والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يُخَادِعُونَ﴾ أو من مفعوله. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿قَامُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾: متعلقان بـ ﴿قَامُوا﴾ الأولى. ﴿قَامُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿كُسَالَى﴾: حال من فاعل ﴿قَامُوا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل الرفع معطوفة على خبر ﴿إنَّ﴾ أخبر عنهم بهذه الصفات الذميمة، ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿كُسَالَى﴾، أو بدل من ﴿كُسَالَى﴾، كما قاله أبو البقاء، وفيه نظر لأن الثاني ليس كلا للأول ولا بعضه، ولا مشتملًا عليه، أو الجملة مستأنفة، ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُرَاءُونَ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿قَلِيلًا﴾: نعت لمصدر محذوف، تقديره: إلا ذكرًا قليلًا.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
﴿مُذَبْذَبِينَ﴾: حال من فاعل ﴿يُرَاءُونَ﴾، أو منصوب على الذم، ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾، تقديره: حالة كونهم لا منسوبين إلى هؤلاء المؤمنين، ولا منسوبين على هؤلاء الكافرين، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو جملة الجواب، ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فَلَن﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبا، ﴿لن﴾: حرف نصب، ﴿تَجِدَ﴾: منصوب بـ ﴿لن﴾، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على أي مخاطب، ﴿لَهُ﴾: متعلق به، ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول به؛ لأنه
стр. 2802
من وجدان الضالة، فله مفعول واحد لا من وجد بمعنى علم، وجملة ﴿تَجِدَ﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة، ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: ناف وفعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿تَتَّخِذُوا﴾. ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿تريدون﴾: فعل وفاعل، والجملة جملة إنشائية مستأنفة، ﴿أَنْ تَجْعَلُوا﴾ ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: أتريدون جعلكم لله سلطانا مبينا عليكم، ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَجْعَلُوا﴾، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿سُلْطَانًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿سُلْطَانًا﴾: مفعول به، ﴿مُبِينًا﴾ صفة له.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾: اسمها، ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿الْأَسْفَلِ﴾: صفة لـ ﴿الدَّرْكِ﴾، ﴿مِنَ النَّارِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الدَّرْكِ﴾، والعامل فيه معنى الاستقرار في الجار والمجرور لاعتماده على المخبر عنه، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَلَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لن﴾: حرف نفي ونصب، ﴿تَجِدَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لن﴾، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به أو حال من ﴿نَصِيرًا﴾، ﴿نَصِيرًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على خبر ﴿إن﴾.
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب على
стр. 2803
الاستثناء من قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾، أو من الضمير المجرور في ﴿لَهُمْ﴾، ﴿تَابُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا﴾: معطوفان على ﴿تَابُوا﴾، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿اعتصموا﴾، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَابُوا﴾، ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أخلصوا﴾، ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية لأن الفاء بعد الاستثناء تكون للتعليل غالبًا، ﴿أولئك﴾: مبتدأ، ﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه، خبر المبتدأ، تقديره: فأولئك كائنون مع المؤمنين، والجملة الإسمية في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية المعللة بمعلول محذوف، تقديره: وإنما استثنينا هؤلاء لكونهم مع المؤمنين، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿وَسَوْفَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿سوف﴾: حرف تنفيس، ﴿يُؤْتِ﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، وحذفت الياء في خط المصحف العثماني تبعًا للفظ، ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، أو الجملة مستأنفة، ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مفعول أول، ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ثان لأتى لأن أتى هنا بمعنى أعطى يتعدى إلى مفعولين، ﴿عَظِيمًا﴾: صفة لـ ﴿أَجْرًا﴾.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾.
﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل النصب مفعول مقدم وجوبا لكونه مما يلزم الصدارة، ﴿يَفْعَلُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والاستفهام هنا للإنكار بمعنى النفي، كما مر في بحث التفسير؛ أَي: لا يفعل الله عذابكم، ﴿بِعَذَابِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَفْعَلُ﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿شَكَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿وَآمَنْتُمْ﴾: معطوف عليه، وجواب ﴿إن﴾ معلوم مما قبلها، تقديره: إن شكرتم وآمنتم لا يعذبكم الله، والجملة مستأنفة ﴿وَكاَنَ اللهُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كان اللهُ﴾: فعل ناقص واسمها، ﴿شَاكِرًا﴾: خبر أول لها، ﴿عَلِيمًا﴾: خبر ثان لها، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
стр. 2804
التصريف ومفردات اللغة
﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ ازداد بمعنى زاد، لازما ومتعديًا، يقال ازداد الشيء إذا طلب منه الزيادة، أصله ازتيد على وزن افتعل، قلبت تاء الافتعال دالًا فصار ازديد، فيقال تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فصار ازداد. ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ العزة والعز بكسر أولهما مصدران لعزه يعزه عزًّا وعزة إذا غلبه، والعزة الغلبة والقوة. ﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾ يقال خاض خوضًا من باب قال، والخوض (١) الاقتحام في الشيء، تقول خصت الماء خوضًا وخياضًا، وخضت الغمرات اقتحمتها، وخاضه بالسيف حرك سيفه في المضروب، وتخاوضوا في الحديث إذا تفاوضوا فيه، والمخاضة موضع الخوض، والخوضة بفتح الخاء اللؤلؤة، واختاض بمعنى خاض، وتخوض إذا تكلف الخوض.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ في "المصباح" يقال: تربصت الأمر تربصًا انتظرته، والربصة وزان الغرفة، اسم منه وتربصت الأمر بفلان انتظرت وقوعه به، ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ وقولهم نستحوذ واستحوذ مما شذ قياسًا، وفصح استعمالًا؛ لأن من حقه نقل حركة حرف علته إلى الساكن قبلها، وقلبها ألفًا، كاستقام، واستعان، واستبان، وبابه، والاستحواذ: التغلب على الشيء والاستيلاء عليه، ومنه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾، يقال: حاذ وأحاذ بمعنى والمصدر الحوذ.
﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته، إذا غلبته وكنت أخدع منه، ﴿كسالى﴾ بضم الكاف على قراءة الجمهور جمع كسلان، كسكارى جمع سكران، والضم لغة أهل الحجاز، وفعلان (٢) هذا يجمع على فعالى كهذا، وعلى فعالى كغضبان وغضابى، والكسل الفتور عن الشيء والتواني فيه، وهو ضد النشاط، وأكسل إذا جامع وفتر ولم ينزل، وقال بعضهم في ذم الفلاسفة:
وَمَا انْتَسَبُوْا إِلَى الإِسْلاَمِ إلا ... لِصَوْنِ دِمَائِهِمْ أَنْ لاَ تُسَالاَ
فَيَأَتُوْنَ الْمَنَاكِرَ في نَشَاطٍ ... وَيَأتُوْنَ الصَّلاَةَ وَهُمْ كُسَالَى
стр. 2805
﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ وأصل يراؤون يُرائِيُون، فأُعل كنظائره، والجمهور على أن يراؤون من المفاعلة، قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى: وهي مفاعلة من الرؤية؟
قلت: أن المرائي يريهم عمله، وهم يرونه إستحسانه.
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ جمع مذبذب اسم مفعول من ذبذب، وفي "المصباح" ذبذبه ذبذبة إذا تركه حيران مترددًا، وفي "أبي السعود": حقيقة المذبذب ما يذب ويدفع عن كلا الجانبين مرة بعد أخرى، وعبارة البيضاوي: والمعنى مرددين بين الإيمان والكفر، من الذبذبة وهي جعل الشيء مضطربًا، وأصل الذب بمعنى الطرد، وقرىء بكسر الذال بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم، أو يذبذبون كقولهم: صلصل بمعنى تصلصل، وزلزل بمعنى تزلزل، وفي "الشوكاني": الذبذبة الاضطراب، يقال ذبذبه فتذبذب ومنه قول النابغة:
أَلَمْ ترَ أَنَّ اللهَ أعْطَاكَ سُوْرَةً ... تَرَى كُلَّ مُلْكٍ دُوْنَهَا يَتذَبْذَبُ
قال ابن جني: المذبذب القلق الذي لا يثبت على حال اهـ. وقرىء: بالدال المهملة بمعنى أخذوا تارة في دبة وتارة في دبة، وهي الطريقة، ومنه ما روي عن ابن عباس ﵄: اتبعوا دبة قريش؛ أي: طريقتهم اهـ "زكريا".
﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ السلطان يذكر ويؤنث، فتذكيره باعتبار البرهان، وتأنيثه باعتبار الحجة، إلا أن التأنيث أكثر عند الفصحاء، وقال الفراء: التذكير أشهر، وهي لغة القرآن.
﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾ قرأ الكوفيون بخلاف من عاصم: الدرك بسكون الراء، والباقون بفتحها، وفي ذلك قولان:
أحدهما: أن الدَّرْك والدَّرَك لغتان بمعنى واحد، كالشَّمْع والشَّمَع، والغَّدْر والغدر.
