أي: فإن الأعداء ﴿يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُونَ﴾؛ أي: يتوجعون بالجراح كما تتوجعون أنتم، فحصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم، فلم يكن خوف الألم مانعًا لهم من قتالكم، فكيف يكون مانعًا لكم من قتالهم؛ أي: إن ما ينالكم من الآلام ينالهم منه مثله، فهم بشر مثلكم، وهم مع هذا يصبرون، فما لكم لا تصبرون وأنتم أولى منهم بالصبر، وبين سبب هذا بقوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾؛ أي: وأنتم ترجون من الله ثوابه، وتخافون عذابه؛ لأنكم تعبدون الله تعالى والمشركون يعبدون الأصنام، فلا يصح منهم أن يرجوا منها ثوابًا، أو يخافوا منها عقابًا، فيجب أن تكونوا أرغب منهم في الحرب، وأصبر عليها، أو المعنى (١): ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ من ظهور دينكم الحق على سائر الأديان الباطلة، ومن الثواب الجزيل، والنعم المقيم في الآخرة، كما أنه تعالى قد وعدكم إحدى الحسنيين، النصر أو الجنة بالشهادة إذا نصرتم دينه، ودافعتم عن حماه، وهذا الوعد من الرحمن مع خلوص الإيمان يدعوان إلى الرَّجاء والأمل، ويضاعفان العزيمة، ويحثان صاحبهما على العمل بصبر وثبات، أما اليائس من هذا الوعد الكريم فإنه يكون ضعيف العزيمة ميت الهمة، يغلب عليه الجزع والفتور، فإن تساويتم في الآلام فقد فضلتموهم في الثقة بحسن العاقبة، فأنتم أجدر منهم بالإقدام والجرأة، فإن أنفسكم قوية؛ لأنها ترى الموت مغنمًا، وهم يرونه مغرمًا، وقرأ الحسن (٢): ﴿تَهِنُوا﴾ بفتح الهاء، وهي لغة، فتحت الهاء كما فتحت قال يدع، لأجل حرف الحلق. وقرأ عبيد بن عمير: ﴿ولا تهانوا﴾ من الإهانة، وقرأ الأعرج: ﴿أن تكونوا تألمون﴾ بفتح الهمزة على المفعول من أجله، وقرأ ابن المسيفع ﴿تِئْلمون﴾ بكسر التاء، وقرأ ابن وثاب ومنصور بن المعتمر: ﴿تسئلمون﴾ بكسر تاء المضارعة في الموضعين ويائها وهي لغة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمًا﴾ بنياتكم ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فلا يكلفكم شيئًا إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم، وقد ثبت في واسع علمه ومضت به سننه أن العاقة للمتقين، والنصرة
стр. 2697
لهم على الكافزين، ما داموا عاملين بهديه سائرين على الطريق التي وضعها لنصرة الحق على الباطل، من الأخذ بالأسباب وكثرة العَدَد والعُدَد، فإذا هم فعلوا ذلك .. كانوا أشد منهم قتالًا، وأحسن منهم نظامًا، وبذا يفوزون بالمطلوب، وبحسن العاقبة،
١٠٥ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: هذا القرآن حالة كونه متلبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بتحقيق الحق وبيانه، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ أي: لأجل أن تحكم بين الناس ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ؛ أي: بما أعلمك الله تعالى به في هذا الكتاب من الأحكام وأوحى به إليك، ﴿وَلَا تَكُن﴾ يا محمد ﴿لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ أي: لا تكن مدافعًا ومخاصمًا عن الخائنين، تجادل وتدافع عنهم، والمراد بهم طعمة بن أبيرق وجماعته، بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر، كما أخرجه الترمذي من حديث قتادة بن النعمان؛ أي: لا تكن مخاصمًا لمن كان بريئًا من الذنب والسرقة، وهو اليهودي زيد بن سمين، لأجل الدفع عن الخائنين، وهم طعمة وقومه، اعتمادًا على شهادتهم بالزور بأن اليهودي هو السارق لا هم.
وخلاصة ذلك: أن عليك أن لا تتهاون في تحري الحق اغترارًا بلحن الخائنين، وقوة جدلهم في الخصومة، لئلا تكون خصيمًا لهم، وتقع في ورطة الدفاع عنهم، ويؤيد هذا حديث أم سلمة: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا .. فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار".
١٠٦ - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ، مما هممت به من القضاء على اليهودي بقطع يده، تعويلًا على شهادتهم الكاذبة، أو المعنى: واستغفر الله مما يعرض لك من شؤون البشر وأحوالهم، بالميل إلى من تراه ألحن بحجته، أو الركون إلى مسلم لأجل إسلامه تحسينًا للظن به، فهذا ونحوه صورته صورة من أتى ذنبًا يوجب الاستغفار، وإن لم يكن متعمدًا للزيغ عن العدل والتحيز للخصم، وفي هذا من زيادة الحرص على الحق والتشديد فيه ما لا يخفى، حتى كان مجرد الالتفات إلى قول المخادع يجب الاحتراس منه، كما أن فيه إيماء إلى أن
стр. 2698
القاضي لا يساعد من يظن أنه صاحب الحق، بل عليه أن يساوي بين المتخاصمين في كل شيء، ثم رغبهم في المغفرة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: مبالغًا في المغفرة والرحمة لمن استغفره واسترحمه.
١٠٧ - ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾؛ أي: لا تخاصم يا محمد ولا تدافع ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: يخونون أنفسهم بالمعاصي. وسمى خيانة غيرهم خيانة لأنفسهم؛ لأن ضررها عائد إليهم، وهم طعمة ومن عاونه من قومه ممن علم كونه سارقًا. ووجه هذا الخطاب إلى النبي ﷺ ، وهو أعدل الناس وأكملهم، مبالغة في التحذير من هذه الخلة المعهودة في كثير من الحكام.
وخلاصة المعنى: لا تدافع عن هؤلاء الخونة، ولا تساعدهم عند التخاصم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ يبغض و ﴿لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾؛ أي: كثير الخيانة ﴿أَثِيمًا﴾؛ أي: كثير الإثم فإن طعمة خان في الدرع، وأثم في نسبة اليهودي إلى تلك السرقة، وطلب من النبي ﷺ أن يدفع السرقة عنه، ويلحقها باليهودي، وهذا يبطل رسالة الرسول، ومن حاول إبطالها وإظهار كذبه .. فهو كافر، والمراد بعدم الحب البغض والسخط؛ أي: إن الله تعالى يبغض من اعتاد الخيانة، وألفت نفسه اجتراح السيئات، وضربت عليها، ولم يعد للعقاب الإلهي الرهبة والخشية، التي ينبغي أن يفكر مثله فيها، وإنما يحب الله أهل الأمانة والاستقامة،
١٠٨ - ثم بين أحوال الخائنين ونعى عليهم أفعالهم فقال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: يستترون من الناس حياء وخوفًا من ضررهم، ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يستترون من الله، أو لا يستحيون منه تعالى، ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن الله مع أولئك الخائنين بعلمه ورؤيته وقدرته، ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾؛ أي: إذ يدبرون في الليل بينهم، ﴿مَا لَا يَرْضَى﴾ الله سبحانه، ولا يحبه ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: من الرأي الذي أداروه بينهم، وذلك أن قوم طعمة قالوا فيما بينهم: نرفع الأمر إلى النبي ﷺ ، فإنه يسمع قول طعمة، ويقبل يمينه على أنه لم يسرق؛ لأنه مسلم، ولا يقبل قول اليهودي؛ لأنه كافر، فلم يرض الله ذلك منهم، فأطلع نبيه ﷺ على سرهم، وما هموا به وسمى تدبيرهم تبييتًا؛ لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل، وسماه قولًا؛ لأنه لا يحصل إلا بعد المقاولة بينهم.
стр. 2699
وحاصل المعنى: أن شأن هؤلاء الخوانين أنهم يستترون من الناس عند اجتراحهم الآثام، إما حياء، وإما خوفًا من ضررهم، ولا يستترون من الله، ولا يستحيون منه بتركها لضعف إيمانهم، إذ الإيمان يمنع من الإصرار وتكرار الذنب، ولا تقع الخيانة من صاحبه إلا عن غفلة، أو جهالة عارضة لا تدوم، فمن يعلم أن الله يراه في حنادس الظلمات .. لا بد أن يترك الذنب والخيانة، حياء منه تعالى، وخوفًا من عقابه، وهو تعالى شاهدهم حين يدبرون ليلًا ما لا يرضى من القول، تبرئة لأنفسهم، ورمي غيرهم بجريمتهم. ثم توعدهم على عظيم جرمهم فقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾؛ أي: حافظًا لأعمالهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، فلا سبيل إلى نجاتهم من عقابه،
١٠٩ - ثم حذر المؤمنين من مساعدة هؤلاء الخوانين والحدب عليهم فقال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ ها حرف تنبيه، والخطاب فيه لقوم من المؤمنين، كانوا يذبون عن طعمة وقومه؛ أي: انتبهوا يا هؤلاء القوم الذي يذبون ويدافعون عن طعمة وقومه، أنتم ﴿جَادَلْتُمْ﴾ وخاصمتم ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن القوم الخائنين طعمة وقومه، وحاولتم تبرئتهم، وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: ﴿عنه﴾ بالإفراد؛ أي: عن طعمة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ عند تعذيبهم بذنوبهم يوم الخصم، والحاكم هو الله تعالى المحيط بأعمالهم، وأحوالهم وأحوال الخلق كافة، ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾؛ أي: مجادلًا ومخاصمًا، والوكيل في الأصل القائم بتدبير الأمور، والمعنى: من ذا الذي يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه، والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ؛ أي: فلا يمكن أن يجادل هناك أحد عنهم، ولا أن يكون وكيلًا بالخصومة لهم، فيدافع عنهم العذاب، فعلى المؤمنين أن يراقبوا الله تعالى في مثل ذلك، ولا يظنوا أن من أمكنه أن ينال الفوز والحكم له وأخذه من قضاة الدنيا بغير حق، يمكنه أن يظفر به في الآخرة ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾.
