← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (١) لما بين أحكام قتال المنافقين، الذين يظهرون الإِسلام خداعًا، ويسرون الكفر، ويساعدون أهله على قتال المؤمنين، والذين يعاهدون المسلمين على السلم، ويحالفونهم على الولاء والنصر، ثم يغدرون ويكونون عونًا لأعدائهم عليهم .. ذكر هنا قتل من لا يحل قتله من المؤمنين والمعاهدين والذميين، وما يقع منهم من ذلك عمدًا أو خطأ. قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما رغب في مقاتلة الكفار .. ذكر بعد ذلك ما يتعلق بالمحاربة، ومنها: أن يظن رجلًا حربيًّا فيقتله وهو مسلم، انتهى. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما رواه الشيخان وغيرهما عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. وأخرج (٣) سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن سعد بن معاذ قال: خطب رسول الله ﷺ الناس فقال: "من لي بمن يؤذيني ويجمع في بيته من يؤذيني"، فقال سعد بن معاذ: إن كان من الأوس .. قتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج .. أمرتنا فأطعناك، فقام سعد بن عبادة فقال: ما بك يا ابن معاذ طاعة رسول الله ﷺ ، ولقد عرفت ما هو منك، فقام أسيد بن حضير فقال: إنك يا ابن عبادة منافق، وتحب المنافقين، فقام محمَّد بن مسلمة فقال: اسكتوا يا أيها الناس فإن فينا رسول الله ﷺ ، وهو يأمرنا فننفذ أمره، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ...﴾ الآية. وأخرج (٤) أحمد عن عبد الرحمن بن عوف: أن قومًا من العرب أتوا

стр. 2627

رسول الله ﷺ بالمدينة فأسلموا، وأصابهم وباء المدينة وحُمَّاها فأركسوا، وخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من الصحابة، فقالوا لهم: ما لكم رجعتم، قالوا: أصابنا وباء المدينة، فقالوا: أما لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال بعضهم: نافقوا، وقال بعضهم: لم ينافقوا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ...﴾ الآية، في إسناده تدليس وانقطاع. وروى (١) ابن جرير عن ابن عباس: أنها نزلت في قوم أظهروا الإِسلام بمكة، وكانوا يعينون المشركين على المسلمين، فاختلف المسلمون في شأنهم وتشاجروا فنزلت الآية. قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم (٢) وابن مردويه عن الحسن: أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر النبي ﷺ على أهل بدر وأُحد وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك .. أسلموا ودخلوا في الإِسلام، وإن لم يسلموا .. لم يحسن تغليب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد فقال: "اذهب معه فافعل ما يريد"، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله ﷺ ، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، وأنزل الله : ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ وكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ في هلال بن عويمر الأسلمي، وسراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر بن عبد مناف، وأخرج أيضًا عن مجاهد أنها نزلت في هلال بن عويمر الأسلمي، وكان بينه وبين المسلمين عهد، وقصده ناس من قومه فكره أن يقاتل المسلمين، وكره أن يقاتل قومه.

стр. 2628

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال: كان الحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج الحارث مهاجرًا إلى النبي ﷺ ، فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء النبي ﷺ فأخبره، فنزلت ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ...﴾ الآية، فقرأها النبي ﷺ ، قال له: قم فحرر. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير من طريق بن جريج عن عكرمة: أن رجلًا من الأنصار قتل أخا مقيس بن صبابة، فأعطاه النبي ﷺ الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله، ولحق بمكة بعد ذلك وارتد عن الإِسلام، فقال النبي ﷺ : لا أؤمنه في حل ولا حرم، فقتل يوم الفتح، قال ابن جريج: وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ٨٨ - ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ﴾؛ أي: فأيُّ شيء ثبت لكم يا معشر المؤمنين حتى تفرقتم في شأن المنافقين، وصرتم في أمرهم ﴿فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: فرقتين، فرقة ترى أنهم يعدون من الأولياء، ويستعان بهم على سائر المشركين المجاهرين لهم بالعداوة والكفر، وفرقة ترى أن يعاملوا كما يعامل غيرهم من المشركين المعلنين العداوة، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن الله قد أركسهم وصرفهم وردهم عن الحق الذي أنتم عليه من الإيمان والجهاد في سبيل الله، ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: بسبب ما اقترفوا من أعمال الشرك والنفاق، واجترحوا من المعاصي، حتى إنهم لا ينظرون إليكم نظرة المودة والإخاء، بل نظرة العداوة والبغضاء، ويتربصون بكم الدوائر، ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ تَهْدُوا﴾ وترشدوا إلى طريق الحق ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾؛ أي: من أراد الله تعالى إضلاله وغوايته؛ أي: أتقولون هؤلاء مهتدون والله تعالى أضلهم، وهذا خطاب للفئة التي دافع عن المنافقين، والمراد بالهداية المنفية خلق الهداية في الخلق، وأما الهداية بمعنى الإرشاد والتبيين فهي للرسل، والاستفهام في الموضعين للإنكار مع

стр. 2629

التوبيخ؛ أي: لا ينبغي لكم أن تختلفوا في قتلهم، ولا ينبغي لكم أن تعدوهم في المهتدين، والتوبيخ للفريق القائل للنبي ﷺ لا تقتلهم؛ أي: ينبغي لكم أن تجتمعوا على قتلهم لظهور كفرهم. وقرأ عبد الله (١): ﴿ركسهم﴾ ثلاثيًّا، وقرىء: ﴿ركَّسهم﴾ بالتشديد، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أي: ومن يرد الله إضلاله عن طريق الحق ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾ يا محمَّد أو أيها المخاطب ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك الضال الذي أضله الله تعالى ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا تهديه فيها إلى الحق. والمعنى: ومن (٢) تقضي سننه تعالى في خلقه أن يكون ضالًا عن طريق الحق .. فلن تجد له سبيلًا يصل بسلوكها إليه، فإن للحق سبيلًا واحدة هي صراط الفطرة المستقيم، وللباطل سبلًا كثيرة، عن يمين سبيل الحق وعن شمالها، كل من سلك منها سبيلًا بَعُدَ عن سبيل الحق بقدر إيغاله في السبيل التي سلكها، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وقد أوضح النبي ﷺ معنى الآية بالخطوط الحسية، فخط في الأرض خطًّا فجعله مثالًا لسبيل الله تعالى، وخط على جانبيه خطوطًا لسبل الشيطان، وهذه الخطوط المستقيمة لا تلتقي مع الخط الأول. وسبيل الفطرة تقتضي أن يعرض الإنسان جميع أعماله على ميزان الشرع وسنن العقل، ويتبع ما يظهر له أنه الحق الذي فيه منفعته عاجلًا وآجلًا، وفيه كماله الإنساني، وأكثر ما يصده عن هذه السبيل التقليد والغرور بالطواغيت، وظنه أنه ليس هناك ما هو أكمل مما هو فيه، وبهذا يقطع على نفسه طريق الحق، والنظر في النفع والضر والحق والباطل، وشبهته في ترك صراط الفطرة أن عقله قاصر عن التمييز بين الحق والباطل والخير والشر، فعليه أن يتبع ما وجد عليه الآباء والأجداد من زعماء عصره، ولو كانوا لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون، ثم ذكر ما يجول في صدور أولئك المنافقين من أماني فقال: ٨٩ - ﴿وَدُّوا لَوْ

стр. 2630

تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾؛ أي: تمنى هؤلاء المنافقون كفركم بمحمد ﷺ وبالقرآن كفرًا مثل كفرهم بهما، ﴿فَتَكُونُونَ﴾ أنتم وهم ﴿سَوَاءً﴾؛ أي: مستوين في الكفر؛ أي: إن هؤلاء لا يقنعون بما هم عليه من الضلال والغواية، بل يطمعون أن تكونوا أمثالهم، وتحذوا حذوهم، حتى يقضى على الإِسلام الذي أنتم عليه، وهذا منتهى ما يكون من الغلو والتمادي في الكفر، حيث لا يكتفون بضلالهم بل يرجون إضلال غيرهم. ثم حذر المؤمنين من غوائل نفاقهم فقال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهذا جواب شرط محذوف، تقديره: إذا كان حال هؤلاء المنافقين ما ذُكر من ودادة كفركم، وطمعهم فيه .. فلا تجعلوا لكم منهم أولياء وأنصارًا يساعدونكم على المشركين، حتى يؤمنوا ويهاجروا من أوطانهم ويقاتلوا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله تعالى، والمراد بالهجرة هنا الخروج مع رسول الله ﷺ للقتال في سبيل الله تعالى، مخلصين صابرين محتسبين، وإنما قيد الهجرة بكونها في سبيل الله تعالى، لإخراج الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام ومن شعار الكفر إلى شعار الإِسلام لغرض من أغراض الدنيا كامرأة ينكحها أو دنيا يصيبها، فإن المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى. واعلم أن الهجرة ثلاثة أقسام (١): هجرة المومنين في أول الاسلام: وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ونحوهما من الآيات. وهجرة المنافقين: وهي خروج الشخص مع رسول الله ﷺ صابرًا محتسبًا لأغراض الدنيا، وهي المرادة هنا. وهجرة عن جميع المعاصي: وهي المرادة بقوله ﷺ : "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه".

стр. 2631

والمعنى: إذا كانت هذه حالهم .. فلا تتخذوا منهم أنصارًا يساعدونكم على المشركين حتى يؤمنوا ويهاجروا ويشاركوكم في سائر شؤونكم، فإن الصادقين في إيمانهم لا يدعون النبي ﷺ ومن معه عرضة للخطر، ولا يتركوا الهجرة إلا إذا عجزوا عنها، وإذًا فتركهم لها علامة على نفاقهم الذي اختلفتم فيه. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله تعالى، والمراد بها القتال مع المسلمين مع الإخلاص والنصح؛ أي: فإن أعرضوا عن الهجرة، وأقاموا على ما هم عليه من النفاق، من غير هجرة، ومن غير صدق ونصح مع المسلمين، ولزموا مواضعهم في خارج المدينة .. ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ بالأسر إذا قدرتم عليهم ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: أينما وجدتموهم في الحل أو في الحرم، فإن حكمهم حكم سائر المشركين قتلًا وأسرًا، وهذا مشكل من حيث إن المنافقين ينطقون بالشهادتين، ومن نطق بهما لا يجوز أسره ولا قتله إلا أن يحمل هذا على قوم من المنافقين ارتدوا وصرحوا بالكفر. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ﴾ في هذه الحالة ﴿وَلِيًّا﴾ يتولى شيئًا من مهام أموركم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصركم على أعدائكم، فإنهم أعداء، وقد استثنى الله سبحانه منهم من تؤمن غائلتهم بأحد أمرين: ٩٠ - أحدهما: ما ذكره بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ وهذا مستثثى من الأخذ والقتل فقط، وأما الموالاة فحرام مطلقًا، لا تجوز بحال، وعبارة الكرخي: قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾ استثناء من ضمير المفعول في: ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾ لا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا﴾ وإن كان أقرب مذكور، لأن اتخاذ الولي منهم حرام بلا استثناء، بخلاف قتلهم، انتهت. أي: فخذوهم واقتلوهم إلا الذين يتصلون بقوم معاهدين للمسلمين، فيدخلون في عهدهم، ويرضون بحكمهم، فيمتنع قتلهم مثلهم، لأنهم صاروا في أمانكم بواسطة التجائهم إلى المعاهدين، والمعنى: أن من دخل في عهد من كان داخلًا في عهدكم فهم أيضًا داخلون في عهدكم فلا يجوز أخذهم ولا قتلهم. وثانيهما: ما ذكره بقوله تعالى: ﴿أَوْ﴾ إلا الذين ﴿جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾؛ أي: أو إلا الذين جاؤوكم، وأتوكم حالة كونهم قد ضاقت صدورهم، وخافت قلوبهم عن قتالكم، وعن قتال قومهم، فلا تنشرح

стр. 2632

صدورهم لأحد الأمرين، والمعنى: أنهم جاؤوا المسلمين مسالمين لا يقاتلونهم، ولا يقاتلون قومهم معهم، بل يكونون على الحياد، فهم لا يقاتلون المسلمين مع قومهم حفظًا للعهد، ولا يقاتلون قومهم مع المسلمين لأنهم أقاربهم. والحاصل: أنه استثنى من المأمور بقتلهم فريقين: أحدهما: من ترك المحاربين ولحق بالمعاهدين. والآخر: من أتى المؤمنين وكف عن قتال الفريقين، فريق الإِسلام وفريق قومهم، وقبول معذرة الفريقين موافق لما يبنى عليه الإِسلام من التسامح والسماحة وعدم الاعتداء، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ تسليطهم عليكم وقتالهم لكم ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾؛ أي: لسلط هؤلاء المعاهدين من الفريقين ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ببسط صدورهم، وتقوية قلوبهم، وإزالة الرعب عنها، ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ ولم يكفوا عنكم، وهذا في الحقيقة جواب ﴿لو﴾، وما قبله توطئة له، وهذه اللام هي اللام التي في قوله تعالى: ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ وأعيدت تأكيدًا، ولكنه لم يشأ فألقى في قلوبهم الرعب، وقرأ الجمهور (١): ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ بألف المفاعلة وقرأ مجاهد وطائفة: ﴿فلقتلوكم﴾ على وزن ضربوكم، وقرأ الحسن والجحدري ﴿فلقتلوكم﴾ بالتشديد، والمعنى: أن ضيق صدوركم عن قتالكم إنما هو بقذف الله تعالى الرعب في قلوبهم، ولو قوى قلوبهم على قتال المسلمين .. لتسلطوا عليهم، والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى منَّ على المسلمين بكف بأس المعاهدين، فالله سبحانه بنظامه في الأسباب والمسببات، وسننه في الأفراد والجماعات جعل الناس في ذلك العصر أصنافًا ثلاثةً: ١ - سليمو الفطرة الذين حصفت (٢) آراؤهم، فسارعوا إلى الإيمان، واستنارا بنور الإِسلام.

стр. 2633

٢ - المسالمون الذين رجحوا أن يكونوا على الحياد، لا مع المشركين ولا مع المؤمنين. ٣ - الموغلون في الضلال والشرك، والمحافظون على القديم وهم المحاربون. ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾؛ أي: فإن ترك هؤلاء المعاهدون من الفريقين إياكم، وابتعدوا عن قتالكم، ولم يتعرضوا لكم ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ مع قومهم ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ أي: الصلح والأمان، وأعطوا لكم زمام أمرهم بالانقياد للصلح والأمان، وقرأ الجحدري ﴿السلم﴾ بسكون اللام، وقرأ الحسن: بكسر السين وسكون اللام، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾؛ أي: ما جعل لكم سبيلًا وطريقًا تسلكونها للاعتداء عليهم بالأسر والقتل، إذ من قواعد ديننا أن لا نعتدي إلا على من يعتدي علينا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا. قال بعض المفسرين (١): هذا منسوخ بآية السيف، وهي قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقال بعضهم: هي غير منسوخة؛ لأنا إذا حملناها على المعاهدين، فكيف يمكن أن يقال إنها منسوخة؟ ثم بين تعالى جماعة آخرين وبالغ في ذمهم فقال: ٩١ - ﴿سَتَجِدُونَ﴾ أيها المؤمنون عن قريب قومًا ﴿آخَرِينَ﴾ من المنافقين غير من سبق ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأمَنُوكُمْ﴾؛ أي: يأمنوا من قتالكم بإظهار الإِسلام عندكم ﴿وَيَأمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾؛ أي: من بأس قومهم بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم، فكانوا مذبذبين بين المؤمنين والكافرين، فهم قد غلت عليهم أرواحهم، ورخصت عليهم عقولهم، يظهرون لكل من الفئتين أنهم منهم أو معهم، ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا﴾؛ أي: كلما دعوا ﴿إِلَى الْفِتْنَةِ﴾؛ أي: إلى الشرك وعداوة المؤمنين .. ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾؛ أي: قلبوا في الفتنة أقبح قلب، وكبوا فيها على وجوههم أشد انكباب، وأوقعوا فيها أبلغ إيقاع، وكانوا فيها شرًّا من كل عدو شرير، وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعدواة المسلمين؛ لأن من وقع

стр. 2634

في شيء منكوسًا يتعذر خروجه منه، فهم يريدون أن يأمنوا جانب المسلمين، إما بإظهار الإِسلام، وإما بالعهد على السلم وترك القتال، ثم يفتنهم المشركون؛ أي: يحملونهم على الشرك أو على مساعدتهم على قتال المسلمين، فيرتكسون ويتحولون شرَّ التحول معهم، وهكذا يفعلون ذلك المرة بعد المرة، فهم مردوا على النفاق، وهم (١) قوم من أسد وغطفان، كانوا مقيمين حول المدينة، فإذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا وقالوا لأصحاب رسول الله ﷺ : إنا على دينكم ليأمنوا من قتال المسلمين، وإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ليأمنوا من قومهم، حتى كان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت، فيقول: آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء. وقرأ ابن وثاب والأعمش: ﴿ردوا﴾ بكسر الراء لما أدغم نقل الكسرة إلى الراء، وقرأ عبد الله: ﴿ركسوا﴾ بضم الراء من غير ألف مخففًا، وقال ابن جني عنه: بشد الكاف. وقد بين الله تعالى حكمهم بقوله ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾؛ أي: فإن لم يتركوا قتالكم، ﴿و﴾ لم ﴿يلقوا إليكم السلم﴾؛ أي: لم يطلبوا منكم الصلح، ﴿و﴾ لم ﴿يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عن قتالكم ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ بالأسر ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: في أي محل وجدتموهم فيه من حل أو حرم، فلا علاج لهم غير ذلك، كما ثبت بالتجارب والاختبار، ﴿وَأُولَئِكُمْ﴾ الموصوفون بهذه الصفة ﴿جَعَلْنَا لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على جواز قتلهم ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾؛ أي: حجة واضحة وبرهانًا ظاهرًا، وهي ظهور عداوتهم، وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بأهل الإِسلام، أو جعلنا لكم عليهم تسلطًا ظاهرًا، حيث أذنَّا لكم في أخذهم وقتلهم، ٩٢ - ﴿وَمَا كَانَ﴾ ينبغي، ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ ولا يليق به ولا يصح ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ بغير حق ﴿إِلَّا خَطَأً﴾؛ أي: إلا حالة كونه مخطئًا في قتله؛ أي: ليس المؤمن كالكافر الذي تقدم في إباحة دمه، فحينئذ لا يليق بمؤمن قتل مؤمن في حال من الأحوال، إلا في حالة كونه ملتبسًا بخطأ، بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة فأصابه، أو ملتبسًا بشبه عمد كان ضربه بما لا يقتل غالبًا، كالعصا

