البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والبيان والبديع.
فمنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾، وفي قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
ومنها: إسناد الفعل إلى ما لا يصح وقوعه منه حقيقة في: ﴿أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾، و ﴿أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾.
ومنها: جعل الشيء من الشيء وليس منه لمناسبة في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾.
ومنها: الاعتراض على قول الجمهور في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾، وفي قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لما يناله من النعيم في الآخرة وفي ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ استعار الطريق للاتباع وللمخالفة، وفي: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أطلق كف اليد الذي هو مختص بالإجرام على الإمساك عن القتال.
ومنها: الاستفهام الذي معناه الاستبطاء والاستبعاد في قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾.
ومنها: الاستفهام الذي معناه التعجب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا﴾.
ومنها: التجوز بقي التي للوعاء عن دخولهم في الجهاد.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ في قراءة النون.
стр. 2592
ومنها: التكرار في قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾، و ﴿يُقَاتِلُونَ﴾، و ﴿الشَّيْطَانُ﴾، و ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾، و ﴿مَا أَصَابَكَ﴾، وفي اسم ﴿الله﴾.
ومنها: الطباق اللفظي في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
ومنها: المعنوي في قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طاعته، وفي قوله: ﴿فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ معصيته.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، وفي ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾.
ومنها: التجوز بإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله: ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾، وفي ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
ومنها: إيقاع أفعل التفضيل حيث لا مشاركة في قوله: ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾.
ومنها: الحذف في مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 2593
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أمر (١) فيما تقدم بطاعة الله تعالى وطاعة الرسول، وبين جزاء المطيع، وأحوال الناس في هذه الطاعة بحسب قوة الإيمان وضعفه، ثم أمر بالقتال، وبين مراتب الناس في الامتثال له .. أعاد هنا الأمر بالطاعة، وبين أنها أولًا وبالذات لله تعالى ولغيره بالتبع، وبين ضروب مراوغة الضعفاء والمنافقين.
قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أن الله لما ذكر في الآية قبلها تثبيطهم عن القتال، واستطرد من ذلك إلى أن الموت يدرك كل أحد، ولو اعتصم بأعظم معتصم، فلا فائدة في الهرب من القتال، وأتبع ذلك بما أتبع من سوء خطاب
стр. 2594
المنافقين للرسول ﵇، وفعلهم معه من إظهار الطاعة بالقول، وخلافها بالفعل، وبكتهم في عدم تأملهم ما جاء به الرسول ﵇ من القرآن الذي فيه كتب عليهم القتال .. عاد إلى أمر القتال، وهكذا عادة كلام العرب تكون في شيء ثم تستطرد من ذلك إلى شيء آخر له به مناسبة وتعلق، ثم تعود إلى ذلك الأول.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما أمر (١) نبيه ﵇ أن يحرض المؤمنين على الجهاد، وذكر أنه ليس عليه وزر من تمرد وعصى .. بين في هذه الآية أنهم حين أطاعوك، ولبوا دعوتك، أصابهم من هذه الطاعة خير كثير، وأن لك من هذا الخير نصيبًا تستحق عليه الأجر؛ لأنك قد بذلت الجهد في ترغيبهم فيه، بجعل نفسك شفيعًا ونصيرًا لهم في الوصول إلى تحصيل هذه الأغراض الشريفة.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها ظاهرة: وهي أنه تعالى لما ذكر أن الله كان على كل شيء حسيبًا .. أردفه بالإعلام بوحدانية الله تعالى، والحشر والبعث من القبور للحساب، ذكره أبو حيان في "البحر".
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): أن النبي ﷺ قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أحبني فقد أحب الله"، فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم ربًّا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما رواه مسلم (٣) عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله
стр. 2595
عنهما قال: لما اعتزل رسول الله ﷺ نساءه .. قال: دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله ﷺ نساءه، وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، قال عمر: لأعلمن ذلك اليوم، فذكر الحديث، وفيه - بعد استئذانه على رسول الله ﷺ فقلت: أطلقتهن يا رسول الله؟ قال: "لا"، قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد، والناس ينكتون بالحصى يقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه، فأنزل وأخبرهم أنك لم تطلقهن، قال: "نعم إن شئت"، فذكر الحديث، وفيه: فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وكنت أنا استنبطت ذلك، وأنزل الله تعالى آية التخيير.
قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ...﴾ الآية، نزلت هذه الآية (١) في مواعدة رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب، وذلك أن رسول الله ﷺ واعده موسم بدر الصغرى بعد حرب أحد، وذلك في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد .. دعا رسول الله ﷺ الناس إلى الخروج، فكرهه بعضهم فأنزل تعالى هذه الآية: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني لا تدع جهاد العدو، والانتصار للمستضعفين من المؤمنين، لا تكلف إلا نفسك.
التفسير وأوجه القراءة
٨٠ - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ ، ويوافقه فيما أمر به، ونهى عنه ﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ، وذلك لأنه هو الآمر والناهي في الحقيقة، والرسول ﷺ إنما هو مبلغ للأمر والنهي، فليست الطاعة له بالذات، وإنما هي لمن بلغ عنه، إذ قد جرت سنته أن لا يأمر الناس، ولا ينهاهم إلا بواسطة رسل منهم، يفهمون عنهم ما يوحيه تعالى إليهم ليبلغوه عنه.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: وهذه الآية تدل على أن كل تكليف كلف
стр. 2596
الله تعالى به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن، ولم يكن ذلك التكليف مبينًا في القرآن، لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول ﵇، وإذا كان الأمر كذلك لزم القوم بأن طاعة الرسول ﵇ عين طاعة الله تعالى، وروى مقاتل أن النبي ﷺ كان يقول: "من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله تعالى"، فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك، قد نهى أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربًّا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
فالمؤمن (١) حقًّا لا يكون خاضعًا إلا لخالقه وحده دون أحد من خلقه، والخروج عن ذلك شرك وهو نوعان:
الأول: أن ترى لبعض المخلوقات سلطة غيبية وراء الأسباب العادية، ومن ثم ترجو نفعها، وتخاف ضرها، وتدعوها وتذل لها، وذلك هو الشرك في الألوهية.
الثاني: أن ترى لبعض المخلوقين حق التشريع والتحليل والتحريم، كما فسر النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ .. بطاعتهم فيما يحللون ويحرمون، وذلك هو الشرك في الربوبية.
ذاك أن المؤمن يجب أن يكون أعز الناس نفسًا، وأعظمهم كرامة، فلا يرضى أن يستعبده سلطان ظالم، ولا حاكم مستعبد، إذ يعلم علم اليقين أن الكل عبيد مسخرون لله تعالى، يخضعون لأمره، وأن ذلك منتهى سعادتهم في الدارين. هذا كله فيما يبلغه عن ربه، أما ما يقوله الرسول ﵇ من تلقاء نفسه، وما يأمر به مما يستحسنه باجتهاده ورأيه من أمور المعيشة كتأبير النخل - تلقيحه بطلع الذكر - ونحوه، مما يسميه العلماء أمر إرشاد .. فطاعته فيه ليست من الفرائض التي فرضها الله تعالى؛ لأنه ليس دينًا ولا شرعًا عنه تعالى، فقد أمر النبي ﷺ
стр. 2597
بكيل الطعام، كالقمح وغيره من الحبوب، عند طحنه وعند عجنه، وهو من التدبير والاقتصاد في البيوت، وأكثر المسلمين أهملوه إلا من تعود منهم التدبير وحسن التقدير في المنازل، وكذلك أمر بأكل الزيت والادِّهان به.
وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا شكوا في الأمر أمن عند الله هو، أم من رأي الرسول واجتهاده، وكان لهم في ذلك رأي آخر .. سألوه فإن أجابهم بأنه من الله تعالى أطاعوه بلا تردد، وإن قال إنه من رأيه ذكروا رأيهم، وربما رجع النبي ﷺ عن رأيه إلى رأيهم، كما فعل في بدر وأحد، وجواب الشرط في قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ وأعرض عن طاعتك يا محمد التي هي طاعة الله تعالى محذوف، تقديره: فأعرض عنه، ولا تهتم به، ولا تحزن عليه، وليس لك أن تكرهه عليها. وقوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تعليل لذلك المحذوف؛ أي: لأنَّا ما أرسلناك حفيظًا، تحفظ الناس عن المعاصي، ومسيطرًا ورقيبًا عليهم، ترقب أفعالهم وأقوالهم، فالإيمان والطاعة إنما يكونان بالاختيار بعد الإقناع والاختبار، وإنما أرسلناك مبشرًا ونذيرًا، فعليك البلاغ وعلينا الحساب، قال المفسرون: وكان هذا قبل أن يؤمر بالجهاد ثم نسخ ذلك بآية السيف.
