← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يُطِعِ﴾: فعل مضارع مجزوم بمن على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿اللَّه﴾: مفعول به، ﴿وَالرَّسُولَ﴾: معطوف على الجلالة، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿أولئك﴾: مبتدأ، ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، تقديره: كائن مع الذين، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾، على كونها جواب الشرط لها، وجملة من الشرطية مستأنفة، ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِمْ﴾، جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْعَمَ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿علَيْهِمْ﴾، ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الَّذِينَ﴾، أو من الضمير في ﴿عَلَيْهِمْ﴾، ﴿وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾: معطوفات على ﴿النَّبِيِّينَ﴾، ﴿وَحَسُنَ﴾: ﴿الواو﴾؛ استئنافية، حسن: فعل ماض من أفعال المدح، ﴿أُولَئِكَ﴾: فاعل، ﴿رَفِيقًا﴾: تمييز أو حال، والجملة مستأنفة. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ، ﴿الْفَضْلُ﴾: خبر، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْفَضْلُ﴾، والعامل فيه معنى الإشارة، ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، و ﴿الفضلُ﴾: صفة له، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: خبرًا، والجملة مستأنفة، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلِيمًا﴾: تمييز، والجملة مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ هو مضارع أدى تأدية، من باب فعَّل المضعف، وهو هنا بمعنى أصل الفعل، والأمانات جمع أمانة، وهي مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: الشيء الذي يحفظ ليؤدى إلى صاحبه، ويسمى من يحفظها ويؤديا حفيظًا وأمينًا ووفيًّا، ومن لا يحفظها ولا يؤديها خائنًا، ﴿بِالْعَدْلِ﴾ العدل: مصدر لعدل من باب ضرب، وهو لغة: إيصال الحق إلى صاحبه من أقرب الطرق إليه،

стр. 2557

وشرعًا: فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ لا الحكم بالرأي المجرد، ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ﴾: نِعْمَ بكسر النون إتباعًا لكسرة العين، وأصل النون مفتوحة، وأصل العين مكسورة، فأصله نَعِمَ بوزن عَلِمَ، ثم كسرت النون إتباعًا لكسرة العين. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ تنازع من باب تفاعل، والتنازع: التجاذب، والمنازعة: المجاذبة، والنزع: الجذب، كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها، والمراد الاختلاف والمجادلة، ﴿وَأَحْسَنُ تَأوِيلًا﴾ التأويل: مصدر أول - من باب فعل - تأويلًا، إذا فسر وبين، ولكن هنا بمعنى المآل والعاقبة، لا بمعنى التفسير والتبيين فله إطلاقان. ﴿يَزْعُمُون﴾ مضارع زعم، من باب نصر، والزعم بتثليث الزاي في أصل اللغة القول، حقًّا كان أو باطلًا، ثم كثر استعماله في الكذب، قال الراغب: الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب، وقد جاء في القرآن ذم القائلين به، كقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾. ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الطاغوت: الكاهن والشيطان والصنم وكل رئيس في الضلالة، يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ليس مصدرًا جاريًا على يضلهم، ويحتمل أن يكون جعل مكان الإضلال، فوضع أحد المصدرين موضع الآخر، ويحتمل أن يكون مصدرًا لثلاثي محذوف، تقديره: فيضلون ضلالًا بعيدًا، ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾: يقال: صد عن الشيء يصد - من بابي ضرب ونصر - صدًّا وصدودًا، إذا أعرض عنه، وهو من المضاعف اللازم الذي جاء بالوجهين: الكسر على القياس، والضم على الشذوذ، لا من صد الذي هو المضاعف المعدى، فإنه بالضم على القياس لا غير، ومعناه المنع، يقال صده عن كذا إذا منعه وصرفه عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فالصدود: مصدر سماعي له، وقياسه صد، على وزن فعل بسكون العين؛ لأنه من فعل المفتوح.

стр. 2558

﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾؛ أي: في المعاملة بين الخصوم، وهو مصدر أحسن الرباعي، من باب أكرم، ﴿وَتَوْفِيقًا﴾؛ أي: بينهم وبين خصومهم بالصلح والتوفيق، مصدر لوفق المضعف، والوفاق والوفق ضد المخالفة، ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: في الأمر الذي أشكل، والتبس عليهم، واختلطت واختلفت فيه آراؤهم، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه واختلاطها وتداخل بعضها في بعض، ومنه قول طرفة: وَهُمُ الْحُكَّامُ أَرْبَابُ الْهُدَى وَسُعَاةُ النَّاسِ في الأمْرِ الشَّجَرْ أي: المختلف، ومنه تشاجر الرماح؛ أي: اختلافها، يقال: شجر الأمر يشجر شجورًا وشجرًا - من باب قعد - إذا التبس، وشاجر الرجل غيره في الأمر إذا نازعه فيه، وتشاجروا إذا تنازعوا، وخشبات الهودج يقال لها: شجار، لتداخل بعضها في بعض، ﴿حَرَجًا﴾ الحرج: الضيق، وقيل: الشك، ومنه قيل للشجر الملتف: حرج وحرجة، وجمعها حراج، وقيل: الحرج الإثم، ﴿تَسْلِيمًا﴾: مصدر مؤكد لعامله. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبديع (١): منها: دخول حرف الشرط على ما ليس بشرط في الحقيقة في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ومنها: الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأوِيلًا﴾، وفي قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وفي قوله: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، وفي قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، وفي قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾. ومنها: الاستفهام المراد به التعجب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ

стр. 2559

يَزْعُمُونَ﴾. ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وفي قوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ وفي قوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾، وفي قوله: ﴿ويسلموا تسليمًا﴾. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ أصل المنازعة الجذب باليد، ثم استعير للتنازع في الكلام، وفي قوله: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ استعار البعد المختص بالأزمنة والأمكنة للمعاني المختصة بالقلوب؛ لدوام القلوب عليها، وفي قوله: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ استعار ما اشتبك وتضايق من الشجر للمنازعة التي يدخل بها بعض الكلام في بعض، استعارة المحسوس للمعقول، وفي قوله: ﴿أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ أطلق اسم الحرج الذي هو من وصف الشجر إذا تضايق على الأمر الذي يشق على النفس، للمناسبة التي بينهما وهو الضيق. ومنها: التتميم وهو أن يتبع الكلام كلمة تزيد المعنى تمكنًا وبيانًا للمعنى المراد، وهو في قوله: ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾؛ أي: يبلغ إلى قلوبهم ألمه أو بالغًا في زجرهم. ومنها: زيادة الحرف لزيادة المعنى في قوله: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ أتت ﴿مِنْ﴾ لإفادة الاستغراق، إذ لو لم تدخل هي في الكلام لأوهم الواحد. ومنها: التكرار في قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، ﴿أَنْفُسِهِمْ﴾، وفي قوله: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾، وفي لفظ الجلالة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. ومنها: التوكيد بالمصدر في قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. ومنها: التقسيم البليغ في قوله: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ للتسجيل عليهم بالنفاق وذمهم به، والإشعار بعلة الحكم.

стр. 2560

ومنها (١): الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ حيث لم يقل: واستغفرت لهم، بل قال: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ تفخيمًا لشأنه، حيث عدل عن خطابه إلى ما هو من عظيم صفاته، فهو على أسلوب حكم الأمير بكذا، مكان حكمت بكذا، ووجه التفخيم فيه أن شأن الرسول أن يستغفر لمن عظم ذنبه. ومنها: إيراد الأمر بصورة الأخبار، وتصديره بإنَّ المفيدة للتحقيق في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ للتفخيم وتأكيد وجوب العناية والامتثال. ومنها: الإطناب في مواضع. ومنها: الحذف في مواضع. والله أعلم * * *

стр. 2561

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها هو (١): أنه تعالى لما ذكر طاعته وطاعة رسوله، وكان من أهم الطاعات إحياء دين الله تعالى .. أمر بالقيام بإحياء دينه، وإعلاء دعوته، وأمرهم أن لا يقتحموا على عدوهم على جهالة، فقال: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، فعلمهم مباشرة الحروب، ولما تقدم ذكر المنافقين .. ذكر في هذه الآية تحذير المؤمنين من قبول مقالاتهم، وتثبيطهم عن الجهاد، فنادى أولًا باسم

стр. 2562

الإيمان على عادته تعالى إذا أراد أن يأمر المؤمنين أو ينهاهم. وقال المراغي: مناسبة هذه الآية لما قبلها (١)؛ يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾: أن الله ، لما بين أولًا في هذه السورة كثيرًا من الأمور الدينية، من عبادته تعالى وعدم الشرك به، والمدنية كمعاملة ذوي القربى والجيران واليتامى والمساكين، والشخصية كأحكام الزواج والمصاهرة والمواريث .. بين هنا في هذه الآيات بعض الأحكام الحربية والسياسية، ورسم لنا الطريق التي نسير عليها في حفظ ملتنا وحكومتنا المبنية على تلك الأصول من الأعداء انتهى. قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أن الله لما بين حال ضعفاء الإيمان، الذين يبطئون عن القتال في سبيله .. دلهم بهذه الآية على طريق تطهير نفوسهم من ذلك الذنب العظيم، ذنب القعود عن القتال، وأمر به إيثارًا لما عند الله من الأجر والثواب على ما في الدنيا من نعيم زائل وعرض يفنى. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٣): أنه لما أمر الله المؤمنين أولًا بالنفر إلى الجهاد، ثم ثانيًا بقوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ثم ثالثًا على طريق الحث والحض بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ .. أخبر في هذه الآية بالتقسيم، أن المؤمن هو الذي يقاتل في سبيل الله، وأن الكافر هو الذي يقاتل في سبيل الطاغوت، ليبين للمؤمنين فرق ما بينهم وبين الكفار، ويقويهم بذلك، ويشجعهم ويحرضهم، وأن من قاتل في سبيل الله هو الذي يغلب؛ لأن الله هو وليه وناصره، ومن قاتل في سبيل الطاغوت فهو المخذول المغلوب، والطاغوت هنا الشيطان؛ لقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾.