стр. 2635

الخفيفة والصفع واللطم، والمراد بالخطأ هنا: ما يشمل شبه العمد، فيقال حينئذ في ضبطه وتعريفه: هو ما لا يقارنه قصد إلى الفعل أو إلى الشخص، أو ما لا يقصد به زهوق الروح غالبًا. والمعنى: ليس (١) من شأن المؤمن ولا من خُلقه أن يقتل أحدًا من المؤمنين، إذ الإيمان وهو صاحب السلطان على النفس والحاكم على الإرادة والمصرف لها يمنعه أن يجترح هذه الكبيرة عمدًا، لكنه قد يفعل ذلك خطأ، ذلك أنه لا يكمل إيمان المؤمن إلا إذا شعر بحقوق الإيمان عليه، وهي حقوق لله تعالى وحقوق للعباد، ومن الثانية القصاص، لما في ذلك من الزجر من القتل، ولما في تركه من الاستهزاء بحقوق الدماء، ومن استهزأ بها .. كان قد انتهك أكبر حق من حقوق الأمة، وهدم ركنًا من أركان الإيمان، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وسبب العقوبة على الفعل الخطأ كالقتل: أن الخطأ لا يخلو من التهاون وعدم العناية ومثله النسيان، إذ من شأنهما أن يعاقب الله تعالى عليهما، ومن ثم أمرنا الله تعالى أن ندعوه أن لا يؤاخذنا عليهما بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأنَا﴾ كما ثبت بنص القرآن أن آدم نسي، وسمى مخالفته معصية وعوقب عليها، ولكن ورد في السنة قوله ﷺ : "وضع الله عن هذه الأمة ثلاثًا: الخطأ والنسيان، والأمر يكرهون عليه". رواه ابن ماجه. ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ بأن قصد رمي صيد أو غرض فأصاب مؤمنًا، أو قصد رمي المشرك فأصاب مسلمًا، أو ظن الشخص مشركًا فقتله فبان مسلمًا، أو قتله شبه عمد، ويسمى عمد خطأ، وخطأ عمد، كأن ضربه بما لا يقتل عادة، كأن صفعه باليد، أو ضربه بعصا فمات، ولم يقصد قتله. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: فالواجب عليه عتق نسمة من أهل الإيمان؛ لأنه لما أعدم نفسًا مؤمنة كان كفارته أن يوجد نفسًا،

стр. 2636

والعتق كالإيجاد من العدم، ﴿و﴾ عليه من الجزاء مع عتق الرقبة ﴿دية مسلمة﴾؛ أي: مدفوعة ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾؛ أي: إلى أهل المقتول وورثته ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾؛ أي: إلا أن يعفوا أهل المقتول عن تلك الدية، ويسقطوها باختيارهم؛ لأنها إنما وجبت تطييبًا لقلوبهم حتى لا تقع عداوة ولا بغضاء بينهم وبين القاتل، وتعويضًا عما فاتهم من المنفعة بقتله، فإذا هم عفوا .. فقد طابت نفوسهم، وانتفى المحذور، وكانوا هم ذوي الفضل على القاتل، وقد سمى الله تعالى هذا العفو تصدقًا، ترغيبًا فيه وحثًّا عليه وتنبيهًا على فضله، وفي الحديث: "كل معروف صدقة" وبينت السنة أنها مئة من الإبل، عشرون بنت مخاض، وكذا بنات لبون، وبنو لبون، وحقاق، وجذاع، وأنها على عاقلة القاتل، وهم عصبته، إلا الأصل والفرع، موزعة عليهم في ثلاث سنين: على الغني منهم نصف دينار، والمتوسط ربعٌ كل سنة، والحكمة في ذلك تقرير التضامن بين الأقربين، فإن لم يقوا .. فمن بيت المال - الوزارة المالية - فإن تعذر .. فعلى الجاني، وتجزىء قيمة الإبل إذا حصل التراضي بين الدافع والمستحق، ودية المرأة نصف دية الرجل؛ لأن المنفعة التي تفوت أهل الرجل بفقده أعظم من المنفعة التي تفوت بفقدها. وقد روي أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا جاء فيه: "إن من اعتبط - قتل بغير سبب شرعي - مؤمنًا، قتلًا عن بينة، فإنه قود؛ أي: قصاص يقتل به إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية، مئة من الإبل، ثم قال: وعلى أهل الذهب ألف دينار". وفي هذا دليل على أن دية الإبل على أهلها، إذا كانت هي رأس أموالهم، وأن الذين يتعاملون بالذهب كأهل المدن تكون من الذهب أو الفضة، وعلى أن هذا أصل لا قيمة للإبل. فالدية ضابطها هو المال الواجب بالجناية على الحر في النفس، أو فيما دونها، ويعطى إلى ورثة المقتول، عوضًا عن دمه. وقرأ الجمهور (١): ﴿يَصَّدَّقُوا﴾ وأصله يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد،

стр. 2637

وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وعبد الوارث عن أبي عمرو ﴿تصدقوا﴾ بالتاء على الخطاب، وقرىء: ﴿تصدقوا﴾ بالتاء وتخفيف الصاد، وأصله تتصدقوا، فحذف إحدى التاءين على الخلاف في أيهما هي المحذوفة، وفي حرف أبي وعبد الله: ﴿يتصدقوا﴾ بالياء والتاء. ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ المقتول خطأ ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾؛ أي: من سكان دار الحرب، بأن أسلم فيما بينهم ولم يفارقهم، أو بأن أتاهم بعد أن فارقهم لمهم من المهمات، ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: المقتول ﴿مُؤْمِنٌ﴾ ولم يعلم القاتل بكونه مؤمنًا، كالحارث بن يزيد كان من قريش، وهم أعداء النبي ﷺ ، والمؤمنون في حرب معهم، ولم يعلم المسلمون إيمانه؛ لأن قد قتله عياش حين خروجه مهاجرًا، وهو لم يعلم بذلك، ومثله كل من آمن في دار الحرب ولم يعلم المسلمون بإيمانه حين قتله، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: فالواجب على القاتل بسبب قتله الواقع على سبيل الخطأ هو عتق نسمة من أهل الإيمان فقط، وأما الدية فلا تجب، إذ لا وراثة بين المقتول وأهله؛ لأنهم أعداء يحاربون المسلمين، فلا يعطون من أموال المسلمين ما يستعينون به على قتالهم والتنكيل بهم، وأما الكفارة فإنها حق الله تعالى ليقوم المعتوق به مقام المقتول في المواظبة على العبادات. ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ المقتول خطأ ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾ كفرة ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾؛ أي: وبين أولئك الكفرة ﴿مِيثَاقٌ﴾؛ أي: عهد مؤقت أو مؤبد على ترك القتال بينهم، كما هو حال الدول في العصر الحاضر يعقد بعضهم معاهدات ومواثيق مع بعض آخر على أن لا يقاتلوهم ولا يساعدوا عليهم عدوًّا، ﴿فَدِيَةٌ﴾؛ أي: فالواجب على قاتله دية ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أي: مؤداة ﴿إلَى أَهْلِهِ﴾؛ أي: إلى أهل المقتول الكفار المعاهدين. وقرأ الحسن (١): ﴿وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمن﴾ بزيادة: وهو مؤمن، وبه قال مالك، وقد اختلف الفقهاء في دية غير المسلمين، لاختلاف الرواية في ذلك، روى أحمد والترمذي أن النبي ﷺ قال: "عقل - دية - الكافر نصف دية المسلم"، وروي عن أحمد: أن

стр. 2638

ديته كدية المسلم إن قتل عمدًا، وإلا فنصف ديته، وذهب الزهري وأبو حنيفة: إلى أن ديته كدية المسلم لظاهر الآية في أهل الميثاق، وهم المعاهدون وأهل الذمة، وذهب الشافعي: إلى أن دية الكافر ثلث دية المسلم إن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا تحل مناكحته، وثلثا عشرها إن كان مجوسيًّا أو كتابيًّا لا تحل مناكحته، وعلى الجملة فالروايات متعارضة ومن ثم اختلف الفقهاء فيها كما سيأتي بسط ذلك إن شاء الله تعالى. ﴿و﴾ على القاتل أيضًا ﴿تحرير رقبة مؤمنة﴾ أي: عتق نفس متصفة بالإيمان ولو صغيرًا لحق الله تعالى، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ رقبة يعتقها في الكفارة، بأن لم يجد مالًا يشتريها به من مالكها ليحررها من الرق، أو لم يجد رقيقًا، ﴿فـ﴾ عليه ﴿صيام شهرين﴾ قمريين بدلًا عن عتق الرقبة ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ أي: متواليين وجوبًا بحيث لا يفصل يومين منهما إفطار في النهار بغير عذر شرعي، فإن أفطر يومًا بغير عذر شرعي، استأنفه وكان ما صامه قبل كأن لم يكن، أما الإفطار بعذر كحيض ونفاس فلا يضر، ولو كان كثيرًا، ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: شرع الله ذلك التكفير توبة على القاتل خطأ، وتجاوزًا عن تقصيره في ترك الاحتياط، حيث لم يبحث عن المقتول وحاله، وحيث لم يجتهد حتى لا يخطيء، لأنه لو بالغ في الاحتياط .. لم يصدر منه ذلك الفعل الخطأ، ﴿وَكاَنَ الَّلهُ﴾ ﴿عَلِيمًا﴾ بأحوال النفوس وما يطهرها، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما شرعه من الأحكام والآداب التي بها هدايتكم وإرشادكم إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة. فائدة: حاصل (١) ما ذكره في الخطأ ثلاثة أقسام؛ لأن المقتول إما مؤمن أو كافر معاهد، والأول إما أن تكون ورثته مسلمين أو حربيين، فالمؤمن الذي ورثته مسلمون فيه الدية والكفارة، وكذا الكافر المُؤمَّنُ، أما المؤمن الذي ورثته كفار حربيون ففيه الكفارة فقط.

стр. 2639

فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل المسألة الأولى: في بيان صفة القتل قال الشافعي: القتل على ثلاثة أقسام: عمد وشبه عمد وخطأ. أما العمد المحض: فهو أن يقصد قتل إنسان بما يقتل به غالبًا، فقتل به، ففيه القصاص عند وجود التكافؤ، أو دية حالة مغلظة في مال القاتل. وأما شبه العمد: فهو أن يقصد ضرب إنسان بما لا يقتل بمثله غالبًا مثل أن ضربه بعصا خفيفة، أو رماه بحجر صغير فمات، فلا قصاص عليه، وتجب عليه دية مغلظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين. وأما الخطأ المحض: فهو أن لا يقصد قتله، بل قصد شيئًا آخر فأصابه، فمات منه، فلا قصاص عليه، وتجب فيه دية مخففة على عاقلته، مؤجلة إلى ثلاث سنين. ومن صور قتل الخطأ أيضًا: أن يقصد رمي مشرك أو كافر فيصيب مسلمًا، أو يقصد قتل إنسان يظنه مشركًا، بأن كان عليه لباس المشركين أو شعارهم، فبان مسلمًا، فالصورة الأولى خطأ في الفعل والثانية خطأ في القصد. المسألة الثانية: في حكم الديات فدية الحر المسلم مئة من الإبل، فإذا عدمت الإبل .. فتجب قيمتها من الدراهم أو الدنانير في قول، وفي قول بدل مقدر، وهو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، ويدل على ذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كانت الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمان مئة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، قال: وكانت دية أهل الكتاب يومئذ على النصف من دية المسلم، فكانت كذلك حتى استخلف عمر، فقام خطيبًا، فقال: إن الإبل قد غلت، ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة، قال: وترك دية أهل الكتاب، فلم يرفعها فيما رفع من الدية، أخرجه أبو داود.

стр. 2640

وذهب قوم إلى أن الواجب في الدية مئة من الإبل، أو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، وهو قول عروة بن الزبير، والحسن البصري، وبه قال مالك والشافعي. وذهب قوم إلى أنها مئة من الإبل، أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. ودية المرأة نصف دية الذكر الحر، ودية أهل الذمة والعهد ثلث دية المسلم إن كان كتابيًّا، وإن كان مجوسيًّا فخمس الثلث ثمان مئة درهم، وهو قول سعيد بن المسيب وإليه ذهب الشافعي. وذهب قوم إلى أن دية الذمي والمعاهد مثل دية المسلم، روي ذلك عن ابن مسعود، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال قوم: دية الذمي نصف دية المسلم، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك وأحمد، والأصل في ذلك ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: "دية المعاهد نصف دية الحر". أخرجه أبو داود. وعنه أن النبي ﷺ قال: "عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى" أخرجه النسائي. فمن ذهب إلى أن دية أهل الذمة ثلث دية المسلم أجاب عن هذا الحديث بأن الأصل في ذلك كان النصف، ثم رفعت زمن عمر دية المسلم ولم ترفع دية الذمي، فبقيت على أصلها وهو قدر الثلث من دية المسلمين. والدية في قتل العمد وشبه العمد مغلظة فتجب ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها، وهذا قول عمرو بن زيد بن ثابت، وبه قال عطاء، وإليه ذهب الشافعي، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل متعمدًا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم"، وذلك لتشديد العقل. أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن غريب. وعن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: خطب النبي ﷺ -

стр. 2641

يوم الفتح فقال: "ألا وإن قتيل العمد بالسوط والعصا والحجر مئة من الإبل، أربعون ثنية إلى بازل (١) عامها كلهن خلفة". وفي رواية أخرى: "ألا إن كل قتيل خطأ العمد أو شبه العمد قتيل السوط والعصا مئة من الإبل فيها أربعون في بطونها أولادها" أخرجه النسائي. وذهب قوم إلى أن الدية المغلظة أرباع، خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهذا قول الزهري وربيعة، وإليه ذهب مالك وأحمد وأصحاب الرأي. وأما دية الخطأ فمخففة، وهي أخماس بالاتفاق، غير أنهم اختلفوا في تقسيمها، فذهب قوم إلى أنها عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهذا قول عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة، وبه قال مالك والشافعي، وأبدل قوم أبناء اللبون بأبناء المخاص يروون ذلك عن ابن مسعود، وبه قال أحمد وأصحاب الرأي. والدية في قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة، وهم العصبات من المذكور، ولا يجب على الجاني منها شيء؛ لأن النبي ﷺ أوجبها على العاقلة. ودية الأعضاء والأطراف حكمها مبين في كتب الفقه، فلا نطيل الكلام بها، ودية أعضاء المرأة على النصف من دية أعضاء الرجل. والله أعلم. المسألة الثالثة: في حكم الكفارة الكفارة: إعتاق رقبة مؤمنة، وتجب في مال القاتل، سواء كان المقتول مسلمًا أو معاهدًا، رجلًا كان أو امرأة، حرًّا كان أو عبدًا، فمن لم يجد الرقبة .. فعليه صيام شهرين متتابعين، فالقاتل إن كان واجدًا لرقبة أو قادرًا على تحصيلها بوجود الثمن، فاضلًا عن نفقته ونفقة عياله، وحاجته من مسكن ونحوه .. فعليه

стр. 2642

الإعتاق، ولا يجوز له أن ينتقل إلى الصوم، فإن عجز عن الرقبة، أو عن تحصيل ثمنها .. فعليه صوم شهرين متتابعين، فإن أفطر يومًا متعمدًا في خلال الشهرين، أو نسي النية، أو نوى صومًا آخر .. وجب عليه استئناف الشهرين، وإن أفطر يومًا بعذر مرض أو سفر هل ينقطع التتابع؟ اختلف العلماء فيه: فمنهم من قال: ينقطع التتابع وعليه استئناف الشهرين، وهو قول النخعي، وأظهر قولي الشافعي؛ لأنه أفطر مختارًا. ومنهم من قال: لا ينقطع التتابع، وعليه أن يبني، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي. ولو حاضت المرأة في خلال الشهرين أفطرت أيام الحيض، ولا ينقطع، فإذا طهرت .. بنت؛ لأنه أمر كتبه الله تعالى على بنات آدم، ولا يمكن الاحتراز عنه. فإن عجز عن الصوم، فهل ينتقل عنه إلى الإطعام، فيطعم ستين مسكينًا؟ .. فيه قولان: أحدهما: أنه ينتقل إلى الإطعام كما في كفارة الظهار. والثاني: لا ينتقل لأن الله تعالى لم يذكر له بدلًا، فقال: فصيام شهرين متتابعين توبة من الله، فنص على الصوم، وجعل ذلك عقوبة لقتل الخطأ والله أعلم. ٩٣ - ثم بين الله حكم القتل العمد وعقوبته الشديدة، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ﴾ شخصًا ﴿مُؤْمِنًا﴾ بالله ورسوله، حالة كون القاتل ﴿مُتَعَمِّدًا﴾؛ أي: قاصدًا قتله بما يقتل غالبًا كالسيف مثلًا، عالمًا بكونه مؤمنًا ولو ظنًّا ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: فجزاء ذلك القاتل وعقوبته جهنم؛ أي: فجزاؤه وعقوبته على قتله أن يدخل جهنم حالة كونه ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾؛ أي: حالة كونه ماكثًا في جهنم مكثًا مؤبدًا إن استحل قتله، أو ماكثًا مكثًا طويلًا إن لم يستحل ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: وسخط الله على ذلك القاتل سخطًا شديدًا، يستلزم الانتقام منه، ﴿وَلَعَنَهُ﴾؛ أي: وطرده الله تعالى من رحمته، وأبعده عنها في الدنيا والآخرة، ﴿وَأَعَدَّ لَهُ﴾؛ أي: وهيأ الله تعالى لذلك القاتل في جهنم ﴿عَذَابًا عَظِيمًا﴾؛ أي: تعذيبًا شديدًا لا يقادر قدره إلا الله تعالى، جزاء على عمله الشنيع.

стр. 2643

وللعلماء في توبة قاتل المؤمن عمدًا آراء ثلاثة: ١ - يرى ابن عباس وفريق من السلف: أن قاتل المؤمن عمدًا لا تقبل له توبة، وهو خالد في النار أبدًا، ويدل على ذلك ما أخرجه أحمد والنسائي عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا". وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة، كتب بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله تعالى"، وروي عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: "لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله تعالى من قتل مؤمن، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن .. لأدخلهم الله تعالى النار". وعن ابن عمر أنه ﵊ قال: "لو أن الثقلين اجتمعوا على قتل مؤمن .. لأكبهم الله تعالى على مناخرهم في النار، وإن الله تعالى حرم الجنة على القاتل والآمر". وهؤلاء يرون أن التائب من الشرك وقد كان قاتلًا زانيًا تقبل توبته، ولا تقبل توبة المؤمن الذي ارتكب القتل وحده، إذ الأول لم يؤمن بالشريعة التي تحرم هذه الأمور، فله شبه عذر إذا هو كان متبعًا لهواه بالكفر، وما يتبعه، ولم يكن ظهر له صدق النبوة، فلما ظهر له الدليل على أن ما كان عليه كفر وضلال وتاب وأناب وعمل صالحًا كان جديرًا بالعفو، وأما المؤمن الموقن بصحة النبوة وحرمة القتل، فلا عذر له، إذ هو يعلم أن المؤمن أخ له ونصير، فكيف يعود بعد هذا إلى الاستهانة بأمر الله وحكمه، وتوهين أمر دينه بهدم أركان قوته، ومن ثم يهن المسلمون ويضعفون، ويكون بأسهم بينهم شديدًا. وإنك لترى أنه ما انحلت الرابطة بين المسلمين، وانفصمت عروة الوفاق بينهم، إلا بعد أن أقدم بعضهم على سفك دماء بعض، ورجحوا شهوة الغضب والانتقام على أمر الله تعالى، ومن رجح شهوات نفسه الضارة على أمر الله، وعلى مصلحة المؤمنين بغير شبهة .. فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة، إذ هؤلاء تجرؤوا على حدود دينه ولم يبق للشرع حرمة في قلوبهم.

стр. 2644

قال في "الكشاف": هذه الآية فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم، وخطب جليل، ومن ثم روي عن ابن عباس أن توبة قاتل المؤمن عمدًا غير مقبولة، والعجب من قوم يقرؤون هذه الآية، ويرون ما فيها، ويسمعون هذه الأحاديث التي تقدم ذكرها، وقول ابن عباس بمنع التوبة، ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة، واتباعهم هواهم، وما يخيل إليهم مُناهم أن يطمعوا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة، ﴿فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ انتهى. ٢ - فريق آخر يرى: أن المراد بالخلود المكث الطويل، لا الدوام؛ لتظاهر النصوص القاطعة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم، وما في الآية إخبار من الله بأن جزاءه ذلك، لا بأنه يجزيه ذلك، كما جاء في قوله جل ذكره: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فإنه لو كان المراد منها أنه سبحانه يجز كل سيئة بمثلها، لعارضه قوله جل شأنه: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ومن ثم روي عن النبي ﷺ مرفوعًا أنه قال: "هو جزاؤه إن جازاه"، وبهذا قال جمع من العلماء، وقالوا: هو كما يقول الإنسان لمن يزجره عن أمر: إن فعلت فجزاؤك القتل والضرب، وهو إن لم يجازه .. لم يكن كذابًا، وقد روح عن ابن عباس جواز المغفرة بلا توبة أيضًا، وقال في الآية: هي جزاؤه، فإن شاء .. عذبه، وإن شاء .. غفر له. ٣ - ويري فريق ثالث: أن حكم الآية إنما هو للقاتل المستحل، وحكمه مما لا شك فيه جواب المبتدأ: حكمه، وعكرمة وابن جريج فسرا متعمدًا مستحلًا في الآية؛ أي: ومن يقتل مؤمنًا، متعمدًا لقتله، مستحلًا له .. فجزاؤهُ جهنم خالدًا فيها أبدًا. الإعراب ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: اسم استفهام إنكار في محل الرفع مبتدأ، ﴿لَكُم﴾: جار ومجرور خبره، تقديره: فأي شيء ثابت لكم، والجملة

стр. 2645

مستأنفة، ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ﴾: متعلق بصار المحذوف، ﴿فِئَتَيْنِ﴾: خبر لصار المحذوف، تقديره: فما لكم صرتم فئتين في المنافقين، وجملة صار المحذوفة حال من ضمير ﴿لَكُمْ﴾، والتقدير: فأي شيء ثبت لكم حال كونكم صائرين فرقتين في المنافقين. وفي "السمين": ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ (١): مبتدأ وخبر، و ﴿فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق بما تعلق به الخبر وهو ﴿لَكُمْ﴾؛ أي: أي شيء كائن لكم، أو مستقر لكم في أمر المنافقين. والثاني: أنه متعلق بمعنى ﴿فِئَتَيْنِ﴾، فإنه في قوة مالكم تفترقون في أمور المنافقين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والثالث: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من ﴿فِئَتَيْنِ﴾؛ لأنه في الأصل صفة لها، تقديره: فئتين مفترقتين في المنافقين، وصفة النكرة إذا تقدمت عليها .. انتصبت حالًا. وفي ﴿فِئَتَيْنِ﴾ وجهان: أحدهما: أنه حال من الكاف والميم في ﴿لَكُمْ﴾، والعامل فيها الاستقرار الذي تعلق به ﴿لَكُمْ﴾، ومثله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ وقد تقدم أن هذه الحال لازمة؛ لأن الكلام لا يتم بدونها، وهذا مذهب البصريين في كل ما جاء من هذه التراكيب. والثاني: وهو مذهب الكوفيين: أنه نصب على أنه خبر كان مضمرة، والتقدير: ما لكم في المنافقين كنتم فئتين، انتهى. ﴿وَاللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية أو استئنافية، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾: فعل ومفعول، والفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾، أو مستأنفة، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أركس﴾، ﴿كَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾،

стр. 2646

أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: بما كسبوه، ﴿أَتُرِيدُونَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿تريدون﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿أَنْ تَهْدُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: أتريدون هداية، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿تَهْدُوا﴾، ﴿أَضَلَّ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: من أضله الله، ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿من﴾ على كون فعل شرط لها، ﴿فَلَنْ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ ﴿لن﴾، ﴿لن تجد﴾: ناصب وفعل، وفاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ، أو أي مخاطب. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور، في محل المفعول الأول لـ ﴿تَجِدَ﴾، ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿تَجِدَ﴾، وجملة ﴿تَجِدَ﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾. ﴿وَدُّوا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة، ﴿لَوْ﴾: مصدرية، ﴿تَكْفُرُونَ﴾ فعل وفاعل، وجملة ﴿لَوْ﴾ المصدرية مع صلتها: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: ودوا كفركم أيها المؤمنون، ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾ حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الكاف﴾، تقديره: ككفرهم، الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف، تقديره: ودوا كفركم كفرًا كائنًا ككفرهم. ﴿فَتَكُونُونَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿تكونوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿سَوَاءً﴾: خبره، ولكنه في تأويل اسم الفاعل؛ لأنه لا يخبر عن الذات باسم المعنى، فهو في تأويل مستوين، وجملة ﴿تكونون﴾ في محل النصب معطوفة على جملة

стр. 2647

﴿تَكْفُرُونَ﴾، والتقدير: ودوا كفركم ككفرهم فكونكم أنتم وهم مستوين في الشرك، ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصحية؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا كان حالهم ما ذكر .. فأقول لكم لا تتخذوا منهم أولياء، وجملة الشرط المحذوف مستأنفة، ويصح كون ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع على قوله: ﴿وَدُّوا﴾. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَتَّخِذُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾، وهو من أخوات ظن تنصب مفعولين، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الأول، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، أو معطوفة على جملة ﴿وَدُّوا﴾، ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، ﴿يُهَاجِرُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، بمعنى إلى، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَتَّخِذُوا﴾، والتقدير: فلا تتخذوا منهم أولياء إلى مهاجرتهم في سبيل الله، ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حكم ما إذا هاجروا، وأردتم بيان حكم ما إذا تولوا .. فأقول لكم، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَخُذُوهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿خُذُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾، على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة متسأنفة، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿خُذُوهُمْ﴾، ﴿حَيْثُ﴾: في محل النصب على الظرفية مبني على الضم، والظرف تنازع فيه كل من الفعلين قبله أعني ﴿خُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾، ﴿وَجَدْتُمُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، في محل الجزم معطوف على خذوهم، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور في محل النصب على كونه مفعولًا أول لاتخذ. ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول ثان له. ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ معطوف على ﴿وَلِيًّا﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ﴾.

стр. 2648

﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر، في محل النصب على الاستثناء من هاء ﴿خُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾، ﴿يَصِلُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿إِلَى قَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَصِلُونَ﴾، ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾: معطوف على ﴿بَيْنَكُمْ﴾ والظرفان متعلقان بمحذوف خبر مقدم لقوله: ﴿مِيثَاقٌ﴾: وهو مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الجر صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿يَصِلُونَ﴾ على كونه صلة الموصول. ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾. ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية دعائية لا محل لها من الإعراب، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿جَاءُوكُمْ﴾ ولكنها على تقدير قد، وقيل (١): لا حاجة إلى تقديرها؛ لأنه قد جاء الماضي حالًا بغير تقديرها كثيرًا، فإن لم تقدر قد .. فهو دعاء عليهم، كما تقول: لعن الله الكافر. اهـ. "كرخي". وفي "السمين": وإذا وقعت الحال فعلًا ماضيًا .. ففيها خلاف هل يحتاج إلى اقترانه بقد أم لا، والراجح عدم الاحتياج لكثرة ما جاء منه، فعلى هذا لا تقدر قد قبل ﴿حَصِرَتْ﴾ انتهى. ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف متعلق بـ (حَصِرَتْ﴾ تقديره: حصرت صدورهم عن قتالهم إياكم. ﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. ﴿أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾:فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، معطوف علي ﴿يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ﴿وَلَوْ﴾. ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿وَلَوْ﴾:حرف شرط، ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾. ﴿سلطهم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود

стр. 2649

على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ جار ومجرور متعلقان بظرف محذوف ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، و ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ لعطفه على الجواب، ﴿قاتلوكم﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾، وفي "الجمل": هذا (١) هو جواب ﴿لو﴾ في الحقيقة، وما قبله توطئة له، وهذه اللام هي اللام التي في قوله: ﴿لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾، وأعيدت توكيدًا. وفي "أبي السعود"، واللام جواب ﴿لو﴾ على التكرير، أو على الإبدال. ﴿فَإِنِ﴾ ﴿الفاء﴾: تفريعية. ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿اعْتَزَلُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿لم يقاتلوكم﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ معطوف على ﴿اعْتَزَلُوكُمْ﴾، ﴿وَأَلْقَوْا﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم معطوف على ﴿اعتَزَلُوكُمْ﴾، ﴿إِلَيْكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿وَأَلْقَوْا﴾، ﴿السَّلَمَ﴾: مفعول به، ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية، لاقترانه بـ ﴿ما﴾ النافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مفرعة على قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ وهو في محل المفعول الأول لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: حال من ﴿سَبِيلًا﴾؛ لأنه صفة نكرة تقدمت عليها. ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأمَنُوكُمْ وَيَأمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾. ﴿سَتَجِدُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿آخَرِينَ﴾: مفعول أول، ﴿يُرِيدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مفعول ثان لوجد، وجملة وجد مستأنفة، ﴿أَنْ يَأمَنُوكُمْ﴾: ناصب وفعل وفاعل، وجملة ﴿أَنْ﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر

стр. 2650

منصوب على المفعولية لـ ﴿يُرِيدُونَ﴾ تقديره: يريدون أمنهم إياكم، ﴿وَيَأمَنُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَأمَنُوكُمْ﴾، ﴿قَوْمَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والتقدير: وأمنهم قومهم، ﴿كُلَّ مَا﴾ اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية، مبني على السكون، والظرف متعلق بالجواب، ﴿رُدُّوا﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿إِلَى الْفِتْنَةِ﴾: متعلق به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿أُرْكِسُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿فِيهَا﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿كُلَمَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كُلَمَاَ﴾ مستأنفة، ﴿فَإِن﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم حالهم هذه وأردتم بيان ما تفعلون بهم .. فأقول لكم: ﴿إن لم يعتزلوكم﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، ﴿وَيُلْقُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يعتزلوكم﴾ مجزوم بـ ﴿لَم﴾، ﴿إليكم﴾: متعلق بـ ﴿يلقوا﴾. ﴿السلم﴾: مفعول به، ﴿وَيَكُفُّوا﴾: فعل وفاعل معطوف أيضًا على ﴿يَعْتَزِلُوكُ﴾، ﴿أَيْدِيَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿خذوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿خذوهم﴾، ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان تنازع فيه ﴿خذوهم واقتلوهم﴾، ﴿ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾، ﴿وَأُولَئِكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿وَأُولَئِكُمْ﴾: مبتدأ ﴿جَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الأول لـ ﴿جَعَلْنَا﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿سُلْطَانًا﴾؛ لأنه صفة نكرة تقدمت عليها، ﴿سُلْطَانًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿جَعَلْنَا﴾، ﴿مُبِينًا﴾: صفة ﴿سُلْطَانًا﴾، وجملة جعل من الفعل والفاعل: في محل الرفع خبر المبتدأ، ولكنه خبر سببي، والجملة الإسمية مستأنفة.

стр. 2651

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾ على اسمها، ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مؤمن﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿خَطَأً﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة مصدر محذوف، تقديره: إلا قتلًا خطأً، أو منصوب على الحال من فاعل ﴿يَقْتُلَ﴾، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها: في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخرًا، والتقدير: وما كان قتل مؤمن مؤمنًا جائزًا له إلا قتلًا خطأً، أو إلا حالة كونه مخطئًا. ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، ﴿خَطَأً﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿تحرير﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فالواجب عليه تحرير رقبة، ﴿رَقَبَةٍ﴾: مضاف إليه، ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾: صفة لـ ﴿رَقَبَةٍ﴾، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَدِيَةٌ﴾: معطوف على ﴿تحرير﴾. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: صفة لـ ﴿دية﴾، ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء من عام الأحوال، تقديره: ودية مسلمة إلى أهله في جميع الأحوال إلا حال تصدقهم وعفوهم عنها، وإن شئت قلت: ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿أَهْلِهِ﴾، والتقدير: ودية مسلمة إلى أهله إلا حالة كونهم متصدقين وعافين عنها، تأمل.

стр. 2652

﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. ﴿فَإن﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع على محذوف تقديره: هذا الحكم إذا كان المقتول منكم. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾، واسمها ضمير يعود على المقتول، ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كاَنَ﴾، ﴿عَدُوٍّ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، ﴿لَكُمْ﴾: صفة ﴿عَدُوّ﴾، وقيل (١): يتعلق به؛ لأن عدوًّا في معنى معاد، وفعول يعمل عمل فاعل، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من اسم ﴿كَانَ﴾، ﴿فَتَحْرِيرُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿تحرير رقبة﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾: صفة لـ ﴿رَقَبَةٍ﴾، والخبر محذوف، تقديره: فتحرير رقبة مؤمنة واجب عليه، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة ومفرعة على الجملة المحذوفة التي قدرناها آنفًا. ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على المقتول، ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾، ﴿بَيْنَكُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾ معطوف عليه، ﴿مِيثَاقٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل الجر صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، ﴿فَدِيَةٌ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿وَدِيَةٌ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بما بعده، ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: صفة لـ ﴿وَدِيَةٌ﴾، ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾، والخبر محذوف جوازًا تقديره: واجبة عليه، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإن

стр. 2653

كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ على كونها معطوفة على جملة محذوفة قدرناها سابقًا، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: معطوف على ﴿دية﴾، ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾: صفة لـ ﴿رَقَبَةٍ﴾. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. ﴿فَمَن﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع على محذوف، تقديره: هذا الحكم في حق من وجد الرقبة. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو جملة الجواب أو هما، ﴿لَمْ يَجِدْ﴾: جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ومفعوله محذوف تقديره: فمن لم يجد الرقبة، وهو متعد إلى واحد؛ لأنه من وجدان الضالة، لا بمعنى علم، والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَصِيَامُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿صيام﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فالواجب عليه صيام وهو مضاف. ﴿شَهْرَيْنِ﴾: مضاف إليه، ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾: صفة لـ ﴿شَهْرَيْنِ﴾، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: معطوفة مفرعة على ذلك المحذوف. ﴿تَوْبَةً﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، تقديره: تاب الله عليكم توبة منه، حيث نقلكم من الأثقل الذي هو الإعتاق إلى الأخف الذي هو الصيام، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿تَوْبَةً﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلِيمًا﴾: خبر أول لها. ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾. ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يَقْتُل﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿مُؤْمِنًا﴾: مفعول به، ﴿مُتَعَمِّدًا﴾: حال من فاعل ﴿يَقْتُلْ﴾، ﴿فَجَزَاؤُهُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿جَزَاؤُهُ﴾: مبتدأ ومضاف إليه،

стр. 2654

﴿جَهَنَّمُ﴾: خبر، ﴿خَالِدًا﴾: حال من ضمير ﴿جزاؤه﴾، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدًا﴾، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾. ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة (١) على مقدر تدل عليه الجملة الشرطية دلالة واضحة، تقديره: حكم الله أن جزاءه ذلك وغضب عليه. ﴿وَلَعَنَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجمل معطوفة على جمل ﴿غضب﴾. ﴿وَأَعَدَّ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهُ﴾، ﴿لَهُ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿غضب﴾، ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة له. التصريف ومفردات اللغة ﴿فِئَتَيْنِ﴾: تثنية فئة، والفئة الجماعة. ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾: من أركس الرباعي إركاسًا، والإركاس (٢) الرد والرجع، قيل: من آخره على أوله، والركس: بكسر أوله وسكون ثانيه الرجيع والروثة، ومنه قول النبي ﷺ في الروثة: "هذا ركس" وقال أمية بن أبي الصلت: فَأُرْكِسُوْا فِيْ حَمِيْمِ النَّارِ إِنَّهُمُ ... كَانُوْا عُصَاةً وَقَالُوْا الإِفْكَ والزَّوْرَا والركس (٣): بوزن النصر إرجاع الشيء منكوسًا على رأسه، إن كان له رأس، أو متحولًا عن حال إلى أردأ منها، كتحول الطعام والعلف إلى الرجيع والروث، والمراد به هنا تحولهم إلى الغدر والقتال بعد أن أظهروا الولاء والتحيز إلى المسلمين. وحكى الكسائي والنضر بن شميل (٤): ركس وأركس بمعنى واحد؛ أي:

стр. 2655

رجعهم، ويقال: ركس مشددًا بمعنى أركس، وارتكس هو؛ أي: ارتجع، وقيل: أركسه إذا أوبقه، قال الشاعر: بِشُؤمِكَ أَرْكَسْتَنِي في الْخَنَا ... وَأَرْمَيْتَنِيْ بِضُرُوْبِ الْعَنَا وقيل: أضلهم، وقال الآخر: وَأَرْكَسْتَنِي عَنْ طَرِيْقِ الْهُدَى ... وَصَيَّرْتَنِي مَثَلًا لِلْعِدَا وقيل: بمعنى نكسه، قاله الزجاج: رُكِسُوْا فِيْ فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ ... كَسَوَادِ اللَّيْلِ يَتْلُوْهَا فِتَنْ وفي "المصباح": ركست الشيء ركسًا - من باب قتل - قلبته، ورددت أوله على آخره، وعن الكسائي وغيره: الركس والنكس قلب الشيء على رأسه، أوردُّ أوله على آخره، وقال الراغب: معناهما الرد والنكس أبلغ؛ لأن النكس ما جعل أسفله أعلاه، والركس ما جعل رجيعًا بعد أن كان طعامًا. اهـ. ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُم﴾: وفي "المصباح" (١): حصر الصدر حصرًا - من باب تعب - إذا ضاق، وحصر القارئ إذا منع من القراءة، فهو حصير، والحصور الذي لا يشتهي النساء، وحصير الأرض وجهها، والحصير أيضًا الحبس، والحصير البادية، وجمعها حُصر، مثل بريد وبُرد، وتأنيثها بالهاء عامي. ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم﴾: من باب افتعل الخماسي بمعنى ابتعد، وهو من مزيد الثلاثي؛ لأن ثلاثيه عزل: بمعنى بعد وانفصل عن القوم، ﴿سَبِيلًا﴾: السبيل الطريق، والمراد بها هنا طريق النجاة، ﴿وَلِيًّا﴾: الولى النصير والمعين. ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾: الدية (٢) ما غرِّم في القتل من المال، وكان لها في الجاهلية أحكام ومقادير، ولها في الشرع أحكام ومقادير سبق ذكر شيء منها، وأصلها مصدر أطلق على المال المأخوذ في القتل، ولذلك قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ والفعل لا يسلم بل الأعيان، تقول في تصريفه: ودى يدي وديًا ودية،

стр. 2656

كما تقول: وشى يشي وشيًا وشية، ونظيره من صحيح اللام زنة وعدة. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات من البلاغة والبيان والبديع أنواعًا (١): منها: الاستفهام بمعنى الإنكار في قوله: ﴿لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ﴾، وفي قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿أن تَهدُوا مَن أَضَل اَللهُ﴾. ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾، وفي قوله: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿أَنْ يَأمَنُوكُمْ وَيَأمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿خَطَأً﴾ و ﴿خَطَأً﴾. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾، وقوله ﴿سَبِيلًا﴾، وقوله ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ ...﴾ الآية. ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ﴾. ومنها: التكرار في مواضع. ومنها: التقسيم في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا ...﴾ إلى آخره. ومنها: الحذف في مواضع. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ حيث أطلق الجزء وأراد الكل؛ أي: عتق نسمة مملوكة. والله أعلم * * *

стр. 2657

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة (١): وهي أنه تعالى لما ذكر جزاء من قتل مؤمنًا متعمدًا، وأنه مأواه جهنم، وذكر غضب الله عليه ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له .. أمر المؤمنين بالتثبت والتبين، وأن لا يقدم الإنسان على قتل من أظهر الإيمان، وأن لا يسفكوا دمًا حرامًا بتأويل ضعيف، وكرر ذلك آخر الآية تأكيدًا أن لا يقدم عند الشبه والإشكال حتى يتضح له ما يقدم عليه، ولما كان خفاء ذلك منوطًا بالأسفار والغزوات .. قال: إذا ضربتم في الأرض، وإلا فالتثبت والتبين لازم في قتل من تظاهر بالإِسلام في السفر وفي الحضر. وقال المراغي: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 2658

فتبَينُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله لما بين في الآيات السابقة أنه ليس من شأن المؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا على سبيل الخطأ، وأن من قتل مؤمنًا متعمدًا فلا جزاء له إلا جهنم خالدًا فيها أبدًا .. أراد هنا أن ينبه المؤمنين إلى ضرب من ضروب قتل الخطأ كان يحصل في ذلك العهد عند السفر إلى أرض المشركين، حين انتشر الإِسلام ولم يبق مكان في بلاد العرب وقبائلهم يخلو من المسلمين، أو ممن يميل إلى الإِسلام، ويتحينون الفرص للاتصال بأهله، فأعلمهم أن لا يحسبوا كل من يجدونه في دار الكفر كافرًا، وأن يتبينوا من تظهر عليهم علامات الإِسلام كالشهادة والسلام الذي هو تحية المؤمنين، وأن لا يحملوا مثل هذا على الخداع، إذ ربما يكون الإيمان قد طاف على هذه القلوب وألم بها، وإن لم يكن قد تمكن فيها، ومن ثم أمر بالتثبت، ونهى عن إنكار إسلام من يدعي الإِسلام ولو بإلقاء تحيته، فما بالك بمن ينطق بالشهادتين، وأبان أن الذي يدعوه إلى ظن هذا الظن إنما هو ابتغاء عرض الحياة الدنيا، وبهذا أرشد المؤمن إلى أن يتهم نفسه ويفتش عن قلبه، ولا يبني الظن على ميله وهواه، بل عليه أن يقبل الظاهر حتى يستبين له خلافه انتهى. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه تعالى لما رغب المؤمنين في قتال - في سبيل الله - أعداءِ الله الكفار، واستطرد من ذلك إلى قتل المؤمن خطأ وعمدًا بغير تأويل وبتأويل، فنهى أن يُقْدِم على قتله بتأويل أمر يحمله على الإِسلام إذا كان ظاهره يدل على ذلك .. ذكر بيان فضل المجاهد على القاعد، وبيان تفاوتهما، وأن ذلك لا يمنع منه كون الجهاد مظنة أن يصيب المجاهد مؤمنًا خطأ، أو من يلقي السلم فيقتله بتأويل، فيتقاعد عن الجهاد لهذه الشبهة، فأتى عقيب ذلك بفضل الجهاد وفوزه، بما ذكر في الآية من الدرجات والمغفرة والرحمة والأجر العظيم دفعًا لهذه الشبهة.

стр. 2659

وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما (١) عاتب الله المؤمنين على ما صدر منهم، من قتل من تكلم بالشهادة .. ذكر هنا فضيلة الجهاد، وأن من نصب نفسه له .. فقد فاز فوزًا عظيمًا، فعليه أن يحترز من الوقوع في الهفوات التي تخل بهذا المنصب العظيم، انتهت. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: هي أنه تعالى لما ذكر ثواب من أقدم على الجهاد .. أتبعه بعقاب من قعد عن الجهاد، وسكن في بلاد الكفر، وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر في الآية السالفة فضل المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بغير عجز .. ذكر هنا حال قوم أخلدوا إلى السكون، وقعدوا عن نصرة الدين، وعذروا أنفسهم بأنهم في أرض الكفر، حيث غلبهم الكافرون، ومنعوهم من إقامة الحق، وهم عاجزون عن مقاومتهم، ولكنهم في الحقيقة غير معذورين؛ لأنه كان يجب عليهم الهجرة إلى المؤمنين الذي يعتزون بهم، إذ هم بحبهم لبلادهم وإخلادهم إلى أرضهم وسكونهم إلى أهليهم ومعارفهم ضعفاء في الحق، لا مستضعفون، وهم بضعفهم هذا قد حرموا أنفسهم بترك الهجرة من خير الدنيا مما أفاء الله به على المؤمنين، ومن خير الآخرة بإقامة الحق وإعلاء كلمة الدين. وظلمهم لأنفسهم هو بتركهم العمل بالحق خوفًا من الأذى، وفقد الكرامة عند ذوي قرابتهم من المبطلين، وهذا الاعتذار وما أشبهه مما يعتذر به الذين سايروا أهل البدع على بدعهم في عصرنا الحاضر، بحجة دفع الأذى عن أنفسهم بمدارة المبطلين، وذلك عذر لا يعتد به، إذ الواجب عليهم إقامة الحق مع احتمال الأذى في سبيل الله، أو الهجرة إلى حيث يتمكنون من إقامة دينهم. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ الآية، في سبب نزول هذه الآية روايات كثيرة (٢):

стр. 2660

منها: ما أخرجه البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ وهو يسوق غنمًا له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية. ومنها: ما أخرجه أحمد والطبراني وغيرهما عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: بعثنا رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة ومحلم بن جثامة، فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي، فسلم علينا، فحمل عليه محلم فقتله، فلما قدمنا على النبي ﷺ وأخبرناه الخبر .. نزل فينا القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...﴾ الآية. وأخرج البزار من وجه آخر عن ابن عباس قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد، فلما أتوا القوم .. وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال النبي ﷺ : "كيف لك بلا إله إلا الله غدًا". وأنزل الله هذه الآية. وقيل غير ذلك. ولا مانع من تعدد الوقائع قبل نزول الآية، وأن النبي ﷺ كان يقرؤها على أصحاب كل واقعة، فيرون أنهم سبب نزولها. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما رواه البخاري عن البراء ﵁ قال: لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدًا، فجاءه بكتف فكتبها، وشكى ابن أم مكتوم ضرارته فنزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. وقد روي (١): أن الآية نزلت في كعب بن مالك من بني سلمة، ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف، والربيع وهلال بن أمية من بني واقف، حين تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك.

стр. 2661

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما رواه (١) البخاري عن ابن عباس أن أناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ ، فيأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. وأخرجه بن مردويه وسمى منهم في روايته: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبا قيس بن الفاكهة بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة وغيرهم، وذكر في شأنهم أنهم خرجوا إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين دخلهم شك، وقالوا: غر هؤلاء دينهم، فقتلوا ببدر. وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس (٢) قال إن سبب نزول هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أن قومًا من أهل مكة قد أسلموا، وكانوا يخفون الإِسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت الآية فكتبوا بها إلى من بقي منهم بمكة، وأنه لا عذر لهم فخرجوا، فلحق بهم المشركون ففتنوهم فرجعوا، فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ فكتب إليهم المسلمون بذلك فتحزنوا فنزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...﴾ الآية، فكتبوا إليهم بذلك، فخرجوا فلحقوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآية، روى (٣) ابن جرير عن ابن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة وكان بلغه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...﴾ الآية، وهو بمكة حين بعث بها رسول الله ﷺ إلى مسلميها، فقال لبنيه: احملوني فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي إلى الطريق، وإني لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير وتوجهوا به إلى المدينة، وكان شيخًا كبيرًا فمات بالتنعيم - موضع قرب المدينة - ولما

стр. 2662

أدركه الموت .. أخذ يصفق بيمينه على شماله ويقول: اللهم هذه لك وهذه لرسولك ﷺ ، أبايعك على ما بايع عليه رسولك ﷺ ، ولما بلغ خبر موته الصحابة ﵃ قالوا لبنيه: مات بالمدينة، فنزلت هذه الآية، وروي غير ذلك في سبب نزولها. التفسير وأوجه القراءة ٩٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا﴾؛ أي: يا أيها الذين صدقوا الله تعالى وصدقوا رسوله محمدًا ﷺ ، واتبعوا الأوامر وتركوا النواهي، ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: إذا سافرتم وسرتم لجهاد أعداء الله تعالى وأعدائكم لإعلاء كلمته ورفعة دينه، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أي: اطلبوا البيان والتحقق واليقين، وتأنوا في قتل من اشتبه عليكم أمره فلم تعلموا أمسلم هو أم كافر، ولا تعجلوا في قتل أحد إلا إذا علمتم يقينًا أنه حرب لكم ولله تعالى والرسول ﷺ وقرأ (١) حمزة والكسائي هنا في الموضعين وفي الحجرات ﴿فتثبتوا﴾ بالثاء المثلثة؛ أي: اطلبوا التثبت والباقون: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، وكلاهما تفعَّل بمعنى استفعل التي للطلب؛ أي: اطلبوا إثبات الأمر وبيانه، ولا تقدموا عليه من غير رويّة وإيضاح. والمراد في الآية: فتأنوا واتركوا العجلة واحتاطوا ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ أيها المؤمنون المجاهدون بغير تأمل وتبين ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾؛ أي: لمن حياكم بتحية الإِسلام السلام عليكم ورحمة الله، أو لمن ألقى إليكم الاستسلام والانقياد بقول: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، الذي هو أمارة على الإِسلام، ولم يقاتلكم وأظهر أنه من أهل ملتكم ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ أي: إنك لست بمؤمن حقًّا، وإنما تقوله تقية وخوفًا من السيف، فتقتلوه حالة كونكم ﴿تَبْتَغُونَ﴾ وتطلبون بقتله ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ومتاعها من الغنائم، قاصدين ماله الذي هو سريع النفاذ والزوال ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾؛ أي: أرزاق كثيرة ونعم لا تحصى ولا تعد، وثواب جسيم، فاطلبوها عنده تعالى

стр. 2663

يغنمكموها، فتغنيكم عن قتل أمثاله لماله. وقرأ (١) عاصم وأبو عمرو وابن كثير والكسائي وحفص ﴿السَّلَامَ﴾ بألف، قال الزجاج: يجوز أن يكون بمعنى التسليم، ويجوز أن يكون بمعنى الانقياد، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وابن كثير من بعض طرقه، وجبلة عن المفضل عن عاصم بفتح السين واللام من غير ألف وهو من الاستسلام، وقرأ أبان بن زيد عن عاصم بكسر السين وإسكان اللام وهو الانقياد والطاعة، وقرأ الجحدري بفتح السين وسكون اللام، وقرأ أبو جعفر ﴿مؤمنًا﴾ بفتح الميم؛ أي: لا نؤمنك في نفسك، وهي قراءة علي وابن عباس وعكرمة وأبي العالية ويحيى بن يعمر، ومعنى قراءة الجمهور: ليس لإيمانك حقيقة إنك أسلمت خوفًا من القتل، ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل هذا الرجل الذي ألقى إليكم السلام، فقلتم له لست مؤمنًا فقتلتموه، ﴿كُنتُم﴾ أنتم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: في أول إسلامكم لا يظهر للناس منكم إلا مثل ما ظهر منه لكم من تحية الإِسلام ونحوها، يعني (٢) من قبل أن يعز الله تعالى دينه كنتم تستخفون أنتم بدينكم، كما استخفى هذا الذي قتلتموه بدينه من قومه حذرًا على نفسه منهم، وقيل: معناه كذلك كنتم تأمنون في قومكم بهذه الكلمة، فلا تحقّروا من قالها ولا تقتلوه، وقيل معناه: كذلك كنتم من قبل مشركين. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ﴾ وتفضل ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بالإِسلام والهداية، فلا تقتلوا من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل معناه: منَّ عليكم بإعلان الإِسلام بعد الاختفاء، وقيل منَّ عليكم بالتوبة، وقيل قبل منكم تلك الكلمة، وعصم بها دماءكم وأموالكم، ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم؛ أي: إنكم أول ما دخلتم في الإِسلام حقنت دماؤكم وأموالكم بالنطق بكلمة الشهادة، من غير نظر إلى معرفة أن ما في القلب موافق لما في اللسان، ومن الله تعالى عليكم بذلك، فعليكم أن تعملوا مع الداخلين في الإِسلام كما عمل معكم، وأن تعتبروا بظاهر القول، ولا تقولوا إن إقدامه على التكلم بهذه الكلمة إنما كان لأجل الخوف من السيف، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أي: فكونوا على بيان ويقين من الأمر الذي تقدمون عليه، ولا تأخذوا بالظن، بل تدبروا ليظهر لكم أن

стр. 2664

الإيمان المعتبر في حقن الدماء والأموال يكفي فيه ظاهر الحال، كما كفى معكم من قبل. والمعنى: إذا كان الأمر كذلك .. فتبينوا، وقيسوا حاله بحالكم، وافعلوا به ما فعل بكم في أوائل أموركم، من قبول ظاهر الحال من غير وقوف على تواطىء الظاهر والباطن، وفي إعادة التبين مرة أخرى المبالغة في التحذير من ذلك الفعل والوعيد عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ﴾ أزلًا وأبدًا ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال الظاهرة والباطنة ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: عالمًا فيجازيكم بحسبها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فلا تتهاونوا في القتل، واحتاطوا فيه. وقرأ الجمهور (١): ﴿إِنَّ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرىء بفتحها، على أن تكون معمولة لقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أي: أنه تعالى (٢) خبير بأعمالكم، لا يخفى عليه شيء من البواعث التي حفزتكم على الفعل، فإن كانت ابتغاء حظ الحياة الدنيا فهو تعالى يجازيكم على ذلك، فلا تفعلوا بل تثبتوا وتبينوا، وإن كان محض الدفاع عن الحق فهو تعالى يثيبكم على ذلك، وفي هذا وعيد وتحذير شديد من الوقوع في مثل هذا الخطأ، وكذلك فيه إرشاد إلى أن لا نحكم بتكفير من يخالفنا من أهل القبلة، والعلم الصحيح، والدعوة إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، بمجرد المخالفة لنا في رأي أو عقيدة، فإنَّ مثل هذا لا يقدم عليه المسلم جزافًا، وعلينا أن ننظر بعد هذا كله إلى أن الإِسلام منع قتل من يلقي السلم، ومن بينه وبين المسلمين عهد وميثاق، إما على النصر وإما على ترك القتال، ورغب عن ابتغاء عرض الدنيا بالقتال؛ وليكون لمحض رفع العدوان والبغي، وتقرير الحق والإصلاح. وأين هذا مما تفعله الدول الآن من القتال للربح وجمع الأموال، وهم ينقضون العهد والميثاق مع الضعفاء، ولا يلتزمون حفظ المعاهدات إلا مع الأقوياء.

стр. 2665

٩٥ - ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: لا يكون القاعدون عن الجهاد بأموالهم بخلًا بها وحرصًا عليها، وبأنفسهم إيثارًا للراحة والنعيم على التعب وركوب الأخطار، الذين هم غير أصحاب الضرر والعذر من مرض أو عاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها، وفي معناه العجز عن الأهبة؛ أي: لا يكون القاعدون الموصوفون بما ذكر مساوين للمجاهدين الذين يبذلون أموالهم في الاستعداد للجهاد بالسلاح والخيل والمؤنة، ويبذلون أنفسهم بتعريضها للقتل في سبيل الحق، ومنع تعدي حرب الطاغوت؛ لأن المجاهدين هم الذين يحمون الأمة والبلاد، والقاعدون لا يأخذون حذرهم ولا يعدون عدتهم للدفاع، ويكونون عرضة لتعدي غيرهم عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾؛ أي: بغلبة أهل الطاغوت عليها، ولكن النكوص عن الجهاد لا يكون مذمة وبخلًا إلا مع القدرة. أما مع العجز والضرر كالعمى والزمانة والمرض فلا تبعة فيه، فحينئذ فالقاعدون أولو الضرر يساوون المجاهدين؛ لأن العذر أقعدهم عن الجهاد، روى مسلم عن جابر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فقال رسول الله ﷺ : "إن بالمدينة رجالًا، ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم المرض"، وروى البخاري عن أنس قال: رجعنا من تبوك مع النبي ﷺ ، فقال: "إن أقوامًا خَلفنا، ما سلكنا شعبًا ولا واديًا .. إلا وهم معنا، حبسهم العذر". وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بالرفع بدل من القاعدون، ونافع وابن عامر والكسائي والباقون: بالنصب على الحال من ﴿القاعدون﴾، والأعمش بالجر على الصفة للمؤمنين. ثم بين (١) ما أجمله أولًا من التفاضل الذي بين الفريقين وعدم تساويهما فقال: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾؛ أي: إن الله سبحانه
следующие страницы →