الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس لا جرم .. أمر بهما في هذه الآية.
وقال أبو حيان (١): مناسبة هذه الآية لما قبلها هو: أنه تعالى لما ذكر وعد المؤمنين، وذكر عمل الصالحات .. نبه على هذين العملين الشريفين، اللذين من اتصف بهما كان أحرى أن يتصف بغيرهما من الأعمال الصالحة:
فأحدهما: ما يختص به الإنسان فيما بينه وبين غيره وهو أداء الأمانة، التي عرضت على السموات والأرض، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.
والثاني: ما يكون بين اثنين من الفصل بينهما بالحكم العدل الخالي عن الهوى، وهو من الأعمال العظيمة التي أمر الله بها رسله وأنبياءه والمؤمنين، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بحال غيره .. أمر بأداء الأمانة أولًا، ثم بعده بالأمر بالحكم بالحق انتهى.
وفي "الفتوحات" قوله تعالى (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ خطاب للمكلفين قاطبة، وهذه الآية مناسبة ومرتبطة بقوله سابقًا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ...﴾ إلخ، وذلك أن اليهود كانوا يعرفون الحق وأوصاف النبي ﷺ المذكورة في "التوراة"، وهي أمانة عندهم، ومع ذلك كتموها وأنكروها، وقالوا لأهل مكة أنتم أهدى سبيلًا من محمَّد وأصحابه، فلما خانوا في هذه الأمانة الخاصة .. أمر الله تعالى عموم المكلفين بأداء جميع الأمانات بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ ...﴾ إلخ، تأمل انتهى.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه لما أمر الولاة أن يحكموا بالعدل .. أمر الرعية بطاعتهم.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما
стр. 2523
أوجب في الآية السالفة على جميع المؤمنين طاعة الله وطاعة الرسول .. ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول، ولا يرضون بحكمه، بل يريدون حكم غيره.
وعبارة أبي حيان (١): مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنه تعالى لما أمر المؤمنين بطاعة الله ورسوله وأولي الأمر .. ذكر أنه يعجب بعد ورود هذا الأمر من حال من يدعي الإيمان، ويريد أن يتحاكم إلى الطاغوت، ويترك الرسول انتهت.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما (٢): أنَّ الله لما أوجب فيما سلف طاعة الله وطاعة الرسول، وشنَّع على من رغب عن التحاكم إلى الرسول، وآثر عليه التحاكم إلى الطاغوت .. ذكر هنا ما هو كالدليل على استحقاق الرسول للطاعة، وعلى استحقاق المنافقين الذين لم يقبلوا التحاكم للمقت والخذلان؛ لأنهم لم يرضوا بحكم الرسول ﷺ .
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما بين فيما سلف أن الإيمان لا يتم إلا بتحكيم الرسول فيما شجر بينهم من خلاف مع التسليم والانقياد لحكمه .. ذكر هنا قصور كثير من الناس في ذلك؛ لوهن إسلامهم وضعف إيمانهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: لما أمر الله فيما سلف بطاعته وطاعة الرسول، ثم شنع على الذين تحاكموا إلى الطاغوت، وصدوا عن الرسول، ثم رغب في تلك الطاعة بقوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ .. حيث على الطاعة، وشوق إليها بذكر مزاياها، وبيان حسن عواقبها، وأنها منتهى ما تصل إليه الهمم، وأرفع ما تشرئب إليه الأعناق.
стр. 2524
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما رواه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة .. دعا عثمان بن طلحة، فلما أتاه قال: "أرني المفتاح" مفتاح الكعبة - فأتاه به، فلما بسط يده إليه .. قام العباس فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده، فقال رسول الله ﷺ : "هات المفتاح يا عثمان"، فقال: هاك أمانة الله، فقام ففتح الكعبة، ثم خرج فطاف بالبيت، ثم نزل عليه جبريل برد المفتاح، فدعا عثمان بن طلحة فأعطاه المفتاح، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ حتى فرغ من الآية، وفي رواية زيادة: وأسلم عثمان، وقال الرسول ﷺ : "خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة، لا يأخذها منكم إلا ظالم". وقيل (٢): نزلت عامة، وهو مروي عن أبي وابن عباس والحسن وقتادة.
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس، إذ بعثه النبي ﷺ في سرية الحديث، قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه.
وقد أخرج ابن جرير (٣): أنها نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد بن الوليد، وكان خالد أميرًا فأجار عمار رجلًا بغير أمره، فتخاصما فنزلت الآية.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما
стр. 2525
يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا ...﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال: كان الجلاس بن الصامت، ومتعب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشر يدَّعون الإِسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله ﷺ ، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية، فأنزل الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ...﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال: إلى النبي؛ لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم، واتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة فنزلت.
قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه الأئمة الستة عن عبد الله بن الزبير قال: خاصم الزبير رجلًا من الأنصار في شراج الحرة، فقال ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"، فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء، حتى يرجع إلى الجدار، ثم أرسل الماء إلى جارك"، واستوعب للزبير حقه، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: ما حسبت هذه الآيات إلا نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ...﴾.
وأخرج الطبراني في "الكبير"، والحميدي في "مسنده" عن أم سلمة ﵄ قالت: خاصم الزبير رجلًا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى للزبير فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فنزلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ...﴾ الآية.
стр. 2526
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ ...﴾ الآية، قال: أنزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب فأتيا إليه فقال الرجل: قضى لي رسول الله ﷺ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر، فقال: أكذاك قال؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فاقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملًا على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر، فأنزل الله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ...﴾ الآية، وهذا مرسل غريب في إسناده ابن لهيعة.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ...﴾ الآية، افتخر ثابت بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ...﴾ الآية، سبب نزولها ما أخرجه الطبراني وابن مردويه بسند لا بأس به عن عائشة ﵂ قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك لأحب إلى من نفسي، وإنك لأحب إلى من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك .. عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردَّ النبي ﷺ شيئًا حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ...﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق قال: قال أصحاب (١) محمَّد ﷺ : يا
стр. 2527
رسول الله، ما ينبغي أن نفارقك فإنك لو قدْ مِتَّ لرفعت فوقنا، ولم نرك، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ ...﴾ الآية.
وأخرج عن عكرمة قال: أتى فتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، إن لنا منك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك فإنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ : "أنت معي في الجنة إن شاء الله" وأخرج ابن جرير نحوه من مرسل سعيد بن جبير ومسروق والربيع وقتادة والسدي.
التفسير وأوجه القراءة
٥٨ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿يَأمُرُكُمْ﴾ أيها المكلفون، ﴿أَنْ تُؤَدُّوا﴾ وتسلموا ﴿الْأَمَانَاتِ﴾ التي إئتمنتم عليها ﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾ ومستحقيها، وتردوها إليهم فورًا، لما حكى الله عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا .. أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات، أو من باب الدنيا والمعاملات؛ لأن الآية وإن نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار سادن الكعبة كما مر، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وقرىء: ﴿أن تؤدوا الأمانة﴾ بالإفراد، كما ذكره أبو حيان.
والأمانة على ثلاثة أنواع (١):
الأول: أمانة العبد مع ربه، وهي ما عهد إليه حفظه من الائتمار بما أمره به، والانتهاء عما نهاه عنه، واستعمال مشاعره وجوارحه فيما ينفعه ويقربه من ربه، وقد ورد في الأثر: "إن المعاصي كلها خيانة لله ".
والثاني: أمانة العبد مع الناس، ومن ذلك رد الودائع إلى أربابها، وعدم الغش وحفظ السر ونحو ذلك، مما يجب للأهل والأقربين وعامة الناس والحكام. ويدخل في ذلك عدل الأمراء مع الرعية، وعدل العلماء مع العوام،
стр. 2528
بأن يرشدوهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم، من أمور التربية الحسنة وكسب الحلال، ومن المواعظ والأحكام التي تقوي إيمانهم، وتنقذهم من الشرور والآثام، وترغبهم في الخير والإحسان، وعدل الرجل مع زوجه بأن لا يفشي أحد الزوجين سرًّا للآخر، ولا سيما السر الذي يختص بهما، ولا يطلع عليه عادة غيرهما.
والثالث: أمانة الإنسان مع نفسه؛ بأن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأصلح والأنفع له في الدين والدنيا، وأن لا يقدم على عمل يضره في آخرته أو دنياه، ويتوقى أسباب الأمراض والأوبئة بقدر معرفته، وما يعرف من الأطباء، وذلك يحتاج إلى معرفة علم الصحة ولا سيما في أوقات انتشار الأمراض والأوبئة.
فكل هذه الأنواع داخلة في الأمانة التي أمر الله بأدائها إلى أهلها.
وروى البغوي بسنده عن أنس ﵁ قال: قلما خطبنا رسول الله ﷺ إلا قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له".
﴿و﴾ إن الله يأمركم ﴿إذا حكمتم بين الناس﴾ إذا أردتم الحكم بين الناس ﴿أن تحكموا﴾ بينهم ﴿بالعدل﴾؛ أي: بالحكم الذي شرعه الله لعباده على لسان نبيه محمد ﷺ . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا". أخرجه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحب الناس إلى الله يوم القيامة، وأدناهم عنده مجلسًا، إمام عادل. وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسًا إمام جائر". أخرجه الترمذي.
والحكم بين الناس له طرق منها: الولاية العامة والقضاء وتحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة. والحكم بالعدل يحتاج إلى أمور:
стр. 2529
الأول: فَهْم الدعوى من الدعي، والجواب من المدعى عليه؛ ليعرف موضع التنازع والتخاصم بأدلته من الخصمين.
والثاني: خلو الحاكم من التحيز والميل إلى أحد الخصمين.
والثالث: معرفة الحاكم الحكم الذي شرعه الله تعالى؛ ليفصل بين الناس على مثاله من الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة.
والرابع: تولية القادرين على القيام بأعباء الأحكام.
وقد أمر المسلمون بالعدل في الأحكام والأقوال والأفعال والأخلاق، قال تعالى: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾، وقال تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، ثم بَيَّن حسن العدل وأداء الأمانة، فقال: ﴿إن الله﴾ ﴿نعما يعظكم به﴾؛ أي: نعم الشيء الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس؛ إذ لا يعظكم إلا بما فيه صلاحكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة. قرأ الجمهور بكسر النون إتباعًا لحركة العين؛ لأن أصله: نعم على وزن شهد، وقرأ بعض القراء بفتح النون على الأصل، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وسكون العين.
﴿إنَّ اللهَ﴾ ﴿كاَنَ سميعًا﴾ لكل المسموعات، يسمع ذلك الحكم إذا حكمتم بالعدل، ﴿بَصِيرًا﴾ لكل المبصرات، يبصركم إذا أديتم الأمانة، فيجازيكم على ما يصدر منكم.
والمعنى: فعليكم أن تعملوا بأمر الله ووعظه، فإنه أعلم منكم بالمسموعات والمبصرات، فإذا حكمتم بالعدل .. فهو سميع لذلك الحكم، وإن أديتم الأمانة .. فهو بصير بذلك، فيجازيكم على كل الأفعال والأقوال، وفي هذا وعد عظيم للمطيع ووعيد شديد للعاصي.
وإلى ذلك الإشارة بقوله ﷺ : "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه .. فإنه يراك" متفق عليه. وفيه أيضًا إيماء إلى الاهتمام بحكم القضاة والولاة؛ لأنه قد فوض إليهم النظر في مصالح العباد، وبعد أن أمر الله بأداء
стр. 2530
الأمانات إلى أهلها، وبالحكم بين الناس بالعدل، مخاطبًا بذلك جميع الأمة،
٥٩ - أمر بطاعة الله وطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر، إذ لا تقوم المصالح العامة إلا بذلك، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ واعملوا بكتابه فيما أمر به ونهى عنه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ واعملوا بسنته، فقد جرت سنة الله تعالى بأن يبلغ عنه شرعه رسل منا تكفل بعصمتهم، وأوجب علينا طاعتهم، ﴿و﴾ أطيعوا ﴿أولي الأمر﴾؛ أي: أصحاب أمر الأمة ومتولي شؤونهم بالأمر والنهي لهم حالة كونهم كائنين ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون، وهم (١) الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند، وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه، بشرط أن يكونوا أمناء، وأن لا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسوله، التي عرفت بالتواتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه، وأما العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الديني: فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد، بل إنما يؤخذ عن الله ورسوله فحسب، وليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه، فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص عن الشارع، وكانوا مختارين في ذلك، غير مكرهين بقوة أحد ولا نفوذه .. فطاعتهم واجبة، كما فعل عمر ﵁ حين استشار أهل الرأي من الصحابة في اتخاذ الديوان الذي أنشأه، وفي غيره من المصالح التي أحدثها برأي أولي الأمر من الصحابة، ولم تكن في زمن النبي ﷺ ، ولم يعترض عليه أحد من علمائهم في ذلك.
وقال الشوكاني (٢): وأولو الأمر هم الأئمة والسلاطين والقضاة، وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية، والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه، ما لم تكن معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ .
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أطاعتني فقد
стр. 2531
أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني". متفق عليه.
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية الله، فإن أمر بمعصية الله .. فلا سمع ولا طاعة". متفق عليه.
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله" رواه البخاري.
وقال العلماء (١): طاعة الإِمام واجبة على الرعية ما دام على الحق، فإذا زال عن الكتاب والسنة .. فلا طاعة له، وإنما تجب طاعته فيما وافق الحق.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾؛ أي: فإن اختلفتم (٢) أيها المجتهدون ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أمور دينكم، غير مذكور حكمه في الكتاب والسنة والإجماع ﴿فَرُدُّوهُ﴾؛ أي: فأرجعوا ذلك الشيء ﴿إِلَى﴾ كتاب ﴿اللَّهِ﴾ تعالى، ﴿و﴾ إلى ﴿الرَّسُولِ﴾ محمد ﷺ ، في حياته وإلى سنته المأثورة عنه بعد وفاته.
أي: فقيسوا ذلك الشيء المتنازع فيه على واقعة منصوص عليها في الكتاب والسنة، تشبهه في الصدرة، أي: في هيئة الصدور والوقوع والصفة، ويؤيد هذا (٣) المعنى الخبر والأثر:
أما الخبر: فهو أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن قُبلة الصائم فقال ﷺ "أرأيت لو تمضمضت"، والمعنى: أخبرني هل تبطل المضمضة الصوم أم لا؟، أي: فكما أن المضمضة مقدمة للأكل، فكذا القبلة مقدمة للجماع، فإذا كانت المضمضة لا تفسد الصوم .. فكذلك القبلة، ولما سألته ﷺ الخثعمية عن الحج عن أبيها .. قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه .. هل يجزئ ذلك
стр. 2532
عنه"؟ قالت: نعم قال:" فدين الله أحق بالقضاء".
وأما الأثر: فقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك. فدل مجموع ما ذكر على أن قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ﴾ أمر برد الشيء المتنازع فيه إلى شبيهه، وهذا هو الذي يسميه الشافعي رحمه الله تعالى: قياس الأشباه، ويسميه أكثر الفقهاء: قياس الطرد.
وفي هذه الآية (١): إشارة إلى أدلة الفقه الأربعة، فقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ إشارة إلي الكتاب. وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إشارة إلى السنة. وقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ إشارة إلى الإجماع. وقوله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ ......﴾ إلخ إشارة إلى القياس.
وعبارة المراغي هنا قوله (٢): ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: فإذا لم يوجد نص على الحكم في الكتاب ولا في السنة .. ينظر أولو الأمر فيه؛ لأنهم هم الذين يوثق بهم، فإذا اتفقوا وأجمعوا .. وجب العمل بما أجمعوا عليه، وإن اختلفوا وتنازعوا .. وجب عرض ذلك على الكتاب والسنة وما فيهما من القواعد العامة، فما كان موافقًا لهما علم أنه صالح لنا ووجب الأخذ به، وما كان مخالفًا لهما علم أنه غير صالح ووجب تركه، وبذا يزول التنازع وتجتمع الكلمة، وهذا الرد واستنباط الفصل في الخلاف من القواعد هو الذي يعبر عنه بالقياس، والأول هو الإجماع الذي يعتد به.
ومما تقدم تعلم أن الآية مبينة لأصول الدين في الحكومة الإِسلامية، وهي أربعة:
الأصل الأول: القرآن الكريم، والعمل به هو طاعة الله تعالى.
والأصل الثاني: سنة رسول الله ﷺ والعمل بها طاعة الرسول ﷺ .
والأصل الثالث: إجماع أولي الأمر، وهم أهل الحل والعقد، الذين تثق بهم الأمة من العلماء والرؤساء في الجيش والمصالح العامة كالتجار والصناع
стр. 2533
والزراع ورؤساء العمال والأحزاب ومديري الصحف ورؤساء تحريرها، وطاعتهم هي طاعة أولي الأمر.
والأصل الرابع: عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد والأحكام العامة المعلومة في الكتاب والسنة، وذلك قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فهذه الأربعة الأصول هي مصادر الشريعة، ولا بد من وجود جماعة يقومون بعرض المسائل المتنازع فيها على الكتاب والسنة، ممن يختارهم أولو الأمر من علماء هذا الشأن، ويجب على الحكام الحكم بما يقرونه، وبذلك تكون الدولة الإِسلامية مؤلفة من جماعتين:
الأولى: الجماعة المبينة للأحكام الذين يسمون الآن الهيئة التشريعية.