٨١ - وفي هذه الجملة تسلية له ﷺ ؛ لأنه كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم عن الإيمان. ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: ويقول المنافقون - الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية - إذا أمرهم النبي ﷺ بأمر .. أمرك يا محمد، ﴿طَاعَةٌ﴾؛ أي: مطاع مقبول عندنا، أو أمرنا طاعه، وشأننا طاعة لك؛ أي: إطاعة لك إظهارًا لكمال الانقياد والخضوع، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾؛ أي: فإذا خرجوا من المكان الذين يكونون معك فيه إلى البراز والفضاء وهم منصرفون إلى بيوتهم .. ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾؛ أي: دبر جماعة منهم ليلًا قولًا غير الذي قالوا لك وأظهروه عندك نهارًا من الطاعة والسمع، وتكلموا فيما بينهم بعصيانك وتوافقوا عليه، وقيل: الضمير في تقول يعود على محمَّد ﷺ ؛ أي: غير الذي تقوله يا محمد، وقرأ يحيى بن يعمر ﴿يقول﴾ بالياء ويحتمل أن يعود الضمير على الرسول ﵇، فيكون التفاتًا من الخطاب في: ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ إلى الغيبة، ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَكْتُبُ﴾
стр. 2598
ويبين لك يا محمَّد في كتابه ﴿مَا يُبَيِّتُونَ﴾ ويدبرون لك ليلًا، ويفضحهم بمثل هذه الآيات فيطلعك على أسرارهم، أو يثبت ذلك في صحائف أعمالهم، ليجازوا عليه، وفي هذا من التهديد الشديد ما لا يحفى.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يا محمد، ولا تهتم بما يبيتون، ولا تؤاخذهم بما أسروا ولم يعلنوا، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: واعتمد على الله تعالى، وفوض الأمر إليه، وثق به في جميع أمورك، فإن الله تعالى يكفيك شرهم، وينتقم لك منهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ من جهة كونه ﴿وَكِيلًا﴾؛ أي: مفوضًا إليه، لمن توكل عليه فهو قادر على إيقاع الجزاء بهم، وعالم بمقدار ما يستحقون منه، لا يعجزه منه شيء،
٨٢ - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: أيعرضون عن القرآن، فلا يتأملون فيه، ليعلموا كونه من عند الله تعالى، بمشاهدة ما فيه من الشواهد التي من جملتها هذا الوحي الناطق بنفاقهم، وأصل (١) التدبر التأمل في أدبار الأمور وعواقبها، ثم استعمل في كل تأمل، سواء كان نظرًا في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقه وأعقابه، وتدبر الكلام هو النظر والتفكر في غاياته ومقاصده التي يرمي إليها، وعاقبة من يعمل به ومن يخالفه، والهمزة هنا للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف كما قدرنا، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: أجهل هؤلاء المنافقون حقيقة الرسالة، وكنه هذه الهداية، فلا يتدبرون القرآن الذي يدل على حقيقتها، ولو تدبروه لعرفوا أنه الحق من ربهم، وأن ما وعد به المتقين الصادقين وما أنذر به الكافرين والمنافقين واقع لا محالة، فهو إذ صدق في الأخبار عما يبيتون في أنفسهم من القول، يصدق كذلك فيما أخبر عن سوء مصيرهم، والوبال والنكال في عاقبتهم. وقرأ الجمهور ﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾ بياء وتاء بعدها على الأصل، وقرأ ابن محيص بإدغام التاء على الدال. ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ تعالى بل كان من عندك كما يزعمون .. ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ﴾؛ أي: في هذا القرآن ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، وتناقضًا جمًّا، من حيث (٢) التوحيد والتشريك،
стр. 2599
والتحليل والتحريم، أو تفاوتًا من حيث البلاغة، فكان بعضه بالغًا حد الإعجاز، وبعضه قاصرًا عنه، يمكن معارضته، أو من حيث المعاني، فكان بعضه إخبارًا بغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارًا مخالفًا للمخبر عنه، وبعضه دالًا على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالًا على معنى فاسد غير ملتئم، وأما تعلق الملاحدة بآيات يدعون فيها اختلافًا كثيرًا من نحو قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾، ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾، ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ فقد تقصى أهل الحق، وستجدها مشروحة في كتابنا هذا في مظانها إن شاء الله تعالى.
والمعنى (١): أنهم لو تدبروه حق تدبره .. لوجدوه مؤتلفًا غير مختلف، صحيح المعاني قوي المباني، بالغًا في البلاغة إلى أعلى درجاتها.
والخلاصة (٢): أن تدبر القرآن، وتأمل ما امتاز به، هو طريق الهداية القويم، وصراط الحق المستقيم، فإنه يرشد إلى كونه من عند الله، وإلى وجوب الاهتداء به، وإلى أنه معقول في نفسه موافق للفطرة، ملائم للمصلحة وفيه سعادة الخلق في الدنيا والآخرة.
ولو تدبر المسلمون القرآن واهتدوا به في كل زمان .. لما فسدت أخلاقهم وآدابهم، ولما ظلم واستبد حكامهم، ولما زال ملكهم وسلطانهم، ولما صاروا عالة في معايشهم على سواهم، فإن قلت: إن قوله: ﴿اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ يدل بمفهومه على أن في القرآن اختلافًا قليلًا، وإلا لما كان للتقييد بوصف الكثرة فائدة مع أن لا اختلاف فيه أصلًا .. قلت: بأن التقييد بالكثرة للمبالغة في إثبات الملازمة؛ أي: لو كان من عند غير الله تعالى لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا فضلًا عن القليل، لكنه من عند الله تعالى فليس فيه اختلاف لا كثير ولا قليل.
واعلم: أنه يدل على كون القرآن من عند الله لا من عند غيره أمور كثيرة:
стр. 2600
الأول: أن أي مخلوق لا يستطيع تصوير الحقائق كما صورها القرآن بلا اختلاف ولا تفاوت في شيء منها.
الثاني: أنه حكى عن الماضي الذي لم يشاهده محمد ﷺ ولم يقف على تاريخه، وعن الآتي، فوقع كما أنبأ به، وعن الحاضر فأخبر عن خبايا الأنفس ومكنونات الضمائر، كما أخبر عما بيتته هذه الطائفة مخالفًا لما تقول للرسول ﷺ ، أو ما يقوله لها، فتقبله في حضرته، وترفضه في غيبته.
الثالث: أن أحدًا لا يستطيع أن يأتي بمثله في سنن الاجتماع ونواميس العمران وطبائع الملل والأقوام، مع إيراد الشواهد وضرب الأمثال وتكرار القصة الواحدة بالعبارات البليغة، تنويعًا للعبرة وتلوينًا للموعظة، واتفاق كل ذلك وتوافقه على الصدق، وبراءته من الاختلاف والتناقض.
الرابع: أن أحدًا لا يستطيع أن يأتي بمثله في بيان أصول العقائد وقواعد الشرائع وسياسة الشعوب والقبائل، مع عدم الاختلاف والتفاوت في شيء من ذلك.
الخامس: أن أحدًا لا يستطيع أن يأتي بمثله فيما جاء به من فنون القول، وألوان العبر في أنواع المخلوقات في الأرض أو في السموات، فقد تكلم على الخلق والتكوين، ووصف جميع الكائنات، كالكواكب ونظامها والرياح والبحار والحيوان والنبات، وما فيها من الحكم والآيات، وكان في كل ذلك يؤيد بعضه بعضًا، لا تفاوت فيه ولا اختلاف بين معانيه.
السادس: أنه أخبر عن عالم الغيب والدار الآخرة، وما فيها من الحساب على الأعمال والجزاء العادل، وكان في كل ذلك جاريًا على سنة الله تعالى في تأثير الأعمال الاختيارية في الأرواح، مع الالتئمام بين الآيات الكثيرة، وهو غاية الغايات في ذلك عند من أوتي الحكمة وفصل الخطاب.
هذا بالإضافة إلى أنه نزل منجمًا بحسب الوقائع والأحوال، وكان النبي ﷺ عند نزول الآية أو الآيات يأمر بأن توضع في محلها من سورة كذا، وهو يحفظه حفظًا، وقد جرت العادة بأن من يأتي بكلام من عنده في مناسبات مختلفة لا
стр. 2601
يتذكر جميع ما سبق له في السنين الطوال ولا يستحضره حتى يجعل الآخر موافقًا للأول، مع أن بعض الآيات كان ينزل في أيام المحن والكروب، وبعضها عند تنازع الأقوام حين الخصام، إلى أن كرَّ الغداة ومرّ العشي لا يزيده إلا جدة، ولا يزيد أحكامه إلا ثباتًا ورسوخًا، وكلما اتسعت دائرة العلوم والمعارف، ونمت أحوال العمران .. زاد إيمان الناس به، إذ تتوثق روابط الصلة بين الدين والعلم، وتتظاهر أحكامه مع نواميس الاجتماع وشؤون الكون.