وفي الآية (١): إيماء إلى أن حكم الحاكم في الدنيا لا يجيز للمحكوم له أن
стр. 2700
يأخذ به، إذا علم أنه حكم له بغير حقه، كما أن فيها توبيخًا وتقريعًا لأولئك الذين أرادوا مساعدة أبيرق على اليهودي.
١١٠ - ثم رغِّب في التوبة من الذنوب وحثَّ عليها فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أي: قبيحًا يسوء ويحزن به غيره، كما فعل طعمة من سرقة الدرع لقتادة، ومن رمي اليهودي بالسرقة، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بفعل معصية تختص به، كالحلف الكاذب ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ من ذلك السوء والظلم بالتوبة الصادقة، ﴿يَجِدِ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورًا﴾؛ أي: غفارًا لذنوبه ﴿رَحِيمًا﴾؛ أي: متفضلًا عليه بالعفو والمغفرة حيث قبل توبته، وهذه (١) الآية دلت على أن التوبة مقبولة من جميع الذنوب، سواء كانت كفرًا أو قتلًا عمدًا أو غصبًا للأموال؛ لأن السوء وظلم النفس يعم الكل، والمراد بوجدان الله غفورًا رحيمًا هو: أن التائب المستغفر يجد أثر المغفرة في نفسه، بكراهة الذنب وذهاب داعيته، ويجد أثر الرحمة بالرغبة في الأعمال الصالحة، التي تطهر النفس، وتزيل الدرن عنها.
وفي ذلك ترغيب وحث لطعمة وقومه في التوبة والاستغفار، كما أن فيها بيانًا للمخرج من الذنب بعد وقوعه، وفيها تحذير من أعداء الحق والعدل الذين يحاولون هدمهما، وهما أسس الشرائع،
١١١ - ثم حذر من فعل الذنوب والآثام، وذكر عظيم ضررها فقال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا﴾؛ أي: يعمل ذنبًا ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ فلا يتعدى ضرره إلى غيره، فليتحرز عن إقبال نفسه للعقاب عاجلًا وآجلًا، والكسب عبارة عما يفيد جر منفعة أو دفع مضرة، ولذلك لم يجز وصف الله تعالى بذلك، وهذا إجمال بعد تفصيل، والمعنى (٢): ومن يعمل الإثم وير أنه قد كسبه وانتفع به .. فإنما كسبه وبال على نفسه، وضرر لا نفع له فيه، كما يخطر على بال من يجهل عواقب الآثام في الدنيا والآخرة، من فضيحة للآثم ومهانة له بين الناس وعند الحاكم العادل، كما وقع لأصحاب هذه القصة الذين نزلت في شأنهم هذه الآيات، ومن خزي في الآخرة، يوم لا ينفع مال ولا بنون
стр. 2701
إلا من أتى الله بقلب سليم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمًا﴾ بما في قلب عبده عند إقدامه على التوبة ﴿حَكِيمًا﴾ تقتضي حكمته أن يتجاوز عن التائب، وأن لا يحمل نفسًا وازرة وزر نفس أخرى، أو المعنى: إنه تعالى بعلمه الواسع حدد للناس شرائع يضرهم تجاوزها، وبحكمته جعل لها عقابًا يضر المتجاوز لها، فهو إذًا يضر نفسه، ولا يضر الله شيئًا.
١١٢ - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾؛ أي: ومن يكسب ذنبًا خطأ بلا تعمد أو صغيرة أو قاصرة على الفاعل، أو ما لا ينبغي فعله بالعمد أو بالخطأ، أو ذنبًا بينه وبين الله تعالى، يعني يمينه الكاذبة. وقرأ معاذ بن جبل: ﴿ومن يكسب﴾ بكسر الكاف وتشديد السين، وأصله يكتسب. وقرأ الزهري ﴿خطية﴾ بالتشديد، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾؛ أي: كبيرة، أو ما يتعدى إلى الغير، كالظلم والقتل، أو ما يحصل بالعمد، أو ذنبًا بينه وبين الناس، يعني سرقته ورميه اليهودي، ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾؛ أي: يقذف بذلك الذنب شخصًا ﴿بَرِيئًا﴾ منه كما فعل طعمة حين رمى اليهودي بالسرقة ولم يسرق. فإن قلت (١): الخطيئة والإثم شيئان، فكيف وحد الضمير في قوله: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾؟.
قلت: معناه ثم يرم بأحد هذين المذكورين بريئًا، وقيل: معناه ثم يرم بهما، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، وقيل: إنه يعود الضمير إلى الإثم وحده؛ لأنه أقرب مذكور، وقيل: إن الضمير يعود إلى الكسب، ومعناه: ثم يرم بما كسب بريئًا؛ أي: ومن يكسب خطيئة أو إثمًا، ثم يبرىء نفسه منه، وينسبه إلى شخص بريء منه، ويزعم أنه هو الذي كسبه .. ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: فقد كلف نفسه يحمل وزر البهتان والكذب العظيم، وحمل وزر الذنب المبين الظاهر بافترائه على البريء، واتهامه إياه؛ أي: فقد (٢) أوجب على نفسه عقوبة بهتان عظيم، وعقوبة ذنب بين، فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر، وهو بريء منه،
стр. 2702
فصاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله: ﴿بُهْتَانًا﴾ إشارة إلى الذم العظيم في الدنيا، وقوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ إشارة إلى العقاب الشديد في الآخرة، ولما (١) كانت الذنوب لازمة لفاعلها .. كانت كالثقل الذي يحمل، فعبر عنه باحتمل، ومثله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.
وقد فشا هذا بين المسلمين في هذا الزمان، ولم يكن لهذا من سبب إلا ترك هداية الدين، وقلة الوازع النفسي والغفلة عن الأوامر والنواهي التي جاءت به الشريعة.
١١٣ - وبعد أن ذكر المختانين أنفسهم، ومحاولتهم زحزحة الرسول صلوات الله وسلامه عليه عن الحق .. بيَّن فضله ونعمته عليه، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ وإحسانه ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمد بالنبوة، والتأييد بالعصمة ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ لك ببيان حقيقة الواقع وما هم عليه بالوحي، ﴿لَهَمَّتْ﴾ وقصدت ﴿طَائِفَةٌ﴾؛ أي: جماعة ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من الخائنين قوم طعمة ﴿أنْ يُضِلُّوكَ﴾؛ أي: أن يخطئوك عن الحكم العادل المنطبق على حقيقة القضية في نفسها، ويوقعوك في الحكم الباطل، وذلك لأن قوم طعمة قد عرفوا أنه سارق، ثم سألوا النبي ﷺ أن يجادل عنه ويبرئه عن السرقة، وينسب تلك السرقة إلى اليهودي، ولكنه قبل أن يطمعوا في ذلك ويهموا به، جاءك الوحي ببيان الحق، وإقامة أركان العدل والمساواة فيه بين جميع الخلق ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: ما يضلون أحدًا إلا أنفسهم بسبب تعاونهم على الإثم والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان؛ لأن وبال ذلك عائد عليهم ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأنه هو عاصمك من الناس، فإنهم وإن سعوا في إلقائك في الباطل .. فأنت ما وقعت فيه؛ لأنك عملت بالظاهر، ولا ضرر عليك في الحكم به قبل نزول الوحي، ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ﴿و﴾ أوحى إليك
стр. 2703
﴿الحكمة﴾؛ أي: السنة؛ أي: فكيف يضلونك وقد أنزل الله تعالى إليك الكتاب والحكمة، وقيل: الحكمة فقه مقاصد الدين وأسراره، ووجه موافقتها للفطرة، وانطباقها على سنن الاجتماع البشري ومصالح الناس في كل زمان ومكان ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من أمور الدين، وأسرار الكتاب والحكمة، وأخبار الأولين، وحيل المنافقين ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذ أرسلك للناس كافة، وجعلك خاتم النبيين، واختصك بنعم كثيرة، ومزايا لا تدخل تحت حصر، فيجب أن تكون أعظم الناس شكرًا له، كما يجب على أمتك مثل ذلك؛ ليكونوا خير أمة أخرجت للناس قدوة لغيرهم في جميع الخيرات. وهذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف المناقب والفضائل، مع أن الله تعالى ما أعطى الخلق من العلم إلا القليل.
الإعراب
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿ضَرَبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾، على كونه فعل شرط لها، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق به، ﴿فَلَيْسَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا، لكون الجواب جملة جامدية، ﴿ليس﴾: فعل ماض ناقص، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿ليس﴾. ﴿جُنَاحٌ﴾: اسم ﴿ليس﴾ مؤخر، وجملة ﴿ليس﴾ من اسمها وخبرها جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿مِنَ﴾ زائدة على مذهب الأخفش. ﴿الصَّلَاةِ﴾: مفعول به، و ﴿من﴾: تبعيضية على مذهب الجمهور من عدم زيادتها في الإثبات، متعلقة بـ ﴿تَقْصُرُوا﴾، وصفة لمحذوف عند سيبويه؛ أي شيئًا من الصلاة، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: فليس عليكم جناح في قصر الصلاة.
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
стр. 2704
﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾: حرف شرط وفعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبلها، تقديره: فليس عليكم جناح في قصر الصلاة، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية قيد لا مفهوم لها، ومستأنفة لا محل لها. ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ﴾ ناصب وفعل ومفعول وفاعل، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: إن خفتم فتنة الذين كفروا إياكم، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾ حرف نصب واسمها، ﴿كَانُوا﴾ خبرها. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بكان أو حال من ﴿عَدُوًّا﴾ وهو خبر كان، ﴿مُبِينًا﴾: صفة ﴿عَدُوًّا﴾، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًّا.