стр. 2563

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها (١): أن الله لما ذكر، أولًا بأخذ الحذر والاستعداد للقتال والنفر له، وذكر حال المبطئين الذين ضعفت قلوبهم، وأمرهم بالقتال في سبيله، وفي سبيل إنقاذ المستضعفين .. ذكر هنا أن الإِسلام كلفهم ترك ما كانوا عليه في الجاهلية، من تخاصم وتلاحم وحروب مستمرة، ولا سيما بين قبيلتي الأوس والخزرج، فإن الحروب بينهم لم تنقطع إلا بمجيء الإِسلام، وأمرهم بكف أيديهم عن القتال والعدوان على غيرهم، وطلب إليهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لما فيهما من تهذيب النفوس والعطف والرحمة، حتى خمدت من نفوس كثير منهم حمية الجاهلية، وحل محلها شرف العواطف الإنسانية، إلى أن اشتدت الحاجة إلى القتال للذود عن بيضة الإِسلام، ودفع العدوان من أولئك المشركين الذين آذوا المسلمين، وأحبوا فتنتهم في دينهم، وردهم إلى ما كانوا عليه، ففرضه عليهم، فكرهه المنافقون والضعفاء، فنعى ذلك عليهم، ووبخهم أشد التوبيخ، وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة؛ لأنه تعالى لما أمر بالقتال حين طلبوه .. وجب امتثال أمر الله فلما كعَّ - جبن - عنه بعضهم .. قال تعالى: ألا تعجب يا محمَّد من ناس طلبوا القتال، فأمروا بالموادعة، فلما كتب عليهم .. فَرقَ فريق وجزع، ذكره في "البحر المحيط" انتهى. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ....﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه النسائي (ج٦/ ص ٣) قال: أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال: أنبأنا أبي، قال الحسين بن واقد: عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، أن عبد الرحمن بن عوف الزهري

стр. 2564

وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ بمكة، فقالوا: يا رسول الله إنا كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا .. صرنا أذلة، فقال: "إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا، فلما حولنا الله إلى المدينة أمرنا بالقتال، فكفوا"، فأنزل الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ .. الحديث أخرجه الحاكم أيضًا، وقال: رجاله رجال الصحيح. التفسير وأوجه القراءة ٧١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمد ﷺ ، ﴿خُذُوا﴾ أسلحتكم، والزموا ﴿حِذْرَكُمْ﴾؛ أي: احترازكم واحتراسكم من عدوكم، ولا تمكنوه من أنفسكم، واستعدوا لاتقاء شره وحربه، بأن تعرفوا حاله ومبلغ استعداده وقوته، وإذا كان لكم أعداء كثيرون .. فاعرفوا ما بينهم من وفاق وخلاف، واعرفوا الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا عليكم، واعملوا بتلك الوسائل. ويدخل في ذلك معرفة حال العدو، ومعرفة أرضه وبلاده، وأسلحته واستعمالها، وما يتوقف على ذلك من معرفة الهندسة والكيمياء وجر الأثقال، وبالجملة: يجب اتخاذ أهبة الحرب المستعملة فيها من طيارات وقنابل ودبابات وبوارج مدرعة ومدافع مضادة للطائرات إلى نحو ذلك، حتى لا يهاجمكم على غرة، أو يهددكم في دياركم، ويأخذ أراضيكم، وحتى لا يعارضكم في إقامة دينكم أو دعوتكم. وقد كان النبي ﷺ والصحابة على علم بأرض عدوهم، كما لهم عيون وجواسيس يأتونهم بالأخبار، ولما أخبروه بنقض قريش للعهد إخلالهم بشروط المعاهدة في صلح الحديبية .. استعدو لفتح مكة، ولم يفلح أبو سفيان في تجديد العهد مرة أخرى، وقد كان يظن أن المسلمين لم يعلموا بنكثهم له، وقد قال أبو بكر لخالد بن الوليد في حرب اليمامة: حاربهم بمثل ما يحاربونك به، السيف بالسيف والرمح بالرمح. وما رواه الحاكم عن عائشة: "لا يغني حذر من قدر" لا يناقض أخذ

стр. 2565

الحذر، فلا يعارض هذه الآية؛ لأن الأمر بالحذر داخل في القدر، فالأمر به لندفع عنا شرَّ الأعداء، لا لندفع القدر ونبطله؛ إذ القدر هو جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب على قدر المسببات، والحذر من جملة الأسباب، فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضاده. ﴿فَانْفِرُوا﴾؛ أي: فاخرجوا لقتال عدوكم، وانهضوا لمقاومته، ﴿ثُبَاتٍ﴾؛ أي: جماعات بعد جماعات، سرية بعد سرية، ﴿أَوِ انْفِرُوا﴾: واخرجوا إلى لقائه كلكم ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين كوكبة واحدة، والتخيير فيه لولاة الأمور بحسب اجتهادهم، والمراد بادروا كيفما أمكن؛ أي: فانفروا جماعة إثر جماعة، بأن تكونوا فصائل وفرقا إذا كان الجيش كبيرًا، أو موقع العدو يستدعي ذلك، أو تنفر الأمة كلها جميعًا إذا اقتضت الحال ذلك بحسب قوة العدو. والخلاصة: أنكم إما أن تنفروا جماعات جماعات، وإما أن ينفر جميع المؤمنين على الإطلاق بحسب حال العدو. وامتثال هذا الأمر يقتضي أن تكون الأمة على استعداد دائم للجهاد، بأن يتعلم كل فرد من أفرادها فنون الحرب، ويتمرن عليها، وأن تقتني السلاح الذي تحتاج إليه في هذا النضال، وتتعلم كيفية استعماله في كل زمان بما يناسبه. وبهذا تعلم أن الحكومة الإِسلامية يجب عليها أن تقيم هذا الواجب بنفسها، لا أن تبقى عالة على غيرها وعلى الأمة أن تساعدها عليه، بل تلزمها إياه إذا قصرت فيه، بعكس ما نراه الآن من تراخي الأمم الإِسلامية وضعفها وتوانيها في ذلك، حتى طمعت فيها كل الدول التي تجاورها، واجتاحتها من أطرافها، واجتثت كثيرًا من أراضيها وأقاليمها، واستأمرت عليها واستعبدتها، وضربت عليها الخراج والجزية، كالشعوب الأرومية الإِسلامية في شرق أفريقيا، استعبدها استئمار الحبوش، فعلى الأمة الإِسلامية التي استعبدها الاستئمار أن يتوبوا إلى ربهم، ويتمسكوا بدينهم، ويعضوا عليه بالنواجذ، ويتوسلوا إلى ربهم بصالح أعمالهم، ويسألوا الله النصر على أعدائهم الشيوعية، ويستغيثوا بالأمم الإِسلامية التي تجاورهم، وأن يأخذوا أهبة الحرب وسلاحها، ويتعلموا

стр. 2566

استعمالها، كهولًا وشبانًا وغلمانًا، بدل ما استغرقوا أعمارهم في آلة الحراثة والزراعه كابرًا عن كابر، أفلا تنتبهون أيتها الأمة المستأمرة من سِنة الغفلة والعبودية. أفلا تعلمون أنتم في الحياة البرزخية والحياة البهيمية، بل حياتها أحسن من حياتكم؛ لأنها محبوبة محترمة عند صاحبها، فيا مصيبة عليكم ما أعظمها وما أقبحها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد شدد دين الإِسلام الحنيف أيما تشديد في هذا الأمر، أعني الاستعداد للعدو، فجاء مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وجاءت أحاديث كثيرة بهذا المعنى. ٧٢ - والخطاب في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ لجماعة المؤمنين بحسب الظاهر الشامل للمنافقين وضعفاء الإيمان؛ أي: وإن من عسكر رسول الله ﷺ ، ﴿لَمَنْ﴾ وعزتي وجلالي ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾؛ أي: ليتثاقلنَّ ويتأخرنَّ عن الجهاد، ويتخلَّفنَّ عن القتال معكم، وهم المنافقون وضعفاء الإيمان، فالمنافقون يرغبون عن الحرب؛ لأنهم لا يحبون أن يبقى الإِسلام وأهله، ولا أن يدافعوا عنه ويحموا بيضته، فهم يبطئون عن القتال، ويبطئون غيرهم عن النفر إليه، والجبناء وضعفة الإيمان يبطئون بأنفسهم عن القتال خورًا وخوفًا من صليل السيوف ومن الكر والفر ومقابلة العدو وهو شاكي السلاح، ثم فصل أحوال هؤلاء الضعفاء فقال: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ﴾ أيها المؤمنون المجاهدون، ونزلت بكم ﴿مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: واقعة من قتل أو هزيمة أو جهد عيش، ﴿قَال﴾ ذلك المبطىء فرحًا بما فعل حامدًا رأيه شاكرًا ربه: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بالقعود وأكرمني بالسلامة، ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: حاضرًا معهم في المعركة، فيصيبني مثل ما أصابهم من المصائب والشدة. وقرأ الجمهور (١): ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ بالتشديد، وقرأ مجاهد ﴿ليبطئن﴾ بالتخفيف، والقرآتان يحتمل أن يكون الفعل فيهما لازمًا؛ لأنهم يقولون: أبطأ وبطأ في معنى

стр. 2567

بَطُؤَ، ويحتمل أن يكون متعديًّا بالهمزة أو التضعيف من بطا، فعلى اللزوم المعنى: أنه يتثاقل ويتثبط عن الخروج للجهاد، وعلى التعدي يكون: قد ثبط غيره عن الخروج، وأشار له بالقعود، وعلى التعدي أكثر المفسرين. ٧٣ - ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لئن حصل لكم أيها المجاهدون فضل، ونعمة من الله ، كفتح وغنيمة، فظفرتم بالعدو، وفتحتم البلاد، فغنمتم وأخذتم السبايا والأسرى .. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ذلك المبطىء والمنافق: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿وَبَيْنَهُ﴾؛ أي: وبين ذلك المبطىء ﴿مَوَدَّةٌ﴾؛ أي: محبة وصلة في الدين ومعرفة في الصحبة ولا مخالطة أصلًا، وجملة التشبيه معترضة بين الفعل الذي هو ﴿لَيَقُولَن﴾ وبين مفعوله الذي هو قوله: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾؛ أي: ليقولن قول حاسد نادم: يا هؤلاء أتمنى كوني غازيًا معهم، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾؛ أي: فأصيب غنائم كثيرة معهم، وآخذ حظًّا وافرًا من السبايا، والغرض من جملة التشبيه التعجب (١) كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق، كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبين المنافق صلة في الدين، ومعرفة في الصحبة، وقيل: الجملة التشبيهية حال من ضمير ﴿ليقولن﴾؛ أي: ليقولن مشبَّهًا بمن لا معرفة بينكم وبينه، وقيل: هي داخلة في المقول؛ أي: ليقولن المثبط للمثبطين من المنافقين وضعفة المؤمنين، كأن لم تكن بينكم وبين محمد معرفة في الصحبة، حيث لم يستصحبكم في الغزو، حتى تفوزوا بما فاز محمد: يا ليتني كنت معهم، وغرض المثبط حينئذ إلقاء العداوة بينهم وبين رسول الله ﷺ . ونسبة (٢) إصابة الفضل إلى جانب الله تعالى، دون إصابة المصيبة من العادات الشريفة التنزيلية، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ وتقديم الشرطية الأولى على الثانية لما أن مضمونها لمقصدهم أوفق، وأثر نفاقهم فيها أظهر.

стр. 2568

وقرأ الجمهور (١): ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ بفتح اللام، وقرأ الحسن ﴿ليقولن﴾ بضم اللام، أضمر فيه ضمير الجمع على معنى من، وقرأ ابن كثير وحفص ﴿كأن لم تكن﴾ بتاء التأنيث، والباقون بالياء، وقرأ الحسن ويزيد النحوي ﴿فأفوزُ﴾ برفع الزاي عطفًا على كنت، فتكون الكينونة معهم والفوز بالقسمة داخلين في التمني، أو على الاستئناف؛ أي: فأنا أفوز، وقرأ الجمهور بنصب الزاي وهو جواب التمني، ٧٤ - والفاء في قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ رابطة (٢) الجواب بشرط مقدر، تقديره: إن لم يقاتل في سبيل الله هؤلاء المثبطون المنافقون .. فليقاتل في سبيل الله، فليجاهد لإعلاء كلمة الله تعالى المؤمنون المخلصون ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: الذين يبيعون الحياة الدنيا ولذاتها بالآخرة، ويبذلون أرواحهم لله تعالى، ويجعلون الآخرة وثوابها ثمنًا لها وعوضًا منها. ثم رغب في القتال بعد الأمر به بذكر الثواب عليه فقال: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ﴾؛ أي: في طاعته ويجاهد لإعلاء كلمة الله، لا للحمية والمفاخرة ﴿فـ﴾ يظفر به عدوه و ﴿يقتل﴾ شهيدًا ﴿أَوْ﴾ يظفر هو بعدوه، و ﴿يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾؛ أي: نعطيه في كلا الحالين ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أي: ثوابًا جسيمًا من عندنا في الآخرة، خالدًا مخلدًا في دار الجزاء والنعيم المقيم، وإذا كان الأجر حاصلًا له على كلا التقديرين .. لم يكن عمل أشرف من الجهاد، ونبه بقوله ﴿فَيُقتَل﴾ أو يغلب على أن المجاهد ينبغي له أن يثبت في المعركة، حتى يكرم نفسه بالشهادة، أو يعز الدين بالظفر والغلبة، وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحق وإعزاز الدين. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة". متفق عليه وهذا لفظ مسلم.

стр. 2569

وقرأ الجمهور (١): ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ بسكون، لام الأمر، وقرأت فرقة بكسرها على الأصل، وقرأ الجمهور: ﴿فَيُقتَلْ﴾ مبنيًّا للمفعول، وقرأ محارب بن دثار: ﴿فيقتل﴾ على بناء الفعل للفاعل، وأدغم باء يغلب في الفاء أبو عمرو والكسائي وهشام وخلاد بخلاف عنه، وأظهرها باقي السبعة، وقرأ الجمهور: ﴿نُؤْتِيهِ﴾ بالنون، وقرأ الأعش وطلحة بن مصرف ﴿يؤتيه﴾ بالياء. ٧٥ - ثم زاد ترغيبًا فيه فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والاستفهام فيه للتحريض والأمر بالجهاد؛ أي: وأيُّ عذر ثبت لكم أيها المؤمنون يمنعكم أن تقاتلوا في سبيل الله مع المشركين، لتقيموا التوحيد مقام الشرك وتحلوا الخير محل الشر، وتضعوا العدل والرحمة موضع الظلم والقسوة، ﴿و﴾ أي شيء منعكم أن تقاتلوا في تخليص ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أي: في فك الضعفاء إخوانكم في الدين من أيدي المشركين حالة كونهم ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ الضعفاء ﴿وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾؛ أي: الصبيان، وقيل المراد بالولدان العبيد والإماء، والمراد بالمستضعفين جماعة من المسلمين الذين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة، وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدًا، وكان النبي ﷺ يدعو لهم فيقول: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين"، قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان، ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾؛ أي: وفي تخليص المستضعفين الذين فقدوا النصير والمعين، وتقطعت بهم أسباب الرجاء، فاستغاثوا بربهم ودعوه ليفرج كربهم، ويخرجهم من تلك القرية - مكة - لظلم أهلها لهم، ويسخر لهم بعنايته من يتولى أمرهم، وينصرهم على من ظلمهم، فيتمكنوا بذلك من الهجرة إليكم، ويرتبطوا بكم بأقوى الروابط، وهي رابطة الإيمان، فهي أقوى من رابطة الأنساب والأوطان، فقالوا في دعوتهم واستغاثتهم: ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿أَخْرِجْنَا﴾؛ أي: حولنا وانقلنا ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ وهذه البلدة يعنون مكة ﴿اَلظالمِ أهلُهَا﴾؛ أي: التي اتصف أهلها وساكنوها بالظلم؛ لأنهم كانوا مشركين، وكانوا يؤذون