٨٣ - ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: وإذا جاء ضعفة المؤمنين الذين لا خبرة لهم بالشؤون العامة، وقيل: الضمير يعود إلى المنافقين ﴿أَمْرٌ﴾ من أمور المسلمين، وشأن من شؤونهم، سواء كان ذلك الأمر ﴿مِنَ الْأَمْنِ﴾ والبشارة والخير، كفتح وغنيمة ﴿أو﴾ كان ﴿مِّنَ الْخَوْفِ﴾ والحزن والشر، كقتل وهزيمة .. ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾؛ أي: أفشى هؤلاء الضعفة أو المنافقون ذلك الأمر والخبر، وأشاعوه بين الناس، وذلك أن النبي ﷺ كان يبعث البعوث والسرايا، فإذا غَلبوا أو غُلبوا .. بادر هؤلاء الضعفة أو المنافقون يستخبرون عن حالهم، ثم يشيعونه، ويتحدثون به قبل أن يحدث به رسول الله ﷺ ، فيضعفون به قلوب المؤمنين، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ويستفاد من الآية: أنه لا ينبغي للعامة الذين لا خبرة لهم بالشؤون العامة أن تشيع أخبار الحرب وأسرارها، ولا أن تخوض في السياسة العامة للدولة؛ لأن ذلك مضرة لها، ومفسدة لشؤونها ومرافقها العامة، وعلاقاتها مع غيرها من الأمم، بالإضافة إلى أن في ذلك مشغلة لهم عن شؤونهم الخاصة، وضياع زمن كانوا فيه أحوج إلى العمل بما يفيدهم ويفيد الأمة، وهذا بيان لجناية ضعفاء الإيمان إثر بيان جناية المنافقين.
ثم بين ما ينبغي أن يفعل في مثل هذه الحال، فقال: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾؛ أي: ولو رد هؤلاء المذيعون من ضعفة الإيمان أو المنافقين هذا الخبر الذي تحدثوا به من الأمن أو الخوف، وفوضوا الكلام في الأمور العامة ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾ محمد ﷺ ، وهو الإِمام الأعظم، والقالد العام في الحرب ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ﴾؛ أي: وإلى
стр. 2602
أصحاب الرأي والعقل من أهل الحل والعقد ورجال الشورى ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من المؤمنين من كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ ولم يتحدثوا به، حتى يكون هؤلاء هم الذين يظهرونه .. ﴿لَعَلِمَهُ﴾؛ أي: لعلم حقيقة ذلك الخبر هؤلاء ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونه﴾ ويذيعونه بين الناس من أولئك الضعفة أو المنافقين الذين يبغون ويطلبون علم ذلك الخبر ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من الرسول ﷺ ومن أولي الأمر؛ أي: ولو أن هؤلاء الضعفاء أو المنافقين المذيعين، ردوا أمر الأمن أو الخوف وخبره إلى الرسول ﷺ وإلى أولي الأمر منهم، بأن سكتوا عن إذاعته، وطلبوا معرفة الحال فيه من جهة الرسول ﷺ وأولي الأمر .. لعلمه هؤلاء الضعفة أو المنافقون المذيعون من جهة الرسول ومن جهة أولي الأمر؛ أي: لوجدوا علم حقيقة ذلك الخبر عندهم؛ لأنهم هم الذين يعرفون مثل ذلك الخبر، ويستخرجون خفاياه بدقة نظرهم، إذ لكل طائفة منهم استعداد للإحاطة ببعض المسائل المتعلقة بسياسة الأمة دون بعض، ولا ينبغي أن تذيعه العامة لما في ذلك من الضرر بها من سائر الوجوه والاعتبارات، وقرأ أبو السمال ﴿لعلمه﴾ بسكون اللام، فيخرج على لغة تميم؛ لأن تسكين عين علم قياس مطرد عندهم. ثم امتن الله على صادقي الإيمان من عباده فقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ ، وإحسانه ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون بالإِسلام والتوفيق والهداية، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم ببعثة محمَّد ﷺ ، وإنزال القرآن .. ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾ وكفرتم بالله تعالى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منكم، فإن (١) ذلك القليل بتقدير عدم بعثة محمد ﷺ ، وعدم إنزال القرآن، ما كان يتبع الشيطان، وما كان يكفر بالله، وهم مثل قس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهم.
وخلاصة المعنى: أي (٢) ولولا فضل الله تعالى عليكم ورحمته بكم، إذ هداكم لطاعته وطاعة رسوله ﷺ ظاهرًا وباطنًا، ورد الأمور العامة إلى الرسول ﷺ ، وإلى أولي الأمر منكم .. لاتبعتم وسوسة الشيطان فيما يأمركم به
стр. 2603
من الفواحش، كما اتبعته تلك الطائفة، التي تقول للرسول ﷺ : طاعة لك، وتبيت غير ذلك، والتي تذيع أمر الأمن والخوف، وتفسد على الأمة سياستها، ولأخذتم بآراء المنافقين فيما تأتون وما تذرون، ولم تهتدوا إلى الصواب إلا قليلًا منكم ممن استنارت عقولهم بنور الإيمان، وعرفوا الأحكام بالاقتباس من مشكاة النبوة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فهي كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾.
٨٤ - والفاء في قوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا أردت يا محمد الفوز والظفر على الأعداء .. فقاتل في سبيل الله؛ أي: جاهد في طاعة الله تعالى لإعلاء كلمته امتثالًا لأمره، وأنت ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾؛ أي: لا تكلف إلا أفعال نفسك، ولا تطالب إلا بها دون أفعال الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾، والذين يقولون لك طاعة ويبيتون غير ذلك، فمن أطاع الله تعالى لا يضيره عصيان من عصاه، والمعنى: قاتل في سبيل الله ولا تنظر لكسلهم، حال كونك غير مكلف إلا نفسك، فلا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم عن القتال، وقد كان رسول الله ﷺ في شدة الحرب لا يتغير وجهه أبدًا، بل كان يبتسم إذ ذاك، ولا يكترث بملاقاة الأعداء، وكان من خصائصه إذا بدأ بالحرب لا يرجع حتى يحكم الله تعالى بينه وبين عدوه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿لَا تُكَلَّفُ﴾ على صيغة الخبر مبنيًّا للمفعول، والجملة في موضع الحال أو مستأنفة، وقرىء: ﴿لا نكلف﴾ بالنون وكسر اللام، ويحتمل وجهي الإعراب الحال والاستئناف، وقرأ عبد الله بن عمر ﴿لا تكلف﴾ بالتاء وفتح اللام والجزم على جواب الأمر.
﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: وحث يا محمد المؤمنين على الخروج معك للقتال، بذلًا للنصيحة لهم، ورغبهم في الثواب عليه، بذكر الآيات الواردة في فضل الجهاد، فإن تخلفوا بعد ذلك .. فلا يضرونك، وإنما وبالهم على أنفسهم؛
стр. 2604
فإنهم آثمون بالتخلف؛ لأن القتال كان مفروضًا عليهم إذ ذاك، فإن فرضه في السنة الثانية، وهذه القضية في السنة الرابعة، كما روي أن رسول الله ﷺ واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة، فلما بلغ الميعاد .. دعا الناس إلى الخروج، فكرهه بعضهم، فنزلت هذه الآية.
وفي الآية إيماء إلى أنه ﷺ كلف قتال الكافرين الذين قاوموا دعوته بقوتهم وبأسهم، وإن كان وحده، كما أنه تدل على أنه ﷺ أعطي من الشجاعة ما لم يعطَ أحد من العالمين، وفي سيرته الشريفة أصدق الأدلة على ذلك، فقد تصدى لمقاومة الناس جميعًا، بدعوتهم إلى ترك ما هم عليه من الضلال، وحين قاتلوه قاتلهم، وقد انهزم عنه أصحابه في أحد، فبقي ثابتًا كالجبل لا يتزلزل. ﴿عَسَى اللَّهُ﴾؛ أي: حقق الله ﴿أَنْ يَكُفَّ﴾ ويمنع ويصرف عنك ﴿بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: شدتهم وصولتهم وشوكتهم، وقد فعل ذلك بإلقاء الرعب في قلب أبي سفيان حين تخلف عن الخروج إلى الموعد، ﴿اللَّهُ﴾ ﴿أَشَدُّ بَأسًا﴾؛ أي: أقوى أخذًا وصولة وسلطة، من الذين كفروا، ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾؛ أي: أشد عقوبة وتعذيبًا منهم.
والمعنى: لا تخافوا بأس هؤلاء الكافرين وشدتهم، ولا يصدنكم ذلك عن طاعة الرسول ﷺ والعمل بتحريضه، فإن الله تعالى الذي وعد الرسول ﷺ بالنصر أشد منهم بأسًا، وأشد منهم تنكيلًا، وقد جرت سنته أن تكون العاقبة للمتقين، ما استمسكوا بأوامره وتركوا نواهيه، وأعدوا العدة مع الصبر والثبات والتباعد عن أسباب الخذلان والفشل.
٨٥ - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾؛ أي: من يشفع بين الناس شفاعة موافقة للشرع ﴿يَكُنْ لَهُ﴾؛ أي: لذلك الشافع ﴿نَصِيبٌ﴾ وحظ من الأجر ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: بسببها، وقد بين النصيب في حديث: "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب .. استجيب له، وقال الملك: ولك مثل ذلك". ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾؛ أي: مخالفة للشرع ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾؛ أي: نصيب من الوزر بسببها.
стр. 2605
والغرض من هذه الآية (١): بيان أنه ﷺ لما حرّضهم على الجهاد .. فقد استحق بذلك التحريض أجرًا عظيمًا، ولو لم يقبلوا أمره ﷺ .. لم يرجع إليه من عصيانهم شيء من الوزر، وذلك لأنه ﷺ بذل الجهد في ترغيبهم في الطاعة، ولم يرغبهم في المعصية البتة، فحقًّا يرجع إليه من طاعتهم أجر، ولا يرجع إليه من معصيتهم وزر؛ فإن الشفاعة هي التوسط بالقول في وصول شخص إلى منفعة دنيوية أو أخروية، أو إلى خلاص من مضرة، كذلك من الشفع كان المشفوع له كان فردًا فجعله الشفيع شفعًا.
وقال المراغي قوله تعالى: ﴿منْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾؛ أي: من (٢) يجعل نفسه شفيعًا وزوجًا لك، ويناصرك في القتال، وقد أمرت به وحدك .. يكن له من شفاعته نصيب بما يناله من الفوز والشرف والغنيمة في الدنيا، عندما ينتصر الحق على الباطل، بما يناله من الثواب في الآخرة في جميع الحالات، سواء أدرك النصر في الدنيا أم لم يدرك.
ووصف الشفاعة بالحسنة لأنها تأييد ونصر للحق، ومثل هذا كل من يعاون فاعل الخير ويساعده، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾؛ أي: ومن ينضم إلى عدوك فيقاتل معه، أو يخذل المؤمنين عن قتاله .. يكن له نصيب من سوء العاقبة، بما يناله من الخذلان في الدنيا، والعقاب في الآخرة، وهذه هي الشفاعة السيئة؛ لأنها إعانة على السيئات، وسمى هذا النصيب كفلًا؛ لأنه نصيب مكفول للشافع إذ هو أثر عمله، أو محدود لأنه على قدره.
والخلاصة: أن من ينضم إلى غيره معينًا له في فعل حسن .. يكن له منه نصيب، ومن ينضم إلى غيره معينًا له في فعل سيء .. ينله منه سوء وشدة.
ويدخل في الآية شفاعة الناس بعضهم لبعض، وهي قسمان: حسنة وسيئة، فالحسنة: أن يشفع الشافع لإزالة ضرر ورفع مظلمة عن مظلوم، أو جر منفعة إلى مستحق ليس في جرها إليه ضرر ولا ضرار.
стр. 2606
والسيئة: أن يشفع في إسقاط حد أو هضم حق، أو إعطائه لغير مستحق، أو محاباة في عمل بما يوصل إلى الخلل والزلل، ولأجل هذا قال العلماء: الشفاعة الحسنة ما كانت فيما استحسنه الشرع، والسيئة فيما كرهه أو حرمه.
وفي الآية من العبرة لنا أن نتذكر أن الحاكم العادل لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإخباره بما لم يكن يعلم من مظلمة المشفوع له، أو استحقاقه لما يطلب له، ولا يقبل الشفاعة لإرضاء الشافع فيما يخالف الحق والعدل ويخالف المصلحة العامة. أما الحاكم الظالم فتروج عنده الشفاعات؛ لأنه يحابي أعوانه المقربين منه ليكونوا شركاء له في استبداده، ليثبتوا على خدمته وإخلاصهم له، والحكومات التي تروج فيها الشفاعات وتعتمد عليها الرعية في كل ما تطلب تضيع فيها الحقوق، ويحل الظلم محل العدل، ويسري من الدولة إلى الأمة، فيعم فيها الفساد، ويختل نظام الأعمال. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ أي: قادرًا على إيصال الجزاء إلى الشافع، مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه، وحافظًا للأشياء، شاهدًا عليها، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو باطل، فيجازي كلًّا بما علم منه.
والمعنى: أن الله كان مقتدرًا على كل شيء، فلا يعجزه أن يعطي الشافع نصيبًا وكفلًا من شفاعته، على قدرها في النفع والضر، ويجازي كلًّا بما يستحق؛ لأن سننه قد قضت بأن يربط الجزاء بالأسباب.
٨٦ - وبعد أن علَّم الله المؤمنين طريق الشفاعة الحسنة والسيئة، وهي من أسباب التواصل بين الناس .. علمهم سنة التحية بينهم وبين إخوانهم؛ ليؤدبهم بأدب دينه، ويزكيهم ويطهر نفوسهم من الغل والحسد، فقال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾؛ أي: وإذا حياكم أحد بتحية، بأن قال لكم: السلام عليكم، أو قال: السلام عليكم ورحمة الله .. ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾؛ أي: فأجيبوه بتحية أحسن وأكمل وأزيد من تحية المسلِّم عليكم، إذا كان المسلِّم من أهل الإِسلام، بأن تقولوا: وعليكم السلام ورحمة الله، أو وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ويقال: لكل شيء منتهى، ومنتهى السلام: وبركاته، بدليل أن هذا القدر هو
стр. 2607
الوارد في التشهد، فالأحسن هو أن المسلِّم إذا قال السلام عليك .. زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء .. زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء .. أعيدت في الجواب، وجواب السلام إكرام للمسلِّم، وتركه إهانة، والإهانة ضرر، والضرر حرام، وإذا استقبلك واحد فقل: سلام عليكم، واقصد الرجل والملكين، فإنك إذا سلمت عليهما ردا السلام عليك، ومن سلم الملك عليه .. فقد سلم من عذاب الله تعالى. ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾؛ أي: أجيبوها بمثلها، بأن تقولوا: وعليكم السلام في المثال الأول، أو وعليكم السلام ورحمة الله في المثال الثاني، فمعنى رد السلام جوابه بمثله؛ لأن المجيب يرد قول المسلِّم، وفيه حذف مضاف؛ أي: ردوا مثلها، والتسليم سنة، والرد على الفور فريضة، والأحسن أفضل.
وقد يكون (١) حسن الجواب بمعناه، أو كيفية أدائه، وإن كان بمثل لفظ المبتدأ بالتحية، أو مساويه في الألفاظ أو أخصر منه، فمن قال لك: السلام عليك بصوت خافت، يشعر بقلة العناية، فقلت له: وعليكم السلام بصوت أرفع وبإقبال يشعر بالعناية، أو بزيادة الإقبال والتكريم .. كنت قد حييته بتحية أحسن من تحيته في صفتها، وإن كانت مثلها في لفظها.
والخلاصة: أن الجواب عن التحية له مرتبتان:
أدناهما: ردها بعينها.
وأعلاهما: الجواب عنها بأحسن منها، والمجيب مخير بينهما.
والتحية (٢): تفعلة من حيَّا، وأصلها من الحياة، ثم جُعل السلام تحية؛ لكونه خارجًا عن حصول الحياة، وسبب الحياة في الدنيا أو في الآخرة، والتحية أن يقال: حياك الله؛ أي: جعل الله لك حياة، وذلك إخبار، ثم جُعل دعاء، وهذه اللفظة كانت العرب تقولها، فلما جاء الإِسلام .. بدل ذلك بالسلام، وهو
стр. 2608
المراد به بالآية، يعني إذا سلم عليكم المسلِّم .. فأجيبوه بأحسن مما سلم به عليكم، وإنما اختير لفظ السلام على لفظة حياك الله؛ لأنه أتم وأحسن وأكمل، لأن معنى السلام السلامة من الآفات، فإذا دعا الإنسان بطول الحياة بغير سلامة .. كانت حياته مذمومة منغصة، وإذا كان في حياته سليمًا .. كان أتم وأكمل، فلهذا السبب اختير لفظ السلام، ومن المطلوب المصافحة؛ لما ورد أنها تذهب الغل من القلوب، وأما تقبيل اليد فهو مكروه، إلا لمن ترجى بركته كشيخ أو والد، وأما المعانقة فمكروهة إلا لتشوق كقدوم من سفر ونحوه، ذكره الصاوي. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾؛ أي (١): محاسبًا لكم على كل أعمالكم، وكافيًا في إيصال جزاء أعمالكم إليكم، فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف، وهذا يدل على شدة الاعتناء بحفظ الدماء؛ أي: إنه (٢) تعالى رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية، ويحاسبكم على ذلك، وفي هذا إشارة إلى تأكيد أمر هذه الصلة بين الناس، ووجوب رد التحية على من يسلم علينا ويحيينا، والمعنى: أنه تعالى على كل شيء من رد السلام بمثله أو بأحسن منه مجازٍ.
ذكر نبذة من أحكام السلام فصل في فضل السلام والحث عليه
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : أي الإِسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". متفق عليه. قوله: أي الإِسلام خير معناه: أي خصال الإِسلام خير. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم .. أفشوا السلام بينكم". أخرجه مسلم.
стр. 2609
وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". أخرجه الترمذي وقال حديث صحيح.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: أمرنا نبينا ﷺ أن نفشي السلام، أخرجه ابن ماجه.
فصل في أحكام تتعلق بالسلام وفيه مسائل المسألة الأولى: في كيفية السلام
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لما خلق الله تعالى آدم ﵇ .. قال: اذهب فسلم على أولئك - نفر من الملائكة جلوس - فاستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك، وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: عليك السلام ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله". متفق عليه، قال العلماء: يستحب لمن يبتدىء بالسلام أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيأتي بضمير الجمع، وإن كان المسلم عليه واحدًا، ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيأتي بواو العطف في قوله وعليكم، ليحصل الارتباط بين الجملتين.
وعن عمران بن حصين ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس، فقال رسول الله ﷺ : عشر، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه فجلس فقال: عشرون، فجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فجلس، فقال: ثلاثون" أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن. وقيل إذا قال المسلم: السلام عليكم .. يقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله، فيزيده ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله .. يقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فيزيده وبركاته، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. يرد ﵇ بمثله ولا يزيد عليه.
стр. 2610
وروي أن رجلًا سلم على ابن عباس فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئًا، فقال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة، ويستحب للمسلِّم أن يرفع صوته بالسلام، ليسمع المسلَّم عليه، فيجيبه، ويشترط أن يكون الرد على الفور، فإن أخره ثم رد .. لم يعد جوابًا وكان آثمًا بترك الرد.
المسألة الثانية: في حكم السلام
الابتداء بالسلام سنة مستحبة ليس بواجب، وهو سنة على الكفاية، فإن كانوا جماعة، فسلم واحد منهم .. كفى عن جميعهم، ولو سلم كلهم .. كان أفضل وأكمل. قال القاضي حسين من أصحاب الشافعي: ليس لنا سنة على الكفاية إلا هذا، وفيه نظر؛ لأن تشميت العاطس سنة على الكفاية أيضًا كالسلام، ولو دخل على جماعة في بيت أو مجلس أو مسجد .. وجب عليه أن يسلم على الحاضرين، لقوله ﷺ : "أفشوا السلام"، والأمر للوجوب، أو يكون ذلك سنة مؤكدة؛ لأن السلام من شعار أهل الإِسلام، فيجب إظهاره أو يتأكد استحبابه.
أما الرد على المسلّم: فقد أجمع العلماء على وجوبه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾؛ والأمر للوجوب؛ لأن في ترك الرد إهانة للمسلِّم، فيجب ترك الإهانة، فإن كان المسلَّم عليه واحدًا .. وجب عليه الرد، وإذا كانوا جماعة .. كان رد السلام في حقهم فرض كفاية، فلو رد واحد منهم .. سقط فرض الرد عن الباقين، وإن تركوه كلهم .. أثموا.
عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يرد أحدهم". أخرجه أبو داود.
المسألة الثالثة: في آداب السلام
السنة أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير". متفق عليه.
стр. 2611
وفي رواية للبخاري قال: يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على الكثير، وإذا تلاقى رجلان. . فالمبتدىء بالسلام هو الأفضل، لما روي عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : إن أولى الناس باللهِ من بدأهم بالسلام". أخرجه أبو داود والترمذي، ولفظه قال: قيل: يا رسول الله، الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام، قال: " أولاهما باللهِ". قال الترمذي: حديث حسن.
ويُستحب أن يبدأ بالسلام قبل الكلام والحاجة، والسنة إذا مر بجماعة صبيان صغار أن يسلم عليهم؛ لما روي عن أنس ﵁: أنه مر على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان رسول الله ﷺ يفعله. أخرجاه في "الصحيحين". وفي رواية لأبي داود أن النبي ﷺ : "مر على غلمان يلعبون فسلم عليهم".
وأما السلام على النساء: فإن كن جمعًا جالسات في مسجد أو موضع .. فيستحب أن يسلم عليهن، إذا لم يخف على نفسه أو عليهن فتنة، لما روي عن أسماء بنت يزيد قالت: "مر علينا رسول الله ﷺ في نسوة فسلم علينا". أخرجه أبو داود. وفي رواية للترمذي: "أن رسول الله ﷺ مر في المسجد يومًا وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم". قال الترمذي حديث حسن.
وإذا مر على امرأة مفردة أجنبية، فإن كانت جميلة .. فلا يسلم عليها، ولو سلم .. فلا ترد هي عليه؛ لأنه لم يستحق الرد، وإن كانت عجوزًا، لا يخاف عليه ولا عليها الفتنة .. سلم عليها، وترد هي عليه، وحكم النساء مع النساء كحكم الرجال مع الرجال في السلام، فيسلم بعضهن على بعض.
المسألة الرابعة: في الأحوال التي يكره فيها السلام
فمن ذلك الذي يبول أو يتغوط أو يجامع ونحو ذلك، لا يسلم عليه، فلو سلم .. فلا يستحق المسلِّم جوابًا، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنما: أن رجلًا مر ورسول الله ﷺ يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه. أخرجه مسلم. قال الترمذي: إنما يكره إذا كان على الغائط أو البول. ويكره التسليم على من في
стр. 2612
الحمام، وقيل إن كانوا متزرين بالمآزر سلم عليهم إلا فلا. ويكره التسليم على النائم والناعس والمصلي والمؤذن والتالي في حال الصلاة والأذان والتلاوة، ويكره الابتداء بالسلام في حال الخطبة؛ لأن الجالسين مأمورون بالإنصات للخطبة، ويكره أن يبدأ المبتدع بالتسليم عليه، وكذلك المعلن بفسق، وكذلك الظلمة ونحوهم، فلا يسلم على هؤلاء.
المسألة الخامسة: في حكم السلام على أهل الذمة اليهود والنصارى
واختلف العلماء فيه: فذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال بعضهم: إنه ليس بحرام بل هو مكروه كراهة تنزيه، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". أخرجه مسلم.
وإذا سلم يهودي أو نصراني على مسلم فيرد عليه، ويقول: عليك، بغير واو العطف، لما روي عن أنس ﵁ أن يهوديًّا أتى على رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: السام - الموت - عليكم، فرد عليه القوم، فقال رسول الله ﷺ : "هل تدرون ما قال"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم يا نبي الله، قال: "لا ولكنه قال كذا وكذا، ردوه عليَّ"، فردوه، فقال: "قلت: السام عليكم"، قال: نعم يا نبي الله، فقال ﷺ عند ذلك: "إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب .. فقولوا عليك؛ أي: عليك ما قلت". أخرجه الترمذي. فلو أتى بواو العطف وميم الجمع، فقال: وعليكم .. جاز؛ لأنَّا نجاب عليهم في الدعاء، ولا يجابون علينا، ويدل على ذلك ما روي عن جابر: أن رسول الله ﷺ مر عليه ناس من اليهود، فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقال: "وعليكم "، فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا، قال: "بلى قد سمعت فرددت عليهم، وإنا نجاب عليهم، ولا يجابون علينا". أخرجه مسلم.
وإذا مر المسلم على جماعة فيهم مسلمون ويهود ونصارى .. يسلم عليهم؛ ويقصد بتسليمه المسلمين، لما روي عن أسامة بن زيد: أن رسول الله ﷺ مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود فسلم عليهم. أخرجه الترمذي.
стр. 2613
٨٧ - وبعد أن حث رسوله ﷺ على الجهاد، وأمر المسلمين بمشاركته فيه، وأمرهم بإظهار المودة وقت السلام .. بين أنهم مجزيون على كل هذا في يوم لا ريب فيه فقال: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: خبر، وهذه الآية نزلت في منكري البعث؛ أي: الإله المعبود بحق مخبر عنه بعدم وجود إله معه، قال (١) بعضهم: كأنه تعالى يقول: من سلم عليكم .. فاقبلوا سلامه، وأكرموه بناء على الظاهر، فإن البواطن إنما يعرفها الله الذي لا إله إلا هو، وإنما ينكشف بواطن الخلق للخالق في يوم القيامة ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: والله ليحشرنكم من قبوركم إلى حساب يوم القيامة، ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شك في يوم القيامة أنه كائن، والاستفهام في قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ إنكاري؛ أي: لا أحد أصدق منه في إخباره ووعده ووعيده؛ لاستحالة الكذب عليه تعالى؛ لقبحه لكونه إخبارًا عن الشيء بخلاف ما هو عليه، والمقصود منه بيان أنه يجب كونه تعالى صادقًا، وأن الكذب والخلف في قوله تعالى محال، وأن القيامة كائنة لا شك فيها ولا ريب؛ إذ كلامه تعالى عن علم محيط بسائر الكائنات، كما قال تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ فلا يمكن أن يكون خبره غير صادق بسبب النقص في العلم أو الغرض أو الحاجة؛ لأنه تعالى غني عن العالمين، أما كلام غيره فهو محتمل للصدق والكذب عن عمد وعلم أو عن سهو وجهل، وقد دل الدليل على أن القرآن كلام الله، فلم يبق عذر لمن قام عليه الدليل إذا آثر على قوله أقوال المخلوقين كما هو دأب الضالين، واعلم أن هذه الآية جمعت (٢) التوحيد والإيمان بالبعث والجزاء في الدار الآخرة، وهما الركنان الأساسيان للدين، وقد أرسل الرسل جميعًا لتبليغ الناس ما يجب عليهم من إقامتهما، وتأييدهما بصالح الأعمال والقرآن، قد يصرح بهما تارة معًا، وبالأول منهما تارة أخرى أثناء ذكر الأحكام، إذ هما العون الأكبر والباعث الأقوى على العمل بها، ولا سيما أحكام القتال، الذي يبذل المرء فيه نفسه ونفيسه للدفاع عن حرية الدين ونشر هدايته، وتأمين دعاته وأهله.
стр. 2614
والمعنى: الله لا إله إلا هو فلا تقصروا في عبادته، والخضوع لأمره ونهيه، فإن في ذلك سعادتكم وارتقاء أرواحكم وعقولكم، وتحريركم من رق العبودية لأمثالكم من البشر، بل من دونهم من المعبودات، التي ذل لها المشركون، وهو سبحانه سيجمعكم ويحشركم إلى يوم القيامة، وهو يوم لا ريب فيه، ولا فيما يكون فيه من الجزاء عن الأعمال. وقرأ حمزة (١) والكسائي ﴿أصدق﴾ بإشمام الصاد زايًا، وكذا فيما كان مثله من صاد ساكنة بعدها قال نحو ﴿يصدقون﴾ و ﴿تصدية﴾ وأما إبدالها زايًا محضة في ذلك فهي لغة كلب وأنشدوا:
يَزِيْدُ زَادَ اللهُ فِيْ خَيْرَاتِهِ ... حَامِيْ الذِّمَارِ عِنْدَ مَزْدُوْقَاتِهِ
يريد عند مصدوقاته.
الإعراب
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾.
﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو جملة أو هما، ﴿يُطِعِ الرَّسُولَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿فَقَدْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبًا لاقترانه بـ ﴿قد﴾، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿أَطَاعَ اللَّهَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب كما مر آنفًا. ﴿تَوَلَّى﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ ﴿ما﴾، لأنه من المواضع السبعة المجموعة في قول بعضهم:
إِسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدِ ... وَبِمَا وَلَنْ وَبِقَدْ وَبِالتَّنْفِيْسِ
стр. 2615
﴿ما﴾: نافية، ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابًا لها، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿حَفِيظًا﴾: حال من كاف المخاطب، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى.
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿طَاعَةٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أمرك، أو أمرنا طاعة، أو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: منا طاعة، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول. ﴿فَإذَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿بَرَزُوا﴾: فعل وفاعل والجملة في محل الخفض بإضافة إذا على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿بَرَزُوا﴾، ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿طائفةٌ﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿يقولون﴾ ﴿غَيْرَ الَّذِي﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿تَقُولُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿طَائِفَةٌ﴾، والجملة صلة الموصول.
﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
﴿وَاللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿يَكْتُبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة، ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به، ﴿يُبَيِّتُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: يبيتونه. ﴿فَأَعْرِضْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم وأردت بيان ما هو الأصلح لك .. فأقول لك: أعرض. ﴿أعرض﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿عَنْهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿وَتَوَكَّلْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة
стр. 2616
﴿توكل﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ، والجملة معطوفة على جملة ﴿أعرض﴾. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿توكل﴾، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كفى بالله﴾: فعل وفاعل. ﴿وَكِيلًا﴾: حال أو تمييز، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾.
﴿أَفَلَا﴾ ﴿الهمزة﴾: داخلة على محذوف، تقديره: أيعرضون عن القرآن فلا يتدبرون فيه، ﴿الفاء﴾: عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف، ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿القرآن﴾، ﴿مِنْ عِندِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كان﴾، تقديره: كائنًا، ﴿مِنْ﴾: حرف جر. ﴿عِنْدِ﴾: مضاف. ﴿غَيْرِ﴾: مضاف إليه. ولفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿كان﴾ فعل شرط لـ ﴿لو﴾، لا محل لها من الإعراب، ﴿لَوَجَدُوا﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿وجدوا﴾: فعل وفاعل، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿وجدوا﴾، ﴿اخْتِلَافًا﴾: مفعول به، ﴿كَثِيرًا﴾: صفته، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: مستأنفة.
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾.
﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَهُمْ أَمْرٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿مِنَ الْأَمْنِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَمْرٌ﴾، ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾: معطوف على ﴿الْأَمْنِ﴾. ﴿أَذَاعُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾: مستأنفة استئنافًا بيانيًّا أو نحويًّا.
стр. 2617
﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية أو عاطفة، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط، ﴿رَدُّوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾: جار ومجرور متعلق به، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على الجار والمجرور قبله، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾، ﴿لَعَلِمَهُ﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿علمه﴾ فعل ومفعول، ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والجملة جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿إذا﴾. ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الَّذِينَ﴾، أو من الضمير في ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لولا﴾: حرف دال على امتناع شيء لوجود غيره. ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾: معطوف على ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾، والخبر محذوف وجوبًا؛ لقيام الجواب مقامه، تقديره: موجودان، والجملة الإسمية شرط لـ ﴿لولا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَاتَّبَعْتُمُ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لولا﴾. ﴿اتبعتم﴾: فعل وفاعل. ﴿الشَّيْطَانَ﴾: مفعول به. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿قَلِيلًا﴾: مستثنى من فاعل ﴿اتَّبَعْتُمُ﴾ والجملة الفعلية جواب ﴿لولا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ مستأنفة.
﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَقَاتِلْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا أردت يا محمد الفوز والظفر على الأعداء .. فقاتل. ﴿قاتل﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قاتل﴾ والجملة الفعلية جواب لـ ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تُكَلَّفُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير
стр. 2618
يعود على محمد، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿نَفْسَكَ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿فَقَاتِلْ﴾؛ أي: فقاتل حال كونك غير مكلف إلا نفسك وحدها، وقيل مستأنفة، أخبره تعالى أنه لا يكلفه غير نفسه. ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿حرض المؤمنين﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ، والجملة معطوفة على جملة ﴿قاتل﴾.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾.
﴿عَسَى﴾: من أفعال الرَّجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر. ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَكُفَّ﴾: فعل مضارع منصوب، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿بَأسَ الَّذِينَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، وجملة ﴿يَكُفَّ﴾ من الفعل والفاعل صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه خبرًا لـ ﴿عَسَى﴾، ولكنه على حذف مضاف إما قبل الاسم تقديره: عسى أمر الله كف بأس الذين كفروا، أو قبل الخبر تقديره: عسى الله ذا كف بأس الذين كفروا، والكثير في كلامهم اقتران خبر ﴿عَسَى﴾ بـ ﴿أن﴾ المصدرية، كما قال ابن مالك:
كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ ... غَيْرُ مُضَارعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
وَكَوْنُهُ بِدُوْنِ أَنْ بَعْدَ عَسَى ... نَزْرٌ وَكَادَ الأمْرُ فِيْهِ عُكِسَا
واستشكل (١) على هذه القاعدة المطردة في ﴿عَسَى﴾ بأن ﴿أن﴾ المصدرية تؤول بالمصدر، فيكون التقدير في الآية: عسى الله كف بأس الذين كفروا، والمصدر اسم المعنى، فلا يخبر به عن الذات، وأجيب عنه: بأنه على حذف مضاف إما قبل الاسم أو قبل الخبر، كما مر بيانه آنفًا، ﴿وَاللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿أَشَدُّ﴾: خبره. ﴿بَأسًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والجملة مستأنفة، ﴿وَأَشَدُّ﴾: معطوف على ﴿وَأَشَدُّ﴾ ﴿تَنْكِيلًا﴾: تمييز.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾.
стр. 2619
﴿مَّنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما. ﴿يَشْفَعْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَّنْ﴾. ﴿شَفَاعَةً﴾: مفعول به، ﴿حَسَنَةً﴾: صفة له، ﴿يَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص، مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابًا لها، ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿يَكُنْ﴾، ﴿نَصِيبٌ﴾: اسمها مؤخر، ﴿مِنْهَا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نَصِيبٌ﴾ و ﴿مَنْ﴾ فيه بمعنى الباء السببية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: مستأنفة.
﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَن﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر إما جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يَشْفَعْ﴾: مجزوم بـ ﴿مَن﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، ﴿شَفَعَة﴾: مفعول به. ﴿سَيِّئَةً﴾: صفة لـ ﴿شَفَاعَةً﴾. ﴿يَكُنْ﴾: جواب الشرط. ﴿لَهُ﴾: خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدم على اسمها. ﴿كِفْلٌ﴾: اسمها مؤخر. ﴿مِنْهَا﴾: صفة لـ ﴿كِفْلٌ﴾ وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿وَكَانَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كان الله﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ـ ﴿مُقِيتًا﴾، ﴿مُقِيتًا﴾: خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾: مستأنفة.
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾.
﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿حُيِّيتُمْ﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿بِتَحِيَّةٍ﴾: متعلق بها، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿فَحَيُّوا﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إذا﴾، ﴿حيوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، ﴿بِأَحْسَنَ﴾: متعلق بـ ﴿حيوا﴾، ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَحْسَنَ﴾، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتنويع، ﴿رُدُّوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿حيوا﴾، ﴿إنَّ﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كاَنَ﴾: فعل
стр. 2620
ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿اَللهَ﴾، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿حَسِيبًا﴾، ﴿حَسِيبًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن، ﴿إِلَه﴾ في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَا﴾ محذوف تقديره: موجود، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَا﴾، وجملة ﴿لَا﴾: في محل الرفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ مع خبره مستأنفة. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يَجْمَعَنَّكُمْ﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، و ﴿نون التوكيد﴾ حرف لا محل له من الإعراب، و ﴿الكاف﴾ مفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة (١) القسمية إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب، أو خبر ثان للمبتدأ، أو هي الخبر و ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ اعتراض اهـ. أبو السعود. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يجمعنكم﴾. ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن، ﴿رَيْبَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾ وجملة ﴿لَا رَيْبَ﴾ في محل النصب حال من يوم القيامة، ويجوز أن تكون صفة لمصدر محذوف؛ أي: جمعًا لا ريب فيه، والهاء تعود على الجمع. ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَن﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿أَصدَقُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَصْدَقُ﴾، ﴿حَدِيثًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ الطاعة اسم مصدر لأطاع الرباعي، يقال: أطاع يطيع
стр. 2621
إطاعة وطاعة، والطاعة: الموافقة وامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يقال: بيت يبيت تبييتًا، من باب فعل المضعف، قال (١) الأصمعي وأبو عبيدة وأبو العباس: كل أمر قضي بليل قيل: قد بيت، وقال الزجاج: كل أمر مكر فيه، أو خيض بليل، فقد بيت، وقال الشاعر:
أَتَوْنِي فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوْا ... وَكَانُوْا أَتَوْنِي بِأَمْرٍ نُكُرْ
وقيل: التبييت التبديل بلغة طيء قال شاعرهم:
وَتَبِيْتُ قَوْلِي عِنْدَ اْلْمَلـ ... يْكِ قَاتَلَكَ اللهُ عَبْدًا كَفُوْرَا
﴿فَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ مضارع تدبر - من باب تفعل الخماسي - يتدبر تدبرًا، وتدبر الشيء تأمله والنظر في أدباره وما يؤول إليه في عاقبته ومنتهاه، ثم استعمل في كل تفكر ونظر، والدبر: المال الكثير، سمي بذلك؛ لأنه يبقى للأعقاب وللأدبار، قاله الزجاج وغيره.
﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ يقال: أذاع الشر، وأذاع به، إذا نشره وأشاعه بين الناس وأظهره لهم، فالإذاعة: إظهار الشيء وإفشاؤه، يقال: ذاع يذيع من باب باع وأذاع، ويتعدى بنفسه وبالباب، فيكون إذ ذاك أذاع في معنى الفعل المجرد، قال أبو الأسود:
أَذَاعُوْا بِهِ فيْ النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ ... بِعَلْيَاءِ نَارٍ أُوْقِدَتْ بِثُقُوْبِ
وقال أبو البقاء (٢): الألف في أذاعوا بدل من الياء، يقال ذاع الأمر يذيع، والباء زائدة؛ أي: أذاعوه، وقيل: حمل على معنى تحدثوا به، انتهى. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ يقال: رد الشيء إلى الشيء ردًّا وردودًا إذا أرجعه وأعاده إليه، ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ والاستنباط: استخراج ما كان مستترًا عن الأبصار، والنبط: الماء يخرج من البئر أول ما تحفر، والإنباط والاستنباط إخراجه، والنبط: الذين يستخرجون المياه والنبات من الأرض، ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، التحريض: الحث على
стр. 2622
الشيء بتزيينه وتسهيل الأمر فيه، قال الراغب: كأنه في الأصل إزالة الحرض بضمتين وسكون ثانية؛ أي: الأشنان، والحرض في الأصل ما لا يعتد به، ولا خير فيه، ولذلك يقال للمشرف على الهلاك حرض، قال تعالى: ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، ﴿بأسًا﴾ والبأس: القوة، وفي "المصباح" وهو ذو بأس؛ أي: شدة وقوة. ﴿تَنْكِيلًا﴾ التنكيل بوزن تفعيل، مصدر نكل المضعف من النكل وهو: القيد، ثم استعمل في كل عذاب، وفي "المصباح": نكل به ينكل - من باب قتل - نكلة قبيحة إذا أصابه بنازلة، ونكل به بالتشديد مبالغة، والاسم النكال، انتهى. قال أبو حيان (١): التنكيل الأخذ بأنواع العذاب وتنزيله على المعذب، وكأنه مأخوذ من النكل: وهو القيد.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ قال الراغب: الشفع ضم الشيء إلى مثله، والشفاعة الانضمام إلى آخر، ناصرًا له وسائلًا عنه، ﴿نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظ، ﴿كِفْلٌ﴾؛ أي: حظ، ولكن النصيب في الخبر أكثر استعمالًا، والكفل في الشر أكثر منه في الخير، ولقلة استعمال النصيب في الشر وكثرة استعمال الكفل فيه غاير بينهما في الآية الكريمة، حيث أتى بالكفل مع السيئة وبالنصيب مع الحسنة، ﴿مُقِيتًا﴾؛ أي: مقتدرًا أو حافظًا أو شاهدًا، قال الراغب: وحقيقته قائمًا عليه يحفظه ويعينه، وقال النحاس: هو مشتق من القوت، والقوت مقدار ما يحفظ به الإنسان من التلف، يقال: قاته يقوته إذا أطعمه قوته، وأقاته يقيته إذا جعل له ما يقوته، وفي "المختار": أقات على الشيء إذا اقتدر عليه، ﴿بِتَحِيَّةٍ﴾ التحية مصدر حياه، إذا قال له: حياك الله، وأصله تحيية بوزن تفعلة كترضية وتسمية وتنمية، فأدغموا الياء في الياء بعد نقل حركة الياء الأولى إلى الحاء، وهي في الأصل الدعاء بالحياة، ثم صار اسمًا لكل دعاء وثناء، كقولهم أنعم صباحًا، وأنعم مساء، وعم صباحًا وعم مساء، وجعل الشارع تحية المسلمين السلام عليكم، إشارة إلى أن الدين دين سلام وأمان. ﴿فَحَيُّوا﴾ أصله حييوا، استثقلت الضمة
стр. 2623
على الياء، فحذفت الضمة، فالتقى ساكنان الياء والواو، فحذفت الياء وضم ما قبل الواو لمناسبتها، ﴿حسيبا﴾ الحسيب: المحاسب، فهو فعيل بمعنى مفاعل، كالجليس بمعنى المجالس، وقد يراد به المكافىء والكافي، من قولهم حسبك كذا إذا كان يكفيك.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البيان والبديع (١):
منها: الالتفات في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وفي قوله: ﴿بَيَّتَ﴾ و ﴿يُبَيِّتُونَ﴾، وفي اسم الله في مواضع، و ﴿أَشَدّ﴾، وفي قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً﴾.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿يُطِعِ﴾ و ﴿أَطَاعَ﴾، وفي ﴿بَيَّتَ﴾ و ﴿يُبَيِّتُونَ﴾، وفي قوله: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ ﴿فَحَيُّوا﴾.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ و ﴿وَكِيلًا﴾، و ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً﴾، و ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾.
ومنها: الاستفهام المراد به الإنكار في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾، وفي قوله: ﴿شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ و ﴿شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾.
ومنها: التوجيه في قوله: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
ومنها: الاحتجاج النظري ويسمى المذهب الكلامي في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾.
стр. 2624
ومنها: خطاب العين والمراد به الغير في قوله: ﴿فَقَاتِلْ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿أَنْ يَكُفَّ بَأسَ﴾.
ومنها: أفعل في غير المفاضلة في قوله: ﴿أَشَدُّ﴾.
ومنها: إطلاق كل على بعض في قوله: ﴿بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واللفظ مطلق والمراد بدر الصغرى.
ومنها: الحذف في عدة مواضع تقتضيها الدلالة.
والله أعلم
* * *
مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (١) لما بين أحكام قتال المنافقين، الذين يظهرون الإِسلام خداعًا، ويسرون الكفر، ويساعدون أهله على قتال المؤمنين، والذين يعاهدون المسلمين على السلم، ويحالفونهم على الولاء والنصر، ثم يغدرون ويكونون عونًا لأعدائهم عليهم .. ذكر هنا قتل من لا يحل قتله من المؤمنين والمعاهدين والذميين، وما يقع منهم من ذلك عمدًا أو خطأ. قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار .. ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالمحاربة، ومنها: أن يظن رجلًا حربيًّا فيقتله وهو مسلم، انتهى.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما رواه الشيخان وغيرهما عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
وأخرج (٣) سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن سعد بن معاذ قال: خطب رسول الله ﷺ الناس فقال: "من لي بمن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني"، فقال سعد بن معاذ: إن كان من الأوس .. قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج .. أمرتنا فأطعناك، فقام سعد بن عبادة فقال: ما بك يا ابن معاذ طاعة رسول الله ﷺ ، ولقد عرفت ما هو منك، فقام أسيد بن حضير فقال: إنك يا ابن عبادة منافق، وتحب المنافقين، فقام محمَّد بن مسلمة فقال: اسكتوا يا أيها الناس فإن فينا رسول الله ﷺ ، وهو يأمرنا فننفذ أمره، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ...﴾ الآية.
وأخرج (٤) أحمد عن عبد الرحمن بن عوف: أن قومًا من العرب أتوا
стр. 2627
رسول الله ﷺ بالمدينة فأسلموا، وأصابهم وباء المدينة وحُمَّاها فأركسوا، وخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من الصحابة، فقالوا لهم: ما لكم رجعتم، قالوا: أصابنا وباء المدينة، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ...﴾ الآية، في إسناده تدليس وانقطاع.
وروى (١) ابن جرير عن ابن عباس: أنها نزلت في قوم أظهروا الإِسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، فاختلف المسلمون في شأنهم وتشاجروا فنزلت الآية.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم (٢) وابن مردويه عن الحسن: أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر النبي ﷺ على أهل بدر وأُحد وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك .. أسلموا ودخلوا في الإِسلام، وإن لم يسلموا .. لم يحسن تغليب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد فقال: "اذهب معه فافعل ما يريد"، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله ﷺ ، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، وأنزل الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ وكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر بن عبد مناف، وأخرج أيضًا عن مجاهد أنها نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وكان بينه وبين المسلمين عهد، وقصده ناس من قومه فكره أن يقاتل المسلمين، وكره أن يقاتل قومه.
стр. 2628
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج الحارث مهاجرًا إلى النبي ﷺ ، فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء النبي ﷺ فأخبره، فنزلت ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ...﴾ الآية، فقرأها النبي ﷺ ، قال له: قم فحرر.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير من طريق بن جريج عن عكرمة: أن رجلًا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه النبي ﷺ الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله، ولحق بمكة بعد ذلك وارتد عن الإِسلام، فقال النبي ﷺ : لا أؤمنه في حل ولا حرم، فقتل يوم الفتح، قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٨٨ - ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ﴾؛ أي: فأيُّ شيء ثبت لكم يا معشر المؤمنين حتى تفرقتم في شأن المنافقين، وصرتم في أمرهم ﴿فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: فرقتين، فرقة ترى أنهم يعدون من الأولياء، ويستعان بهم على سائر المشركين المجاهرين لهم بالعداوة والكفر، وفرقة ترى أن يعاملوا كما يعامل غيرهم من المشركين المعلنين العداوة، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن الله قد أركسهم وصرفهم وردهم عن الحق الذي أنتم عليه من الإيمان والجهاد في سبيل الله، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: بسبب ما اقترفوا من أعمال الشرك والنفاق، واجترحوا من المعاصي، حتى إنهم لا ينظرون إليكم نظرة المودة والإخاء، بل نظرة العداوة والبغضاء، ويتربصون بكم الدوائر، ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ تَهْدُوا﴾ وترشدوا إلى طريق الحق ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؛ أي: من أراد الله تعالى إضلاله وغوايته؛ أي: أتقولون هؤلاء مهتدون والله تعالى أضلهم، وهذا خطاب للفئة التي دافع عن المنافقين، والمراد بالهداية المنفية خلق الهداية في الخلق، وأما الهداية بمعنى الإرشاد والتبيين فهي للرسل، والاستفهام في الموضعين للإنكار مع
стр. 2629
التوبيخ؛ أي: لا ينبغي لكم أن تختلفوا في قتلهم، ولا ينبغي لكم أن تعدوهم في المهتدين، والتوبيخ للفريق القائل للنبي ﷺ لا تقتلهم؛ أي: ينبغي لكم أن تجتمعوا على قتلهم لظهور كفرهم.
وقرأ عبد الله (١): ﴿ركسهم﴾ ثلاثيًّا، وقرىء: ﴿ركَّسهم﴾ بالتشديد، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أي: ومن يرد الله إضلاله عن طريق الحق ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾ يا محمَّد أو أيها المخاطب ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك الضال الذي أضله الله تعالى ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا تهديه فيها إلى الحق.
والمعنى: ومن (٢) تقضي سننه تعالى في خلقه أن يكون ضالًا عن طريق الحق .. فلن تجد له سبيلًا يصل بسلوكها إليه، فإن للحق سبيلًا واحدة هي صراط الفطرة المستقيم، وللباطل سبلًا كثيرة، عن يمين سبيل الحق وعن شمالها، كل من سلك منها سبيلًا بَعُدَ عن سبيل الحق بقدر إيغاله في السبيل التي سلكها، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وقد أوضح النبي ﷺ معنى الآية بالخطوط الحسية، فخط في الأرض خطًّا فجعله مثالًا لسبيل الله تعالى، وخط على جانبيه خطوطًا لسبل الشيطان، وهذه الخطوط المستقيمة لا تلتقي مع الخط الأول.
وسبيل الفطرة تقتضي أن يعرض الإنسان جميع أعماله على ميزان الشرع وسنن العقل، ويتبع ما يظهر له أنه الحق الذي فيه منفعته عاجلًا وآجلًا، وفيه كماله الإنساني، وأكثر ما يصده عن هذه السبيل التقليد والغرور بالطواغيت، وظنه أنه ليس هناك ما هو أكمل مما هو فيه، وبهذا يقطع على نفسه طريق الحق، والنظر في النفع والضر والحق والباطل، وشبهته في ترك صراط الفطرة أن عقله قاصر عن التمييز بين الحق والباطل والخير والشر، فعليه أن يتبع ما وجد عليه الآباء والأجداد من زعماء عصره، ولو كانوا لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون، ثم ذكر ما يجول في صدور أولئك المنافقين من أماني فقال:
٨٩ - ﴿وَدُّوا لَوْ
стр. 2630
تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾؛ أي: تمنى هؤلاء المنافقون كفركم بمحمد ﷺ وبالقرآن كفرًا مثل كفرهم بهما، ﴿فَتَكُونُونَ﴾ أنتم وهم ﴿سَوَاءً﴾؛ أي: مستوين في الكفر؛ أي: إن هؤلاء لا يقنعون بما هم عليه من الضلال والغواية، بل يطمعون أن تكونوا أمثالهم، وتحذوا حذوهم، حتى يقضى على الإِسلام الذي أنتم عليه، وهذا منتهى ما يكون من الغلو والتمادي في الكفر، حيث لا يكتفون بضلالهم بل يرجون إضلال غيرهم.
ثم حذر المؤمنين من غوائل نفاقهم فقال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهذا جواب شرط محذوف، تقديره: إذا كان حال هؤلاء المنافقين ما ذُكر من ودادة كفركم، وطمعهم فيه .. فلا تجعلوا لكم منهم أولياء وأنصارًا يساعدونكم على المشركين، حتى يؤمنوا ويهاجروا من أوطانهم ويقاتلوا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله تعالى، والمراد بالهجرة هنا الخروج مع رسول الله ﷺ للقتال في سبيل الله تعالى، مخلصين صابرين محتسبين، وإنما قيد الهجرة بكونها في سبيل الله تعالى، لإخراج الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام ومن شعار الكفر إلى شعار الإِسلام لغرض من أغراض الدنيا كامرأة ينكحها أو دنيا يصيبها، فإن المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى.
واعلم أن الهجرة ثلاثة أقسام (١):
هجرة المومنين في أول الاسلام: وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ونحوهما من الآيات.
وهجرة المنافقين: وهي خروج الشخص مع رسول الله ﷺ صابرًا محتسبًا لأغراض الدنيا، وهي المرادة هنا.
وهجرة عن جميع المعاصي: وهي المرادة بقوله ﷺ : "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه".