بهذه الجملة الأمر بالإحسان، وإن كانت خبرية، كقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾. اهـ "سمين". ومنها: التغليب في قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، حيث عبر بما دون

стр. 2479

﴿من﴾؛ لأنها لغير العاقل، نظرًا لجانب الكثرة؛ لأن المملوك يشمل جميع الحيوانات من عبيد وإماء وغيرهم، فالحيوانات غير الأرقاء أكثر في يد الإنسان من الأرقاء، فغلب جانب الكثرة، وأمر الله بالإحسان إلى كل مملوك آدمي وغيره. ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾؛ لأن مقتضى السياق أن يقال وأعتدنا لهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، إشعارًا بأن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله تعالى، ومن كان كافرًا بنعمته فله عذاب يهينه، كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء، فتلخص أن الكافرين هنا بمعنى الجاحدين. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ حيث كرر ﴿لا﴾، وكذلك الباء إشعارًا (١) بأن الإيمان بكل منهما منتف على حدته، فلو قلت: لا أضرب زيدًا وعمرًا .. احتمل نفي الضرب عن المجموع، ولا يلزم منه نفي الضرب عن كل واحد على انفراده، واحتمل نفيه عن كل واحد بانفراده، وإن قلت: ولا عمرًا .. تعين هذا الثاني. ومنها: تغليب الخطاب على الغيبة في قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ لأن الضمير فيه عائد لكل من تقدم، من مريض ومسافر ومتغوط ولامس أو ملامس، وفيه تغليب للخطاب على الغيبة، وذلك أنه تقدم غيبة في قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. وخطاب في: ﴿كُنْتُمْ﴾ و ﴿لمستم﴾، فغلب الخطاب في قوله ﴿كُنْتُمْ﴾ وما بعده عليه، وما أحسن ما أتى به هنا بالغيبة لأنه كناية عما يستحيا منه، فلم يخاطبهم به، وهذا من محاسن الكلام، ومثله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾. والله أعلم * * *

стр. 2480

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾. المناسبة ٤٤ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنه تعالى لما ذكر شيئًا من أحوال الآخرة، وأن الكفار إذ ذاك يودون لو تسوى بهم الأرض، ولا يكتمون الله تعالى حديثًا وجاءت هذه

стр. 2481

الآية بعد ذلك كالاعتراض بين ذكر أحوال الكفار في الآخرة، وذكر أحوالهم في الدنيا، وما هم عليه من معاداة المؤمنين، وكيف يعاملون رسول الله ﷺ ، الذي يأتي شهيدًا عليهم وعلى غيرهم، ولما كان اليهود أشد إنكارًا للحق، وأبعد من قبول الخير، وكان قد تقدم أيضًا: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ...﴾، وهم أشد الناس تحليا بهذين الوصفين .. أخذ يذكرهم بخصوصيتهم. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): هو أنه تعالى لما رجاهم بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا ...﴾ الآية. خاطب من يرجى إيمانه منهم بالأمر بالإيمان، وقرن بالوعيد البالغ على تركه؛ ليكون أدعى لهم إلى الإيمان والتصديق به، ثم أزال خوفهم من سوء الكبائر السابقة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ...﴾ الآية، وأعلمهم أن تزكيتهم أنفسهم بما لم يزكهم به الله تعالى لا ينفع. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه لما هدد اليهود على الكفر، وتوعدهم عليه بأشد الوعيد، كطمس الوجوه، والرد على الأدبار، ثم بين أن ذلك الوعيد واقع لا محالة بقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ .. ذكر هنا أن هذا الوعيد وشديد التهديد إنما هو لجريمة الكفر، فأما سائر الذنوب سواه فالله تعالى قد يغفرها، ويتجاوز عن زلاتها. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (٣) في الآية السالفة: أن ممن دعوا إلى التصديق بالأنبياء فريق نأى وأعرض عن اتباع الحق، ثم توعد من أعرض بسعير جهنم .. فَصَّل هنا الوعيد بذكر أحوال الفريقين، وما يلاقيه كل منهم من الجزاء يوم القيامة.

стр. 2482

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود، وإذا كلم رسول الله ﷺ .. لوى لسانه، وقال: أرعنا سمعك يا محمَّد حتى نفقهك، ثم طعن في الإِسلام دعابة، فأنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كلم رسول الله ﷺ رؤساء من أحبار اليهود، منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسيد، فقال لهم: "يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق"، فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمَّد، فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني، عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام، قال: "وما دينه؟ "، قال: يصلي ويوحد الله، قال: "استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه"، فطلب الرجل ذلك منه فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: وجدته شحيحًا على دينه، فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ وأخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك وغيرهم.

стр. 2483

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه أحمد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة .. قالت قريش: ألا ترى إلى هذا الصنوبر - الرجل الفرد الضعيف الذليل بلا أهل وعقب وناصر - المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة وأهل السقاية، قال: أنتم خير منه، فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ وأنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. وأخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلَّام بن الحقيق، وأبا رافع، والربيع بن أبي الحقيق، وأبا عمارة، وهوذة بن قيس، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتب الأولى، فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمَّد، فسألوهم فقالوا: دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: قال أهل الكتاب: زعم محمَّد أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة، وليس همه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ...﴾ الآية. وأخرج ابن سعد عن عمر مولى عمرة نحوه بأبسط منه. التفسير وأوجه القراءة بعد (١) أن ذكر الله في سابق الآيات كثيرًا من الأحكام الشرعية، ووعد فاعلها بجزيل الثواب، وأوعد تاركها بشديد العقاب .. انتقل هنا إلى ذكر حال بعض الأمم، الذين تركوا أحكام دينهم، وحرفوا كتابهم، واشتروا الضلالة بالهدى، لينبه الذين خوطبوا بالأحكام المتقدمة إلى أن الله مهيمن عليهم، كما هيمن على من قبلهم فإذا هم قصروا .. أخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك

стр. 2484

أحكام دينه في الدنيا والآخرة، والمؤمنون بالله حقًّا بعد أن سمعوا الوعد والوعيد المتقدمين لا بد أن يأخذوا بهذه الأحكام على الوجه الموصل لهم إلى إصلاح الأنفس، وذلك هو الأثر المطلوب منها، ولن يكون ذلك إلا إذا أخذت بصورها ومعانيها، لا بأخذها بصورها الظاهرة فحسب. وقد اكتفى بعض الأمم من الدين ببعض رسومه الظاهرة فقط، كبعض اليهود الذين يكتفون ببعض القرابين وأحكام الدين الظاهرة، وهذا لا يكفي في اتباع الدين، والقيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراده الله تعالى، فأرشدنا الله إلى أن عمل الرسوم الظاهرة في الدين كالغسل والتيمم لا يغني عنهم شيئًا إذا لم يطهروا القلوب، حتى ينالوا مرضاته، ويكونوا أهلًا لكرامته، ولا يكون حالهم كحال بعض من سبقهم من الأمم. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ كلام مستأنف (١)، مسوق لتعجيب المؤمنين من سوء حالهم، والتحذير من موالاتهم، والخطاب فيه لكل من تتأتى منه الرؤية من المؤمنين، وتوجيهه إليه ﷺ هنا مع توجيهه فيما بعد إلى الكل للإيذان بكمال شهرة شناعة حالهم، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها، والرؤية هنا بصرية؛ أي: ألم تنظر أيها المخاطب إلى حال هؤلاء الذين أعطوا حظًّا يسيرًا من علم التوراة، والمراد بهم أحبار اليهود حال كونهم ﴿يَشْتَرُونَ﴾؛ أي: يختارون لأنفسهم ﴿الضَّلَالَةَ﴾ وهي البقاء على اليهودية - على الهدى بعد وضوح الآيات لهم على صحة نبوة محمَّد ﷺ ، وأنه هو النبي العربي المبشر به في "التوراة" و"الإنجيل"، أو يؤثرون تكذيب محمد ﷺ على تصديقه؛ ليأخذوا الرشا على ذلك، وتحصل لهم الرياسة كما قاله الزجاج، وإنما ذكر بلفظ الشراء لأنه استبدال شيء بشيء ﴿و﴾ حالة كونهم ﴿وَيُرِيدُونَ﴾، ويقصدون بما فعلوا من الكتمان، ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أيها المؤمنون، وتخطئوا ﴿السَّبِيلَ﴾؛ أي: طريق الحق ودينه الذي لا طريق سواه، كما هم ظنوا، فتكونوا مثلهم، فهم

стр. 2485

دائبون على الكيد لكم، ليردوكم عن دينكم إن استطاعوا؛ أي: ويتوصلون إلى إضلال المؤمنين، والتلبيس عليهم لكي يخرجوا عن الإسلام؛ أي: لم يكفهم (١) أن ضلوا في أنفسهم، حتى تعلقت آمالهم بضلالكم أنتم أيها المؤمنون عن سبيل الحق؛ لأنهم علموا أنهم قد خرجوا من الحق إلى الباطل، فكرهوا أن يكون المؤمنون مختصين باتباع الحقِّ، فأرادوا أن تضلوا كما ضلوا هم، كما قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، وقرأ النخعي: ﴿وتريدون﴾ بالمثناة الفوقية، قيل معناه: وتريدون أيها المؤمنون أن تضلوا السبيل؛ أي: تدعون الصواب في اجتنابهم، وتحسبونهم غير أعداء الله، وقرىء: ﴿أن يضلوا﴾ بالياء وفتح الضاد وكسرها. والتعبير (٢) بالشراء دون الاختيار للإيماء إلى أنهم كانوا فرحين بما عملوا، ظانين أن الخير كل الخير فيما صنعوا، والتعبير بالنصيب يدل على أنهم لم يحفظوا كتابهم كله، إذ هم لم يستظهروه زمن التنزيل كما حفظ "القرآن"، ولم يكتبوا منه نسخًا متعددة في العصر الأول كما فعلنا، حتى إذا ما فقد بعضها، قام مقامه بعض آخر، بل كان عند اليهود نسخةٌ من التوراة، هي التي كبتها موسى ﵇ ففقدت، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. والخلاصة: أنهم لم يأخذوا الكتاب كله، بل تركوا كثيرًا من أحكامه لم يعملوا بها، وزادوا عليها، والزيادة فيه كالنقص منه، فالتوراة تنهاهم عن الكذب وإيذاء الناس وأكل الربا، وكانوا يفعلون ذلك، وزاد لهم علماؤهم ورؤساؤهم كثيرًا من الأحكام والرسوم الدينية، فتمسكوا بها، وهي ليست من التوراة، ولا مما يعرفونه عن موسى ﵇ فالذي لم يعملوا به من التوراة قسمان: أحدهما: ما أضاعوه ونسوه. وثانيهما: ما حفظوا حكمه، وتركوا العمل به، وهو كثير أيضًا.

стр. 2486

٤٥ - ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾؛ أي: بمن هم أعداؤكم، فأنتم تظنون في المنافقين أنهم منكم، وما هم منكم، فهم يكيدون لكم في الخفاء، ويغشونكم في الجهر، فيبرزون لكم الخديعة في معرض النصيحة، ويظهرون لكم الولاء والرغبة والنصرة، والله أعلم بما في قلوبهم من العدواة والبغضاء، فهو تعالى يعلمكم ما هم عليه، ويخبركم به، وقد أخبركم بعداوتهم لكم، وما يريدون لكم؛ لتكونوا على حذر منهم، ومن مخالطتهم، أو هو أعلم بحالهم ومآل أمرهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾؛ أي: وكفاكم الله عن غيره من جهة كونه ﴿وَلِيًّا﴾ لكم؛ أي: متوليًا لأموركم، ومتصرفًا فيها، ومن كان الله وليه فلا يضره أحد. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾؛ أي: وكفاكم الله عن غيره من جهة كونه ﴿نَصِيرًا﴾؛ أي: ناصرًا لكم على أعدائكم، فهو تعالى ينصركم عليهم في كل موطن، فثقوا بولايته ونصرته. أي: فهو (١) يسبحانه وتعالى الذي يرشدكم إلى ما فيه خيركم وفلاحكم، وهو الذي ينصركم على أعدائكم، بتوفيقكم لصالح العمل، والهداية لأسباب النصر من الاجتماع والتعاون وسائر الوسائل، التي تؤدي إلى القوة، فلا تطلبوا الولاية من غيره، ولا النصرة من سواه، وعليكم باتباع السنن التي وضعها في هذه الحياة، ومنها: عدم الاستعانة بالأعداء، الذين لا يعملون إلا لمصالحهم الخاصة كاليهود وغيرهم. ٤٦ - وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ بيان للمراد من الذين أوتوا الكتاب بأنهم يهود ونصارى، وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ جملتان معترضتان بين البيان والمبين، ثم بين المراد من اشترائهم الضلالة بالهدى، فقال: من الذين هادوا ورجعوا عن عبادة العجل قوم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ المذكورة في التوراة ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾؛ أي: عن مواضع تلك الكلم؛ أي: يغيرون الكلم التي أنزل الله في التوراة عن مواضعها وهيأتها، التي ذكرها الله تعالى فيها، كتحريفهم في نعت

стр. 2487

النبي ﷺ أسمر ربعة، فوضعوا مكانه آدم طوال، وتحريفهم الرجم فوضعوا بدله الجلد. وقرىء: ﴿يحرفون الكِلْم﴾ بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف الكَلِمْ. وقرأ النخعي، وأبو رجاء: ﴿يحرفون الكلام﴾ وذكر الضمير في مواضعه مع عوده إلى الكلم، حملًا على معنى الكلم؛ لأنها جنس، قاله: العكبري. فالتحريف يطلق على معنيين (١): أحدهما: تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وضع له، كما يؤولون البشارات التي وردت في النبي ﷺ ، ويؤولون ما ورد في المسيح، ويحملونه على شخص آخر، ولا يزالون ينتظرونه إلى اليوم. وثانيهما: أخذ كلمة أو طائفة من الكلم من موضع من الكتاب ووضعها في موضع آخر، وقد حصل هذا في كتب اليهود، خلطوا ما يؤثر عن موسى بما كتب بعده بزمن طويل، وكذلك ما وقع في كلام غيره من أنبيائهم، واعترف بهذا بعض العلماء من أهل الكتاب، وقد كانوا يقصدون بهذا التحريف الإصلاح في زعمهم، وسبب هذا النوع من التحريف أنه وجدت عندهم قراطيس متفرقة من التوراة، بعد فقد النسخة التي كتبها موسى ﵇ وأرادوا أن يؤلفوا بينها، فجاء فيها ذلك الخلط بالزيادة والتكرار، كما أثبت ذلك بعض الباحثين من المسلمين. ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: ويقول هؤلاء اليهود للنبي ﷺ : ﴿سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾؛ أي: خالفنا غيرك، وذلك أنهم كانوا إذا أمرهم النبي ﷺ بأمر .. قالوا في الظاهر: سمعنا قولك، وعصينا غيرك، وأما في الباطن: سمعنا قولك وخالفنا أمرك، وقيل إنهم كانوا يظهرون هذا القول عنادًا واستخفافًا، وقد روي عن مجاهد أنهم قالوا للنبي ﷺ : سمعنا قولك ولكن لا نطيعك، وكذلك كانوا يقولون له: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ أي: ويقولون في أثناء مخاطبة النبي ﷺ خاصة كلامًا ذا وجهين، محتملًا للخير والمدح وللشر والذم، فأما معناه في المدح فإنهم يقولون: واسمع منا كلامنا حالة كونك غير مسمع منا مكروهًا لا يوافقك،

стр. 2488

وأما معناه في الذم: فإنهم يقولون: واسمع منا كلامنا حالة كونك غير مسمع كلامًا أصلًا لصمم أو موت، وهو دعاء منهم عليه بالموت، أو بذهاب سمعه، أو غير مسمع جوابًا يوافقك فكأنك ما أسمعت شيئًا؛ أي: يخاطبون النبي ﷺ استهزاء به، مظهرين للنبي ﷺ إرادة المعنى الأول؛ أعني: الخير وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأخير؛ أعني: الشر والدعاء عليه. وكذلك كانوا يقولون للنبي ﷺ في أثناء خطابهم له: ﴿وَرَاعِنَا﴾ وهي كلمة ذات وجهين، محتملة للخير إذا حملت على معنى اصرف سمعك إلى كلامنا، وأنصت لحديثنا وتفهم، أخذًا من المراعاة بمعنى المحافظة، وللشر إذا حملت على السب بالرعونة والحمق، بمعنى اشملنا وأفدنا رعونتك وحمقك، أو حملت على أنهم يريدون أنك يا محمَّد ترعى أغنامًا لنا، بمعنى كن راعيًا أغنامنا. ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾؛ أي: يقولون ذلك في مخاطبتهم له ﷺ ليًّا وفتلًا وصرفًا بألسنتهم عن الحق، الذي هو أطعنا واسمع وانظرنا إلى الباطل، الذي هو عصينا، واسمع غير مسمع، وراعنا وطعنًا في الدين؛ أي: يقولون ذلك طعنًا في دين الإِسلام، بقولهم لأصحابهم إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيًّا لعرف ذلك، فأطلعه الله تعالى على خبيث ضمائرهم، وما في قلوبهم من العداوة والبغضاء؛ أي: يقولون ذلك لصرف الكلام عن نهجه، وللقدح في دين الإِسلام بالاستهزاء والسخرية، أو المعنى: هم (١) يلوون ألسنتهم فيجعلونها في الظاهر راعنا، وبلَيِّ اللسان وإمالته - راعينا - قصدًا منهم للسباب والشتم والسخرية، أو جعله راعيًا من رعاة الغنم، أو من الرعونة، أو من تحريف اللسان وليِّه في خطابهم النبي ﷺ وتحيته بقولهم: السام - الموت - عليكم، يوهمون بفتل اللسان وليه أنهم يقولون له: السلام عليكم، وقد ثبت هذا في صحيح الأحاديث، كما ثبت أن النبي ﷺ بعد أن علم منهم ذلك كان يجيبهم بقوله: وعليكم؛ أي: الموت على كل أحد منكم. قال ابن عطية (٢): وهذا اللي باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى

стр. 2489

الآن في بني إسرائيل، ويحفظ في عصرنا أمثلة إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب انتهى. وهو يحكى عن يهود الأندلس، وقد شاهدناهم وشاهدنا يهود ديار مصر على هذه الطريقة، وكأنهم يربون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين، مما ظاهره التوقير ويريدون التحقير. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا﴾ باللسان أو بالحال عند سماع شيء من أوامر الله تعالى ونواهيه: ﴿سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرك، بدل قولهم سمعنا وعصينا، لعلمهم بصدقك، ولوجود الأدلة والبينات المتظاهرة على ذلك، وكذلك لو قالوا ﴿وَاسْمَعْ﴾ منا ما نقول ﴿وَانْظُرْنَا﴾؛ أي: انظر إلينا أو أمهلنا وانتظرنا بمعنى أفهمنا، ولا تعجل علينا حتى نفهم عنك ما تقول، بدل قولهم: واسمع غير مسمع وراعنا، ﴿لَكَانَ﴾ قولهم هذا ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ من ذلك السابق عند الله يسبحانه وتعالى، ﴿وَأَقْوَمَ﴾؛ أي: أصوب وأعدل مما قالوه، لما فيه من الأدب والفائدة وحسن العاقبة، وقال أبو حيان: والحاصل أنهم لو تبدلوا بالعصيان الطاعة، ومن الطاعة الإيمان بك، واقتصروا على لفظ اسمع، وتبدلوا براعنا قولهم وانظرنا، فعدلوا عن الألفاظ الدالة على عدم الانقياد، والموهمة إلى ما أمروا به، لكان؛ أي: ذلك القول خيرًا لهم عند الله تعالى وأقوم؛ أي: أعدل وأصوب، وقرأ أبي: ﴿وَأنْظِرْنَا﴾ من الإنظار وهو الإمهال، ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي: خذلهم وطردهم وأبعدهم عن الرحمة والطاعة والهدى، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، أي: بسبب كفرهم باللهِ وبمحمد ﷺ بذلك القول وبغيره؛ إذ مضت سنة الله في البشر بأن الكفر يمنع صاحبه من التفكر والتروي والأدب في الخطاب، ويجعله بعيدًا من الخير والرحمة، فلا يمتُّ - يصل - إليهما بسبب، ولا يصل إليهما برحم ولا نسب. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: فهم (١) لا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا غير نافع لهم لا يعتد به، فهو لا يصلح عملًا، ولا يطهر نفسًا، ولا يرقي عقلًا، ولو كان

стр. 2490

إيمانهم بنبيهم وكتابهم إيمانًا كاملًا .. لهداهم إلى التصديق بمن جاء مصدقًا لما معهم من الكتاب، وبين لهم ما نسوا منه، وما حرفوا فيه، كما جاء بمكارم الأخلاق، والسنن الكاملة في الاجتماع والتشريع، ولو اتبعوه .. كانوا على الهدى والرشاد، وعلى الحق والسداد، وقيل (١): المعنى لا يؤمنون إلا زمانًا قليلًا وهو زمان الاحتضار، فلا ينفعهم الإيمان وقتئذ، وبعضهم جعل قليلًا مستثنى من الهاء في لعنهم؛ أي: إلا نفرًا قليلًا، فلا يلعنهم الله لأنهم لم يفعلوا ذلك، بل كانوا مؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه. ٤٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: يا أيها اليهود والنصارى، الذين أعطوا "التوراة" و"الإنجيل" ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾؛ أي: صدقوا واتبعو "القرآن"، الذي نزلنا على عبدنا محمَّد ﷺ ، حالة كون "القرآن" المنزل على محمَّد ﷺ ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾؛ أي: موافقًا "للتوراة" و"الإنجيل" اللذين معكم، في الدعوة إلى التوحيد، والأمر بالابتعاد عن الشرك، وفي القصص والمواعيد، والأمر بالعدل بين الناس، والنهي عن المعاصي والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، وتلك هي أصول الدين وأركانه، والمقصد الأسمى من إرسال جميع الرسل، ولا خلاف بينهم في ذلك، وإنما الخلاف في التفاصيل، وطرق حمل الناس عليها، وهدايتهم بها، وترقيتهم في معارج الفلاح، بحسب السنن التي وضعها الله تعالى في ارتقاء البشر، بتعاقب الأجيال واختلاف الأزمان. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾؛ أي: من قبل أن نمحو تخطيط صورها، من عين وحاجب وأنف وفم، وقرأ الجمهور: ﴿نَطْمِسَ﴾ بكسر الميم، وقرأ أبو رجاء: بضمها وهما لغتان، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾؛ أي: فنجعلها على هيئة أقفائها؛ أي: آمنوا من قبل أن يحل بكم العقاب، من طمس الوجوه، والرد على الأدبار، أو من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم، التي توجهتم إليها من كيد الإِسلام، ونردها خاسرة إلى الوراء، بإظهار الإِسلام ونصره عليكم، وقد كان لهم
следующие страницы →