والثاني: أن الدرك بالفتح جمع دركة، على حد بقر وبقرة، والدرك مأخوذ من المداركة وهي المتابعة، والدركات بالكاف منازل أهل النار، والدرجات
стр. 2806
بالجيم منازل أهل الجنة، وسميت طبقات النار دركات لأن بعضها مدارك لبعض؛ أي: متابعه، فالدرك ما كان إلى أسفل، والدرج ما كان إلى فوق.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة والبلاغة (١):
فمنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿يُخَادِعُونَ﴾ و ﴿خَادِعُهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿شَكَرْتُمْ﴾ و ﴿شَاكِرًا﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿جَامِعُ﴾ و ﴿جَمِيعًا﴾، وفي قوله: ﴿كَفَرُوا﴾ و ﴿كَفَرُوا﴾، وفي ﴿وَإِذَا قَامُوا﴾ و ﴿قَامُوا﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿ءَامَنوُا ثُمَّ كَفَرُوا﴾، وفي قوله: ﴿المُنَافِقِينَ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿ازْدَادُواْ كُفْرًا﴾، وفي قوله: ﴿لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾، وفي قوله: ﴿يَتَرَبَّصُونَ﴾، وفي قوله: ﴿فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ﴾، وفي قوله: ﴿سَبِيلًا﴾، وهذه كلها للأجسام استعيرت للمعاني.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ و ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ومنها: الأسلوب التهكمي في قوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ حيث استعمل لفظ البشارة مكان الإنذار تهكمًا.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ والغرض منه التقريع والتوبيخ.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ إذا كان الخطاب للمنافقين.
ومنها: التكرار أيضًا في: اسم الله، وفي قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ و ﴿هَؤُلَاءِ﴾، وفي قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ و ﴿الْكَافِرِينَ﴾.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾، وفي قوله: ﴿الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ﴾.
стр. 2807
ومنها: الإشارة في مواضع.
ومنها: الاستعارة في: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ استعار اسم الخداع للمجازاة، وفي ﴿سَبِيلًا﴾، وفي ﴿سُلْطَانًا﴾ لقيام الحجة، والدرك الأسفل لانخفاض طبقاتهم في النار، واعتصموا للالتجاء.
ومنها: الحذف في مواضع (١).
والله أعلم بمعنى كلامه وبمراده به.
* * *
стр. 2808
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد السابع»
стр. 2809
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 2810
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٧]
المناسبة
قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما ذكر الله المنافقين وفضحهم في الآيات السابقة .. ذكر هنا أنه لا يحب إظهار الفضائح والقبائح إلا في حقِّ منْ زاد ضرره وعظم خطره، فلا عجيب أن يكشف الله عن المنافقين الستر. ثم تحدث عن اليهود، وعدد بعض جرائمهم الشنيعة، كطلبهم رؤية الله جهرةً، وعبادتهم للعجل، وادعائهم صلب المسيح، واتهامهم مريم البتول بالفاحشة، إلى غير ما هناك من قبائح وجرائم شنيعة.
وعبارة المراغي هنا قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما بين كثيرًا من عيوب المنافقين ومفاسدهم لإقامة الحجة عليهم وحذر المؤمنين من مثل أعمالهم وأخلاقهم - كما قال: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ بين هنا حكم الجهر بالسوء من القول، وإبداء الخير وإخفائه؛ حتى لا يستدل المؤمنون بذكر عيوب المنافقين والكافرين في القرآن على استحباب الجهر بالسوء من القول أو مشروعيته إذا كان حقًّا على الإطلاق، فيفشوا ذلك، وفي هذا من الضرر ما سنذكره. وفي "الجمل": مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن ما تقدم فيه ذكر قبائح المنافقين وإيذائهم للمؤمنين، فالمؤمنون مظلومون، فيجوز لهم ذكر سوئهم جهرًا، وأيضًا تناسب قوله شاكرًا، أي: سواء كان سرًّا أو جهرًا، وهذا ضده. انتهى.
وقال أبو حيان (١): مناسبة هذه الآية لما قبلها هي: أنه تعالى لما ذكر من أحوال المنافقين وذمهم وإظهار فضائحهم ما ذكر وبين ظلمهم واهتضامهم جانب المؤمنين .. سوغ هنا للمؤمنين أن يذكروهم بما فيهم من الأوصاف الذميمة، وقال ﵇: "اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس" انتهى.
стр. 2815
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله لما بين ما عليه المنافقون من سوء الخليقة ومذموم الطريقة .. أخذ في الكلام على اليهود والنصارى وجعل كفرهم ببعض الرسل كفرًا بجميع الرسل، وكفرهم بالرسل كفرًا بالله.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما (٢) بين في سابق الآيات حال الذين يكافرون بالله ورسله ويفرقون بين الله ورسله فيقولون: نؤمن ببعض ونكفر ببعض وهم أهل الكتاب .. بين في هذه الآيات بعض حوادث لليهود تدل على شديد تعنتهم وجهلهم بحقيقة الدين.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: أن رجلًا استضاف قومًا فلم يحسنوا ضيافته، فلما خرج .. تكلم فيهم جهرًا بسوء. وقيل: إن سبب نزولها أن رجلًا نال من أبي بكر ﵁ والنبي ﷺ حاضر، فسكت عنه مرارًا، ثم رد عليه، فقام النبي ﷺ ، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، شتمني فلم تقل شيئًا، حتى إذا رددت عليه قمت؟! فقال له: "إن ملكًا كان يجيب عنك، فلما رددت عليه .. ذهب الملك وجاء الشيطان، فقمت" فنزلت الآية.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٣): ما أخرجه ابن جرير عن محمَّد بن كعب القرظي قال: جاء ناسٌ من أهل الكتاب إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن موسى جاءنا بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح حتى نصدقك، فأنزل اللهُ : ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ فجثا رجل من اليهود فقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى
стр. 2816
ولا على أحد شيئًا، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...﴾ الآية.
ورُوي: أن كعبًا وأصحابه وفنحاص قالوا لرسول الله ﷺ : إن كنتَ رسولًا من عند الله .. فأتنا بكتاب من السماء جملة، كما جاء موسى بالألواح.
التفسير أوجه القراءة
١٤٨ - ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ﴾ ، ولا يرضى من أحد ﴿الْجَهْرَ﴾ والإظهار أو الإسرار ﴿بِالسُّوءِ﴾ والقبيح حالة كونه كائنًا ﴿مِنَ اَلقَوْلِ﴾ أو الفعل، والجهر ليس بقيد، وكذا القول ليس بقيد. ومعنى حب الله لشيء: هو الرضا به والإثابة عليه، والجهر يقابل السر والإخفاء. والسوء من القول: هو ما يسوء من يقال فيه، كذكر عيوبه ومساويه التي تؤذي كرامته؛ أي: لا يحبُّ الله رفع الصوت بالسوء؛ أي: بأحوال الناس المكتومة؛ كغيبة ونميمة، فإن العاقل من اشتغل بعيوبه.
والمعنى: أنه تعالى لا يحبّ من عباده أن يجهروا فيما بينهم بذكر العيوب والسيئات؛ لما في ذلك من المفاسد الكثيرة التي من أهمها:
١ - أنه مجلبة للعداوة والبغضاء بين من يجهر بالسوء ومن ينسب إليه هذا السوء، وقد يصل الأمر إلى هضم الحقوق وسفك الدماء.
٢ - وأنه يؤثر في نفوس السَّامعين تأثيرًا ضارًّا بهم، فقد جرت العادة بأن الناس يقتدي بعضهم ببعض، فمن رأى إنسانًا يسب آخر لضغائن بينه وبينه أو لكراهته إياه .. قلده في ذلك ولا سيما إذا كان من الأحداث الذين يغلب عليهم التقليد، أو من طبقة دون طبقته؛ إذ عامة الناس يقلدون خواصهم، فإذا ظهرت المنكرات في الخاصّة لا تلبث أن تصل إلى العامّة وتفشو بينهم، ومن تميل نفسه إلى منكر أو فاحشة .. يجترىء على ارتكابهما إذا علم أن له سلفًا وقدوةً فيهما، فسماع السّوء كعمل السوء، فذاك يؤثر في نفس السامع، وهذا يؤثر في نفس الرائي والناظر، وأقل هذه الأضرار: أنه يضعف في النفس استقباحه واستبشاعه، خصوصًا إذا تكرر السماع أو النظر. وكثير من الناس يجهل مبلغ تأثير الكلام في القلوب، فلا ينزهون ألسنتهم عن السوء من القول ولا أسماعهم عن الإصغاء إليه.
стр. 2817
والخلاصة: أن اللهَ لا يحبُّ الجهر بالسُّوء من القول، ولا الإسرار به؛ إذ هو قد نهى عن النجوى بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، لكنَّه خص الجهر هنا بالذكر؛ لمناسبة بيان مفاسد الكفار والمنافقين في هذا السياق، والجهر بالسوء أشد ضررًا من الإسرار به؛ لأن ضرره وفساده يفشو في جمهرة الناس ويعم سائر الطبقات.
﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قيل: الاستثناء فيه متصل، والمعنى عليه: لا يحبّ الله (١) تعالى أن يجهر أحد بالسّوء كائنًا من القول إلا جهر من ظلم فهو غير مَسْخوطٍ عليه عنده تعالى، وذلك بأن يقول: سرق فلان مالي، أو غصبني، أو سبني، أو قذفني، ويدعو عليه دعاء جائزًا؛ بأن يكون بقدر ظلمه، فلا يدعو عليه بخراب دياره لأجل أخذ ماله منه، ولا يسب والده وإن كان هو فعل ذلك، ولا يدعو عليه لأجل ذلك بالهلاك، بل يقول: اللهمَّ خلص حقي منه، أو اللهمَّ جازه أو كافئه، ولا يجوز أن يدعو عليه بسوء الخاتمة أو الفتنة في الدين. وقيل: (٢) الاستثناء فيه منقطع، والمعنى عليه: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، أي: لكن من ظلمه ظالم فجهر بالشكوى من ظلمه شارحًا ظلامته لحاكم أو غيره ممن ترجى نجدته ومساعدته على إزالة هذا الظلم .. فلا حرج عليه في ذلك؛ فإن الله لا يحب لعباده أن يسكتوا على الظّلم، ولا أن يخضعوا للضيم، بل يحب لهم العزة والإباء، فها هنا تعارضت مفسدتان: مفسدة الجهر بالشكوى من الظلم بقول السوء، ومفسدة السكوت على الظلم وهو مدعاة فشوه والتمادي فيه، وذاك مما يؤدي إلى هلاك الأمم وخراب العمران، وكانت ثانيهما أخف الضررين فأجيزت للضرورة التي تقدر بقدرها. وإذًا: فلا يجوز للمظلوم أن يتمادى في الجهر في السوء بما لا دخل له في دفع الظلم، وفي الحديث: "إن لصاحب الحق مقالًا". رواه الإِمام أحمد.
стр. 2818
وقرأ الجمهور (١): ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ مبنيًّا للمفعول، وقرأ ابن عباس وابن عمر وابن جبير وعطاء بن السائب والضحاك وزيد بن أسلم وابن أبي إسحاق ومسلم بن يسار والحسن وابن المسيب وقتادة وأبو رجاء: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ مبنيًّا للفاعل، وعلى هذه (٢) القراءة فالاستثناء منقطع؛ أي: إلا من ظَلَم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له. وقال قوم: معنى الكلام: لا يحب اللهُ أن يَجهر أحد بالسوء من القول، لكن مَنْ ظَلَمَ .. فإنه يجهر بالسوء ظلمًا وعدوانًا وهو ظالم في ذلك، وهذا شأن كثير من الظلمة؛ فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم على من ظلموه وينالون من عرضه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿سَمِيعًا﴾ لِمَا يجهر به من السّوء، فلا يفوته قولٌ من أقوال مَنْ يجهر بالسوء ﴿عَلِيمًا﴾ بما يسر به منه، فلا يعزب عن علمه البواعث التي أدت إليه؛ إذ لا يخفى عليه شيء من أقوال العباد ولا من أفعالهم ونياتهم، فمن جهر بالسوء الذي لا يحبه اللهُ لعباده لضرره ومفسدته لظلم وقع عليه .. فإنه لا يؤاخذه، بل ربما أثابه على ذلك؛ لإراحة الناس من شر فاعله، فإن الظالم إن لم يؤاخذ على ظلمه يزداد فيه ضراوة وإصرارًا. وقيل: سميعًا لكلام المظلوم، عليمًا بالظالم. وقيل: سميعًا بشكوى المظلوم، عليمًا بعقبى الظالم، أو عليمًا بما في قلب المظلوم، فليتقِ الله ولا يقل إلّا الحق. وهذه الجملة خبر، ومعناه: التهديد والتحذير
١٤٩ - ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ وتظهروا ﴿خَيْرًا﴾؛ أي: عمل بر وخير؛ كالصلاة والصيام والصدقة مثلًا ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾؛ أي: تخفوا الخير. وتعملوه سرًّا ﴿أَوْ تَعْفُوا﴾ وتسامحوا ﴿عَنْ سُوءٍ﴾؛ أي: عن مظلمة لكم المؤاخذة عليها؛ أي: تسامحوا عن ظلم من ظلمكم وهذا هو المقصود من الكلام (٣). وذكر إبداء الخير وإخفائه توطئة له، ولذلك رتب عليه قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ وهذا تعليل لجواب الشرط المحذوف، تقديره: فهو أولى لكم من تركه؛ أي: فالعفو عن السوء أولى وأصلح لكم من ترك العفو؛ فإن الله ﴿كَانَ عَفُوًّا﴾؛ أي:
стр. 2819
كثير (١) العفو عن ذنوب المذنبين مع قدرته على الانتقام منهم، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله تعالى يعف عنكم يوم القيامة, لأنه أهل للتجاوز والعفو عنكم، كما قاله الحسن: ﴿قَدِيرًا﴾؛ أي: أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو ذنوب من ظلمك، كما قاله الكلبي. وقيل: المعنى: إن الله كان عفوًا لمن عفا، وهو: المظلوم، قديرًا على إيصال الثواب إليه وعقوبة الظالم، وقيل: (٢) المراد بالخير: المال.
والمعنى: إن تبدوا الصدقة فتعطوها الفقراء جهرًا أو تخفوها فتعطوها سرًّا، أو تعفوا عن مظلمة .. فإن الله كان عفوًا لمن عفا، قديرًا على إيصال الثواب إليه. وبالجملة فهو حث للمظلوم على عفو ما رُخص له في الانتصار منه، حثًّا له على مكارم الأخلاق.
والخلاصة: أن فاعلي الخير سرًّا وجهرًا والعافين عمن يسيء إليهم .. يجزيهم ربهم من جنس ما عملوا، فيعفو عن سيئاتهم ويجزل مثوبتهم، والله من شأنه العفو، وهو القدير الذي لا يعجزه الثواب الكثير على العمل القليل.
واعلم: أن جميع مواضع الخيرات على كثرتها محصورة في قسمين (٣):
أحدهما: صدق النية مع الحق.
والثاني: التخلق مع الخلق. فالذي يتعلق بالخلق ينحصر في قسمين أيضًا، وهما:
إيصال نفعٍ إليهم في السّر والعلانية، وهو المشار إليه بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
ودفع ضرر عنهم، وهو المشار إليه بقوله: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ فدخل في هذين القسمين جميعُ أنواع الخير وأعمالِ البر.
١٥٠ - ولما فرغ من ذكر المشركين والمنافقين .. ذكر الكفار من أهل الكتاب،
стр. 2820
وهم اليهود والنصارى؛ لأنهم كفروا بمحمد ﷺ ، فكان ذلك كالكفر بجميع الرسل والكتب المنزلة، والكفر بذلك كفر بالله تعالى، وينبغي حمل معنى الآية على هذا، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ بمحمد ﷺ صراحة المستلزم كفرهم به كفرهم ﴿بِاللَّهِ﴾ تعالى ﴿و﴾ بجميع ﴿رسله﴾ تعالى (١)، لا أنهم كفروا بالله ورسله جميعًا؛ فإن أهلَ الكتاب لم يكفروا باللهِ ولا بجميع رسله، لكنهم لما كفروا بالبعض .. كان ذلك كفرًا بالله وبجميع الرسل، ومعنى قوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ﴾ الإيمان بـ ﴿الله و﴾ بين الإيمان بـ ﴿رسله﴾؛ لأنهم كفروا بالرسل، بسبب كفرهم ببعضهم وآمنوا بالله، فكان ذلك تفريقًا بين الله وبين رسله ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾ الرسل ﴿وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ الرسل وهم اليهود، آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد ﷺ ، وكذلك النصارى آمنوا بعيسى، وكفروا بمحمد ﴿وَيُرِيدُونَ﴾؛ أي: يقصدون بقولهم ذلك ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: أن يجعلوا بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: دينًا متوسطًا بينهما، وهو الإيمان بالبعض والكفر بالبعض، والحال أنه لا واسطة بين الإيمان والكفر؛ إذ الحق لا يختلف، فإن الإيمان بالله لا يتم إلا بالإيمان برسله، وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلًا أو إجمالًا، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال، كما قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾
١٥١ - فالإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى قوله نؤمن ونكفر ﴿أُولَئِكَ﴾ المفرقون بين الله وبين رسله ﴿هُمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ أي: هم الذين كفروا كفرًا ﴿حَقًّا﴾؛ أي: ثابتًا يقينًا لا شك فيه؛ لأن الله تعالى قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما من نبي من الأنبياء إلا وقد أخبر قومه بحقيقة دين نبينا محمَّد ﷺ ، فمن كفر بواحد منهم .. فقد كفر بالكل وبالله تعالى، وإنما قال (٢) حقًّا، توكيدًا لكفرهم؛ لئلا يتوهم متوهم أن الإيمان ببعض الرسل يزيل اسم الكفر عنهم، وليعلم أن الكفر ببعض الأنبياء كالكفر بكلهم.
﴿وَأَعْتَدْنَا﴾؛ أي: هيأنا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ اليهود والنصارى وغيرهم ﴿عَذَابًا
стр. 2821
مُهِينًا﴾؛ أي: ذا إهانة وإذلال لهم يهانون به في الآخرة جزاءً على كفرهم.
والخلاصة (١): أن الكافرين بالرسل فريقان:
فريق: لا يؤمن بأحد منهم؛ لإنكارهم النبوة وزعمهم أن ما أتى به الأنبياء من الهدى والشرائع هو من عند أنفسهم لا من عند الله تعالى، وأكثر الملحدين والشوعيين في هذا العصر من ذلك الفريق.
وفريق آخر: يؤمن ببعض الرسل دون بعض، كقول اليهود: نؤمن بموسى ونكفر بعيسى ومحمد فهما ليسا برسولين؛ لأن النسخ عندهم من المستحيل، وكقول النصارى: نؤمن بموسى وعيسى ونكفر بمحمد، وكل من الفريقين مستحقون للعذاب، ولا عبرة بما يدعونه إيمانًا. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، أي: وأعددنا لكل كافرٍ، سواء أكان منهم أم من غيرهم عذابًا فيه ذل وإهانة لهم؛ جزاء كفرِهِم الذي ظنوا فيه العزة والكرامة، ذاك أن من آمن بالله ولم يؤمن بوحيه إلى رسله .. لا يكون إيمانه صحيحًا، ولا يهتدي إلى ما يجب عليه من الشكر، ولا يعرف كيف يعبده على الوجه الذي يرضيه، ومن ثم ترى أمثال هؤلاء ماديين، لا تهمهم إلا شهواتهم، كما أن من آمن ببعض الرسل وكفر ببعض، كأهل الكتاب .. لا يعتد بإيمانه؛ لأن الإيمان بالرسالة على الوجه الحق إنما يكون بفهمها وفهم صفات الرسل ووظائفهم وتأثير هدايتهم، ومن فهم هذا حق الفهم .. علم أن صفات الرسل قد ظهرت بأكملها في محمَّد ﷺ ، فهو قد جاء بكتاب حوى ما لم يحوه كتاب آخر، مع أنه نشأ بين قوم أميين، ونقل كتابه وأصول دينه بالتواتر القطعي والأسانيد المتصلة دون غيره من الكتب.
١٥٢ - وبعد أن ذكر حال الفريقين السابق ذكرهما ذكر حال فريق ثالث فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: والذين صدقوا بوحدانية الله تعالى ونبوة جميع أنبيائه، وأن جميع ما جاؤوا به من عند الله حق وصدق ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من الرسل بالإيمان به، بل آمنوا بجميعهم، وهم المؤمنون، وإنما
стр. 2822
جاز دخولما ﴿بَيْن﴾ على ﴿أحدٍ﴾؛ لأنه عام في الواحد المذكَّر والمؤنَّث وتثنيتهما وجمعهما ﴿أُوْلَئِكَ﴾ المذكورون من المؤمنين بالله وبجميع الرسل ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾ الله تعالى؛ أي: سوف يعطيهم الله في الآخرة أجورهم الوافرة وثوابهم الكامل على الإيمان بالله وبرسله.
وقرأ عاصم في رواية حفص (١) ﴿يُؤْتِيهِمْ﴾ بالياء؛ ليعود الضمير على اسم الله قبله. وقرأ الباقون، ﴿نؤتيهم﴾ بالنون على الالتفات، ومقابله: وأعتدنا والقراءتان متواترتان، فلا أولوية لإحداهما على الأخرى، خلافًا لمن توهمه. ﴿وَكاَنَ اَللهُ﴾ سبحانه تعالى ﴿غَفُورًا﴾ لهفوات من صح إيمانه ولم يشرك بربِّه أحدًا، ولم يفرِّق بين أحد من رسله ﴿رحِيمًا﴾ به، يعامله بالإحسان ويضاعف حسناته ويزيد على ما وعد تفضلًا منه ورحمة.
والخلاصة: والذين آمنوا بالله وجميع الرسل وعملوا بشريعة آخرهم علمًا منهم بأن جميعهم مرسل من عند الله تعالى، وما مثلهم إلا مثل ولاة يرسلهم السلطان إلى البلاد، ومثل الكتب التي جاؤوا بها مثل القوانين التي يصدر السلطان مراسيم للعمل بها, فكل وال منهم إنما ينافذ أوامر السلطان، وكل قانون يعمل به؛ لأنه منه، وكل قانون جديد ينسخ ما قبله ويمنع العمل به، وأولئك يؤتينهم الله أجورَهم بحسب حالهم في العمل؛ لأنهم وقد صح إيمانهم به وبرسله يهديهم إلى العمل الصالح؛ إذ هو الأثر اللازم لذلك الإيمان الصحيح.
ولم يقل في هؤلاء أنهم هم المؤمنون حقًّا كما في ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ اَلْكَافِرُونَ حَقًا﴾ لئلا يدور بخلد أحد أن كمال الإيمان يوجد بدون العمل الصالح، فيغتر بذلك ويترك العمل النافع، وهذا مما يتلاءم مع نصوص الدين، فقد وصف الله تعالى المؤمنين حقًّا بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.
стр. 2823
١٥٣ - ﴿يَسْئَلُكَ﴾ يا محمد ﴿أَهْلُ اَلْكِتَابِ﴾؛ أي: أحبار اليهود، ككعب بن الأشراف وأصحابه؛ ﴿أَن تُنَزِّلَ﴾ قرأ الجمهور بالتشديد، وبالتخفيف قرأ مكي وأبو عمرو، أي: أن تنزل ﴿عَلَيهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ جملةً كما نزِّلت التوراة جملة، فقد قالوا: إن موسى ﵇ جاء بالألواح من عند الله تعالى فأتنا بألواح من عنده تكون بخط سماوي يشهد أنك رسول الله إلينا، ولا تستغرب يا محمد ذلك ولا تنكره ولا تعجب منه ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾؛ أي: لأنهم قد طلبوا من موسى شيئًا أغرب مما طلبوه منك وأعجب من ذلك ﴿فَقَالُوا﴾ لموسى: إن كنت نبيًّا فـ ﴿أرَنَا اَللهَ جَهْرَةً﴾؛ أي: عيانًا رؤية منكشفة بينة؛ أي: أظهره لنا ننظره بأعيننا ونشاهده، أي: لا تعجب أيها الرسول من سؤالهم ولا تنكره؛ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، وكل من السؤالين يدل على جهل أو عناد، ذاك أن سؤال الرؤية جهرة دليل على الجهل بالله؛ إذ هم ظنوا أن الله جسم محدود تدركه الأبصار, وأما سؤال إنزال الكتاب .. فهو دليل إما على العناد؛ لأنهم اقترحوا ما اقترحوا تعجيزًا، وإما على الجهل بمعنى النبوة والرسالة، وأيًّا ما كان السؤال فلا فائدة في إجابتهم إلى ما طلبوا؛ لأن سؤالهم سؤال تعنت وعناد واقتراح لا سؤال استرشاد وانقياد، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾. وقرأ الحسن شذوذًا ﴿أكثر﴾ بالثاء المثلثة بدل الباء في قراءة الجمهور. ففيه (١) تسليه للنبي ﷺ وتوبيخ وتقريع لليهود؛ حيث سألوا رسول الله ﷺ سؤال تعنت، والمعنى لا تعظمن عليك يا محمد مسألتهم ذلك؛ فإنهم من فرط جهلهم واجترائهم على الله لو أتيتهم بكتاب من السماء لما آمنوا بك. وإنما أسند السؤال إلى اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ وقد وجد هذا السؤال من آبائهم الذين كانوا في زمن موسى؛ لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في العنت.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾؛ أي: فأحرقتهم النار التي جاءت من السماء فماتوا. وقرأ السلمي والنَّخعي (٢): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ وقراءة الجمهور ﴿الصَّاعِقَةُ﴾.
стр. 2824
﴿بِظُلْمِهِمْ﴾، أي: تعنتهم وسؤالهم لما يستحيل وقوعه شرعًا في ذلك الوقت، وهو رؤية الله جهرة، وذلك لا يستلزم امتناعها يوم القيامة؛ فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة، ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة فقد غلط غلطًا بينًا، ولو طلبوا أمرًا جائزًا .. لما سموا ظالمين، ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم ﵇ أن يريه إحياء الموتى، فلم يسمه ظالمًا ولا رماه بالصاعقة ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ معطوف على محذوف، تقديره: فأحييناهم بعد موتهم بالصاعقة، ثم بعد إحيائهم اتخذوا العجل الذي صاغه موسى السامري إلهًا، وعبدوه ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ والمعجزات على يد موسى ﵇ من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها ﴿فَعَفَوْنَا﴾ وسامحنا لهم ﴿عَنْ ذَلِكَ﴾ الذنب العظيم حين تابوا، وتركنا عبدة العجل فلم نستأصلهم.
والمقصود من هذا (١): تسلية النبي ﷺ , والمعنى: أنَّ هؤلاء الذين يطلبون منك يا محمَّد أن تنزل عليهم كتابًا من السماء إنما يطلبونه عنادًا ولجاجًا، فإني قد أنزلت التوراة جملة واحدة على موسى، وآتيته من المعجزات الباهرات والآيات البينات ما فيه كفاية، ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد، وعبدوا العجل، وكل ذلك يدل على جهلهم وأنهم مجبولون على اللجاج والعناد. وفي قوله: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ استدعاء إلى التوبة.
والمعنى: أنَّ أولئك الذين أجرموا لما تابوا .. عفونا عنهم، فتوبوا أنتم نعف عنكم ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾؛ أي: وأعطينا موسى قهرًا ظاهرًا وتسلطًا بيِّنًا عليهم، فإنه أمرهم بقتل أنفسهم توبة من عبادة العجل، فبادروا إلى الامتثال، فقتل منهم سبعون ألفًا في يوم واحد، وفي هذا بشارة للنبي ﷺ بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندون فإنك ستغلب عليهم آخرًا وتقهرهم.
١٥٤ - ثم حكى الله تعالى عنهم سائر جهالاتهم وإصرارهم على أباطيلهم، وقد تقدم بعضها في سورة البقرة، فقال: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ﴾؛ أي: قلعنا ورفعنا وحبسنا
стр. 2825
فوق رؤوسهم ﴿الطُّورَ﴾؛ أي: الجبل المسمى بالطور، وهو جبل معروف هناك، وفي (١) الشام جبل عرف بالطور ولزمه هذا الاسم، وهو طور سيناء، وليس هو المرفوع علي بني إسرائيل؛ لأن رفع الجبل كان فيما يلي التيه من جهة ديار مصر، وهم ناهضون مع موسى ﵇، وتقدمت قصة رفع الطور في البقرة. ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾، أي: بسبب أخذ الميثاق وجعل العهد عليهم على أن يأخذوا جميع ما أنزل عليهم بقوة ويعملوا به مخلصين حين امتنعوا من قبول شريعة التوراة، فرفع الله عليهم الطور ليخافوا فقبلوها، وأعطوا العهد والميثاق على أَن لا يرجعوا عنها.
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ﴾ على لسان موسى أو على لسان يوشع ﵉: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾؛ أي: باب هذه القرية، وهي قرية بيت المقدس، أو أريحا حالة كونكم ﴿سُجَّدًا﴾ أي: ركعًا خاضعين مطأطئين الرؤوس مائلي الأعناق ذلة وانكسارًا لعظمته؛ أي: وقلنا لهم على لسان يوشع: ادخلوا باب هذه القرية بذلة وانكسار، فخالفوا ودخلوا وهم يزحفون على أستاههم ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ﴾ قيل: على لسان داود ﵇: ﴿لَا تَعْدُوا﴾؛ أي: لا تجاوزوا حدود الله ﴿فِي﴾ يوم ﴿السَّبْتِ﴾ إلى ما لا يحل لكم فيه؛ أي: لا تظلموا باصطياد الحيتان فيه، وذلك أنهم نهوا عن أن يصطادوا السمك في يوم السبت، فاعتدوا واصطادوا فيه، فمسخوا قردة وخنازير، وقيل: المراد به: النهي عن العمل والكسب في يوم السبت.
وقرأ ورش (٢): ﴿لا تعدوا﴾ بفتح العين وتشديد الدال، على أن الأصل: لا تعتدوا، فألقيت حركة التاء على العين وأدغمت التاء في الدال، وقرأ قالون بإخفاء حركة العين وتشديد الدال، والنص بالإسكان، وأصله أيضًا: لا تعتدوا وقرأ الباقون من العشرة ﴿لا تعْدوا﴾ بإسكان العين وتخفيف الدال من عدى يعد، وقال تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ وقرأ الأعمش والأخفش ﴿لا تعتدوا﴾ من اعتدى الخماسي. ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الميثاق الغليظ: العهد المؤكَّد
стр. 2826
باليمين؛ أي: وأخذنا منهم عهدا مؤكدًا شديدًا بأن يعملوا بما أمرهم الله به، وأن ينتهوا عما نهاهم الله عنه.
١٥٥ - ثم إنهم نقضوا ذلك الميثاق، وهو قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ ما (١): مزيدة للتأكيد، والباء: سببية متعلقة بلعنا المحذوف، ويجوز أن تتعلق بـ ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ فيكون التحريم بسبب النقض، وما عطف عليه إلى قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾؛ أي: لعنَّا أهلَ الكتاب وفعلنا بهم ما فعلنا من لَعْن إلى غضب إلى ضرب الذلة والمسكنة وإزالة الملك والاستقلال بسبب نقضهم للميثاق الذي واثقهم الله به، فأحلوا ما حرمه الله، وحرموا ما أحله الله ﴿و﴾ لعناهم بـ ﴿كفرهم﴾ وجحودهم ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وحججه الدالة على صدق أنبيائه ﴿و﴾ لعناهم بـ ﴿قتلهم الأنبياء﴾ الذين أرسلوا لهدايتهم بعد قيام الحجة والدلالة على صحة نبوتهم؛ كزكريا ويحيى ﵉ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي: بغير استحقاق لذلك القتل، حتى في زعمهم ﴿و﴾ لعنَاهم بـ ﴿قولهم﴾ للنبي ﷺ : ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: جمع أغلف، كحمر وأحمر، أي: مغطاة مغشاة، أي: عليها أغطية، وغشاوة، فهي لا تفقه ما تقول، ومحجوبة عليها حجاب لا يصل إليها شيء من الذكر والوعظ ولا يؤثر فيها، وقيل: جمع غلاف، أي: قلوبنا أوعية للعلم، فلا حاجة بنا إلى ما تدعونا إليه، فرد الله عليهم بقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أظهر القراء لام بل في ﴿بَلْ طَبَعَ﴾؛ إلا الكسائي، فأدغم من غير خلاف، وعن حمزة خلاف؛ أي: ليس الأمر كما قالوا: بل ختم الله على قلوبهم بسبب كفرهم، فغشيت وغطيت بغطاء معنوي، فلا تعي وعظًا؛ مجازاة على كفرهم، أو جعلها الله كالسكة المطبوعة - الدراهم مثلًا - في قساوتها، وجعلها بوضع خاص لا تقْبل غيرَه؛ أي: ليس ما وصفوا به قلوبهم هو الحق الواقع، بل لأن الله تعالى ختم عليها بسبب كفرهم الكسبي، وما له من الأثر القبيح في أعمالهم وأخلاقهم، فهم باستمرارهم على ذلك الكفر لا ينظرون في شيء آخر نظر استدلال واعتبار، مع أنه من الأمور التي يصل إليها اختيارهم، ولكنّهم لا يختارون إلا ما ألفوا وتعودوا ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: أهل الكتاب ﴿إِلَّا﴾ إيمانًا ﴿قَلِيلًا﴾ لا يعتد به، وهو
стр. 2827
إيمانهم بنبيهم وكتابهم فقط؛ لأنه تفريق بين الله ورسله، فالكفر ببعضهم كالكفر بجميعهم، وهم قد كفروا بعيسى ومحمد ﵉، أو لا يؤمنون إلا فريقًا قليلًا منهم؛ كعبد الله بن سلام وأضرابه، وقيل: لا يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا.
١٥٦ - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي: وطبع اللهُ على قلوبهم بكفرهم بعيسى ﵇؛ لإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب، وهو (١) معطوف على ﴿بكفرهم﴾؛ لأنه من أسباب الطبع، أو معطوف على قوله: ﴿فَبِمَا﴾ نقضهم ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله، ويكون تكرير ذلك الكفر إيذانًا بتكرر كفرهم، فإنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد ﷺ ﴿و﴾ طبع الله على قلوبهم بـ ﴿قولهم﴾ وافترائهم ﴿عَلَى مَرْيَمَ﴾ بنت عمران أم عيسى ﵉ ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾؛ أي: كذبًا شنيعًا يبهت من يقال فيه، أي: يدهشه ويحيره، لبعده وغرابته. والمراد به هنا: رميها بالفاحشة، حيث رموها بيوسف النجار، وكان من الصالحين بعدما ظهر منها من الكرامات الدالة على براءتها من كل عيب؛ فإنها ملازمة للعبادة بأنواع الطاعات، وعيسى تكلم حال كونه طفلًا منفصلًا عن أمه، والمعنى: إن الله تعالى طبع على قلوبهم بكفرهم بعيسى وأمه ورميهم إيّاها بالكذب العظيم، وأي بهتان أعظم من البهتان الذي تُبهتُ به العذراء التقية.
١٥٧ - والخلاصة: أن هذا الكفر والبهتان من أسباب ما حل بهم من غضب الله ﴿و﴾ طبع عليها بـ ﴿قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ وصلبناه. ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾؛ أي: في زعم عيسى نفسه، فإن وصفهم له بوصف الرسالة استهزاء به، أو أن الله وضع الذكرَ الحسن بقوله: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم، فإنهم قالوا: هو ساحر ابن ساحرة، أو إنَّ ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ وصفٌ له من عند الله تعالى مدحًا له، وتنزيهًا له عن مقالتهم التي لا تليق بها. أي: وطبع على قلوبهم بسبب قولهم هذا القول المؤذِن بالجرأة على الباطل والاستهزاء بآيات الله، وذكروه بوصف الرسالة تهكمًا واستهزاء بدعوته بناء على أنه إنما ادعى النبوة
стр. 2828
والرسالة فيهم لا ألوهية كما ادعت النصارى، ثم قال تعالى إبطالًا وردًّا لدعواهم قتله وصلبه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾؛ أي: ادعوا قتله وصلبه، والحال أنهم ما قتلوه كما ادعوا، وما صلبوه كما زعموا وشاع بين الناس ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أي: ألقي شبه عيسى على غيره حتى قتِل وصلب، فظنّوا أنّهم قتلوا عيسى وصلبوه، وهم إنما قتلوا غيره وصلبوه، قيل: ألقي شبه عيسى على ططيانوس، فقتلوه بدل عيسى. قال أبو حيان: لم نعلم كيفية القتل، ولا من ألقي عليه الشبه، ولم يصح بذلك حديث.
روى (١) النسائي عن ابن عباس ﵄: أن رهطًا من اليهود سبوه وأمه، فدعا عليهم، فمسخهم اللهُ قردةً وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء. اهـ خطيب. وفي القرطبي في آل عمران قال الضحاك: لما أرادوا قتل عيسى اجتمع الحواريون في غرفة، وهم: اثنا عشر رجلًا، فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة، فأخبر إبليس جميع اليهود، فركب أربعة آلاف رجل فأخذوا باب الغرفة، فقال المسيح للحواريين: أيكم يخرج ويُقْتَل ويكون معي في الجنة؟ فقال رجل: أنا يا نبي الله، فألقى إليه مدرعته من صوف وعمامته من صوف وناوله عكازه، وألقى اللهُ عليه شبه عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه، وأما المسيح فكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة الطعام والمشرب، فصار مع الملائكة اهـ.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أي: في شأن عيسى ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾؛ أي: لفي تردد من قتله، وذلك أنهم لما قتلوا الشخص المشبه به .. كان الشبه ألقي على وجهه فقط، ولم يلق على سائر جسده شبه جسد عيسى فلما قتلوه .. نظروا إليه فقالوا: الوجه وجه عيسى، والجسد جسد غيره؛ فاختلفوا، فقال بعضهم: هذا عيسى، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى، والبدن بدن صاحبنا، فليس هذا المقتول بعيسى. وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ ﴿مَا لَهُمْ﴾؛ أي: ما لليهود ﴿بِهِ﴾؛ أي: بقتله ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾؛ أي: من يقين، أقتل أم لم يقتل؟ ﴿إلا اتباع الظن﴾ استثناء منقطع؛ أي: ما لهم
стр. 2829
في قتله علمٌ حقيقي، ولكنهم يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه بسبب إلقاء الشبه عليه. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾؛ أي: وما قتلوا عيسى بن مريم، وهم متيقنون أنه هو بعينه، إذ لم يكونوا يعرفونه حق المعرفة؛ إذ الجند الذي أخذوه للقتل ما كانوا يعرفون شخص عيسى معرفة يقينية، بل أخذوا الذي ألقي عليه شبهه ظنًّا منهم أنه هو المسيح.
والخلاصة: أن روايات المسلمين جميعًا متفقة على أن عيسى ﵇ نجا من أعدائه ومريدي قتله، فقتلوا آخر ظنًّا منهم أنَّه هو.
١٥٨ - ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: بل رفع الله عيسى بن مريم بروحه وجسده إلى موضع لا يجري فيه حكمُ غيرِ الله تعالى ولا يصل إليه حكم آدمي، وذلك الموضع هو السماء الثالثة كما في حديث "الجامع الصغير": "آدم في السماء الدنيا تعرض عليه أعمال ذريته، ويوسف في السماء الثانية، وابنا الخالة يحيى وعيسى في السماء الثالثة .. إلخ" وفي بعض كتب المعاريج أنه في السماء الثانية.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ ﴿عَزِيزًا﴾ في ملكه ﴿حَكِيمًا﴾ في صنعه، فرَفْعُ عيسى بروحه وجسده من الأرض إلى السماء لا صعوبة فيه بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته؛ أي: إن الله عزيزٌ يغلب ولا يغلب، وبهذه العزة أنقذ عبده ورسوله من اليهود الماكرين وحكام الروم الظالمين، وبحكمته جازى كل عامل بعمله، ومن ثم أحل باليهود ما أحل بهم من الذلة والمسكنة والتشريد في الأرض ويوفيهم جزاءهم يوم القيامة - ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾.
١٥٩ - ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ أي: وما أحد من أهل الكتاب اليهود والنصارى ﴿إِلَّا﴾ والله ﴿لَيُؤْمِنَنَّ﴾ ذلك الكتابي ﴿بِهِ﴾؛ أي: بعيسى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ أي: قبل موت ذلك الكتابي، قبل أن تزهق روحه، حين عاين ملائكة الموت، فلا ينفعه إيمانهُ وقتئذ؛ لانقطاع التكليف. والمعنى: وإن كان أحد من أهل الكتاب عندما يدركه الموت ينكشف له الحق في أمر عيسى وغيره من أمور الدين، فيؤمن بعيسى إيمانًا حقًّا لا زيغ فيه ولا ضلال، فاليهودي يعلم أنه رسولٌ صادقٌ في رسالته
стр. 2830
ليس بالكذَّاب، والنصراني يعلم أنه عبد الله ورسولُه وليس بإله، وليس هو بابن الله.
وفائدة إخبارهم بذلك: بيان أنه لا ينفعهم حينئذ إيمانهم، فعليهم أن يبادروا به قبل أن يضطروا إليه مع عدم الجدوى والفائدة ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ﴾ عيسى ﵇ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أهل الكتاب ﴿شَهِيدًا﴾ فيشهد على اليهود: أنهم كذبوه وطعنوا فيه، وعلى النصارى: أنهم أشركوا به، وكل نبي شاهد على أمته، كما قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾، وقد ورد في الآثار ما يدل على اطلاع الناس قبل موتهم على منازلهم في الآخرة، فيبشرون برضوان الله أو بعذابه وعقوبته. روى البخاري عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، وإن الكافر إذا حضر - حضره الموت - بشر بعذاب الله وعقوبته". وروى ابن مردويه عن ابن عباس: "ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة أو النار" وهذا يؤيد ما روي عن ابن عباس في تفسير الآية: من أن الملائكة تخاطب من يموت من أهل الكتاب قبل خروج روحه بحقيقة أمر المسيح مع الإنكار الشديد والتقبيح.
فصل في بيان الخلاف الجاري في مرجع الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
واعلم: أنه اختلف المفسرون في هذا الضمير إلى من يرجع (١):
فقال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الضمير يرجع إلى الكتابي، والمعنى على هذا القول: وما من أحد من أهل الكتاب إلا آمن بعيسى قبل موت ذلك الكتابي، ولكن يكون ذلك الإيمان عند الحشرجة حين لا ينفعه إيمانه. قال ابن عباس ﵄: معناه إذا وقع في اليأس حين لا ينفعه إيمانه، سواء احترق أو تردى من شاهق أو سقط عليه جدار أو أكله سبع أو مات فجأة، فقيل
стр. 2831
له: أرأيت إن ضربت عنقه؟ قال: يتلجلج به لسانه. وقال شهر بن حوشب: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة بأجنحتها وجهه ودبره، وقالوا: يا عدو الله، أتاك عيسى نبيًّا فكذَّبت به! فيقول: آمنت أنه عبد الله ورسولُه، وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبيًّا فزعمت أنه الله وابن الله! فيقول: آمنت أنه عبدُ الله، فأهل الكتابين يؤمنون به، ولكن حيث لا ينافعهم ذلك الإيمان.
وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن الضمير يرجع إلى عيسى ﵇، وهو رواية عن ابن عباس ﵄ أيضًا، والمعنى على هذا: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتابين إلا آمن بعيسى حتى تكون الملة واحدةً وهي ملة الإِسلام.
قال عطاء: إذا نزل عيسى إلى الأرض لا يبقى يهوديٌّ ولا نصراني ولا أحدٌ يعبد غير الله إلا آمن بعيسى وأنه عبد الله وكلمته، ويدل على صحة هذا القول: ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَمًا مقسطًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد". متفق عليه. زاد في رواية "حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها"، ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرؤوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية. وفي رواية قال: قال رسول الله ﷺ : "والله لينزلنَّ فيكم ابن مريم حَكَمًا عادِلًا، فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها؛ وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد". أخرجاه في "الصحيحين".
ففي هذا الحديث دليل على أن عيسى ينزل في آخر الزمان في هذه الأمة، ويحكم بشريعة محمَّد ﷺ ، وأنه لا ينزل نبيًّا برسالة مستقلةٍ وشريعة ناسخة، بل يكونُ حاكمًا من حكام هذه الأمة وإمامًا من أئمتهم؛ لقوله ﷺ : "فيكسر الصليب" يعني: يكسره حقيقة ويبطل ما تزعمه النصارى، وكذلك قتله الخنزير، وقوله:
стр. 2832
"ويضع الجزية" يعني: لا يقبلها ممن بذلها من اليهود والنصارى، ولا يقبل من أحد إلا الإِسلام أو القتل وعلى هذا قد يقال: هذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم، فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها منه، ولم يجز قتله ولا إجباره على الإِسلام؟
والجواب: إنَّ هذا الحكم ليس مستمرًا إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى ﵇، وقد أخبر النبي ﷺ بنسخه، وليس الناسخ هو عيسى ﵇، بل الناسخ لهذا الحكم هو نبينا محمَّد ﷺ ؛ لأنه هو المبين للنسخ، أو أنّ عيسى ﵇ يحكم بشريعة محمَّد ﷺ ، فدل على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا محمَّد ﷺ ، والله أعلم. قال - - الزجاج: هذا القول بعيد - يعني قول من قال: إن إيمان أهل الكتاب بعيسى إنما يكون عند نزوله في آخر الزمان - قال: لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ قال: والذين يبقون يومئذ، يعني: عند نزوله شرذمة قليلة منهم. وأجاب أصحاب هذا القول - يعني الذين يقولون: إن إيمان أهل الكتاب بعيسى إنما يكون عند نزوله في آخر الزمان - بأن هذا على العموم، ولكنَّ المراد بهذا العموم الذين يشاهدون ذلك الوقت ويدركون نزوله فيؤمنون به.
ويكون معنى الآية: وما من أحد من أهل الكتاب أدرك ذلك الوقت إلا آمن بعيسى عند نزوله من السماء، وصحَّح الطبري هذا القول.
وقال عكرمة في معنى الآية: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي، فلا يموت يهودي ولا نصراني حتى يؤمن بمحمد ﷺ ، وذلك عند الحشرجة، حتى لا ينفعه إيمانه، والله أعلم.
الإعراب
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾.
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ﴾ ناف وفعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة
стр. 2833
﴿بِالسُّوءِ﴾: جار ومجرور متعلق بالجهر. ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾: جار ومجرور حال من السوء. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، والاستثناء منقطع؛ أي: لا يحبّ الله الجهر بالسوء من أحد، لكن من ظُلم فله الجهر، وقيل: متصل، ولكنّه على حذف مضاف؛ أي: لا يحب الله الجهر بالسوء إلا جهر من ظلم. ﴿ظُلِمَ﴾: فعل ماضٍ مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على من، والجملة صلة الموصول. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿سَمِيعًا﴾: خبر أول له. ﴿عَلِيمًا﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة مسوقة للوعد والوعيد.
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾.
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم معطوف على تبدوا. ﴿أَوْ تَعْفُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم معطوف على تبدوا أيضًا. ﴿عَنْ سُوءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بتعفوا، وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾: تعليل لجواب الشرط المحذوف، وتقديره فهو أي العفو أولى لكم من تركه، فإن الله كان عفوًّا قديرًا. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ (الفاء): تعليلية، (إن): حرف نصب، ﴿اَللهَ﴾: اسمها، ﴿كاَنَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها، ضمير يعود على الله. ﴿عَفُوًّا﴾: خبر أول لها. ﴿قَدِيرًا﴾: خبر ثان لها، وجملة كان: في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾ في محل النصب اسمها، ﴿يَكْفُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بيكفرون، ﴿وَرُسُلِهِ﴾ معطوف على لفظ الجلالة ﴿وَيُرِيدُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على يكفرون ﴿أَنْ يُفَرِّقُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: ويريدون تفريقهم ﴿بَيْنَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُفَرِّقُوا﴾. ﴿وَرُسُلِهِ﴾: معطوف على الجلالة.
стр. 2834
﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على صلة الموصول ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿نُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير يعود على الذين كفروا. ﴿بِبَعْضٍ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿وَنَكْفُرُ﴾: (الواو) عاطفة، (نكفر): فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الكافرين، ﴿بِبَعْضٍ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة نؤمن. ﴿وَيُرِيدُونَ﴾: فعل وفاعل. والجملة معطوفة على جملة الصلة. ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بيتخذوا على كونه مفعولًا أول له. ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية ليريدون، والتقدير: ويريدون اتخاذهم سبيلًا بين ذلك.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْكَافِرُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ من اسمها وخبرها مستأنفة. ﴿حَقًّا﴾: نعت لمصدر محذوف تقديره: هم الكافرون كفرًا حقًّا، والعامل فيه: اسم الفاعل، أعني: لفظ الكافرون. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: متعلق به ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به. ﴿مُهِينًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بآمنوا. ﴿وَرُسُلِهِ﴾: معطوف على لفظ الجلالة، ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، معطوف على آمنوا. ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بيفرقوا. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لأحد ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان، ﴿سَوْفَ﴾: حرف تنفيس. ﴿يُؤْتِيهِمْ﴾: فعل ومفعول أول ﴿أُجُورَهُمْ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول،
стр. 2835
والجملة من المبتدأ الأول وخبره معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أو مستأنفة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿غَفُورًا﴾: خبر أول لكان. ﴿رَحِيمًا﴾: خبر ثان لها، وجملة كان مستأنفة.
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾.
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل ومضاف إليه. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب. ﴿تُنَزِّلَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿كِتَابًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولا ثانيًا لسأل، تقديره: يسألك أهل الكتاب تنزيلك عليهم كتابًا من السماء، وجملة سأل مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور صفة لكتابًا، أو متعلق بتنزل. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾ حرف تعليل وعطف على محذوف، تقديره: ولا تستغرب يا محمَّد سؤالهم لك ولا تستعظمه؛ لأنهم قد سألوا موسى أعجب وأغرب من ذلك، قد: حرف تحقيق، ﴿سَأَلُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿مُوسَى﴾: مفعول أول، ﴿أَكْبَرَ﴾: مفعول ثان، ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بأكبر، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿فَقَالُوا﴾: الفاء حرف عطف وتفسير ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل والجملة جملة مفسرة معطوفة على جملة سألوا. ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾: مقول محكي لقالوا، وإن شئت قلت: ﴿أَرِنَا اللَّهَ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿جَهْرَةً﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنها نوع من مطلق الرؤية فيلاقي عامله في الفعل كما في "الفتوحات". والجملة الفعلية في محل النصب مقول قالوا. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ الفاء: حرف عطفه وتفريع، أخذتهم الصاعقة: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قالوا. ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ الباء: حرف جر وسبب، ظلم: مجرور بها، والهاء: مضاف إليه الجار والمجرور متعلق بأخذتهم ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب الذكرى، أي: الأخباري،
стр. 2836
﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿الْعِجْلَ﴾: مفعول أول له، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إلهًا، كما أشرنا إليه في بحث التفسير، والجملة معطوفة على جملة قالوا، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق باتخذوا، ﴿مَا﴾: مصدرية، ﴿جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة ففي تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، والتقدير: من بعد مجيء البينات إياهم. ﴿فَعَفَوْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿عَنْ ذَلِكَ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة اتخذوا. ﴿وَآتَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مُوسَى﴾: مفعول أول. ﴿سُلْطَانًا﴾: مفعول ثان. ﴿مُبِينًا﴾: صفة له، والجملة معطوفة على جملة عفونا.