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿وَإِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿فِيهِمْ﴾: خبره، وجملة كان في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، ﴿فَأَقَمْتَ﴾: عاطف وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة كان، ﴿لَهُمُ﴾: متعلق بـ ﴿أقمت﴾، ﴿الصَّلَاةَ﴾: مفعول به، ﴿فَلْتَقُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا، ﴿لتقم طائفة﴾: جازم وفعل وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة ﴿طَائِفَةٌ﴾، ﴿مَعَكَ﴾: ظرف ومضاف إليه حال من ﴿طَائِفَةٌ﴾ لوصفه بالجار والمجرور، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، ﴿وَلْيَأخُذُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، ﴿أسْلِحَتَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَلْتَقُمْ﴾ على كونها جواب ﴿إِذَا﴾، ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿سَجَدُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾، ﴿فَلْيَكُونُوا﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إِذَا﴾، ﴿يَكُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مِنْ وَرَائِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر كان، وجملة كان جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة
стр. 2705
﴿إذا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، ﴿وَلْتَأتِ طَائِفَةٌ﴾: جازم وفعل وفاعل، ﴿أُخْرَى﴾: صفة لـ ﴿طَائِفَةٌ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَلْيَكُونُوا﴾، ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة صفة ثانية لـ ﴿طَائِفَةٌ﴾ أو حال منها؛ لأنها تخصصت بالصفة، ﴿فَلْيُصَلُّوا﴾: عاطف وجازم، وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلْتَأتِ﴾، ﴿مَعَكَ﴾: ظرف ومضاف إليه حال من فاعل ﴿يُصَلُّوا﴾، ﴿وَلْيَأخُذُوا﴾: جازم وفعل وفاعل معطوف على ﴿فَلْيُصَلُّوا﴾، ﴿حِذْرَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾: معطوف على ﴿حِذْرَهُمْ﴾.
﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾.
﴿وَدَّ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿لَوْ﴾: حرف مصدر ﴿تَغْفُلُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَغْفُلُونَ﴾، ﴿وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَسْلِحَتِكُمْ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية، ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: ود الذين كفروا غفلتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم، ﴿فَيَمِيلُونَ﴾: عاطف وفعل وفاعل، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، ﴿مَيْلَةً﴾: مفعول مطلق، ﴿وَاحِدَةً﴾: صفة لـ ﴿مَيْلَةً﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿تَغْفُلُونَ﴾ على كونها صلة لـ ﴿لَوْ﴾: المصدرية، والتقدير: ود الذين كفروا غفلتكم عن أسلحتكم فميلهم عليكم، ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لا﴾: نافية، ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ خبرها، والجملة مستأنفة. ﴿إِن﴾: حرف شرط، ﴿كاَنَ﴾: فعل ناقص، ﴿بِكُمْ﴾: جار ومجرور، خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها، ﴿أَذًى﴾: اسم ﴿كاَنَ﴾، ﴿مِنْ مَطَرٍ﴾: صفة لـ ﴿أَذًى﴾، والتقدير: إن كان أذى من مطر واقعًا بكم، وجملة ﴿كان﴾ في محل الجزم فعل شرط لـ ﴿إن﴾، وجوابها معلوم مما قبلها، تقديره: إن كان بكم أذى من مطر فلا جناح عليكم، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾،
стр. 2706
فعل ناقص واسمه وخبره، معطوف على قوله: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾، ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: في وضعكم أسلحتكم، والجار المحذوف حال من الضمير المستكن في خبر ﴿لا﴾، أو خبر ثان لـ ﴿لَا﴾، والتقدير: لا جناح كائن هو عليكم حالة كونه في وضعكم أسلحتكم، ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمها، ﴿أَعَدْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اَللهَ﴾، ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أَعَدَّ﴾ أو حال من ﴿عَذَابًا﴾، ﴿عَذَابًا﴾: مفعول ﴿أَعَدَّ﴾، ﴿مُهِينًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾.
﴿فَإذَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم كيفية صلاة الخوف، وأردتم بيان ما هو أصلح لكم بعد الفراغ من الصلاة .. فأقول لكم، ﴿إذا قضيتم﴾: ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، ﴿فَاذْكُرُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾، ﴿اذكروا الله﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿قِيَامًا﴾ حال من فاعل ﴿اذكروا﴾، ﴿وَقُعُودًا﴾: معطوف عليه، ﴿وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾: متعلق بمحذوف معطوف على ﴿قِيَامًا﴾ على كونه حالًا من فاعل ﴿ذكروا﴾ تقديره: ومضطجعين على جنوبكم، ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت على شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما تشتغلون بعد قضاء الصلاة وانتهائها، وأردتم بيان ما هو لازم لكم بعد الاطمئنان، وزوال الخوف عنكم .. فأقول لكم، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿اطْمَأنَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في
стр. 2707
محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، ﴿فَأَقِيمُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾، ﴿أقيموا﴾: فعل وفاعل، ﴿الصَّلَاةَ﴾: مفعول به، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانَتْ﴾: فعل ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿الصَّلَاةَ﴾، ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: حال من ﴿كِتَابًا﴾، ﴿كِتَابًا﴾: خبر كان، ﴿مَوْقُوتًا﴾: صفة لـ ﴿كتابا﴾ وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَألَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَألَمُونَ كَمَا تَألَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: جازم وفعل وفاعل والجملة مستأنفة، ﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَهِنُوا﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿تَكُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه: مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿تَألَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة خبر كان، ﴿فَإِنَّهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ وجوبًا، ﴿إنهم﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَألَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معللة للنهي السابق قبلها، أعني قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾، ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿تَألَمُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، تقديره: كإيلامكم، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: فإنهم يألمون، إيلامًا كائنًا كإيلامكم. ﴿وَتَرْجُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة، أو حال من فاعل ﴿كَمَا تَألَمُونَ﴾ ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿ترجون﴾، ﴿لَا يَرْجُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما لا يرجونه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿عَلِيمًا﴾: خبر أول لها، ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة.
стр. 2708
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾.
﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به، ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من الكتاب، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، ﴿لِتَحْكُمَ﴾: ﴿اللام﴾: لام كي، ﴿تحكم﴾: منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تحكم﴾، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تحكم﴾ أيضًا، وجملة ﴿تحكم﴾ صفة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، تقديره: لحكمك بين الناس، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾، ﴿أَرَاكَ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: أراكه الله، وهو العائد على ﴿ما﴾ الموصولة والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، ﴿وَلَا تَكُن﴾: جازم وفعل ناقص، واسمه ضمير يعود على محمد، ﴿لِلْخَائِنِينَ﴾: متعلق بـ ﴿خَصِيمًا﴾، ﴿خَصِيمًا﴾: خبر ﴿تَكُنْ﴾، وجملة ﴿تَكُنْ﴾ مستأنفة. ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾: فعل ومفعول أول، والثاني محذوف، تقديره: ذنبك، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة ﴿لا تكن﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص، واسمه ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿غَفُورًا﴾: خبر أول لـ ﴿كَانَ﴾، ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾.
﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾: جازم وفعل، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿عَنِ الَّذِينَ﴾: متعلق به، ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب ومنصوب، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يُحِبُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجر معللة للنهي السابق
стр. 2709
قبلها، ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَن﴾، ﴿خَوَّانًا﴾: خبر ﴿كاَنَ﴾، ﴿أَثِيمًا﴾: صفة له، أو خبر ثان لها، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة الموصول.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾.
﴿يَسْتَخْفُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾: متعلق به، ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ﴾: ناف وفعل وفاعل، معطوف على ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق به، ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿مَعَهُمْ﴾: خبره، والجملة حال من لفظ الجلالة، ﴿إِذ﴾: ظرف لما مضى متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ﴿يُبيتُونَ﴾: فعل وفاعل، مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾ ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول لـ ﴿يُبَيِّتُونَ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَرْضَى﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والمفعول محذوف، تقديره: يرضاه، وهو العائد على ﴿مَا﴾ الموصولة، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾: حال من الضمير المحذوف، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: متعلق بـ ﴿مُحِيطًا﴾ وهو خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ هو مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾.
﴿هَا أَنْتُمْ﴾: ﴿ها﴾: حرف تنبيه، ﴿أنتم﴾: مبتدأ، ﴿هَؤُلَاءِ﴾: منادى نكرة مقصودة، حذف منه حرف النداء، وجملة النداء معترضة، لاعتراضها بين المبتدأ والخبر، ﴿جَادَلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿جَادَلْتُمْ﴾، ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾: متعلق بـ ﴿جَادَلْتُمْ﴾ أيضًا، ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة، ﴿فَمَن﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿من﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿يُجَادِلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُجَادِلُ﴾، والجملة الفعلية
стр. 2710
خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ﴾ على كونها مستأنفة، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُجَادِلُ﴾، ﴿أَم﴾: منقطعة تعطف جملة على جملة، ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿وَكِيلًا﴾ وهو خبر ﴿يَكُونُ﴾، وجملة ﴿يَكُونُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿مَنْ﴾، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾.
﴿وَمَن﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يَعْمَلْ سُوءًا﴾: فعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾: فعل ومفعول، معطوف على ﴿يَعْمَلْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾: فعل ومفعول أول، معطوف على ﴿يَظْلِمْ﴾ أو على ﴿يَعْمَلْ﴾، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ذنبه، ﴿يَجِدِ اللَّهَ﴾: فعل ومفعول أول، مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿غَفُورا﴾: مفعول ثان، ﴿رَحِيمًا﴾: صفة لـ ﴿غَفُورًا﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، ﴿يَكْسِبْ إِثْمًا﴾: فعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿فَإِنَّمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾، ﴿إنما﴾ أداة حصر، ﴿يَكْسِبُهُ﴾: فعل ومفعول، ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ جار ومجرور متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة
стр. 2711
على جملة ﴿من﴾ الأولى، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿عَلِيمًا﴾: خبر أول لها، ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾: جازم ومجزوم ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾: معطوف على ﴿خَطِيئَةً﴾، ﴿ثُمَّ يَرْمِ﴾: معطوف على ﴿يَكْسِبْ﴾، مجزوم بحذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يرم﴾، ﴿بَرِيئًا﴾: مفعول به، ﴿فَقَدِ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ وجوبًا، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿احْتَمَلَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿بُهْتَانًا﴾: مفعول به، ﴿وَإِثْمًا﴾: معطوف عليه، ﴿مُبِينًا﴾: صفة له، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿من﴾، ولى.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾.
