← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما رواه (١) البخاري عن ابن عباس أن أناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله ﷺ ، فيأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب فيقتل، فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾. وأخرجه بن مردويه وسمى منهم في روايته: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبا قيس بن الفاكهة بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة وغيرهم، وذكر في شأنهم أنهم خرجوا إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين دخلهم شك، وقالوا: غر هؤلاء دينهم، فقتلوا ببدر. وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس (٢) قال إن سبب نزول هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أن قومًا من أهل مكة قد أسلموا، وكانوا يخفون الإِسلام، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر، فأصيب بعضهم، فقال المسلمون: هؤلاء كانوا مسلمين فأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت الآية فكتبوا بها إلى من بقي منهم بمكة، وأنه لا عذر لهم فخرجوا، فلحق بهم المشركون ففتنوهم فرجعوا، فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ فكتب إليهم المسلمون بذلك فتحزنوا فنزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...﴾ الآية، فكتبوا إليهم بذلك، فخرجوا فلحقوهم، فنجا من نجا، وقتل من قتل. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآية، روى (٣) ابن جرير عن ابن جبير أنها نزلت في جندب بن ضمرة وكان بلغه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...﴾ الآية، وهو بمكة حين بعث بها رسول الله ﷺ إلى مسلميها، فقال لبنيه: احملوني فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي إلى الطريق، وإني لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير وتوجهوا به إلى المدينة، وكان شيخًا كبيرًا فمات بالتنعيم - موضع قرب المدينة - ولما

стр. 2662

أدركه الموت .. أخذ يصفق بيمينه على شماله ويقول: اللهم هذه لك وهذه لرسولك ﷺ ، أبايعك على ما بايع عليه رسولك ﷺ ، ولما بلغ خبر موته الصحابة ﵃ قالوا لبنيه: مات بالمدينة، فنزلت هذه الآية، وروي غير ذلك في سبب نزولها. التفسير وأوجه القراءة ٩٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا﴾؛ أي: يا أيها الذين صدقوا الله تعالى وصدقوا رسوله محمدًا ﷺ ، واتبعوا الأوامر وتركوا النواهي، ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: إذا سافرتم وسرتم لجهاد أعداء الله تعالى وأعدائكم لإعلاء كلمته ورفعة دينه، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أي: اطلبوا البيان والتحقق واليقين، وتأنوا في قتل من اشتبه عليكم أمره فلم تعلموا أمسلم هو أم كافر، ولا تعجلوا في قتل أحد إلا إذا علمتم يقينًا أنه حرب لكم ولله تعالى والرسول ﷺ وقرأ (١) حمزة والكسائي هنا في الموضعين وفي الحجرات ﴿فتثبتوا﴾ بالثاء المثلثة؛ أي: اطلبوا التثبت والباقون: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، وكلاهما تفعَّل بمعنى استفعل التي للطلب؛ أي: اطلبوا إثبات الأمر وبيانه، ولا تقدموا عليه من غير رويّة وإيضاح. والمراد في الآية: فتأنوا واتركوا العجلة واحتاطوا ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ أيها المؤمنون المجاهدون بغير تأمل وتبين ﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾؛ أي: لمن حياكم بتحية الإِسلام السلام عليكم ورحمة الله، أو لمن ألقى إليكم الاستسلام والانقياد بقول: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، الذي هو أمارة على الإِسلام، ولم يقاتلكم وأظهر أنه من أهل ملتكم ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ أي: إنك لست بمؤمن حقًّا، وإنما تقوله تقية وخوفًا من السيف، فتقتلوه حالة كونكم ﴿تَبْتَغُونَ﴾ وتطلبون بقتله ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ومتاعها من الغنائم، قاصدين ماله الذي هو سريع النفاذ والزوال ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾؛ أي: أرزاق كثيرة ونعم لا تحصى ولا تعد، وثواب جسيم، فاطلبوها عنده تعالى

стр. 2663

يغنمكموها، فتغنيكم عن قتل أمثاله لماله. وقرأ (١) عاصم وأبو عمرو وابن كثير والكسائي وحفص ﴿السَّلَامَ﴾ بألف، قال الزجاج: يجوز أن يكون بمعنى التسليم، ويجوز أن يكون بمعنى الانقياد، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة وابن كثير من بعض طرقه، وجبلة عن المفضل عن عاصم بفتح السين واللام من غير ألف وهو من الاستسلام، وقرأ أبان بن زيد عن عاصم بكسر السين وإسكان اللام وهو الانقياد والطاعة، وقرأ الجحدري بفتح السين وسكون اللام، وقرأ أبو جعفر ﴿مؤمنًا﴾ بفتح الميم؛ أي: لا نؤمنك في نفسك، وهي قراءة علي وابن عباس وعكرمة وأبي العالية ويحيى بن يعمر، ومعنى قراءة الجمهور: ليس لإيمانك حقيقة إنك أسلمت خوفًا من القتل، ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل هذا الرجل الذي ألقى إليكم السلام، فقلتم له لست مؤمنًا فقتلتموه، ﴿كُنتُم﴾ أنتم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: في أول إسلامكم لا يظهر للناس منكم إلا مثل ما ظهر منه لكم من تحية الإِسلام ونحوها، يعني (٢) من قبل أن يعز الله تعالى دينه كنتم تستخفون أنتم بدينكم، كما استخفى هذا الذي قتلتموه بدينه من قومه حذرًا على نفسه منهم، وقيل: معناه كذلك كنتم تأمنون في قومكم بهذه الكلمة، فلا تحقّروا من قالها ولا تقتلوه، وقيل معناه: كذلك كنتم من قبل مشركين. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ﴾ وتفضل ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بالإِسلام والهداية، فلا تقتلوا من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل معناه: منَّ عليكم بإعلان الإِسلام بعد الاختفاء، وقيل منَّ عليكم بالتوبة، وقيل قبل منكم تلك الكلمة، وعصم بها دماءكم وأموالكم، ولم يأمر بالتفحص عن سرائركم؛ أي: إنكم أول ما دخلتم في الإِسلام حقنت دماؤكم وأموالكم بالنطق بكلمة الشهادة، من غير نظر إلى معرفة أن ما في القلب موافق لما في اللسان، ومن الله تعالى عليكم بذلك، فعليكم أن تعملوا مع الداخلين في الإِسلام كما عمل معكم، وأن تعتبروا بظاهر القول، ولا تقولوا إن إقدامه على التكلم بهذه الكلمة إنما كان لأجل الخوف من السيف، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أي: فكونوا على بيان ويقين من الأمر الذي تقدمون عليه، ولا تأخذوا بالظن، بل تدبروا ليظهر لكم أن

стр. 2664

الإيمان المعتبر في حقن الدماء والأموال يكفي فيه ظاهر الحال، كما كفى معكم من قبل. والمعنى: إذا كان الأمر كذلك .. فتبينوا، وقيسوا حاله بحالكم، وافعلوا به ما فعل بكم في أوائل أموركم، من قبول ظاهر الحال من غير وقوف على تواطىء الظاهر والباطن، وفي إعادة التبين مرة أخرى المبالغة في التحذير من ذلك الفعل والوعيد عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ﴾ أزلًا وأبدًا ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال الظاهرة والباطنة ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: عالمًا فيجازيكم بحسبها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فلا تتهاونوا في القتل، واحتاطوا فيه. وقرأ الجمهور (١): ﴿إِنَّ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرىء بفتحها، على أن تكون معمولة لقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أي: أنه تعالى (٢) خبير بأعمالكم، لا يخفى عليه شيء من البواعث التي حفزتكم على الفعل، فإن كانت ابتغاء حظ الحياة الدنيا فهو تعالى يجازيكم على ذلك، فلا تفعلوا بل تثبتوا وتبينوا، وإن كان محض الدفاع عن الحق فهو تعالى يثيبكم على ذلك، وفي هذا وعيد وتحذير شديد من الوقوع في مثل هذا الخطأ، وكذلك فيه إرشاد إلى أن لا نحكم بتكفير من يخالفنا من أهل القبلة، والعلم الصحيح، والدعوة إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، بمجرد المخالفة لنا في رأي أو عقيدة، فإنَّ مثل هذا لا يقدم عليه المسلم جزافًا، وعلينا أن ننظر بعد هذا كله إلى أن الإِسلام منع قتل من يلقي السلم، ومن بينه وبين المسلمين عهد وميثاق، إما على النصر وإما على ترك القتال، ورغب عن ابتغاء عرض الدنيا بالقتال؛ وليكون لمحض رفع العدوان والبغي، وتقرير الحق والإصلاح. وأين هذا مما تفعله الدول الآن من القتال للربح وجمع الأموال، وهم ينقضون العهد والميثاق مع الضعفاء، ولا يلتزمون حفظ المعاهدات إلا مع الأقوياء.

