وخفاياها، والشهادة يكثر فيها الغش والاحتيال، حتى لقد يغش الإنسان فيها نفسه، ويلتمس المعاذير في كتمان الشهادة أو تحريفها، فليتدبر المسلمون ذلك، و ﴿ليعلموا﴾ بهدي كتابهم، ويقيموا الشهادة، ففي ذلك فلاحهم في دينهم ودنياهم، وقرأ حمزة وابن عامر: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بلام مضمومة وواو واحدة ساكنة من الولاية، والمعنى: وإن وليتم إقامة الشهادة فأديتموها أو تعرضوا عن أدائها .. فإن الله كان بما تعملون خبيرًا.
وقيل (١): الخطاب على كلا القراءتين للحاكم، والمعنى على القراءة الأولى: وإن تلووا أيها الحكام؛ أي: تميلوا مع أحد الخصمين دون الآخر، أو تعرضوا عنه بالكلية. وعلى القراءة الثانية: وإن تلوا أيها الحكام أمور المسلمين وتضيعوهم، أو تعرضوا عنهم بالكلية.
١٣٦ - وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب (٢) لكافة المسلمين، وذكر ذلك عقب الأمر بالعدل؛ لأنه لا يكون عدل إلا بعد الاتصاف بالإيمان، فهو من ذكر السبب بعد المسبب، وقوله فيما يأتي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ...﴾ إلخ، بيان للطريق التي تفسد الإيمان، وهي الردة لتجتنب، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا وصدقوا بما جاء به محمَّد ﷺ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: داوموا على ما أنتم عليه من الإيمان بالله، وازدادوا فيه طمأنينة ويقينًا، ﴿و﴾ آمنوا بـ ﴿رسوله﴾ محمد ﷺ خاتم النبيين، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه ﴿و﴾ آمنوا بـ ﴿الكتاب الذي نزل﴾ الله بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة؛ لأن صيغة التفعيل تفيد التكرير كما قاله الزمشخري، ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ محمَّد ﷺ ، بالعمل بما فيه من الأوامر والنواهي وهو القرآن الكريم ﴿و﴾ آمنوا بـ ﴿الكتاب الذي أنزل من قبل﴾؛ أي: وبجنس الكتب التي أنزل الله تعالى من قبل القرآن على الرسل السالفة من قبل محمَّد ﷺ ، كتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داود وغيرها؛ أي: آمنوا بأنها حقة منزلة من عند الله تعالى، فإنه لم يترك عباده في زمن ما محرومين من البينات والهدى، وقرأ (٣) ابن كثير وأبو
стр. 2767
عمرو وابن عامر: ﴿نزل﴾ و ﴿أنزل﴾ بالضم مبينًا للمفعول، وقرأ الباقون: بالفتح فيهما مبينًا للفاعل.
وبعد أن أمر بالإيمان بما ذكر، توعد من كفر بذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ ويجحد ﴿بـ﴾ وجود ﴿اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالي ﴿و﴾ بوجود ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَ﴾ بإنزال ﴿كُتُبِهِ﴾ السماوية، وقرىء: ﴿وكتابه﴾، ﴿و﴾ بإرسال ﴿رُسُلِهِ وَ﴾ بمجيء ﴿الْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مع ما فيه من الحساب والميزان والجزاء والجنة والنار؛ أي: من يكفر بواحد من هذه المذكورات، وهذه كلها أسس الإيمان وأركانه .. ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ وأخطأ عن صراط الحق، الذي ينجي صاحبه في الآخرة من العذاب الأليم، ويمتعه بالنعيم المقيم، ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ بحيث يعسر العود من الضلال إلى سواء الطريق.
ومن فرق بين كتب الله ورسله، فآمن ببعض وكفر ببعض كاليهود والنصارى .. فلا يعتد بإيمانه؛ لأنه إما يتبع الهوى، أو يقلد عن جهل وعمى، ذلك أن سر الرسالة هي الهداية، ولم يكن بعض النبيين فيها بأكمل من بعض، فإذا كفر ببعض الكتب أو الرسل .. كان كفره بها دليلًا على أنه لم يؤمن بشيء منها إيمانًا صحيحًا مبنيًّا على فهم حقيقتها والبصر بحكمتها، وكل ذلك من الضلال البعيد عن طرق الهداية.
وإنما ذكر (١) الرسول فيما سبق؛ لذكر الكتاب الذي أنزل عليه، وذكر الرسل هنا؛ لذكر الكتب جملة .. فناسبه ذكر الرسل جملة، وتقديم الملائكة على الرسل؛ لأنهم الوسائط بين الله وبين رسله.
الإعراب
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾.
стр. 2768
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿فِي النِّسَاءِ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة، ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة، ﴿اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قُلِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿يُفْتِيكُمْ﴾: فعل ومفعول، ﴿فِيهِنَّ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع معطوفة على الضمير المستتر في ﴿يُفْتِيكُمْ﴾ على كونه فاعلًا لـ ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، وسوغ العطف عليه جريان الجار والمجرور مجرى التأكيد، ﴿يُتْلَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المستتر في ﴿يُتْلَى﴾، ﴿فِي الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُتْلَى﴾، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في ﴿يُتْلَى﴾، ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بما (١) تتعلق به الجار والمجرور قبله، لأن معناهما مختلف، فالأولى ظرف، والثانية بمعنى الباء؛ أي: بسبب اليتامى، كما تقول جئتك في يوم الجمعة في أمر زيد، وقيل: الثانية بدل من الأولى، ويجوز أن تكون الثانية تتعلق بـ ﴿الْكِتَابِ﴾؛ أي: ما كتب في حكم اليتامى، ويجوز أن تكون الأولى ظرفًا والثانية حالًا فتتعلق بمحذوف ذكره أبو البقاء، والإضافة ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ على معنى من أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، ﴿اللَّاتِي﴾: صفة لليتامى، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تُؤْتُونَهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير المفعول، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لآتى؛ لأنه بمعنى أعطى، ﴿كُتِبَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، ﴿لَهُنَّ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ على كونه صلة الموصول، عطف جملة مثبتة على جملة منفية؛ أي: لا تؤتونهن واللاتي ترغبون
стр. 2769
أو تنكحونهن، كقولك: جاء الذي لا يبخل ويكرم الضيفان، ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر، ﴿تَنْكِحُوهُنَّ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف؛ لأن حذف الجار مع أنَّ وأن مطرد، تقديره: وترغبون في نكاحهن، والجار المحذوف متعلق بـ ﴿تَرْغَبُونَ﴾، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾: معطوف على يتامى النساء، ﴿مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، ﴿وَأَنْ﴾ الواو: عاطفة، ﴿أَنْ تَقُومُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، ﴿لِلْيَتَامَى﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُومُوا﴾، ﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾، تقديره: وما يتلى عليكم في قيامكم لليتامى بالقسط، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَا﴾: اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدم، ﴿تَفْعَلُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿مَا﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المحذوف، ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَا﴾ الشرطية، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمًا﴾، ﴿عَلِيمًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَا﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطية: مستأنفة.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾.
﴿وَإِنِ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِنِ﴾: حرف شرط، ﴿امْرَأَةٌ﴾: فاعل بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده، تقديره: وإن خافت امرأة خافت من بعلها نشوزًا، ﴿خَافَتْ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إِنِ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿امْرَأَةٌ﴾: فاعل، ﴿خَافَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿امْرَأَةٌ﴾، والجملة مفسرة للمحذوف لا محل لها من الإعراب، ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَافَتْ﴾، ﴿نُشُوزًا﴾: مفعول به، ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾: معطوف عليه.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
стр. 2770
﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنِ﴾ الشرطية، ﴿لا﴾: نافية، ﴿جُنَاحَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿عَلَيْهِمَا﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، تقديره: فلا جناح كائن عليهما، وجملة ﴿لا﴾: في محل الجزم بـ ﴿إِنِ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنِ﴾ الشرطية: مستأنفة، ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾: ناصب وفعل وفاعل، ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿صُلْحًا﴾؛ لأنه نعت نكرة قدمت عليها، ﴿صُلْحًا﴾: منصوب على المصدرية، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: فلا جناح عليهما في صلحهما بينهما، والجار المحذوف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿لا﴾، ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة معترضة، لاعتراضها بين جملتي الشرط، كالتي بعدها، ﴿وَأُحْضِرَتِ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿الْأَنْفُسُ﴾: نائب فاعل، وهو المفعول الأول لـ ﴿أُحْضِرَ﴾، ﴿الشُّحَّ﴾: مفعول ثان، والجملة مستأنفة، ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿إِنِ﴾ الشرطية على كونه فعل لها، ﴿وَتَتَّقُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف عليه، ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾، ﴿خَبِيرًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجزم جواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: مستأنفة.
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩)﴾.
