← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

٤٥ - ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾؛ أي: بمن هم أعداؤكم، فأنتم تظنون في المنافقين أنهم منكم، وما هم منكم، فهم يكيدون لكم في الخفاء، ويغشونكم في الجهر، فيبرزون لكم الخديعة في معرض النصيحة، ويظهرون لكم الولاء والرغبة والنصرة، والله أعلم بما في قلوبهم من العدواة والبغضاء، فهو تعالى يعلمكم ما هم عليه، ويخبركم به، وقد أخبركم بعداوتهم لكم، وما يريدون لكم؛ لتكونوا على حذر منهم، ومن مخالطتهم، أو هو أعلم بحالهم ومآل أمرهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾؛ أي: وكفاكم الله عن غيره من جهة كونه ﴿وَلِيًّا﴾ لكم؛ أي: متوليًا لأموركم، ومتصرفًا فيها، ومن كان الله وليه فلا يضره أحد. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾؛ أي: وكفاكم الله عن غيره من جهة كونه ﴿نَصِيرًا﴾؛ أي: ناصرًا لكم على أعدائكم، فهو تعالى ينصركم عليهم في كل موطن، فثقوا بولايته ونصرته. أي: فهو (١) يسبحانه وتعالى الذي يرشدكم إلى ما فيه خيركم وفلاحكم، وهو الذي ينصركم على أعدائكم، بتوفيقكم لصالح العمل، والهداية لأسباب النصر من الاجتماع والتعاون وسائر الوسائل، التي تؤدي إلى القوة، فلا تطلبوا الولاية من غيره، ولا النصرة من سواه، وعليكم باتباع السنن التي وضعها في هذه الحياة، ومنها: عدم الاستعانة بالأعداء، الذين لا يعملون إلا لمصالحهم الخاصة كاليهود وغيرهم. ٤٦ - وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ بيان للمراد من الذين أوتوا الكتاب بأنهم يهود ونصارى، وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ جملتان معترضتان بين البيان والمبين، ثم بين المراد من اشترائهم الضلالة بالهدى، فقال: من الذين هادوا ورجعوا عن عبادة العجل قوم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ المذكورة في التوراة ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾؛ أي: عن مواضع تلك الكلم؛ أي: يغيرون الكلم التي أنزل الله في التوراة عن مواضعها وهيأتها، التي ذكرها الله تعالى فيها، كتحريفهم في نعت

стр. 2487

النبي ﷺ أسمر ربعة، فوضعوا مكانه آدم طوال، وتحريفهم الرجم فوضعوا بدله الجلد. وقرىء: ﴿يحرفون الكِلْم﴾ بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف الكَلِمْ. وقرأ النخعي، وأبو رجاء: ﴿يحرفون الكلام﴾ وذكر الضمير في مواضعه مع عوده إلى الكلم، حملًا على معنى الكلم؛ لأنها جنس، قاله: العكبري. فالتحريف يطلق على معنيين (١): أحدهما: تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وضع له، كما يؤولون البشارات التي وردت في النبي ﷺ ، ويؤولون ما ورد في المسيح، ويحملونه على شخص آخر، ولا يزالون ينتظرونه إلى اليوم. وثانيهما: أخذ كلمة أو طائفة من الكلم من موضع من الكتاب ووضعها في موضع آخر، وقد حصل هذا في كتب اليهود، خلطوا ما يؤثر عن موسى بما كتب بعده بزمن طويل، وكذلك ما وقع في كلام غيره من أنبيائهم، واعترف بهذا بعض العلماء من أهل الكتاب، وقد كانوا يقصدون بهذا التحريف الإصلاح في زعمهم، وسبب هذا النوع من التحريف أنه وجدت عندهم قراطيس متفرقة من التوراة، بعد فقد النسخة التي كتبها موسى ﵇ وأرادوا أن يؤلفوا بينها، فجاء فيها ذلك الخلط بالزيادة والتكرار، كما أثبت ذلك بعض الباحثين من المسلمين. ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: ويقول هؤلاء اليهود للنبي ﷺ : ﴿سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيْنَا﴾؛ أي: خالفنا غيرك، وذلك أنهم كانوا إذا أمرهم النبي ﷺ بأمر .. قالوا في الظاهر: سمعنا قولك، وعصينا غيرك، وأما في الباطن: سمعنا قولك وخالفنا أمرك، وقيل إنهم كانوا يظهرون هذا القول عنادًا واستخفافًا، وقد روي عن مجاهد أنهم قالوا للنبي ﷺ : سمعنا قولك ولكن لا نطيعك، وكذلك كانوا يقولون له: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ أي: ويقولون في أثناء مخاطبة النبي ﷺ خاصة كلامًا ذا وجهين، محتملًا للخير والمدح وللشر والذم، فأما معناه في المدح فإنهم يقولون: واسمع منا كلامنا حالة كونك غير مسمع منا مكروهًا لا يوافقك،

стр. 2488

وأما معناه في الذم: فإنهم يقولون: واسمع منا كلامنا حالة كونك غير مسمع كلامًا أصلًا لصمم أو موت، وهو دعاء منهم عليه بالموت، أو بذهاب سمعه، أو غير مسمع جوابًا يوافقك فكأنك ما أسمعت شيئًا؛ أي: يخاطبون النبي ﷺ استهزاء به، مظهرين للنبي ﷺ إرادة المعنى الأول؛ أعني: الخير وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأخير؛ أعني: الشر والدعاء عليه. وكذلك كانوا يقولون للنبي ﷺ في أثناء خطابهم له: ﴿وَرَاعِنَا﴾ وهي كلمة ذات وجهين، محتملة للخير إذا حملت على معنى اصرف سمعك إلى كلامنا، وأنصت لحديثنا وتفهم، أخذًا من المراعاة بمعنى المحافظة، وللشر إذا حملت على السب بالرعونة والحمق، بمعنى اشملنا وأفدنا رعونتك وحمقك، أو حملت على أنهم يريدون أنك يا محمَّد ترعى أغنامًا لنا، بمعنى كن راعيًا أغنامنا. ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾؛ أي: يقولون ذلك في مخاطبتهم له ﷺ ليًّا وفتلًا وصرفًا بألسنتهم عن الحق، الذي هو أطعنا واسمع وانظرنا إلى الباطل، الذي هو عصينا، واسمع غير مسمع، وراعنا وطعنًا في الدين؛ أي: يقولون ذلك طعنًا في دين الإِسلام، بقولهم لأصحابهم إنما نشتمه ولا يعرف، ولو كان نبيًّا لعرف ذلك، فأطلعه الله تعالى على خبيث ضمائرهم، وما في قلوبهم من العداوة والبغضاء؛ أي: يقولون ذلك لصرف الكلام عن نهجه، وللقدح في دين الإِسلام بالاستهزاء والسخرية، أو المعنى: هم (١) يلوون ألسنتهم فيجعلونها في الظاهر راعنا، وبلَيِّ اللسان وإمالته - راعينا - قصدًا منهم للسباب والشتم والسخرية، أو جعله راعيًا من رعاة الغنم، أو من الرعونة، أو من تحريف اللسان وليِّه في خطابهم النبي ﷺ وتحيته بقولهم: السام - الموت - عليكم، يوهمون بفتل اللسان وليه أنهم يقولون له: السلام عليكم، وقد ثبت هذا في صحيح الأحاديث، كما ثبت أن النبي ﷺ بعد أن علم منهم ذلك كان يجيبهم بقوله: وعليكم؛ أي: الموت على كل أحد منكم. قال ابن عطية (٢): وهذا اللي باللسان إلى خلاف ما في القلب موجود حتى

стр. 2489

الآن في بني إسرائيل، ويحفظ في عصرنا أمثلة إلا أنه لا يليق ذكرها بهذا الكتاب انتهى. وهو يحكى عن يهود الأندلس، وقد شاهدناهم وشاهدنا يهود ديار مصر على هذه الطريقة، وكأنهم يربون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين، مما ظاهره التوقير ويريدون التحقير. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا﴾ باللسان أو بالحال عند سماع شيء من أوامر الله تعالى ونواهيه: ﴿سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرك، بدل قولهم سمعنا وعصينا، لعلمهم بصدقك، ولوجود الأدلة والبينات المتظاهرة على ذلك، وكذلك لو قالوا ﴿وَاسْمَعْ﴾ منا ما نقول ﴿وَانْظُرْنَا﴾؛ أي: انظر إلينا أو أمهلنا وانتظرنا بمعنى أفهمنا، ولا تعجل علينا حتى نفهم عنك ما تقول، بدل قولهم: واسمع غير مسمع وراعنا، ﴿لَكَانَ﴾ قولهم هذا ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ من ذلك السابق عند الله يسبحانه وتعالى، ﴿وَأَقْوَمَ﴾؛ أي: أصوب وأعدل مما قالوه، لما فيه من الأدب والفائدة وحسن العاقبة، وقال أبو حيان: والحاصل أنهم لو تبدلوا بالعصيان الطاعة، ومن الطاعة الإيمان بك، واقتصروا على لفظ اسمع، وتبدلوا براعنا قولهم وانظرنا، فعدلوا عن الألفاظ الدالة على عدم الانقياد، والموهمة إلى ما أمروا به، لكان؛ أي: ذلك القول خيرًا لهم عند الله تعالى وأقوم؛ أي: أعدل وأصوب، وقرأ أبي: ﴿وَأنْظِرْنَا﴾ من الإنظار وهو الإمهال، ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي: خذلهم وطردهم وأبعدهم عن الرحمة والطاعة والهدى، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، أي: بسبب كفرهم باللهِ وبمحمد ﷺ بذلك القول وبغيره؛ إذ مضت سنة الله في البشر بأن الكفر يمنع صاحبه من التفكر والتروي والأدب في الخطاب، ويجعله بعيدًا من الخير والرحمة، فلا يمتُّ - يصل - إليهما بسبب، ولا يصل إليهما برحم ولا نسب. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: فهم (١) لا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا غير نافع لهم لا يعتد به، فهو لا يصلح عملًا، ولا يطهر نفسًا، ولا يرقي عقلًا، ولو كان