стр. 2665

٩٥ - ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: لا يكون القاعدون عن الجهاد بأموالهم بخلًا بها وحرصًا عليها، وبأنفسهم إيثارًا للراحة والنعيم على التعب وركوب الأخطار، الذين هم غير أصحاب الضرر والعذر من مرض أو عاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها، وفي معناه العجز عن الأهبة؛ أي: لا يكون القاعدون الموصوفون بما ذكر مساوين للمجاهدين الذين يبذلون أموالهم في الاستعداد للجهاد بالسلاح والخيل والمؤنة، ويبذلون أنفسهم بتعريضها للقتل في سبيل الحق، ومنع تعدي حرب الطاغوت؛ لأن المجاهدين هم الذين يحمون الأمة والبلاد، والقاعدون لا يأخذون حذرهم ولا يعدون عدتهم للدفاع، ويكونون عرضة لتعدي غيرهم عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾؛ أي: بغلبة أهل الطاغوت عليها، ولكن النكوص عن الجهاد لا يكون مذمة وبخلًا إلا مع القدرة. أما مع العجز والضرر كالعمى والزمانة والمرض فلا تبعة فيه، فحينئذ فالقاعدون أولو الضرر يساوون المجاهدين؛ لأن العذر أقعدهم عن الجهاد، روى مسلم عن جابر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فقال رسول الله ﷺ : "إن بالمدينة رجالًا، ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، حبسهم المرض"، وروى البخاري عن أنس قال: رجعنا من تبوك مع النبي ﷺ ، فقال: "إن أقوامًا خَلفنا، ما سلكنا شعبًا ولا واديًا .. إلا وهم معنا، حبسهم العذر". وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بالرفع بدل من القاعدون، ونافع وابن عامر والكسائي والباقون: بالنصب على الحال من ﴿القاعدون﴾، والأعمش بالجر على الصفة للمؤمنين. ثم بين (١) ما أجمله أولًا من التفاضل الذي بين الفريقين وعدم تساويهما فقال: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾؛ أي: إن الله سبحانه

стр. 2666

وتعالى رفع المجاهدين على القاعدين بغير عذر درجة لا يقدر قدرها ولا يدرك كنهها، وهي ما خولهم الله تعالى عاجلًا في الدنيا من الغنيمة والظفر والذكر الجميل ودفع شر الأعداء عن الأمة والبلاد، ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: ووعد الله تعالى كلا ممن جاهد وقعد عن الجهاد عجزًا منه، مع تمني القدرة عليه، المثوبة الحسنى: وهي الجنة، فكل منهما كامل الإيمان، مخلص لله تعالى في العمل. وقيل المعنى: وفضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ أولي الضرر ﴿دَرَجَةً﴾؛ أي: فضيلة واحدة في الآخرة لأن المجاهد باشر الجهاد بنفسه وماله مع النية، وأولو الضرر كانت لهم نية ولم يباشروا الجهاد، فنزلوا عن المجاهدين درجة، قال ابن عباس: أراد بالقاعدين هنا أولي الضرر، ﴿وَكُلًّا﴾ من المجاهدين والقاعدين مطلقًا ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ لهم ﴿الْحُسْنَى﴾؛ أي: الجنة بإيمانهم ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ في سبيل الله تعالى ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ الذين لا عذر لهم ولا ضرر ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أي: ثوابًا جزيلًا وأجرًا وافرًا، ٩٦ - ثم فسر ذلك الأجر العظيم فقال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ ، وانتصاب أجرًا عظيمًا بنزع الخافض، أو على التمييز، ودرجات بدل منه، بدل كل من كل، ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ معطوفان على درجات؛ أي: وفضل الله المجاهدين في سبيل الله تعالى على القاعدين بلا عذر بأجر عظيم، وثواب وافر، بدرجات منه وبمغفرة ورحمة منه تعالى؛ أي: فضلهم عليهم بدرجات ومنازل بعضها فوق بعض، من منازل الكرامة، وبمغفرة للذنوب، وبرحمة لهم بنعيم الجنة. والمراد بهذه الدرجات (١) هي ما ادخره الله تعالى لعباده من المنازل الرفيعة التي يقصر الحصر عن عدها، كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ ودرجات الآخرة مبنية على درجات الدنيا، من قوة الإيمان بالله تعالى، وإيثار رضاه على الراحة والنعيم، وترجيح المصلحة العامة على الشهوات الخاصة، والمغفرة المقرونة بهذه الدرجات هي المغفرة لما يفرط منهم

стр. 2667

من الذنوب التي لا تكفرها سائر الحسنات التي يأتي بها القاعدون، والرحمة هي ما يخصهم به الرحمن زيادة على ذلك من فضله وإحسانه، وأخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، قالوا: أو لا نبشر الناس بقولك، فقال: "إن في الجنة مئة درجة أعدها الله تعالى للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله .. فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة". فإن قلت (١): قد ذكر الله في الآية الأولى درجة واحدة، وذكر في هذه الآية درجات، فما وجه الحكمة في ذلك؟ قلتُ: أما الدرجة الأولى: فلتفضيل المجاهدين على القاعدين بوجود الضرر والعذر، وأما الثانية: فلتفضيل المجاهدين على القاعدين من غير ضرر ولا عذر، فُضِّلوا عليهم بدرجات كثيرة، وقيل: يحتمل أن تكون الدرجة الأولى درجة المدح والتعظيم في الدنيا، والدرجات درجات الجنة ومنازلها، كما في الحديث والله أعلم. ﴿وَكاَنَ اللَّهُ﴾ ﴿غَفُورًا﴾ لذنوب عباده المؤمنين ﴿رَّحِيمًا﴾ بهم، يتفضل عليهم برحمته ومغفرته، عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه قال: "أيما عبد من عبادي خرج مجاهدًا في سبيل الله ابتغاء مرضاتي .. ضمنت له إن أرجعته أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة، وإن قبضته .. غفرت له ورحمته" أخرجه النسائي. ٩٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ﴾؛ أي: تتوفاهم ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ وتقبض أرواحهم حين انتهاء آجالهم، والمراد بالملائكة ملك الموت وأعوانه، وهم ستة: ثلاثة منهم يلون قبض أرواح المؤمنين، وثلاثة يلون قبض أرواح الكفار والمنافقين، وقيل: أراد به

стр. 2668

ملك الموت وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم، كما يخاطب الواحد بلفظ الجمع. وقرأ إبراهيم (١): ﴿توفاهم﴾ بضم التاء، مضارع وفيت، والمعنى: أن الله تعالى يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها؛ أي: يمكنهم من استيفائها فيستوفونها، وقرىء توفتهم بتاء التأنيث على أنه فعل ماض، حالة كونهم ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بترك الهجرة، واختيارهم مجاورة الكفرة في دار الذل والظلم، الموجبة للإخلال في أمور الدين، حيث لا حرية لهم في أمورهم الدينية، ولا يتمكنون من إقامة دينهم ونصره وتأييده، وقد ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت الملائكة لهم حين القبض موبخين ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾؛ أي: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؛ أي: أكنتم من أصحاب محمد ﷺ أم كنتم مشركين، أو أكنتم في حرب محمد ﷺ أو في حرب أعدائه؛ أي: إن الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، والحال أن الملائكة تقول للمتوفين بعد قبض أرواحهم توبيخًا لهم: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؛ أي: إنهم لم يكونوا في شيء منه، إذ هم قدروا على الهجرة ولم يهاجروا، ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المتوفون للملائكة معتذرين اعتذارًا غير صحيح: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أي: كنا مقهورين في أرض مكة، في أيدي الكفار، فعجزنا عن القيام بواجبات الدين بين أهل مكة، وهذه حجة لم تتقبلها الملائكة، ومن ثم ردوا عليهم المعذرة فـ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت الملائكة لهم توبيخًا مع ضرب وجوههم وأدبارهم: ﴿لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وترحلوا إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة الدين، وتحرروا أنفسكم من رق الذل الذي لا يليق بالمؤمن، ولا هو من خصاله؛ أي: إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد، التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، فبقيتم بين الكفار مع القدرة على الهجرة، فلكم مالهم، وقال ابن عباس: أي: ألم تكن المدينة آمنة فتهاجروا إليها، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المتوفون الذين تقول الملائكة لهم ما ذكر ﴿مَأوَاهُمْ﴾ ومنزلهم في الآخرة ﴿جَهَنَّمُ﴾ كما أن مأواهم في الدنيا دار الكفر، لتركهم الفريضة؛ أي: إن أولئك الذين فصلت حالهم الفظيعة نسكنهم في الآخرة جهنم؛

стр. 2669

لتركهم ما كان مفروضًا عليهم، إذ كانت الهجرة واجبة في صدر الإِسلام، فـ ﴿مَأوَاهُمْ﴾: مبتدأ، و ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبره، والجملة خبر لـ ﴿أولَئِكَ﴾، وهذه الجملة خبر إن، وقوله: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ حال من الملائكة على تقدير قد، كما أشرنا إليه آنفًا، أو هو الخبر، والعائد منه محذوف؛ أي: قالوا لهم: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾؛ أي: وقبحت جهنم مصيرًا لهم؛ لأن كل ما فيها يسوؤهم. وفي هذا (١) إيماء إلى الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما يجب، لبعض الأسباب، أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله تعالى، وأدوم على العبادة. وجبت عليه الهجرة، أما المقيم في دار الكفر ولا يمنع ولا يؤذى إذا هو عمل بدينه، وأقام أحكامه بلا نكير، فلا يجب عليه أن يهاجر، كما هو مشاهد من المسلمين المقيمين في بلاد الإنكليز الآن، كما أن الإقامة فيها ربما كانت سببًا من أسباب ظهور محاسن الإِسلام وإقبال الناس عليه. ٩٨ - ثم استثنى أهل العذر ومن علم ضعفه منهم فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أي: فأولئك المذكورون مأواهم جهنم، إلا الذين صدقوا في استضعافهم ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ العجزة والزمنى، كعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام ﴿وَالنِّسَاءِ﴾ كأم الفضل لبابة أم عبد الله بن عباس، ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ كعبد الله المذكور وغيره، فإنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين في مكة، وإنما (٢) ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم لقصد المبالغة في شأن الهجرة، وإيهام أنها تجب لو استطاعها غير المكلف، فكيف من كان مكلفًا، وقيل أراد بالولدان المراهقين والمماليك حالة كونهم ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾؛ أي: لا يقدرون على حيلة الخروج، ولا على نفقته، أو كان بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر، يمنعهم من تلك المهاجرة، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾؛ أي: لا يعرفون طريقًا، ولا يجدون من يدلهم على الطريق. واستطاعة (٣) الحيلة: وجدان أسباب الهجرة، وما تتوقف عليه من مركوب وزاد. واهتداء السبيل: معرفة الطريق بنفسه أو بدليل، ٩٩ - ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المستضعفون الذين لم يهاجروا