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾: فعل وفاعل وناصب، والجملة مستأنفة، ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾: فعل وفاعل وناصب، ﴿بَيْنَ النِّسَاءِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تعدلوا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: ولن تستطيعوا العدل بين النساء، ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: اعتراضية، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿حَرَصْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة
стр. 2771
فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجواب ﴿لو﴾ معلوم مما قبله، تقديره: ولو حرصتم فلن تستطيعوا، وجملة ﴿لو﴾؛ جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه، ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿تَمِيلُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾، ﴿كُلَّ الْمَيْلِ﴾: منصوب على المصدرية؛ لأن ﴿كُلَّ﴾ لها حكم ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى المصدر .. كانت مصدرًا، وإن أضيفت إلى ظرف .. كانت ظرفًا، ذكره أبو البقاء العكبري. ﴿فَتَذَرُوهَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿تَذَرُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، والجملة في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: ولن تستطيعوا العدل بين النساء، فلا يكن منكم ميل كل الميل، فتركها كالمعلقة. ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: جار ومجرور حال من الهاء في ﴿تَذَرُوهَا﴾، وإن شئت قلت: ﴿الكاف﴾: اسم بمعنى مثل في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿تذر﴾؛ لأنها بمعنى ترك، فترك يتعدى إلى مفعولين، ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾: فعل وفاعل وجازم، مجزوم على كونه فعل الشرط، ﴿وَتَتَّقُوا﴾: معطوف عليه، ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿غَفُورًا﴾: خبر أول لها، ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل الجزم جواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: مستأنفة.
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾.
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾: فعل وفاعل، مجزوم على كونه فعل الشرط، ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾: فعل وفاعل ومفعول، مجزوم على كونه جواب الشرط، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُغْنِ﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿وَاسِعًا﴾: خبر أول لها، ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان
стр. 2772
لها، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة معللة لمضمون الجملة التي قبلها.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)﴾.
﴿وَلِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة معللة لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ معطوفة على: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿وَصَّيْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة، ﴿أُوتُوا﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان؛ لأن أتى بمعنى أعطى يتعدى لمفعولين، الأول منهما نائب فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أُوتُوا﴾، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾: في محل النصب معطوف على الموصول، ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول وناصب، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم بتقوى الله، ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾ على اسمها. ﴿مَا﴾: موصولة في محل النصب اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوفة على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: معطوفة على جملة القسم أو مستأنفة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾: فعل ناقص واسمها وخبرها، والجملة مستأنفة.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا
стр. 2773
النَّاسُ وَيَأتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾.
﴿وَلِلَّهِ﴾: خبر مقدم، ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف عليه، والجملة الإسمية مستأنفة ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾: فعل وفاعل، ﴿وَكِيلًا﴾: تمييز، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ يَشَأ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾، ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: مستأنفة، ﴿أَيُّهَا﴾: ﴿أَيُّ﴾: منادى نكرة مقصودة، حذف منه حرف النداء و ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿النَّاسُ﴾: صفة لـ ﴿أيُّ﴾ تابع للفظه، وجملة النداء جملة معترضة؛ لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه، ﴿وَيَأتِ﴾: معطوف على ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾، ﴿بِآخَرِينَ﴾: متعلق به، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿عَلَى ذَلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿قَدِيرًا﴾، ﴿قَدِيرًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾.
﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾: مفعول به ومضاف إليه، وجملة ﴿يُرِيدُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم، ﴿ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾، والجملة الإسمية في محل الجزم جواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿سَمِيعًا﴾: خبر أول لها، ﴿بَصِيرًا﴾: خبر ثان لها، والجملة مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ
стр. 2774
وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يَا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أيُّ﴾، وجملة النداء مستأنفة، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿كُونُوا﴾: فعل أمر ناقص، والواو: اسمها، ﴿قَوَّامِينَ﴾: خبرها، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب، ﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلق بـ ﴿قَوَّامِينَ﴾، ﴿شُهَدَاءَ﴾: خبر ثان لـ ﴿كُونُوا﴾، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق به ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر لكان المحذوفة مع اسمها، تقديرها: ولو كانت الشهادة كائنة على أنفسكم، وجواب ﴿لو﴾ محذوف، تقديره: ولو كانت الشهادة على أنفسكم فاشهدوا عليها، وجملة ﴿لو﴾: مستأنفة، ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: معطوفان على ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿يَكُنْ﴾: فعل ناقص مجزوم بـ ﴿إن﴾، واسمها محذوف جوازًا، تقديره: إن يكن المشهود عليه، ﴿غَنِيًّا﴾: خبرها، ﴿أَوْ فَقِيرًا﴾: معطوف عليه، ﴿فَاللَّهُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿أَوْلَى﴾: خبره، ﴿بِهِمَا﴾: متعلق بـ ﴿أَوْلَى﴾، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: مستأنفة.
﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿تَتَّبِعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿الْهَوَى﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾: فعل وفاعل وناصب، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا لأجله، ولكنه على حذف مضاف، تقديره: فلا تتبعوا الهوى كراهية العدل بين الناس. ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾: معطوف عليه، ﴿فَإِنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب بالشرط، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾: وهو
стр. 2775
خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يَا﴾: حرف نداء، ﴿أَيُّ﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿أيُّ﴾، وجملة النداء مستأنفة، ﴿آمَنُوا﴾: فعل ماض وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿آمِنُوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة جواب النداء، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿آمِنُوا﴾، ﴿وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ﴾: معطوفان على لفظ الجلالة، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة للكتاب، ﴿نَزَّلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: والكتاب الذي نزله على رسوله محمَّد ﷺ ، ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾: متعلقان بـ ﴿نَزَّلَ﴾ ﴿وَالْكِتَابِ﴾: معطوف على الجلالة أيضًا، ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿الْكِتَابِ﴾، ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: والكتاب الذي أنزله من قبل، ﴿وَمَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿يَكْفُرْ﴾: فعل شرط مجزوم بها، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ﴾: معطوفات على الجلالة، ﴿الْآخِرِ﴾: صفة لـ ﴿اليوم﴾، ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لاقترانه بـ ﴿قد﴾، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جواب شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿ضَلَالًا﴾: منصوب على المصدرية، ﴿بَعِيدًا﴾: صفة له، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾: من باب استفعل السداسي وبناؤه للطلب، يقال استفتى
стр. 2776
يستفتي استفتاء، والاستفتاء طلب الإفتاء، ويقال: أفتاه يفتيه إفتاء وفتوىً وفتيًا، وأفتيت فلانًا في رؤياه عبرتها له، ومعنى الإفتاء: إظهار المشكل على السائل، وأصله من الفتى وهو الرجل الشاب الذي قوي وكمل.
فالمعنى كأنه بيان ما أشكل فيثبت ويقوى، والاستفتاء ليس في ذوات النساء، وإنما هو عن شيء من أحكامهن، ولم يبين، فهو مجمل، ومعنى ﴿يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ يبين لكم حال ما سألتم عنه، وحكمه ذكره أبو حيان في "البحر"، وفي "المصباح" (١): والفتوى بالواو وفتح الفاء وبالياء فتضم، وهي اسم من أفتى العالم إذا بين الحكم، واستفتيته سألته أن يفتي، والجمع الفتاوى بكسر الواو على الأصل: وقيل يجوز الفتح للتخفيف.
﴿وَأَنْ تَقُومُوا﴾؛ أي: تعنوا عناية خاصة، ﴿بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل، ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾؛ أي: توقعت ما تكره بوقوع بعض أسبابه، أو ظهور بعض أماراته، قيل: الخوف هنا على بابه، وهو حالة تحدث في القلب عند حدوث أمر مكروه، أو عند ظن حدوثه، وقيل: المراد بالخوف هنا العلم، ﴿نُشُوزًا﴾؛ أي؛ ترفعًا وتكبرًا، قال ابن فارس: يقال نشزت المرأة: استعصت على بعلها، ونشز بعلها إذا ضربها وجفاها، ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾؛ أي: ميلًا وانحرافًا، قال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز: التباعد، والإعراض: أن لا يكلمها ولا يأنس بها.
﴿الشُّحَّ﴾ قال ابن فارس (٢): الشح البخل مع الحرص، ويقال: تشاح الرجلان في الأمر لا يريدان أن يفوتهما، وهو بضم الشين وكسرها، وقال ابن عطية: الشح الضبط على المعتقدات والإرادة، ففي الهمم والأموال، ونحو ذلك مما أفرط فيه، وفيه بعض المذمة، وما صار إلى حيز الحقوق الشرعية وما تقتضيه المروءة فهو البخل، وهو رذيلة، لكنها قد تكون في المؤمن، ومنه الحديث: قيل: يا رسول الله أيكون المؤمن بخيلًا؟ قال: "نعم"، وأما الشح ففي كل أحد، ويدل عليه: ﴿وَأُحْضِرَتِ
стр. 2777
الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، ومن يوق نفسه أثبت لكل نفس شحًّا، وقول النبي ﷺ : "أن تصدق وأنت صحيح شحيح"، ولم يرد به واحدًا بعينه، وليس يحمد أن يقال هنا: أن تصدق وأنت صحيح بخيل، ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾، وفي "المصباح" حرص عليه حرصًا - من باب ضرب - إذا اجتهد، والاسم الحرص بالكسر، وحرص على الدنيا من باب ضرب أيضًا، وحرص حرصًا - من باب تعب لغة - إذا رغبت رغبة مذمومة، ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ تذر هي من الأفعال التي ليس لها التصرف التام، بل لها المضارع والأمر، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ﴾ فليس لها ماض، ولا اسم فاعل ولا مفعول، وهو بمعنى الترك، المعلقة: هي التي ليست مطلقة ولا ذات بعل، ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ جمع قوام صيغة مبالغة؛ أي: ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم مثلًا، وفي "المصباح" قسط قسطًا - من باب ضرب - وقسوطًا: جارَ، وعدلَ أيضًا، فهو من الأضداد، قاله ابن القطاع، وأقسط بالألف عدل، والاسم القسط بالكسر. اهـ. ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ جمع شهيد، أو شاهد على غير قياس.
﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ بواوين (١)، أصله تلويون بوزن تضربون، نقلت ضمة الياء إلى ما قبلها وهو الواو بعد سلب حركتها، فسكنت الياء ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وحذفت نون الرفع للجازم؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وهذه الياء التي حذفت هي لام الكلمة، فصار ﴿تَلْوُوا﴾ بوزن تفعوا، وعلى القراءة الثانية: ﴿تلوا﴾ فعل به ما تقدم ثم نقلت ضمة هذه الواو التي هي عين الكلمة إلى الساكن قبلها، وهو اللام التي هي فاء الكلمة، فسكنت الواو ثم حذفت، فصار ﴿تلوا﴾ بوزن تفوا، إلا أن فيه حينئذ إجحافًا بالكلمة إذ لم يبق منها إلا فاءها.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبديع فنونًا (٢):
منها: التجنيس المغاير في قوله: ﴿أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، وفي قوله:
стр. 2778
﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، وفي قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا﴾.
ومنها: التجنيس المماثل في قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ و ﴿يُفْتِيكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿صُلْحًا﴾ و ﴿وَالصُّلْحُ﴾.
ومنها: التكرار في لفظ ﴿النِّسَاءِ﴾، وفي لفظ ﴿يَتَامَى﴾ و ﴿الْيَتَامَى﴾، و ﴿رَسُولِهِ﴾، ولفظ ﴿الْكِتَابِ﴾.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَالْمُعَلَّقَةِ﴾.
ومنها: اللفظ المحتمل للضدين في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿نُشُوزًا﴾، وفي قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾، لأن الشح لما كان غير مفارق للأنفس ولا متباعد عنها .. كان كأنه أحضرها، وحمل على ملازمتها، فاستعار الإحضار للملازمة، وفي قوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا﴾، وفي قوله: ﴿قَوَّامِينَ﴾ وفي قوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾، وهذه كلها للأجسام استعيرت للمعاني.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ خص العمل.
ومنها: الحذف في مواضع.
ومنها: الطباق بين ﴿غَنِيًّا﴾ و ﴿فَقِيرًا﴾.
ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿آمِنُوا﴾ و ﴿آمَنُوا﴾ لتغيير الشكل.
والله أعلم
* * *
стр. 2779
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما أمر الله أولًا بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين، ثم عمم الأمر بالقسط بين الناس، الذي أساسه الإيمان الصادق .. ذكر في هذه الآيات حال قوم من أهل الضلال البعيد، آمنوا في الظاهر نفاقًا، وكان الكفر قد استحوذ على قلوبهم، ولم يجعل فيها مكانًا للاستعداد للفهم، ومن ثم لم يمنعهم ذلك من الرجوع إلى الكفر مرة بعد أخرى، إذ هم لم يفقهوا حقيقة الإيمان، ولا ذاقوا حلاوته، ولا أشربت قلوبهم حبه، ولا عرفوا فضائله ومناقبه، ثم أوعد بعدئذٍ المنافقين بالعذاب الأليم، وذكر أنهم أنصار الكافرين
стр. 2780
على المؤمنين، فلا ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا منهم أولياء، ولا أن يبتغوا عندهم جاهًا ولا منزلة.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذم المنافقين بأنهم مذبذبون، لا يستقر لهم قرار، فهم تارة مع المؤمنين، وأخرى مع الكافرين .. حذر المؤمنين أن يفعلوا فعلهم، وأن يوالي بعض ضعفائهم الكافرين دون المؤمنين، يبتغون عندهم العزة، ويرجون منهم المنفعة، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة، إذ كتب إلى كفار قريش يخبرهم بما عزم عليه النبي ﷺ في شأنهم؛ لأنه كان له عندهم أهل ومال.
التفسير وأوجه القراءة
١٣٧ - قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل نزلت هذه الآية في اليهود، وهو قول قتادة، وأختاره الطبري، والمعنى: إنَّ الذين آمنوا بموسى، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعبادة العجل، ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بعد رجوع موسى إليهم من المناجاة، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعيسى، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمد ﷺ ، وقيل نزلت في المنافقين، آمنوا بألسنتهم ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا وثم ماتوا على الكفر، ويؤيد هذا القول قوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾، قال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل منافق كان في عهد النبي ﷺ في البر والبحر، وقال ابن كثير: يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد إلى الإيمان، ثم رجع واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات على الكفر، فإنه لا توبة له بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرجًا ولا طريقًا إلى الهدى ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أي: ليسامح لهم ولا ليعفو عنهم، ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا إلى الجنة، وذلك لأن من تكرر منه الإيمان مرات كثيرة يدل على أنه لا وقع للإيمان في قلبه، ومن كان كذلك لا يكون مؤمنًا بالله إيمانًا كاملًا صحيحًا، لأن يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر، ويثبتوا قلوبهم على الإيمان؛ لأن قلوبهم قد تعودت الكفر، وتمرنت على الردة، وكان الإيمان عندهم أهون شيء وأدونه، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم
стр. 2781
يقبل منهم ولم يغفر لهم.
والمعنى: أنَّ هؤلاء قد استبان من ذبذبتهم واضطراب أحوالهم من إيمان إلى كفر ثم من كفر إلى إيمان وهكذا، إنهم قد فقدوا الاستعداد لفهم حقيقة الإيمان، وفقه مزاياه وفضائله، ومثلهم لا يرجى لهم بحسب سنن الله في خليقته أن يهتدوا إلى الخير، ولا أن يسترشدوا إلى نافع، ولا أن يسلكوا سبيل الله، فجدير بهم أن يمنع الله عنهم رحمته، ورضوانه ومغفرته وإحسانه؛ لأن أرواحهم قد دنست، وقلوبهم قد عميت، فلم تكن محلًا للمغفرة، ولا للرجاء في ثواب، والله أرحم الراحمين واسع المغفرة، لم يكن ليحرم أحدًا المغفرة والهداية بمحض الخلق والمشيئة وإنما مشيئته مقترنة بحكمته، وقد جرت سنة الله وحكمته الأزلية بأن يكون كسب البشر لعلومهم وأعمالهم مؤثرًا في نفوسهم، فمن طال عليه أمد التقليد .. حجب عن عقله نور الدليل، ومن طال عليه عهد الفسوق والعصيان .. حرم من أسباب الغفران التي ذكرها الله في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ ولا شك أن المغفرة وهي محو أثر الذنب من العبد إنما تكون بتأثير التوبة والعمل الصالح، الذي يزيل ما علق في النفس من تلك الآثام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
١٣٨ - ﴿بَشِّرِ﴾؛ أي: أخبر يا محمَّد ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾، وأنذرهم ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: مؤلمًا، البشارة لا تستعمل غالبًا إلا في سارِّ الأخبار، إذ هي مأخوذة من انبساط بشرة الوجه، فاستعمالها في الأخبار السيئة يكون من باب التهكم والتوبيخ؛ أي: بشر المنافقين بالعذاب المؤلم، الذي لا يقدر قدره ولا يحيط بكنهه إلا علام الغيوب،
١٣٩ - ثم بين بعض صفاتهم التي تستوجب لهم الذم فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: هؤلاء المنافقون هم الذين يتخذون ويجعلون الكافرين المجاهرين بالكفر المعادين للمؤمنين أولياء وأنصارًا لأنفسهم ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يَتَّخِذُونَ﴾؛ أي: يتخذون الكفرة أنصارًا حالة كونهم متجاوزين في اتخاذهم اتخاذ المؤمنين؛ أي: قاصرين في الموالاة والمناصرة على الكافرين، معرضين عن موالاة المؤمنين، وتاركين لها، ويمالؤون
стр. 2782
الكافرين عليهم، اعتقادًا منهم أن أمر محمَّد لا يتم، وأن الدولة والغلبة للكافرين، وأن العزة لهم، ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾؛ أي: أيطلبون بموالاة الكفار الغلبة والقوة عندهم، والاستفهام إنكاري؛ أي: لا عزة للكفار، فكيف تبتغي عندهم العزة، ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ﴾ والغلبة والقوة كائنة هي ﴿لِلَّهِ﴾ ، حالة كونها ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: في الدنيا والآخرة، يؤتيها من يشاء، فعليهم أن يطلبوها من الله تعالى بصادق إيمانهم، واتباعهم هدايته التي أرشد إليها أنبياءه، وبينوا لهم أسبابها، وقد آتاها المؤمنين حينما اهتدوا بكتابه، وساروا على سننه، ونهجوا نهجه، فلما أعرضوا عن هذه الهداية التي اعتز بها أسلافهم .. ذلوا وخضعوا لأعدائهم، وصار منهم منافقون، يوالون الكافرين، يبتغون عندهم عزة وشرفًا، وما هم لها بمدركين، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله تعالى.
وبعدئذ نهى المؤمنين أن يجلسوا مع من ينتقص الدين، ويزدري بأحكامه فقال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ الله ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين ﴿فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: في القرآن في سورة الأنعام في مكة ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾؛ أي: أنزل عليكم أنه إذا سمعتم آيات الله مكفورًا بها ومستهزأ بها؛ أي: سمعتم القرآن يكفر به الكافرون، ويستهزىء به المستهزؤون .. ﴿فَلَا تَقْعُدُوا﴾؛ أي: فلا تجلسوا ﴿مَعَهُمْ﴾؛ أي: مع الكافرين الذين يستهزؤون، ويسخرون بالقرآن ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾؛ أي: حتى يشرعوا ويشتغلوا بحديث في غير القرآن، ويتركوا الخوض فيه ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿إِذًا﴾؛ أي: إذا قعدتم معهم، واستمعتم حديثهم في استهزاء القرآن ﴿مِثْلُهُمْ﴾؛ أي: مثل الكافرين في الاستهزاء والكفر به؛ أي: تكونون شركاء لهم في الكفر، لأنكم رضيتم به، ووافقتموهم عليه. قال البيضاوي: إذا هنا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر، ولذلك لم يذكر بعدها الفعل، وإفراد ﴿مِثْلُهُمْ﴾ لأنه كالمصدر، أو للاستغناء بالإضافة إلى الجمع انتهى. وهذه الجملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي غير داخلة تحت التنزيل. وقرىء شاذًا: ﴿مِثْلُهُمْ﴾ بالفتح، وهو مبني لإضافته إلى المبهم، كما بني في قوله: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾، ويذكر في موضعه إن شاء الله
стр. 2783
تعالى، وقيل نصب على الظرف كما قيل في بيت الفرزدق:
وإِذْ مَا مِثْلُهُمْ بَشَرُ
أي: إنكم في مثل حالهم، ذكره أبو البقاء، والمعنى: إنكم مشاركون لهم في الإثم قال بعضهم:
وَسَمْعَكَ صُنْ عَنْ سَمَاعِ الْقَبِيْحِ ... كَصَوْنِ اللِّسَانِ عَنِ النُّطْقِ بِهْ
فَإِنَّكَ عِنْدَ سَمَاعِ الْقَبِيْحِ ... شَرِيْكٌ لِقَائِلِهِ فَانْتَبِهْ
والمراد بالذي نزله في الكتاب هو قوله تعالى في سورة الأنعام المكية: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، وقد كان بعض المسلمين يجلسون مع المشركين، وهم يخوضون في الكفر، وذم الإِسلام والاستهزاء بالقرآن، ولا يستطيعون الإنكار عليهم، لضعفهم وقوة المشركين، فأمروا بالإعراض عنهم وعدم الجلوس معهم في هذه الحال.
ثم إن يهود المدينة كانوا يفعلون فعل مشركي مكة، وكان المنافقون يجلسون معهم، ويستمعون إليهم، فنهى الله المؤمنين عن ذلك.
والخلاصة: أنكم إذا سمعتم الكلام الذي يتضمن جعل الآيات في موضع السخرية والاحتقار .. فابتعدوا عنهم، ولا ترجعوا إليهم حتى يعودوا إلى حديث آخر.
وفي الآية (١) دليل على وجوب اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقيص والاستهزاء للأدلة الشرعية والأحكام الدينية، كما يقع ذلك كثيرًا من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء العلماء بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا كذا، وقال فلان من أتباعه بكذا، وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية أو بحديث نبوي .. سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأسًا، ولا بالوا به بالة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع وخطب شنيع، وخالف
стр. 2784
مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع، بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه الفائل واجتهاده الذي هو عن المنهج مائل مقدمًا على كتاب الله وسنة رسوله، فهذه مصيبة يا لها مصيبة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفي الآية (١) إيماء إلى أن من يقر المنكر ويسكت عليه يقع في الإثم، وإلى أن إنكار الشيء يمنع من انتشاره بين الناس، وقد وقع في هذا المنكر كثير من المسلمين، فإنهم يرون الملحدين في البلاد يخوضون في آيات الله ويستهزؤون بالدين، وهم يسكتون عن ذلك، ولا يبدون إنكارًا ولا اشمئزازًا ولا صدًّا ولا إعراضًا.
قال بعض أهل العلم (٢): هذه الآية تدل على أن من رضي بالكفر .. فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه، وخالط أهله، وإن لم يباشر .. كان في الإثم بمنزلة المباشر، أما إذا كان ساخطًا لقولهم وفعلهم، وإنما جلس على سبيل التقية والخوف، فالأمر ليس كذلك، فالمنافقون الذين كانوا يجالسون اليهود ويطعنون في الرسول والقرآن مع اليهود هم كافرون مثل أولئك اليهود، أما المسلمون الذين كانوا بمكة يجالسون الكفار الذين كانوا يطعنون في القرآن. . فإنهم باقون على الإيمان؛ لأنهم إنما يجالسون الكفار للضرورة والتقية منهم، وأما المنافقون في المدينة فلا ضرورة لهم إلى الجلوس مع اليهود.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ﴾؛ أي: منافقي أهل المدينة، عبد الله بن أبي وأصحابه وغيرهم، ﴿وَالْكَافِرِينَ﴾؛ أي: كفار أهل مكة أبي جهل وأصحابه، وكفار أهل المدينة كعب بن الأشرف وغيرهم، ﴿فِي﴾ نار ﴿جَهَنَّمَ﴾ وقعرها حالة كونهم ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين فيها؛ أي: فكما أنهم اجتمعوا في الدنيا على الاستهزاء بآيات الله تعالى .. فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة، ولا يخفى ما في هذا من الوعيد للكفار والمنافقين، وهذه الجملة (٣)
стр. 2785
تعليل لكونهم مثلهم في الكفر، ببيان ما يستلزمه من شركتهم لهم في العذاب.
١٤٠ - وقرأ الجمهور (١): ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ مشددًا مبنيا للمفعول، وقرأ عاصم: ﴿نَزَّلَ﴾ مشددًا مبنيًّا للفاعل، وقرأ أبو حيوة وحميد: ﴿نزَل﴾ مخففًا مبنيًّا للفاعل، وقرأ النخعي: ﴿أنزل﴾ بالهمزة مبنيًّا للمفعول، ومحل ﴿أَنْ﴾ رفع أو نصب، على حسب العامل فنصب على قراءة عاصم، ورفع على الفاعل على قراءة أبي حيوة وحميد، وعلى المفعول الذي لم يسم فاعله على قراءة الباقين، وهي مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن.
١٤١ - ثم بين بعض أحوال المنافقين فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ بدل من: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾ أو صفة للمنافقين والكافرين؛ أي: الذين ينتظرون ما يحدث بكم من خير أو شر؛ أي: إن هؤلاء المنافقين ينتظرون أمرهم وما يحدث لكم من كسر أو نصر وشر أو خير، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿فَتْحٌ﴾ ونصر ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ تعالى على الكافرين وظفر وغنيمة ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المنافقون للمؤمنين: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أيها المؤمنون في الدين والجهاد، والاستفهام فيه وفيما بعده تقريري؛ أي؛ لتقرير ما بعد النفي على حد: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾؛ أي: كنا معكم واستحوذنا عليكم ومنعناكم، فأعطونا من الغنيمة؛ أي: فإن نصركم الله وفتح عليكم .. ادعوا أنهم كانوا معكم، فيستحقون مشاركتكم في النعمة وإعطاءهم من الغنيمة، وإنما سمى (٢) ظفر المسلمين فتحًا، وظفر الكافرين نصيبًا تعظيمًا لشأن المسلمين، وتحقيرًا لحظ الكافرين لتضمن الأول نصرة دين الله وإعلاء كلمته، ولهذا أضاف الفتح إليه تعالى، وحظ الكافرين في ظفر دنيوي سريع الزوال ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظ من الظفر عليكم ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المنافقون للكافرين: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ألم نغلب عليكم، ونتمكن من قتلكم وأسركم، وأبقينا عليكم ورحمناكم، فرجعتم سالمين غانمين ﴿و﴾ ألم ﴿نمنعكم من المؤمنين﴾؛ أي: ألم نحمكم ونمنع المؤمنين من قتلكم وأسركم وظفرهم عليكم بتخذيلهم
стр. 2786
والتواني في الحرب معهم، وإلقاء الكلام الذي تضعف به عزائمهم عن قتالكم، ومراسلتنا إياكم بأخبارهم وأسرارهم، وإلا لكنتم نهبة للنوائب، فاعرفوا لنا هذا الفضل، وهاتوا لنا نصيبًا مما أصبتم. وقرأ أبي: ﴿ومنعناكم من المؤمنين﴾ وهذا معطوف على معنى مقدر، لأن المعنى: أما استحوذنا عليكم ومنعناكم، كقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا﴾ إذا المعنى: أما شرحنا لك صدرك ووضعنا عنك، والجمهور على جزم ﴿ونمنع﴾ عطفًا على ما قبله، وقرأ ابن أبي: بنصب العين وهي ظاهرة، فإنه على إضمار أن بعد الواو المعية الواقعة في جواب الاستفهام، وقيل المعنى: إن (١) أولئك الكفار قد هموا بالدخول في الإِسلام، والمنافقون حذروهم عن ذلك، وأطمعوهم أنه سيضعف أمر محمَّد، وسيقوى أمركم، فإذا اتفقت لهم صولة على المسلمين .. قال المنافقون للكفار: ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإِسلام ومنعناكم منه، وقلنا لكم سيضعف أمر محمَّد، ويقوى أمركم، فلما شاهدتم صدق قولنا .. فادفعوا إلينا نصيبًا مما أصبتم وغنمتم منهم.
والسر (٢) في التعبير عن ظفر المؤمنين بالفتح، وأنه من الله، وعن ظفر الكافرين بالنصيب، كما مر الإيماء إلى أن العاقبة للحق دائمًا، وأن الباطل ينهزم أمامه، مهما كان له أول أمره من صولة ودولة، وقد يقع أثناء ذلك نصيب من الظفر للباطل، ولكن تنتهي بغلبة الحق عليه كما قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ما دام أهله متبعين لسنة الله، بأخذ الأهبة وإعداد العدة، كما أمر بذلك الكتاب العزيز بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾.