стр. 2490

إيمانهم بنبيهم وكتابهم إيمانًا كاملًا .. لهداهم إلى التصديق بمن جاء مصدقًا لما معهم من الكتاب، وبين لهم ما نسوا منه، وما حرفوا فيه، كما جاء بمكارم الأخلاق، والسنن الكاملة في الاجتماع والتشريع، ولو اتبعوه .. كانوا على الهدى والرشاد، وعلى الحق والسداد، وقيل (١): المعنى لا يؤمنون إلا زمانًا قليلًا وهو زمان الاحتضار، فلا ينفعهم الإيمان وقتئذ، وبعضهم جعل قليلًا مستثنى من الهاء في لعنهم؛ أي: إلا نفرًا قليلًا، فلا يلعنهم الله لأنهم لم يفعلوا ذلك، بل كانوا مؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه. ٤٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: يا أيها اليهود والنصارى، الذين أعطوا "التوراة" و"الإنجيل" ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾؛ أي: صدقوا واتبعو "القرآن"، الذي نزلنا على عبدنا محمَّد ﷺ ، حالة كون "القرآن" المنزل على محمَّد ﷺ ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾؛ أي: موافقًا "للتوراة" و"الإنجيل" اللذين معكم، في الدعوة إلى التوحيد، والأمر بالابتعاد عن الشرك، وفي القصص والمواعيد، والأمر بالعدل بين الناس، والنهي عن المعاصي والفواحش، ما ظهر منها وما بطن، وتلك هي أصول الدين وأركانه، والمقصد الأسمى من إرسال جميع الرسل، ولا خلاف بينهم في ذلك، وإنما الخلاف في التفاصيل، وطرق حمل الناس عليها، وهدايتهم بها، وترقيتهم في معارج الفلاح، بحسب السنن التي وضعها الله تعالى في ارتقاء البشر، بتعاقب الأجيال واختلاف الأزمان. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾؛ أي: من قبل أن نمحو تخطيط صورها، من عين وحاجب وأنف وفم، وقرأ الجمهور: ﴿نَطْمِسَ﴾ بكسر الميم، وقرأ أبو رجاء: بضمها وهما لغتان، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾؛ أي: فنجعلها على هيئة أقفائها؛ أي: آمنوا من قبل أن يحل بكم العقاب، من طمس الوجوه، والرد على الأدبار، أو من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم، التي توجهتم إليها من كيد الإِسلام، ونردها خاسرة إلى الوراء، بإظهار الإِسلام ونصره عليكم، وقد كان لهم

стр. 2491

عند نزول الآية شيء من المكانة والقوة والعلم والمعرفة. وجعل بعضهم الرد على الأدبار حسيًّا؛ فقال: نردهم على أدبارهم بالجلاء إلى فلسطين والشام، وهي بلادهم التي جاءوا منها. وخلاصة المعنى: آمنوا قبل أن نعمي عليكم السبيل، بما نبصِّر المؤمنين شؤونكم، ونغريهم عليكم، فتردوا على أدباركم بأن يكون سعيكم إلى ما ليس بخير لكم. وقوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ فيه التفات؛ لأن الضمير فيه عائد على أهل الكتاب، والمعنى: يا أهل الكتاب آمنوا من قبل أن نلعنكم ونخذلكم بالمسخ والطرد عن رحمة الله، ﴿كَمَا لَعَنَّا﴾ وخذلنا وطردنا ﴿أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ الذين اعتدوا بصيد السمك في يوم السبت، بمسخهم قردة وخنازير وطردهم عن رحمة الله تعالى، وقال ابن عطية: المراد بأصحاب السبت أصحاب أيلة الذين اعتدوا في السبت بالصيد، وكانت لعنتهم أن مُسخوا خنازير وقردة انتهى. والخلاصة: آمنوا بما نزلنا على محمَّد ﷺ ، من قبل أن تقعوا في الخيبة والخذلان، وذهاب العزة باستيلاء المؤمنين عليكم، وإجلائكم من دياركم، كما حدث لطائفة منكم، أو بالهلاك كما وقع بقتل طائفة أخرى وهلاكها، ثم هددهم وتوعدهم بقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ؛ أي: قضاؤه بإيقاع شيء ما، كالعذاب واللعنة، أو المغفرة والرحمة، ﴿مَفْعُولًا﴾؛ أي: نافذًا لا محالة، وهذا إخبار عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين، أنه تعالى مهما أخبرهم بإنزال العذاب على الكفار فعل ذلك لا محالة. والخلاصة: أنه يقول لهم: أنتم تعلمون أن وعيد الله للأمم السالفة قد وقع ولا محالة، فاحترسوا وكونوا على حذر من وعيده لكم، فإنه نافذ لا محالة، لا رادَّ لحكمه، ولا ناقض لأمره، فلا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، ٤٨ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أي: لا يغفر الإشراك والكفر به، سواء كان إشراك الربوبية، أو إشراك الألوهية أي: لا يغفر الإشراك لمن

стр. 2492

اتصف به، ومات عليه بلا توبة ولا إيمان، وفي الآية كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد، وتأكيد وجوب الامتثال بالأمر بالإيمان ببيان استحالة المغفرة بدونه. واعلم (١): أن الشرك باللهِ ضربان: ١ - شرك في الألوهية، وهو الشعور بسلطة وراء الأسباب والسنن الكونية لغير الله تعالى. ٢ - شرك في الربوبية، وهو الأخذ بشيء من أحكام الدين بالتحليل والتحريم عن بعض البشر دون الوحي، وهذا ما أشار إليه الكتاب الكريم بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، وقد فسر النبي ﷺ اتخاذهم أربابًا، بطاعتهم واتباعهم في أحكام الحلال والحرام. وقد سرى الشرك في الألوهية والربوبية إلى بعض المسلمين منذ قرون كثيرة، وفي الآية إيماء إلى تسمية أهل الكتاب بالمشركين، وكأنه يقول لهم: لا يغرنكم انتماؤكم إلى الكتب والأنبياء، وقد هدمتم أساس الدين بالشرك الذي لا يغفره الله تعالى بحال. والحكمة في عدم مغفرة الشرك أن الدين إنما شرع لتزكية النفوس، وتطهير الأرواح، وترقية العقول، والشرك ينافي كل هذا؛ لأنه منتهى ما تهبط إليه العقول، ومنه تتولد سائر الرذائل، التي تفسد الأفراد والجماعات. وبالتوحيد يعتق المرء من رق العبودية لأحد من البشر، أو لشيء من الأشياء السماوية أو الأرضية، ويكون حرًّا كريمًا، لا يخضع إلا لمن خضعت لسننه الكائنات، بما أقامه من ربط الأسباب بالمسببات. والخلاصة: أن أرواح الموحدين تكون راقية، لا تهبط بها الذنوب إلى

стр. 2493

الحضيض الذي تهوي إليه أرواح المشركين، إذ مهما عمل المشرك من الطيبات .. فإن روحه تبقى مظلمة بالعبودية والخضوع لغير الله، ومهما أذنب الموحدون .. فإن ذنوبهم لا تحيط بأرواحهم، إذ خيرهم يغلب شرهم، ولا يبعد بهم الأمد وهم في غفلة عن ربهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾، فهم يسرعون إلى التوبة، ويتبعون السيئة بالحسنة، حتى يذهب أثرها من النفس، وذلك هو غفرانها. ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: ويغفر ما دون ذلك الإشراك المذكور في القبح من المعاصي صغيرة كانت أو كبيرة، عملية كانت أو قولية، تفضلًا منه وإحسانًا ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ المغفرة له من عباده الذين أذنبوا ذنبًا دون الشرك، ومشيئة الله تكون على وفق حكمته، وعلى مقتضى سنته في خليقته، وقد جرت سنته بأن لا يغفر الذنوب التي لا يتوب صاحبها ولا يتبعها بالحسنات، التي تزيل آثارها من نفس فاعلها. وقصارى ذلك: أن الشرك لإفساده للنفوس يترتب عليه العقاب حتمًا في الدنيا والآخرة، وما عداه لا يصل إلى درجته في إفساد النفوس، فمغفرته ممكنة تتعلق بها المشيئة الإلهية، فمنه ما يكون تأثيره السيء في النفوس قويًّا، ومنه ما يكون ضعيفًا، يغفر بالتأثير بصالح العمل. ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: ومن يجعل لغير الله شركة مع الله ، قيوم السموات والأرض، سواء أكانت الشركة بالإيجاد، أو بالتحليل والتحريم، ﴿فَقَدِ افْتَرَى﴾ واختلق وفعل ﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾؛ أي: إثما كبيرًا عظيم الضرر غير مغفور إن مات عليه، تُستصغر في جنب عظمته جميع الذنوب والآثام، فهو جدير بأن لا يغفر، وما دونه قد يمحى بالغفران. ٤٩ - والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: ألم تنظر إليهم يا محمَّد، أو أيها المخاطب استفهام تعجيب؛ أي: إيقاع المخاطب وحمله على التعجب من حالهم المنافية لما هم عليه من الكفر والطغيان، والمراد بهم اليهود والنصارى، الذي يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه؛ أي: انظر واعجب يا محمَّد، أو أيها المخاطب من حال اليهود والنصارى، الذين يمدحون أنفسهم؛ أي:

стр. 2494

تعجب من ادعائهم أنهم أزكياء بررة عند الله تعالى، مع ما هم عليه من الكفر وعظيم الذنب، أو من تكفير ذنوبهم، مع استحالة أن يغفر للكافر شيء من كفره أو معاصيه، وفيه تحذير من إعجاب المرء بنفسه وعمله، ويدخل في الآية كل من زكى نفسه، ووصفها بزيادة العمل والطاعة والتقوى، قال الشوكاني: واختلف (١) المفسرون في المعنى الذي زكوا به أنفسهم، فقال الحسن وقتادة: هو قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وقال الضحاك: هو قولهم: لا ذنوب لنا، ونحن كالأطفال، وقيل: هو قولهم: إن أباءهم يشفعون لهم، وقيل: ثناء بعضهم على بعض، ومعنى التزكية: التطهير والتنزيه، فلا يبعد صدقها على جميع هذه التفاسير وعلى غيرها، واللفظ يتناول كل من زكى نفسه بحق أو بباطل من اليهود وغيرهم. واعلم (٢): أن تزكية النفس تارة تكون بالعمل الذي يجعلها زاكية طاهرة كثيرة الخير والبركة، بتنمية فضائلها وكمالاتها، ولا يكون ذلك إلا بابتعادها عن الشرور والآثام، التي تعوقها عن الخير، وهذه التزكية محمودة وهي التي عناها الله بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾. وتارة تكون بالقول بادعاء الكمال والزكاة، وقد اتفق العقلاء على استهجان تزكية المرء نفسه بالقول ولو حقًّا، ومصدر هذه التزكية الجهل والغرور، ومن آثار هذه السيئة الاستكبار عن قبول الحق، والانتفاع بالنصح، وقد رد الله عليهم دعواهم الزكاة والطهارة بقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ إضراب عن محذوف تقديره: لا عبرة بتزكيتهم أنفسهم، بأن يقولوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وبأنهم لا يعذبون في النار؛ لأنهم شعب الله المختار، وبتفاخرهم بنسبهم ودينهم، ﴿بَلِ اللَّهُ﴾ ﴿يُزَكِّي﴾ ويطهر من الذنوب والرذائل من يشاء تطهيره من عباده، من أيِّ شعب كان، ومن أيِّ قبيلة كانت، فيهديهم إلى صحيح

стр. 2495

العقائد، وفاضل الآداب، وصالح الأعمال، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ معطوف على محذوف، تقديره: فهؤلاء الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم ادعاءً، ولا يظلمون وينقصون شيئًا من الجزاء على أعمالهم السيئة؛ أي: لا يظلمون في ذلك العقاب فتيلًا؛ أي: أدنى ظلم وأصغره، وهو الخيط الذي في شق النواة، يضرب به المثل في القلة والحقارة، والفتيل في الأصل: الشيء المفتول، وسمي ما في شق النواة بذلك لكونه على هيأته، وقيل: الفتيل: ما تفتله بين أصابعك من وسخ وغيره، ويضرب به المثل في الشيء الحقير الذي لا قيمة له، وقد ضربت العرب المثل في القلة بأربعة أشياء اجتمعت في النواة وهي: الفتيل المذكور، والنقير وهو: النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير وهو: القشر الرقيق فوقها، وهذه الثلاثة مذكورة في القرآن، والرابع: اليعروف وهو: ما بين النواة والقمع الذي يكون في رأس الثمرة كالعلاقة بينهما. اهـ. "سمين" فخذلانهم في الدنيا بالعبودية لغيرهم، وفي الآخرة بالعذاب والحرمان، من النعيم المقيم والثواب الجسيم، وما كان ذلك بظلم من الله لهم، بل كان بنقصان درجات أعمالهم وعجزها عن الصعود بأرواحهم إلى مستوى الرفعة والكرامة، لتزكيتهم إياها بالقول الباطل دون الفعل، فلم تصل بهم نفوسهم إلى مراتب الفوز والفلاح. وقيل: الضمير (١) في ﴿يظلمون﴾ راجع إلى ﴿من﴾ في: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ باعتبار معناها، والتقدير: يثاب المزكون ولا ينقص من ثوابهم شيء أصلًا، ولكن لا يساعده مقام الوعيد. وفي الآية موضعان من العبرة (٢): الأول: أن الله يجزى عامل الخير بعمله ولو كان مشركًا؛ لأن لعمله أثرًا في نفسه يكون مناط الجزاء، فيخفف عذابه عن عذاب غيره، كما ورد في الأحاديث إن بعض المشركين يخفف عنهم العذاب بعمل لهم، فحاتم الطائي

стр. 2496

بكرمه، وأبو طالب بكفالته النبي ﷺ ونصره إياه، وأبو لهب لعتقه جاريته ثويبة حين بشرته بمولد النبي ﷺ . الثاني: أن يحذر المسلمون الغررو بدينهم، كما كان أهل الكتاب في عصر التنزيل وما قبله، وأن يبتعدوا عن تزكية أنفسهم بالقول، واحتقار من عداهم من المشركين، وأن يعلموا أن الله لا يحابي في نظم الخليقة أحدًا، لا مسلمًا ولا يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ألا ترى أن خاتم النبيين قد شج رأسه، وكسرت سنه، وردي في حفرة، من جراء تقصير عسكره فيما يجب من اتباع أمر القائد، وعدم مخالفته، وأن يهتدوا بكتاب الله وبسنته في الأمم، وأن يتركوا وساوس الدجالين المخرفين، الذين يصرفونهم عن الاهتداء بهدي كتابهم، ويشغلونهم بما لم ينزل الله به عليهم سلطانًا، فإنه ما زال ملكهم وما ذهب عزهم .. إلا بتركهم لهدي دينهم، واتباعهم لأولئك الدجالين المخرفين، الذين جعلوا ما ليس من الدين دينًا لهم من العقائد الزائغة والمذاهب الفاسدة والطرائق المخترعة، كما هو كثير في بعض شعوب المسلمين، الذين أذلهم الاستئمار، وشتتهم الكفار؛ لتهاونهم في دينهم، وتساهلهم في عبادة ربهم. وقرأ الجمهور (١): ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بفتح الراء، وقرأ السلمي بسكونها إجراء للوصل مجرى الوقف، وقيل: هي لغة قوم لا يكتفون بالجزم بحذف لام الفعل، بل يسكنون بعده عين الفعل، وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ بالياء، وقرأت طائفة: ﴿ولا تظلمون﴾ بتاء الخطاب. ٥٠ - ثم أكد التعجيب من حالهم الذي فهم من الآية السابقة، فقال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾؛ أي: انظر يا محمَّد، أو أيها المخاطب، متعجبًا إلى حال هؤلاء اليهود، كيف يختلقون على الله الكذب، وينسبونه إليه في قولهم: نحن بررة أزكياء عند الله، ونحن أبناء الله وأحباؤه، وإن الله سبحانه يعاملهم معاملة خاصة بهم، لا كما يعامل سائر عباده، ﴿وَكَفَى بِهِ﴾؛ أي: وكفى هذا الافتراء والكذب

стр. 2497

عليه من جهة كونه: ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: ذنبًا ظاهرًا، يستحقون به العقوبة الشديدة، والعذاب الأليم الدائم. أي: إن تزكية النفس والغرور بالدين والجنس مما يبطىء النفس عن نافع العمل، الذي يثاب عليه الناس، وكفى به إثمًا ظاهرًا؛ لأنه لا أثر له من حق، ولا سمة عليه من صواب، فالله لا يعامل شعبًا معاملة خاصة تغاير سننه التي وضعها في الخليقة، وما مصدر هذه الدعوى إلا الغرور والجهل، وكفى بذلك شرًّا مستطيرًا، ويدخل في مفهوم هذه الآية ما وقع في بعض بلدان المسلمين، لبعض أولاد العلماء والصالحين، الذين يتساهلون في دينهم، ويستخدمون الناس، فلا يصلّون الصلوات الخمس، ويفعلون المحرّمات، ويقولون للعوام: نحن سادة أبناء سادة، وأولياء أبناء أولياء، تطوى لنا الأرض، ونصلي في مكة، ويختلطون مع الأجانب، ويذكرون أذكارًا شيطانية، ويخبرون عن المغيبات، ويذبحون أموال الناس للجن، ويأخذونها منهم غصبًا، فما هؤلاء إلا طواغيت ومردة، فهم أشد ضررًا على المسلمين من اليهود والنصارى، فيا لها مصيبة ابتلي بها المسلمون، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٥١ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ هذا تعجيب من حالهم، بعد التعجيب الأول، وأجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في اليهود، وسبب نزولها كما مر (١): أن كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وجماعة معهما، جاؤوا مكة يحالفون قريشًا على محاربة رسول الله ﷺ ، فقالوا: أنتم أهل كتاب، وأنتم أقرب إلى محمَّد منكم إلينا، فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا، وقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلًا أم محمَّد، فقال كعب: ماذا يقول محمَّد؟ قالوا: يأمرنا بعبادة الله وحده وينهى عن الشرك، قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت، نسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني، وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلًا، قاله ابن عباس.