﴿ولولا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود، ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾: معطوف على ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا؛ لقيام جواب ﴿لولا﴾ مقامه، تقديره: موجودان، ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لولا﴾ ﴿همت طائفة﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿طَائِفَةٌ﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿لولا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لولا﴾ مع جوابها مستأنفة استئنافًا نحويًّا، والمعنى: انتفى ضلالك الذي هموا به لوجود فضل الله عليك بالعصمة والحفظ، ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول به، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء المحذوفة
стр. 2712
المتعلقة بـ ﴿همت﴾ تقديره: لهمت طائفة منهم بإضلالهم إياك، ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿يُضِلُّونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿يَضُرُّونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا يضلون﴾، ﴿مِن﴾ زائدة، ﴿شَيْءٍ﴾: منصوب على المفعولية، بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف جر زائد؛ أي: ما يضرونك شيئًا من الضرر لا قليلًا ولا كثيرًا، ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَعَلَّمَكَ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أنزل﴾، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿علم﴾، ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿تَكُن﴾: فعل ناقص مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، واسمه ضمير يعود على محمد، ﴿تَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، ومفعوله محذوف، تقديره: ما لم تكن تعلمه، وهو بمعنى عرف يتعدى إلى مفعول واحد، وجملة ﴿تَعْلَمُ﴾ في محل النصب خبر ﴿تَكُن﴾، وجملة ﴿تَكُن﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ﴾: فعل ناقص واسمه ومضاف إليه، ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ أو حال منه، ﴿عَظِيمًا﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾: يقال قصرت الشيء من باب نصر، إذا جعلته قصيرًا بحذف بعض أجزائه، فمتعلق القصر جملة الشيء لا بعضه، فإن البعض متعلق الحذف، والقصير ضد الطويل، والقصر بالفتح من القصر - كعنب - ضد الطول، و ﴿الجناح﴾: التضييق من جنح البعير إذا انكسرت جوانحه - أضلاعه - لثقل حمله، ﴿عَدُوًّا مُبِينًا﴾: في "المصباح" قال في "مختصر العين" يقع العدو بلفظ واحد على الواحد المذكر والمؤنث والمجموع انتهى، ﴿وَلْيَأخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾:
стр. 2713
والأسلحة جمع سلاح، وهو كل ما يتحصن الإنسان ويدافع به عن نفسه في الحرب، ويقاتل به، من سيف وخنجر ورمح ومسدس وبندقية، ومن جميع أسلحة العصر الحاضر، وقال الليث: يقال للسيف وَحْدَه سلاح، وللعصا وَحْدَها سلاح، وقال ابن دريد: يقال سلاح على وزن حمار، وسلح على وزن ضلع، وسلح على وزن صرد، وسلحان على وزن سلطان، ويقال: رجل سالح إذا كان معه سلاح، والسلح نبت إذا رعته الإبل .. سمنت وغزر لبنها، وما يلقيه البعير من جوفه يقال له: سُلاح بوزن غُلام، ثم عبر به عن كل عذرة.
﴿وَلْيَأخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ والحذر بفتحتين وبكسر فسكون التحرز والاحتياط، يقال: حذر حذرًا وحذرًا من باب تعب. ﴿وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾: جمع متاع، وجمع الجمع أماتع وأماتيع، والمتاع كل ما ينتفع به من عروض الدنيا كثيرها وقليلها، سوى الفضة والذهب، وكل ما يلبسه الإنسان ويبسطه، وما ينتفع به انتفاعًا قليلًا غير باق بل ينقضي عن قريب، يقال: إنما الحياة الدنيا متاع؛ أي: بلغة يتبلغ به لا بقاء له.
﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾: جمع مريض، كقتلى جمع قتيل، وجرحى جمع جريح. ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾: اسم فاعل من أهان يهين إهانة - نظير أعان - إذا أذله، فهو مهين وذاك مهان. ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ جمع قائم وقاعد، ﴿فَإِذَا اطْمَأنَنْتُمْ﴾: الهمزة فيه أصلية، ووزن الكلمة افعلل، والمصدر الطمأنينة كالقشعريرة، والاطمئنان كالاقشعرار، والطمأنينة سكون النفس من الخوف، وأما قولهم طامن رأسه فأصل آخر. ﴿مَوْقُوتًا﴾: مفعول من وقت بالتخفيف، كمضروب من ضرب، ولم يقل موقوتة بالتاء مراعاة لكتابًا، فإنه في الأصل مصدر.
﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: يقال وهن يهن من باب وعد، وهنا يقال وهنه إذا أضعفه، ووَهُنَ يَوْهُن وهنًا بإسكان العين، ووهنًا بالتحريك، من باب فعل المضموم، إذا ضعف في الأمر أو العمل أو البدن، ويقال: وَهِنَ يَهِن بكسر العين في الماضي والمضارع وَهْنًا ووَهَنًا، ووَهِنَ ويَوْهَن على وزن وَجِلَ يَوْجَل، وهنا بالتحريك بمعنى: وهن بضم العين. ﴿إِنْ تَكُونُوا تَألَمُونَ﴾: ويقرأ ﴿تيلمون﴾ بكسر التاء وقلب
стр. 2714
الهمزة ياء، وهي لغة تميم. ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾: الهمزة (١) ههنا معدية، والفعل من رأيت الشيء إذا ذهبت إليه، وهو من الرأي، وهو متعد إلى مفعول واحد، وبعد الهمزة يتعدى إلى مفعولين، أحدهما الكاف، والآخر محذوف؛ أي: أراكه، وقيل المعنى: علمك، وهو متعد إلى مفعولين، وهو قبل التشديد متعد إلى واحد، كقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾، ﴿لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: فعيل بمعنى مفاعل؛ أي: مخاصمًا لهم واللام على بابها؛ أي: لأجل الخائنين، وقيل: هي بمعنى عن وليس بشيء، لصحة المعنى بدون ذلك، ومفعول ﴿خَصِيمًا﴾ محذوف، تقديره: خصيمًا البرىء، ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾: المجادلة أشد المخاصمة، ﴿خَوَّانًا أَثِيمًا﴾: هما صيغتا مبالغة؛ أي: كثير الخيانة والإثم ﴿وَكِيلًا﴾ الوكيل هو الذي يوكل إليه الأمر في الحفظ والحماية ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ استفعل من الاستغفار، والاستغفار طلب المغفرة من الله تعالى، مع الشعور بقبح الذنب والتوبة منه، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ﴾: الكسب هو ما يجر منفعة أو يدفع مضرة، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾: ولولا ضابطها هي كلمة موضوعة للدلالة على امتناع وجود مضمون الجواب لوجود مضمون الشرط.
البلاغة
وتضمنت هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع (٢):
منها: الاستعارة في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿فَيَمِيلُونَ﴾ استعار الميل للحرب.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿جُنَاحَ﴾ ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾ لاختلاف متعلقهما، وفي قوله: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ﴾ ﴿وَلْتَأتِ طَائِفَةٌ﴾ وفي الحذر والأسلحة، و ﴿الصَّلَاةَ﴾، و ﴿تَألَمُونَ﴾، وفي اسم ﴿اللَّهِ﴾.
ومنها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً﴾ وفي قوله: ﴿كَفَرُوا
стр. 2715
إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾ و ﴿تختانون﴾ و ﴿خَوَّانًا﴾ و ﴿يَسْتَغْفِرِ﴾ و ﴿غَفُورًا﴾.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿فَأَقَمْتَ﴾ ﴿فَلْتَقُمْ﴾، وفي قوله: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ ﴿فَلْيُصَلُّوا﴾، وفي قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ﴾، وفي قوله: ﴿جَادَلْتُمْ﴾ ﴿فَمَن يُجَادِل﴾، وفي قوله: ﴿يَكْسِبْ﴾ و ﴿يَكْسِبْ﴾، وفي قوله: ﴿يُضِلُّوكَ﴾ ﴿وَمَا يُضِلُّونَ﴾، وفي قوله: ﴿وَعَلَّمَكَ﴾ و ﴿تَعْلَمُ﴾.
ومنها: العام يراد به الخاص في قوله ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ ظاهره العموم، وأجمعوا على أن المراد بها صلاة الخوف خاصة؛ لأن السياق يدل على ذلك، ولذلك كانت أل فيه للعهد انتهى. وإذا كانت أن للعهد .. فليس من باب العام المراد به الخاص؛ لأن أن للعموم وأل للعهد، فهما قسيمان، فإذا استعمل لأحد القسيمين .. فليس موضوعًا للآخر.
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، وفي قوله: ﴿مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾.
ومنها: خطاب عين ويراد به غيره في قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ فإنه ﷺ محروس بالعصمة عن أن يخاصم عن المبطلين.
ومنها: التتميم في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ للإنكار عليهم، والتغليظ لقبح فعلهم؛ لأن حياء الإنسان ممن يصحبه أكثر من حيائه وحده، وأصل المعية في الإجرام، والله تعالى منزه عن ذلك، فهو مع عبده بالعلم والإحاطة.
ومنها: إطلاق وصف الإجرام على المعاني في قوله: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾.
ومنها: الحذف في مواضع.
والله أعلم
* * *
أنزل قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ في شأن طعمة بن أبيرق سارق الدرع، ورميه اليهودي بسرقته، وأنزل أيضًا قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ...﴾ إلخ، في ارتداده عن الدين، ولحوقه بالمشركين .. ذكر هنا أنه لو لم يرتد لم يكن محرومًا من رحمة الله، ولكنه بارتداده صار بينه وبين رحمته حجاب أيما حجاب، فإن كل ذنب يجوز أن يغفره الله للناس إلا ذنب الشرك، فإن صاحبه مطرود من عفوه ورحمته.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ...﴾ هو الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله (١) لما بين في الآيات السالفة أن الشيطان يعدهم ويمنيهم، ويدخل في تلك الأماني ما كان يمنيه أهل الكتاب، من الغرور بدينهم، إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص، ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودات، وقد سرى لهم هذا الغرور من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء، فهم يدخلون الجنة بكرامتهم لا بأعمالهم .. حذرنا هنا في هذه الآيات الكريمات أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي ﷺ ، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ...﴾ ... الآية، فلضعفاء الإيمان من المسلمين في الصدر الأول ولأمثالهم في كل زمن أنزلت هذه الموعظة، ولو تدبروها لما كان لهذه الأماني عليهم من سلطان.