والجماعة الثانية: جماعة الحاكمين والمنفذين وهم الذين يسمون الهيئة التنفيذية. وعلى الأمة أن تقبل هذه الأحكام وتخضع لها سرًّا وجهرًا، وهي بذلك لا تكون خاضعة لأحد من البشر؛ لأنها لم تعمل إلا بحكم الله تعالى، أو حكم رسوله ﷺ بإذنه، أو حكم نفسها الذي استنبطه لها جماعة أهل الحل والعقد والعلم والخبرة من أفرادها، الذين وثقت بإخلاصهم، وعدم اتفاقهم إلا على ما هو الأصلح لها.
وقوله: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ شرط جوابه محذوف معلوم مما قبله، تقديره: إن كنتم أيها المؤمنون تصدقون بوحدانية الله وبمجيء اليوم الآخر .. فردوا الشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله، بعرضه على الكتاب والسنة، فإن المؤمن لا يقدم شيئًا على حكم الله، كما أنه يهتم باليوم الآخر أشد من اهتمامه بحظوظ الدنيا، وفي هذا دليل على أن من لم يقدم اتباع الكتاب والسنة على أهوائه وحظوظه .. فإنه لا يكون مؤمنًا حقًّا.
وفي "الخازن" قال العلماء: في الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب طاعة الله وطاعة رسوله ومتابعة السنة والحكم بالأحاديث الواردة عن النبي ﷺ لا يكون مؤمنًا بالله واليوم الآخر انتهى.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: رد الشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله ﴿خَيْرٌ﴾ لكم من
стр. 2534
التنازع والقول بالرأي، بالنظر إلى مصالحكم الدينية والدنيوية ﴿وَأَحْسَنُ﴾ لكم ﴿تَأوِيلًا﴾؛ أي: مالًا وعاقبة ومرجعًا وأجرًا في الآخرة؛ لأنه أقوى الأسس في حكومتكم، والله أعلم منكم بما هو الخير لكم، ومن ثم لم يشرع لكم في كتابه وعلى لسان رسوله إلا ما فيه مصالحكم ومنافعكم، وما هو أحسن عاقبة؛ لما فيه من قطع عرق التنازع وسد ذرائع الفتن.
٦٠ - والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام تعجيب للمخاطب؛ أي: ألم تنظر يا محمد أو أيها المخاطب ﴿إِلَى﴾ عجيب أمر هؤلاء ﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾؛ أي: يدعون ويقولون بأفواههم قولًا كذبًا؛ لأن الزعم مطية الكذب، ﴿أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من "القرآن" ﴿و﴾ بـ ﴿مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ على الأنبياء من "التوراة" و"الإنجيل"، ومع ذلك الزعم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾ ويترافعوا ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾؛ أي: إلى الشخص الكثير الطغيان، الذي هو أبو برزة الأسلمي، أو كعب بن الأشرف، على الخلاف في سبب نزولها طلبًا للحكم منه ﴿و﴾ الحال أنهم ﴿قد أمروا﴾ في "القرآن" ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾؛ أي: بالطاغوت قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال أيضًا: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.
والمعنى: انظر أيها المخاطب إلى عجيب أمر هؤلاء الذين يزعمون الإيمان بك وبمن قبلك من الرسل، ويأتون بما ينافي الإيمان، إذ الإيمان الصحيح بكتب الله ورسله يقتضي العمل بما شرعه الله تعالى على ألسنة أولئك الرسل، وترك العمل مع الاستطاعة دليل على أن الإيمان غير راسخ في نفس مدعيه، فكيف إذا عمل بضد ما شرعه الله، فهؤلاء المنافقون إذا هربوا من التحاكم إليك، وقبلوا التحاكم إلى مصدر الطغيان والضلال، من أولئك الكهنة والمشعوذين (١)، سواء أكان أبا برزة الأسلمي أم كعب بن الأشرف .. فحالهم هذا دليل على أن الإيمان ليس له أثر في نفوسهم، بل هي كلمات يقولونها بأفواههم، لا تعبر عما تلجلج
стр. 2535
في صدورهم، وكيف يزعمون بالإيمان بك، وكتابك المنزل عليك يأمرهم بالكفر بالجبت والطاغوت في آيات كثيرة كما مرت، وهم يتحاكمون إليه؟ فألسنتهم تدعي الإيمان باللهِ وبما أنزله على رسله، وأفعالهم تدل على كفرهم بالله وإيمانهم بالطاغوت وإيثارهم لحكمه.
ويدخل في هؤلاء كل من يتحاكم إلى الدجالين، كالعرافين وأصحاب المندل (١) والرمل من أولياء الشياطين المخرفين الضالين المضلين.
وفي الآية إيماء إلى أن من رد شيئًا من أوامر الله أو أوامر الرسول ﷺ .. فهو خارج من الإِسلام، سواء رده من جهة الشك، أو من جهة التمرد والعناد. وقرأ الجمهور: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ﴾ مبنيًّا للمفعول. وقرىء مبنيًّا للفاعل فيهما، وقرأ عباس بن الفضل ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِهِا﴾ بهاء التأنيث على أن الطاغوت جمع، كقوله تعالى: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ عطف (٢) على يريدون، داخل في حكم التعجيب؛ أي: ويريد الشيطان ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ ويبعدهم عن طريق الحق والهدى ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ أي: إضلالًا بالغًا النهاية، وأن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة فهم لشدة بعدهم عن الحق لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه.
والخلاصة: أن الواجب على المسلمين أن لا يقبلوا قول أحد، ولا يعملوا برأيه في شيء له حكم في كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، وما لا حكم له فيهما فالعمل فيه برأي أولي الأمر؛ لأنه أقرب إلى المصلحة.
٦١ - قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ الآية، تكملة (٣) لمادة التعجيب، ببيان
стр. 2536
إعراضهم صريحًا عن التحاكم إلى كتاب الله ورسوله، إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت؛ أي: وإذا قيل لأولئك الزاعمين للإيمان الذين يريدون التحاكم إلى الطاغوت ﴿تَعَالَوْا﴾ وأقبلوا ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في "القرآن" لنعمل به، ونحكمه فيما بيننا ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ محمَّد ﷺ ، ليحكم بيننا بما أراه الله تعالى ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾؛ أي: رأيت يا محمد هؤلاء المنافقين الزاعمين للإيمان، وأبصرتهم حال كونهم يعرضون عن حكمك إعراضًا كليًّا متعمدًا منهم، فذكر المصدر للتأكيد، وهذه الآية مؤكدة لما دلت عليه الآية التي قبلها، من نفاق هؤلاء الذين يرغبون عن حكم الله وحكم رسوله إلى حكم الطاغوت من أصحاب الأهواء؛ لأن حكم الرسول لا يكون إلا حقًّا متى بينت الدعوى على وجهها، وأما حكم غيره بشريعته فقد يقع فيه الخطأ، بجهل القاضي بالحكم، أو بجهل تطبيقه على الدعوى، وهي أيضًا دالة على أن من أعرض عن حكم الله متعمدًا ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به، فإنه يكون منافقًا لا يعتقد ما يزعمه من الإيمان، ولا ما يدعيه من الإِسلام.
وقرأ الحسن ﴿تعالوا﴾ بضم اللام على أنه حذف منه لام الفعل اعتباطًا بل تخفيفًا، ثم ضم اللام لمناسبة واو الضمير بناء على أن أصله ﴿تعاليوا﴾ من تعاليت، والوجه فتح اللام كقراءة الجمهور.
٦٢ - والاستفام في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ للتعجب؛ أي: فكيف حال هؤلاء المنافقين، أو كيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة من مصائب الدنيا والآخرة، ووقعت عليهم بلية وعقوبة لا يقدرون على دفعها، وقيل المصيبة: هي قتل عمر ذلك المنافق، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بسبب ما عملته واقترفته أيديهم من الإعراض عن حكمك والتحاكم إلى غيرك، وأطلعك الله على شأنهم في إعراضهم عن حكم الله، وتبين أن عملهم يكذب دعواهم الإيمان، ﴿ثُمَّ﴾ اضطروا إلى الرجوع إليك لتكشف عنهم ما نزل بهم من المصيبة، و ﴿جَاءُوكَ﴾ معتذرين عن صدودهم حالة كونهم ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يقسمون باسم الله تعالى، قائلين والله ﴿إنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾؛ أي: ما قصدنا بالتحاكم إلى غيرك إلا إحسانًا وإصلاحًا في معاملتنا، لا إساءة بك، وإلا توفيقًا بين الخصمين وقطعًا للمنازعة بينهما، لا مخالفة لك في
стр. 2537
حكمك، وقيل: جاء (١) أولياء المنافق الذي قتله عمر، يطلبون عمر بدمه، وقد أهدره الله تعالى، يحلفون بالله كذبًا للاعتذار قائلين ما أراد صاحبنا المقتول بالتحاكم إلى عمر إلا أن يصلح، ويجعل الاتفاق بينه وبين خصمه، ويأمر كل واحد من الخصمين بتقريب مراده إلى مراد صاحبه، حتى يحصل بينهما الموافقة، وما خطر ببالنا أنه يقتل صاحبنا، وأنت يا رسول الله لا تحكم إلا الحق المر، ولا يقدر أحد على رفع الصوت عندك، وفي الآية وعيد شديد لهم على ما فعلوا، وأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ويعتذرون حين لا يقبل منهم الاعتذار.
٦٣ - ﴿أُولَئِكَ﴾ المنافقون الموصوفون بالصفات السابقة، هم ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ ﴿مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق والغيظ والعداوة، وهذا الكلام من الأسلوب الذي يستعمل فيما يعظم من خير أو شر، مسرة أو حزن، فيقول الرجل لمن يحبه، ويحفظ وده: الله يعلم ما في نفسي لك؛ أي: إنه لكثرته وقوته لا يقدر على معرفته إلا الله تعالى، ويقول في العدو الماكر المخادع: الله يعلم ما في قلبه؛ أي: إن ما في قلبه من الخبث والخديعة بلغ حدًّا كبيرًا لا يعلمه إلا علام الغيوب.
فالمعنى هنا: إنَّ ما في قلوبهم من الكفر والحقد والكيد، وتربص الدوائر بالمؤمنين، بلغ من الفظاعة مقدارًا لا يحيط به إلا من يعلم السر وأخفى، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تُقبل (٢) عليهم بالبشاشة والتكريم؛ إذ هذا يحدث في نفوسهم الهواجس والخوف من سوء العاقبة، وهم لم يكونوا على يقين من أسباب كفرهم ونفاقهم، وكانوا يحذرون أن تنزل عليه سورة تنبئهم بما في قلوبهم، وإذا استمر هذا الإعراض عنهم .. ظنوا الظنون، وقالوا: لعله عرف ما في نفوسنا، لعله يريد أن يؤاخذنا بما في بواطننا، وقيل (٣): معنى ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: لا تقبل منهم ذلك العذر والحلف، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم، فإن من هتك ستر عدوه .. فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي بإظهار العداوة،
стр. 2538
فيزداد الشر، وإذا تركه على حاله .. بقي في وجل فيقل الشر ﴿وَعِظْهُمْ﴾؛ أي: وازجرهم عن النفاق والكيد والحسد والكذب، وخوفهم بعذاب الآخرة، وانصح لهم، وذكرهم بالخير على وجه ترق له قلوبهم، ويبعثهم على التأمل فيما يُلقى إليهم من العظات والزواجر، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: خاليًا بهم ليس معهم غيرهم؛ لأن النصيحة على الملأ تقريع، وفي الخلوة محض المنفعة.
وعبارة في" الجمل" ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: في حق أنفسهم الخبيثة، وقلوبهم المنطوية على الشرور التي يعلمها الله تعالى، أو في أنفسهم حال كونك خاليًا بهم، ليس معهم غيرهم مسارًا بالنصيحة؛ لأنها في السر أنفع ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾؛ أي: مؤثرًا في أنفسهم واصلًا إلى كنه المراد، مطابقًا لما سيق له من المقصود، يغتمون به اغتمامًا، ويستشعرون منه الخوف، وهو التخويف بعذاب الدنيا، بأن يقول لهم: إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله الذي لا يخفى عليه السر والنجوى، وإنه لا فرق بينكم وبين سائر الكفار وإنما رفع الله السيف عنكم؛ لأنكم أظهرتم الإيمان، فإن واظبتم على هذه الأفعال القبيحة .. ظهر لكل الناس بقاءكم على الكفر، وحينئذ يلزمكم السيف، وتسفك دماؤكم، وتسبى نساؤكم وذراريكم، وتسلب أموالكم. وفي الآية شهادة للنبي ﷺ بالقدرة على بليغ الكلام، وتفويض أمر الوعظ والقول البليغ إليه؛ لأن لكل مقام مقالًا، والكلام يختلف تأثيره باختلاف أفهام المخاطبين، كما أن فيها شهادة له بالحكمة ووضع الكلام في مواضعه، وهذا نحو ما وصف الله به نبيه داود: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾.
قال القاضي عياض في كتابه " الشفاء" في وصف بلاغته ﷺ : أما فصاحة اللسان وبلاغة القول: فقد كان ﷺ من ذلك بالمحل الأرفع، والموضع الذي لا يجهل، قد أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موضع عن شرح كلامه وتفسير قوله، وليس كلامه مع قريش والأنصار وأهل الحجاز ونجد ككلامه مع ذي المعشار الهمداني، وطهفة النهدي، والأشعث بن قيس، ووائل بن حجر الكندي، وغيرهم من أقيال حضرموت وملوك اليمن انتهى.
стр. 2539
٦٤ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾؛ أي: وما أرسلنا رسولًا من الرسل قط ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: ليتبع بأمر الله الناس باتباعه، ويقتدى به فيما أمر به ونهى عنه، فما نرسلهم إلا ليطاعوا بإذن الله، فمن خرج عن طاعتهم أو رغب عن حكمهم .. خرج عن حكمنا وسنتنا، وارتكب الآثام، فسنتنا في هذا الرسول كسنتنا في الرسل قبله، وجيء بقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّه﴾ لبيان أن الطاعة الذاتية لا تكون إلا لله رب العالمين، لكنه قد أمر أن تطاع رسله، فطاعتهم واجبة بإذنه وإيجابه؛ لأن الله أذن في ذلك وأمر به قال تعالى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقيل: معنى بإذن الله، بعلم الله وقضائه؛ أي: طاعته تكون بإذن الله؛ لأنه أذن فيه، فتكون طاعة الرسول طاعة الله تعالى، ومعصيته معصية الله.
والمعنى: وما (١) أرسلنا من رسول الله فرضت طاعته على من أرسلته إليهم، وأنت يا محمَّد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلوا إليهم، ففيه توبيخ وتقريع للمنافقين، الذين تركوا حكم رسول الله ﷺ ، ورضوا بحكم الطاغوت.
وهذه الآية (٢) دالة على أنه لا رسول الله ومعه شريعة ليكون مطاعًا في تلك الشريعة، ومتبوعًا فيها، ودالة على أن الأنبياء معصومون عن المعاصي والذنوب، ودالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والإيمان والطاعة والعصيان إلا بإرادة الله تعالى.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾؛ أي: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت وأعرضوا عن حكمك ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت .. ﴿جَاءُوكَ﴾ يا محمَّد تائبين، من ذلك الذنب الذي هو النفاق، والتحاكم إلى الطاغوت، متنصلين مما ارتكبوا من المخالفة، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: طلبوا من الله مغفرته لهم ذلك الذنب بالإخلاص، وبالغوا في الاعتذار إليك من إيذائك برد حكمك والتحاكم إلى غيرك، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أي وطلب لهم
стр. 2540
الرسول محمد ﷺ من الله تعالى مغفرة ذنوبهم المذكورة، أو المعنى: سامح لهم الرسول ما فرطوا في حقه، فالسين والتاء فيه زائدتان؛ أي: سامحهم وعفا عنهم، وطلب لهم المغفرة؛ لأنه تعلق بهم حقان: حق لله، وحق لرسوله ﷺ ، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: لصادفوا الله حالة كونه ﴿تَوَّابًا﴾؛ أي: قابلًا لتوبتهم ﴿رَحِيمًا﴾؛ أَي: متفضلًا عليهم بالرحمة والغفران، يعني لو أنهم تابوا من ذنوبهم ونفاقهم، واستغفرت لهم .. لعلموا أن الله يتوب عليهم، ويتجاوز عنهم ويرحمهم.
والمعنى: ولو أن أولئك القوم حين ظلموا أنفسهم، ورغبوا عن حكمك إلى حكم الظاغوت .. جاؤوك فاسغفروا الله من ذنبهم، وندموا على ما فرط منهم، وتابوا توبة نصوحًا، ودعا لهم الرسول بالمغفرة لتقبل الله توبتهم، وغمرهم بإحسانه، فرحمته وسعت كل شيء.
وإنما قرن (١) استغفار الرسول باستغفارهم؛ لأن ذنبهم لم يكن ظلمًا لأنفسهم فحسب، بل تعدى إلى إيذاء الرسول من حيث أنهم أعرضوا عن حكمه، وهو صاحب الحق في الحكم وحده، فكان لا بد في توبتهم وندمهم على ما فرط منهم أن يظهروا ذلك للرسول ليصفح عنهم؛ لأنهم اعتدوا على حقه، وليدعو لهم بالمغفرة إذ أعرضوا عن حكمه، وإنما التفت (٢) عن الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ولم يقل: واستغفر لهم؛ لأن القياس يقتضي هذا، لقوله أولًا جاؤوك تفخيمًا لشأنه، وتنبيهًا على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائب، وإن عظم جرمه، ويشفع له، ومن منصبه أن يشفع في كبائر الذنوب، وأنهم إذا جاؤوه .. فقد جاؤوا من خصه الله تعالى برسالته، وأكرمه بوحيه، وجعله سفيرًا بينه وبين خلقه.
وفي الآية (٣): إيماء إلى أن التوبة الصحيحة تقبل حتمًا إذا استكملت
стр. 2541
شرائطها، ومنها: أن تكون عقب الذنب مباشرة، وقد سمى الله ترك طاعة الرسول ظلمًا للأنفس؛ أي: إفسادًا لها لأن الرسول هو الهادي إلى مصالح الناس في الدنيا والآخرة، وهذا الظلم شامل للاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك.
والاستغفار لا يكون مقبولًا إلا إذا ناجي العبد ربه عازمًا على اجتناب الذنب، وعدم العودة إليه، مع الصدق والإخلاص لله في ذلك. أما الاستغفار باللسان عقب الذنب دون أن يوجد هذا التوجه بالقلب فلا يكون استغفارًا معتدًا به عند الله إذ لا بد أن يشعر القلب أولًا بألم المعصية، وسوء مغبتها - عاقبتها - وبالحاجة إلى التزكي من دنسها، مع العزم القوي على اجتناب هذا الدنس، ومتى أخلص الداعي .. أجاب الله دعاءه بإعطائه ما طلب، أو بغيره من الأجر والثواب.
٦٥ - و ﴿لَا﴾ في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ زائدة زيدت لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في: ﴿لئلا يعلم﴾؛ لتأكيد وجوب العلم، أو مفيدة لنفي أمر سبق، والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، فوربك؛ أي: فأقسمت لك بربك يا محمد، لا يؤمن هؤلاء المنافقون إيمانًا صحيحًا ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾؛ أي: حتى يجعلوك حاكمًا بينهم ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: فيما اختلط والتبس وأشكل، ووقع بينهم من المخاصمات والمنازعات، فتقضي بينهم فيها ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: لا يحسوا في قلوبهم ﴿حَرَجًا﴾؛ أي: ضيقًا وشكًا ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ وحكمت به، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ أي: وينقادوا لك بظواهرهم انقيادًا تامًّا، بحيث لا يخالفونك في شيء ما. وقرأ أبو السمال: ﴿فيما شجر﴾ بسكون الجيم تخفيفًا فرارًا من ثقل توالي الحركات، والمعنى: أنهم لا يؤمنون إيمانًا صحيحًا مستوجبًا للفوز بالثواب والنجاة من العذاب، وهو إيمانُ الانقيادِ ظاهرًا وباطنًا، إلا إذا كملت لهم ثلاث خصال:
الأولى: أن يحكموا الرسول في القضايا التي يشتجرون يختصمون فيها، ولا يتبين لهم وجه الحق فيها.
стр. 2542
والثانية: أن لا يجدوا حرجًا وضيقًا فيما يحكم به؛ أي: أن تذعن نفوسهم لقضائه وحكمه فيما شجر بينهم، بلا امتعاض من قبوله والعمل به؛ إذ المؤمن الكامل ينشرح صدره لحكم الرسول لأول وهلة؛ لأنه الحق، وأن الخير والسعادة في الإذعان له.
والثالثة: الانقياد والتسليم لذلك الحكم، فكثيرًا ما يعرف الشخص أن الحكم حق، لكنه يتمرد عن قبوله عنادًا أو يتردد في ذلك.
ويستفاد من هذه الآية شيئان:
الأول: عصمة النبي ﷺ ، بمعنى أنه لا يحكم إلا بالحق المطابق لصورة الدعوى وظاهرها، لا بحسب الواقع في نفسه إذ الحكم في شريعته على الظاهر، والله يتولى السرائر، وقد قال ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق مسلم .. فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو ليتركها" رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، ومن ثم كانوا يسألونه إذا أمر بأمر لم يظهر لهم أنه الرأي، أعن وحي هو، أم عن رأي، فإن كان عن وحي .. أطاعوا وسلموا، وإن كان عن رأي .. ذكروا ما عندهم، وربما يرجع إليهم كما حدث يوم أحد.
والثاني: أنهم لا يؤمنون إيمانًا صحيحًا يعتد به إلا إذا كانوا موقنين بقلوبهم، مذعنين في بواطنهم بصدق الرسول في كل ما جاء به من أمور الدين. ومن أمارة ذلك: أن يحكموه فيما شجر من خلاف، وأن لا يجدوا ضيقًا وحرجًا في حكمه؛ إذ الضيق إنما يلازم قلب من لم يخضع، وأن ينقادوا انقيادًا كاملًا بلا تمرد ولا عناد في قبوله، كما مر جميع ذلك كله آنفًا.
٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ وفرضنا وأوجبنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على هؤلاء المنافقين ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بأن يقتل كل واحد نفسه، أو يقتل بعضهم بعضًا ﴿أَوِ﴾ أن ﴿اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ بالهجرة إلى دار أخرى، توبة من نفاقهم، كما كتبنا على بني إسرائيل القتل والخروج من مصر، ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾؛ أي: ما فعل هؤلاء المنافقون القتل والخروج المكتوب عليهم، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ فإن القليل منهم يفعل ذلك
стр. 2543
المكتوب رياء وسمعة.
ومعنى الآية (١)؛ أنه تعالى لو فرض عليهم أن يقتلوا أنفسهم، إما بأن يقتل كل واحد نفسه، أو بقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرجوا من ديارهم بالهجرة إلى دار أخرى، كما فرض ذلك على بني إسرائيل، حين استتيبوا من عبادة العجل .. لم يطع منهم إلا القليل.
بين الله (٢) في هذه الآية أن صادق الإيمان هو الذي يطيع الله في كل ما يأمر به، في السهل والصعب، والمحبوب والمكروه، ولو كان ذلك بقتل النفس، والخروج من الديار، الجسم دار الروح والوطن دار الجسم، أما المنافق فيعبد الله على ما يوافق هواه وشهواته، فإن أصابه خير .. اطمأن به ورضي، وإن ناله أذى .. أنقلب على وجهه، وارتد على عقبه، وباء بالخسران في الدنيا والآخرة.
قرأ أبو عمرو (٣) بكسر نون ﴿أن﴾ وضم واو ﴿أَو﴾، وكسرهما حمزة وعاصم، وضمهما باقي السبعة، وأما ضم النون وكسر الواو فلم يقرأ به أحد، فالكسر على أصل التقاء الساكنين، والضم للاتباع للثالث؛ إذ هو مضموم ضمة لازمة، وإنما فرق أبو عمرو لأن الواو أخت الضمة. اهـ "سمين".
وقرأ الجمهور: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ بالرفع على البدل من الواو في فعلوه، وهو المختار؛ لأنه استثناء من كلام تام غير موجب، وقرأ أبي وابن وأبي إسحاق وابن عامر وعيسى بن عمر ﴿إِلَّا قَلِيلا﴾ بالنصب على الاستثناء بعد النفي، وهو مرجوح.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ ويكلفون به؛ أي: ولو أن هؤلاء المنافقين فعلوا ما أمروا به، وتركوا ما نهوا عنه .. ﴿لَكَانَ﴾ ذلك الفعل والترك ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أي: أنفع لهم في الدنيا والآخرة ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لإقدامهم على الحق،
стр. 2544
وأكثر تصديقًا وتحقيقًا لإيمانهم، وإنما سمى (١) الله ذلك التكليف وعظًا؛ لأن أوامر الله تعالى وتكاليفه مقرونة بالوعد والوعيد والثواب والعقاب، وما كان كذلك يسمى وعظًا، وإنما كان فعل ذلك أشد تثبيتًا لهم على إيمانهم؛ إذ الأعمال هي التي تطبع الأخلاق والفضائل في نفس العامل، وتبدد الأوهام والمخاوف من نفسه، فبذل المال - مثلًا - آية من آيات الإيمان، وقربة من أعظم القرب، فمن فعله .. كان مؤمنًا إيمانًا صادقًا، ومن آمن بذلك ولم يفعله .. كان علمه بمنافعه ومزاياه له وللأمة والدين علمًا ناقصًا، فكلما دعى الداعي إلى البذل .. طاف به طائف البخل والإمساك، وعرض له شح الفقر والإملاق، أو نقصان المال عن مال بعض الأقران، لكنه إذا اعتدل البذل صار السخاء خلقًا له وسجية، وقلما امتنع من فعله حين تدعو الحاجة إليه، إذ الطاعة تدعو إلى مثلها فالمرء يطلب الخير أولًا، حتى إذا حصله .. طلب أن يكون الحاصل ثابتًا قويًّا.
٦٧ - ﴿و﴾ لو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم، وامتثلوا ما أمروا به، وأخلصوا العمل .. ﴿إِذًا لَآتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: إذا لأعطيناهم من عندنا ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أي: ثوابًا جسيمًا وافرًا في الجنة، وكيف لا يكون عظيمًا وقد وصفه النبي ﷺ بقوله "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" و ﴿وَإِذًا﴾ واقعة في جواب شرط مقدر كما أشرنا إليه في الحل، وسيأتي بيانه في الإعراب،
٦٨ - ﴿وَلَهَدَيْنَاهُم﴾؛ أي: ولأرشدناهم ﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: طريقًا قويمًا موصلًا لهم إلى الفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، كما ذكر ذلك سبحانه في الآية التالية، وهو دين الإِسلام. وقيل: معنى صراطًا مستقيمًا؛ أي: طريقًا (٢) من عرصة القيامة إلى الجنة فحمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى؛ لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الأجر، والدين الحق مقدم على الأجر، والطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إثما يحتاج إليه بعد استحقاق الأجر.
٦٩ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ أو غيره من بقية الرسل؛ أي: ومن يمتثل الله ورسوله محمدًا ﷺ بفعل ما أمرا
стр. 2545
به، واجتناب ما نهيا عنه ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المطيعون لهما، كائنون في الجنة ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ في الدنيا بالهداية والتوفيق؛ أي: يكون هذا المطيع يوم القيامة مرافقًا لأقرب عباد الله وأرفعهم درجات عنده، وهم الأصناف الأربعة الذين ذكرهم الله تعالى في الآية، وهم صفوة الله من عباده، وقد وجدوا في كل أمة، ومن أطاع الله ورسوله من هذه الأمة .. كان منهم، وحشر يوم القيامة معهم.
وقوله ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ والمرسلين .. إلخ بيان للذين أنعم الله عليهم، وفي الآية سلوك التدلي، فإن منزلة كل واحد من الأصناف الأربعة أعلى من منزلة من بعده، ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾؛ أي: السابقين إلى تصديق الرسل، فصاروا في ذلك قدوة لسائر الناس، وهم أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، سموا بذلك لمبالغتهم في الصدق والتصديق ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ أي: القتلى في سبيل الله تعالى، أو الذين (١) يشهدون بصحة دين الله تعالى، تارة بالحجة والبيان، وتارة أخرى بالسيف والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط، وأما كون الإنسان مقتول الكافر .. فليس فيه زيادة شرف لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة له عند الله، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ غير الأصناف الثلاثة السابقة؛ لأن الأصناف الثلاثة صالحون أيضًا، وهم القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، وقيل: الصارفون (٢) أعمارهم في طاعة الله، وأموالهم في مرضاته، وكل من كان اعتقاده صوبًا وعمله غير معصية فهو صالح، ثم إن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق، وأن ما سواه هو الباطل، وهذه الشهادة تارة بالحجة والدليل وأخرى بالسيف، وقد يكون الصالح غير موصوف بكونه قائمًا بهذه الشهادة، فثبت أن كل من كان شهيدًا كان صالحًا، ولا عكس فالشهيد أشرف أنواع الصالحين، ثم الشهيد قد يكون صديقًا وقد لا، ومعنى الصديق: هو الذي كان أسبق إيمانًا من غيره، وكان إيمانه قدوة لغيره، فثبت أن كل من كان صديقًا كان شهيدًا، ولا عكس، فثبت أن أفضل الخلق الأنبياء، وبعدهم الصديقون، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الصلاح.
стр. 2546
﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ﴾؛ أي: وحسن كل واحد من الأصناف الأربعة من جهة كونه ﴿رَفِيقًا﴾ في الجنة، بأن يستمتع فيها المطيع برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم، والمخصوص بالمدح هؤلاء المذكورون من الأصناف الأربعة، وفي هذه الجملة معنى التعجب، كأنه قال: وما أحسن أولئك رفيقًا في الجنة.
٧٠ - ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور الذي أعطى الله المطيعين من الأجر العظيم، ومن مرافقة هؤلاء المنعم عليهم، هو ﴿الْفَضْلُ﴾ والعطاء ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ ، تفضل به على من أطاع الله ورسوله، لا أنهم نالوه بطاعتهم؛ أي: إن هذا الذي ذكر من الجزاء لمن يطيع الله والرسول هو الفضل الذي لا يعلوه فضل، فإن السمُّوَ إلى إحدى تلك المنازل في الدنيا، ومرافقة أهلها في الآخرة، هو منتهى ما يأمله المرء من السعادة، وبه يتفاضل الناس، فيفضل بعضهم بعضًا، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾؛ أي: وكفى باللهِ من جهة كونه عليمًا بالعصاة والمطيعين والمنافقين والمخلصين، ومن يصلح لمرافقة هؤلاء، ومن لا يصلح، فهو لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَحَسُنَ﴾ بضم السين وهي الأصل ولغة الحجاز، وقرأ أبو السمال: ﴿وحسْن﴾ بسكون السين وهي لغة بعض بني قيس.
الإعراب
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿يَأمُرُكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على: ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية خبر ﴿إن﴾، وجملة: ﴿إنَّ﴾ مستأنفة استئنافًا نحويًّا، ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول، ﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها
стр. 2547
في تأويل مصدر منصوب (١) على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿يَأمُرُكُمْ﴾، تقديره: يأمركم تأدية الأمانات، أو منصوب بنزع الخافض، تقديره يأمركم بتأدية الأمانات؛ لأن حذفه مع أن وأن مطرد، كما قال ابن مالك:
نَقْلًا وَفِيَ أنَّ وَأنْ يَطَّرِدُ ... مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أنْ يَدُوْا
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، مجردة عن معنى الشرط، ﴿حَكَمْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿حَكَمْتُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾، تقديره: وقت حكمكم بين الناس، والظرف متعلق بـ ﴿تَحْكُمُوا﴾ الآتي على مذهب الكوفيين المجيزين تقديم معمول الصلة على حرف مصدري، ويقال على مذهب البصريين المانعين ذلك إن المعمول هنا ظرف، والظروف يغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها، ﴿أَنْ تَحْكُمُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿بِالْعَدْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَحْكُمُوا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية ﴿أن﴾: مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من قوله: ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿يَأمُرُكُمْ﴾، أو منصوبًا بنزع الخافض، والتقدير: إن الله يأمركم تأدية الأمانات إلى أهلها وحكمكم بالعدل وقت حكمكم بين الناس، وفصل (٢) هنا بين حرف العطف والمعطوف بـ ﴿إذا﴾، وقد جوزه بعضهم، وجعله مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ وخص هذا أبو علي الفارسي بالشعر وليس بصواب.
﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهَ﴾ اسمها، ﴿نِعِمَّا﴾: ﴿نِعْمَ﴾ فعل ماض من أفعال المدح، ﴿ما﴾ موصولة في محل الرفع فاعل، ﴿يَعِظُكُمُ﴾: فعل
стр. 2548
ومفعول، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة ما الموصولة، والعائد ضمير به، والتقدير: إن الله نعم الشيء الذي يعظكم به، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ نكرة موصوفة في محل النصب على التمييز، ويكون فاعل ﴿نعم﴾ مستترًا فيه وجوبًا تقديره: نعم الشيء شيئًا يعظكم به، وجملة ﴿يَعِظُكُمُ﴾ على هذا الوجه: صفة لـ ﴿ما﴾؛ لأنها نكرة موصوفة، وقد ذكر القولين ابن مالك بقوله:
وَ ﴿مَا﴾ مُمَيَّزٌ وَقِيلَ فَاعِلُ ... فِيْ نَحْوِ نِعْمَ مَا يَقُوْلُ الْفَاضِلُ
والمخصوص بالمدح محذوف وجوبًا تقديره: تأدية الأمانات والحكم بالعدل وجملة نعم في محل الرفع خبر ﴿إنْ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿سَمِيعًا﴾: خبر أول لها. ﴿بَصِيرًا﴾: خبر ثان، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾: مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة، و ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائد، زيد تعويضًا عما فات أي من الإضافة، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾: وجملة النداء مستأنفة، ﴿ءَامَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء، وكذلك ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، ﴿وَأُولِي﴾: معطوف على ﴿الرَّسُولَ﴾، ﴿الْأَمْرِ﴾: مضاف إليه، ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿أولي الأمر﴾.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأوِيلًا﴾.
﴿فَإن﴾: ﴿الفاء﴾ استئنافية بمعنى الواو، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم على كونه فعل شرط لها، ﴿فِي شَيْءٍ﴾: جار ومجرور
стр. 2549
متعلق به، ﴿فَرُدُّوهُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا، ﴿ردوه﴾ فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جواب شرط لها، وجملة إن الشرطية مستأنفة، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ردوه﴾. ﴿وَالرَّسُولِ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿إنْ﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾، ﴿تُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: معطوف على الجلالة، وجملة ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ في محل النصب خبر كان، وجواب إن الشرطية محذوف معلوم مما قبله، تقديره: إن كنتم تؤمنون بالله فردوه إلى الله ورسوله، وجملة إن الشرطية مستأنفة. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَحْسَنُ﴾: معطوف على ﴿خَيْرٌ﴾، ﴿تَأوِيلًا﴾: منصوب على التمييز.
﴿ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التعجبي، ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم، ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو إلى المخاطب، والجملة الفعلية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَرَ﴾، ﴿يَزْعُمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: ضمير الغائبين في محل النصب اسمها، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي زعم، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ءَامَنُوا﴾، ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة لما أو صفة لها، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الجر معطوفة على ما الأولى، ﴿أُنزِل﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ما، ﴿مِن قَبْلِك﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أُنزِل﴾، وجمله ﴿أُنْزِلَ﴾ صلة لما أو صفة لها.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
стр. 2550
﴿يُرِيدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ﴿الَّذِينَ﴾ أو من واو ﴿يَزْعُمُونَ﴾، ﴿أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: يريدون تحاكمهم إلى الطاغوت. ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتَحَاكَمُوا﴾، ﴿وَقَدْ﴾: الواو حالية، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿أُمِرُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يَتَحَاكَمُوا﴾، ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَكْفُرُوا﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب، على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿أُمِرُوا﴾، تقديره: وقد أمروا كفرهم به، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾: فعل وفاعل والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يُرِيدُون﴾، ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾، ﴿ضَلَالًا﴾: مفعول مطلق، ﴿بَعِيدًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يريد﴾، تقديره: ويريد الشيطان إضلالهم ضلالًا بعيدًا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾.
﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾: نائب فاعل محكي، وجملة قيل في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، وإن شئت قلت: ﴿تَعَالَوْا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَعَالَوْا﴾، ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله، وجملة ﴿تَعَالَوْا﴾ في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾، ﴿رَأَيْتَ﴾: فعل وفاعل، ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب إذا، وجملة إذا مستأنفة، ﴿يَصُدُّونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْكَ﴾: متعلق به، ومفعوله محذوف تقديره: غيرهم، ﴿صُدُودًا﴾: منصوب على المصدرية، وجملة ﴿يَصُدُّونَ﴾ في
стр. 2551
محل النصب حال من ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾، على القول بأن رأى بصرية، أما على القول بأن رأى علمية، فجملة ﴿يَصُدُّونَ﴾ في محل النصب مفعول ثان لرأى.
﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾.
﴿فَكَيْفَ﴾: ﴿الفاء﴾ استئنافية، ﴿كيف﴾: اسم استفهام في محل النصب على التشبيه بالمفعول به بفعل محذوف، تقديره: فكيف يصنعون، ويجوز جعل ﴿كيف﴾ خبرًا مقدمًا لمبتدأ محذوف تقديره: فكيف صنعهم، ﴿إِذَا﴾: ظرف مجرد عن معنى الشرط، في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بالجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة جملة إنشائية مستأنفة، ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَصَابَتْهُمْ﴾، والباء للسبب، ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: بما قدمته أيديهم، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿جَاءُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض معطوفة على جملة ﴿أَصَابَتْهُمْ﴾، ﴿يَحْلِفُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿جَاءُوكَ﴾، ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿رَدْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿إِحْسَانًا﴾: مفعول به، ﴿وَتَوْفِيقًا﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿أَرَدْنَا﴾ من الفعل والفاعل جواب القسم لا محل لها من الإعراب، كما قاله أبو حيان في "النهر".
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، ﴿يَعْلَمُ اللَّه﴾: فعل وفاعل، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به، ﴿فِي قُلُوبِهِم﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صلة لما، أو صفة لها، وجملة ﴿يَعْلَمُ اللَّه﴾ صلة الموصول، ﴿فَأَعْرِضْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب بشرط محذوف، تقديره: إذا
стр. 2552
كان حالهم كذلك فأعرض عنهم، وجملة الشرط المحذوف مستأنفة، ﴿أَعْرِضْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ هـ، والجملة الفعلية في محل الجزم جواب للشرط المحذوف، ﴿وَعِظْهُمْ﴾: معطوف على أعرض عنهم، وكذا قوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾: معطوف عليه، ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: متعلق بـ ـ ﴿قُلْ﴾، وقيل: يتعلق بـ ﴿بَلِيغًا﴾، ﴿قَوْلًا﴾: منصوب على المصدرية، ﴿بَلِيغًا﴾ صفة له.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿رَسُولٍ﴾: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿لِيُطَاعَ﴾: ﴿اللام﴾ لام كي، ﴿يطاع﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ونائب فاعله ضمير يعود على الرسول، ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ـ ﴿يطاع﴾، أو حال من الضمير في ﴿يطاع﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي، تقديره: إلا لإطاعة الناس له، الجار والمجرور متعلق بـ ـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿لو﴾: شرطية، ﴿أَنَّهُمْ﴾ ﴿أنَّ﴾: حرف نصب، ﴿والهاء﴾: اسمها، ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب على الظرفية، ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، والظرف متعلق بـ ﴿جَاءُوكَ﴾ الآتي، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿جَاءُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر ﴿أنَّ﴾، تقديره: ولو أنهم جاؤوا إياك وقت ظلمهم أنفسهم، وجملة ﴿أنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، لفعل محذوف فعل شرط لـ ﴿لو﴾، تقديره: ولو
стр. 2553
ثبت مجيؤهم إياك وقت ظلمهم أنفسهم، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿استغفروا الله﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿جَاءُوكَ﴾، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾: فعل وفاعل وجار ومجرور متعلق بـ ﴿استغفر﴾، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿فَاسْتَغفَرُوا﴾، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية، ﴿وجدوا الله﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿تَوَّابًا﴾: مفعول ثان، ﴿رَحِيمًا﴾: صفة له، أو عطف بيان منه، أو حال من الضمير المستتر في ﴿تَوَّابًا﴾، وقيل: إن وجد متعد لواحد، و ﴿تَوَّابًا﴾: حال من الجلالة، و ﴿رحيمًا﴾: صفة له، أو بدل منه، وجملة ﴿وَجَدُوا﴾ جواب ﴿لو﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾.
﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿لَا﴾: زائدة، زيدت لتأكيد معنى القسم.
﴿وَرَبِّكَ﴾ ﴿الواو﴾: حرف جر وقسم، ﴿ربك﴾ ﴿رب﴾: مقسم به مجرور بواو القسم، ﴿والكاف﴾ مضاف إليه، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: فأقسم لك بربك يا محمَّد، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة، وفي ﴿لا﴾ هنا أربعة أقوال، ذكرها في "الفتوحات" لا نطيل الكلام بذكرها، ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾: فعل وفاعل، ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، تقديره: إلى تحكيمهم إياك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُؤمِنُونَ﴾، ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾، ﴿شَجَرَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَجَرَ﴾، والجملة الفعلية صلة لما أو صفة لها، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَجِدُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾، ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَجِدُوا﴾، تعلق الظرف بالفعل، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿حَرَجًا﴾،
стр. 2554
﴿حَرَجًا﴾: مفعول به لـ ﴿وجد﴾، إن قلنا: إنها متعدية إلى واحد، أما إذا كانت متعدية لاثنين. فالجار والمجرور ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أحد المفعولين لها، ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿حَرَجًا﴾، ﴿قَضَيْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: مما قضيت به، ويصح أن تكون ما مصدرية، ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُحَكِّمُوكَ﴾، ﴿تَسْلِيمًا﴾: منصوب على المصدرية.
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لو﴾: شرطية، ﴿أَنَّا﴾: أنَّ حرف نصب، ﴿نا﴾: اسمها، ﴿كَتَبْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، وجملة ﴿كَتَبْنَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾، تقديره: ولو أنا كاتبون عليهم، وجملة ﴿أَن﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل شرط محذوف، تقديره: ولو ثبتت كتابتنا عليهم، ﴿أَنِ﴾، حرف نصب ومصدر، ﴿اقْتُلُوا﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَن﴾، ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿كَتَبْنَا﴾، تقديره: ولو أنا كتبنا عليهم قتلهم أنفسهم، ويجوز أن تكون أن مفسرة، لأنَّ ﴿كَتَبْنَا﴾ قريب من معنى أمرنا أو قلنا، ﴿أَوِ﴾، حرف عطف، ﴿اخْرُجُوا﴾: فعل فاعل في محل النصب معطوف على ﴿اقْتُلُوا﴾، ﴿مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اخْرُجُوا﴾، ﴿مَا﴾: نافية رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾، ﴿فَعَلُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لو﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿قَلِيل﴾: بالرفع بدل من واو ﴿فَعَلُوهُ﴾: بدل بعض من كل، وهو الراجح من نصبه على الاستثناء؛ لأن الاستثناء من كلام تام غير موجب، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿قَلِيلٌ﴾، وهو الرابط بين البدل والمبدل منه.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.
стр. 2555
﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لو﴾: حرف شرط، ﴿أَنَّهُمْ﴾: ﴿أنَّ﴾ حرف نصب، ﴿والهاء﴾: اسمها، ﴿فَعَلُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به، ﴿يُوعَظُونَ﴾: فعل مغير الصيغة ونائب فاعل، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿يُوعَظُونَ﴾ صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾، وجملة ﴿فَعَلُوا﴾ أو في محل الرفع خبر ﴿أنَّ﴾، وجملة ﴿أنَّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف، فعل شرط لـ ﴿لو﴾، تقديره: ولو ثبت فعلهم ما يوعظون به، ﴿لَكَانَ﴾: اللام رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على المصدر المفهوم من ﴿فَعَلُوا﴾، تقديره: هو؛ أي: لكان فعلهم ما يوعظون به، ﴿خَيْرًا﴾: خبر ﴿كَان﴾، ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾، ﴿وَأَشَدَّ﴾: معطوف على ﴿خَيْرًا﴾، ﴿تَثْبِيتًا﴾: منصوب على التمييز، وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها جواب ﴿لو﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ من فعل شرطها وجوابها، مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾.
﴿وَإِذًا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِذًا﴾: حرف نصب وجواب وجزاء، وهي ملغاة هنا عن عمل النصب، ﴿لَآتَيْنَاهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿آتيناهم﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿آتينا﴾، ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ثان، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة له، وجملة ﴿لَآتَيْنَاهُمْ﴾ معطوفة على جملة ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿هَدَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿صِرَاطًا﴾: مفعول ثان، ﴿مُسْتَقِيمًا﴾: صفة لـ ﴿صِرَاطًا﴾، وجملة ﴿لَهَدَيْنَاهُمْ﴾ معطوفة على جملة ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿لو﴾.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾.
стр. 2556
﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يُطِعِ﴾: فعل مضارع مجزوم بمن على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿اللَّه﴾: مفعول به، ﴿وَالرَّسُولَ﴾: معطوف على الجلالة، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿أولئك﴾: مبتدأ، ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: كائن مع الذين، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾، على كونها جواب الشرط لها، وجملة من الشرطية مستأنفة، ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِمْ﴾، جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْعَمَ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿علَيْهِمْ﴾، ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الَّذِينَ﴾، أو من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾: معطوفات على ﴿النَّبِيِّينَ﴾، ﴿وَحَسُنَ﴾: ﴿الواو﴾؛ استئنافية، حسن: فعل ماض من أفعال المدح، ﴿أُولَئِكَ﴾: فاعل، ﴿رَفِيقًا﴾: تمييز أو حال، والجملة مستأنفة.
﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿الْفَضْلُ﴾: خبر، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْفَضْلُ﴾، والعامل فيه معنى الإشارة، ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿الفضلُ﴾: صفة له، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: خبرًا، والجملة مستأنفة، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلِيمًا﴾: تمييز، والجملة مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ هو مضارع أدى تأدية، من باب فعَّل المضعف، وهو هنا بمعنى أصل الفعل، والأمانات جمع أمانة، وهي مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: الشيء الذي يحفظ ليؤدى إلى صاحبه، ويسمى من يحفظها ويؤديا حفيظًا وأمينًا ووفيًّا، ومن لا يحفظها ولا يؤديها خائنًا، ﴿بِالْعَدْلِ﴾ العدل: مصدر لعدل من باب ضرب، وهو لغة: إيصال الحق إلى صاحبه من أقرب الطرق إليه،
стр. 2557
وشرعًا: فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ لا الحكم بالرأي المجرد، ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ﴾: نِعْمَ بكسر النون إتباعًا لكسرة العين، وأصل النون مفتوحة، وأصل العين مكسورة، فأصله نَعِمَ بوزن عَلِمَ، ثم كسرت النون إتباعًا لكسرة العين.
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ تنازع من باب تفاعل، والتنازع: التجاذب، والمنازعة: المجاذبة، والنزع: الجذب، كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها، والمراد الاختلاف والمجادلة، ﴿وَأَحْسَنُ تَأوِيلًا﴾ التأويل: مصدر أول - من باب فعل - تأويلًا، إذا فسر وبين، ولكن هنا بمعنى المآل والعاقبة، لا بمعنى التفسير والتبيين فله إطلاقان.
﴿يَزْعُمُون﴾ مضارع زعم، من باب نصر، والزعم بتثليث الزاي في أصل اللغة القول، حقًّا كان أو باطلًا، ثم كثر استعماله في الكذب، قال الراغب: الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب، وقد جاء في القرآن ذم القائلين به، كقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾.
﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الطاغوت: الكاهن والشيطان والصنم وكل رئيس في الضلالة، يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ليس مصدرًا جاريًا على يضلهم، ويحتمل أن يكون جعل مكان الإضلال، فوضع أحد المصدرين موضع الآخر، ويحتمل أن يكون مصدرًا لثلاثي محذوف، تقديره: فيضلون ضلالًا بعيدًا، ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾: يقال: صد عن الشيء يصد - من بابي ضرب ونصر - صدًّا وصدودًا، إذا أعرض عنه، وهو من المضاعف اللازم الذي جاء بالوجهين: الكسر على القياس، والضم على الشذوذ، لا من صد الذي هو المضاعف المعدى، فإنه بالضم على القياس لا غير، ومعناه المنع، يقال صده عن كذا إذا منعه وصرفه عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فالصدود: مصدر سماعي له، وقياسه صد، على وزن فعل بسكون العين؛ لأنه من فعل المفتوح.
стр. 2558
﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾؛ أي: في المعاملة بين الخصوم، وهو مصدر أحسن الرباعي، من باب أكرم، ﴿وَتَوْفِيقًا﴾؛ أي: بينهم وبين خصومهم بالصلح والتوفيق، مصدر لوفق المضعف، والوفاق والوفق ضد المخالفة، ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: في الأمر الذي أشكل، والتبس عليهم، واختلطت واختلفت فيه آراؤهم، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه واختلاطها وتداخل بعضها في بعض، ومنه قول طرفة:
وَهُمُ الْحُكَّامُ أَرْبَابُ الْهُدَى وَسُعَاةُ النَّاسِ في الأمْرِ الشَّجَرْ
أي: المختلف، ومنه تشاجر الرماح؛ أي: اختلافها، يقال: شجر الأمر يشجر شجورًا وشجرًا - من باب قعد - إذا التبس، وشاجر الرجل غيره في الأمر إذا نازعه فيه، وتشاجروا إذا تنازعوا، وخشبات الهودج يقال لها: شجار، لتداخل بعضها في بعض، ﴿حَرَجًا﴾ الحرج: الضيق، وقيل: الشك، ومنه قيل للشجر الملتف: حرج وحرجة، وجمعها حراج، وقيل: الحرج الإثم، ﴿تَسْلِيمًا﴾: مصدر مؤكد لعامله.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبديع (١):
منها: دخول حرف الشرط على ما ليس بشرط في الحقيقة في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ومنها: الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأوِيلًا﴾، وفي قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وفي قوله: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، وفي قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، وفي قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾.
ومنها: الاستفهام المراد به التعجب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
стр. 2559
يَزْعُمُونَ﴾.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وفي قوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ وفي قوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾، وفي قوله: ﴿ويسلموا تسليمًا﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ أصل المنازعة الجذب باليد، ثم استعير للتنازع في الكلام، وفي قوله: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ استعار البعد المختص بالأزمنة والأمكنة للمعاني المختصة بالقلوب؛ لدوام القلوب عليها، وفي قوله: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ استعار ما اشتبك وتضايق من الشجر للمنازعة التي يدخل بها بعض الكلام في بعض، استعارة المحسوس للمعقول، وفي قوله: ﴿أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ أطلق اسم الحرج الذي هو من وصف الشجر إذا تضايق على الأمر الذي يشق على النفس، للمناسبة التي بينهما وهو الضيق.
ومنها: التتميم وهو أن يتبع الكلام كلمة تزيد المعنى تمكنًا وبيانًا للمعنى المراد، وهو في قوله: ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾؛ أي: يبلغ إلى قلوبهم ألمه أو بالغًا في زجرهم.
ومنها: زيادة الحرف لزيادة المعنى في قوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ أتت ﴿مِنْ﴾ لإفادة الاستغراق، إذ لو لم تدخل هي في الكلام لأوهم الواحد.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾، وفي قوله: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾، وفي لفظ الجلالة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
ومنها: التوكيد بالمصدر في قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
ومنها: التقسيم البليغ في قوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ للتسجيل عليهم بالنفاق وذمهم به، والإشعار بعلة الحكم.
стр. 2560
ومنها (١): الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ حيث لم يقل: واستغفرت لهم، بل قال: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ تفخيمًا لشأنه، حيث عدل عن خطابه إلى ما هو من عظيم صفاته، فهو على أسلوب حكم الأمير بكذا، مكان حكمت بكذا، ووجه التفخيم فيه أن شأن الرسول أن يستغفر لمن عظم ذنبه.
ومنها: إيراد الأمر بصورة الأخبار، وتصديره بإنَّ المفيدة للتحقيق في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ للتفخيم وتأكيد وجوب العناية والامتثال.
ومنها: الإطناب في مواضع.
ومنها: الحذف في مواضع.
والله أعلم
* * *