وإنما غلب المسلمون في هذه العصور على أمرهم، وفتح الكافرون بلادهم، التي فتحوها من قبل بقوة إيمانهم؛ لأنهم تركوا أخذ الأهبة وإعداد العدة، وقام أعداؤهم بكل ما تستدعيه الحروب الحاضرة، فأنشؤوا البوارج (٣)
стр. 2787
والمدافع والدبابات المدرعة والغواصات المهلكة والطائرات المنقضة، إلى نحو ذلك من آلات التدمير والهلاك في البر والبحر والجو، ووسائل ذلك من علوم طبيعية أو آلية ميكانيكية أو رياضية.
﴿فَاللَّهُ﴾ ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيها المؤمنون الصادقون، وبين المنافقين الذين يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ حكمًا يليق بشأن كل من الثواب والعقاب، فيثيب أحباءه ويعاقب أعداءه، أما في الدنيا فأنتم وهم سواء في عصمة الأنفس والأموال، كما جاء في الحديث: "فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم".
والحاصل: أن المنافقين (١) يميلون مع من له الغلب والظفر من الطائفتين، ويظهرون لهم أنهم كانوا معهم على الطائفة المغلوبة، وهذا شأن المنافقين أبعدهم الله تعالى، وشأن من حذا حذوهم من أهل الإِسلام، من التظهر لكل طائفة بأنه معها على الأخرى، والميل إلى من معه الحظ من الدنيا في مال أو جاه، فيلقاه بالتملق والتودد والخضوع والذلة ويلقى من لا حظ له من الدنيا بالشدة والغلظة وسوء الخلق ويزدري به، ويكافحه بكل مكروه، فقبح الله أخلاق أهل النفاق وأبعدها، وهذا مما ابتلي به المسلمون كثيرًا في عصرنا هذا، الذي تذهب فيه النحاس، وتنحس فيه الذهب وَعُدَّ العلم فيه جهلًا والجهل علمًا، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾؛ أي: غلبة وسلطة ما داموا مستمسكين بدينهم؛ أي: إن المؤمنين ما داموا مستمسكين بدينهم متبعين لأمره ونهيه، قائمين بعمل ما يستدعيه الدفاع عن بيضة الدين، من أخذ الأهبة وإعداد العدة .. لن يغلبهم الكافرون، ولن يكون لهم عليهم سلطان، وما غُلب المسلمون على أمرهم .. إلا بتركهم هدي كتابهم، وتركهم أوامر دينهم وراءهم ظهريًّا، فذلوا بعد عزة، وأجلب الكفار عليهم بخيلهم ورجلهم، ودخلوا عليهم في عقر دارهم، وامتلكوا بلادهم، واقتسموا أراضيهم، وضربوا عليهم الجزية،
стр. 2788
واستعبدوهم بالأعمال الشاقة، كما استعبدت الفراعنة بني إسرائيل، كما هو مشاهد في شرقي أفريقيا في الشعوب الأرميا وأشباهها.
١٤٢ - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ هذا كلام مستأنف (١)، يتضمن بيان بعض قبائح المنافقين وفضائحهم، ومعنى مخادعتهم لله هي أنهم يفعلون فعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطال الكفر، ومعنى كون الله خادعهم أنه صنع بهم صنع من يخادع من خادعه، وذلك أنه تركهم على ما هم عليه من التظهر بالإِسلام في الدنيا، فعصم به أموالهم ودماءهم، وأخر عقوبتهم إلى الدار الآخرة، فجازاهم على خداعهم بالدرك الأسفل؛ أي: إن المنافقين يخادعون رسول الله، فيظهرون له الإيمان ليدفعوا عنهم أحكام الإِسلام الدنيوية من قتلهم، ويبطنون الكفر، ونسب ذلك إلى الله من جهة أن معاملة الرسول بذلك كمعاملة الله به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ وفي جعل ذلك خداعًا لله تنبيه إلى شيئين: فظاعة فعلهم فيما تحروه من الخديعة، إذ هم بمخادعتهم للرسول إنما يخادعون الله، وعظم شأن المقصود بالخداع وهو الرسول ﷺ ، وأن معاملته بذلك كمعاملة الله به. وسمي المنافق منافقًا أخذًا من: نافقاء اليربوع، وهو جحره، فإنه يجعل له بابين يدخل من أحدهما، ويخرج من الآخر، فكذلك المنافق يدخل مع المؤمنين بقوله: أنا مؤمن، ويدخل مع الكفار بقوله: أنا كافر، وجحر اليربوع يسمى: النافقاء والسامياء والدامياء، فالسامياء: هو الجحر الذي تلد فيه الأنثى، والدامياء: هو الذي يكون فيه الذكر، والنافقاء: هو الذي يكونان فيه "كرخي" اهـ.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿خَادِعُهُمْ﴾؛ أي: مجازيهم على خداعهم، وسمي ذلك مخادعة مشاكلة للفظ الأول، ونظيره: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ وإنما جعل كذلك؛ لأنه قد استعمل في المعاني المذمومة التي تتضمن الكذب، أو تدل على ضعف صاحبها وعجزه غالبًا.
стр. 2789
قلتُ: هذا إذا كان الخداع صفة لمخلوق، والمذهب الأسلم الذي نلقى الله عليه إثبات صفة الخداع لله تعالى؛ لأنه وصف نفسه به، فيجب علينا أن نصفه بما وصف به نفسه، فنقول الخداع صفة ثابتة لله تعالى، لا نكيفه ولا نمثله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي: ﴿خادعهم﴾ بإسكان العين على التخفيف واستثقال الخروج من كسر إلى ضم.
وخلاصة المعنى (١): أنه عبر عن سنة الله عاقبة أمرهم في العاجل والآجل، من حيث إنها جاءت على غير ما يحبون، بلفظ مأخوذ من المخادعة، إذ أنهم بمخادعتهم للرسول والمؤمنين يسيرون في طريق يضلون فيه، وينتهون إلى الخزي والوبال من حيث هم يطلبون السلامة والنجاة، فمخادعتهم لأنفسهم بسوء اختيارهم لها هو مخادعة الله لهم، إذ جرت سنته تعالى فيمن يعمل مثل عملهم أن يلاقي الخزي في الدنيا، والنكال في الآخرة، وهكذا حال المنافقين في كل أمة وملة، يخادعون ويكذبون ويكيدون ويغشون، ويتولون أعداء أمتهم، يبتغون بذلك يدًا عندهم يمتون - يتقربون - بها إليهم، إذا دالت دولتهم، وكتب التاريخ ملأى بأخبار هؤلاء الأشرار، ويكثر عددهم في الأمم في أطوار الضعف وقوة الأعداء، إذ هم طلاب منافع، يلتمسونها من كل فج، ويسلكون لها كل طريق، ولو فيما يضر أمتهم والناس أجمعين.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: خداعه تعالى لهم: أن يعطيهم نورًا يوم القيامة يمشون به مع المسلمين، فإذا وصلوا إلى الصراط .. انطفأ نورهم، وبقوا في ظلمة، ودليله قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قَامُوا﴾ معطوف على خبر إن، أخبر عنهم بهذه الصفات الذميمة؛ أي: وإذا قام المنافقون إلى الصلاة ﴿قَامُوَا﴾ إليها حالة كونهم ﴿كُسَالَى﴾ عنها؛ أي: متكاسلين متباطئين متثاقلين، ليست لديهم رغبة تبعثهم على عمل، ولا نشاط
стр. 2790
يدفعهم على فعل؛ لأنهم لا يرجون ثوابًا في الآخرة، ولا يخشون عقابًا، إذ لا إيمان لهم وإنما يخشون الناس، فإذا كانوا بمعزل عن المؤمنين .. تركوها، وإذا كانوا معهم .. سايروهم بالقيام بها، ومن كانت هذه حاله .. وقع عمله على وجه الكسل والفتور وقرأ الجمهور (١): ﴿كُسَالَى﴾ بضم الكاف، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ الأعرج: ﴿كسالى﴾ بفتح الكاف، وهي لغة تميم وأسد، وقرأ ابن السميقع: ﴿كسلى﴾ على وزن فعلى، وصف بما يوصف به المؤنث المفرد، على مراعاة الجماعة كقراءة: ﴿وترى الناس سكرى﴾، ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ بها؛ أي: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، وأن يراهم المؤمنون مسلمين فيعدوهم منهم، وقرىء (٢): ﴿يرءون﴾ بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو، ونسب الزمخشري هذه القراءة لابن أبي إسحاق، إلا أنه قال: قرأ ﴿يرءونهم﴾ بهمزة مشددة، مثل يرعُّونهم؛ أي: يبصرونهم أعمالهم، ويراؤونهم كذلك.
﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: لا يصلون إلا قليلًا بمرأى من الناس، وإذا لم يكن معهم أحد .. لم يصلوا، وإذا كانوا مع الناس .. راؤوهم وصلوا معهم، ولا يذكرون الله إلا باللسان، وسميت الصلاة ذكرًا لاشتمالها عليه، حالة كونهم
١٤٣ - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: مضطربين مترددين بين كفر السر وإيمان العلانية ﴿لَا﴾ هم منسوبين ﴿إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ المؤمنين لإسرارهم الكفر ﴿وَلَا﴾ هم منسوبين ﴿إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ الكافرين لإظهارهم الإيمان، والمعنى: ذبذبهم وقلقلهم الشيطان والهوى بين الإيمان والكفر، يترددون بينهما متحيرين، لا يخلصون إلى أحد الفريقين؛ لأنهم طلاب منافع، ولا يدرون لمن تكون له العاقبة، فمتى ظهرت الغلبة لأحدهما .. ادعوا أنهم منه، كما بين ذلك فيما سلف، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أي: يخذله ويسلبه التوفيق ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا يوصله إلى الحق؛ أي: ومن قضت سنته أن يكون ضالًا عن الحق، موغلًا في الباطل بما قدم من عمل، وتخلق به من خلق .. فلن تجد له سبيلًا للهداية باجتهادك والمبالغة في إقناعه بالحجة والدليل، فإن سنة الله لا تتبدل ولا تتحول.
стр. 2791
وقرأ ابن عباس وعمرو بن فائد (١): ﴿مذبذبين﴾ بكسر الذال الثانية، جعلاه اسم فاعل؛ أي: مذبذِبين أنفسهم، أو دينهم، أو بمعنى متذبذبين، كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى واحد، وقرأ أبي ﴿متذبذبين﴾ اسم فاعل من تذبذب؛ أي: اضطرب، وكذا في مصحف عبد الله، وقرأ الحسن: ﴿مذبذبين﴾ بفتح الميم والذالين، قال ابن عطية: وهي قراءة مردودة انتهى، والحسن البصري من أفصح الناس، يحتج بكلامه، فلا ينبغي أن ترد قراءته ولها وجه في العربية، وهو أنه أتبع حركة الميم حركة الذال، وقرأ أبو جعفر: ﴿مدبدبين﴾ بالدال غير معجمة، كان المعنى أخذتهم تارة بدبة وتارة في دبة، فليسوا ماضين على دبة واحدة، والدبة الطريقة.
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة". متفق عليه. قوله كمثل الشاة العائرة - بالعين المهملة - ومعناه: المتحيرة المترددة، لا تدري لأي الغنمين تتبع، ومعنى تعير تتردد وتذهب يمينًا وشمالًا مرة إلى هذه ومرة إلى هذه، لا تدري إلى أين تذهب، وهذا مثل المنافق مرة مع المؤمنين ومرة مع الكافرين، أو ظاهره مع المؤمنين وباطنه مع الكافرين.
١٤٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ وبرسوله سرًّا وعلانية ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: المجاهرين بالكفر ﴿أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: أنصارا وأصدقاء ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المخلصين، كما فعل المنافقون، ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ يا معشر المؤمنين المخلصين ﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ باتخاذكم الكفار أولياء من دون المؤمنين ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾؛ أي: حجة واضحة على استحقاقكم العذاب؛ إذا اتخذتموهم أولياء من دون المؤمنين، فإن عملًا كهذا لا يصدر إلا من منافق، والاستفهام فيه للتقريع والتوبيخ، والمراد (٢) بالولاية هنا النصرة بالقول أو بالفعل، بما يكون فيه ضرر
стр. 2792
للمسلمين، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أما استخدام الذميين منهم في الحكومة الإِسلامية فليس بمحظور، والصحابة رضوان الله عليهم استخدموهم في الدواوين الأميرية، وأبو إسحاق الصابي جُعل وزيرًا في الدولة العباسية، والمعنى (١): أتريدون أيها المتخذون الكفار أولياء أن تجعلوا لله عليكم حجة بينة، باتخاذكم الكفار أولياء من دون المؤمنين، فتستوجبوا بذلك النار.
١٤٥ - ثم بيَّن مقر النار مِنَ المنافقين فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾؛ أي: في الطبقة السفلى من النار، وهي الهاوية لغلظ كفرهم وكثرة غوائلهم، وأعلى الدركات جهنم، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. وقد تسمى كلها باسم الطبقة العليا أعاذنا الله من عذابها.
سميت طبقات جهنم دركات لأنها متداركة متتابعة، وقيل الدرك بيت مقفل عليهم، تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم، وقيل: هي توابيت من حديد مقفلة عليهم في النار، وإنما كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم شر أهلها، إذ هم جمعوا بين الكفر والنفاق ومخادعة الرسول والمؤمنين وغشهم، فأرواحهم أسفل الأرواح، ونفوسهم أحط النفوس، ومن ثم كانوا أجدر الناس بالدرك الأسفل منها، أما أكثر الكفار فقد غلب عليهم الجهل بحقيقة التوحيد، فهم مع إيمانهم بالله يشركون به غيره من صنم أو وثن، يتخذونه شفيعًا عنده ووسيطًا بينهم وبينه، وقد قاسوا ذلك على معاملة الملوك المستبدين والأمراء الظالمين.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾؛ أي: ولن تجد يا محمَّد لهؤلاء المنافقين ﴿نَصِيرًا﴾؛ أي: ناصرًا ينصرهم ويمنعهم من عذاب الله إذا نزل بهم، وينقذهم من ذلك العذاب، أو يخففه عنهم، فيرفعهم من الطبقة السفلى إلى ما فوقها.
وقرأ الحرميان (٢): نافع وابن كثير، والعربيان: أبو عمرو وابن عامر: ﴿في
стр. 2793
الدرك﴾ بفتح الراء، وقرأ الأخوان حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب بسكونها، واختلف عن عاصم، وروى الأعمش والبرجمي الفتح، وغيرهما الإسكان، وقال أبو علي: وهما لغتان كالشمْع والشمَع،
١٤٦ - ثم استثنى الله من المنافقين الذين استحقوا الدرك الأسفل من النار فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عن النفاق ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: تمسكوا بدين الله وكتابه، ووثقوا بوعده ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ﴾ وعملهم وعبادتهم ﴿لِلَّهِ﴾ ، وأرادوا به وجه الله تعالى، ولم يريدوا رياء ولا سمعة، فهذه الأمور الأربعة إذا حصلت فقد كمل الإيمان, ولما (١) كان المنافق متصفًا بنقائض هذه الأوصاف من الكفر، وفساد الأعمال، والموالاة للكافرين، والاعتراز بهم، والمراءاة للمؤمنين .. شرط في توبتهم ما يناقض تلك الأوصاف، وهي التوبة من النفاق، وهو الوصف المحتوي على بقية الأوصاف من حيث المعنى، ثم فصل ما أجمل فيها، وهو الإصلاح للعمل المستقبل المقابل لفساد أعمالهم الماضية، ثم الاعتصام بالله في المستقبل، وهو المقابل لموالاة الكافرين والاعتماد عليهم في الماضي، ثم الإخلاص لدين الله، وهو المقابل للرياء الذي كان لهم في الماضي، ثم بعد تحصيل هذه الأوصاف جميعها، أشار إليهم بأنهم مع المؤمنين فقال: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ التائبون الموصوفون بهذه الصفات المذكورة من المنافقين كائنون ﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المخلصين، الذين لم يصدر منهم نفاق أصلًا منذ آمنوا؛ أي: فأولئك مصحبون بالمؤمنين في أحكام الدنيا والآخرة، وفي الدرجات العالية من الجنة؛ لأنهم آمنوا كإيمانهم، وعملوا كعملهم، فيجزون جزاءهم، ولم يحكم عليهم بأنهم المؤمنون ولا من المؤمنين، وإن كانوا قد صاروا مؤمنين، تنفيرًا مما كانوا عليه من عظم كفر النفاق، وتعظيما لحال من كان ملتبسا بها، ومعنى مع المؤمنين رفقاؤهم ومصاحبوهم في الدارين كما مر آنفا.
والخلاصة (٢): أن هذا الجزاء الشديد - الذي أعده الله للمنافقين - لا يكون للذين تابوا من النفاق والكفر، وندموا على ما فرط منهم وأتبعوا ذلك بأمور ثلاثة:
стр. 2794
١ - اجتهادهم في صالح الأعمال التي تغسل أدران النفاق، بأن يلتزموا الصدق في القول والعمل، مع الأمانة والوفاء بالوعد، ويخلصوا النصح لله ورسوله، ويقيموا الصلاة مع الخشوع والخضوع، ومراقبة الله في السر والعلن.
٢ - اعتصامهم باللهِ، بأن يكون غرضهم من التوبة وصلاح العمل مرضاة الله مع التمسك بكتابه، والتخلق بآدابه، والاعتبار بمواعظه، والرجاء في وعده، والخوف من وعيده، والائتمار بأوامره، والانتهاء عن نواهيه، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾.
٣ - إخلاصهم لله بأن يدعوه وحده، ولا يدعوا من دونه أحدًا لكشف ضر، ولا لجلب نفع، بل يكون كل ما يتعلق بالدين والعبادة خالصًا له وحده، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ وكما جاء في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ﴾ ويعطي ﴿الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وثوابا جزيلًا في الآخرة، ودرجات عالية في الجنة، لا يقدر قدره، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.
فائدة: وحذفت (١) الياء من ﴿يُؤْتِ﴾ في الخط مع عدم الجازم كما حذفت في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها، ومثله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ و ﴿سَنَدْعُ اَلزَبَايَةَ (١٨)﴾ و ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ ونحوها، فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين، والقراء يقفون عليه دون ياء اتباعًا للخط الكريم، إلا يعقوب: فإنه يقف بالياء نظرًا إلى الأصل، وروي ذلك عن الكسائي وحمزة.
١٤٧ - ثم بين أن تعذيبهم إنما كان لكفرهم بأنعم الله عليهم فقال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ والاستفهام فيه إنكاري، بمعنى النفي؛ أي: لا يعذبكم إن حصل منكم الشكر والإيمان, والمعنى: أي منفعة له في عذابكم إن
стр. 2795
شكرتم وآمنتم، فإن ذلك لا يزيد في ملكه، كما أن ترك عذابكم لا ينقص من سلطانه، فهل (١) يعذبكم الله لأجل التشفي من الغيظ أم لطلب النفع أم لدفع التفسير، كما هو شأن الملوك، وكل ذلك محال في حقه تعالى، وإنما التعذيب أمر يقتضيه كفركم، فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر انتفى التعذيب، وتقديم الشكر على الإيمان لأن الإنسان إذا نظر في نفسه .. رأى النعمة العظيمة حاصلة في تخليقها وترتيبها، فيشكر شكرًا مجملًا، ثم إذا تيمم النظر في معرفة المنعم .. آمن به، ثم شكر شكرًا مفصلًا، فكان ذلك الشكر المجمل مقدمًا على الإيمان.
والخلاصة: أنه تعالى لا يعذب أحدًا من خلقه انتقامًا منه، ولا طلبًا لنفع،، ولا دفعًا لمضرة؛ لأنه تعالى غني عن كل أحد، منزه عن جلب منفعة له، وعن دفع مضرة عنه، بل ذلك جزاء كفرهم بأنعم الله عليهم، فهو قد أنعم عليهم بالعقل والحواس والجوارح والوجدان، لكنهم استعملوها في غير ما خلقت لأجله من الاهتداء بها, لتكميل نفوسهم بالفضائل والعلوم والمعارف، كما كفروا بخالق هذه القوى، فاتخذوا له شركاء، ولا ينفعهم تسميتهم شفعاء أو وسطاء، حتى فسدت فطرتهم، ودنست أرواحهم، ولو آمنوا وشكروا .. لطهرت أرواحهم، وظهرت آثار ذلك في عقولهم، وسائر أعمالهم التي تصلحهم في معاشهم ومعادهم، واستحقوا بذلك رضوان الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿شَاكِرًا﴾؛ أي: قابلًا لأعمالكم مثيبًا عليها، موفيًّا أجوركم، وأتى (٢) في صفة الشكر باسم الفاعل بلا مبالغة؛ ليدل على أنه يتقبل ولو أقل شيء من العمل وينميه ﴿عَلِيمًا﴾ بشكركم وإيمانكم، فيجازيكم، وفي قوله: ﴿عَلِيمًا﴾ تحذير وندب إلى الإخلاص لله تعالى.
الإعراب
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿آمَنُوا﴾: فعل
стр. 2796
وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿آمَنُوا﴾، ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ الثاني، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾ الأخير، ﴿كُفْرًا﴾: مفعول به لـ ﴿ازْدَادُوا﴾، وإنما عطفنا كلًّا من المعطوفات على ما قبله جريًا على القاعدة: أن المعطوفان إذا كثرت، وكان العطف بمرتب .. يعطف كل على ما قبله، وإن كان العطف بواو .. كان العطف على الأول دائمًا، ذكره الشيخ الحامدي على "شرح الكفراوي".
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.
﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿يَكُنِ﴾: مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وهو من الأفعال الناقصة، ﴿اللَّهُ﴾: اسمها، ﴿لِيَغْفِرَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وجحود، ﴿يغفر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يغفر﴾ ومفعول ﴿يغفر﴾ محذوف، تقديره: كفرهم، وجملة ﴿يغفر﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لم يكن الله لغفرانهم، الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف؛ لوقوعه خبرًا لـ ﴿يكن﴾ تقديره: لم يكن الله مريدًا لغفرانهم، هذا على مذهب البصريين وهو الراجح، وجملة ﴿يَكُنِ﴾ من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: زائدة، زيدت لتأكيد نفي ما قبلها، ﴿اللام﴾ حرف جر وجحود، ﴿يهدي﴾ منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، و ﴿الهاء﴾: ضمير الغائبين في محل النصب مفعول أول، ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول ثان، وجملة ﴿يهدي﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله، والتقدير: لم يكن الله مريدًا لغفرانهم، ولا مريدًا لهدايتهم سبيلًا.
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﷺ ،
стр. 2797
والجملة مستأنفة، ﴿بِأَنَّ﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر، ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم لـ ﴿أنَّ﴾، ﴿عَذَابًا﴾: اسمها مؤخر، ﴿أَلِيمًا﴾: صفة له، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: يكون عذاب أليم لهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿بَشِّرِ﴾.
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾، ﴿يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿يَتَّخِذُونَ﴾، تقديره: يتخذون الكافرين أنصارًا حالة كونهم متجاوزين في اتخاذهم اتخاذ المؤمنين، ﴿أَيَبْتَغُونَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿يبتغون﴾: فعل وفاعل، والجملة جملة استفهامية إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿عِنْدَهُمُ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يبتغون﴾، ﴿الْعِزَّةَ﴾: مفعول به، ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿إن﴾: حرف نصب، ﴿الْعِزَّةَ﴾: اسمها، ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الضمير المستكن في ﴿لِلَّهِ﴾ لاعتماده على المبتدأ، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية المتعلقة بمعلول محذوف، مفهوم من الاستفهام الإنكاري، تقديره: لا ينبغي ابتغاء العزة عند غير الله تعالى، لكون العزة لله جميعًا وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ دخلت ﴿الفاء﴾ لما في الكلام من معنى الشرط، إذ المعنى: إن تبتغوا من هؤلاء عزة اهـ "سمين". وعبارة أبي السعود: وهذه الجملة تعليل لما يفيده الاستفهام الإنكاري من بطلان رأيهم، وخيبة رجائهم، فإن انحصار جميع أفراد العزة في جنابه عز وعلا بحيث لا ينالها إلا أولياؤه الذين كتب لهم العزة والغلبة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ...﴾ يقتضي
стр. 2798
بطلان الاعتزاز بغيره سبحانه جل وعلا، واستحالة الانتفاع به، وقيل: هي جواب شرط محذوف، كأنه قيل: إن تبتغوا عندهم عزة فإن العزة لله جميعًا اهـ.
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾.
﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿نَزَّلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نَزَّلَ﴾، وكذا ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ متعلق بـ ﴿نَزَّلَ﴾، ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، تقديره: أنه، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿سَمِعْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿يُكْفَرُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿بِهَا﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل أصله: يكفر بها أحد، فحذف الفاعل، وأقيم الجار والمجرور مقامه، والجملة في محل النصب حال من ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾، ﴿وَيُسْتَهْزَأُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿بِهَا﴾: نائب فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يُكْفَرُ بِهَا﴾، على كونها حالًا من ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: حالة كونها مكفورًا بها ومستهزءًا بها، ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذَا﴾ وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿تَقْعُدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿مَعَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَقْعُدُوا﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية على قراءة ﴿نَزَّلَ﴾ بالبناء للفاعل، أو مرفوع على النيابة عن الفاعل على قراءة البناء للمفعول، تقديره: على القراءة الأولى: وقد نزل عليكم في الكتاب عدم قعودكم مع الكفار والمنافقين وقت سماعكم آيات الله يكفر بها ويستهزء بها، ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، ﴿يَخُوضُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد
стр. 2799
﴿حَتَّى﴾ الجارة، ﴿فِي حَدِيثٍ﴾: جار ومجرور متعلق به، ﴿غَيْرِهِ﴾: صفة لـ ﴿حَدِيثٍ﴾ علي تأويله بمشتق؛ أي: مغاير إياه، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، بمعنى إلى، تقديره: إلى خوضهم في حديث غيره، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَقْعُدُوا﴾ ﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿الكاف﴾ اسمها، ﴿إِذًا﴾: هاهنا (١) ملغاة، لوقوعها بين الاسم والخبر، ولذلك لم يذكر بعدها الفعل، ﴿مِثْلُهُمْ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ ومضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر مسوقة لتعليل النهي المذكور قبله. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب، ﴿اللَّهَ﴾: اسمها، ﴿جَامِعُ﴾: خبرها، ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾: مضاف إليه، ﴿وَالْكَافِرِينَ﴾: معطوف على ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾، ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَامِعُ﴾، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجر مسوقة لتعليل ما قبلها؛ أي (٢): معللة لكونهم مثلهم في الكفر ببيان ما يستلومه من شركتهم لهم في العذاب.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ﴾، والمعنى: بشر الذين يتربصون بكم، ﴿يَتَرَبَّصُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿بِكُمْ﴾: متعلق به، ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: تفصيلية، ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كان﴾، ﴿فَتْحٌ﴾: اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخر، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿فَتْحٌ﴾؛ أي: فإن كان فتح من الله كائنا لكم، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية جملة مفصلة لجملة الصلة لا محل لها من الإعراب، ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت ﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم، ﴿نَكُنْ﴾: فعل ناقص مجزوم بـ ﴿لم﴾
стр. 2800
واسمها ضمير يعود على ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر ﴿نَكُنْ﴾ تقديره: ألم نكن كائنين معكم، والجملة في محل النصب مقول القول.
﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: جار ومجروو خبر مقدم لـ ﴿كان﴾، ﴿نَصِيبٌ﴾: اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخر، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه جوابا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ التي قبلها. ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾ حرف جزم، ﴿نَسْتَحْوِذْ﴾: فعل مضارع مجزوم لـ ﴿لم﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿وَنَمْنَعْكُمْ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿نَسْتَحْوِذْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلق به، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿الله﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَحْكُمُ﴾ خبره، والجملة الإسمية مستأنفة، ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَحْكُمُ﴾، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: متعلق أيضا بـ ﴿يَحْكُمُ﴾، ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾، ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿يَجْعَلَ﴾، ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلق أيضًا بـ ﴿يَجْعَلَ﴾ أو حال من ﴿سَبِيلًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها فيعرب حالًا ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول به.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول،
стр. 2801
والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يُخَادِعُونَ﴾ أو من مفعوله. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿قَامُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾: متعلقان بـ ﴿قَامُوا﴾ الأولى. ﴿قَامُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿كُسَالَى﴾: حال من فاعل ﴿قَامُوا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل الرفع معطوفة على خبر ﴿إنَّ﴾ أخبر عنهم بهذه الصفات الذميمة، ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿كُسَالَى﴾، أو بدل من ﴿كُسَالَى﴾، كما قاله أبو البقاء، وفيه نظر لأن الثاني ليس كلا للأول ولا بعضه، ولا مشتملًا عليه، أو الجملة مستأنفة، ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُرَاءُونَ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿قَلِيلًا﴾: نعت لمصدر محذوف، تقديره: إلا ذكرًا قليلًا.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
﴿مُذَبْذَبِينَ﴾: حال من فاعل ﴿يُرَاءُونَ﴾، أو منصوب على الذم، ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾، تقديره: حالة كونهم لا منسوبين إلى هؤلاء المؤمنين، ولا منسوبين على هؤلاء الكافرين، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو جملة الجواب، ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فَلَن﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبا، ﴿لن﴾: حرف نصب، ﴿تَجِدَ﴾: منصوب بـ ﴿لن﴾، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على أي مخاطب، ﴿لَهُ﴾: متعلق به، ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول به؛ لأنه
стр. 2802
من وجدان الضالة، فله مفعول واحد لا من وجد بمعنى علم، وجملة ﴿تَجِدَ﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة، ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: ناف وفعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿تَتَّخِذُوا﴾. ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿تريدون﴾: فعل وفاعل، والجملة جملة إنشائية مستأنفة، ﴿أَنْ تَجْعَلُوا﴾ ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: أتريدون جعلكم لله سلطانا مبينا عليكم، ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَجْعَلُوا﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿سُلْطَانًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿سُلْطَانًا﴾: مفعول به، ﴿مُبِينًا﴾ صفة له.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾: اسمها، ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿الْأَسْفَلِ﴾: صفة لـ ﴿الدَّرْكِ﴾، ﴿مِنَ النَّارِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الدَّرْكِ﴾، والعامل فيه معنى الاستقرار في الجار والمجرور لاعتماده على المخبر عنه، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَلَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لن﴾: حرف نفي ونصب، ﴿تَجِدَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لن﴾، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به أو حال من ﴿نَصِيرًا﴾، ﴿نَصِيرًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على خبر ﴿إن﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب على
стр. 2803
الاستثناء من قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾، أو من الضمير المجرور في ﴿لَهُمْ﴾، ﴿تَابُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا﴾: معطوفان على ﴿تَابُوا﴾، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿اعتصموا﴾، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَابُوا﴾، ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أخلصوا﴾، ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية لأن الفاء بعد الاستثناء تكون للتعليل غالبًا، ﴿أولئك﴾: مبتدأ، ﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه، خبر المبتدأ، تقديره: فأولئك كائنون مع المؤمنين، والجملة الإسمية في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية المعللة بمعلول محذوف، تقديره: وإنما استثنينا هؤلاء لكونهم مع المؤمنين، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿وَسَوْفَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿سوف﴾: حرف تنفيس، ﴿يُؤْتِ﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، وحذفت الياء في خط المصحف العثماني تبعًا للفظ، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، أو الجملة مستأنفة، ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفعول أول، ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ثان لأتى لأن أتى هنا بمعنى أعطى يتعدى إلى مفعولين، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة لـ ﴿أَجْرًا﴾.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾.
﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل النصب مفعول مقدم وجوبا لكونه مما يلزم الصدارة، ﴿يَفْعَلُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والاستفهام هنا للإنكار بمعنى النفي، كما مر في بحث التفسير؛ أَي: لا يفعل الله عذابكم، ﴿بِعَذَابِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَفْعَلُ﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿شَكَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿وَآمَنْتُمْ﴾: معطوف عليه، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبلها، تقديره: إن شكرتم وآمنتم لا يعذبكم الله، والجملة مستأنفة ﴿وَكاَنَ اللهُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كان اللهُ﴾: فعل ناقص واسمها، ﴿شَاكِرًا﴾: خبر أول لها، ﴿عَلِيمًا﴾: خبر ثان لها، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
стр. 2804
التصريف ومفردات اللغة
﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ ازداد بمعنى زاد، لازما ومتعديًا، يقال ازداد الشيء إذا طلب منه الزيادة، أصله ازتيد على وزن افتعل، قلبت تاء الافتعال دالًا فصار ازديد، فيقال تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فصار ازداد. ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ العزة والعز بكسر أولهما مصدران لعزه يعزه عزًّا وعزة إذا غلبه، والعزة الغلبة والقوة. ﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾ يقال خاض خوضًا من باب قال، والخوض (١) الاقتحام في الشيء، تقول خصت الماء خوضًا وخياضًا، وخضت الغمرات اقتحمتها، وخاضه بالسيف حرك سيفه في المضروب، وتخاوضوا في الحديث إذا تفاوضوا فيه، والمخاضة موضع الخوض، والخوضة بفتح الخاء اللؤلؤة، واختاض بمعنى خاض، وتخوض إذا تكلف الخوض.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ في "المصباح" يقال: تربصت الأمر تربصًا انتظرته، والربصة وزان الغرفة، اسم منه وتربصت الأمر بفلان انتظرت وقوعه به، ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ وقولهم نستحوذ واستحوذ مما شذ قياسًا، وفصح استعمالًا؛ لأن من حقه نقل حركة حرف علته إلى الساكن قبلها، وقلبها ألفًا، كاستقام، واستعان، واستبان، وبابه، والاستحواذ: التغلب على الشيء والاستيلاء عليه، ومنه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾، يقال: حاذ وأحاذ بمعنى والمصدر الحوذ.
﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته، إذا غلبته وكنت أخدع منه، ﴿كسالى﴾ بضم الكاف على قراءة الجمهور جمع كسلان، كسكارى جمع سكران، والضم لغة أهل الحجاز، وفعلان (٢) هذا يجمع على فعالى كهذا، وعلى فعالى كغضبان وغضابى، والكسل الفتور عن الشيء والتواني فيه، وهو ضد النشاط، وأكسل إذا جامع وفتر ولم ينزل، وقال بعضهم في ذم الفلاسفة:
وَمَا انْتَسَبُوْا إِلَى الإِسْلاَمِ إلا ... لِصَوْنِ دِمَائِهِمْ أَنْ لاَ تُسَالاَ
فَيَأَتُوْنَ الْمَنَاكِرَ في نَشَاطٍ ... وَيَأتُوْنَ الصَّلاَةَ وَهُمْ كُسَالَى
стр. 2805
﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ وأصل يراؤون يُرائِيُون، فأُعل كنظائره، والجمهور على أن يراؤون من المفاعلة، قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى: وهي مفاعلة من الرؤية؟
قلت: أن المرائي يريهم عمله، وهم يرونه إستحسانه.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ جمع مذبذب اسم مفعول من ذبذب، وفي "المصباح" ذبذبه ذبذبة إذا تركه حيران مترددًا، وفي "أبي السعود": حقيقة المذبذب ما يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعد أخرى، وعبارة البيضاوي: والمعنى مرددين بين الإيمان والكفر، من الذبذبة وهي جعل الشيء مضطربًا، وأصل الذب بمعنى الطرد، وقرىء بكسر الذال بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم، أو يذبذبون كقولهم: صلصل بمعنى تصلصل، وزلزل بمعنى تزلزل، وفي "الشوكاني": الذبذبة الاضطراب، يقال ذبذبه فتذبذب ومنه قول النابغة:
أَلَمْ ترَ أَنَّ اللهَ أعْطَاكَ سُوْرَةً ... تَرَى كُلَّ مُلْكٍ دُوْنَهَا يَتذَبْذَبُ
قال ابن جني: المذبذب القلق الذي لا يثبت على حال اهـ. وقرىء: بالدال المهملة بمعنى أخذوا تارة في دبة وتارة في دبة، وهي الطريقة، ومنه ما روي عن ابن عباس ﵄: اتبعوا دبة قريش؛ أي: طريقتهم اهـ "زكريا".
﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ السلطان يذكر ويؤنث، فتذكيره باعتبار البرهان، وتأنيثه باعتبار الحجة، إلا أن التأنيث أكثر عند الفصحاء، وقال الفراء: التذكير أشهر، وهي لغة القرآن.
﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ قرأ الكوفيون بخلاف من عاصم: الدرك بسكون الراء، والباقون بفتحها، وفي ذلك قولان:
أحدهما: أن الدَّرْك والدَّرَك لغتان بمعنى واحد، كالشَّمْع والشَّمَع، والغَّدْر والغدر.
والثاني: أن الدرك بالفتح جمع دركة، على حد بقر وبقرة، والدرك مأخوذ من المداركة وهي المتابعة، والدركات بالكاف منازل أهل النار، والدرجات