أسباب النزول
قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ...﴾ الآية، روي في سبب نزولها (٢): أن طعمة بن أبيرق لما رأى أن الله تعالى هتك ستره، وبرأ اليهودي عن تهمة السرقة .. ارتد وذهب إلى مكة، ونقب جدار إنسان لأجل السرقة، فتهدم الجدار عليه ومات، فنزلت هذه الآية.
стр. 2718
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما روي (١) عن ابن عباس ﵄ أن شيخًا من العرب جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك باللهِ شيئًا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليًّا، ولم أواقع المعاصي جراءة على الله تعالى، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربًا، وإني لنادم تائب مستغفر، فما ترى حالي عند الله تعالى، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت اليهود والنصارى: لا يدخل الجنة غيرنا، وقالت قريش: إنا لا نبعث، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.
وأخرج ابن جرير عن مسروق قال (٣): تفاخر النصارى وأهل الإِسلام، فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.
وأخرج نحوه عن قتادة والضحاك والسدي وأبي صالح، ولفظهم: تفاخر أهل الأديان، وفي لفظ: جلس ناس من اليهود، وناس من النصارى، وناس من المسلمين، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل، فنزلت. وأخرج أيضًا عن مسروق قال: لما نزلت ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ .. قال أهل الكتاب نحن وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١١٤ - ﴿لَا خَيْرَ﴾: ولا ثواب، ﴿فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾؛ أي: في كثير من نجوى الناس بعضهم لبعض ومحادثتهم معًا، أو لا خير في نجوى أولئك الذين
стр. 2719
يسرون الحديث من غيرهم، من جماعة طعمة الذين أرادوا مساعدته على اتهام اليهودي وبهته، والنجوى هي المحادثة من بعض القوم لبعض، اثنين فما فوق، قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ...﴾ الآية، فهي ضد السر، وهو محادثة الإنسان نفسه. ﴿إِلَّا﴾: في نجوى ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ واجبة أو مندوبة، ﴿أَو﴾ نجوى من أمر بـ ﴿مَعْرُوفٍ﴾ وهو كل (١) ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل، فينتظم فيه أصناف الجميل، وفنون أعمال البر، كالكلمة الطيبة، وإغاثة الملهوف، والقرض، وإعانة المحتاج، فهو أعم من الصدقة، فيكون قوله: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ﴾ من عطف الخاص على العام. ﴿أَوْ﴾ نجوى من أمر بـ ﴿إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ عند وقوع المشاحنة والمعاداة بينهم، من غير مجاوزة حدود الشرع في ذلك.
والحكمة في تخصيص هذه الثلاثة بالذكر (٢): أن عمل الخير المتعدي للناس، إما إيصال منفعة، أو دفع مضرة، المنفعة إما جسمانية وإليها الإشارة بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾، وإما روحانية وإليها الإشارة بقوله: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾، ودفع المضرة أشير إليه بقوله: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، وإنما قال (٣): ﴿فِي كَثِير﴾ لأن من النجوى ما يكون في الشؤون الخاصة، كالزراعة والتجارة مثلًا، فلا توصف بالشر، ولا مقصودة من الخير، وإنما المراد بالنجوى الكثيرة المنفي عنها الخير هي النجوى في شؤون الناس، ومن ثم استثنى منها الأشياء الثلاثة التي هي جماع الخير للناس. والكتاب الحكيم يجعل النجوى مظنة الإثم والشر، ومن ثم خاطب الله المؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. والسر في كون النجوى مظنة الشر في الأكثر أن العادة قد جرت بحب إظهار الخير، والتحدث به في الملأ، وأن الشر والإثم هو الذي يذكر في السر والنجوى، وفي الأثر: "الإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس". وقد استثنى الله من النجوى التي لا خير في أكثرها أمورًا ثلاثة؛ لأن خيريتها أو
стр. 2720
كمالها تتوقف على الكتمان، وجعل التعاون عليها سرًّا والحديث فيها نجوى.
فالصدقة وهي من الخير قد يؤذي إظهارها المتصدَّق عليه، ويضع من كرامته، ومن ثم قال الله : ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وقد يكون الجهر بالأمر بها والحث عليها أشد إيذاء وإهانة من إيتاءه إياها جهرًا، ولو مع الإخلاص وابتغاء مرضاة الله تعالى.
وكذلك الأمر بالمعروف على مسمع من الناس، فكثيرًا ما يستاء منه المأمور به، ولا سيما إذا كان الآمر من أقرانه، لأنه يرى في أمره إياه استعلاء عليه بالعلم والفضل، واتهامًا له بالتقصير أو الجهل، فمن ثم كانت النجوى به أبعد عن الإيذاء، ومثله الإصلاح بين الناس، فإنه ربما ترتب على إظهاره والتحدث به كثير من الشر، ألا ترى أن بعض الناس إذا علم أن ما يطالَب به من الصلح كان بأمر فلان من الناس .. لا يستجيب ولا يقبل، أو يصده عن الرضا به ذكره بين الناس، وعلمه بأنه كان بسعي وتواطؤ. أخرج البيهقي عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي ﷺ قال له: "يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة خير لك من حمر النعم"، فقال: بلى يا رسول الله، قال: "تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا"، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أفضل الصدقة إصلاح ذات البين"، وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة"، قالوا بلى يا رسول الله، قال: "إصلاح ذات البين، وأن فساد ذات البين هي الحالقة" أخرجه الترمذي وأبو داود، وقال الترمذي: ويروى عن النبي ﷺ أنه قال "هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدِّين".
وعن سهل بن سعد ﵁: أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ ، فقال: "اذهبوا بنا نصلح بينهم". رواه البخاري.
وعن أم مكتوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين اثنين"، أو قال: بين
стр. 2721
الناس، فيقول خيرًا أو ينمي خيرًا" متفق عليه، زاد مسلم في رواية له قالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس، إلا في ثلاث: يعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل زوجته، وحديث المرأة زوجها.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ المذكور من الأمور الثلاثة: الصدقة والمعروف والإصلاح؛ أي: فعل واحدًا من هذه الثلاثة أو كلها؛ لأنه لما ذكر أولًا أن الخير في مَنْ أمر .. ذكر هنا ثواب من فعل، ويحتمل كون المعنى: ومن يفعل ذلك المذكور من الأمر بواحد من هذه الثلاثة فكأنه قال: ومن يأمر بذلك المذكور ﴿ابتغاء مرضاة الله﴾؛ أي: لأجل طلب رضوان الله ، لا لغرض دنيوي، كالرياء والسمعة والمحمدة .. ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾؛ أي: فسوف يعطي الله ذلك الفاعل في الآخرة ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وثوابًا جسيمًا وأجرًا جزيلًا، جزاء على عمله ذلك، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلوب من الأعمال الظاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية القلب عن داعية الالتفات إلى غرض سوى رضوان الله تعالى.
والخلاصة: أن ابتغاء مرضاة الله تعالى إنما يكون بالإخلاص، وعدم إرادة السمعة والرياء، كما يفعل المتأخرون من الأغنياء والدول، خصوصًا في هذا العصر الفاسد أهله، تصدقنا كذا وكذا، ومنحنا كذا وكذا، وساعدنا كذا وكذا، وبنينا المساجد والقناطر كذا وكذا، وأنفقنا في كذا من الخيرات ملايين كذا وكذا، فهؤلاء إنما يبتغون الربح بما يبذلون أو يعملون، لا مرضاة الله تعالى، ولذلك يشق عليهم أن يكون عملهم خفيًّا، وأن يخلصوا في الحديث عنه نجيًّا؛ لأن الاستفادة منه بجذب القلوب إليهم، وتسخير الناس لخدمتهم، ورفعهم لمكانتهم، إنما تكون بإظهاره لهم، ليتعلق الرجاء فيهم. وقرأ أبو عمرو وحمزة (١): ﴿يؤتيه﴾ بالياء، والباقون بالنون، على سبيل الالتفات، ليناسب ما بعده من قوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ﴾ فيكون إسناد الثواب والعقاب إلى ضمير المتكلم العظيم، وهو أولى من إسناده إلى ضمير الغائب، ومن قرأ بالياء ..
стр. 2722
لاحظ الاسم الغائب في قوله: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
١١٥ - وبعد أن وعد الله بالجزاء الحسن لمن فعل ذلك ابتغاء مرضاة الله تعالى، أوعد الذين يتناجون بالشر، ويبيتون ما يكيدون به للناس فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ ؛ أي: يخالفه بارتداده عن الإِسلام، وإظهار عداوته له، كطعمة بن أبيرق، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾؛ أي: من بعد ما ظهرت له الهداية على لسان الرسول، وقامت عليه الحجة ﴿وَيَتَّبِعْ﴾ سبيلًا ﴿غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: غير سبيل الموحدين .. ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾؛ أي: نجعله واليًا لما تولى من الضلال، ومباشرًا له، ونخلي بينه وبين ما اختاره، ونتركه وما اختاره لنفسه في الدنيا، ونكله إلى ما توكل إليه، ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: وندخله في الآخرة نار جهنم فيحترق فيها، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾؛ أي: قبحت جهنم مرجعًا له، والمخصوص بالذم هي. وقرىء (١): ﴿ونصله﴾ بفتح النون، من صلاه، وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿يوله﴾ و ﴿يصله﴾ بالياء فيهما، جريًا على قوله: ﴿فسوف يؤتيه﴾ بالياء، وفي هاء ﴿نُوَلِّهِ﴾ و ﴿نصله﴾ الإشباع والاختلاس والإسكان.
وفي هذه الآية (٢): بيان لسنة الله في عمل الإنسان، وإيضاح لما أوتيه من الإرادة والاستقلال والعمل بالاختيار، فالوجهة التي يتولاها ويختارها لنفسه يوليه الله إياها؛ أي: يجعله واليًا لها، وسائرًا على طريقها، فلا يجد من القدرة الإلهية ما يجبره على ترك ما اختاره لنفسه، بحسب الاستعداد والإدراك وعمل ما يرى أنه خير له وأنفع في عاجله أو آجله، أو فيهما معًا، ثم ندخله جهنم ونعذبه أشد العذاب؛ لأنه استحب العمى على الهدى، وعاند الحق، واتبع الهوى، وما أقبحها عاقبة لمن تفكر وتدبر، وقد اشترط في هذا الوعيد أن يتبين له الهدى، أما من لم يتبين له فلا يدخل فيه، وهم أصناف:
فمنهم: من نظر في الدليل ولم يظهر له الحق، وبقي متوجهًا إلى طلبه
стр. 2723
بتكرار النظر والاستدلال مع الإخلاص، وهذا معذور غير مؤاخذ، ومنهم: من لم تبلغه الدعوة الإِسلامية، أو بلغته مشوهة معكوسة ككثير من أهل أوروبا في العصر الحاضر، وحال هؤلاء كحال من سبقهم، ومنهم: من اتبع الهدى تقليدًا لمن يثق به كآبائه وخاصة أهله، وهذا لم يتبين له الهدى، ولذلك يتركه إلى كل ما يقره عليه أهله ورؤساؤه من البدع والضلالات والخرافات.
١١٦ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أي: لا يغفر البتة لأحد أشرك به سواه، إذا مات على الشرك ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: وإنه قد يغفر لمن يشاء من المذنبين، ما دون الشرك من الذنوب، فلا يعذبهم عليه، ذاك أن الشرك هو منتهى فساد الأرواح، وضلال العقول، فكل خير يلابسه لا يقوى على إضعاف مفاسده وأثامه، والعروج بها إلى جوار ربها، إذ أنها تكون موزعة بين شركاء يحولون بينها وبين الخلوص إليه ، والله لا يقبل إلا ما كان خالصًا له.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ شيئًا فيدعوه معه، ويذكر اسمه مع اسمه، أو يدعوه وحده، ملاحظًا أنه يقربه إليه زلفى .. ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ عن القصد، وبعد عن سبيل الرشد ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ في سبيل الغواية، لأنه ضلال يفسد العقل، ويكدر صفاء الروح، ويجعله يخضع لعبد مثله، ويخضع أمام مخلوق يحاكيه، ويكون عبدًا للخرافات والأوهام، أما من لم يشرك بالله .. لم يكن ضلاله بعيدًا، فلا يصير محرومًا عن الرحمة.
وخلاصة ما تقدم (١):
١ - أن الشرك في العبادة الذي يتجلى في الدعاء هو أقوى أنواع الشرك؛ لأنه يكون باعتقاد ناشيء عن وجدان حاكم على النفس مستعبد لها.
٢ - أن الجزاء في الآخرة يكون تابعًا لما تكون عليه النفس في الدنيا، من سلامة العقيدة، ومقدار درجة الفضيلة التي يلازمها فعل الخيرات، أو فساد
стр. 2724
الفطرة، وخطأ العقيدة، والتدنس بالرذيلة التي يلازمها فعل السيئات.
٣ - أن الناس متفاوتون فيما بين ذلك من درجات ودركات، أخسها الشرك، وأعلاها التوحيد، ولكل منهم صفات تناسبها، فلو جاز أن يغفر الشرك، ويجعل صاحبه مع النبيين والصديقين والملائكة المقربين .. لكان ذلك نقضًا لسنة الله التي لا تبديل فيها ولا تغيير.
واعلم: أنه قد تقدم نص هذه الآية بعينها في غرض آخر من هذه السورة، وأعادها هنا مرة أخرى للتأكيد، ولتكون راسخة في نفوس السامعين، لأنه إنما ترجى الهداية والموعظة بإبراز المعاني التي يراد إيداعها في نفوس السامعين في كل سياق يقصد فيه توجيها إليها، وإعدادها لقبولها، ولن يتم ذلك إلا بتكرار المقاصد الأساسية، فالذين عرفوا سنن الاجتماع، وفهموا طبائع البشر وأخلاقهم، يكررون في خطبهم ومقالاتهم أغراضهم ومقاصدهم التي ينشرونها في الصحف والكتب، فإن الذهن إذا تكرر عليه مدح الشيء أو ذمه .. أثر فيه، إلا أن (١) آخر ما تقدم: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وآخر هذه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، ختمت كل آية بما يناسبها، فتلك كانت في أهل الكتاب، وهم مطلعون من كتبهم على ما لا يشكون في صحته من أمر الرسول ﷺ ، ووجوب اتباع شريعته، ونسخها لجميع الشرائع، ومع ذلك فقد أشركوا باللهِ، مع أن عندهم ما يدل على توحيد الله، والإيمان بما نزل، فصار ذلك افتراءً واختلاقًا مبالغًا في العظم والجرأة على الله، وهذه الآية في ناس مشركين، ليسوا بأهل كتب ولا علوم، ومع ذلك فقد جاءهم الهدى من الله، وبان لهم طريق الرشد، فأشركوا بالله، فضلوا بذلك ضلالًا يستبعد وقوعه، أو يبعد عنه الصواب، ولذلك جاء بعده:
١١٧ - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ وجاء بعد تلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد بهم اليهود، وإن كان اللفظ عامًّا، ولما كان الشرك أعظم
стр. 2725
الكبائر .. كان الضلال الناشىء عنه بعيدًا عن الصواب، لأن غيره من المعاصي وإن كان ضلالًا لكنه قريب من أن يراجع صاحبه الحق؛ لأن له رأس مال يرجع إليه وهو التوحيد، بخلاف المشرك، ولذلك قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ وناسب هنا أيضًا ذكر الضلال لتقدم الهدى قبله، ذكره أبو حيان في "النهر".
ثم بين الله تعالى كون الشرك ضلالًا بعيدًا فقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾؛ أي: ما يعبد هؤلاء المشركون (١) من أهل مكة وغيرهم إلا أوثانًا يسمونها باسم الإناث، كقولهم: اللات والعزى ومناة، واللات تأنيث الله، والعزى تأنيث العزيز، ومناة تأنيث المنان، أو لأنهم يزينونها على هيئات النسوان. أو المعنى (٢): هؤلاء المشركون لا يدعون لقضاء حاجتهم وتفريج كربهم إلا أمواتًا، فقد كانوا يعظمون الموتى ويدعونها، كما يفعل ذلك كثير من أهل الكتاب أو إلا إناثًا كاللات والعزى، وقد كان لكل قبيلة صنم يسمونه أنثى بني فلان.
وقرأ أبو رجاء (٣): ﴿إن تدعون﴾ بالتاء على الخطاب، ورويت عن عاصم. وفي مصحف عائشة ﵂: ﴿إلا أوثانًا﴾ جمع وثن وهو الصنم، وقرأ بذلك أبو السوار والهنائي، وقرأ الحسن: ﴿إلا أنثى﴾ على التوحيد، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة والحسن وعطاء وأبو العالية وأبو نهيك ومعاذ القاريء: ﴿أُنثًا﴾ جمع أنيث كغرير وغرر، والأنيث: المخنث الضعيف من الرجال، وقرأ سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وأبو المتوكل وأبو الجوزاء: ﴿إلا وثنًا﴾ بفتح الواو والثاء من غير همزة، وقرأ ابن المسيب ومسلم بن جندب، ورويت عن ابن عباس وابن عمر وعطاء: ﴿إلا أنثًا﴾ يريدون وَثَنًا، وقرأ أبو أيوب السجستاني: ﴿إلا وثنًا﴾ بضم الواو والثاء من غير همزة كشُقُق، وقرأت فرقة:
стр. 2726
﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ بسكون المثلثة، وأصله وثنًا، فاجتمع في هذا اللفظ ثمان قراءات ﴿إِنَاثًا﴾ و ﴿أنْثَى﴾ و ﴿أنَثًا﴾ و ﴿أوثانًا﴾ و ﴿وَثَنًا﴾ و ﴿أثَنًا﴾ و ﴿أُثُنًا﴾.
﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾؛ أي: وما يعبدون بعبادتها إلا شيطانًا، شديد التمرد والبعد عن طاعة الله، إذ هو الذي أمرهم بعبادتها، وأغراهم بها، فكانت طاعتهم له في ذلك عبادةً له،
١١٨ - ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ؛ أي: طرده الله عن كل خير، وأبعده عن رحمته وفضله، فإنه داعية كل شر وباطل في نفس الإنسان، بما يوسوس في صدره ويعده ويمنيه ﴿وَقَالَ﴾؛ أي: الشيطان عندما لعنه الله تعالى: وعزتك ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أي: لأجعلن لنفسي من عبادك حظًّا مقدرًا معينًا، وهم الذين يتبعون خطوات الشيطان ويقبلون وساوسه، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "من كل ألف واحد لله، وسائره للناس ولإبليس". وقيل: النصيب المفروض هو ما للشيطان في نفس كل أحد من الاستعداد للشر، إذ ما من إنسان إلا يشعر من نفسه بوسوسة الشيطان، فإن لم يكن بالشرك فبالمعصية والإصرار عليها، أو الرياء في العبادة، لكن الله أخبر أنه ليس له سلطان على عباده المخلصين، وقد جاء في القرآن والحديث ما يدل على هذا.
والخلاصة: أن الشيطان خلق متمردًا على الحق، بعيدًا من الخير، مغرى بإغواء البشر وإضلالهم.
١١٩ - ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن طريق الهدى، ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾؛ أي: ولألقين في قلوبهم الأماني الكاذبة، وهي تورث شيئين: الحرص والأمل، وهما يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، ويلازمان للإنسان، وفي الحديث: "يهرم ابن آدم ويشبُّ معه اثنان: الحرص والأمل". فالحرص يستلزم ركوب الأهوال، فإذا اشتد حرصه على الشيء .. فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله .. نسي الآخرة، وصار غريقًا في الدنيا، فلا يكاد يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤئر فيه الوعظ، فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.
وقيل: إضلال الشيطان لمن يضلهم هو صرفهم عن العقائد الصحيحة،
стр. 2727
وشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى، وتمنيته لهم تزيينه لهم الاستعجال باللذات الحاضرة، والتسويف بالتوبة والعمل الصالح.
والخلاصة: أن من شأن الشيطان ومقتضى طبعه: إضلال العباد، وشغلهم بالأماني الباطلة، كرحمة الله للمجرمين بغير توبة، والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة، وتزيين لذات الحياة العاجلة على ثواب الآجلة ونعيمها.
﴿وَلأمُرَنَّهُمْ﴾ بالتبتيك؛ أي: شق آذان الناقة ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾؛ أي: فليقطعن ﴿آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ ويشقونها بموجب أمري لهم، والمراد به: ما كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الأنعام لأصنامهم، كالبحائر التي كانوا يقطعون آذانها أو يشقونها شقًّا واسعًا، ويتركون الحمل عليها إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرًا، وهذا من سخيف أعمالهم الوثنية الدالة على ضعف عقولهم، ﴿وَلأمُرَنَّهُمْ﴾ بتغيير خلق الله، ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ صورة أو صفة، بموجب أمري لهم، كخصاء العبيد، وفقء العيون، وقطع الآذان، والوشم والوشر، ووصل الشعر، فإن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفًا .. عوَّروا عين فحلها، ويدخل في هذه الآية التخنث والسحاقات، لأن التخنث عبارة عن تشبه الذكر بالأنثى، والسحق عبارة عن تشبه المرأة بالذكر، وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقًا، لكن الفقهاء رخصوا في البهائم للحاجة، فيجوز في المأكول الصغير، ويحرم في غيره، وأما خصاء بني آدم فحرام.
وقال الشوكاني (١): واختلف العلماء في هذا التغيير ما هو، فقالت طائفة: هو الخصاء، وفقء الأعين، وقطع الآذان، وقال آخرون: إن المراد بهذا التغيير هو: أن الله خلق الشمس والقمر والأحجار والنار ونحوها من المخلوقات لما خلقها له، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة، وبه قال الزجاج، وقيل: المراد بهذا التغيير، تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور، حملًا شموليًّا أو بدليًّا، انتهى.
стр. 2728
وعلى هذا القول الأخير فالمراد (١) بخلْق الله دينَه لأنه دين الفطرة، وهي الخلقة قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾؛ أي: إنه يراد به تغيير الفطرة الإنسانية عما فطرت عليه، من الميل إلى النظر والاستدلال، وطلب الحق، وتربيتها، وتعويدها الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله قد أحسن كل شيء خلقه، وهؤلاء يفسدون ما خلق الله، ويطمسون عقول الناس.
والخلاصة: أن الدين الفطري الذي هو من خلق الله وآثار قدرته ليس هو مجموع الأحكام التي جاء بها الرسل ليبلغوها للناس، بل هو ما أودعه في فطرة البشر من توحيده والاعتراف بقدرته وجلاله، وهو ما أشار إليه في الحديث: "كل مولود يولد على الفطرة".
ومن أهم أسس هذا الدين: فطرية العبودية للسلطة الغيبية، التي تنتهي إليها الأسباب، وتقف دون الوصول إلى حقيقتها العقول، وقرأ أبو عمرو (٢): ﴿ولأمرنهم﴾ بغير ألف كذا قاله ابن عطية، وقرأ أبي: ﴿وأضلنهم وأمنينهم وآمرنهم﴾ وتكون جملًا مقولة، لا مقسمًا عليها.
﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: ومن يجعل الشيطان المطرود وليًّا وناصرًا له متوليًّا عليه، أو يجعله ربًّا يطيعه من دون الله، ويتبع وسوسته وإغواءه، وهو البعيد من أسباب رحمة الله وفضله .. ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾؛ أي: خسرانًا ظاهرًا في الدنيا والآخرة، بتضييع رأس ماله وهو الدين الفطري، وذلك لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة، وطاعة الشيطان تفيد المنافع القليلة المنقطعة، ويعقبها العذاب الأليم؛ إذ أنه يكون أسير الأوهام والخرافات يتخبط في عمله على غير هدى، ويفوته الانتفاع التام بما وهبه الله من العقل والمواهب الكسبية التي أوتيها الإنسان وميز بها من بين أصناف الحيوان،
١٢٠ - ﴿يَعِدُهُمْ﴾؛ أي: يعد الشيطان الناس الفقر إذا هم أنفقوا شيئًا
стр. 2729
من أموالهم في سبيل الله، ويوسوس لهم بأن أموالهم تنفد أو تقل، ويصبحون فقراء أذلاء، ويعدهم الغنى والثروة حين الإغراء بالقمار، ويعد من يغريه بالتعصب لرأيه وإيذاء مخالفه فيه من أهل دينه للجاه والشهرة وبعد الصيت ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾؛ أي: يلقي في قلوبهم أنه ستطول أعمارهم، وينالون من الدنيا آمالهم ومقاصدهم، ويوقع في قلوبهم أن الدنيا دول، فربما تيسرت لهم كما تيسرت لغيرهم، ويعدهم أيضًا بأن لا قيامة ولا جزاء، فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية.
ويدخل في وعد الشيطان وتمنيته ما يكون من أوليائه من الإنس، وهم قرناء السوء، الذين يزينون للناس الضلال والمعاصي، ويمدونهم في الطغيان، وينشرون مذاهبهم الفاسدة، وآراءهم الضالة التي يبتغون بها الرفعة والجاه والمال، وهؤلاء يوجدون في كل زمان ومكان، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ أي: وما يعدهم الشيطان إلا باطلًا يغترون به، ولا يملكون منه ما يحبون، فيزين لهم النفع في بعض الأشياء، وهي مشتملة على كثير من الآلام والمضار، فالزاني أو المقامر أو شارب الخمر يخيل إليه أنه يتمتع باللذات، بينما هو في الحقيقة يتمتع بلذائذ وقتية، تعقبها آلام دنيوية طويلة المدى وخيمة العواقب، إلى عذاب أخروي لا يعلم كنهه إلا من أحاط بكل شيء علمًا. وقرأ الأعمش: ﴿وما يعدهم﴾ بسكون الدال، خفف لتوالي الحركات.
١٢١ - وبعد أن بين حال أولياء الشيطان .. ذكر عاقبتهم فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين يعبث بهم الشيطان بوسوسته، أو بإغواء دعاة الباطل من أوليائه ﴿مَأوَاهُمْ﴾؛ أي: مسكنهم ومنازلهم في الآخرة ومرجعهم ومصيرهم ﴿جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا﴾؛ أي: عن جهنم ﴿مَحِيصًا﴾؛ أي: معدلًا ومهربًا يفرون إليه، إذ هم بطبيعتهم ينجذبون إليها، ويتهافتون عليها تهافت الفراش على النار، فتصلى وجوههم وجنوبهم وظهورهم.
١٢٢ - ثم بعدئذ ذكر عاقبة من لا يستجيب دعوة الشيطان وأولياءه، ولا يصيخ لأمره ونهيه فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: وامتثلوا المأمورات واجتنبوا المنهيات ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿جَنَّاتٍ﴾؛
стр. 2730
أي: بساتين ﴿تَجْرِي﴾؛ أي: تسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ من الماء واللبن والخمر والعسل، حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ﴾؛ أي: ماكثين ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: أمدًا لا نهاية له ولا انقضاء، لا يموتون ولا يخرجون منها، وذلك هو الفوز العظيم لمن سمت نفسه عن دنس الشرك، فلم تجعل للهِ أندادًا، ولم تحط بها الخطيئة في صباحها ومسائها، في غدوها ورواحها، وقرىء: ﴿سيدخلهم﴾ بالياء.
ولما ذكر أن وعد الشيطان هو غرور باطل .. ذكر أن هذا الوعد منه تعالى هو الحق الذي لا ارتياب فيه، ولا شك في إنجازه فقال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: وعدهم الله تعالى بذلك الإدخال وعدًا لا خلف فيه، وحق ذلك الإدخال، ﴿حَقًّا﴾ فالأول مؤكد لنفسه، والثاني مؤكد لغيره ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾؛ أي: لا أحد أصدق من الله قولًا فيما وعده لعباده الصالحين، وهذا توكيد ثالث، وفائدة هذه التوكيدات: معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة، وترغيب العباد في تحصيل ما وعده الله تعالى.
والمعنى: ذلك الذي وعدكم الله به هو الوعد الحق، فهو القادر على أن يعطي ما وعد بفضله وجوده وواسع كرمه ورحمته، وأما وعد الشيطان فهو غرور من القول وزور، إذ هو عاجز عن الوفاء، فهو يدلي إلى أوليائه بباطله، فحقه أن لا يستجاب له أمر ولا نهي، ولا تتبع له نصيحة، فوساوسه أباطيل وسراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
١٢٣ - ﴿لَيْسَ﴾ الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله تعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ حاصلًا ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾؛ أي: بتمنياتكم يا معشر المؤمنين أن يغفر لكم وإن ارتكبتم الكبائر؛ أي: فإنكم تمنيتم أن لا تؤاخذوا بسوء بعد الإيمان ﴿وَلَا﴾ حاصلًا بـ ﴿أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ أي: بتمنيات اليهود والنصارى، فإنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ فلا يعذبنا، وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وليس الأمر كذلك، فإنه تعالى يخص بالعفو أو الرحمة من يشاء؛ أي: ليس يستحق
стр. 2731
ذلك الثواب بالأماني، وإنما يستحق بالإيمان والعمل الصالح. أو المعنى: ليس فضل الدين وشرفه ولا نجاة أهله به حاصلًا بأن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، بل عليه أن يعمل بما يهديه إليه، فإن الجزاء إنما يكون على العمل، لا على التمني والغرور، فليس أمر نجاتكم ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بالأماني في الدين، فالأديان لم تشرع للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بالانتساب إليها دون العمل بها.
وقرأ الحسن، وأبو جعفر، وشيبة بن نصاح، والحكم، والأعرج: ﴿بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب﴾ بتخفيف الياء ساكنة، جمعًا على فعالل، كما يقال: قراقر وقراقير في جمع قرقور - بوزن عصفور -: السفينة الطويلة.