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾.
﴿وَرَفَعْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على آتينا. ﴿فَوْقَهُمُ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق برفعنا، ويجوز أن يكون حالًا من الطّور. ﴿الطُّورَ﴾: مفعول به. ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق برفعنا. ﴿وَقُلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة رفعنا. ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور متعلق برفعنا. ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: مقول محكي لقلنا، وإن شئت قلت: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿سُجَّدًا﴾: حال من فاعل ادخلوا، والجملة في محل النصب مقول لقلنا. ﴿وَقُلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على رفعنا أيضًا. ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور متعلق بقلنا. ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾: مقول محكي لقلنا، وإن شئت قلت: ﴿لَا تَعْدُوا﴾ جازم وفعل وفاعل، ﴿فِي السَّبْتِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿وَأَخَذْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على رفعنا. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق به. ﴿مِيثَاقًا﴾: مفعول به، ﴿غَلِيظًا﴾: صفة له.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥)﴾.
﴿فَبِمَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية بمعنى الواو، الباء: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: زائدة، ﴿نَقْضِهِمْ﴾: مجرور بالباء ومضاف إليه، الجار والمجرور متعلق بمحذوف،
стр. 2837
تقديره: ولعناهم بسبب نقضهم. ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾: ميثاق مفعول النقض ومضاف إليه. ﴿وَكُفْرِهِمْ﴾: معطوف على نقضهم. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بكفرهم. ﴿وَقَتْلِهِمُ﴾: معطوف أيضًا على نقضهم. ﴿الْأَنْبِيَاءَ﴾: مفعول القتل. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: قتلًا كائنًا بغير حق. ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾: معطوف على نقضهم. ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: مقول محكي لقولهم، وإن شئت قلت: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب إبطالي، ﴿طَبَعَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بطبع، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: ليس الأمر كما قالوا من قولهم: قلوبنا غلف بل طبع الله عليها. ﴿فَلَا﴾: الفاء: عاطفة تفريعية، لا: نافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة طبع. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلًا.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾: معطوف على قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ وكرَّر الباء للفصل بينه وبين المعطوف عليه بأجنبي وهو قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ...﴾ إلخ. ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾: معطوف على كفرهم. ﴿عَلَى مَرْيَمَ﴾: متعلق بقولهم، أو حال من بهتانا. ﴿بُهْتَانًا﴾: مفعول مطلق لقولهم؛ لأنه ضرب منه فهو كقولهم: قعد القرفصاء. ﴿عَظِيمًا﴾: صفة بهتانًا. ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾: معطوف على كفرهم. ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾: مقول محكي لقولهم، وإن شئت قلت: ﴿إنَّ﴾ حرف نصب، ونا: ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها، ﴿قَتَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿الْمَسِيحَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة إنَّ في محل النصب مقول القول، ﴿عِيسَى﴾: بدل من المسيح، أو عطف بيان منه، ﴿ابْنَ﴾: صفة لعيسى وهو مضاف، ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾: بدل ثان من المسيح، أو عطف بيان منه، وهو مضاف، ولفظ الجلالة: مضاف إليه. ﴿وَمَا﴾: الواو: حالية،
стр. 2838
﴿ما﴾: نافية، ﴿قَتَلُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب حال من ضمير قولهم، ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾: ناف وفعل وفاعل ومفعول معطوف على ما قتلوه. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لكن﴾: حرف استدراك، ﴿شُبِّهَ﴾: فعل ماض مغيّر الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب الفاعل، أو متعلق بشبه، ونائب الفاعل ضمير يعود على المقتول والمصلوب، والجملة استدراكية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾.
﴿وَإِنَّ﴾ الواو: استئنافية، ﴿إنَّ﴾: حرف نصب، ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب اسمها، ﴿اخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ ﴿اللام﴾: لام الابتداء، ﴿في شك﴾: جار ومجرور خبر إن، ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لشك، وجملة إنَّ: مستأنفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الخبر، والعامل فيه الاستقرارُ المقدر، ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ ﴿من﴾: زائدة، ﴿علم﴾: مبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجر صفة ثانية لشك، أي غير معلوم.
وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ يجوز في ﴿علم﴾ وجهان:
أحدهما: أنه مرفوع بالفاعلية، والعامل أحد الجارين إما لهم، وإما به، وإذا جُعل أحدهما رافعًا له تعلق الآخر بما تعلق به الرافع من الاستقرار المقدر، ومِن: زائدة لوجود شرطي الزيادة.
والوجه الثاني: أن يكون مبتدأً زِيدت فيه ﴿مِنْ﴾ أيضًا، وفي الخبر احتمالان أحدهما: أن يكون ﴿لَهُمْ﴾ فيكون به إما حالًا من الضمير المستكن في الخبر والعامل فيها الاستقرار المقدر، وإما حالًا من علم، وإن كان نكرة؛
стр. 2839
لتقدمها ولاعتماده على نفي. والاحتمال الثاني: أن يكون ﴿به﴾ هو الخبر. ﴿ولهم﴾ متعلق بالاستقرار كما تقدم، وهذه الجملة المنفية تحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: الجر على أنها صفة ثانية لشك؛ أي: غير معلوم.
الثاني: النصب على الحال من شك، وجاز ذلك وإن كان نكرة؛ لتخصيصه بالوصف بقوله منه.
الثالث: الاستئناف، ذكره أبو البقاء، وهو بعيد اهـ "سمين".
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع؛ لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، ﴿اتِّبَاعَ﴾: منصوب على الاستثناء. ﴿الظَّنِّ﴾: مضاف إليه. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿قَتَلُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿يَقِينًا﴾: صفة لمصدر محذوف، تقديره: وما قتلوه قتلًا يقينًا، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ علي كونها صفة لشك.
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾.
﴿بَلْ﴾: بل: حرف عطف وإضراب. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق برفع، والجملة معطوفة على محذوف، تقديره: ليس الأمر كما قالوا من قولهم: إنا قتلنا المسيح، بل رفعه الله إليه ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَزِيزًا﴾: خبر أول لكان. ﴿حَكِيمًا﴾: خبر ثان لها، والجملة مستأنفة. ﴿وَإِنْ﴾ (الواو): استئنافية، (إن): نافية، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور مضاف إليه صفة لمبتدأ محذوف جوازًا، تقديره: وما أحد كائن من أهل الكتاب ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿لَيُؤْمِنَنَّ﴾: اللام موطئة لقسم محذوف، تقديره: والله ليؤمنن، ﴿يؤمنن﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يؤمنن﴾، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يؤمنن﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه
стр. 2840
في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بشهيدًا، أو بيكون. ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير يعود على عيسى. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بشهيدًا. ﴿شَهِيدًا﴾: خبر يكون، وجملة يكون مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾: يحبُّ بضم أوله، من أحب الرباعي، وهو بمعنى حبه، وهو أكثر استعمالًا من حب الثلاثي، فهو محب وذاك محب ومحبوب، وأما ثلاثيه فمن المضاعف المعدّى الذي انفرد بالكسر الشاذ، ولم يسمع فيه الضم وكان قياسه ضمَّ عين المضارع، ولكنه لم يسمع على ما قاله ابن مالك في لامية الأفعال:
فَذُوْ التَعَدِّيْ بِكَسْرِ حَبَّهُ وَعِ ذَا ... وَجْهَيْنِ هَرَّ وَشَذَّ عَلَّهُ عَلَلاَ
وعبارة "مناهل الرجال" هنا يقال: حبه يحبه، بفتح الياء وكسر الحاء حبًّا وحبًّا، لغة في أحبه يحبه بضم الياء وكسر الحاء، وقد تبع الناظم وابنه في ذلك الجوهري، لكن قال أبو حيان: إنه سمع فيه الضم أيضًا، فيكون فيه وجهان، فعليه ليس في المضاعف المعدَّى كسرٌ فقط أصلًا. انتهت.
ومعنى حب الله للشيء هو: الرضا به والإثابة عليه كما مر، وعدمُ حبه للشيء: السخط عليه والعقاب به.
﴿الْجَهْرَ﴾: ضد السر والإخفاء، يقال: جهر الأمر وبالأمر يجهر - من باب نصر - جهرًا وجهارًا وجهرةً إذا أعلنه، وجهر بالقول يجهر - من باب فتح - جهرًا وجهارًا إذا رفع به صوته، وجهر الصوت إذا رفعه. ﴿بِالسُّوءِ﴾ - بضم أوَّله: اسم مصدر من ساءه الأمر يسوءه سوءًا وسواء وسواءة، من باب قال إذا أحزنه أو فعل به ما يكرهه، يجمع على أسواء. وكل آفة الشر والفساد.
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ من أبدى الرباعي، يقال: أبدى الشيء إذا