стр. 2670

للعجز وتقطع الأسباب ﴿عَسَى اللَّهُ﴾؛ أي: حقق الله ﴿أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ولا يؤاخذهم بالإقامة في دار الكفر ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَفُوًّا﴾؛ أي: كثير العفو والمحو للذنوب عن صحف الملائكة فلا يؤاخذ بها، ﴿غَفُورًا﴾؛ أي: كثير الغفر والستر لها عن أعين الملائكة، فلا يفضح صاحبها في الآخرة. ١٠٠ - ثم رغب الله في أمر الهجرة، ونشط المستضعفين، لما جرت به العادة من أن الإنسان يتهيب الأمر المخالف لما اعتاده وأنس به، ويتخيل مصاعب ومشقات لا توجد إلا في خياله، وأن ما يتصوره بعض الناس من عسر الهجرة لا محل له، وأن عسرها إلى يسر، فقال: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ﴾؛ أي: ومن يرتحل من بلده الأصيلة إلى بلد آخر ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعته وطلب رضاه، لا لدنيا يصيبها، ولا لامرأة ينكحها مثلًا، ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يجد في الأرض التي هاجر إليها ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ في المعيشة؛ أي: يجد في تلك الأرض من الخير والنعمة ما يكون سببًا لرغم أنوف أعدائه، الذين كانوا معه في بلدته الأصيلة، وذلك لأن من ارتحل إلى بلدة أجنبية وتحول إليها، فإذا استقام أمره في تلك البلدة، وتمكن فيها، ووصل خيره إلى أهل بلدته الأولى، خجلوا من سوء معاملتهم معه، وندموا عليه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك. وقرأ (١) الجراح ونبيح والحسن بن عمران: ﴿مرغما﴾ على وزن مفعل كمذهب، قال ابن جني: هو على حذف الزوائد من راغم، وفي هذا وعد للمهاجرين في سبيله بتسهيل سبل العيش لهم، وإرغامهم أعداءهم، والظفر بهم، وبعد أن وعد سبحانه من هاجر في سبيل الله تعالى بالظفر بما يحب من وجدان السبل ميسورة أمامه، ومن سعة العيش .. وعد من يموت في الطريق قبل وصوله دار الهجرة بالأجر العظيم، الذي ضمنه له إذا كان يقصد بهجرته رضا الله تعالى، ونصرة رسوله ﷺ في حياته، وإقامة سننه بعد وفاته، وكان مستحقًا لهذا الأجر ولو مات بعد أن تجاوز عتبة بابه، ولو لم يصب تعبًا ولا مشقة؛ فإن نية الهجرة مع الإخلاص كافية لاستحقاقه، كما في الحديث: "إنما الأعمال

стр. 2671

بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، فقال: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ﴾ ويرتحل منه حالة كونه ﴿مُهَاجِرًا﴾ ومتحولًا ﴿إِلَى﴾ محل فيه رضا ﴿اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ﷺ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: يأته الموت ويأخذه قبل أن يصل إلى المقصد، وإن كان خارج بابه ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: فقد وجب أجر هجرته عند الله تعالى، بإيجابه على نفسه بمقتضى وعده وتفضله وكرمه، لا بحكم الاستحقاق، الذي لو لم يفعل لخرج عن الألوهية. وفي إبهام هذا الأجر وجعله حقًّا واجبًا عليه تعالى إيذان بعظم قدره، وتأكيد ثبوته ووجوبه، ولله تعالى أن يوجب على نفسه ما يشاء، وليس لغيره أن يوجب عليه شيئًا، إذ لا سلطان فوق سلطانه ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿غَفُورًا﴾ لما كان منه من القعود إلى وقت الخروج، ﴿رَحِيمًا﴾ بإكمال أجر الهجرة له، فكذلك كل من قصد فعل طاعة ولم يقدر على إتمامها .. كتب الله تعالى له ثوابًا كاملًا. وقرأ النخعي وطلحة بن مصرف (١): ﴿ثم يدركه﴾ برفع الكاف، قال ابن جني: هذا رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو يدركه الموت، فعطف الجملة من المبتدأ والخبر على الفعل المجزوم وفاعله، وخرج على وجه آخر وهو أن رفع الكاف منقول من الهاء، كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ونبيح والجراح: ﴿ثم يدركه﴾ بنصب الكاف، وذلك على إضمار أن المصدرية، قال ابن جني: هذا ليس بالسهل، إنما بابه الشعر لا القرآن، ولك أن تقول: أجري ﴿ثم﴾ مجرى الواو والفاء، فكما جاز نصب الفعل بإضمار أن بعدهما، بين الشرط وجوابه، كذلك جاز في ﴿ثم﴾ إجراء لها مجراهما، وهذا مذهب الكوفيين، واستدلوا بهذه القراءة. الإعراب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: حرف نداء ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه

стр. 2672

زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صلة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿ءَآمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿ضَرَبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق به، والجمله الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا، ﴿تبينوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بحذف النون، والجملة جواب وإذا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ جازم وفعل وفاعل، معطوف على ﴿تَبَيَّنُوا﴾ على كونها جواب ﴿إذا﴾، ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُولُوا﴾، ﴿أَلْقَى﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿إِلَيْكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿أَلْقَى﴾، ﴿السَّلَامَ﴾: مفعول ﴿أَلْقَى﴾، ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾: مقول لـ ﴿تَقُولُوا﴾ محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَسْتَ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مُؤْمِنًا﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿تَقُولُوا﴾، ﴿تَبْتَغُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ﴾ مفعول به ومضاف إليه، ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾ والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿تَقُولُوا﴾. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿عند الله﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿مَغَانِمُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿كَثِيرَةٌ﴾: صفة له، والجملة الإسمية في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بـ ﴿الفاء﴾ التعليلية المتعلقة بمعلول محذوف، تقديره: وإنما نهيتكم عن القول المذكور، وابتغاء عرض الدنيا، لكون مغانم كثيرة عند الله تعالى، ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم على كان واسمها، ﴿كُنتُم﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في خبر كان، والتقدير: كنتم كائنين كذلك الرجل حالة كونكم كائنين من قبل، وجملة كان مستأنفة، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ﴾

стр. 2673

﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿منَّ الله﴾: فعل وفاعل، معطوف على كان، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿منَّ﴾، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب لشرط مقدر، تقديره: إذا كان حالكم كحاله فتبينوا، ﴿تبينوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب إذا المقدرة، لا محل لها من الإعراب، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾، ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: تعملونه، ﴿خَبِيرًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾. ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾: ناف وفعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: حال من ﴿الْقَاعِدُونَ﴾. ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾: بالرفع بدل من ﴿الْقَاعِدُونَ﴾. وهو أرجح؛ لأن الكلام منفي، والبدل معه أرجح من النصب كما تقرر في كتب النحو، وقيل إنه بالرفع صفة لـ ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، وبالنصب على الاستثناء من ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، أو على الحال، وبالجر صفة لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ﴾: معطوف على ﴿الْقَاعِدُونَ﴾، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿الْمُجَاهِدُونَ﴾. ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق أيضًا بـ ﴿المجاهدون﴾. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: معطوف على ﴿أموالهم﴾. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان عدم الاستواء المفهوم من الجملة التي قبلها. ﴿بِأَمْوَالِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿فَضَّلَ﴾. ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾؛ معطوف على أموالهم. ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾: متعلق أيضًا بـ ﴿فَضَّلَ﴾. ﴿دَرَجَةً﴾: منصوب على التمييز، أو بنزع الخافض؛ أي: بدرجة واحدة، أو على المصدرية؛ أي: فضلهم تفضيلة، وقيل غير ذلك. ﴿وَكُلًّا﴾: مفعول أول لـ ﴿وَعَدَ﴾ مقدم عليه لإفادة الحصر ﴿وَعَدَ﴾ ﴿اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿الْحُسْنَى﴾: مفعول ثان له، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَضَّلَ﴾. ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿فَضَّلَ﴾

стр. 2674

الأول. ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ متعلق بـ ﴿فَضَّلَ﴾. ﴿أَجْرًا﴾: منصوب (١) على التمييز، وقيل على المصدرية؛ لأن ﴿فَضَّلَ﴾ بمعنى أجر، والتقدير: أجرهم أجرًا، وقيل: مفعول لـ ﴿فَضَّلَ﴾ لتضمنه معنى الإعطاء، وقيل منصوب بنزع الخافض، وقيل: على الحال من درجات مقدم عليها، ﴿عَظِيمًا﴾. ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾. ﴿دَرَجَاتٍ﴾: بدل من ﴿أَجْرًا﴾. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿دَرَجَاتٍ﴾. ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾: معطوفان على ﴿دَرَجَاتٍ﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره. ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان لها، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير المفعول، ويجوز (٢) أن يكون ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾ فعلًا ماضيًا، وإنما لم تلحق علامة التأنيث للفصل، ولأن التأنيث مجازي، ويدل على كونه فعلًا ماضيًا قراءة ﴿توفتهم﴾ بتاء التأنيث، ويجوز أن يكون مضارعًا حذفت منه إحدى التاءين، والأصل: تتوفاهم، ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: حال من ضمير ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾، والإضافة فيه غير محضة، إذ الأصل ظالمين أنفسهم، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة حال من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، ولكنها على تقدير قد؛ أي: حالة كون الملائكة قائلين لهم. ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوَا﴾، وإن شئت قلت: ﴿في﴾: حرف جر، ﴿م﴾: اسم استفهام في محل الجرب ﴿في﴾ مبني بسكون على الألف المحذوفة فرقًا بينها وبين ما الموصولة، كما قال ابن مالك: وَمَا فِيْ الاسْتِفْهَامِ إِنْ جَرَّتْ حُذِفْ ... أَلِفُهَا وَأوْلهَا الْهَا إنْ تَقِفْ الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدمًا لكان، ﴿كُنْتُمْ﴾

стр. 2675

فعل ناقص واسمه، والتقدير: في أي شيء كائنين كنتم، وجملة كان في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والضمير عائد على المتوفين، والجملة الفعلية جواب الاستفهام لا محل لها من الإعراب. ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِين﴾: فعل ناقص واسمه وخبره. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿مُسْتَضْعَفِينَ﴾، وجملة كان في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والضمير عائد إلى ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، والجملة في محل النصب معطوفة بعاطف مقدر على جملة قوله: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾، ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَلَمْ تَكُنْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿تَكُنْ﴾: مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿أَرْضُ اللَّهِ﴾: اسمها ومضاف إليه. ﴿وَاسِعَةً﴾: خبرها. ﴿فَتُهَاجِرُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿تهاجروا﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب الاستفهام، والواو ضمير متصل فاعل، والجملة من الفعل والفاعل صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها، من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: ألم يثبت كون أرض الله واسعة فمهاجرتكم فيها، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿تهاجروا﴾. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لخبر ﴿إِنَّ﴾ باسمها، لما في الاسم من العموم، ﴿أولئك﴾ في محل الرفع مبتدأ أول، ﴿مَأوَاهُمْ﴾: مبتدأ ثان ومضاف إليه، ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل الرفع خبر لـ ﴿إنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَسَاءَتْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ساءت﴾: فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: هي، يعود إلى جهنم، ﴿مَصِيرًا﴾: تمييزه والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا، تقديره: هي، وجملة ﴿ساءت﴾ مستأنفة، مسوقة لبيان الذم والقبح. ﴿إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾.

стр. 2676

﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾: مستثنى من الضمير في ﴿مَأوَاهُمْ﴾، كأنه قيل فأولئك في جهنم إلا المستضعفين، فعلى هذا يكون الاستثناء متصلًا، وقيل إن المستثنى منه إما كفار أو عصاة بالتخلف قادرون على الهجرة، فلم يندرج فيهم المستضعفون، فيكون الاستثناء منقطعًا، ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾. ﴿وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾: معطوفان على ﴿الرِّجَالِ﴾. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾. ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: جملة فعلية معطوفة على جملة ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ من عطف الخاص على العام؛ لأنه من جملة الحيلة. ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿أولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿عَسَى﴾: من أفعال الرَّجاء تنصب الاسم وترفع الخبر. ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. ﴿أَنْ﴾. حرف نصب، ﴿يَعْفُوَ﴾: فعل مضارع منصوب، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه خبرًا لـ ﴿عَسَى﴾، ولكنه في تأويل اسم الفاعل؛ لأنه لا يخبر باسم المعنى عن الذات، تقديره: عسى الله عفوًا عنهم، أو ذا العفو عنهم، وجملة ﴿عَسَى﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجر بلام التعليل، المدلول عليها بالفاء التعليلية، والتقدير: وإنما استثنيناهم لتحقيق الله وإثباته العفو عنهم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره. ﴿غَفُورًا﴾: خبر ثان له، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾. ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يُهَاجِرْ﴾: فعل شرط مجزوم بـ ﴿من﴾، وفاعله يعود على ﴿من﴾، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، ﴿يَجِدْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به. ﴿مُرَاغَمًا﴾:

стр. 2677

مفعول ﴿يَجِدْ﴾. ﴿كَثِيرًا﴾: صفة لـ ﴿مُرَاغَمًا﴾. ﴿وَسَعَةً﴾: معطوف على ﴿مُرَاغَمًا﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿وَمَن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَن﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، ﴿يَخْرُجْ﴾: فعل شرط مجزوم بـ ﴿مَن﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿مِنْ بَيْتِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَخْرُجْ﴾، ﴿مُهَاجِرًا﴾ حال من فاعل ﴿يَخْرُجْ﴾، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَخْرُجْ﴾، ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية، على كونه معطوفًا على فعل الشرط، وتقدم لك بيان وجه رفعه ونصبه في مبحث القراءة، فلا عود ولا إعادة، ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ ﴿قد﴾، ﴿وَقَعَ أَجْرُهُ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه جواب الشرط لها، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَقَعَ﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره: ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقال: ضرب في الأرض إذا سافر فيها، والضرب في الأرض السير فيها بالسفر للتجارة أو الجهاد؛ لأن المسافر يضرب الأرض برجليه وعصاه أو بقوائم راحلته. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تبين من باب تفعل الخماسي الذي هو من مزيد الثلاثي، وفي قراءة ﴿فتثبتوا﴾ بالثاء المثلثة، وهو من باب تفعل أيضًا، وفي "السمين": وتفعل هنا على كلا القراءتين بمعنى استفعل الدال على الطلب؛ أي: اطلبوا التثبت أو البيان. اهـ.

стр. 2678

﴿لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ ألقى هنا ماض اللفظ إلا أنه بمعنى المستقبل؛ أي: لمن يلقي؛ لأن النهي لا يكون عما وقع وانقضى، والماضي إذا وقع صلة .. صلح للمضي والاستقبال. اهـ. "سمين". السلاَم بالأَلِفِ التحية، وقيل الاستسلام والانقياد، والسَلْم بفتح السين وسكون اللام الانقياد فقط، وكذا بالكسر والسكون، والمعنى: انقاد واستسلم لكم فلم يقاتلكم، ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: متاعها الحاضر الذي يأخذ منه البر والفاجر، ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة مؤنث على وزن فعلى، مذكره الأدنى؛ أي: الحياة القريبة الزوال، أو الدنيئة الخسيسة لكثرة ما يكدرها، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ المغانم جمع مغنم - مفعل - من غنم الثلاثي، يصلح للزمان والمكان والمصدر، ويطلق على الغنيمة تسمية للمفعول بالمصدر؛ أي: المغنوم، وهو: ما يأخذه الرجل من مال العدو وفي الغزو قهرًا، نحو قولهم هذا ضرب الأمير؛ أي: مضروبه، ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ الضرر يجمع على أضرار، ضد النفع والشدة والضيق وسوء الحال، والنقصان يدخل في الشيء، يقال: ضره يضره ضرًّا وضررا، من باب شد، فهو من المضاعف المعدى، ﴿دَرَجَةً﴾ الدرجة تجمع على درجات الطبقة والرتبة والمنزلة، ﴿أَجْرًا﴾ مصدر أجره أجرًا؛ إذا أعطاه الأجر: وهو ما يعطى في مقابلة العمل الصالح. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ الحيلة: هي ما يتوصل به إلى المقصود بطريق خفي، يجمع على حيل، كفيلة تجمع على فيل ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾؛ أي: متحولًا (١) ينتقل إليه، فهو اسم مكان، وهو بمعنى المهاجر؛ أي: المكان الذي يهاجر إليه وعبر عنه بالمراغم؛ للإشعار بأنَّ المهاجر يرغم أنف قومه؛ أي: يذلهم، والرغم: الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام بفتح الراء، وهو التراب اهـ أبو السعود". وقال أبو حيان: المراغم (٢) مكان المراغمة: وهي أن يرغم كل واحد من المتنازعين، بحصوله في منعة منه أنف صاحبه، بأن يغلب على مراده، يقال:

стр. 2679

راغمت فلانًا إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك انتهى. وفي "المصباح": الرغام (١) - بالفتح -: التراب، ورغم أنفه رغمًا من باب قتل كناية عن الذل، كأنَّه لصق بالرغام هوانًا، ويتعدى بالألف فيقال: أرغم الله أنفه، وفعلته على رغم أنفه بالفتح والضم؛ أي: على كره منه، وأرغمته غاضبته، وهذا ترغيم له؛ أي: إذلال له، وهذا من الأمثال التي جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء، ولا يراد أعيانها، بل وضعوها لمعان غير معاني الأسماء الظاهرة، ولا حظ لظاهر الأسماء من طريق الحقيقة، ومنه قولهم: كلامه تحت قدمي وحاجته خلف ظهري، يريدون الإهمال وعدم الاحتفال انتهى. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والبديع (٢): منها: الاستعارة في قوله: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ استعار الضرب للسعي في قتال الأعداء، والسبيل لدينه، وفي قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ عبر به وهو حقيقة في المكان عن التساوي في المنزلة والفضيلة، وفي قوله: ﴿درجة﴾ حقيقتها في المكان، فعبر به عن المعنى، اقتضى التفضيل، وفي قوله: ﴿يُدْرِكْهُ﴾ استعار الإدراك الذي هو صفة من فيه حياة لحلول الموت، وفي قوله: ﴿فَقَدْ وَقَعَ﴾ استعار الوقوع الذي هو من صفات الأجرام؛ لثبوت الأجر. ومنها: التكرار في اسم الله تعالى، و ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ و ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾. ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿مَغْفِرَةً﴾ و ﴿غَفُورًا﴾. ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ و ﴿عَفُوًّا﴾ وفي قوله: ﴿يُهَاجِرْ﴾ و ﴿مُهَاجِرًا﴾.

стр. 2680

ومنها: إطلاق الجمع على الواحد في قوله: ﴿تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ على قول من قال: إنه ملك الموت وحده. ومنها: الاستفهام المراد به التوبيخ في قوله: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾، وفي قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ﴾. ومنا: الإشارة في قوله: ﴿كَذَلِك﴾ وفي: ﴿فَأُولَئِكَ﴾. ومنها: السؤال والجواب في قوله: ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ وما بعدها. ومنها: الحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 2681

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لمَّا (١) كان الكلام في سابق الآيات في الجهاد والحث عليه؛ لإقامة الدين وحفظه، وإيجاب الهجرة لأجل ذلك،

стр. 2682

وتوبيخ من لم يهاجر من أرض، لا يقدر على إقامة دينه فيها، والجهاد يستلزم السفر .. ذكر هنا أحكام من سافر للجهاد، أو هاجر في سبيل الله تعالى، إذا أراد الصلاة وخاف أن يفتن عنها، فبين أنه يجوز له أن يقصر منها، وأن يصلي جماعتها بالطريقة التي ذكرت في الآية الثانية من هذه الآيات. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَألَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَألَمُونَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: لمَّا كان (١) الكلام فيما سلف في شأن الحرب وما يقع فيها، وبيان كيفية الصلاة في أثنائها وما يلاحظ فيها إذا كان العدو متأهبًا للحرب، من اليقظة وأخذ الحذر، وحمل السلاح في أثنائها، وبين في أثناء السياق شدة عداوة الكفار لهم، وتربصهم غفلتهم، وإهمالهم ليوقعوا بهم .. نهى هنا عن الضعف في لقائهم، وأقام الحجة على كون المشركين أجدر بالخوف منهم؛ لأن ما في القتال من الألم والمشقة يستوي فيه المؤمن والكافر، ويمتاز المؤمن بأن له من الرجاء في ربه ما ليس عند الكافر، فهو يرجو منه النصر والمعونة، ويعتقد أنَّه قادر على إنجاز وعده، كما يرجو منه المثوبة على حسن بلائه في سبيله، وقوة الرجاء تخفف الآلام وتنسيه التعب والنصب. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنَّه لمَّا (٢) حذر المؤمنين من المنافقين أعداء الحق، وأمرهم أن يستعدوا لمجاهدتهم خوف أن يطمسوا معالم الدين والحق، ويهلكوا أهله .. أمرهم هنا أن يقوا بحفظ الحق، وأن لا يحابوا فيه أحدًا. وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها (٣): أنَّه لما صرح بأحوال المنافقين، واتصل بذلك أمرُ المحاربة وما يتعلق بها من الأحكام الشرعية .. رجع إلى أحوال المنافقين؛ فإنَّهم خانوا الرسول ﷺ على ما ينبغي، فأطلعه الله تعالى على ذلك، وأمره أن لا يلتفت إليهم.

стр. 2683

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن جرير عن علي قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنَّا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. ثم انقطع الوحي، فلمَّا كان بعد ذلك بحول .. غزا النبي ﷺ ، فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ فنزلت صلاة الخوف. وأخرج أحمد والحاكم وصححه البيهقي في "الدلائل" عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي ﷺ الظهر فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل ﵇ بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ فحضرت، فأمرهم رسول الله ﷺ ، فأخذوا السلاح، قال: فصففنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا .. الحديث، وروى الترمذي نحوه عن أبي هريرة ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾، وابن جرير نحوه عن جابر بن عبد الله وابن عباس. قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ...﴾ الآية، أخرج البخاري عن ابن عباس قال نزلت ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ في عبد الرحمن بن عوف، كان جريحًا. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه الترمذي (٢)

стр. 2684

والحاكم وغيرهما، عن قتادة بن النعمان قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق - بشر وبشير ومبشر - وكان بشير رجلًا منافقًا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم ينحله بعض العرب يقول: قال فلان كذا، وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإِسلام، وكان الناس إنَّما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملًا من الدرمك - الدقيق الأبيض - فجعله في مشربة له فيها سلاح ودرع وسيف، فعدي عليه من تحت، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي إنَّه قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، فتجسسنا في الدار، وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، فقال: بنو أبيرق ونحن نسأل في الدار، والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل، رجل منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق، والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فأتيته فقلت: أهل بيت منا أهل جفاء، عمدوا إلى عمي فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، وأمَّا الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال رسول الله ﷺ : سأنظر في ذلك، فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يقال له أسير بن عروة، فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عَمَد إلى أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا تثبت، قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فقال: عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير تثبت وبينة؟ فرجعت فأخبرت عمي فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ بني أبيرق ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ أي: مما قلت لقتادة إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ فلما نزل القرآن أتي رسول الله ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة، ولحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد، فأنزل الله : ﴿وَمَن

стр. 2685

وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ...﴾ إلى قوله: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأخرج ابن سعد في "الطبقات" بسنده عن محمود بن لبيد قال: عدا بشير بن الحارث على عُليَّة رفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان، فنقبها من ظهرها، وأخذ طعامًا له ودرعين بأداتهما، فأتى قتادة النبي ﷺ فأخبره بذلك، فدعا بشيرًا فسأله، فأنكر ورمى بذلك لبيد بن سهل رجلًا من أهل الدار ذا حسب ونسب، فنزل القرآن بتكذيب بشير وبراءة لبيد: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ...﴾ الآيات، فلما نزل القرآن في بشير وعثر عليه .. هرب إلى مكة مرتدًا، فنزل على سلافة بنت سعد، فجعل يقع في النبي ﷺ ، وفي المسلمين فنزل فيه: ﴿وَمَن يشَاقِقِ اَلرَّسُولَ ...﴾ الآية، وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع، وكان ذلك في شهر ربيع سنة أربع من الهجرة. التفسير وأوجه القراءة ١٠١ - ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ﴾ وسافرتم أيها المؤمنون للغزو أو للتجارة أو غيرهما ﴿فِي﴾ بعض نواحي ﴿الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ لا حرج ولا إثم في ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ وتنقصوا، وتتركوا ركعتين ﴿مِنَ﴾ عدد ركعات ﴿الصَّلَاة﴾ الرباعية التي تصلونها في الحضر، بأن تصلوا الظهر والعصر والعشاء ركعتين ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وخشيتم ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾؛ أي: أن يقصدكم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بفتنة وأذية، من قتل أو جرح أو أخذ في حال إتمامكم الصلاة، وذكر الخوف ليس للشرط والقيد، وإنَّما هو لبيان الواقع، حيث كانت أسفارهم لا تخلو من خوف العدو؛ لكثرة المشركين وقتئذ، ويؤيده حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن الله يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ وقد أمن؟ فقال: عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" رواه مسلم وأصحاب السنن. قال ابن كثير: وأمَّا قوله (١): ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد يكون هذا خرج

стр. 2686

مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإِسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة، وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ .. الآية. وقد تقرر بالسنة المطهرة: أن النبي ﷺ قصر مع الأمن، ففي الصحيحين أنه ﷺ : "سافر بين مكة والمدينة لا يخاف إلا الله ، فكان يصلي ركعتين" فالقصر (١) مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر مع الأمن ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه ﷺ من القصر مع الأمن فحينئذ فالقصر في السفر رخصة، سواء وجد خوف أم لا، ويدل على أن قيد الخوف لا مفهوم له قراءة أبي: ﴿أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا﴾ بسقوط: ﴿إنْ خفتم﴾ والمعنى على هذه القراءة: كراهية أن يفتنكم الذين كفروا. وقرأ (٢) الزهري ﴿تقصِّروا﴾ مشددًا، وقرأ ابن عباس ﴿أن تقصروا رباعيا﴾ وبه قرأ الضبي عن رجاله، وقرأ أبي وعبد الله: ﴿أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم﴾ بإسقاط إن خفتم، وهو مفعول من أجله من حيث المعنى؛ أي: مخافة أن يفتنكم، كما مر آنفًا. ويؤخذ من قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أنَّه رخصة لا واجب، وعليه الشافعي؛ لأن ﴿لَّا جُنَاحَ﴾ يستعمل في موضع التخفيف والرخصة، لا في موضع العزيمة، بخلاف أبي حنيفة فإن القصر واجب عنده. ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ أي: ظاهري العداوة، فتحرزوا عنهم؛ أي: إن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين، وازدادت عداوتهم، وبسبب شدة العداوة قصدوا إتلافكم إن قدروا، فإنْ طالت صلاتكم .. فربما وجدوا الفرصة في قتلكم، فلأجل هذا رخصت لكم

стр. 2687

في قصر الصلاة، لئلا يجدوا إلى قتلكم واغتيالكم سبيلًا، وإنَّما قال: ﴿عَدُوًّا﴾ ولم يقل: أعداء؛ لأنه يستوي فيه الواحد والجمع. فصل في أحكام تتعلق بالآية وفيه مسائل المسألة الأولى في حكم القصر: قصر الصلاة في حالة السفر جائز بإجماع الأمة، وإنَّما اختلفوا في جواز الإتمام في حال السفر، فذهب أكثر العلماء إلى أن القصر واجب في السفر، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة، وهو قول مالك وأبي حنيفة، ويدل عليه ما روي عن عائشة قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين، ثم أتمها في الحضر، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى. وفي رواية أخرى قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر، أخرجاه في "الصحيحين". وذهب قوم إلى جواز الإتمام في السفر، ولكن القصر أفضل، يروى ذلك عن عثمان وسعد بن أبي وقاص، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وهو رواية عن مالك أيضًا، ويدل على ذلك ما روى البغوي بسند الشافعي عن عائشة قالت: كل ذلك قد فعله رسول الله ﷺ ، قصر وأتمّ. وعن عائشة أنَّها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، حتى إذا قدمت مكة .. قالت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت، قال: "أحسنت يا عائشة، وما عاب علي. أخرجه النسائي، وظاهر القرآن يدل على ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. ولفظة ﴿لَّا جُنَاحٌ﴾ إنَّما تستعمل في الرخصة لا فيما يكون حتمًا كما مر، وأجيب عن حديث عائشة (فرض الله الصلاة ركعتين) بأن معناه: فرضت ركعتين أولًا، وزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار عليها، وثبت جواز الإتمام بدليل آخر، فوجب المصير إليه، ليمكن الجمع بين دلائل الشرع.

стр. 2688

المسألة الثانية: اختلف في صلاة المسافر إذا صلى ركعتين، هل هي مقصورة أم غير مقصورة؟ فذهب قوم إلى أنَّها غير مقصورة؛ وإنَّما فرض صلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر، يروى ذلك عن ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله، وإليه ذهب سعيد بن جبير والسدى وأبو حنيفة، فعلى هذا يكون معنى القصر المذكور في الآية: هو تخفيف ركوعها وسجودها، ولكن يعارض هذا المعنى لفظة ﴿مِنَ﴾ في الآية أعني قوله: ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ لأن لفظة ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض ركعات الصلاة، وذهب قوم إلى أنَّها مقصورة وليست بأصل، وهو قول مجاهد وطاوس، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. المسألة الثالثة: ذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور إلى أنَّه يجوز القصر في كل سفر مباح، وشرط بعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، أو سفر طاعة كطلب العلم، ولا يجوز القصر في سفر المعصية، كسفر ناشزة وآبق وقاطع طريق، وقال أبو حنيفة والثوري: يجوز ذلك. المسألة الرابعة: اختلف العلماء في مسافة القصر، فقال داود الظاهري وأهل الظاهر: يجوز القصر في قصير السفر وطويله، ويروى ذلك عن أنس أيضًا، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: أقصر بعرفة. وأما عامة أهل العلم فإنَّهم لا يجوِّزون القصر في السفر القصير، واختلفوا في حد الطويل الذي يجوز فيه القصر، فقال الأوزاعي: مسيرة يوم، وكان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران في رمضان في مسيرة أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخًا، وقدر هذه المسافة المرحوم أحمد الحسيني بك في كتابه "دليل المسافر" بنحو (٨٩ ك م)، وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق، وقول الحسن والزهري قريب من ذلك، فإنهما قالا: مسيرة يومين، وإليه ذهب الشافعي فقال: مسيرة ليلتين قاصدتين ستة عشر فرسخًا، كل فرسخ ثلاثة أميال، فتكون ثمانية وأربعين ميلًا بالهاشمي، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرين إصبعًا معترضة معتدلة، والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات، وقال الثوري وأبو حنيفة وأهل الكوفة: لا قصر في

стр. 2689

أقل من ثلاثة أيام. ١٠٢ - ثم شرع الله في بيان كيفية صلاة الخوف فقال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿فِيهِمْ﴾؛ أي: في جماعتك من المؤمنين في حالة خوفهم من الأعداء ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: فأردت أن تقيم الصلاة إمامًا لهم، فاجعلهم طائفتين ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: فلتقف فرقة واحدة من الفرقتين منهم وراءك ليصلوا ﴿مَعَكَ﴾ الركعة الأولى من الثنائية، ولتقف الطائفة الأخرى بإزاء العدو ليحرسوا المصلين معك، خوفًا من هجوم العدو على المصلين، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق، ﴿فلتقم﴾ بكسر اللام، ﴿وَلْيَأخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾؛ أي: وليحمل الذين يقومون معك في الصلاة أسلحتهم التي لا تشغلهم عن الصلاة كالسيف والخنجر، ولا يدعوها وقت الصلاة، فإن ذلك أقرب إلى الاحتياط، وأمنع للعدو من الإقدام عليهم ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾؛ أي: فإذا سجد الذين يقومون معك في الصلاة ﴿فَلْيَكُونُوا﴾؛ أي: فليكن الذي يحرسونكم ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ أي: من خلفكم؛ أي: من خلف المصلين معك، إذ أحوج ما يكون المصلي للحراسة حين السجود؛ لأنَّه لا يرى من يهم به، ويجب حينئذ أن يكون الحارسون مستعدين للقيام مقام المصلين، ليصلوا مع النبي ﷺ الركعة الثانية، كما صلت الفرقة الأولى الركعة الأولى معه، أو المعنى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾؛ أي: فإذا سجد المصلون معك وأتموا صلاتهم بعد نية المفارقة .. ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ أي: فلينصرفوا إلى مصاف أصحابهم بإزاء العدو للحراسة من ورائكم، ثم يبقى الإِمام قائمًا في الركعة الثانية ﴿وَلْتَأتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾؛ أي: ولتجيء الطائفة الأخرى الذين ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ معك في الركعة الأولى لاشتغالهم بالحراسة. وقرأ أبو حيوة: ﴿وليأت﴾ بالياء التحتانية على تذكير الطائفة، واختلف عن أبي عمرو في إدغام التاء في الطاء. ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ في الركعة الثانية كما صلت الطائفة الأولى معك الركعة الأولى، ثم يجلس الإِمام منتظرًا لهم في التشهد إلى أن يصلوا ركعة ثانية، ثم يسلم الإِمام بهم ﴿وَلْيَأخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾؛ أي: ولتأخذ هذه الطائفة الثانية حذرهم واحتياطهم للعدو، وانتباههم وتيقظهم له ﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ معهم في الصلاة، كما فعل الذين من قبلهم، وإنَّما أمر بالحذر هنا؛

стр. 2690

لأن العدو لم يتنبه للمسلمين في أول الصلاة، بل يظنون كونهم قائمين لأجل المحاربة والنزال، فإذا قاموا للركعة الثانية .. ظهر للكفار كونهم في الصلاة، فحينئذ ينتهزون الفرصة في الهجوم عليهم، فخص الله تعالى هذه الطائفة بزيادة الحذر من الكفار. والمعنى: وليكونوا حذرين من عدوهم، متسلحين لقتالهم، وقد بين الله علة الأمر بأخذ الحذر والسلاح حتى في الصلاة بقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: تمنى أعداؤكم الذين كفروا بالله تعالى وبرسوله ﷺ وبما أنزل عليكم ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾ وتنشغلون وتعرضون ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾ التي تقاتلونهم بها ﴿و﴾ عن ﴿أمتعتكم﴾ التي بها بلاغكم وحياتكم في سفركم، بأن تشغلكم صلاتكم عنها. وقرىء: ﴿وأمتعاتكم﴾ وهو شاذ، إذ هو جمع الجمع ﴿فَيَمِيلُونَ﴾ حينئذ ﴿عَلَيْكُمْ مَيْلَةً﴾؛ أي: يهجمون ويحملون عليكم حملة واحدة وأنتم مشغولون بالصلاة واضعون للسلاح تاركون حماية المتاع والزاد فيصيبون منكم غرة، فيقتلون من استطاعوا قتله، وينتهبون ما استطاعوا نهبه، فلا تغفلوا عنهم. والمعنى: تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم، فيشدون عليكم شدة واحدة، ويأخذونكم بالدفعة، وهذا بيان ما لأجله أمروا بأخذ السلاح، ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾؛ أي: ولا حرج ولا إثم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾؛ أي: إذا أصابكم أذى من مطر تمطرونه، فيشق عليكم حمل السلاح مع ثقله في ثيابكم، وربَّما أفسد الماء السلاح إذ يجعله يصدأ ﴿أَوْ﴾ إن ﴿كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ بالجراح أو بغير الجراح من العلل في ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ على الأرض، وتتركوا حملها رخصة لكم في وضعها، إذا ثقل عليكم حملها بسبب مطر أو مرض؛ لأن السلاح يثقل على المريض، ويفسد في المطر، والمعنى: لا وزر عليكم في وضع الأسلحة، وترك حملها إنْ تعذر عليكم حملها، إما لثقلها بسبب مطر أو مرض، أو لإيذاء من في الجنب ﴿و﴾ لكن ﴿خذوا حذركم﴾؛ أي: احترازكم من عدوكم وراقبوه ولا تغفلوا عنه؛ أي: ولكن يجب عليكم في جميع الأحوال أن تأخذوا حذركم، ولا تغفلوا عن أنفسكم، ولا عن أسلحتكم

стр. 2691

وأمتعتكم؛ فإن عدوكم لا يغفل عنكم، ولا يرحمكم، والضرورات تقدر بقدرها. وهذه الآية تدل على وجوب الحذر عن جميع المضار المظنونة، وبهذا الطريق كان الإقدام على العلاج بالدواء، والاحتراز عن الوباء، وعن الجلوس تحت الجدار المائل واجبًا والله أعلم، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿أَعَدَّ﴾ وهيأ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ باللهِ تعالى وبرسوله ﷺ ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾؛ أي: ذا إهانة وإذلال لهم في الدنيا، بأن يخذلهم وينصركم عليهم، فاهتموا بأموركم ولا تهملوا في مباشرة الأسباب، كي يحل بهم عذابه تعالى بأيديكم بالقتل والأسر والنهب، فهذا العذاب المهين هو عذاب غلب المسلمين، وانتصارهم عليهم، إذا قاموا بما أمرهم الله تعالى به، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ وقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾. فصل في كيفية صلاة الخوف واعلم: أنه دلت (١) هذه الكيفية التي ذكرت في هذه الآية على أن طائفة صلت مع الرسول ﷺ بعض صلاة، ولا دلالة فيها على مقدار ما صلت معه، ولا كيفية إتمامهم، وإنَّما جاء ذلك في السنة، ونحن نذكر تلك الكيفيات على سبيل الاختصار؛ لأنَّها مبينة ما أجمل القرآن: الكيفية الأولى: صلت طائفة معه وطائفة وجاه العدو، وثبتت قائمة حتى تتم صلاتهم، ويذهبوا وجاه العدو، وجاءت هذه التي كانت وجاه العدو أولًا، فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسًا حتى أتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، وهذه كانت بذات الرقاع. الكيفية الثانية: كالأولى إلا أنَّه حين صلى بالطائفة الأخيرة ركعة سلم، ثم قضت بعد سلامه، وهذه مروية في ذات الرقاع أيضًا.

стр. 2692

الكيفية الثالثة: صف العسكر خلفه صفين، ثم كبر وكبروا جميعًا، وركعوا معه، ورفعوا من الركوع جميعًا، ثم سجد هو بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا .. سجد الآخرون في مكانهم، ثم تقدموا إلى مصافِّ المتقدمين، وتأخر المتقدمون إلى مصافِّ المتأخرين، ثم ركعوا معه جميعًا، ثم سجد فسجد معه الصف الذي يليه، فلما صلى .. سجد الآخرون، ثم سلم بهم جميعًا، وهذه صلاته بعسفان، والعدو في قبلته. الكيفية الرابعة: مثل هذه إلا أنَّه ينكص الصف المتقدم القهقرى حين يرفعون رؤوسهم من السجود، ويتقدم الآخر فيسجدون في مصاف الأولين. الكيفية الخامسة: صلى بإحدى الطائفتين ركعة والأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة، ثم سلم، ثم قضى بهؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة في حين واحد. الكيفية السادسة: يصلي بطائفة ركعة، ثم ينصرفون تجاه العدو، وتأتي الأخرى، فيصلي بهم ركعة، ثم يسلم، وتقوم التي معه تقضي، فإذا فرغوا .. ساروا تجاه العدو، وقضت الأخرى. الكيفية السابعة: صلى بكل طائفة ركعة، ولم يقض أحد من الطائفتين شيئًا زائدًا على ركعة واحدة. الكيفية الثامنة: صلى بكل طائفة ركعتين ركعتين، فكانت له أربع ولكل رجل ركعتان. الكيفية التاسعة: يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، إن كانت الصلاة ركعتين، والأخرى بإزاء العدو، ثم تقف هذه بازاء العدو وتأتي الأولى، فتؤدي الركعة بغير قراءة، وتتم صلاتها، ثم تحرس، وتأتي الأخرى، فتؤدي الركعة بقراءة وتتم صلاتها، وكذا في المغرب، إلا أنَّه يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعة. الكيفية العاشرة: قامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو، وظهورهم إلى القبلة فكبرت الطائفتان معه، ثم ركع وركع معه اللذين معه، وسجدوا كذلك،

стр. 2693

ثم قام، فسارت التي معه إلى إزاء العدو، وأقبلت التي كانت بإزاء العدو، فركعوا وسجدوا وهو قائم كما هو، ثم قاموا فركع ركعة أخرى، وركعوا معه وسجدوا معه، ثم أقبلت التي بإزاء العدو، فركعوا وسجدوا وهو قاعد، ثم سلم وسلم الطائفتان معه جميعًا، وهذه كانت في غزوة نجد. الكيفية الحادية عشرة: صلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم ركعتين وسلم، وهذه كانت ببطن نخل. واختلاف هذه الكيفيات يرد على مجاهد قوله: إنه ما صلى الرسول ﷺ إلا مرتين، مرة بذات الرقاع من أرض بني سليم، ومرة بعسفان والمشركون بضجنان بينهم وبين القبلة، وذكر ابن عباس: أنَّه كان في غزوة ذي قرد صلاة الخوف، وقال أبو بكر بن العربي: روي عنه ﷺ أنَّه صلى صلاة الخوف أربعًا وعشرين مرة؛ أي: كيفية. وقال ابن حنبل: لا نعلم أنه روي في صلاة الخوف إلا حديث صحيح، فعلى أي حديث صليت أجزأ، وكذا قال الطبري. ذكره أبو حيان في "البحر". ١٠٣ - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: فإذا أديتم صلاة الخوف على هذه الكيفية وفرغتم منها ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: فداوموا على ذكر الله تعالى في أنفسكم، بتذكر وعده بنصر من ينصرونه في الدنيا، وقيل الثواب في الآخرة، وبألسنتكم بالحمد والتكبير والدعاء حالة كونكم ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا﴾؛ أي: قائمين وقاعدين ﴿و﴾ مضطجعين ﴿على جنوبكم﴾؛ أي: داوموا على ذكره تعالى في كل حال تكونون عليها، من قيام في المسايفة والمقارعة، وقعود للرمي أو المصارعة، واضطجاع من الجراح أو المخادعة، فذكر الله تعالى مما يقوي القلوب، ويعلي الهمم، ويجعل متاعب الدنيا حقيرة، ومشاقها سهلة، والثبات والصبر يعقبهما الفلاح والنصر، كما قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. والخلاصة: أننا إذا أمرنا بالذكر على كل حال نكون عليها في الحرب، كما يدل على ذلك السياق .. فأجدر بأن نؤمر به في حال السلم؛ لأن المؤمنين في جهاد مستمر وحروب دائمة، فهم تارة يجاهدون الأعداء، وأخرى يجاهدون

стр. 2694

الأهواء، ومن ثم أمرهم الله تعالى بالذكر في كثير من الآي، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ لما في ذلك من تربية النفس وصفاء الروح، وتذكر جلال الله وعظمته، وأن كل شيء هين في سبيله، وابتغاء مرضاته. وقد روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر فإنَّ الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾؛ أي: بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. اهـ. ﴿فَإِذَا اطْمَأنَنْتُمْ﴾؛ أي: فإذا سكنت قلوبكم من الخوف، وأمنتم بعد أن تضع الحرب أوزارها ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: فأدوا الصلاة المفروضة بتعديل أركانها، ومراعاة شرائطها، ولا تقصروا من هيآتها المعهودة، كما أذن لكم في حال الحرب. وقيل معنى الآية (١): فإذا أردتم أداء الصلاة .. فصلوا قيامًا حال اشتغالكم بالمسايفة والمقارعة، وقعودًا جاثين على الركب حال اشتغالكم بالمراماة، وعلى جنوبكم حال ما تكثر الجراحات فيكم فتسقطون على الأرض، فإذا زال الخوف عنكم بانقضاء الحرب .. فاقضوا ما صليتم في تلك الأحوال، وهذا ظاهر على مذهب الشافعي من إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسايفة إذا حضر وقتها، وإذا اطمأنوا فعليهم القضاء. وقال ابن عباس: أي فإذا فرغتم من صلاة الخوف .. فصلوا لله قيامًا للصحيح، وقعودًا للمريض، وعلى الجُنوب للجريح والمريض، فإذا ذهب منكم الخوف، ورجعتم إلى منازلكم .. فأتموا الصلاة أربعًا. ثم علل وجوب المحافظة على الصلاة حتى في وقت الخوف، ولو مع

стр. 2695

القصر منها، فقال ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ﴾ في حكم الله تعالى ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾؛ أي: فرضًا مؤكدًا عليهم في أوقات محدودة، لا بد من أدائها فيها بقدر الإمكان، فأداؤها في أوقاتها مع القصر بشرطه خير من تأخيرها لتؤدى تامة كاملة. والحكمة في توقيتها في تلك الأوقات المعلومة: أن الأشياء إن لم يكن لها وقت معين لا يحافظ عليها الجم الغفير من الناس، إلى ما في هذا النوع من الذكر المهذب للنفس من التربية العملية للأمة الإِسلامية بأن تلتزم أداء أعمالها في أوقات معينة، مع عدم الهوادة فيها، ومن قصر فيها في تلك الأوقات الخمسة في اليوم والليلة .. فهو جدير بأن ينسى ربه ويغرق في بحار الغفلة، ومن قوي إيمانه وزكت نفسه لا يكتفي بهذا القدر القليل من ذكر الله تعالى ومناجاته، بل يزيد عليه من النوافل ما شاء الله أن يزيد. والخلاصة: أن الصلوات الخمس إنما كانت موقوتة؛ لتكون مذكرة للمؤمن بربه في الأوقات المختلفة، لئلا تحمله الغفلة على الشر، أو التقصير في الخير، ولمن يريد الكمال في النوافل والأذكار أن يختار الأوقات التي يرى أنها أوفق بحاله. ١٠٤ - ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾؛ أي: ولا تضعفوا أيها المؤمنون، ﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ أي: في طلب القوم الكفار الذين ناصبوكم وظاهروكم العداوة بل عليكم أن تستعدوا لقتالهم بعد الفراغ من الصلاة، مع أخذ الحذر وحمل السلاح عند أدائها، وهذا في معنى الأمر بالهجوم عليهم؛ أي: لا تعجزوا ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال، نزلت (١) هذه الآية في شأن بدر الصغرى، وذلك لما بعث رسول الله ﷺ طائفة في طلب أبي سفيان وأصحابه، فشكوا الجراحات حين رجعوا من أحد. وسر هذا: أن الذي يوجه همته إلى المهاجمة تشتد عزيمته، وتعلو همته، أما الذي يلتزم الدفاع فحسب .. فإنه يكون خاثر العزيمة ضعيف القوة، ﴿إِنْ تَكُونُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿تَألَمُونَ﴾؛ أي: إن كنتم تتوجعون بالجراح ﴿فَإِنَّهُمْ﴾؛

стр. 2696

أي: فإن الأعداء ﴿يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُونَ﴾؛ أي: يتوجعون بالجراح كما تتوجعون أنتم، فحصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم، فلم يكن خوف الألم مانعًا لهم من قتالكم، فكيف يكون مانعًا لكم من قتالهم؛ أي: إن ما ينالكم من الآلام ينالهم منه مثله، فهم بشر مثلكم، وهم مع هذا يصبرون، فما لكم لا تصبرون وأنتم أولى منهم بالصبر، وبين سبب هذا بقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾؛ أي: وأنتم ترجون من الله ثوابه، وتخافون عذابه؛ لأنكم تعبدون الله تعالى والمشركون يعبدون الأصنام، فلا يصح منهم أن يرجوا منها ثوابًا، أو يخافوا منها عقابًا، فيجب أن تكونوا أرغب منهم في الحرب، وأصبر عليها، أو المعنى (١): ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ من ظهور دينكم الحق على سائر الأديان الباطلة، ومن الثواب الجزيل، والنعم المقيم في الآخرة، كما أنه تعالى قد وعدكم إحدى الحسنيين، النصر أو الجنة بالشهادة إذا نصرتم دينه، ودافعتم عن حماه، وهذا الوعد من الرحمن مع خلوص الإيمان يدعوان إلى الرَّجاء والأمل، ويضاعفان العزيمة، ويحثان صاحبهما على العمل بصبر وثبات، أما اليائس من هذا الوعد الكريم فإنه يكون ضعيف العزيمة ميت الهمة، يغلب عليه الجزع والفتور، فإن تساويتم في الآلام فقد فضلتموهم في الثقة بحسن العاقبة، فأنتم أجدر منهم بالإقدام والجرأة، فإن أنفسكم قوية؛ لأنها ترى الموت مغنمًا، وهم يرونه مغرمًا، وقرأ الحسن (٢): ﴿تَهِنُوا﴾ بفتح الهاء، وهي لغة، فتحت الهاء كما فتحت قال يدع، لأجل حرف الحلق. وقرأ عبيد بن عمير: ﴿ولا تهانوا﴾ من الإهانة، وقرأ الأعرج: ﴿أن تكونوا تألمون﴾ بفتح الهمزة على المفعول من أجله، وقرأ ابن المسيفع ﴿تِئْلمون﴾ بكسر التاء، وقرأ ابن وثاب ومنصور بن المعتمر: ﴿تسئلمون﴾ بكسر تاء المضارعة في الموضعين ويائها وهي لغة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمًا﴾ بنياتكم ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فلا يكلفكم شيئًا إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم، وقد ثبت في واسع علمه ومضت به سننه أن العاقة للمتقين، والنصرة

стр. 2697

لهم على الكافزين، ما داموا عاملين بهديه سائرين على الطريق التي وضعها لنصرة الحق على الباطل، من الأخذ بالأسباب وكثرة العَدَد والعُدَد، فإذا هم فعلوا ذلك .. كانوا أشد منهم قتالًا، وأحسن منهم نظامًا، وبذا يفوزون بالمطلوب، وبحسن العاقبة، ١٠٥ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: هذا القرآن حالة كونه متلبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بتحقيق الحق وبيانه، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ أي: لأجل أن تحكم بين الناس ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ؛ أي: بما أعلمك الله تعالى به في هذا الكتاب من الأحكام وأوحى به إليك، ﴿وَلَا تَكُن﴾ يا محمد ﴿لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ أي: لا تكن مدافعًا ومخاصمًا عن الخائنين، تجادل وتدافع عنهم، والمراد بهم طعمة بن أبيرق وجماعته، بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر، كما أخرجه الترمذي من حديث قتادة بن النعمان؛ أي: لا تكن مخاصمًا لمن كان بريئًا من الذنب والسرقة، وهو اليهودي زيد بن سمين، لأجل الدفع عن الخائنين، وهم طعمة وقومه، اعتمادًا على شهادتهم بالزور بأن اليهودي هو السارق لا هم. وخلاصة ذلك: أن عليك أن لا تتهاون في تحري الحق اغترارًا بلحن الخائنين، وقوة جدلهم في الخصومة، لئلا تكون خصيمًا لهم، وتقع في ورطة الدفاع عنهم، ويؤيد هذا حديث أم سلمة: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا .. فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار". ١٠٦ - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ، مما هممت به من القضاء على اليهودي بقطع يده، تعويلًا على شهادتهم الكاذبة، أو المعنى: واستغفر الله مما يعرض لك من شؤون البشر وأحوالهم، بالميل إلى من تراه ألحن بحجته، أو الركون إلى مسلم لأجل إسلامه تحسينًا للظن به، فهذا ونحوه صورته صورة من أتى ذنبًا يوجب الاستغفار، وإن لم يكن متعمدًا للزيغ عن العدل والتحيز للخصم، وفي هذا من زيادة الحرص على الحق والتشديد فيه ما لا يخفى، حتى كان مجرد الالتفات إلى قول المخادع يجب الاحتراس منه، كما أن فيه إيماء إلى أن

стр. 2698

القاضي لا يساعد من يظن أنه صاحب الحق، بل عليه أن يساوي بين المتخاصمين في كل شيء، ثم رغبهم في المغفرة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: مبالغًا في المغفرة والرحمة لمن استغفره واسترحمه. ١٠٧ - ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾؛ أي: لا تخاصم يا محمد ولا تدافع ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: يخونون أنفسهم بالمعاصي. وسمى خيانة غيرهم خيانة لأنفسهم؛ لأن ضررها عائد إليهم، وهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقًا. ووجه هذا الخطاب إلى النبي ﷺ ، وهو أعدل الناس وأكملهم، مبالغة في التحذير من هذه الخلة المعهودة في كثير من الحكام. وخلاصة المعنى: لا تدافع عن هؤلاء الخونة، ولا تساعدهم عند التخاصم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ يبغض و ﴿لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾؛ أي: كثير الخيانة ﴿أَثِيمًا﴾؛ أي: كثير الإثم فإن طعمة خان في الدرع، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة، وطلب من النبي ﷺ أن يدفع السرقة عنه، ويلحقها باليهودي، وهذا يبطل رسالة الرسول، ومن حاول إبطالها وإظهار كذبه .. فهو كافر، والمراد بعدم الحب البغض والسخط؛ أي: إن الله تعالى يبغض من اعتاد الخيانة، وألفت نفسه اجتراح السيئات، وضربت عليها، ولم يعد للعقاب الإلهي الرهبة والخشية، التي ينبغي أن يفكر مثله فيها، وإنما يحب الله أهل الأمانة والاستقامة، ١٠٨ - ثم بين أحوال الخائنين ونعى عليهم أفعالهم فقال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: يستترون من الناس حياء وخوفًا من ضررهم، ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يستترون من الله، أو لا يستحيون منه تعالى، ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن الله مع أولئك الخائنين بعلمه ورؤيته وقدرته، ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾؛ أي: إذ يدبرون في الليل بينهم، ﴿مَا لَا يَرْضَى﴾ الله سبحانه، ولا يحبه ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: من الرأي الذي أداروه بينهم، وذلك أن قوم طعمة قالوا فيما بينهم: نرفع الأمر إلى النبي ﷺ ، فإنه يسمع قول طعمة، ويقبل يمينه على أنه لم يسرق؛ لأنه مسلم، ولا يقبل قول اليهودي؛ لأنه كافر، فلم يرض الله ذلك منهم، فأطلع نبيه ﷺ على سرهم، وما هموا به وسمى تدبيرهم تبييتًا؛ لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل، وسماه قولًا؛ لأنه لا يحصل إلا بعد المقاولة بينهم.

стр. 2699

وحاصل المعنى: أن شأن هؤلاء الخوانين أنهم يستترون من الناس عند اجتراحهم الآثام، إما حياء، وإما خوفًا من ضررهم، ولا يستترون من الله، ولا يستحيون منه بتركها لضعف إيمانهم، إذ الإيمان يمنع من الإصرار وتكرار الذنب، ولا تقع الخيانة من صاحبه إلا عن غفلة، أو جهالة عارضة لا تدوم، فمن يعلم أن الله يراه في حنادس الظلمات .. لا بد أن يترك الذنب والخيانة، حياء منه تعالى، وخوفًا من عقابه، وهو تعالى شاهدهم حين يدبرون ليلًا ما لا يرضى من القول، تبرئة لأنفسهم، ورمي غيرهم بجريمتهم. ثم توعدهم على عظيم جرمهم فقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾؛ أي: حافظًا لأعمالهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، فلا سبيل إلى نجاتهم من عقابه، ١٠٩ - ثم حذر المؤمنين من مساعدة هؤلاء الخوانين والحدب عليهم فقال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ها حرف تنبيه، والخطاب فيه لقوم من المؤمنين، كانوا يذبون عن طعمة وقومه؛ أي: انتبهوا يا هؤلاء القوم الذي يذبون ويدافعون عن طعمة وقومه، أنتم ﴿جَادَلْتُمْ﴾ وخاصمتم ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن القوم الخائنين طعمة وقومه، وحاولتم تبرئتهم، وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: ﴿عنه﴾ بالإفراد؛ أي: عن طعمة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ عند تعذيبهم بذنوبهم يوم الخصم، والحاكم هو الله تعالى المحيط بأعمالهم، وأحوالهم وأحوال الخلق كافة، ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾؛ أي: مجادلًا ومخاصمًا، والوكيل في الأصل القائم بتدبير الأمور، والمعنى: من ذا الذي يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه، والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ؛ أي: فلا يمكن أن يجادل هناك أحد عنهم، ولا أن يكون وكيلًا بالخصومة لهم، فيدافع عنهم العذاب، فعلى المؤمنين أن يراقبوا الله تعالى في مثل ذلك، ولا يظنوا أن من أمكنه أن ينال الفوز والحكم له وأخذه من قضاة الدنيا بغير حق، يمكنه أن يظفر به في الآخرة ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾. وفي الآية (١): إيماء إلى أن حكم الحاكم في الدنيا لا يجيز للمحكوم له أن

стр. 2700

يأخذ به، إذا علم أنه حكم له بغير حقه، كما أن فيها توبيخًا وتقريعًا لأولئك الذين أرادوا مساعدة أبيرق على اليهودي. ١١٠ - ثم رغِّب في التوبة من الذنوب وحثَّ عليها فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أي: قبيحًا يسوء ويحزن به غيره، كما فعل طعمة من سرقة الدرع لقتادة، ومن رمي اليهودي بالسرقة، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بفعل معصية تختص به، كالحلف الكاذب ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ من ذلك السوء والظلم بالتوبة الصادقة، ﴿يَجِدِ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورًا﴾؛ أي: غفارًا لذنوبه ﴿رَحِيمًا﴾؛ أي: متفضلًا عليه بالعفو والمغفرة حيث قبل توبته، وهذه (١) الآية دلت على أن التوبة مقبولة من جميع الذنوب، سواء كانت كفرًا أو قتلًا عمدًا أو غصبًا للأموال؛ لأن السوء وظلم النفس يعم الكل، والمراد بوجدان الله غفورًا رحيمًا هو: أن التائب المستغفر يجد أثر المغفرة في نفسه، بكراهة الذنب وذهاب داعيته، ويجد أثر الرحمة بالرغبة في الأعمال الصالحة، التي تطهر النفس، وتزيل الدرن عنها. وفي ذلك ترغيب وحث لطعمة وقومه في التوبة والاستغفار، كما أن فيها بيانًا للمخرج من الذنب بعد وقوعه، وفيها تحذير من أعداء الحق والعدل الذين يحاولون هدمهما، وهما أسس الشرائع، ١١١ - ثم حذر من فعل الذنوب والآثام، وذكر عظيم ضررها فقال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا﴾؛ أي: يعمل ذنبًا ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ فلا يتعدى ضرره إلى غيره، فليتحرز عن إقبال نفسه للعقاب عاجلًا وآجلًا، والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة، ولذلك لم يجز وصف الله تعالى بذلك، وهذا إجمال بعد تفصيل، والمعنى (٢): ومن يعمل الإثم وير أنه قد كسبه وانتفع به .. فإنما كسبه وبال على نفسه، وضرر لا نفع له فيه، كما يخطر على بال من يجهل عواقب الآثام في الدنيا والآخرة، من فضيحة للآثم ومهانة له بين الناس وعند الحاكم العادل، كما وقع لأصحاب هذه القصة الذين نزلت في شأنهم هذه الآيات، ومن خزي في الآخرة، يوم لا ينفع مال ولا بنون
следующие страницы →