ثم أكد ذلك وبينه بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾: ويرتكب ذنبًا أيَّ ذنب كان، سواء كان مؤمنًا أم كافرًا ﴿يُجْزَ بِهِ﴾؛ أي: يجازى بذلك الذنب الذي ارتكبه، فالمؤمن يجزى عند عدم التوبة، إما في الدنيا بالمصيبة، أو بعد الموت قبل دخول الجنة، أو بإحباط ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية، والكافر يجزى بالمحن والبلاء في الدنيا وفي الآخرة دائمًا، فعلى الصادق في دينه أن يحاسب نفسه على العمل بما هداه إليه كتابه ورسوله، ويجعل ذلك المعيار في سعادته، لا أن يجعل تكأته أن هذا الكتاب أكمل، ولا أن ذلك الرسول أفضل.
وأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شق ذلك على المسلمين، وبلغت منهم مبلغًا شديدًا، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "سددوا وقاربوا، فإن في كل ما أصاب المسلم كفارة، حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها"، والأحاديث بهذا المعنى كثيرة، ومن ثم يرى عامة العلماء الأمراض والأسقام ومصايب الدنيا وهمومها يكفر الله بها الخطايا.
﴿وَلَا يَجِدْ﴾ الذي يعمل السوء، ويستحق العقاب عليه ﴿لَهُ﴾؛ أي: لنفسه ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿وَلِيًّا﴾ غير الله يتولى أمره، ويدفع الجزاء عنه، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصره، وينقذه مما يحل به، لا من الأنبياء الذين تفاخر بهم، ولا
стр. 2732
من غيرهم من المخلوقات التي اتخذها بعض البشر آلهة وأربابًا من دون الله، فكل تلك الأماني تكون أضغاث أحلام، وإنما يكون المدار في ذلك على الإيمان والأعمال، وأما شفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة فإنما تكون بإذن الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك .. فلا وليَّ لأحد ولا نصير لأحد إلا الله تعالى.
وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا يَجِدْ﴾ بالجزم عطفًا على الجزاء، وروى ابن بكار عن ابن عامر: ﴿وَلَا يَجِدْ﴾ بالرفع على الاستئناف.
١٢٤ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: بعضها (١)، حالة كونه ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ أو خنثى، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: وحالة كونه مؤمنًا، فالحال الأولى لبيان من يعمل، والحال الثانية لإفادة اشتراط الإيمان في كل عمل صالح، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ العاملون المتصفون بالإيمان ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ جزاءً على عملهم الصالح، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾؛ أي: ولا ينقصون من جزاء أعمالهم الصالحة شيئًا قليلًا ولا كثيرًا، ولو قدر نقرة النواة.
ويستفاد من الآية: أن جزاء الأعمال الصالحة في الآخرة، وأما النعم التي يعطاها المؤمن في الدنيا من عافية ورزق وغير ذلك، فليست جزاء لأعماله الصالحة، بل تكفل الله بها لكل حي في الدنيا مسلمًا أو كافرًا، وإذا لم (٢) ينقص ثواب المطيع، فلأن لا يزاد عقاب العاصي أولى وأحرى، كيف لا والمجازي أرحم الراحمين، وهو السر في الاقتصار على ذكره عقيب الثواب.
ومعنى الآية: أي ومن (٣) يعمل كل ما يستطيع عمله من الأعمال التي تصلح بها النفوس، في أخلاقها وآدابها وأحوالها الاجتماعية، سواء كان العامل ذكرًا أو أنثى، وهو مطمئن القلب بالإيمان .. فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة، بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم، ولا يظلمون من أجور أعمالهم شيئًا، ولو حقيرًا كالنقير.
стр. 2733
وفي هذه الآية وما قبلها من العبرة والموعظة ما يهدم صروح الأماني التي يأوي إليها الكسالى وذوو الجهالة من المسلمين، الذين يظنون أن الله يحابي من يسمي نفسه مسلمًا، ويفضله على اليهودي والنصراني لأجل هذا اللقب، فالذين يفخرون بالانتساب إليه وقد نبذوه وراء ظهورهم، وحرموا الاهتداء بهديه، هم في ضلال مبين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر: ﴿يدخلون﴾ بضم حرف المضارعة مبنيًّا للمفعول هنا، وفي مريم، وفي أولى غافر، وقرأ كذلك ابن كثير وأبو بكر في ثانية غافر، وقرأ كذلك أبو عمرو في فاطر، وقرأ الباقون بفتحها مبنيا للفاعل.
١٢٥ - وبعد أن بين الله أن النجاة والسعادة منوطان بصالح الأعمال مع الإيمان .. أردف ذلك بذكر درجات الكمال فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾؛ أي: لا أحد أحسن دينًا وطريقة ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾؛ أي: نفسه ﴿لِلَّهِ﴾ وعبر بالوجه عن النفس لأنه أشرف الأعضاء؛ أي: ممن عرف ربه بقلبه، وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه، وجعل قلبه خالصًا لله وحده، فلا يتوجه إلى غيره في دعاء ولا رجاء، ولا يجعل بينه وبينه حجابًا من الوسطاء والشفعاء، ولا يرى في الوجود إلا هو، ويعتقد أنه ربط الأسباب بالمسببات، فلا يطلب شيئًا إلا من خزائن رحمته، ولا يأتي بيوت هذه الخزائن إلا من مسالكها، وهي السنن والأسباب التي سنها في الخلائق، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾؛ أي: والحال أنه آت بالحسنات تارك للسيئات؛ أي: والحال أنه مع هذا الإيمان الكامل والتوحيد الخالص محسن للعمل، مُتَحَلٍّ بأحسن الأخلاق والفضائل.
وقد عبر عن توجه القلب بإسلام الوجه؛ لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس، من إقبال وإعراض وسرور وكآبة، وما فيه هو الذي يدل على ما في السريرة، ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ معطوف على أسلم، وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ إما حال من إبراهيم.
والمعنى: أي واتبع ذلك المسلم الذي أسلم وجه لله، إبراهيم الخليل ﵇ في دينه وملته الحنيفية، حالة كون إبراهيم حنيفًا، ومائلًا عن الوثنية وأهلها، ومتبرئًا مما كان عليه أبوه وقومه، إلى الدين الحق، والصراط المستقيم
стр. 2734
الذي هو عبادة الله وحده، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ إما حال من المتبع، والمعنى: حالة كون ذلك المتبع مائلًا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق، الذي هو ملة إبراهيم.
قال ابن عباس (١): ومن دين إبراهيم ﵇ الصلاة إلى الكعبة، والطواف، ومناسك الحج، والختان ونحو ذلك. فإن قلت: ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمَّد ﷺ هو نفس شرع إبراهيم ﵇، وعلى هذا لم يكن لمحمد ﷺ شرع يستقل به، وليس الأمر كذلك فما الجواب؟.
قلت: إن شرع إبراهيم وملته داخلان في شرع محمد ﷺ وملته، مع زيادات كثيرة حسنة خص الله بها محمدًا ﷺ ، فمن اتبع ملة محمَّد ﷺ .. فقد اتبع ملة إبراهيم؛ لأنها داخلة في ملة محمَّد ﷺ ، وشرع إبراهيم داخل في شرع محمَّد ﷺ ، وإنما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ لأن إبراهيم ﵇ كان يدعو إلى توحيد الله وعبادته، ولهذا خصه بالذكر؛ لأنه كان مقبولًا عند جميع الأمم، فإنَّ العرب كانوا يفتخرون بالانتساب إليه، وكذا اليهود والنصارى، وإذا ثبت هذا، وأن شرعه كان مقبولًا عند الأمم، وأن شرع محمَّد ﷺ وملته هو شرع إبراهيم وملته .. لزم الخلق عمومًا الدخول في دين محمد ﷺ ، وقبول شرعه وملته.
﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾؛ أي: صفيًّا بالرسالة والنبوة، محبًّا له خالص الحب؛ أي: اصطفاه الله من أهل أرضه بالنبوة والرسالة، لإقامة دينه، وتوحيده في بلاد غلبت عليها الوثنية، وأفسد الشرك عقول أهلها، وقد بلغ من الزلفى عند ربه ما صح به أن يسمى خليلًا وصفيًّا، فقد اختصه بكرامة ومنزلة تشبه الخليل لدى خليله، ومن كانت له هذه المنزلة كان جديرًا أن تُتبع ملته وتؤتسى طريقته.
стр. 2735
والخلاصة: أنه مَنَّ عليه بسلامة الفطرة، وقوة العقل، وصفاء الروح، وكمال المعرفة، وفنائه في التوحيد.
وإنما سمي (١) إبراهيم خليلًا لأنه انقطع إلى الله في كل حال، وقيل: لأنه وإلى في الله وعادى في الله، وقيل: لأنه تخلق بأخلاق حسنة وخلال كريمة، وقيل: الخليل المحب الذي ليس في محبته خلل، وسمي إبراهيم خليل الله لأنه أحبه محبة كاملة ليس فيها نقص ولا خلل، وأُنشد في معنى الخلة التي هي بمعنى المحبة:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوْحِ مِنِّيْ ... وَبِهِ سُمِّيَ الْخَلِيْلُ خَلِيْلاَ
ومعنى خلة العبد لربه: جعل فقره وفاقته وحاجته إلى الله تعالى، ومعنى خلة الله للعبد: هي تمكينه من طاعته وعصمته وتوفيقه وستر خلله ونصره والثناء عليه، فقد أثنى الله على إبراهيم ﵇، وجعله إمامًا للناس يقتدى به.
١٢٦ - ثم ذكر ما هو كالعلة لما سبق بقوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ ، لا لغيره ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وخلقًا وعبيدًا؛ أي: إن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه، مهما اختلفت صفات المخلوقات .. فجميعها مملوكة عابدة له، خاضعة لأمره، يصطفي من يشاء منها بما شاء من كرمه وجوده، لا اعتراض عليه ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: من أهل السموات والأرض وغيرهما ﴿مُحِيطًا﴾ إحاطة قهر وتسخير، وإحاطة علم وتدبير، وإحاطة وجود؛ لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها، بل وجودها مستمد من ذلك الوجود الأعلى، فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود، فوجب أن يخلص له الخلق، ويتوجه إليه العباد، فهذه الجملة مقررة لمعنى الجملة التي قبلها؛ أي: أحاط علمه بكل شيء، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وقد جاءت هذه الآية خاتمة لما تقدم لفوائد: