← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

ذلك الثواب بالأماني، وإنما يستحق بالإيمان والعمل الصالح. أو المعنى: ليس فضل الدين وشرفه ولا نجاة أهله به حاصلًا بأن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، بل عليه أن يعمل بما يهديه إليه، فإن الجزاء إنما يكون على العمل، لا على التمني والغرور، فليس أمر نجاتكم ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بالأماني في الدين، فالأديان لم تشرع للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بالانتساب إليها دون العمل بها. وقرأ الحسن، وأبو جعفر، وشيبة بن نصاح، والحكم، والأعرج: ﴿بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب﴾ بتخفيف الياء ساكنة، جمعًا على فعالل، كما يقال: قراقر وقراقير في جمع قرقور - بوزن عصفور -: السفينة الطويلة. ثم أكد ذلك وبينه بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾: ويرتكب ذنبًا أيَّ ذنب كان، سواء كان مؤمنًا أم كافرًا ﴿يُجْزَ بِهِ﴾؛ أي: يجازى بذلك الذنب الذي ارتكبه، فالمؤمن يجزى عند عدم التوبة، إما في الدنيا بالمصيبة، أو بعد الموت قبل دخول الجنة، أو بإحباط ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية، والكافر يجزى بالمحن والبلاء في الدنيا وفي الآخرة دائمًا، فعلى الصادق في دينه أن يحاسب نفسه على العمل بما هداه إليه كتابه ورسوله، ويجعل ذلك المعيار في سعادته، لا أن يجعل تكأته أن هذا الكتاب أكمل، ولا أن ذلك الرسول أفضل. وأخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شق ذلك على المسلمين، وبلغت منهم مبلغًا شديدًا، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "سددوا وقاربوا، فإن في كل ما أصاب المسلم كفارة، حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها"، والأحاديث بهذا المعنى كثيرة، ومن ثم يرى عامة العلماء الأمراض والأسقام ومصايب الدنيا وهمومها يكفر الله بها الخطايا. ﴿وَلَا يَجِدْ﴾ الذي يعمل السوء، ويستحق العقاب عليه ﴿لَهُ﴾؛ أي: لنفسه ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿وَلِيًّا﴾ غير الله يتولى أمره، ويدفع الجزاء عنه، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصره، وينقذه مما يحل به، لا من الأنبياء الذين تفاخر بهم، ولا

стр. 2732

من غيرهم من المخلوقات التي اتخذها بعض البشر آلهة وأربابًا من دون الله، فكل تلك الأماني تكون أضغاث أحلام، وإنما يكون المدار في ذلك على الإيمان والأعمال، وأما شفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة فإنما تكون بإذن الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك .. فلا وليَّ لأحد ولا نصير لأحد إلا الله تعالى. وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا يَجِدْ﴾ بالجزم عطفًا على الجزاء، وروى ابن بكار عن ابن عامر: ﴿وَلَا يَجِدْ﴾ بالرفع على الاستئناف. ١٢٤ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: بعضها (١)، حالة كونه ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ أو خنثى، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: وحالة كونه مؤمنًا، فالحال الأولى لبيان من يعمل، والحال الثانية لإفادة اشتراط الإيمان في كل عمل صالح، ﴿فَأُولَئِكَ﴾ العاملون المتصفون بالإيمان ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ جزاءً على عملهم الصالح، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾؛ أي: ولا ينقصون من جزاء أعمالهم الصالحة شيئًا قليلًا ولا كثيرًا، ولو قدر نقرة النواة. ويستفاد من الآية: أن جزاء الأعمال الصالحة في الآخرة، وأما النعم التي يعطاها المؤمن في الدنيا من عافية ورزق وغير ذلك، فليست جزاء لأعماله الصالحة، بل تكفل الله بها لكل حي في الدنيا مسلمًا أو كافرًا، وإذا لم (٢) ينقص ثواب المطيع، فلأن لا يزاد عقاب العاصي أولى وأحرى، كيف لا والمجازي أرحم الراحمين، وهو السر في الاقتصار على ذكره عقيب الثواب. ومعنى الآية: أي ومن (٣) يعمل كل ما يستطيع عمله من الأعمال التي تصلح بها النفوس، في أخلاقها وآدابها وأحوالها الاجتماعية، سواء كان العامل ذكرًا أو أنثى، وهو مطمئن القلب بالإيمان .. فأولئك العاملون المؤمنون بالله واليوم الآخر يدخلون الجنة، بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم، ولا يظلمون من أجور أعمالهم شيئًا، ولو حقيرًا كالنقير.

стр. 2733

وفي هذه الآية وما قبلها من العبرة والموعظة ما يهدم صروح الأماني التي يأوي إليها الكسالى وذوو الجهالة من المسلمين، الذين يظنون أن الله يحابي من يسمي نفسه مسلمًا، ويفضله على اليهودي والنصراني لأجل هذا اللقب، فالذين يفخرون بالانتساب إليه وقد نبذوه وراء ظهورهم، وحرموا الاهتداء بهديه، هم في ضلال مبين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر: ﴿يدخلون﴾ بضم حرف المضارعة مبنيًّا للمفعول هنا، وفي مريم، وفي أولى غافر، وقرأ كذلك ابن كثير وأبو بكر في ثانية غافر، وقرأ كذلك أبو عمرو في فاطر، وقرأ الباقون بفتحها مبنيا للفاعل. ١٢٥ - وبعد أن بين الله أن النجاة والسعادة منوطان بصالح الأعمال مع الإيمان .. أردف ذلك بذكر درجات الكمال فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾؛ أي: لا أحد أحسن دينًا وطريقة ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾؛ أي: نفسه ﴿لِلَّهِ﴾ وعبر بالوجه عن النفس لأنه أشرف الأعضاء؛ أي: ممن عرف ربه بقلبه، وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه، وجعل قلبه خالصًا لله وحده، فلا يتوجه إلى غيره في دعاء ولا رجاء، ولا يجعل بينه وبينه حجابًا من الوسطاء والشفعاء، ولا يرى في الوجود إلا هو، ويعتقد أنه ربط الأسباب بالمسببات، فلا يطلب شيئًا إلا من خزائن رحمته، ولا يأتي بيوت هذه الخزائن إلا من مسالكها، وهي السنن والأسباب التي سنها في الخلائق، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾؛ أي: والحال أنه آت بالحسنات تارك للسيئات؛ أي: والحال أنه مع هذا الإيمان الكامل والتوحيد الخالص محسن للعمل، مُتَحَلٍّ بأحسن الأخلاق والفضائل. وقد عبر عن توجه القلب بإسلام الوجه؛ لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس، من إقبال وإعراض وسرور وكآبة، وما فيه هو الذي يدل على ما في السريرة، ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ معطوف على أسلم، وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ إما حال من إبراهيم. والمعنى: أي واتبع ذلك المسلم الذي أسلم وجه لله، إبراهيم الخليل ﵇ في دينه وملته الحنيفية، حالة كون إبراهيم حنيفًا، ومائلًا عن الوثنية وأهلها، ومتبرئًا مما كان عليه أبوه وقومه، إلى الدين الحق، والصراط المستقيم

стр. 2734

الذي هو عبادة الله وحده، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ إما حال من المتبع، والمعنى: حالة كون ذلك المتبع مائلًا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق، الذي هو ملة إبراهيم. قال ابن عباس (١): ومن دين إبراهيم ﵇ الصلاة إلى الكعبة، والطواف، ومناسك الحج، والختان ونحو ذلك. فإن قلت: ظاهر هذه الآية يقتضي أن شرع محمَّد ﷺ هو نفس شرع إبراهيم ﵇، وعلى هذا لم يكن لمحمد ﷺ شرع يستقل به، وليس الأمر كذلك فما الجواب؟. قلت: إن شرع إبراهيم وملته داخلان في شرع محمد ﷺ وملته، مع زيادات كثيرة حسنة خص الله بها محمدًا ﷺ ، فمن اتبع ملة محمَّد ﷺ .. فقد اتبع ملة إبراهيم؛ لأنها داخلة في ملة محمَّد ﷺ ، وشرع إبراهيم داخل في شرع محمَّد ﷺ ، وإنما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ لأن إبراهيم ﵇ كان يدعو إلى توحيد الله وعبادته، ولهذا خصه بالذكر؛ لأنه كان مقبولًا عند جميع الأمم، فإنَّ العرب كانوا يفتخرون بالانتساب إليه، وكذا اليهود والنصارى، وإذا ثبت هذا، وأن شرعه كان مقبولًا عند الأمم، وأن شرع محمَّد ﷺ وملته هو شرع إبراهيم وملته .. لزم الخلق عمومًا الدخول في دين محمد ﷺ ، وقبول شرعه وملته. ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ﴾ ﴿إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾؛ أي: صفيًّا بالرسالة والنبوة، محبًّا له خالص الحب؛ أي: اصطفاه الله من أهل أرضه بالنبوة والرسالة، لإقامة دينه، وتوحيده في بلاد غلبت عليها الوثنية، وأفسد الشرك عقول أهلها، وقد بلغ من الزلفى عند ربه ما صح به أن يسمى خليلًا وصفيًّا، فقد اختصه بكرامة ومنزلة تشبه الخليل لدى خليله، ومن كانت له هذه المنزلة كان جديرًا أن تُتبع ملته وتؤتسى طريقته.

стр. 2735

والخلاصة: أنه مَنَّ عليه بسلامة الفطرة، وقوة العقل، وصفاء الروح، وكمال المعرفة، وفنائه في التوحيد. وإنما سمي (١) إبراهيم خليلًا لأنه انقطع إلى الله في كل حال، وقيل: لأنه وإلى في الله وعادى في الله، وقيل: لأنه تخلق بأخلاق حسنة وخلال كريمة، وقيل: الخليل المحب الذي ليس في محبته خلل، وسمي إبراهيم خليل الله لأنه أحبه محبة كاملة ليس فيها نقص ولا خلل، وأُنشد في معنى الخلة التي هي بمعنى المحبة: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوْحِ مِنِّيْ ... وَبِهِ سُمِّيَ الْخَلِيْلُ خَلِيْلاَ ومعنى خلة العبد لربه: جعل فقره وفاقته وحاجته إلى الله تعالى، ومعنى خلة الله للعبد: هي تمكينه من طاعته وعصمته وتوفيقه وستر خلله ونصره والثناء عليه، فقد أثنى الله على إبراهيم ﵇، وجعله إمامًا للناس يقتدى به. ١٢٦ - ثم ذكر ما هو كالعلة لما سبق بقوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ ، لا لغيره ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وخلقًا وعبيدًا؛ أي: إن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه، مهما اختلفت صفات المخلوقات .. فجميعها مملوكة عابدة له، خاضعة لأمره، يصطفي من يشاء منها بما شاء من كرمه وجوده، لا اعتراض عليه ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: من أهل السموات والأرض وغيرهما ﴿مُحِيطًا﴾ إحاطة قهر وتسخير، وإحاطة علم وتدبير، وإحاطة وجود؛ لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها، بل وجودها مستمد من ذلك الوجود الأعلى، فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود، فوجب أن يخلص له الخلق، ويتوجه إليه العباد، فهذه الجملة مقررة لمعنى الجملة التي قبلها؛ أي: أحاط علمه بكل شيء، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وقد جاءت هذه الآية خاتمة لما تقدم لفوائد:

стр. 2736

منها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له، والتوجه إليه في كل حال؛ لأنه هو المالك لكل شيء، وغيره لا يملك لنفسه شيئًا. ومنها: نفي ما يتوهم في اتخاذ إبراهيم خليلًا من أن هناك شيئًا من المقاربة في حقيقة الذات والصفات. ومنها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها، إذ من له ما في السموات وما في الأرض خلقًا وملكًا فهو أكرم من وعد، وفي "الفتوحات": وهذه الجملة مستأنفة، مقررة لوجوب طاعة الله تعالى، وقيل: لبيان أن اتخاذه لإبراهيم خليلًا ليس لاحتياجه إلى ذلك، كما هو شأن الآدميين، وقيل: لبيان أن الخلة لا تخرج إبراهيم عن رتبة العبودية، وقيل: لبيان أن اصطفائه إبراهيم للخلة بمحض مشيئته تعالى اهـ. فصل وقد اتخذ الله تعالى محمدًا ﷺ خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، فقد ثبت في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي .. لاتخذت أبا بكر خليلًا". وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : "لو كنت متخذًا خليلًا" لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا" أخرجه مسلم، فقد ثبت بهذين الحديثين الخلة للنبي ﷺ ، وزاد على إبراهيم ﵇ بالمحبة، فمحمد ﷺ خليل الله وحبيبه، فقد جاء في الحديث عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:"ألا وأنا حبيب الله ولا فخر" أخرجه الترمذي بأطول منه. الإعراب ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾. ﴿لَا﴾: نافية عاملة عمل إن، ﴿خَيْرَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿فِي

стр. 2737

كَثِيرٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿كَثِيرٍ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، ولكنه على حذف مضاف تقديره: إلا نجوى من أمر، أو في محل الجهر بدل من ﴿نَجْوَاهُمْ﴾، ﴿أَمَرَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بِصَدَقَةٍ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ﴾: معطوفان على ﴿صدقة﴾، ﴿بَيْنَ النَّاسِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿إِصْلَاحٍ﴾، ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: فعل ومفعول، مجزوم على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿ابْتِغَاءَ﴾: مفعول لأجله مضاف، ﴿مَرْضَاتِ﴾: مضاف إليه، وهو مضاف، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾: مضاف إليه، ﴿فَسَوْفَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة تسويفية، ﴿سوف﴾: حرف تنفيس، ﴿نُؤْتِيهِ﴾: فعل مضارع، ومفعول أول، ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ثان، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة لـ ﴿أَجْرًا﴾ وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجزم جواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية، ﴿من يشاقق الرسول﴾: جازم ومجزوم ومفعول، و ﴿مَنْ﴾: في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُشَاقِقِ﴾، ﴿مَا﴾: مصدرية، ﴿تَبَيَّنَ﴾: فعل ماض، ﴿لَهُ﴾: متعلق به، ﴿الْهُدَى﴾: فاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد تبين الهدى له، ﴿وَيَتَّبِعْ﴾: معطوف على ﴿يُشَاقِقِ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مِنْ﴾، ﴿غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿نُوَلِّهِ﴾: فعل ومفعول أول، مجزوم بـ ﴿من﴾

стр. 2738

على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى أو مستأنفة، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لولى، ﴿تَوَلَّى﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ومفعوله محذوف تقديره تولاه، وهو العائد على ﴿مَا﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿ونصله﴾: فعل ومفعول أول، معطوف على ﴿نُوَله﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿جَهَنَّم﴾: مفعول ثان، ﴿وَسَاءت﴾: فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله ضمير يعود على ﴿جَهَنَّمَ﴾، ﴿مَصِيَرًا﴾: تمييز، والجملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾. ﴿إنَّ الله﴾: ناصب واسمه، ﴿لَا يَغْفِرُ﴾: ناف وفعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يشُرَكَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة منصوب بـ ﴿أنْ﴾، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: لا يغفر الإشراك به، ﴿وَيَغفِرُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لَا يَغْفِرُ﴾، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به، ﴿دون ذلك﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف صل لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿لِمَن﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَغْفِرُ﴾، ﴿يشاء﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ومفعوله محذوف، تقديره: لمن يشاء غفران ذنوبه، والجملة صلة لـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَمَن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، ﴿يُشرِك﴾: فعل شرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿بالله﴾: متعلق به، ﴿فَقَدْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على

стр. 2739

﴿مَنْ﴾، ﴿ضَلَالًا﴾: منصوب على المصدرية، ﴿بَعِيدًا﴾: صفة له، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾. ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿إِنَاثًا﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة، ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِنْ﴾: نافية، ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿شَيْطَانًا﴾: مفعول به، ﴿مَرِيدًا﴾: صفة له. ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿شَيْطَانًا﴾، ﴿وَقَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أتَّخِذَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، ﴿مِنْ عِبَادِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أتَّخِذَنَّ﴾ أو حال من ﴿نَصِيبًا﴾، ﴿نَصِيبًا﴾: مفعول به، ﴿مَفْرُوضًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية مع القسم المحذوف في محل النصب مقول القول. ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾. ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أضلن﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل لها من الإعراب، و ﴿الهاء﴾: مفعول به، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة مع القسم المحذوف في محل النصب معطوفة على

стр. 2740

جملة قوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾، ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾: لام قسم وفعل ومفعول ونون توكيد، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾، ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَآمُرَنَّهُمْ﴾: لام قسم وفعل ومفعول ونون توكيد، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة مع القسم المحذوف معطوفة على جملة ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾، ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: زائدة زيدت لتأكيد القسم المذكور قبله، ﴿يبتكن﴾: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿آمرن﴾ على كونها جوابًا للقسم المحذوف، وأصله: والله لآمرنهم فيبتكونن، ﴿آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ مفعول به ومضاف إليه وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾ مع القسم المحذوف معطوف على قوله: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: زائدة زيدت لتأكيد القسم المذكور قبله، ﴿يغيرن﴾: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والأصل: ولآمرنهم بالتغيير فيغيرونن، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمرنهم﴾، ﴿خَلْقَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، ﴿يَتَّخِذِ﴾: فعل شرط مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿الشَّيْطَانَ﴾: مفعول أول، ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول ثان، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿وَلِيًّا﴾، ﴿فَقَدْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق، ﴿خَسِرَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿خُسْرَانًا﴾: مفعول مطلق، ﴿مُبِينًا﴾: صفة لـ ﴿خُسْرَانًا﴾، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾. ﴿يَعِدُهُمْ﴾: فعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: يعدهم

стр. 2741

طول العمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ويمنيهم نيل الآمال، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَعِدُهُمُ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿غُرُورًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿يَعِدُ﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يَعِدُهُمُ﴾. ﴿أُولَئِكَ مَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ أول، ﴿مَأوَاهُمْ﴾: مبتدأ ثان ومضاف إليه، ﴿جَهَنَّمُ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿لا﴾: نافية، ﴿يَجِدُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْهَا﴾: حال من ﴿مَحِيصًا﴾: وهو مفعول به لوجد، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة المبتدأ الثاني، على كونها خبرأ للمبتدأ الأول، أو معطوفة على جملة ﴿أُولَئِكَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ و ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة، ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من هاء ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿أَبَدًا﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: مصدر مؤكد لمضمون جملة قوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ منصوب بفعل محذوف، تقديره: وعدهم الله ذلك الإدخال وعدًا؛ لأن قوله:

стр. 2742

﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ بمنزلة وعدهم، ﴿حَقًّا﴾: حال من المصدر المذكور قبله، أو منصوب بفعل محذوف، تقديره: حق ذلك حقًّا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَصْدَقُ﴾، ﴿قِيلًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقض، واسمه ضمير يعود على المفهوم من المقام، تقديره: ليس الأمر من الثواب والفضل، ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف، تقديره: ليس الأمر منوطا بأمانيكم، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ مستأنفة، ﴿وَلَا أَمَانِيِّ﴾: معطوف على ﴿أمانيكم﴾ وهو مضاف، ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: مضاف إليه، ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، ﴿يَعْمَلْ﴾: فعل شرط مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿سُوءًا﴾: مفعول به، ﴿يُجْزَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جواب الشرط، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَلَا يَجِدْ﴾: معطوف على ﴿يُجْزَ﴾ مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿لَهُ﴾: متعلق به، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من ﴿وَلِيًّا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول ﴿يَجِدْ﴾، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: معطوف عليه. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، ﴿يَعْمَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾، ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: متعلق به، ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَعْمَلْ﴾، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة حال أيضًا من فاعل ﴿يَعْمَلْ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ﴾

стр. 2743

﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى، ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾: فعل ونائب فاعل ﴿نَقِيرًا﴾: مفعول ثان، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَدْخُلُونَ﴾. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿دِينًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، والجملة مستأنفة، ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَحْسَنُ﴾ ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾: فعل ومفعول، ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ والجملة صلة الموصول، ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَسْلَمَ﴾، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة حال من فاعل ﴿أَسْلَمَ﴾، ﴿وَاتَّبَعَ﴾ معطوف على ﴿أَسْلَمَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، ﴿مِلَّةَ﴾: مفعول به، وهو مضاف، ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: مضاف إليه، ﴿حَنِيفًا﴾: حال من فاعل ﴿اتبع﴾، أو حال من إبراهيم المضاف إليه لوجود شرطه، كما قال ابن مالك: وَلَا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ ... إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ أَوْ كَانَ جُزْءَ مَالَهُ أُضِيْفَا ... أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيْفَا فإن الملة لا تفارق الشخص، فهي كجزئه من هذه الجهة، ومتى كان المضاف جزءًا أو كالجزء من المضاف. صار كأنه صاحب الحال، فيصح توجه عامله للحال، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿خَلِيلًا﴾: مفعول ثان، أو حال من إبراهيم، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾. ﴿وَلِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والجملة

стр. 2744

الإسمية مستأنفة، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مُحِيطًا﴾: وهو خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾: النجوى (١) مصدر كالدعوى، يقال نجوت الرجل أنجوه نجوى، من باب دعا، إذا ناجيته، قال الواحدي: ولا تكون النجوى إلا بين اثنين، وقال الزجاج: النجوى ما انفرد به الجماعة، أو الاثنان سرًّا كان أو ظاهرًا انتهى. وقال ابن عطية: النجوى المسارة بالحديث، وتطلق النجوى على القوم المتناجين؛ أي: المتسارين، وهو من باب قوم عدل وصف بالمصدر، وقال الكرماني: النجوى جمع نجي، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾، ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ المعروف هو ما تعرفه النفوس وتقره، وتتلقاه بالقبول. ﴿ابْتِغَاءَ﴾ مصدر ابتغى الخماسي من باب افتعل، ثلاثية بغى - من باب رمى - يبغى بغاء، بضم أوله، وبغيًا وبغية إذا طلب الشيء، ﴿مَرْضَاتِ﴾ مصدر ميمي بمعنى الرضوان؛ لأنه على وزن مفعلة، فأصله مرضوة فألفه بدل من الواو، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ شاقق من باب فاعل، والمشاقة المعاداة والمخالفة، مأخوذة من الشق، كأن كل واحد من المتعاديين يكون في شق غير الذي فيه الآخر، وإنما جاز إظهار القاف الأولى هنا؛ لأن الثانية سكنت بالجزم، وحركتها عارضة لالتقاء الساكنين. ﴿مَرِيدًا﴾ المَريدُ العاتي المتمرد، من مَرُدَ - من باب ظرف - إذا عتا وتجبر، والمرِّيد - بوزن السكِّيت - الشديد المرادة والعتو، قال الأزهري: يقال مرد الرجل إذا عتا وخرج عن الطاعة، فهو مارد ومريد، ويقال مرد الرجل إذا عتا وعلا في الحذاقة وتجرد للشر والغواية، قال ابن عيسى: وأصله التملس يقال شجرة مرداء؛ أي: ملساء تناثر ورقها، وغلام أمرد لا نبات بوجهه، وصرح ممرد مملس، لا يعلق به شيء لملاسته، والمارد الذي لا يعلق بشيء من الفضائل.

стр. 2745

﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾ من البتك وهو الشق والقطع، ومنه سيف باتك؛ أي: قاطع، يقال بتك يبتك - من بابي ضرب ونصر - بتكًا إذا شقه أو قطعه، وبتَّك بالتشديد للتكثير، كما في الآية. والبِتَكُ بكسر أوله وفتح ثانيه بوزن عنب القطع من الشيء واحدها بتكة، بفتح أوله وسكون ثانيه قال الشاعر: حَتَى إِذَا مَا هَوَتْ كَفُّ الْوَلِيْدِ لَهَا ... طَارَتْ وَفِيْ كَفِّهِ مِنْ رِيْشِهَا بِتَكُ ﴿مَحِيصًا﴾، المحيص مفعل من حاص يحيص - من باب باع - حيصًا وحيوصًا ومحاصًا ومحيصًا، وحيصانًا بفتح الياء إذا حاد وعدل عنه، أو زاغ بنفور، ومنه فحاصوا حيصة حمر الوحش، ومنه قول الشاعر: وَلَمْ نَدْرِ أَنَّ حِصْنًا مِنَ الْمَوْتِ حِيْصَةٌ ... كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ وَالْمَدَا مُتَطَاوِلُ ويقال ما منه محيص؛ أي: محيد ومهرب، والمحاص مثل المحيص قال الشاعر: تَحِيْص مِنْ حُكْمِ الْمَنِيَّةِ جَاهِدًا ... مَا لِلرِّجَالِ عَنِ الْمَنُوْنِ مَحَاصُ وفي المثل: وقعوا في حيص بيص، وحاص باص إذا وقع في أمر لا يقدر على التخلص منه، ويقال حاص يحوص - من باب قال - حوصًا وحياصًا إذا نفر وزايل المكان الذي فيه، والحوص في العين ضيق مؤخرها. ﴿قِيلًا﴾ القيل مصدر كالقول والقال، وقال ابن السكيت: القيل والقال اسمان لا مصدران، ونصبه هنا على التمييز كما مر. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الأماني واحدها أمنية، وهي الصورة التي تحصل في النفس من تمني الشيء وتقديره، وكثيرًا ما يطلق التمني على ما لا حقيقة له، ومن ثم يعبرون به عن الكذب، كما قال عثمان ﵁: ما تغنيت ولا تمنيت منذ أسلمت، ﴿حَنِيفًا﴾ الحنيف فعيل بمعنى فاعل، فالحنيف المائل عن الزيغ والضلال إلى الحق والعدل. ﴿خَلِيلًا﴾ الخليل فعيل من الخلة بفتح الخاء، وهي الفقر والفاقة؛ لأنه جعل فقره وحاجته إلى الله، أو من الخلة بضم الخاء وهي المودة والمحبة التي تتخلل النفس وتمازجها، أو من الخَلَل، قال ثعلب: إنما

стр. 2746

سمي الخليل خليلًا؛ لأن محبته تتخلل القلب، فلا تدع فيه خللًا إلا ملأته وأنشد قول بشار: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوْحِ مِنِّيْ ... وَبِهِ سُمِّيَ الْخَلِيْلُ خَلِيْلَا وخليل إما فعيل بمعنى فاعل، كالعليم بمعنى العالم، وإما بمعنى مفعول، كالحبيب بمعنى المحبوب، وقد كان إبراهيم ﵇ محبوبًا للَّه ومحبًّا له. ﴿مُحِيطًا﴾ اسم فاعل من أحاط الرباعي يحيط إحاطة، كأعان يعين إعانة؛ أي: عالمًا بكل شيء من الجزئيات والكليات، فهو يجازيهم على أعمالهم خيرها وشرها قليلها وكثيرها. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع (١): منها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا﴾، وفي قوله: ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا﴾، وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ و ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿لَا يَغْفِرُ﴾ و ﴿يَغْفِرُ﴾، وفي قوله: ﴿يُشْرِكْ﴾ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ﴾، وفي ﴿لآمرنهم﴾، وفي: اسم الشيطان، وفي قوله: ﴿يَعِدُهُمُ﴾ و ﴿ما يعدهم﴾، وفي الجلالة، في مواضع، وفي قوله: ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ ﴿وَلَا أَمَانِيِّ﴾، وفي قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ﴾، وفي ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ومنها: الطباق المعنوي في قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ﴾، و ﴿الْهُدَى﴾، وفي قوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، و ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يعني المؤمن، وفي قوله: ﴿سُوءًا﴾ و ﴿الصَّالِحَاتِ﴾. ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ﴾ وفي قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ و ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ وفي قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.

стр. 2747

ومنها: المقابلة في قوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾. ومنها: التأكيد بالمصدر في قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، عبر به عن القصد أو الجهة، وفي قوله: ﴿مُحِيطًا﴾ عبر به عن العلم بالشيء، من جميع جهاته. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ لتفخيم شأنه، والتنصيص على أنه متفق على مدحه. ومنها: الحذف في مواضع. والله أعلم * * *

стр. 2748

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾. المناسبة قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها ظاهرة بالنظر (١) إلى ما كانت عليه العرب من تربيع كلامها، أنها تكون في أمر ثم تخرج منه إلى شيء، ثم تعود إلى ما كانت فيه أولًا، وهكذا كتاب الله ، يبين فيه أحكام تكليفه، ثم يعقب بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ثم يعقب

стр. 2749

ذلك بذكر المخالفين المعاندين الذين لا يتبعون تلك الأحكام، ثم بما يدل على كبرياء الله تعالى وجلاله، ثم يعود لتبيين ما تعلق بتلك الأحكام السابقة، وقد عرض هنا في هذه السورة أن بدأ بأحكام النساء والمواريث وذكر اليتامى، ثم ثانيًا بذكر شيء من ذلك في هذه الآية، ثم أخيرًا بذكر شيء من المواريث أيضًا، ولما كانت النساء مطروحًا أمرهن عند العرب في الميراث وغيره، وكذلك اليتامى .. أكد الحديث فيهن مرارًا ليرجعوا عن أحكام الجاهلية. وعبارة المراغي هنا: لما كان الكلام (١) أول السورة في الأحكام المتعلقة بالنساء واليتامى والقرابة، ومن قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلى هنا في أحكام عامة في أسس الدين وأصوله، وأحوال أهل الكتاب والمنافقين والقتال .. عاد الكلام هنا إلى أحكام النساء، لشعور الناس بالحاجة إلى زيادة البيان في تلك الأحكام، فالآيات السالفة أوجبت مراعاة حقوق الضعيفين المرأة واليتيم، وجعلت للنساء حقوقًا مؤكدة في المهر والإرث، وحرمت ظلمهن، وأباحت تعدد الزوجات، وحددت العدد الذي يحل منهن حين عدم الخوف من الظلم، ولكن ربما يحدث لهم الاشتباه في بعض الوقائع المتعلقة بها، كأن يقع الاشتباه في حقيقة العدل الواجب بين النساء، هل يدخل العدل في الحب أو في لوازمه من زيادة الإقبال على المحبوبة، والتبسط في الاستمتاع بها، أو لا؟ وهل يحل للرجل أن يمنع اليتيمة ما كتب الله لها من الإرث حين يرغب في نكاحها؟ وبماذا يصالح امرأته إذا أرادت أن تفتدي منه؟ كل هذا مما تشتد الحاجة إلى معرفته بعد العمل بتلك الأحكام، فمن ثم جاءت هذه الآيات مبينة أتم البيان لذلك. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (٢) وتعالى لما أمر أولًا بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين .. بين هنا أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد؛ لأن كل ما في السموات والأرض

стр. 2750

ملكه، فهو مستغن عنهم، وقادر على تثبيتهم على طاعته فيما شرعه لخيرهم ومصلحتهم، بل ليزدادوا بتدبرها إيمانًا يحملهم على العمل بها والوقوف عند حدودها. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر النساء والنشوز والمصالحة .. أعقبه بالقيام بأداء حقوق الله تعالى، وفي الشهادة حقوق لله، أو لأنه لما ذكر تعالى طالب الدنيا، وأنه عنده ثواب الدنيا والآخرة .. بين أن كمال السعادة أن يكون قول الإنسان وفعله لله تعالى، أو لأنه ذكر في هذه السورة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ والإشهاد عند دفع أموال اليتامى إليهم، وأمر ببذل النفس والمال في سبيل الله، وذكر قصة بن أبيرق، واجتماع قومه على الكذب والشهادة بالباطل، وندب للمصالحة .. أعقب ذلك بأن أمر عباده المؤمنين بالقيام بالعدل والشهادة لوجه الله ، وأتى بصيغة المبالغة في ﴿قَوَّامِينَ﴾ حتى لا يكون منهم جور ما. وقيل: المناسبة أن الله لما أمر (١) بالقسط في اليتامى والنساء، في سياق الاستفتاء فيهن؛ لأن حقهن آكد، وضعفهن معهود .. عمم الأمر هنا بالقسط بين الناس؛ لأن قوام أمور الاجتماع لا يكون إلا بالعدل، وحفظ النظام لا يتم إلا به، وبما فيه من الشهادة لله بالحق، ولو على النفس والوالدين والأقربين، وعدم محاباة أحد لغناه أو لفقره؛ لأن العدل مقدم على حقوق النفس وحقوق القرابة وغيرها، وقد كانت سنة الجاهلية محاباة ذوي القربى؛ لأنه يعتز بهم، كما كانوا يظلمون النساء واليتامى لضعفهن وعدم الاعتزاز بهن. قوله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها (٢): أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالقيام بالقسط والشهادة لله .. بين أنه لا يتصف بذلك إلا من كان راسخ القدم في الإيمان بالأشياء المذكورة في هذه الآية، فأمر بها.

стр. 2751

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري عن عائشة ﵂ في هذه الآية، قالت (١): هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها، قد شركته في مالها حتى في المذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلًا فيشركه في مالها، فيعضلها، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي: كان لجابر بنت عم دميمة، ولها مال ورثته عن أبيها، وكان جابر يرغب عن نكاحها، ولا يُنكِحها خشية أن يذهب الزوج بمالها، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه. قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري (ج ٩/ ص ٣٣٤) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك. الحديث رواه مسلم (ج ٨/ ص ١٥٧). وقد أخرج أبو داود والترمذي والطيالسي، والحاكم وصححه، وأقره الذهبي وابن جرير: أنها نزلت في شأن سودة، أخرجه الترمذي والطيالسي وابن جرير من حديث ابن عباس، وأخرجه أبو داود والحاكم وابن جرير أيضًا من حديث عائشة، ولفظ أبي داود: قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان كل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل رسول الله ﷺ ذلك منها، قالت: تقول في ذلك أنزل الله وفي أشباهها، أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾.

стр. 2752

وأخرج الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبي عن رافع بن خديج أنه كان تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة، فآثر البكر عليها، فأبت امرأته الأولى أن تقر على ذلك، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير .. قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأمر، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك، قالت: بل راجعني أصبر على الأثرة، ثم آثر عليها فلم تصبر على الأثرة، فطلقها الأخرى، وآثر عليها الشابة، قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله قد أنزل فيه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾. وأخرج الحاكم (١) عن عائشة قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ في رجل كانت تحته امرأة قد ولدت له أولادًا، فأراد أن يستبدل بها، فراضته على أن تقر عنده ولا يقسم لها. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: جاءت امرأة حين نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا ...﴾ قالت: إني أريد أن تقسم لي من نفقتك، وقد كانت رضيت أن يدعها فلا يطلقها ولا يأتيها، فأنزل الله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (٢) ابن أبي حاتم عن السدي قال: نزلت هذه الآية على النبي ﷺ حين اختصم إليه رجلان غني وفقير، وكان النبي ﷺ مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير. التفسير وأوجه القراءة ١٢٧ - ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ أي: يستخبرك ويسألك يا محمد جماعة من الصحابة ما أشكل عليهم ﴿فِي﴾ شؤون ﴿النِّسَاءِ﴾ وحقوقهن، ويطلبونك ببيان ما غمض وخفي عليهم من أحكامهن، من جهة حقوقهن المالية والزوجية، كالعدل في المعاشرة

стр. 2753

وحين الفرقة والنشوز، والاستفتاء طلب الفتوى، وهو إظهار ما أشكل من الأحكام الشرعية وكشفه وتبيينه، قال المفسرون: والذي استفتوه فيه هو ميراث النساء والصغار، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار من الأولاد، فلما نزلت آية الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ .. قالوا: يا رسول الله كيف ترث المرأة والصغير، وكيف نعطي المال من لا يركب فرسًا، ولا يحمل سلاحًا، ولا يقاتل عدوًّا؟ فأجابهم بهذه الآية فقال: ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمَّد في جواب استفتائهم ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يُفْتِيكُمْ﴾؛ أي: يبين لكم ما أشكل عليكم ﴿فِيهِنَّ﴾؛ أي: في حقوقهن وشؤونهن من الميراث والمعاشرة وغير ذلك، بما يوحيه إليك من الأحكام المبينة في الأحاديث، وبما سيأتي من الآيات الكريمة المتعلقة بشؤون النساء، ﴿و﴾ يبين لكم أيضًا ﴿ما يتلى﴾ ويقرأ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: في القرآن مما نزل في أول هذه السورة ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾؛ أي: في بيان حقوق اليتامى من النساء، وقرىء (١) ﴿في يتامى النساء﴾ بيائين والأصل أيامى النساء، فأبدلت الهمزة ياء، كما قالوا: فلان ابن أعصر ويعصر، ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾؛ أي: اللاتي لا تعطونهن ما وجب لهن من الميراث أو الصداق، وذلك لأنهم يورثون الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار، فإنهم لا يعطونهن ما كتب لهن من الإرث إذا كان في أيديهم لولايتهم عليهن، ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾؛ أي: تطمعون في ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ وتتزوجوهن لمالهن وجمالهن بأقل من صداقهن، أو ترغبون وتعرضون عن أن تنكحوهن وتتروجوهن لدمامتهن، وتمسكوهن رغبة في مالهن، فلا تنكحوهن ولا تُنكحوهن غيركم حتى يبقى مالهن في أيديكم، وقد كان الرجل منهم يضم اليتيمة ومالها إلى نفسه، فإن كانت جميلة .. تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمة .. عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها، والمراد بالذي يتلى في يتامى النساء هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ معطوف على يتامى النساء؛ أي: ويبين لكم ما يتلى

стр. 2754

ويقرأ عليكم أيضًا في شأن المستضعفين من الولدان والصغار، الذين لا تعطونهم نصيبهم من الميراث، وقد كانوا يورثون الرجال دون الأطفال والنساء، والمراد بالذي يتلى في حق المستضعفين قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ معطوف أيضًا على يتامى النساء؛ أي: ويبين لكم ما يتلى ويقرأ عليكم أيضًا في أن تقوموا لليتامى بالقسط؛ أي: يتلى عليكم في طلب قيامكم بالقسط والعدل في شؤون اليتامى من هؤلاء النساء والولدان المستضعفين، بأن تهتموا بهم اهتمامًا خاصًّا، وتعتنوا بشأنهم، ويجري العدل في معاملتهم على أكمل الوجوه وأتمها، فإن ذلك هو الواجب الذي لا هوادة فيه، ولا خيرة في شأنه، والمراد بالذي يتلى في ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. والخلاصة: أن الذي يتلى في الضعيفين - المرأة واليتيم - هو ما تقدم في أول السورة، وأن الله يذكرهم بتلك الآيات المفصلة ليتدبروها ويتأملوا معانيها، ثم يعملوا بها، إذ قد جرت طباع البشر أن يتغافلوا عن دقائق الأحكام والعظات التي ترجعهم عن أهوائهم، وتؤنبهم على اتباع شهواتهم. واعلم: أن المفهوم من الآية كون المفتي اثنين: أحدهما: الله ، يفتي ويبين بما يوحي إلى رسوله ﷺ من الأحاديث الواردة في حقوق النساء واليتامى وشؤونهن، وبما سيأتي من الآيات الكريمة، كالآية التالية لهذه الآية من قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾، وغيرها من الآيات المتعلقة بشؤون النساء. والثاني: الكتاب يفتي ويبين بما يتلى منه في أول هذه السورة من الآيات النازلة في شؤونهن، والله أعلم بمعنى كتابه، فتأمل، وفيه مزيد اعتناء بتلك الفتوى. ثم رغبهم في العمل بما فيه فائدة لليتامى، وحبب إليهم النصفة فقال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: وما تفعلوا من الخير أو الشر ففيه اكتفاء لليتامى، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ بِهِ﴾؛ أي: بذلك الخير المفعول ﴿عَلِيمًا﴾ لا يعزب عن علمه شيء، ولا يضيع عنده شيء، فيجازيكم عليه، وهذا وعد لمن آثر الخير لهم.

стр. 2755

١٢٨ - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾؛ أي: وإن خافت وتوقعت امرأة وزوجة ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾ وزوجها ﴿نُشُوزًا﴾؛ أي: ترفعًا عليها بما لاح لها من قرائن وأمارات، بأن منعها نفسه ونفقتها، والمودة والرحمة التي بين الرجل والمرأة، أو آذاها بسبّ أو ضرب أو نحو ذلك، ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ عنها بوجهه، بأن قلل من محادثتها ومؤانستها، لبعض أسباب من طعن في سن، أو دمامة، أو شيء في الأخلاق والخلق، أو ملال لها، أو طموح إلى غيرها، أو نحو ذلك. ولكن الواجب عليها أن تتثبت فيما تراه من أمارات الإعراض، فربما كان الذي شغله من مسامرتها والرغبة في مباعلتها عوارض من مشاكل الحياة الدنيوية أو الدينية، وهي أسباب خارجية لا دخل لها فيها، ولا تعلق لها بكراهتها والجفوة عنها، وحينئذ عليها أن تعذره وتصبر على ما لا تحب من ذلك، أما إذا استبان لها أن ذلك لكراهته إياها ورغبته عنها ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: فلا حرج ولا إثم على الزوج والمرأة حنيئذ في ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ ويتوافقا فيما ﴿بَيْنَهُمَا﴾ ويفعلا ﴿صُلْحًا﴾؛ أي: أمرًا فيه صلاح وموافقة لهما عليه، كأن تسمح له ببعض حقها عليه في النفقة، أو المبيت معها، أو بحقها كله فيهما، أو في أحدهما لتبقى في عصمته مكرمة، أو تسمح له ببعض المهر ومتعة الطلاق، أو بكل ذلك ليطلقها كما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وإنما يحل له ذلك إذا كان برضاها، لاعتقادها أن الخير لها في ذلك؛ بلا ظلم ولا إهانة. وقد روي أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، وكان لها منه ولد، فقالت له: لا تطلقني ودعني أقوم على ولدي وتقسم لي في كل شهرين، فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب إلى، فأقرها على ما طلبت بعد ما أتى رسول الله ﷺ فسأله عن ذلك، وأنزلت الآية فيه. وهذا من جملة ما أخبر الله تعالى أنه يفتيهم به في النساء، مما لم يتقدم ذكره في هذه السورة، وقرأ الكوفيون (١): ﴿يُصْلِحَا﴾ من أصلح الرباعي على وزن

стр. 2756

أكرم، وقرأ باقي السبعة: ﴿يُصْلِحَا﴾ وأصله يتصالحا وأدغمت التاء في الصاد، وقرأ عبيدة السلماني ﴿يصالحا﴾ من المفاعلة، وقرأ الأعمش: ﴿أن أصالحا﴾، وهي قراءة ابن مسعود جعل ماضيًا، وأصله تصالح على وزن تفاعل، فأدغم التاء في الصاد، واجتلبت همزة الوصل، والصلح ليس مصدرًا لشيء من هذه الأفعال التي قرئت، فإن كان اسما لما يصلح به كالعطاء من أعطى .. فيحتمل أن يكون انتصابه على إسقاط حرف الجر؛ أي: يصلح؛ أي: بشيء يصطلحان عليه، ويجوز أن يكون مصدرًا لهذه الأفعال على حذف الزوائد. ﴿وَالصُّلْحُ﴾؛ أي: والمسامحة والمصالحة على شيء مما سبق ذكره ﴿خَيْرٌ﴾ من سوء العشرة وكثرة الخصومة، أو خير من التسريح والفراق؛ لأن رابطة الزوجية من أعظم الروابط، وأحقها بالحفظ، وميثاقها من أغلظ المواثيق، وعروض الخلاف بين الزوجين، وما يترتب عليه من نشوز وإعراض وسوء معاشرة من الأمور الطبيعية التي لا يمكن زوالها، وأفعل التفضيل في قوله: ﴿خَيْرٌ﴾ ليس على بابه. وأجمل ما جاء في الإِسلام لمنع الخلاف بين الزوجين هو المساواة بينهما في كل شيء، إلا القيام برياسة الأسرة، لأنه أقوى من المرأة بدنًا وعقلًا، وأقدر على الكسب، وعليه النفقة كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ فيجب على الرجل أن يعاشرها بالمعروف، وأن يتحرى العدل بقدر المستطاع، ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؛ أي: جعلت الأنفس عرضة وهدفًا للشح والبخل، وجعل الشح حاضرًا لها لا يغيب عنها، ولا ينفك عنها أبدًا، والفعل فيه مبني للمفعول، والمعنى: أحضر الله الأنفس الشح؛ أي: جبلها عليه، فمتى تعلقت الأنفس بشيء منه .. فلا ترجع عنه إلا بمشقة، يعني: أن أنفسهما بل أنفس كل إنسان طبعت وجبلت على البخل بما يلزمها، أو بما يحسن فعله من الخيرات، فإذا عرض لها داع من دواعي البذل .. ألم بها الشح والبخل، ونهاها أن تبذل ما ينبغي بذله لأجل الصلح، فالنساء حريصات على حقوقهن في القسم والنفقة وحسن العشرة، والرجال حريصون على أموالهم أيضًا، فينبغي أن يكون التسامح بينهما كاملًا؛ إذ هما قد ارتبطا ارتباطًا وثيقًا بذلك الميثاق العظيم، وأفضى بعضهما إلى بعض،

стр. 2757

وقرأ العدوي (١): ﴿الشح﴾ بكسر الشين، وهي لغة. ثم رغب في بقاء الرابطة الزوجية جهد المستطاع، فقال: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ أيها الأزواج العشرة مع نسائكم، وإن كرهتموهن، بأن تسووا بين الشابة والعجوز في القسم والنفقة، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ ما يؤدي إلى الأذى والخصومة من الجور والميل، وتجتنبوا أسباب النشوز والإعراض، وما يترتب عليهما من الشقاق .. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه يجازيكم على ذلك الإحسان والتقوى، ويثيبكم عليهما، لأنه تعالى: ﴿كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإحسان وغيره ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: عالمًا لا يخفى عليه شيء منه، فيجازيكم عليه الجزاء الأوفى، وكان عمران بن حطان الخارجي من أُدم الناس، وامرأته من أجملهن، فأجالت في وجهه نظرها، ثم تابعت الحمد لله، فقال: ما لَكِ؟ فقالت: حمدت الله على أني وإياك من أهل الجنة، قال: كيف؟ قالت: لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، وقد وعد الله الجنة الشاكرين والصابرين. ١٢٩ - ثم بين أن العدل بين النساء في الميل القلبي في حكم المستحيل، فعلى الرجل أن يفعل جهد المستطاع، فقال: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾؛ أي: ولن تقدروا أيها الأزواج على ﴿أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾؛ أي: على العدل والتسوية بين الزوجات في الحب وميل القلب، ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ وجهدتم وتحريتم وبالغتم، وكلفتم أنفسكم على التسوية بينهن في الحب والميل القلبي، حتى لا يقع ميل إلى إحداها بلا زيادة ولا نقص، ولو قدرتم لما قدرتم على إرضائها به، ومن ثم رفع الله ذلك عنكم، وما كلفكم إلا العدل فيما تستطيعون، بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم، لأن الباعث على الكثير من هذا الميل هو الوجدان النفسي والميل القلبي الذي لا يملكه المرء، ولا يحيط به اختياره، ولا يملك آثاره الطبيعية، ولهذا خفف الله ذلك عنكم، وبين أن العدل الكامل غير مستطاع، ولا يتعلق به تكليف ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾؛ أي: وإذا كان ذلك غير مستطاع لكم، فعليكم أن لا تميلوا كل الميل إلى من تحبون منهن في القسم والنفقة، وتعرضوا عن الأخرى ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾؛ أي: فتتركوا التي أعرضتم عنها فتجعلوها كأنها ليست

стр. 2758

بالمتزوجة ولا بالمطلقة، لا أيِّمًا ولا ذات بعل، كالشيء المعلق، لا هو في السماء ولا هو على الأرض، بل هو في تعب، وقيل معناه: كالمسجونة، لا هي مخلصة فتتزوج، ولا هي ذات بعل فيحسن إليها، فإن الذي يُغفر لكم من الميل ويسامَح لكم هو ما لا يدخل تحت اختياركم، ولا يكون فيه تعمد التقصير أو الإهمال، أما ما يقع تحت اختياركم، فعليكم أن تقوموا به إذ لا هوادة فيه. والمعنى (١): أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي؛ لأن ذلك خارج عن قدرتكم ووسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك الميل في القول والفعل. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما .. جاء يوم القيامة وشقه ساقط" أخرجه الترمذي. وعند أبي داود: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما .. جاء يوم القيامة وشقه مائل". وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"، يعني: القلب، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. وقرأ أبي (٢): ﴿فتذروها كالمسجونة﴾، وقرأ عبد الله: ﴿فتذروها كأنها معلقة﴾. ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ في معاملة النساء ﴿وَتَتَّقُوا﴾ ظلمهن، وتفضيل بعضهن على بعض، فيما يدخل في اختياركم كالقسم والنفقة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: فإن الله تعالى يغفر لكم ما دون ذلك، مما لا يدخل في اختياركم كالحب وزيادة الإقبال وغير ذلك، أو المعنى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ ما مضى من ميلكم، وتتداركوه بالتوبة ﴿وَتَتَّقُوا﴾ في المستقبل عن مثله .. غفر الله لكم ذلك، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فيغفر ما حصل في القلب من الميل إلى بعضهن دون البعض، ويتفضل عليكم برحمته.

стр. 2759

وفي الآية عظة وعبرة لمن يتأمل من عباد الشهوات، الذين لا يقصدون من الزوجية إلا التمتع باللذات الحيوانية، دون مراعاة أهم أسس الحياة الزوجية التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، ولا يلاحظون أمر النسل وصلاح الذرية، هؤلاء السفهاء الذواقون الذين يكثرون من الزواج ما استطاعوا، ولا باعث لهم إلا حب التنقل، والملل من السابقة، ولا يخطر لهم أمر العدل في بال، عليهم أن يتقوا الله تعالى، ويفكروا في ميثاق الزوجية، وفي حقوقها المؤكدة، وفي عاقبة نسلهم، وشؤون ذريتهم، وفي حال أمتهم التي تتألف من هذه البيوت المبنية على أسس الشهوات والأهواء، وفي حال ذريتهم التي تنشأ بين أمهات متعاديات. ١٣٠ - ثم بين الله أن الفراق قد يكون فيه الخير إذا لم يمكن الوفاق، فقال: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾؛ أي: وإن يتفرق الزوجان اللذان يخافان أن لا يقيما حدود الله، بأن كره الرجل امرأته لدمامتها أو كبرها، وأراد أن يتزوج غيرها، أو كان عنده زوجتان ولم يقدر على العدل بينهما .. ﴿يُغْنِ اللَّهُ﴾ ﴿كُلًّا﴾ منهما عن صاحبه ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾؛ أي: بسعة فضله، ووافر إحسانه وجوده، فقد يسخر للمرأة رجلًا خيرًا منه، كما يهيء له امرأة أخرى، تحصنه وترضيه وتقوم بشؤون بيته وأولاده، ويكون عيشه أهنأ من عيشه الأول بفضله تعالى، ولن يكون كل منهما جديرًا بعناية الله تعالى وإغنائه عن الآخر إلا إذا التزما حدود الله، بأن اجتهدا في الوفاق والصلح، وظهر لهما بعد التفكير والتروي في الأسباب أنه غير مستطاع، فافترقا وهما حافظان لكرامتهما عما يجعلهما عرضة للنقد ونهش العرض، فإن ذلك مما يرغب الناس فيهما، لما يرونه فيهما من الأخلاق الفاضلة وعدم التلاحي والتنابذ والتهاجي واختلاق الأكاذيب، فالرجل ذو الخلق الكريم إذا علم أن امرأة اختلفت مع بعلها لأنها لم تقبل أن تعيش مع من يعرض عنها، أو يترفع عليها، بل أحبت أن تعيش معه بطريق عادلة .. رأى فيها أفضل صفات الزوجية، وكذلك كرائم النساء وأولياؤهن يرغبون في الرجل إذا علموا أنه يمسك المرأة بمعروف، أو يسرحها بإحسان، ولا

стр. 2760

يلجؤه إلى الطلاق إلا الخوف من عدم إقامة حدود الله، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿وَاسِعًا﴾ في العلم والقدرة والرحمة والفضل والجود ﴿حَكِيمًا﴾؛ أي: متقنًا في أفعاله وأحكامه التي شرعها لعباده وفق مصالحهم. فصل فيما يتعلق بهذه الآيات من الأحكام واعلم أن الرجل إذا كان تحته امرأتان فأكثر يجب عليه التسوية بينهن في القسم، فإن ترك التسوية بينهن في فعل القسم .. عصى الله في ذلك، وعليه القضاء للمظلومة، والتسوية في البيتوتة واجب، أما في الجماع فلا، لأن ذلك يدور على النشاط وميل القلب، وليس ذلك إليه، ولو كان في نكاحه حرة وأمة .. قسم للحرة ليلتين وللأمة ليلة واحدة. وإذا تزوج جديدة على قديمات كن عنده .. فإنه يخص الجديدة بأن يبيت عندها سبع ليال، إن كانت الجديدة بكرًا، وإن كانت ثيبًا .. خصها بثلاث ليال، ثم إنه يستأنف القسم بينها وبينهن، ويسوي بينهن كلهن، ولا يجب عليه قضاء عوض هذه الليالي للقديمات، ويدل على ذلك ما روى أبو قلابة عن أنس ﵁ قال: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا وقسم، قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي ﷺ ، أخرجاه في "الصحيحين". وإذا سافر الرجل إلى سفر حاجة جاز له أن يحمل معه بعض أزواجه، بشرط أن يقرع بينهن، ولا يجب عليه أن يقضي للباقيات عوض مدة سفره وإن طالت إذا لم يزد مقامه في البلد على مدة المسافرين، ويدل على ذلك ما روي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. أخرجه البخاري مع زيادة فيه. وإذا أراد الرجل سفر نُقلَةٍ .. وجب عليه أخذ نسائه معه. ١٣١ - ﴿وَلِلَّهِ﴾ : ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: له جميع ما فيهما من المخلوقات خلقًا وعبودية وملكًا، فهو مدبر الأكوان، فلا يتعذر عليه

стр. 2761

الإغناء بعد الفقر، ولا الإيناس بعد الوحشة، إلى نحو هذا مما ينبىء بعظيم القدرة، وكمال الجود والإحسان، فهذه الجملة مستأنفة لتقرير كمال سعته سبحانه وشمول قدرته، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أمرنا الذين من قبلكم من اليهود والنصارى، وغيرهم من سالف الأمم، فيما أنزلناه عليهم من الكتب ﴿و﴾ أمرنا ﴿إِيَّاكُمْ﴾ يا أهل القرآن، في كتابكم المنزل على محمَّد ﷺ ؛ أي: أمرناهم وإياكم جميعًا بـ ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وخافوا عقابه بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، فبتقوى الله تعالى ترقى معارفكم، وتزكوا نفوسكم، وتنتظم مصالحكم الدينية والدنيوية، ﴿و﴾ قلنا لهم ولكم: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ نِعَمَ الله عليكم، وتجحدوا فضله وإحسانه لكم .. ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ﴾ جميع المخلوقات لا يضره كفركم ومعاصيكم، كما لا ينفعه شكركم وتقواكم، وقد وصاكم وإياهم بهما؛ لرحمته لكم، لا لحاجته إليكم؛ لأنه غني عنكم؛ لأن له تعالى ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من المخلوقات والخزائن. وفائدة (١) هذا التكرير التأكيد، ليتنبه العباد على سعة ملكه وينظروا في ذلك، ويعلموا أنه غني عن خلقه، ثم زاد ما سلف توكيدًا فقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿غَنِيًّا﴾ عن خلقه، وعن عباداتهم، فلا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات، ﴿حَمِيدًا﴾ في ذاته وصفاته وأفعاله؛ أي: مستحقًا لأن يحمد لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد منكم فهو لا يحتاج إلى شكركم، لتكميل نفسه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. وفي الحديث القدسي: "يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم .. ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم .. ما نقص ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته .. ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في

стр. 2762

البحر، يا عبادي: إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا .. فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك .. فلا يلومن إلا نفسه". رواه مسلم. ١٣٢ - ثم أعاد ما سلف لزيادة التوكيد فقال: ﴿وَلِلَّهِ﴾ ، لا لغيره ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا، يتصرف فيهما كيفما شاء، إيجادًا وإعدامًا وإحياء وإماتة ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: وكفى به قيمًا وكفيلًا يوكل به، ويفوض إليه أمر العباد في أرزاقهم وأقواتهم وسائر شؤونهم، ١٣٣ - ﴿إِنْ يَشَأ﴾؛ أي: إن يرد الله إعدامكم واستئصالكم .. ﴿يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يستأصلكم ويعدمكم بالمرة أيها المشركون من الأرض ﴿وَيَأتِ بِآخَرِينَ﴾؛ أي: ويوجد قومًا آخرين من الإنس، أو من غيره، موحدين له، يحلون محلكم في الحكم والتصرف، فهو قادر على ذلك؛ لأن كل ما في السموات والأرض فهو تحت قبضته وخاضع لسلطانه. والمعنى: إن يشاء إفناءكم بالكلية وإيجاد قوم آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه يفنكم بالمرة ويوجد مكانكم قومًا خيرًا منكم وأطوع لله تعالى. والخلاصة: أن إبقاءكم على ما أنتم عليه من العصيان إنما هو لكمال غناه عن طاعتكم، ولأن مشيئته لم تتعلق بهذا الإفناء لحكم ومصالح أرادها سبحانه، لا لعجز عن ذلك تعالى الله علوًّا كبيرًا. وفي هذه الآيات تهديد للمشركين الذين كانوا يؤذون النبي ﷺ ويقاومون دعوته، وتنبيه للناس إلى التأمل في سنن الله تعالى التي جرت في حياة الأمم وموتها، وإن هذه السنن إذا تعلقت بها المشيئة .. وقعت لا محالة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلَى ذَلِكَ﴾؛ أي: على إهلاككم وإذهابكم من الأرض وإخلاف غيركم مكانكم ﴿قَدِيرًا﴾؛ أي: قادرًا إذ بيده ملكوت كل شيء، لكنه لحكم يعلمها لم تتعلق إرادته بذلك، ١٣٤ - ﴿مَنْ كَانَ﴾ منكم أيها الناس ﴿يُرِيدُ﴾ ويقصد بسعيه وجهاده في حياته ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ ونعيمها ومتاعها بالمال والجاه ونحوهما، فلا يقتصر عليه، وليطلب الثوابين من الله تعالى ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بيده ثوابهما، فلا يضيع نفسه بالاقتصار على الثواب

стр. 2763

الفاني، فإن العاقل يطلب ثواب الآخرة حتى يحصل له ذلك، ويحصل له ثواب الدنيا على سبيل التبع. والمعنى: فعند الله تعالى ثواب الدارين جميعًا، بما أعطاكم من العقل والشعور وهداية الحواس، فعليكم أن تطلبوهما معًا، ولا تكتفوا بما هو أدناهما وهو ما يفنى، وتتركوا أعلاهما وهو ما يبقى، مع أن الجمع بينهما هين ميسور لكم، وهو تحت قدرتكم وسلطانكم، فمن خطل الرأي أن تتركوا ذلك، وترغبوا عنه، بل عليكم أن تقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. والخلاصة: أن من أراد بعمله الدنيا .. آتاه الله منها ما أراد، وصرف عنه من شرها ما أراد، وليس له ثواب في الآخرة يجزى به، ومن أراد بعمله وجه الله وثواب الآخرة .. فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، يؤتيه من الدنيا ما قدر له، ويجزيه في الآخرة خير الجزاء ذكره في "الخازن". وفي الآية (١) إيماء إلى أن الدين يهدي أهله إلى السعادتين، وإلى أن ثواب الدنيا والآخرة من فضله تعالى ورحمته، وفي الآية أيضًا (٢) تعريض بالكفار الذين كانوا لا يؤمنون بالبعث، وكانوا يقولون: ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وظاهر (٣) الآية العموم، وقال ابن جرير الطبري: إنها خاصة بالمشركين والمنافقين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿سَمِيعًا﴾ لأقوال عباده حين مخاطباتهم ومناجاتهم ﴿بَصِيرًا﴾ بجميع أمورهم في سائر حالاتهم، فعليهم أن يراقبوه في الأقوال والأفعال، وبذلك تزكو نفوسهم، وتقف عند حدود الفضيلة، التي بها تستقيم أمورهم في دنياهم، ويستعدون لحياة أبدية في آخرتهم يكون فيها نعيمهم وثوابهم. ١٣٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾؛ أي: مبالغين في القيام ﴿بِالْقِسْطِ﴾ والعدل وإثباته، ومديمين القيام، فمن عدل مرة أو مرتين. لا

стр. 2764

يكون في الحقيقة قوامًا؛ أي: فلتجعلوا العناية بإقامة القسط على وجهه صفة ثابتة لكم، راسخةً في نفوسكم، والعدل كما يكون في الحكم بين الناس ممن يوليه السلطان، أو يحكمه الناس فيما بينهم، يكون في العمل، كالقيام بما يجب بين الزوجات والأولاد من النصفة والمساواة بينهم، ولو سار المسلمون على هدى القرآن .. لكانوا أعدل الأمم، وأقومهم بالقسط وقد كانوا كذلك ردحًا طويلًا من الدهر، حين كانوا مهتدين بهديه، ولكن قد خلف من بعدهم خلف نبذوا تلك الهداية وراء ظهورهم، وسلكوا مسالك اليهود والنصارى، فصارت تضرب بهم الأمثال في ظلم حكامهم وسوء أحوالهم، وكانوا ﴿شُهَدَاءَ﴾ بالحق مخلصين ﴿لِلَّهِ﴾ بأن تتحروا الحق الذي يرضاه ويأمر به، من غير مراعاة أحد ولا محاباته، ﴿وَلَوْ﴾ كانت الشهادة ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ فاشهدوا عليها، بأن تقروا بالحق ولا تكتموه، فإن من أقر على نفسه بحق .. فقد شهد عليها، لأن الشهادة إظهار الحق ﴿أَوِ﴾ كانت الشهادة على ﴿الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ لكم؛ أي: ولو كانت الشهادة على والديكم، أو على أقرب الناس إليكم كأولادكم وإخوانكم، إذ ليس من بر الوالدين ولا من صلة ذوي الرحم أن يعاونوا على ما ليس بحق لهم، بالإعراض عن الشهادة عليهم أوليها والتحريف فيها، بل البر والصلة في الحق والمعروف، والشهادة على الوالدين بأن يشهد عليهما بحق للغير، وكذلك الشهادة على الأقربين، وذكر الأبوين لوجوب برهما، وكونهما أحب الخلق إليه، ثم ذكر الأقربين؛ لأنهم مظنة المودة والتعصب. وليس من شك في أن الحياة قصاص، فالذين يتعاونون على الظلم وهضم حقوق الناس، يتعاون الناس على ظلمهم وهضم حقوقهم، فتكون المحاباة من أسباب فشو الظلم والعدوان والمفاسد التي لا يؤمن شرها، ﴿إِنْ يَكُنْ﴾ المشهود عليه من الوالدين والأقربين وغيرهم وهم الأجانب ﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ وسواء كان المشهود له غنيًّا أو فقيرًا، فلا تمتنعوا من الشهادة عليهما، طلبًا لرضى الغني، أو ترحمًا على الفقير، ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ منكم؛ أي: فإن الله أولى وأحق برعاية مصالحهما، وإصلاح شؤونهما منكم؛ أي: إن يكن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا .. فليشهد عليه، فالله أولى وأقرب بجنس الغني والفقير منكم، وشرعه

стр. 2765

أحق أن يتبع فيهما، فحذار أن تحابوا غنيًّا طمعًا في بره، ولا خوفًا من أذاه وشره، ولا فقيرًا عطفًا عليه، وشفقةً به، فمرضاة كل منهما ليست خيرًا لكم ولا لهما من مرضاة الله، ولستم أعلم بمصلحتهما من ربهما، ولولا أنه يعلم أن العدل وإقامة الشهادة بالحق خير للشاهد والمشهود عليه .. لما شرع ذلك ولا أوجبه. وقرأ عبد الله: ﴿إن يكن غني أو فقير﴾ على أن كان تامة، وفي قراءة أبي: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِم﴾ فالضمير عليها عائد على الأغنياء والفقراء، فالمراد حينئذ بالغني والفقير الجنس، ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ والشهوات إرادة ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ عن الحق وتميلوا عنه، وتجوروا فيه، فهو حينئذ من العدول بمعنى الميل عن الحق، أو المعنى: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، فهو حينئذ من العدل ضد الجور، والمعنى على الأول: فلا تتبعوا الهوى والتشهي لئلا تعدلوا عن الحق إلى الباطل إذ في الهوى الزلل، ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر وأبو عمرو وعاصم والكسائي: بإسكان اللام وبعدها واوان، الأولى مضمومة والثانية ساكنة، من اللي، والمعنى على هذه القراءة: وإن تلفوا ألسنتكم عن الشهادة بالحق إلى الباطل، وتحرفوها عنه بأن شهدتم بالباطل على خلاف ما يعلم من الدعوى، ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ وتمتنعوا عن أداء الشهادة بالكلية، وتنكروها من أصلها، فالعطف مغاير، خلافًا لمن قال بالترادف، فالمراد من اللّيّ هنا: أداء الشهادة على غير وجهها الذي تستحق الشهادة أن تكون عليه. ومن الإعراض: أن لا يقوم بها أصلًا بوجه ما. والحاصل: أن اللفظين يختلفان باختلاف المتعلق، وقيل: إن الليَّ مثل الإعراض في المعنى، قال تعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾؛ أي: أعرضوا. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أي: فإن الله تعالى خبير بأعمالكم، لا يخفى عليه قصدكم، فهو مجازيكم بما تعملون، فيجازي المحسن المقبل بإحسانه، والمسىء المعرض بإساءته. وعبر (١) بالخبير ولم يعبر بالعليم؛ لأن الخبرة: العلم بدقائق الأمور

стр. 2766

وخفاياها، والشهادة يكثر فيها الغش والاحتيال، حتى لقد يغش الإنسان فيها نفسه، ويلتمس المعاذير في كتمان الشهادة أو تحريفها، فليتدبر المسلمون ذلك، و ﴿ليعلموا﴾ بهدي كتابهم، ويقيموا الشهادة، ففي ذلك فلاحهم في دينهم ودنياهم، وقرأ حمزة وابن عامر: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بلام مضمومة وواو واحدة ساكنة من الولاية، والمعنى: وإن وليتم إقامة الشهادة فأديتموها أو تعرضوا عن أدائها .. فإن الله كان بما تعملون خبيرًا. وقيل (١): الخطاب على كلا القراءتين للحاكم، والمعنى على القراءة الأولى: وإن تلووا أيها الحكام؛ أي: تميلوا مع أحد الخصمين دون الآخر، أو تعرضوا عنه بالكلية. وعلى القراءة الثانية: وإن تلوا أيها الحكام أمور المسلمين وتضيعوهم، أو تعرضوا عنهم بالكلية. ١٣٦ - وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب (٢) لكافة المسلمين، وذكر ذلك عقب الأمر بالعدل؛ لأنه لا يكون عدل إلا بعد الاتصاف بالإيمان، فهو من ذكر السبب بعد المسبب، وقوله فيما يأتي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ...﴾ إلخ، بيان للطريق التي تفسد الإيمان، وهي الردة لتجتنب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بما جاء به محمَّد ﷺ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: داوموا على ما أنتم عليه من الإيمان بالله، وازدادوا فيه طمأنينة ويقينًا، ﴿و﴾ آمنوا بـ ﴿رسوله﴾ محمد ﷺ خاتم النبيين، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه ﴿و﴾ آمنوا بـ ﴿الكتاب الذي نزل﴾ الله بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة؛ لأن صيغة التفعيل تفيد التكرير كما قاله الزمشخري، ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ محمَّد ﷺ ، بالعمل بما فيه من الأوامر والنواهي وهو القرآن الكريم ﴿و﴾ آمنوا بـ ﴿الكتاب الذي أنزل من قبل﴾؛ أي: وبجنس الكتب التي أنزل الله تعالى من قبل القرآن على الرسل السالفة من قبل محمَّد ﷺ ، كتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داود وغيرها؛ أي: آمنوا بأنها حقة منزلة من عند الله تعالى، فإنه لم يترك عباده في زمن ما محرومين من البينات والهدى، وقرأ (٣) ابن كثير وأبو

стр. 2767

عمرو وابن عامر: ﴿نزل﴾ و ﴿أنزل﴾ بالضم مبينًا للمفعول، وقرأ الباقون: بالفتح فيهما مبينًا للفاعل. وبعد أن أمر بالإيمان بما ذكر، توعد من كفر بذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ ويجحد ﴿بـ﴾ وجود ﴿اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالي ﴿و﴾ بوجود ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَ﴾ بإنزال ﴿كُتُبِهِ﴾ السماوية، وقرىء: ﴿وكتابه﴾، ﴿و﴾ بإرسال ﴿رُسُلِهِ وَ﴾ بمجيء ﴿الْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مع ما فيه من الحساب والميزان والجزاء والجنة والنار؛ أي: من يكفر بواحد من هذه المذكورات، وهذه كلها أسس الإيمان وأركانه .. ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ وأخطأ عن صراط الحق، الذي ينجي صاحبه في الآخرة من العذاب الأليم، ويمتعه بالنعيم المقيم، ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ بحيث يعسر العود من الضلال إلى سواء الطريق. ومن فرق بين كتب الله ورسله، فآمن ببعض وكفر ببعض كاليهود والنصارى .. فلا يعتد بإيمانه؛ لأنه إما يتبع الهوى، أو يقلد عن جهل وعمى، ذلك أن سر الرسالة هي الهداية، ولم يكن بعض النبيين فيها بأكمل من بعض، فإذا كفر ببعض الكتب أو الرسل .. كان كفره بها دليلًا على أنه لم يؤمن بشيء منها إيمانًا صحيحًا مبنيًّا على فهم حقيقتها والبصر بحكمتها، وكل ذلك من الضلال البعيد عن طرق الهداية. وإنما ذكر (١) الرسول فيما سبق؛ لذكر الكتاب الذي أنزل عليه، وذكر الرسل هنا؛ لذكر الكتب جملة .. فناسبه ذكر الرسل جملة، وتقديم الملائكة على الرسل؛ لأنهم الوسائط بين الله وبين رسله. الإعراب ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾.

стр. 2768

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿فِي النِّسَاءِ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة، ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة، ﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قُلِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿يُفْتِيكُمْ﴾: فعل ومفعول، ﴿فِيهِنَّ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع معطوفة على الضمير المستتر في ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ على كونه فاعلًا لـ ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، وسوغ العطف عليه جريان الجار والمجرور مجرى التأكيد، ﴿يُتْلَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المستتر في ﴿يُتْلَى﴾، ﴿فِي الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُتْلَى﴾، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في ﴿يُتْلَى﴾، ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بما (١) تتعلق به الجار والمجرور قبله، لأن معناهما مختلف، فالأولى ظرف، والثانية بمعنى الباء؛ أي: بسبب اليتامى، كما تقول جئتك في يوم الجمعة في أمر زيد، وقيل: الثانية بدل من الأولى، ويجوز أن تكون الثانية تتعلق بـ ﴿الْكِتَابِ﴾؛ أي: ما كتب في حكم اليتامى، ويجوز أن تكون الأولى ظرفًا والثانية حالًا فتتعلق بمحذوف ذكره أبو البقاء، والإضافة ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ على معنى من أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، ﴿اللَّاتِي﴾: صفة لليتامى، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تُؤْتُونَهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير المفعول، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لآتى؛ لأنه بمعنى أعطى، ﴿كُتِبَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، ﴿لَهُنَّ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ على كونه صلة الموصول، عطف جملة مثبتة على جملة منفية؛ أي: لا تؤتونهن واللاتي ترغبون

стр. 2769

أو تنكحونهن، كقولك: جاء الذي لا يبخل ويكرم الضيفان، ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر، ﴿تَنْكِحُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف؛ لأن حذف الجار مع أنَّ وأن مطرد، تقديره: وترغبون في نكاحهن، والجار المحذوف متعلق بـ ﴿تَرْغَبُونَ﴾، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾: معطوف على يتامى النساء، ﴿مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، ﴿وَأَنْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، ﴿لِلْيَتَامَى﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُومُوا﴾، ﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾، تقديره: وما يتلى عليكم في قيامكم لليتامى بالقسط، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَا﴾: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدم، ﴿تَفْعَلُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿مَا﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المحذوف، ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَا﴾ الشرطية، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمًا﴾، ﴿عَلِيمًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾. ﴿وَإِنِ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِنِ﴾: حرف شرط، ﴿امْرَأَةٌ﴾: فاعل بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده، تقديره: وإن خافت امرأة خافت من بعلها نشوزًا، ﴿خَافَتْ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إِنِ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿امْرَأَةٌ﴾: فاعل، ﴿خَافَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿امْرَأَةٌ﴾، والجملة مفسرة للمحذوف لا محل لها من الإعراب، ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَافَتْ﴾، ﴿نُشُوزًا﴾: مفعول به، ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾: معطوف عليه. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.

стр. 2770

﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنِ﴾ الشرطية، ﴿لا﴾: نافية، ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿عَلَيْهِمَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، تقديره: فلا جناح كائن عليهما، وجملة ﴿لا﴾: في محل الجزم بـ ﴿إِنِ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنِ﴾ الشرطية: مستأنفة، ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾: ناصب وفعل وفاعل، ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿صُلْحًا﴾؛ لأنه نعت نكرة قدمت عليها، ﴿صُلْحًا﴾: منصوب على المصدرية، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: فلا جناح عليهما في صلحهما بينهما، والجار المحذوف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿لا﴾، ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة معترضة، لاعتراضها بين جملتي الشرط، كالتي بعدها، ﴿وَأُحْضِرَتِ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿الْأَنْفُسُ﴾: نائب فاعل، وهو المفعول الأول لـ ﴿أُحْضِرَ﴾، ﴿الشُّحَّ﴾: مفعول ثان، والجملة مستأنفة، ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿إِنِ﴾ الشرطية على كونه فعل لها، ﴿وَتَتَّقُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف عليه، ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾، ﴿خَبِيرًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجزم جواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾. ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾: فعل وفاعل وناصب، والجملة مستأنفة، ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾: فعل وفاعل وناصب، ﴿بَيْنَ النِّسَاءِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تعدلوا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: ولن تستطيعوا العدل بين النساء، ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: اعتراضية، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿حَرَصْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة
следующие страницы →