стр. 2570

المسلمين أشد الإيذاء، ويوصلون إليهم أنواع المكاره والتعذيب، وما أحد من المسلمين فيها قدر على الهجرة؛ لأنهم يصدونهم عنها، ويعذبون مريديها عذابًا شديدًا، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا﴾ يا إلهنا ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾؛ أي: من عندك ﴿وَلِيًّا﴾ من المسلمين يتولى أمورنا، ويقوم بمصالحنا، ويحفظ علينا ديننا ﴿وَاجْعَلْ لَنَا﴾ يا خالقنا ﴿مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾؛ أي: ناصرًا من المؤمنين ينصرنا على أعدائنا، وقد استجاب الله دعاءهم فيسر لبعضهم الخروج، وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة، وولى النبي ﷺ عتاب بن أسيد، وكان ابن ثماني عشرة سنة، فكان ينصر المظلومين على الظالمين، وينصف الضعيف من القوي، والذليل من العزيز، وكان الولي (١) هو رسول الله ﷺ ، والنصير عتاب بن أسيد. ٧٦ - وما شُرع القتال إلا لعدم حرية الدين، وظلم المشركين للمسلمين، فالقتال قبيح ولا يجيزه العقل السليم إلا لإزالة قبيح أشد منه ضررًا، والأمور بمقاصدها وغاياتها، كما قال تشجيعًا للمجاهدين وترغيبًا لهم في الجهاد. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهذا كلام مستأنف، سيق لترغيب المؤمنين في الجهاد؛ أي: إنما يقاتل الذين آمنوا لأجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ والشيطان؛ أي: إنما يقاتل الذين كفروا لنصرة دين الشيطان وكلمة الباطل، واتباعًا لوسوسته وتزيينه الكفر، فلو ترك المؤمنون القتال .. لغلب الطغيان وعم الفساد، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. ثم حث مرة أخرى على القتال، وبين لهم ضعف عدوهم فقال: ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أيها المؤمنون وأولياء الرحمن ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ وأصحابه الذين زين لهم الشيطان بوسوسته وخداعه الباطل، وأن في الظلم وإهلاك الحرث والنسل شرفًا لهم أيما شرف، ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ ومكره للمؤمنين ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ بالنسبة إلى مكر الله للكافرين، فالنصر والظفر لأوليائه، والهزيمة والخذلان للكافرين، فلا تخافوا أولياء الشيطان وخافون إن كنتم مؤمنين.

стр. 2571

ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر، وإن كانوا حال حياتهم في غاية الفقر، وأما الملوك والجبابرة، فإذا ماتوا انقرض أثرهم، ولا يبقى في الدنيا رسمهم. وقد جرت سنة الله أن الحق يعلو، والباطل يسفل، وأن الذي يبقى هو الأصلح والأمثل، فالذين يقاتلون في سبيل الله يطلبون ما تقتضيه سنة العمران، والذين يقاتلون في سبيل الشيطان يطلبون الانتقام والاستعلاء في الأرض بغير الحق، وتسخير الناس لأغراضهم وشهواتهم، وسنن العمران تأبى ذلك، فلا يكون لذلك قوة ولا بقاء إلا لنومة أهل الحقّ عن حقهم، فإذا هم أفاقوا من غفوتهم .. تغلب الحق على الباطل، ورده خاسئًا محسورًا. على أن الذين يقاتلون في تأييد الحق تتوجه هممهم إلى إتمام الاستعداد، ويكونون أجدر بالثبات والصبر، وفي ذلك من القوة ما ليس في كثرة العدد والعدد. وهذا في الحروب الدينية التي قد تركها المسلمون منذ أزمان طويلة، ولو وجدت في الأرض حكومة إسلامية، تقيم القرآن، وتحوط الدين وأهله بما أوجبه الله من إعداد العدة للحرب .. لاتخذها أهل المدنية قدوة لهم وإماما في أعمالهم، وما كانت الحمية والعصبية والوطنية ديدنًا لهم، فهم في أمد بعيد من النصر على أعدائهم، فيا مصيبة ابتلي المسلمون بها الآن، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٧٧ - وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ استفهام (١) تعجيب لرسول الله ﷺ من إحجامهم عن القتال، مع أنهم كانوا قبل ذلك راغبين فيه حرصًا عليه، بحيث كانوا يباشرونه كما ينبىء عنه الأمر بكف الأيدي، فإن ذلك مشعر بكونهم بصدد بسطها إلى العدو، والخطاب (٢) فيه

стр. 2572

لجماعة من المسلمين، منهم عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الزهريان، وقدامة بن مظعون الجمحي، ومقداد بن الأسواد الكندي، وطلحة بن عبيد الله التيمي، كانوا مع النبي ﷺ بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة يلقون من المشركين أذى شديدًا، فيشكون ذلك إلى رسول الله ﷺ ويقولون: إئذن لنا في قتالهم، ويقول لهم رسول الله ﷺ : كفوا أيديكم عن القتل والضرب والاعتداء على الناس، فإني لم أؤمر بقتالهم، واشتغلوا بإقامة الصلاة، والخشوع لله، وإيتاء الزكاة، التي تمكن الإيمان في القلوب، وفيه دليل على أن فرض الصلاة والزكاة كان قبل فرض الجهاد، فلما هاجروا مع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمروا بقتالهم في وقعة بدر .. كرهه بعضهم، لا شكًّا في الدين، بل نفورًا عن الإخطار بالأرواح، وخوفًا من الموت بموجب الجبلة البشرية، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾؛ أي: فرض ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾؛ أي: الجهاد في سبيل الله، في السنة الثانية من الهجرة، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: إذا جماعة من الذين سألوا أن يفرض عليهم الجهاد ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾؛ أي: يخافون الكفار أن يقتلوهم، ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: كخوفهم من الله تعالى؛ أي: كما يخافون أن ينزل عليهم بأسه، وإذا للمفاجأة جواب لما؛ أي: فلما كتب عليهم القتال .. فاجأ كَتب القتال خشيتهم من الناس، ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾؛ أي: بل يخافون من الناس خشية وخوفًا أشد وأقوى وأكثر من خشيتهم من الله تعالى، لما كان من طبع البشر من الجبن لا للاعتقاد، ثم تابوا وأهل الإيمان يتفاضلون فيه، ﴿وَقَالُوا﴾ خوفًا من الموت، لا لكراهتهم أمر الله بالقتال، وهذا عطف على جواب لما، وهو إذا الفجائية وما في حيزها، ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ﴾ وفرضت ﴿عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ والجهاد في هذا الوقت ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾؛ أي: هلا أخرتنا إلى أجل قريب ومدة قريبة، حتى نموت بآجالنا، ولا نقتل فيفرح بنا الأعداء، وذكر في حرف ابن مسعود: لولا أخرتنا إلى أجل قريب فنموت حتف أنفنا ولا نقتل فتسر بذلك الأعداء، ذكره أبو حيان في "البحر" وهذا القول استزادة في مدة الكف، ويجوز أن يكون هذا مما نطقت به ألسنة حالهم، من غير أن يتفوهوا به صريحًا، وقد أمر الله رسوله أن يرد عليهم شبهتهم فقال: ﴿قَلَّ﴾ لهم يا محمد جوابًا لهذا السؤال عن حكمة فرض القتال

стр. 2573

عليهم، من غير توبيخ؛ لأنه لا للاعتراض لحكمه تعالى وترغيبًا فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي، ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: منفعة الدنيا ولذاتها ﴿قَلِيلٌ﴾ لأنه سريع الزوال، ووشيك الانصرام، وإن أخرتم إلى ذلك الأجل ﴿وَالْآخِرَةُ﴾؛ أي: ثوابها الباقي وجزاؤها، لا سيما المنوط بالقتال، ﴿خَيْرٌ﴾ من ذلك المتاع الفاني، ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الله تعالى، وامتثل أوامره، واجتنب الكفر والفواحش؛ لأن نعم الأخرة كثيرة، ومؤبدة وصافية عن كدورات القلوب، ويقينية بخلاف نعم الدنيا؛ فإنها مشكوكة عاقبتها في اليوم الثاني، ومشوبة بالمكاره، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ أي: ولا تنقصون من أجور أعمالكم أدنى شيء، ولو كان قدر فتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. قال في "التسهيل": إن الآية في قوم من الصحابة كانوا قد أمروا بالكف عن القتال، فتمنوا أن يؤمروا به، فلما أمرو به .. كرهوه، لا شكًّا في دينهم، ولكن خوفًا من الموت، كما مر هذا القول، وقيل: الآية في المنافقين، وهو أليق بسياق الكلام، واختار القرطبي وأبو حيان هذا القول وهو الأرجح، قال في "البحر": الظاهر أن القائلين هذا هم منافقون؛ لأن الله تعالى إذا أمر بشيء لا يسأل عن علته من هو خالص الإيمان، ولهذا جاء السياق بعده: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، وهذا لا يصدر إلا من منافق انتهى. وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير (١): ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ بالياء، وباقي السبعة بالتاء على الخطاب، وهو التفات، ثم رغبهم في القتال، ٧٨ - وبين لهم أن الموت مصير كل شيء، فقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾؛ أي: في أي مكان وجدتم وحصلتم فيه، سواء كان برًّا أو بحرًا، سفرًا أو حضرًا ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: يأخذكم الموت الذي تكرهون لأجله القتال، زعمًا منكم أنه من محله، ويقع بكم لا محالة، ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ﴾ متحصنين منه ﴿فِي بُرُوجٍ﴾ وحصون ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾؛ أي: مطولة مرتفعة قوية بالجص والنورة، فلا تخشوا القتال لأجله، ولا تتمتوا هذا التأخير الذي سألتم؛

стр. 2574

لأنه لا فائدة فيه؛ لأنه لا منجا ولا ملجأ من الموت، سواء أكان بقتل أم بغيره، فلا فائدة في خور الطبع وحب الحياة، وقال زهير: وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ... ولَوَ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بسُلَّمِ وقرأ طلحة بن سليمان (١): ﴿يدركُكُم﴾ برفع الكافين، وخرجه أبو الفتح على حذف فاء الجواب؛ أي: فيدرككم الموت، أو على أنه كلام مستأنف، وأينما متصل بلا تظلمون، وهي قراءة ضعيفة. والخلاصة (٢): أن الموت أمر محتم لا مهرب منه، فهو لا بد أن يدرككم في أي مكان، ولو تحصنتم في شواهق القصور التي يسكنها ذوو الثراء والنعمة، أو في القلاع والحصون التي تقطنها حامية الجند، وإذا كان الموت لا مفر منه، وكان المرء قد يقتحم غمار الوغى ولا يصاب بالأذى، وقد يموت المعتصم في البروج والحصون، وهو في غضارة العيش .. فلا عذر لكم أيها المثبطون المبطئون، ولماذا تختارون لأنفسكم الحقير على العظيم، ولماذا لا تدافعون عن الحق وتمنعون الشر أن يفشو، حتى تستحقوا مرضاة الله وسعادة الآخرة، ولماذا تكرهون القتال وتجبنون، وتخافون الناس وتتمنون البقاء، أليس هذا بضعف في الدين، وركة في العقل، وخورًا في العزيمة، تؤاخذون بها، وتقوم عليكم بها الحجة. ثم ذكر شأنًا آخر من شؤونهم، أشد دلالة على الحمق وضعف العقل ومرض القلب، فقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾؛ أي: اليهود والمنافقين ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أي: خصب ورخص السعر وتتابع الأمطار، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ﴾ الحسنة ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ تعالى، قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم رسول الله ﷺ ، فلما ظهر عناد اليهود والمنافقين على دعائه إياهم إلى الإيمان .. أمسك الله عنهم بعض الإمساك، كما جرت عادته تعالى في جميع الأمم، فعند

стр. 2575

هذا قالوا: ما رأينا أعظم شؤمًا من هذا الرجل، نقصت ثمارنا ومزارعنا، وغلت أسعارنا منذ قدم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: جدوبة وشدة وغلاء سعر .. ﴿يَقُولوُا﴾؛ أي: يقول اليهود والمنافقون ﴿هَذِهِ﴾ السيئة ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾؛ أي: هذه من شؤم محمَّد وأصحابه؛ أي: وإن تصبهم نعمة .. نسبوها إلى الله تعالى، وإن تصبهم بلية .. أضافوها إليك، كما حكى الله عن قوم موسى بقوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيئةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، وعن قوم صالح بقوله: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، وهذا زعم باطل منهم، فكل من النعمة والبلية من عند الله تعالى، خلقًا وإيجادًا، يقع في ملكه بحسب السنن التي وضعها، والأسباب والمسببات التي أوجدها، ﴿قُلْ﴾ أجبهم يا محمد ردًّا لزعمهم الباطل، وإرشادًا لهم إلى الحق: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى خلقًا وإيجادًا، من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منهما بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلًا، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلي عقوبة له، ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ أي: وإذا كان الأمر كذلك .. فأي شيء حصل لهؤلاء اليهود والمنافقين؛ وماذا دهاهم في عقولهم حالة كونهم ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. أي: لا يقربون أن يفهموا حديثًا من الأحاديث أصلًا، فقالوا ما قالوه، إذ لو فهموا شيئًا من ذلك .. لفهموا أن الكل من عند الله تعالى، فالنعمة منه تعالى بطريق التفضل، والبلية منه تعالى بطريق العقوبة على ذنوب العباد، عدلًا منه تعالى، والاستفهام هنا تعجبي مضمن معنى الإنكار. وإذا (١) كانوا قد حرموا هذا الفقه من كل حديث .. فما أحراهم أن يحرموه من حديث يبلغه الرسول عن ربه، في الإخبار عن نظم الاجتماع، وارتباط الأسباب بالمسببات، وعما أحاط الله به المصطفين الأخيار من وافر الفضل، وخصهم به من جميل الرعاية، فتلك الحكم العالية لا تُنال إلا بفضل الروية،

стр. 2576

وطول الأناة والتدبير، ومن وصل إلى هذا القدر من الفهم .. لا يقول إن السيئة تقع بشؤم أحد، بل ينسب كل شيء إلى سببه. وفي الآية إيماء إلى أن حصيف الرأي يجب أن يطلب فقه القول دون الأخذ بالجمل والظواهر، إذ من قنع بذلك .. بقي في عماية، ويظل طول دهره غِرًّا جاهلًا بما يحيط به من نظم هذا العالم. ووقف أبو عمرو والكسائي على قوله (١): ﴿فما﴾، ووقف الباقون على ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿فمال﴾ إتباعًا للخط، ولا ينبغي تعمد ذلك، لأن الوقف على ﴿فما﴾ فيه قطع عن الخبر، وعلى اللام فيه قطع عن المجرور دون حرف الجر، وإنما يكون ذلك لضرورة انقطاع النفس. ٧٩ - والخطاب في قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ للنبي ﷺ ، ولكن المراد غيره؛ أي: أيُّ شيء أصابك وأتاك أيها الإنسان ﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾؛ أي: من نعمة من النعم التي أنعم الله بها عليك ﴿فـ﴾ هي أتت ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بالذات تفضلًا وإحسانًا منه، من غير استيجاب لها من قبلك، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾؛ أي: وأيُّ شيء أصابك وأتاك من بلية من البلايا ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾؛ أي: فتلك السيئة أتت من نفسك، بسبب اقترافك المعاصي الموجبة لها، وإن كان الخلق من الله، وعن عائشة ﵂: "ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها، وحتى انقطاع شسع نعله، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر". وحاصل المعنى (٢): أن كل حسنة تصيبك أيها المؤمن فهي من فضل الله وجوده، فهو الذي سخر لك المنافع التي تتمتع بها وتحسن لديك، فقد سخر لك الهواء الذي يحفظ الحياة، والماء العذب الذي يمد كل الأحياء وأزواج النبات والحيوان وغيرهما من مواد الغذاء، وأنعم عليك بوسائل الراحة والهناء، وكل سيئة تصيبك فهي من نفسك، فإنك بما أوتيت من قدرة على العمل، واختيار في

стр. 2577

درء المفاسد، وجلب المنافع، وترجيح لبعض المقاصد على بعض، قد تخطيء في معرفة ما يسوء وما ينفع؛ لأنك لا تضبط إرادتك وهواك، ولا تحيط علمًا بالسنن والأسباب، فأنت ترجح بعضًا على بعض، إما بالهوى، أو قبل أن تحيط خبرًا بمعرفة النافع والضار، فتقع فيما يسوء. وقد تضافرت الآثار على أن طاعة الله من أسباب النعم، وأن عصيانه مما يجلب النقم، وطاعته إنما تكون باتباع سننه، وصرف ما وهب من الوسائل فيما وهب لأجله، وهذه الآية أصل من أصول الاجتماع وعلم النفس، وفيها شفاء للناس من خرافات الوثنية، واستدراجات الطاغوتية، وكرامات الشيطانية، وارتفاع وتكريم للنفس الإنسانية. وفي مصحف ابن مسعود (١): ﴿فمن نفسك وإنما قضيتها عليك﴾، وحكى أبو عمرو أنها في مصحف ابن مسعود: ﴿وأنا كتبتها﴾، وروي أن ابن مسعود وأبيًّا قرأ: ﴿وأنا قدرتها عليك﴾، وعنى بالنفس هنا المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾، وقرأت عائشة ﵂: ﴿فمَن نفسُك﴾ بفتح الميم ورفع السين، فـ ﴿مَن﴾ استفهام معناه الإنكار؛ أي: فمن نفسك حتى ينسب إليها فعل، المعنى: ما للنفس في الشيء فعل. فائدة: فإن قلت (٢) إن قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يعارض قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الواقع ردًّا لقول المشركين ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ...﴾ الآية؟ فالجواب: أن قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي إيجادًا وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾؛ أي: من كسبك، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. والحاصل: أنك إذا نظرت إلى الفاعل الحقيقي .. فالكل منه، وإذا نظرت

стр. 2578

إلى الأسباب .. فما هي إلا من شؤم ذنب نفسك، يوصله إليك بسبب مجازاة وعقوبة لا من محمد ﷺ ، وقال (١) بعض أهل العلم: والفرق بين ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ و ﴿مِنَ آللهِ﴾ أن من عند الله أعم، يقال: فيما كان برضاه وبسخطه وفيما يحصل وقد أمر به أو نهى عنه، ولا يقال: هو من الله إلا فيما كان برضاه وبأمره، وبهذا النظر قال عمر: إن أصبت .. فمن الله، وإن أخطأت .. فمن الشيطان انتهى. وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمَّد ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي: إلى الناس كافة حالة كونك ﴿رَسُولًا﴾؛ أي: مرسلًا إليهم بشريعتنا، بيان لجلالة منصبه ومكانته عند الله تعالى، بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه بناء على جهلهم بشأنه الجليل؛ أي: ليس لك إلا الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت، وليس لك دخل فيما يصيب الناس من الحسنات والسيئات؛ لأنك لم ترسل إلا للتبليغ والهداية، لا للتصرف في نظم الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها، فما زعمه أولئك الجاهلون من أن السيئة تصيبهم بشؤمك محض خرافة، لا مستند لها من عقل أو نقل، ومخالف لما بينه الله تعالى من وظيفة الرسل. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ أي: وكفى الله شهيدًا على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله تعالى، أو كفى الله شهيدًا على أنك أرسلت للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، لا مسيطرًا ولا جبارًا، ولا مغيرًا لنظم الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ فلا ينبغي لأحد من الناس، عربهم وعجمهم أن يخرج عن طاعتك واتباعك. الإعراب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف

стр. 2579

تنبيه زائد، ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿خُذُوا﴾: فعل وفاعل والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب، ﴿حِذْرَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿فَانْفِرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿انْفِرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿خُذُوا﴾. ﴿ثُبَاتٍ﴾: حال من واو ﴿انْفِرُوا﴾ ولكن في تأويل مشتق، تقديره: حالة كونكم متفرفين، ﴿أَوِ﴾: حرف عطف، ﴿انْفِرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿انْفِرُوا﴾ الأول، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من واو ﴿انْفِرُوا﴾، ولكن بعد تأويله بمشتق، تقديره: حالة كونكم مجتمعين، والمعنى: بادروا إلى الخروج للقتال كيفما أمكن. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾. ﴿وَإِنَّ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد، ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿لَمَنْ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، من: اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل النصب اسم إن مؤخر عن خبرها، تقديره: وإن من ليبطئن لكائن منكم، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿يُبَطِّئَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على ﴿من﴾، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، تقديره: وإن الذي أقسم والله ليبطئن لكائن منكم، وجملة القسم وجوابه صلة ﴿مَن﴾ إن قلنا ﴿مَن﴾ موصولة، أو صفة لها إن قلنا نكرة موصوفة، والعائد أو الرابط الضمير المستتر في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ وبذلك (١) علم أن جملة القسم مع جوابها خبرية مؤكدة بالقسم، فلا يمتنع وقوعها صلة للموصول، أو صفة للموصوف، والإنشائية إنما هي جملة القسم، أعني: أقسم بالله، كما ذكره الشيخ سعد الدين، واللام في ﴿لَمَنْ﴾ لام ابتداء، دخلت على اسم ﴿إن﴾؛ لوقوع الخبر فاصلًا.

стр. 2580

﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾. ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفصيل، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾، على كونه فعل شرط لها، ﴿قَال﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جواب شرط لها، وفاعله ضمير يعود على من يبطئن، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مع جوابها معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ مفصلة لها، ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ ...﴾ إلى أخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، ﴿عَلَيَّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْعَمَ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب مبني على السكون، والظرف متعلق بـ ﴿أَنْعَمَ﴾، ﴿لَمْ أَكُنْ﴾: جازم وفعل ناقص، واسمه ضمير يعود على المبطىء، ﴿مَعَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾: وهو خبر ﴿أَكُنْ﴾، وجملة الكون في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾. ﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ فعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿فَضْلٌ﴾، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: لام القسم مؤكدة للَّام الأولى، ﴿يقولنّ﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على المبطىء، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، تقديره: ولئن أصابكم فضل من الله .. يقول: يا ليتني كنت معهم، وإنما جعلنا المذكور جواب القسم، وجعلنا جواب الشرط محذوفًا جريًا على القاعدة إنه إذا اجتمع شرط وقسم متواليان، ولم يتقدم عليهما ذو خبر .. جعل المذكور جواب المتقدم منهما، وقدر جواب المتأخر منهما، كما قال ابن مالك:

стр. 2581

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ وَإِنْ تَوَالَيَا وَقَبْلُ ذُوْ خَبَرْ ... فَالشَّرْطَ رَجِّحْ مُطْلَقًا بِلاَ حَذَرْ ﴿كَأَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا تقديره: كأنه، ﴿لمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿تَكُنْ﴾: مجزوم بـ ﴿لَم﴾، وقرىء بالتاء نظرًا للفظ المودة، وبالياء؛ لأن المودة والود بمعنى واحد، ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر لـ ﴿تَكُنْ﴾ ومقدم على اسمها، ﴿وَبَيْنَه﴾: معطوف على ﴿بَيْنَكُمْ﴾، والضمير فيه عائد على المبطىء، وجملة تكن في محل الرفع خبر ﴿كَأَنْ﴾، وجملة ﴿كَأَنْ﴾ من اسمها وخبرها: جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين القول ومقوله، والتقدير: يقول يا ليتني، وقيل: ليس بمعترض بل هو محكي بالقول؛ أي: يقول كأن لم تكن، وحينئذ فالضمير في ﴿بَيْنَكُمْ﴾ عائد على المنافقين، وفي ﴿بَيْنَهُ﴾ عائد على محمَّد ﷺ ، وقيل جملة ﴿كَأَنْ﴾ حال من ضمير الفاعل في: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، ﴿مَوَدَّةٌ﴾: اسم ﴿تَكُنْ﴾ مؤخر. ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ ﴿يَا﴾: حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: يا قوم، وجملة النداء في محل النصب مقول القول، ﴿لَيْتَنِي﴾ ﴿ليت﴾: حرف تمني ونصب، و ﴿الياء﴾: اسمها، ﴿كُنتُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مَعَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف خبر كان، وجملة كان في محل الرفع خبر ليت، وجملة ليت في محل النصب مقول القول، ﴿فَأَفُوز﴾: الفاء عاطفة سببية، ﴿أفوز﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية الواقعة في جواب التمني، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على المبطىء، ﴿فَوْزًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة لـ ﴿فَوْزًا﴾، وجملة ﴿أفوزَ﴾: صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره: أتمنى كوني معهم ففوزي فوزًا عظيمًا، وقرىء ﴿فأفوزُ﴾ بالرفع على الاستئناف على تقدير: فأنا أفوز. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾. ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب شرط محذوف، تقديره: إن بطأ وتأخر

стр. 2582

هؤلاء عن القتال .. فليقاتل في سبيل الله، و ﴿اللام﴾: حرف طلب وجزم، ﴿يقاتل﴾: مجزوم باللام، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يقاتل﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر، في محل الرفع فاعل، والجملة في محل الجزم جواب للشرط المقدر، وجملة الشرط المقدر مستأنفة، ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يَشْرُونَ﴾. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو جملة الجواب أو هما، ﴿يُقَاتِلْ﴾: فعل شرط مجزوم بـ ﴿من﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُقَاتِلْ﴾، ﴿فَيُقْتَلْ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿يُقْتَلْ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة معطوف على ﴿يُقاتل﴾ مجزوم بـ ﴿من﴾، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتنويع، ﴿يَغْلِبْ﴾: فعل مضارع مبني للفاعل معطوف على ﴿يُقْتَلْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿فَسَوْفَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا؛ لاقتران الجواب بحرف التنفيس. ﴿سوف﴾: حرف تنفيس للاستقبال البعيد. ﴿نُؤْتِيهِ﴾: فعل مضارع ومفعول أول مرفوع لعدم صلاحية لفظه للجواب لاقترانه بحرف التنفيس، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ﴿أجرًا﴾: مفعول ثان، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل الجزم جواب ﴿من﴾ الشرطية، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والتقدير: أي شيء ثابت لكم، ﴿لَا﴾ نافية، ﴿تُقَاتِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ضمير المخاطبين، والعامل في هذه الحال الاستقرار المقدر، والتقدير: أيُّ شيء مستقر لكم حالة

стр. 2583

كونكم غير مقاتلين، وفي "الفتوحات" وجملة قوله: ﴿لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيها وجهان. أظهرهما: أنها في محل نصب على الحال؛ أي: ما لكم غير مقاتلين، أنكر عليهم أن يكونوا على غير هذه الحالة، وقد صرح بالحال بعد مثل هذا التركيب في قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ وقالوا في مثل هذه الحال: إنها حال لازمة؛ لأن الكلام لا يتم بدونها، وفيه نظر، والعامل في هذه الحال الاستقرار المقدر، كقولك مالك ضاحكًا. والوجه الثاني: أن الأصل: وما لكم في أن لا تقاتلوا، فحذفت ﴿في﴾ فبقي أن لا تقاتلوا، فجرى الخلاف المشهور، ثم حذفت أن الناصبة، فارتفع الفعل بعدها، كقوله: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. اهـ. "سمين". ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾: معطوف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولكنه على تقدير مضاف تقديره: وفي تخليص المستضعفين من أيدي الكفار، ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، ﴿وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾: معطوفان على ﴿الرِّجَالِ﴾. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿المستضعفين﴾، ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿يَقُولُونَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف وجملة النداء مقول القول، ﴿أَخْرِجْنَا﴾: فعل وفاعل والجملة جواب النداء على كونها مقول القول، ﴿مِنْ هَذِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَخْرِجْنَا﴾، ﴿الْقَرْيَةِ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان منه، ﴿الظَّالِمِ﴾: صفة للقرية، ﴿أَهْلُهَا﴾: مرفوع به على الفاعلية، وأل في ﴿الظَّالِمِ﴾: موصولة بمعنى: التي ظلم أهلها، فالظالم موافق للقرية إعرابًا ولما بعده معنى؛ لأنه نعت سببي. ﴿وَاجْعَلْ﴾: فعل دعاء وفاعله ضمير يعود على الله، وهو معطوف على

стр. 2584

﴿أَخْرِجْنَا﴾. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور في محل المفعول الأول لـ ﴿جعل﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿وَلِيًّا﴾، لأنه صفة نكرة قدمت عليها فيعرب حالًا، ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول ثان لجعل، ﴿وَاجْعَلْ﴾: معطوف على ﴿أَخْرِجْنَا﴾. ﴿لَنَا﴾: في محل النصب مفعول أول، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: حال من ﴿نَصِيرًا﴾ وهو مفعول ثان لجعل. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿آمَنُوا﴾: صلته، ﴿يُقَاتِلُونَ﴾: خبره والجملة الإسمية مستأنفة، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُقَاتِلُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿كَفَرُوا﴾: صلته، ﴿يُقَاتِلُونَ﴾: خبره، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُقَاتِلُونَ﴾. ﴿فَقَاتِلُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره إذا عرفتم أن الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ... إلخ، وأردتم بيان ما هو لازم لكم .. فأقول لكم: ﴿قاتلوا﴾: فعل وفاعل. ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذًا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾: ناصب ومنصوب ومضاف إليه، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على كيد الشيطان، ﴿ضَعِيفًا﴾: خبر ﴿كاَن﴾، وجملة ﴿كاَنَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التعجبي، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على كل مخاطب، والجملة مستأنفة، ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَرَ﴾، ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق، ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ...﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾: نائب فاعل محكي، وجملة ﴿قِيلَ﴾: صلة الموصول، والعائد

стр. 2585

ضمير لهم، وإن شئت قلت: ﴿كُفُّوا﴾: فعل وفاعل، ﴿يْدِيَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع معطوفة على ﴿كُفُّوا﴾، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿كُفُّوا﴾. ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿كُتِب﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به، ﴿الْقِتَالُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿إِذَا﴾: حرف مفاجأة رابطة لجواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب على الأصح، كما هو مذكور في كتب النحو، ﴿فَرِيقٌ﴾: مبتدأ، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة له، وهو المسوغ للابتداء، ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ مستأنفة ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لمصدر محذوف، تقديره: يخشون الناس خشية كائنة كخشية الله، وإضافة خشية إلى لفظ الجلالة من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ أي: كخشيتهم الله، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف بمعنى بل، ﴿أَشَدَّ﴾، معطوف على ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف للوصفية ووزن الفعل، ﴿خَشْيَةً﴾: تمييز له، أو ﴿أَشَدَّ﴾: معطوف على محل الجار والمجرور في ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾، و ﴿خَشْيَةً﴾: تمييز له، أو ﴿أَشَدَّ﴾: منصوب على الحال من ﴿خَشْيَةً﴾ المذكور بعده؛ لأنه نعت نكرة قدمت عليها، و ﴿خَشْيَةً﴾: معطوف على محل الجار والمجرور في: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾، والتقدير: يخشون الناس كخشية الله بل خشية أشد من خشية الله، ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَخْشَوْنَ﴾. ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿لِمَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَتَبْتَ﴾ وهو فعل وفاعل، ﴿عَلَيْنَا﴾: جار ومجرور

стр. 2586

متعلق بـ ﴿كَتَبْتَ﴾ أيضًا، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالوا﴾. ﴿الْقِتَالَ﴾: مفعول به لـ ﴿كَتَبْتَ﴾. ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلَّا. ﴿أَخَّرْتَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾: جار ومجرور وصفة متعلق بـ ﴿أَخَّرْتَنَا﴾، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾: إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿قَلِيلٌ﴾: خبره، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قَلِيلٌ﴾، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، ﴿لِمَنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، ﴿اتَّقَى﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول والعائد ضمير الفاعل، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تُظْلَمُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿فَتِيلًا﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: تجزون فيها؛ أي: في الآخرة ولا تظلمون فتيلًا، والجملة المحذوفة مع المعطوفة عليها في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. ﴿أَيْنَمَا﴾: ﴿أَيْنَ﴾: اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية المكانية. ﴿ما﴾: زائدة، والظرف متعلق بـ ﴿تَكُونُوا﴾، ﴿تَكُونُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿أَيْنَمَا﴾، على كونه فعل شرط لها، وكان هنا تامة، ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، مجزوم بـ ﴿أَيْنَمَا﴾ على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿أَيْنَمَا﴾: مستأنفة. ﴿وَلَوْ﴾: الواو عاطفة، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾: جار ومجرور وصفة متعلق بمحذوف خبر كان، وجملة كان فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجواب ﴿لَوْ﴾ معلوم مما قبله، تقديره: ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت، وجملة ﴿لَوْ﴾

стр. 2587

معطوفة على جملة محذوفة مثلها، تقديرها: لو لم تكونوا في بروج مشيدة لأدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ... إلخ. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿يَقُولُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مقول محكى وإن شئت قلت: ﴿هَذِهِ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ والجملة في محل النصب مقول ﴿يَقُولُوا﴾. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ﴿وَإنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿تصبهم سيئة﴾: فعل ومفعول وفاعل، مجزوم بـ ﴿إن﴾، ﴿يَقُولوُا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها. ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول القول، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة، ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾ استئنافية، ﴿ما﴾: اسم استفهام تعجبي في محل الرفع مبتدأ. ﴿اللام﴾: حرف جر، وفصلت عن المجرور بها تبعًا لخط المصحف العثماني، وفي غير المصحف متصلة بمجرورها وجوبًا صناعيًّا. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: في محل الجر بها، ﴿الْقَوْمِ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان منه، الجار والمجرور في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، أو معترضة بين البيان والمبين، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَكَادُونَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿يَفْقَهُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿حَدِيثًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿يَفْقَهُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿يَكَادُونَ﴾، وجملة

стр. 2588

﴿يَكَادُونَ﴾ في محل النصب حال من اسم الإشارة، والعامل فيها ما في الظرف من معنى الاستقرار، والمعنى: وحيث كان الأمر كذلك فأيُّ شيء حصل لهم حال كونهم بمعزل من أن يفقهوا حديثًا. ويصح (١) أن تكون جملة ﴿لَا يَكَادُونَ﴾: مستأنفة استئنافًا بيانيًّا واقعًا في جواب سؤال نشأ عن الاستفهام، كأنه قيل: ما بالهم وماذا يصنعون حتى يتعجب منه أو يسأل عن سببه فقيل لا يكادون يفقهون حديثًا من الأحاديث، فيقولون ما يقولون، إذ لو فهموا شيئًا من ذلك لفهموا هذا النص، وما في معناه، وما هو أوضح منه من النصوص الناطقة من أن الكل من عند الله تعالى، وأن النعمة منه تعالى بطريق التفضل والإحسان، والبلية منه بطريق العقوبة على ذنوب العباد. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾. ﴿مَا﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو جملة الجواب أو هما. ﴿أَصَابَ﴾: فعل ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، ﴿من حَسَنَةٍ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿أَصَابَكَ﴾. ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ الله: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿ما﴾ الشرطية، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهو كائن من الله، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطية مستأنفة، وقال أبو البقاء (٢): ولا يصح أن تكون ﴿مَا﴾ هنا موصولة؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون المصيب لهم ماضيًا مخصصًا، والمعنى على العموم، والشرط أشبه وأوفق، والتقدير: فهو من الله، والمراد بالأية الخصب والجدب، ولذلك لم يقل أصابت انتهى. ﴿وَمَاَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: اسم شرط، أو اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب الجار والمجرور الآتي. ﴿أَصَابَك﴾: فعل ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾، وفاعله

стр. 2589

ضمير يعود على ﴿مَا﴾، أو يقال: الجملة صلة الموصول إن قلنا ﴿مَا﴾ موصولة. ﴿مِنْ سَيِّئَةٍ﴾: حال من فاعل ﴿أَصَابَكَ﴾، ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر المبتدأ إن قلنا ﴿ما﴾: موصولة، أو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فهي كائنة من نفسك، والجملة في محل الجزم جواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، إن قلنا إنها شرطية، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾. ﴿أَرْسَلْنَاك﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿أَرْسَلْنَاك﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿رَسُولًا﴾: حال مؤكدة من كاف ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ أي: ذا رسالة، ويجوز أن يكون مصدرًا؛ أي إرسالًا. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾: فعل وفاعل. ﴿شَهِيدًا﴾: حال من الجلالة والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ الحذر بكسر أوله وسكون ثانيه، والحذر بفتحتين كالمثل والمثل، كلاهما مصدر معناهما واحد: الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو، والتحفظ والتيقظ، وفي الكلام مبالغة، كأنه جعل الحذر آلة يقي بها نفسه، وقيل هو ما يحذر به من السلاح والخدم. ﴿فَانْفِرُوا﴾ النفر: الانزعاج والفزع من الشيء، وفي "المصباح،: نفر نفرًا من باب ضرب في اللغة العالية، وبها قرأ السبعة، ونفر نفورًا من باب قعد لغة، وقرىء بمصدرها في قوله تعالى: ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ والنفير مثل النفور والاسم النفر بفتحتين انتهى. ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة: وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة إلى المئة، والسرية الجماعة أقلها مئة وغايتها أربع مئة، والمنسر من أربع مئة إلى ثمان مئة، والجيش من ثمان مئة إلى أربعة آلاف، والجحفل ما زاد على ذلك، وفي "السمين": ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة، ووزنها في الأصل فعلة كحطمة، فحذفوا لامها، وعوضوا عنها تاء التأنيث، وهل عينها واو ثبوة أو ياء ثبية؟ هناك قولان:

стр. 2590

حجة القول الأول: أنها مشتقة من ثَبَا يَثْبُو، كحلا يحلو؛ أي: اجتمع. وحجة الثاني: أنها مشتقة من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه، كأنك جمعت محاسنه، ويجمع بالألف والتاء، وبالواو والنون، ويجوز في فائها حين جمع على ثبين الضم والكسر، وتصغيره ثبيوة على اللغة الأولى، كما تقول في سه سييهة، وعلى اللغة الثانية. ثبية. ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ يقال: أبطأ وبطأ بمعنى؛ أي: تأخر وتثاقل، والثلاثي منه من باب قرب، والبطء التأخر عن الانبعاث في السير، وقد يستعمل أبطأ وبطأ بالتشديد متعديين، وعليه فالمفعول هنا محذوف؛ أي: ليبطئن غيره؛ أي: يثبطه ويجبنه عن القتال، ويقال أبطأ وبطؤ مثل أسرع وسرع مقابله، وبطآن اسم فعل بمعنى بطؤ. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سبيل الله هي تأييد الحق، والانتصار له بإعلاء كلمة الدين، ونشر دعوته، ودفاع الأعداء إذا هددوا أمتنا، أو أغاروا على أرضنا، أو نهبوا أموالنا، أو صدونا عن استعمال حقوقنا مع الناس. ﴿يَشْرُونَ﴾: يبيعون، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾، ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾: جمع وليد، وهو الصبي الصغير، وفي "السمين" الولدان: جمع وليد، وقيل جمع ولد، والمراد بهم الصبيان، وقيل الأرقاء، يقال للعبد وليد، وللأمة وليدة، فغُلِّب المذكر على المؤنث لاندراجه فيه. ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾: البروج المشيدة - واحدها برج - القصور العالية المطلية بالشيد، وهو الجص، أو الحصون والقلاع المتينة التي تعتصم فيها حامية الجند، وفي "أبي السعود": ﴿ولَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾؛ أي: في حصون رفيعة أو قصور محصنة، وقال السدي وقتادة: بروج السماء، ويقال شاد البناء وأشاده وشيده؛ أي: رفعه، وشيد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجبس، وفي "المصباح": الشيد الجص، وشدت البيت أشيده - من باب باع - بنيته بالشيد، فهو مشيد، وشيدته تشييدًا إذا طولته ورفعته. ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أي: شيء يحسن عند صاحبه كالرضا، والخصب والظفر بالغنيمة. ﴿سَيِّئَةٌ﴾ هي ما تسوء صاحبها كالشدة والبأساء والضراء والهزيمة والجرح والقتل. ﴿يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ يفهمون كلامًا يوعظون به.

стр. 2591

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والبيان والبديع. فمنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾، وفي قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. ومنها: إسناد الفعل إلى ما لا يصح وقوعه منه حقيقة في: ﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾، و ﴿أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾. ومنها: جعل الشيء من الشيء وليس منه لمناسبة في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾. ومنها: الاعتراض على قول الجمهور في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾، وفي قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لما يناله من النعيم في الآخرة وفي ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ استعار الطريق للاتباع وللمخالفة، وفي: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أطلق كف اليد الذي هو مختص بالإجرام على الإمساك عن القتال. ومنها: الاستفهام الذي معناه الاستبطاء والاستبعاد في قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾. ومنها: الاستفهام الذي معناه التعجب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا﴾. ومنها: التجوز بقي التي للوعاء عن دخولهم في الجهاد. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ في قراءة النون.

стр. 2592

ومنها: التكرار في قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾، و ﴿يُقَاتِلُونَ﴾، و ﴿الشَّيْطَانُ﴾، و ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾، و ﴿مَا أَصَابَكَ﴾، وفي اسم ﴿الله﴾. ومنها: الطباق اللفظي في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ومنها: المعنوي في قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طاعته، وفي قوله: ﴿فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ معصيته. ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، وفي ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾. ومنها: التجوز بإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله: ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾، وفي ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾. ومنها: إيقاع أفعل التفضيل حيث لا مشاركة في قوله: ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾. ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾. ومنها: الحذف في مواضع. والله أعلم * * *

стр. 2593

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أمر (١) فيما تقدم بطاعة الله تعالى وطاعة الرسول، وبين جزاء المطيع، وأحوال الناس في هذه الطاعة بحسب قوة الإيمان وضعفه، ثم أمر بالقتال، وبين مراتب الناس في الامتثال له .. أعاد هنا الأمر بالطاعة، وبين أنها أولًا وبالذات لله تعالى ولغيره بالتبع، وبين ضروب مراوغة الضعفاء والمنافقين. قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أن الله لما ذكر في الآية قبلها تثبيطهم عن القتال، واستطرد من ذلك إلى أن الموت يدرك كل أحد، ولو اعتصم بأعظم معتصم، فلا فائدة في الهرب من القتال، وأتبع ذلك بما أتبع من سوء خطاب

стр. 2594

المنافقين للرسول ﵇، وفعلهم معه من إظهار الطاعة بالقول، وخلافها بالفعل، وبكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول ﵇ من القرآن الذي فيه كتب عليهم القتال .. عاد إلى أمر القتال، وهكذا عادة كلام العرب تكون في شيء ثم تستطرد من ذلك إلى شيء آخر له به مناسبة وتعلق، ثم تعود إلى ذلك الأول. قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما أمر (١) نبيه ﵇ أن يحرض المؤمنين على الجهاد، وذكر أنه ليس عليه وزر من تمرد وعصى .. بين في هذه الآية أنهم حين أطاعوك، ولبوا دعوتك، أصابهم من هذه الطاعة خير كثير، وأن لك من هذا الخير نصيبًا تستحق عليه الأجر؛ لأنك قد بذلت الجهد في ترغيبهم فيه، بجعل نفسك شفيعًا ونصيرًا لهم في الوصول إلى تحصيل هذه الأغراض الشريفة. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها ظاهرة: وهي أنه تعالى لما ذكر أن الله كان على كل شيء حسيبًا .. أردفه بالإعلام بوحدانية الله تعالى، والحشر والبعث من القبور للحساب، ذكره أبو حيان في "البحر". أسباب النزول قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): أن النبي ﷺ قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أحبني فقد أحب الله"، فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم ربًّا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما رواه مسلم (٣) عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله

стр. 2595

عنهما قال: لما اعتزل رسول الله ﷺ نساءه .. قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، قال عمر: لأعلمن ذلك اليوم، فذكر الحديث، وفيه - بعد استئذانه على رسول الله ﷺ فقلت: أطلقتهن يا رسول الله؟ قال: "لا"، قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد، والناس ينكتون بالحصى يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فأنزل وأخبرهم أنك لم تطلقهن، قال: "نعم إن شئت"، فذكر الحديث، وفيه: فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وكنت أنا استنبطت ذلك، وأنزل الله تعالى آية التخيير. قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ...﴾ الآية، نزلت هذه الآية (١) في مواعدة رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وذلك أن رسول الله ﷺ واعده موسم بدر الصغرى بعد حرب أحد، وذلك في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد .. دعا رسول الله ﷺ الناس إلى الخروج، فكرهه بعضهم فأنزل تعالى هذه الآية: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني لا تدع جهاد العدو، والانتصار للمستضعفين من المؤمنين، لا تكلف إلا نفسك. التفسير وأوجه القراءة ٨٠ - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ ، ويوافقه فيما أمر به، ونهى عنه ﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ، وذلك لأنه هو الآمر والناهي في الحقيقة، والرسول ﷺ إنما هو مبلغ للأمر والنهي، فليست الطاعة له بالذات، وإنما هي لمن بلغ عنه، إذ قد جرت سنته أن لا يأمر الناس، ولا ينهاهم إلا بواسطة رسل منهم، يفهمون عنهم ما يوحيه تعالى إليهم ليبلغوه عنه. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: وهذه الآية تدل على أن كل تكليف كلف
следующие страницы →