стр. 2498

أي: ألم تنظر يا محمَّد - أو أيها المخاطب - متعجبًا إلى حال هؤلاء اليهود، الذين أعطوا حظًّا قليلًا من علم "التوراة"، يؤمنون ويسجدون للجبت، والأصنام والطاغوت والشيطان، الجبت: اسم للأصنام، والطاغوت: شياطين الأصنام، ولكل صنم شيطان يعبر فيها ويكلم الناس، فيغترُّون بذلك، وقيل الجبت: الكاهن، والطاغوت: الساحر، وقيل غير ذلك. والخلاصة: ألم تنظر إلى حال هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، كيف حرموا هدايته، وهداية العقل والفطرة، وآمنوا بالدجل والخرافات، وصدقوا بالأصنام والأوثان، ونصروا أهلها من المشركين على المؤمنين المصدقين بنبوة أنبيائهم، والمعترفين بحقية كتبهم، ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: يقول هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب؛ أي: اليهود، ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله وبمحمد ﷺ ؛ أي: في حق الذين كفروا وشأنهم، يعني كفار مكة ﴿هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: كفار مكة أبو سفيان وأصحابه؛ أي: أنتم يا هؤلاء ﴿أَهْدَى﴾؛ أي: أصوب دينًا وأقوم طريقًا ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد ﷺ ؛ أي: أنتم أهدى من محمَّد وأصحابه، وذكرهم بلفظ الإيمان ليس من قبل القائلين بل من جهة الله تعالى، تعريفًا لهم بالوصف الجميل، وتخطئة لمن رجح عليهم المتصفين بأقبح القبائح. أي: يقولون: إن المشركين أرشد طريقة في الدين من المؤمنين، الذين اتبعوا محمدًا ﷺ ، ٥٢ - ثم بين عاقبة أمرهم وشديد نكالهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ القائلون: إن عبادة الأوثان أفضل من عبادة الله تعالى، هم ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى؛ أي: طردهم الله تعالى، وأبعدهم عن رحمته، ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ﴾ ؛ أي: ومن يطرده الله تعالى، ويبعده عن رحمته، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أي: لن تجد له أيها المخاطب ناصرًا ينصره ويدفع عنه العذاب في الدنيا والآخرة، فهو تأكيد لما قبله. والخلاصة: أولئك القائلون هم (١) الذين اقتضت سنن الله في خلقه أن

стр. 2499

يكونوا بعيدين عن رحمته، مطرودين من فضله وجوده، ومن يبعده الله تعالى من رحمته فلن ينصره أحد من دونه، إذ لا سبيل لأحد إلى تغيير سننه تعالى في خليقته، وهو قد جعل الخذلان نصيب من يؤمنون بالجبت والطاغوت؛ إذ هم قد جاوزوا سنن الفطرة، واتبعوا الخرافات والأوهام؛ لأنه إنما ينصر المؤمنين باجتنابهم ذلك، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ٥٣ - ثم انتقل من توبيخهم على الإيمان بالجبت والطاغوت، وتفضيلهم المشركين على المؤمنين، إلى توبيخهم على البخل والأثرة، وطمعهم في أن يعود إليهم الملك في آخر الزمان، وأنه سيخرج منهم من يجدد ملكهم ودولتهم، ويدعو إلى دينهم، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ وخصت هذه الأشياء الحقيرة المذكورة بقوله: فتيلًا في قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، وهنا بقوله: ﴿نقيرًا﴾ لوفاق النظير من الفواصل، ذكره أبو حيان. و ﴿أم﴾ في قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ بمعنى بل التي للاضراب الإبطالي، وهمزة الإنكار؛ لأن الكلام إنكار على اليهود، وإبطال لقولهم: نحن أولى بالملك والنبوة، فكيف نتبع العرب، وتكذيب لهم في زعمهم أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان، فيخرج منهم من يجدد ملكهم ودولتهم، و ﴿إذًا﴾ في قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾ حرف جواب وجزاء لشرط مقدر، ورُفع الفعل بعدها، وإن كان مرجوحًا عند النحاة، لأن القراءة سنة متبعة، والفاء: للسببية الجزائية لذلك الشرط المحذوف. وقرىء - شاذًا على الأرجح -: بحذف النون، فقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾؛ أي: بل ألهم نصيب من الملك، يعني ليس لليهود ملك، ولو كان لهم ملك .. إذًا لم يؤتوا أحدًا شيئًا لشدة حرصهم وبخلهم؛ أي: إنهم لا حظ لهم من الملك، إذ هم فقدوه بظلمهم وطغيانهم، وإيمانهم بالجبت والطاغوت. والمعنى (١): ليس لهم من الملك شيء البتة، ولو كان لليهود نصيب منه، فيتسبب عن ذلك أنهم لا يعطون واحدًا من الناس قدر ما يملأ النقير، وهو النقرة

стр. 2500

التي على ظهر النواة، التي تنبت منها النخلة، وهذا بيان لعدم استحقاقهم له، بل لاستحقاهم الحرمان منه؛ بسبب أنهم من البخل والدناءة بحيث لو أوتوا شيئًا من ذلك .. لما أعطوا الناس من أقل القليل، ومن حق من أوتي الملك أن يؤثر الغير بشيء منه، فالله تعالى وصفهم في هذه الآية بالبخل، ووصفهم بالجهل في الآية المتقدمة، ووصفهم بالحسد في الآية الآتية، وهذه الخصال كلها مذمومة، فكيف يدعون الملك وهي حاصلة فيهم. والخلاصة (١): أن اليهود ذوو أثرة وشح، يشق عليهم أن ينتفع بهم غير اليهودي، فإذا صار لهم ملك .. حرصوا على منع الناس أدنى النفع وأحقره، ومن كانت هذه حاله حرص أشد الحرص على أن لا يظهر نبي من العرب، يكون لأصحابه ملك يخضع لهم فيه بنو إسرائيل، ولا تزال هذه حالهم إلى اليوم، فإن تم لهم ما يسعون إليه من إعادة ملكهم إلى بيت المقدس وما حوله .. فإنهم يطردون المسلمين والنصارى من تلك الأرض المقدسة، ولا يعطونهم منها نقيرًا، ولكن هل يعود الملك كما يريدون، ليس في الآية ما يثبت ذلك، ولا ما ينفيه، وإنما الذي فيها بيان طباعهم فيه لو حصل. وقرأ عبد الله بن مسعود وابن عباس ﴿فإذًا لا يؤتوا﴾ بحذف النون على إعمال إذًا. ٥٤ - ثم انتقل من توبيخهم بالبخل إلى توبيخهم بالحسد، فقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وأم هنا بمعنى همزة الإنكار، وبل التي للإضراب الانتقالي (٢)؛ لأنه انتقل من توبيخهم بما سبق إلى توبيخهم بالحسد الذي هو شر الرذائل وأقبحها؛ أي: بل أتريد اليهود أن يحسدوا الناس؛ أي: محمدًا ﷺ وأصحابه على ما آتاهم الله تعالى؛ أي: على العطاء الذي أعطاهم إياه من النبوة والكتاب، وازدياد العز والنصر يومًا فيومًا، وكثرة النساء له ﷺ ، وكانت له يومئذ تسع نسوة، فقالت اليهود: لو كان محمد نبيًّا .. لشغله أمر النبوة

стр. 2501

عن الاهتمام بأمر النساء، حالة كون ذلك العطاء ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه ، وقوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ تعليل للإنكار المفهوم من الاستفهام المضمن للهمزة المقدرة؛ أي لا ينبغي لهم الحسد لمحمد وأصحابه، فإن حسدهم المذكور في غاية القبح والبطلان؛ لأنا قد آتينا وأعطينا من قبل محمَّد ﷺ آل إبراهيم، الذين هم أنبياء أسلافهم، وأبناء أعمام لمحمد ﷺ ، ﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: النبوة؛ أي: أعطينا بعض آل إبراهيم الكتاب والنبوة، كموسى وعيسى وداود ﵈، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: وأعطينا بعضهم الآخر ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ لا يقادر قدره مع النبوة، كداود وسليمان ويوسف ﵈، فكان لداود مئة امرأة مهرية، ولسليمان سبع مئة سرية، وثلاث مئة امرأة مهرية، وهؤلاء الثلاثة كانوا في بني إسرائيل، ولم يشغلهم أمر النبوة عن أمر الملك والنساء، فهم يعلمون بما آتيناهم، فلم يحسدوهم، وليس ما آتينا محمدًا وأصحابه ببدع حتى يحسدوهم على ذلك، فلأي شيء يخصصون محمدًا ﷺ بالحسد، دون غيره ممن أنعم الله عليهم من آل إبراهيم؟ والخلاصة: أنهم إن يحسدوه على ما أوتي .. فقد أخطؤوا؛ إذ ليس هذا ببدع منا؛ لأنا قد آتينا مثل هذا من قبل لآل إبراهيم، والعرب منهم فإنهم من ذرية إسماعيل ولده، فلم لم تعجبوا مما أوتي آل إبراهيم، وتعجبون مما أوتي محمد ﷺ ؟ ولم لا يكون مستبعدًا في حق هؤلاء، وكان مستبعدًا في حق محمَّد ﷺ ؟ وقوله: ﴿مُلْكًا﴾ قال الرازي: الملك إما ظاهرًا وباطنًا وهو: ملك الأنبياء، وإما ظاهرًا فقط وهو: ملك السلاطين، وإما باطنًا فقط وهو: ملك العلماء، والثلاثة كلها موجودة في بني إسرائيل. وفي الآية (١) رمز إلى أنه سيكون للمسلمين ملك عظيم يتبع النبوة والحكمة، وقد ظهرت تباشيره عند نزول الآية بالمدينة، فقد قويت شوكتهم وأخذ أمرهم يعظم رويدًا رويدًا. والحاصل: أن اليهود إما مغرورون مخدوعون، يظنون أن فضل الله لا

стр. 2502

يعدوهم ورحمته تضيق بغيرهم، وإما حاسبون أن ملك الكون في أيديهم، فهم لا يعطون أحدًا منه ولو حقيرًا كالنقير، وإما حاسدون للعرب على ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة والملك، الذي ظهرت مبادؤه ومقدماته، ٥٥ - ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ أي: فمن جنس هؤلاء الحاسدين وآبائهم ﴿مَنْ آمَنَ﴾، وصدق ﴿بِهِ﴾؛ أي: بما أوتي آل إبراهيم ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾؛ أي: من أعرض عن الإيمان بما أوتي آل إبراهيم، وكفر به، وأنت يا محمَّد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم الحاسدون، فإن أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت، وهذا تسلية من الله تعالى لرسوله ﷺ ، ليكون أشد صبرًا على ما يناله من قبلهم من الأذى والجحود والإنكار، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن جبير وعكرمة وابن يعمر والجحدري: ﴿ومنهم من صُد عنه﴾ بضم الصاد مبنيًّا للمفعول، وقرأ أبي وأبو الحوراء وأبو رجاء والحوفي: بكسر الصاد مبنيًّا للمفعول، والمضاعف المدغم الثلاثي يجوز فيه إذا بني للمفعول ما جاز في باع إذا بني للمفعول، فتقول: حُب زيد بضم الحاء، وحِب بكسرها، ويجوز الإشمام فيه أيضًا، ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ﴾؛ أي: وكفى هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين عذاب جهنم، من جهة كونها ﴿سَعِيرًا﴾؛ أي: نارًا مسعرة متقدمة عليهم في الآخرة. والمعنى: إن نصرف عنهم بعض العذاب في الدنيا .. فكفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم في العقبى؛ لأنهم آثروا اتباع الباطل والعمل بما يزين لهم الشيطان، ولا يزال ذلك دأبهم حتى يرديهم في دار الشقاء والنكال، وهي جهنم وبئس القرار. ٥٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: إن الذين جحدوا ما أنزلت على رسولي محمَّد ﷺ ، من آياتي الدالة على توحيدي، وصدق رسولي محمَّد ﷺ ، ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ وندخلهم ﴿نَارًا﴾ مسعرة تشويهم، وتحرق أجسامهم، حتى تفقدها الحس والإدراك. وقرأ حميد: ﴿نَصليهم﴾ بفتح النون من صليت، وقرأ سلام ويعقوب: ﴿نصليهُم﴾ بضم الهاء، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ﴾ واحترقت ﴿جُلُودُهُمْ﴾ وأجسامهم وفقدت التماسك الحيوي وبعدت عن الحس والحياة، ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؛ أي:

стр. 2503

بدلناهم جلودًا أخرى جديدة حية تشعر بالألم وتحس بالعذاب، بأن يجعل النضيج غير النضيج، فالذات واحدة، والمتبدل هو الصفة. وعن أبي هريرة ﵁ يرفعه: "ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع" متفق عليه. وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ضرس الكافر - أو قال: ناب الكافر - مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاثة أيام"، رواه مسلم. ثم بين السبب في التبدل فقال: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾؛ أي: لكي يجدوا ألم العذاب، ويدوم لهم ذوق العذاب؛ لأن الإحساس يصل إلى النفس بواسطة الألم في الجلد. وفي التعبير بـ ﴿يذوقوا﴾ إيماء إلى أن إحساسهم بذلك العذاب يكون كإحساس الذائق المذوق، لا يدخل فيه نقصان ولا زوال بسبب ذلك الاحتراق. قال الدكتور عبد العزيز (١) بن إسماعيل باشا رحمه الله تعالى في كتابه "الإِسلام والطب الحديث": والحكمة في تبديل جلود الكفار أن أعصاب الألم هي في الطبقة الجلدية، وأما الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية: فالإحساس فيها ضعيف، ولذلك يعلم الطبيب أن الحرق البسيط الذي لا يتجاوز الجلد يحدث ألمًا شديدًا، بخلاف الحرق الشديد الذي يتجاوز الجلد إلى الأنسجة؛ لأنه مع شدته وخطره لا يحدث ألمًا كثيرًا، فالله تعالى يقول لنا إن النار كلما أكلت الجلد الذي فيه الأعصاب .. نجدده كي يستمر الألم بلا انقطاع، ويذوقوا العذاب الأليم، وهنا تظهر حكمة الله قبل أن يعرفها الإنسان، وكان الله عزيزًا حكيمًا انتهى. ثم أكد سابق الكلام وبين علته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ عَزِيزًا﴾؛ أي: قادرًا غالبًا لا يمتنع عليه شيء مما يريده مما توعد به أو وعد، ﴿حَكِيمًا﴾؛ أي: لا يفعل إلا الصواب، فيعاقب من يعاقبه على وفق حكمته، ومن حكمته أن ربط الأسباب بالمسببات، فلا يستطيع أحد أن يغلبه على أمره،

стр. 2504

فيبطل اطرادها، فهو كما جعل الكفر والمعاصي سببًا للعذاب كما تقدم في الآية .. جعل الإيمان والعمل الصالح سببًا للنعيم، وذلك ما بينه بقوله: ٥٧ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمَّد ﷺ ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: امتثلوا المأمورات، واجتنبوا المنهيات. ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ في الآخرة ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: تسيل من تحت أشجارها، وبين قصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ من الماء، واللبن والخمر والعسل، حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مقدرين الخلود في تلك الجنات ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: مدة لا نهاية لها ولا انقضاء؛ لأن نعيم الجنة لا ينقطع كعذاب النار، وإنما عبر هنا بالسين في قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾، وفي الكفار بسوف في قوله: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ .. إشعارًا بقصر مدة التنفيس على سبيل تقريب الخير من المؤمن وتبشيره به، وهذا الكلام راجع إلى قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ لف ونشر مشوش على حد قوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ على عادته تعالى من ذكر الوعيد مع الوعد وعكسه. والمعنى: أن الذين آمنوا بالله وصدقوا برسوله سيدخلون جنات يتمتعون بنعيمها العظيم كفاء ما أخبتوا إلى ربهم، وقدموا من عمل صالح؛ لأن الإيمان وحده لا يكفي لتزكية النفس وإعدادها لهذا الجزاء، بل لا بد معه من عمل صالح يشعر به المرء بالقرب من ربه، والشعور بهيبته وجلاله، ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾؛ أي: لهم في تلك الجنات أزواج مبرآت من العيوب الجسمانية، كالحيض والنفاس مثلًا، ومن العيوب الخلقية، فليس فيهن ما يوحشهم منهن، ولا ما يكدر صفوهم، وبذا تكمل سعادتهم، ويتم سرورهم في تلك الحياة، التي لا نعرف كنهها، وإنما نفهمها على طريق التمثيل وقياس الغائب على الشاهد، ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾؛ أي: ظلًّا كثيفًا كنينًا، لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم، ولا تنسخه شمس، أو المعنى: ونجعلهم في مكان لا حر فيه ولا قر، وفي ذلك إيماء إلى تمام النعمة والتمتع لهم برغد العيش، وكمال الرفاهية، فإن قلت (١): إذا لم يكن في الجنة شمس يؤذي حرها، فما فائدة وصفها بالظل الظليل؟

стр. 2505

قلتُ: إنما خاطبهم بما يعقلون ويعرفون؛ وذلك لأن بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة واللذاذة، فهو كقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾، ويقال: إن أوقات الجنة كلها سواء اعتدالًا لا حر فيها ولا برد. وقرأ النخعي (١) وابن وثاب: ﴿سيدخلهم﴾ بالياء، وكذا ﴿ويدخلهم ظلًّا﴾ فمن قرأ بالنون وهم الجمهور .. لاحظ قوله في وعيد الكفار: ﴿سوف نصليهم﴾، ومن قرأ بالياء .. لاحظ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فأجراه على الغيبة. الإعراب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾. ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة للاستفهام التعجبي، ﴿لم ترَ﴾ فعل وجازم، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، أو على النبي ﷺ ، ورأى هنا بصرية، تتعدى إلى مفعول واحد، وذلك الواحد عدت إليه بـ ﴿إِلَى﴾ لأنها ضمنت معنى النظر، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ﴿تَرَ﴾ متعلق به. ﴿أُوتُوا﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿نَصِيبًا﴾: مفعول ثان، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نَصِيبًا﴾، ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿أُوتُوا﴾، أو من الموصول. ﴿وَيُرِيدُونَ﴾؛ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَشْتَرُونَ﴾. ﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول به، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يُرِيدُونَ﴾؛ أي: ويريدون ضلالتكم السبيل.

стр. 2506

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين البيان الذي هو قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾، وبين المبين الذين هو قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿وَكَفَى﴾: الواو عاطفة، ﴿كفى بالله﴾ فعل وفاعل والباء زائدة. ﴿وَلِيًّا﴾: منصوب على التمييز أو حال، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ على كونها معترضة. ﴿وَكَفَى﴾: الواو عاطفة. ﴿كفى بالله﴾: فعل وفاعل. ﴿نَصِيرًا﴾: تمييز أو حال، والجملة معطوفة على كونها معترضة. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لمبتدأ محذوف، تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم. ﴿هَادُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُحَرِّفُونَ﴾، والجملة صفة لمبتدأ محذوف، تقديره: قوم محرفون الكلم عن مواضعه كائن من الذين هادوا، والجملة في محل الجر بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾، وقوله: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا﴾: مقول محكي لـ ﴿يقولون﴾ منصوب به، وإن شئت قلت: ﴿سَمِعْنَا﴾: فعل وفاعل والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿يقولون﴾، وكذلك جملة: ﴿وَعَصَيْنَا﴾: معطوف عليه، ﴿وَاسْمَعْ﴾: الواو عاطفة. ﴿اسمع﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿سَمِعْنَا﴾، ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾: حال ومضاف إليه، أعني: حالًا من فاعل ﴿اسمع﴾، ومفعول ﴿اسمع﴾، محذوف تقديره: اسمع منا كلامنا، وكذلك المفعول الثاني لـ ﴿اسمع﴾ محذوف تقديره: غير مسمع مكروهًا، ﴿وَرَاعِنَا﴾: الواو عاطفة. ﴿راعنا﴾: فعل أمر ومفعول به

стр. 2507

مجزوم بحذف حرف العلة؛ لأنه من راعى يراعي مراعاة بمعنى راقبه وحفظه، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿سَمِعْنَا﴾. ﴿لَيًّا﴾: مفعول لأجله لـ ﴿يقولون﴾، أو منصوب على الحالية من فاعل ﴿يقولون﴾، ولكن بعد تأويله بمشتق تقديره: حالة كونكم لاوين ألسنتكم، ﴿بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿لَيًّا﴾، ﴿وَطَعْنًا﴾: معطوف على ﴿لَيًّا﴾. ﴿فِي الدِّينِ﴾: متعلق بـ ﴿طَعْنًا﴾. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لو﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿أَنَّهُمْ﴾: ﴿أنَّ﴾ حرف نصب ومصدر، والهاء اسمها. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ تقديره: قائلون، وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، لفعل محذوف هو فعل الشرط لـ ﴿لو﴾، تقديره: ولو ثبت قولهم؛ لأن ﴿لو﴾ الشرطية لا يليها إلا الفعل. ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿سَمِعْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، وكذلك جملة ﴿وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾: معطوفات على ﴿سَمِعْنَا﴾، ﴿لَكَانَ﴾: اللام رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية. ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على القول الثاني، ﴿خَيْرًا﴾: خبر كان، وجملة كان جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾، ﴿وَأَقْوَمَ﴾: معطوف على ﴿خَيْرًا﴾. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لكن﴾ حرف استدراك، ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿لعن﴾، ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع؛ لكون ما قبلها علة لما بعدها، ﴿لا﴾ نافية، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَعَنَهُمُ﴾، على كونها جملة استدراكية لا محل لها من الإعراب، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿قَلِيلًا﴾:

стр. 2508

مستثنى من واو ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ منصوب، وعلى اعتبار قول البعض: (قليلًا منهم): جار ومجرور صفة لـ ﴿قَلِيلًا﴾، وفي هذا (١) الوجه أنه كان المختار حينئذ الرفع على حد قول ابن مالك: ما استثنَتِ (إلّا) مَعْ تَمَامٍ يَنتَصبْ ... وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انتُخِبْ إِتْباعُ مَا اتَّصَلَ وَانصِبْ ما انْقَطَعْ ... وَعَنْ تَمِيْمٍ فِيْهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ وبعضهم جعله مستثنى من ضمير ﴿لَعَنَهُمُ﴾، وبعضهم جعله صفة لمصدر محذوف؛ أي: إلا إيمانًا قليلًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء؛ أي: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾ وجملة النداء مستأنفة، ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: فعل مغير ونائب فاعل ومفعول ثان، والجملة صلة الموصول، ﴿آمِنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمِنُوا﴾، ﴿نَزَّلْنَا﴾: فعل وفاعل والمفعول محذوف تقديره نزلناه، وهو العائد على ما الموصولة، والجملة صلة لما أو صفة لها، ﴿مُصَدِّقًا﴾: حال من ما الموصولة أو من الضمير المحذوف، ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُصَدِّقًا﴾، ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة لما أو صفة لها، ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمِنُوا﴾، ﴿أَنْ نَطْمِسَ﴾: ناصب وفعل مضارع منصوب وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿وُجُوهًا﴾: مفعول به والجملة الفعلية في تأويل مصدر مضاف إليه لـ ﴿قَبْلِ﴾، تقديره آمنوا من قبل طمسنا وجوهًا منكم، ﴿فَنَرُدَّهَا﴾: الفاء عاطفة، ﴿نردها﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿نَطْمِسَ﴾، تقديره فردّنا إياها، ﴿عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نرد﴾، ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾: فعل

стр. 2509

ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿نَطْمِسَ﴾، ﴿كَمَا﴾: ﴿الكاف﴾ حرف جر، ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿لَعَنَّا﴾: فعل وفاعل، ﴿أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة ما المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، تقديره: كلعننا أصحاب السبت، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نلعن﴾، ﴿وَكَانَ﴾: الواو استئنافية، ﴿كان أمر الله﴾: فعل ناقص واسمه ومضاف إليه، ﴿مَفْعُولًا﴾: خبرها والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَغْفِرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، ﴿أَنْ يُشْرَكَ﴾: ناصب وفعل مغير، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: إن الله لا يغفر الإشراك به. ﴿وَيَغْفِرُ﴾: الواو استئنافية، ﴿يَغْفِرُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَغْفِرُ﴾، ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يغفر﴾، ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والمفعول محذوف، تقديره لمن يشاء غفرانه، والجملة صلة من الوصولة. ﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يُشْرِكْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بالله﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُشْرِكْ﴾، ﴿فَقَدِ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ وجوبًا؛ لكون الجواب مقرونًا بـ ﴿قد﴾، ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿افْتَرَى﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿إِثْمًا﴾: مفعول

стр. 2510

﴿افْتَرَى﴾، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة له. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة للاستفهام التعجبي. ﴿لم تر﴾: فعل مضارع وجازم، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، والجملة مستأنفة، ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَرَ﴾، ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، ﴿بَلِ﴾ حرف للإضراب الإبطالي، أضرب به على محذوف تقديره ولا عبرة بتزكيتهم أنفسهم بل الله يزكي من يشاء، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿يُزَكِّي﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾: والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على ذلك المحذوف، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والمفعول محذوف تقديره من يشاء تزكيته، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَلَا﴾: الواو عاطفة أو استئنافية، ﴿لا﴾ نافية. ﴿يُظْلَمُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿فَتِيلًا﴾: مفعول ثان أو صفة لمصدر محذوف تقديره: ظلمًا قدر فتيل، والجملة الفعلية إما معطوفة على محذوف تقديره: فيعاقبون ولا يظلمون فتيلًا أو مستأنفة. ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾. ﴿انْظُرْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على كل مخاطب، والجملة مستأنفة، ﴿كَيْفَ﴾: اسم للاستفهام التعجبي في محل النصب بـ ﴿يَفْتَرُونَ﴾، مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، ونصبه إما على التشبيه بالحال كما هو مذهب سيبويه، أو على التشبيه بالظرف كما هو مذهب الأخفش، ﴿يَفْتَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مفعول ﴿انْظُرْ﴾، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَفْتَرُونَ﴾، ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول ﴿يَفْتَرُونَ﴾، ﴿وَكَفَى بِهِ﴾: فعل وفاعل، والباء زائدة والجملة مستأنفة، ﴿إِثْمًا﴾: منصوب على التمييز أو على الحال، ﴿مُبِينًا﴾: صفة له. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ

стр. 2511

كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: الهمزة للاستفهام التعجبي، ﴿لم تر﴾: جازم وفعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ، أو على المخاطب، والجملة جملة إنشائية مستأنفة. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَرَ﴾، ﴿أُوتُوا نَصِيبًا﴾: فعل ونائب فاعل ومفعول ثان، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: صفة لـ ﴿نَصِيبًا﴾. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من واو ﴿أُوتُوا﴾، ﴿بِالْجِبْتِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَالطَّاغُوتِ﴾: معطوف على الجبت. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾: مقول محكي لـ ﴿يقولون﴾، وإن شئت قلت: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول يقولون، ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَهْدَى﴾، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل والجملة صلة الموصول، ﴿سَبِيلًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ أعني هؤلاء منصوب باسم التفضيل أعني ﴿أَهْدَى﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة، ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير المفعول. ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو جملة الجواب أو هما، ﴿يَلْعَنِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بمن على كونه فعل الشرط لها، والمفعول محذوف تقديره يلعنه، ﴿فَلَنْ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب مقرونًا بـ ﴿لن﴾ ﴿لن تجد﴾ فعل وناصب وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على المخاطب، والجملة في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور في محل النصب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿تَجِدَ﴾، ﴿نَصِيرًا﴾: مفعول أول له.

стр. 2512

﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة بمعنى همزة الإنكار وبل التي للإضراب الإبطالي أو الانتقالي، لا في الكلام من الانتقال من ذمهم بتزكيتهم أنفسهم، إلى ذمهم بادعائهم نصيبًا من الملك، وبخلهم المفرط وشحهم البالغ، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿نَصِيبٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة أو معطوفة (١) على محذوف، تقديره: أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته، أم لهم نصيب من الملك؟ فإذن لا يؤتون الناس نقيرًا، ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نَصِيبٌ﴾، ﴿فَإِذًا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة سببية، ﴿إِذًا﴾: حرف جواب ملغاة هنا غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿نَقِيرًا﴾: مفعول ثان. والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الإسمية؛ أعني قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب لشرط محذوف تقديره: إن كان لهم نصيب من الملك .. فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا، ﴿إذًا﴾: حرف نصب وجواب، ﴿لا﴾: نافية، ﴿يُؤْتُونَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿إذًا﴾، وعلامة نصبه حذف النون الثابتة تبعًا للقراءة؛ لأن القراءة سنة متبعة، بدليل حذفها في القراءة الشاذة، و ﴿الواو﴾ فاعل، وجملة الشرط المقدر مستأنفة. ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة أيضًا، بمعنى همزة الإنكار وبل التي للإضراب الانتقالي، ﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَحْسُدُونَ﴾، ﴿آتَاهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره إياه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المحذوف. ﴿فَقَد﴾: ﴿الفاء﴾ تعليلية.

стр. 2513

﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿آتَيْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: مفعول أول ومضاف إليه، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: معطوف على ﴿الْكِتَابَ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية، تقديره: ولا ينبغي لهم الحسد؛ لأنا قد آتينا آل إبراهيم فلم يحسدوهم، فلم حسدوا محمدًا ﷺ ، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿مُلْكًا﴾: مفعول ثان، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة له، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتَيْنَا﴾ الأول. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾. ﴿فَمِنْهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع وفي الفتوحات قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾ تفريع (١)، على أصل القصة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ انتهى. ويصح أن يقال: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أمرنا لهم بالإيمان بما نزلنا، وأردت بيان حالهم بعد ذلك .. فأقول لك: ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، ﴿ءَامَنَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنَ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿وَمِنْهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى، ﴿صَدَّ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿عَنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿صَدَّ﴾، ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ﴾: فعل وفاعل والباء زائدة، ﴿سَعِيرًا﴾: تمييز أو حال والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.

стр. 2514

﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿سَوْفَ﴾: حرف تنفيس، ﴿نُصْلِيهِمْ﴾: فعل ومفعول أول، ﴿نَارًا﴾: مفعول ثان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿كُلَّمَا﴾: اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية مبني على السكون لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، والظرف متعلق بالجواب، ﴿نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿جُلُودًا﴾: مفعول ثان، ﴿غَيْرَهَا﴾: ﴿غير﴾ صفة لـ ﴿جُلُودًا﴾؛ لأنه بمعنى المغايرة، و ﴿الهاء﴾: مضاف إليه، والجملة الفعلية جواب ﴿كُلَّمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كُلَّمَا﴾ مستأنفة، ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وجملة أن المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي، تقديره لذوقهم العذاب، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿بَدَّلْنَاهُمْ﴾. ﴿إِنَّ﴾؛ حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿عَزِيزًا﴾: خبر أول لها، ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾، ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾: فعل ومفعولان وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ ولكنها سببية. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من ضمير المفعول في ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾، ﴿فِيهَا﴾: جار

стр. 2515

ومجرور متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿أَبَدًا﴾ منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، و ﴿أَبَدًا﴾، ظرف مستغرق للزمان المستقبل إلى ما لا نهاية له، فليس المراد بالخلود طول المكث. ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿أَزْوَاجٌ﴾، وجوز مجيء الحال من النكرة تقدمها عليها. ﴿أَزْوَاجٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾: صفة لـ ﴿أَزْوَاجٌ﴾، والجملة الإسمية في محل النصب حال ثانية من ضمير ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾، أو صفة ثانية لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿ظَلِيلًا﴾: صفة مؤكدة لـ ﴿ظَلِيلًا﴾، كـ: ليلٍ أليل ويوم أيوم وداهية دهياء، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: النصيب الحصة من الشيء والحظ، يقال: هذا نصيبي؛ أي: حظي، كأنه الشيء الذي رفع لك وأهدف لك، ويقال: ضرب فلان بنصيب؛ أي: فاز، ومنه اليانصيب عند المولدين، يجمع على أنصبة وأنصباء ونصب ذكره في "المنجد"، ﴿راعنا﴾: إما بمعنى أرقبنا وانظرنا نكلمك، من راعى يراعي مراعاة، بمعنى راقبه وحفظه، وإما بمعنى كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها وهي راعينا، من الرعونة: وهي الحمق وقلة العقل، ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾؛ أي: فتلًا بها، وصرفًا للكلام عن ظاهره إلى نسبة السب إليه. وأصل ليًّا: لويًا من لوى يلوي لويًا، كـ: رمى يرمي رميًا، فقلبت الواو ياء فأدغمت الياء في الياء، فصار ليًّا مثل طي؛ لأنه مصدر طوى يطوي، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾: وصيغة التفضيل في خيرًا وأقوم إما على بابها، واعتبار (١) أصل

стр. 2516

الفعل في المفضل عليه بناء على اعتقادهم، أو بطريق التهكم، وإما بمعنى اسم الفاعل، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: أصل الطمس (١) هو الآثار وإزالة الأعلام بمحوها أو بإخفائها، كما تطمس آثار الدار وأعلام الطرق إما بأن تنقل حجارتها وإما بأن تسفوها الرياح، ومنه الطمس على الأموال في قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: أزلها وأهلكها والطمس على الأعين في قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ إما بإزالة نورها، وإما بمحو حدقتها، وفعله من باب فعل المفتوح، وفي مضارعه وجهان: الضم يقال: طمس يطمس طمسًا وطموسًا من باب نصر، والكسر: طمس يطمِس طمسًا من باب ضرب، والوجه (٢): تارة يراد به الوجه المعروف، وتارة وجه النفس وهو ما تتوجه إليه من المقاصد، كما قال تعالى: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وقال: ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، والأدبار: جمع دبر وهو الخلف والقفا. ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ يقال: افترى فلان الكذب - من باب افتعل - إذا اعتمله واختلقه، وأصله من الفري بمعنى القطع، يقال: فرى عليه الكذب - من باب رمى - فريًا وفرية إذا اختلقه عليه من عند نفسه، قال الراغب: الإثم والآثام اسم للأفعال المبطئة عن الثواب؛ أي: عن الخيرات التي يثاب المرء عليها، وقد يطلق الإثم على ما كان ضارًّا انتهى. ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: من زكَّى الرباعي مزيد زكى بمعنى طهر ونما، يقال: زكى نفسه يزكي تزكية إذا مدحها، قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ والظلم النقص، والفتيل ما يكون في شق نواة التمر مثل الخيط، وبه يضرب المثل في الشيء الحقير، كما يضرب بمثقال ذرة، فهو فعيل بمعنى مفعول. ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الجبت أصله الجبس (٣)، وهو: الرديء الذي لا خير فيه، ويراد به هنا الأوهام والخرافات والدجل، والطاغوت: ما تكون

стр. 2517

عبادته والإيمان به سببًا للطغيان والخروج من الحق، من مخلوق يعبد، ورئيس يقلد، وهو يتبع. ﴿نَقِيرًا﴾: والنقير: النقرة التي في ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة، يضرب بها المثل في الشيء الحقير التافه، كما يضرب المثل بالقطمير، وهو: القشرة الرقيقة التي تكون على النواة بينها وبين التمرة. ﴿يَحْسُدُونَ﴾ يقال: حسد فلان فلانًا - من باب نصر - إذا تمنى زوال نعمته عنه، فالحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها المستحق لها، ﴿النَّاسَ﴾: والناس هنا محمَّد ﷺ ومن آمن معه. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: والفضل: النبوة والكرامة في الدين والدنيا، ﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: الكتاب: العلم بظاهر الشريعة، والحكمة: العلم بالأسرار المودعة فيها، ﴿مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ يقال: صد عن الشيء إذا أعرض عنه، وهو من المضاعف اللازم، الذي جاء بالوجهين في مضارعه: الكسر على القياس، والضم على الشذوذ، كما قال ابن مالك في "لامية الأفعال": قَسَّتْ كذا وَعِ وَجْهَيْ صَدَّ أثَّ وخَرْ ... رَ الصَّلْدُ حَدَّتْ وثرَّتْ جَدَّ مَنْ عَمِلا يقال: صد عن الشيء يصد بالكسر على القياس، ويصد بالضم على الشذوذ صدودًا، إذا أعرض عنه، كما بسطنا الكلام عليه في شرحنا "مناهل الرجال على لامية الأفعال"، ﴿سَعِيرًا﴾: فعيل بمعنى مفعلة؛ أي: مسعرة، يقال: نار مسعرة؛ أي: موقدة، ويقال: أوقدت النار وأسعرتها إذا صيرتها موقدة. ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ جمع آية، والمراد بالآيات (١): الأدلة التي ترشد إلى أن هذا الدين حق، ومن أجلها القرآن؛ لأنه أول الدلائل، وأظهر الآيات وأوضحها، والكفر بها يعم إنكارها، والغفلة عن النظر فيها، وإلقاء الشبهات والشكوك، مع العلم بصحتها عنادًا وحسدًا ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ من أصلاه بالنار إصلاء إذا شواه بها، يقال: شاة مصلية؛ أي: مشوية، فهو بضم النون من باب

стр. 2518

أفعل الرباعي، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾؛ أي: احترقت وتهرأت وتلاشت، من قولهم: نضج الثمر واللحم - من باب فرح - نضجًا، إذا أدركا وطاب أكلهما، فهو ناضج ونضيج، واستنضج الكراع؛ أي: يد الشاة إذا طبخه، ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ يقال: ذاق الشيء يذوق - من باب قال - إذا أدركه بحاسة الذوق، والمعنى هنا؛ أي: ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كما تقول للعزيز: أعزك الله؛ أي: أدام لك العز وزادك فيه، ﴿كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ العزيز فعيل بمعنى فاعل، وهو القادر الغالب على أمره، لا يعجزه عنه شيء، والحكيم هو المدبر للأشياء وفق الحكمة والصواب، ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾: اسم مفعول لمؤنث، من طهر المضعف؛ أي: منقاة من العيوب والأدناس الحسية والمعنوية، ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾: وصف الظل بالظليل للمبالغة والتأكيد في المعنى، كقولهم ليل أليل ويوم أيوم؛ أي: ظلًّا وارفًا لا يصيب صاحبه حرٌّ ولا سموم، ودائم لا تنسخه الشمس، وقد يعبر بالظل عن العز والمنعة والرفاهية، فيقال: السلطان ظل الله في أرضه، ولما كانت بلاد العرب غاية في الحرارة .. كان الظل عندهم أعظم أسباب الراحة، وكان ذلك عندهم رمزًا للنعيم المقيم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع (١): منها: الاستفهام الذي يراد به التعجب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ في الموضعين. ومنها: التعجب بلفظ الأمر في قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ إذا فسر بالرسول محمَّد ﷺ ، من باب ذكر الخاص باسم العام إشارة إلى أنه جمعت فيه كمالات الأولين والآخرين، على حد قول القائل: أنت الناس كل الناس أيها الرجل، وقول الآخر: وَلَيْسَ عَلَى اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَن يَجْمَعَ الْعَالَمِ فِيْ وَاحَدٍ

стр. 2519

ومنها: الخطاب العام الذي أريد به الخاص في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ وهو دعاء الرسول ﷺ ابن صوريا، وكعبًا وغيرهما من الأحبار إلى الإيمان حسب ما في سبب النزول. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ وفي قوله: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أطلق اسم الذوق الذي هو مختص بحاسة اللسان وسقف الحلق على وصول الألم للقلب، وفي قوله: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾؛ لأن أصل اللَّيِّ فتل الحبل، فاستعير الكلام الذي قصد به غير ظاهره، وفي قوله: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ وهو عبارة عن مسخ الوجوه تشبيهًا بالصحيفة المطموسة التي عميت سطورها وأشكلت حروفها. ومنها: الطباق في قوله: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾، والوجه ضد القفا، وفي قوله: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ و ﴿مَنْ صَدَّ﴾ وهذا طباق معنوي. ومنها: الاستطراد في قوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿يَغْفِرُ﴾، وفي: لفظ الجلالة، وفي: لفظ الناس، وفي: ﴿آتينا﴾ ﴿وآتيناهم﴾، وفي قوله: ﴿فَمِنْهُم﴾ ﴿وَمِنْهُم﴾، وفي قوله: ﴿جُلُودُهُمْ﴾ ﴿وجلودا﴾، وفي: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ ﴿وَنُدْخِلُهُمْ﴾. ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا﴾، وفي قوله: ﴿لَا يَغْفِرُ﴾ ﴿وَيَغْفِرُ﴾، وفي قوله: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ﴾، وفي قوله: ﴿لَا يُؤْتُونَ﴾ ﴿مَا آتَاهُمُ﴾ ﴿آتَيْنَا﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ﴾ ﴿وآمنوا أهدى﴾. ومنها: تلوين الخطاب في قوله: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أقام المضارع مقام الماض، إعلامًا أنهم مستمرون على ذلك. ومنها: الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع في قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ﴾، وفي: ﴿أم يحسدون﴾. ومنها: الإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾.

стр. 2520

ومنها: التقسيم في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾. ومنها: التعريض في قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ عرض بشدة بخلهم. ومنها: إقامة المنكَّر مقام المعرَّف لملاحظة الشيوع والكثرة في قوله: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾. ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾. ومنها: الإطناب في مواضع. ومنها: الحذف في مواضع. والله أعلم * * *

стр. 2521

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه (١) لما ذكر الله في الآية السابقة الأجر العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكان من أجلِّ تلك الأعمال أداء

стр. 2522

الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس لا جرم .. أمر بهما في هذه الآية. وقال أبو حيان (١): مناسبة هذه الآية لما قبلها هو: أنه تعالى لما ذكر وعد المؤمنين، وذكر عمل الصالحات .. نبه على هذين العملين الشريفين، اللذين من اتصف بهما كان أحرى أن يتصف بغيرهما من الأعمال الصالحة: فأحدهما: ما يختص به الإنسان فيما بينه وبين غيره وهو أداء الأمانة، التي عرضت على السموات والأرض، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها. والثاني: ما يكون بين اثنين من الفصل بينهما بالحكم العدل الخالي عن الهوى، وهو من الأعمال العظيمة التي أمر الله بها رسله وأنبياءه والمؤمنين، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بحال غيره .. أمر بأداء الأمانة أولًا، ثم بعده بالأمر بالحكم بالحق انتهى. وفي "الفتوحات" قوله تعالى (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ خطاب للمكلفين قاطبة، وهذه الآية مناسبة ومرتبطة بقوله سابقًا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ...﴾ إلخ، وذلك أن اليهود كانوا يعرفون الحق وأوصاف النبي ﷺ المذكورة في "التوراة"، وهي أمانة عندهم، ومع ذلك كتموها وأنكروها، وقالوا لأهل مكة أنتم أهدى سبيلًا من محمَّد وأصحابه، فلما خانوا في هذه الأمانة الخاصة .. أمر الله تعالى عموم المكلفين بأداء جميع الأمانات بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ ...﴾ إلخ، تأمل انتهى. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه لما أمر الولاة أن يحكموا بالعدل .. أمر الرعية بطاعتهم. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما

стр. 2523

أوجب في الآية السالفة على جميع المؤمنين طاعة الله وطاعة الرسول .. ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول، ولا يرضون بحكمه، بل يريدون حكم غيره. وعبارة أبي حيان (١): مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر .. ذكر أنه يعجب بعد ورود هذا الأمر من حال من يدعي الإيمان، ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت، ويترك الرسول انتهت. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما (٢): أنَّ الله لما أوجب فيما سلف طاعة الله وطاعة الرسول، وشنَّع على من رغب عن التحاكم إلى الرسول، وآثر عليه التحاكم إلى الطاغوت .. ذكر هنا ما هو كالدليل على استحقاق الرسول للطاعة، وعلى استحقاق المنافقين الذين لم يقبلوا التحاكم للمقت والخذلان؛ لأنهم لم يرضوا بحكم الرسول ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما بين فيما سلف أن الإيمان لا يتم إلا بتحكيم الرسول فيما شجر بينهم من خلاف مع التسليم والانقياد لحكمه .. ذكر هنا قصور كثير من الناس في ذلك؛ لوهن إسلامهم وضعف إيمانهم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: لما أمر الله فيما سلف بطاعته وطاعة الرسول، ثم شنع على الذين تحاكموا إلى الطاغوت، وصدوا عن الرسول، ثم رغب في تلك الطاعة بقوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ .. حيث على الطاعة، وشوق إليها بذكر مزاياها، وبيان حسن عواقبها، وأنها منتهى ما تصل إليه الهمم، وأرفع ما تشرئب إليه الأعناق.

стр. 2524

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما رواه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة .. دعا عثمان بن طلحة، فلما أتاه قال: "أرني المفتاح" مفتاح الكعبة - فأتاه به، فلما بسط يده إليه .. قام العباس فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده، فقال رسول الله ﷺ : "هات المفتاح يا عثمان"، فقال: هاك أمانة الله، فقام ففتح الكعبة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل برد المفتاح، فدعا عثمان بن طلحة فأعطاه المفتاح، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ حتى فرغ من الآية، وفي رواية زيادة: وأسلم عثمان، وقال الرسول ﷺ : "خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة، لا يأخذها منكم إلا ظالم". وقيل (٢): نزلت عامة، وهو مروي عن أبي وابن عباس والحسن وقتادة. قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس، إذ بعثه النبي ﷺ في سرية الحديث، قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه. وقد أخرج ابن جرير (٣): أنها نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد بن الوليد، وكان خالد أميرًا فأجار عمار رجلًا بغير أمره، فتخاصما فنزلت الآية. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما

стр. 2525

يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا ...﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال: كان الجلاس بن الصامت، ومتعب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشر يدَّعون الإِسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله ﷺ ، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فأنزل الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ...﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال: إلى النبي؛ لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم، واتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة فنزلت. قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه الأئمة الستة عن عبد الله بن الزبير قال: خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في شراج الحرة، فقال ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"، فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء، حتى يرجع إلى الجدار، ثم أرسل الماء إلى جارك"، واستوعب للزبير حقه، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: ما حسبت هذه الآيات إلا نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ...﴾. وأخرج الطبراني في "الكبير"، والحميدي في "مسنده" عن أم سلمة ﵄ قالت: خاصم الزبير رجلًا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى للزبير فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فنزلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ...﴾ الآية.
следующие страницы →