موسى فأخبروه بالواقعة، فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه، فلم يقبلوا قوله إلا رجلان منهم، وهما يوشع وكالب؛ فإنها سهلا الأمر وقالا: هي بلاد طيبة كثيرة النعم، وقلوب القوم الذين فيها ضعيفة، وإن كانت أجسامهم عظيمة. وأما العشرة من النقباء .. فقد أوقعوا الجبن في قلوب الناس، حتى أظهروا الامتناع من غزوهم، ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر ولا يدخلنا الله بأرضهم، فتكون نساؤنا وأولادنا وأموالنا غنيمة لهم
٢٢ - ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا﴾؛ أي: قال قوم موسى له: إن في الأرض المقدسة ﴿قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾؛ أي: عاتين متغلبين لا طاقة لنا بهم، ولا قوة لنا بقتالهم، وسمي أولئك القوم جبارين لشدة بطشهم، عظم خلقهم، وكانوا ذوي أجسام عظيمة، وأشكالٍ هائلة، وهم العمالقة بقية قوم عاد. وقيل: من الروم من ولد عيص بن إسحاق.
وقرأ ابن السميقع: ﴿قالوا يا موسى فيها قوم جبارون﴾. ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾؛ أي: لن ندخل أرض الجبارين التي أمرهم الله بدخولها؛ وهي الأرض المقدسة ﴿حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾؛ أي: حتى يخرج الجبارون من الأرض المقدسة، من غير صنع منا، فإنَّه لا طاقة لنا بإخراجهم منا، وإنَّما قالوا ذلك .. استبعادًا لخروج الجبارين منها، كقوله: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ ﴿فَإِنْ يخرُجُوا مِنها﴾ بسبب ليس منا ﴿فَإنَّا داخلون﴾ فيها.
والخلاصة (١): أنَّ موسى لما قرب بقومه حدود الأرض المقدسة العامرة الآهلة .. أمرهم بدخلوها مع الاستعداد لقتال من يقاتلهم من أهلها، وأنهم لما غلب عليهم الضعف والذل، واضطهاد المصريين لهم، وظلمهم إياهم .. أبوا وتمردوا واعتذروا بضعفهم، وقوة أهل تلك البلاد، وحاولوا الرجوع إلى مصر، وقالوا لموسى: إنَّا لن ندخل هذه الأرض ما دام هؤلاء الجبارون فيها، وقولهم ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ تأكيد لما فهم مما قبله، مشعر بأنه لا علة لامتناعهم إلا ما ذكروه، وفي إجابتهم هذه دليل على منتهى الضعف، وخور
стр. 3012
العزيمة، وعلى أنَّهم لا يريدون أن يأخذوا شيئًا باستعمال قواهم البدنية ولا العقلية، ولا أن يدفعوا الشر عن أنفسهم، ولا أن يجلبوا لها الخير، بل يريدون أن يعيشوا بالخوارق والآيات ما داموا في هذه الحياة. ولا شك أن أمة كهذه لا تستحق أن تتمتع بنعيم الاستقلال وتحيا حياة العز والكرامة وتكون ذات تصرف مطلق في شؤونها ومن ثم لم تقم لها دولة بعد ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
٢٣ - ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الله تعالى في مخالفة أمره ونهيه ويراقبونه ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالهداية والثقة بعون الله، والاعتماد على نصرة الله، والأشهر عند المفسرين أن الرجلين يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف ﵇، وهو ابن أخت موسى، ونبىء بعد موسى، وكالب بن يوقنا ختن موسى على أخته مريم بنت عمران، وهما اللذان وفيا من النقباء الذين بعثهم موسى في كشف أحوال الجبابرة، فكتما ما اطلعا عليه من حال الجبابرة إلا عن موسى، وأفشى ذلك بقية النقباء في أسباطهم، فآل بهم ذلك إلى الخور والجبن، بحيث امتنعوا عن القتال، فإذا فسرنا الرجلين بيوشع وكالب .. يستفاد من الكلام: أن مع موسى أقوامًا يخافون الله فلا يبالون بالعدو لصحة إيمانهم وقوته، وهذان منهم، أو المعنى: من الذين يخافون العدوّ، لكن أنعم الله عليهما بالإيمان والثبات. وقيل (١): هما رجلان من الجبابرة أنعم الله عليهما بالإيمان فآمنا، واجتمعا مع موسى، فحينئذ فالموصول واقع على الجبابرة، والواو في يخافون على بني إسرائيل، والعائد محذوف، والتقدير: قال رجلان من الجبارين الذين يخافهم بنو إسرائيل، أنعم الله عليهما بالإيمان مع موسى، ويدل على هذا التأويل قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد: ﴿يخافون﴾ بضم الياء على صيغة المبني للمجهول؛ أي: الذين يخافهم بنو إسرائيل، وتحتمل هذه القراءة أن يكون الرجلان يوشع وكالب. ومعنى يخافون؛ أي: يهابون ويوقرون، ويسمع كلامهم لتقواهم وفضلهم، ويحتمل أن يكون من أخاف؛ أي: يخيفون بأوامر الله ونواهيه، وزجره ووعيده، فيكون ذلك مدحًا لهم كقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. ذكره أبو حيان في
стр. 3013
"البحر". ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: على الجبارين ﴿الْبَابَ﴾؛ أي: باب بلدهم؛ أي: باغتوهم وضاغطوهم في المضيق، وامنعوهم من البروز إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالًا.
وفي قراءة عبد الله: ﴿أنعم الله عليهما ويلكم ادخلوا عليهم الباب﴾. وهذا يدل على أن موسى كان قد أنزل محلته قريبًا من المدينة ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ﴾؛ أي: باب بلدهم ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ من غير حاجة إلى القتال، فإنا شاهدنا أن قلوبهم ضعيفة، وإنْ كانت أجسامهم عظيمة؛ وإنَّما جزم هذان الرجلان بالغلبة؛ لأنَّهما كانا جازمين بنبوة موسى، فلما أخبرهم موسى بأن الله تعالى أمرهم بالدخول في تلك الأرض، وكتبها لهم قطعا بأن النصرة لهم، والغلبة حاصلة في جهتهم ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ في حصول هذا النصر لكم بعد ترتيب الأسباب، ولا تعتمدوا عليها فإنها غير مؤثرة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بصحة نبوة موسى، ومقرين بوجود الإله القادر، مصدقين لوعده.
والمعنى: أي (١) ادخلوا عليهم باب المدينة، فإذا فعلتم ذلك .. نصركم الله، وأيدكم بروح من عنده، بعد أن تعلموا ما في طاقتكم من طاعة ربكم، الذي تثقون به فيما لا يصل إليه كسبكم، إن كنتم مؤمنين بأن وعد الله حق، وأنَّه قادر على الوفاء به؛ وإنَّما جزم الرجلان بأنهم سيغلبون إذا دخلوا .. ثقة بنبوة موسى، وهو قد أخبرهم بأنَّ الله أمرهم بدخول الأرض المقدسة التي كتبها لهم، لا جرم قطعا بالنصر والغلبة على العدوّ.
٢٤ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال بنو إسرائيل لموسى ﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾؛ أي: أرض الجبارين ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: مدة حياتنا ﴿مَا دَامُوا فِيهَا﴾؛ أي: ما دام الجبارون مقيمين في أرضهم، وكان هذا القول منهم فشلًا وجبنًا، أو عنادًا وجرأة على الله وعلى رسوله ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ﴾ يا موسى ﴿وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ هم قالوا هذه المقالة جهلًا باللهِ وبصفاته، وكفرًا بما يجب له، أو استهانة بالله ورسوله، وقلة
стр. 3014
مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة لجهلهم وجفائهم، وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل، وسألوا بها رؤية الله جهرة، والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم. وقيل (١): أرادوا بالذهاب الإرادة والقصد. وقيل: أرادوا بالرب هارون، وكان أكبر من موسى بسنة، وكان موسى يطيعه ﴿إنَّا هاهنَا قَعِدُون﴾؛ أي: لا نبرح قاعدين في هذا المكان، لا نتقدم معك ولا نتأخر عن هذا الموضع، وقيل: أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر.
والخلاصة (٢): أنَّهم أصروا على العناد والتمرد، ولم تغن عنهم عظات الرجلين شيئًا، فأكدوا لموسى أنَّهم لا يدخلون هذه الأرض مدى حياتهم ما دام فيها الجبارون؛ لأنهم لا طاقة لهم بالحرب والقتال، إذ ليسوا من أهله، فإنْ صحت عزيمتك على ذلك .. فاذهب أنت ربك الذي أمرك بذلك، فقاتلا الجبارين، وأخرجاهم من هذه الأرض، وإنَّا ها هنا قاعدون منتظرون. وهذا القول الذي صدر منهم يدل علي منتهى الجفاء والبعد عن الأدب، وليس هذا بالغريب من أمثال هؤلاء الذين عبدوا العجل، وكان دأبهم الشغب مع أنبيائهم، وقتلوا كثيرًا منهم، كأشعيا وزكريا، وقص القرآن كثيرًا من فساد طباعهم، وقسوتهم وغلظهم.
٢٥ - ﴿قالَ﴾ موسى ﵇ لما رأى منهم عنادًا وتمردًا على طريق الحزن والشكوى إلى الله تعالى، معتذرًا من فسق قومه عن أمره الذي يبلغه عنه ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ﴾ أمر أحد أحمله على طاعتك ﴿إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ وقرأ الحسن بفتح الياء فيهما؛ أي: إلا أمر نفسي وأمر أخي، ولا أثق بغيرنا أن يطيعك في اليسر والعسر والمنشط والمكره والمحبوب والمكروه.
وفي هذا إيماء إلى أنَّه لم يكن موقنًا بثبات يوشع وكالب، ورغبتهما في الطاعة، إذ أمر الله بدخول أرض الجبارين، والتصدي لقتالهم، فإن من يجرؤ على القتال مع الجيش الكبير .. ربما لا يجرؤ عليه مع العدد القليل ﴿فَاَفْرق
стр. 3015
بَيْنَنا﴾ يعني نفسه وأخاه هارون؛ أي فافصل بيننا ﴿وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: الخارجين عن طاعتك بقضاء تقضيه بيننا وبينهم، فتحكم لنا بما نستحق، وعليهم بما يستحقون، فقد صرنا خصمًا لهم، وصاروا خصمًا لنا، والغرض منه الدعاء عليهم. وقيل: إنَّ المعنى: أنك إذا أخذتهم بالعقاب على قسوتهم .. فلا تعاقبنا معهم في الدنيا، وإنَّما قال ذلك تقليلًا لمن يوافقه، ويجوز أن يكون المعنى: إلا نفسي ومن يؤاخيني في الدين، فعلى هذا الاحتمال يدخل الرجلان في قوله: ﴿وأخي﴾. وقرأ عبيد بن عمير ويوسف بن داود: ﴿فافرِق﴾ بكسر الراء، وقال الراجز:
يَا رَبُّ فَافْرِقْ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ... أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اثْنَيْنِ
وقرأ ابن السميقع: ﴿ففرق﴾.
٢٦ - ﴿قَالَ﴾ الله لموسى مجيبًا دعوته: يا موسى ﴿فَإِنَّهَا﴾؛ أي: فإن الأرض المقدسة ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: ممنوع عليهم الدخول فيها أبدًا حتى يموتوا ويدخلها أبناؤهم. والمراد بالتحريم: تحريم منع وفعل، لا تحريم تعبد وتكليف، فلا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم، نظير قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾، وكون التحريم مؤبدًا إنْ قلنا إن الكلام تم عند قوله. ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف لقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يسيرون في البرية مدة أربعين سنة، تائهين متحيرين لا يدرون أين مصيرهم. وقيل: معناه أن الأرض المقدسة محرمة عليهم أربعين سنة، ثم يدخلونها وتفتح لهم، وعلى هذا القول فأربعين سنة ظرف لقوله: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ فلما (١) انقضت مدة أربعين سنة .. خرج بهم يوشع بن نون ﵇ أو بمن بقي منهم وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد بهم بيت المقدسة فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر. فلمَّا تضيفت الشمس للغروب وخشي دخول السبت عليهم قال: إنَّك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ، فحبسها الله تعالى
стр. 3016
حتى فتحها، وأمر الله يوشع بن نون: أن يأمر بني إسرائيل - حين يدخلون بيت المقدس - أن يدخلوا بها سجدًا، وهم يقولون حطة؛ أي: حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، ودخلوا يزحفون على استاههم وهم يقولون حبة في شعرة، وقد تقدم هذا كله في البقرة.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تسلية لموسى ﵇ عنهم لما ندم على الدعاء عليهم، وبين أنهم أحقاء بذلك لفسقهم؛ أي؛ لا تحزن يا موسى على هلاكهم وعقوبتهم؛ لأنهم أهل مخالفة وخروج عن الطاعة، فهم فاسقون متمردون مستحقون لهذا التأديب الإلهي، وقيل: الخطاب لمحمد ﷺ ، والمراد بالفاسقين معاصروه؛ أي: هذه فعال أسلافهم، فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك، وردهم عليك؛ فإنَّها سجية خبيثة موروثة عندهم.
فائدة: واختلف المفسرون في مقدار الأرض التي تاهوا فيها (١)، فقيل: مقدار ستة فراسخ، وقيل: ستة فراسخ في اثني عشر فرسخًا، وقيل: تسع فراسخ في ثلاثين فرسخًا، وكان القوم ست مئة ألف مقاتل، وكانوا يرحلون ويسيرون يومهم أجمع، فإذا أمسوا .. إذ هم في الموضع الذي رحلوا منه، وكان ذلك التيه عقوبة لبني إسرائيل، ما خلا موسى وهارون ويوشع وغالب؛ فإن الله تعالى سهله عليهم، وأعانهم عليه، كما سهل على إبراهيم النار وجعلها بردًا وسلامًا.
فإنْ قلت: (٢) كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم، في هذا المقدار الصغير من الأرض أربعين سنة، بحيث لم يخرج منه أحد؟.
قلت: هذا من باب خوارق العادات، وخوارق العادات في أزمان الأنبياء غير مستبعدة؛ فإن الله على كل شيء قدير. وقيل: إن فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد .. زال هذا الإشكال لاحتمال أن الله ما حرم عليهم الخروج من تلك الأرض، بل أمرهم بالمكث فيها أربعين سنة في المشقة والمحنة، جزاءً لهم على سوء صنيعهم، ومخالفتهم أمر الله، ولما حصل بنو إسرائيل في التيه شكوا إلى
стр. 3017
موسى ﵇ حالهم، فأنزل الله عليهم المنّ والسلوى، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، فينشأ الناشىء منهم، فتكون معه على مقداره وهيئته، وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر أبيض من جبل الطور، فكان إذا نزل ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عين، وأرسل الله عليهم الغمام يظللهم في التيه، ومات في التيه كل من دخله ممن جاوز عشرين سنة، غير يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، ولم يدخل أريحاء ممن قال: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا﴾. واختلفوا في أنَّ موسى ﵇ مات في التيه أم خرج منه. فقيل: إن موسى وهارون ماتا في التيه جميعًا. وإن (١) في هذا العقاب الإلهي لعبرة لأولي الألباب، يستفيدون منها، أن الشعوب التي تنشأ في مهد الاستعباد تذهب أخلاقها، ويذهب بأسها، وتضرب عليها الذلة والمسكنة، وتأنس بالمهانة، وإذا طال عليها الأمد أصبحت تلك الصفات غرائز وطباعًا خلقية لها، كما رأينا ذلك في بعض الشعوب التي أخذها الاستئمار، كشعوب الأروميا في شرقي أفريقيا، وغيرهم ممن أخذهم واستعبدهم الاستئمار، فإذا خرجوا من بيئتهم، ورفع عنهم نير الظلم والاستعباد .. حنوا إلى ما كانوا فيه أولًا، وتاقت نفوسهم إلى الرجوع إليه، وهذا شأن البشر في جميع ما يألفون، ويجرون عليه من خير وشرّ.
وقد أفسد ظلم الفراعنة فطرة بني إسرائيل في مصر، وطبع عليهم بطابع الذلة والمهانة، وقد أراهم الله تعالى ما لم ير أحدًا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته، وصدق رسوله موسى ﵇، وبيَّن لهم أنَّه أخرجهم من مصر لينقذهم من العبودية إلى نعيم الحرية، ومع هذا كله كانوا إذا أصابهم نصب أو جوع، أو كلفوا أمرًا يشق عليهم، يتطيرون بموسى، ويذكرون مصر ويحنون إلى العودة إليها، وحين غاب عنهم موسى ﵇ لمناجاة ربه، اتخذوا لهم عجلًا من حليهم وعبدوه، وكان يعلم أن نفوسهم ميتة، لا تطيعهم على دخول أرض الجبارين وأن وعده تعالى لأجدادهم إنَّما يتم إذا هلك ذلك الجيل الذي
стр. 3018
نشأ في الوثنية، ونشأ بعده جيل جديد يعيش في حرية البداوة وعدل الشريعة. وعلى هذه السنة العادلة أمر الله بني إسرائيل بدخول الأرض المقدسة، بعد أن أراهم عجائب تأييده لرسوله، لكنهم أبوا واستكبروا، فأخذهم بذنوبهم، وأنشأ من بعدهم قومًا آخرين، جعلهم الأئمة الوارثين بهممهم الموافقة لسنته في الاجتماع.
قصة وفاة موسى وهارون ﵉
فأما هارون (١): فإنه كان أكبر من موسى بسنة، قال السدي: أوحى الله إلى موسى أني متوفي هارون، فأتِ به جبل كذا وكذا، فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل، فإذا بشجرة لم يرَ مثلها. وإذا بيت مبني وفيه سرير عليه فراش، وفيه رائحة طيبة، فلما رأى هارون ذلك البيت أعجبه وقال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير، قال: نمْ، قال: إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب عليّ، قال: لا تخف إنِّي أكفيك رب هذا الييت فنم، قال: يا موسى فنم أنت معي، فإن جاء رب هذا البيت غضب علي وعليك جميعًا، فلما ناما أخذ هارون الموتُ، فلما وجد مسه قال: يا موسى خدعتني، فلما قبض هارون، ورفع البيت والسرير إلى السماء - وهارون عليه - وذهبت الشجرة، فرجع موسى إلى بني إسرائيل وليس هارون معه، فقال بنو إسرائيل: حسد موسى هارون فقتله لحبنا إياه، قال موسى: ويحكم إن هارون كان أخي، أفتروني أقتله؟ فلما أكثروا عليه، قام موسي، فصلى ركعتين، ثم دعا الله ، فنزل السرير - وعليه هارون - فنظروا إليه وهو بين السماء والأرض فصدقوه، ثم رفع.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: صعد موسى وهارون ﵉ إلى الجبل، فمات هارون وبقي موسى، فقال بنو إسرإئيل لموسى: أنت قتلته، وآذوه، فأمر الله الملائكة، فحملوه حتى مروا به على بني إسرائيل، وتكلمت الملائكة، فصدقت بنو إسرائيل أنه مات، وبرأ الله موسى مما قالوه، ثم
стр. 3019
إن الملائكة حملوه ودفنوه، ولم يطلع على موضع قبره أحد إلا الرخم، فجعله أصم أبكم.
وأما وفاة موسى ﵇، فقال ابن إسحاق: كان صفي الله موسى ﵇ قد كره الموت وأعظمه، فأراد الله تعالى أن يحبب إليه الموت، فنبأ يوشع بن نون، فكان موسى يغدو ويروح إليه ويقول له: يا نبي الله ما أحدث الله إليك؟ فيقول له يوشع: يا نبى الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت أسألك عن شيء مما أحدث الله إليك، حتى كنت أنت تبتدىء به، وتذكره لي، ولا يذكر له شيئًا؟ فلما رأى موسى ذلك، كره الحياة وأحب الموت.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت؟ فرد الله عليه عينه وقال: ارجع فقل له يضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت يده من شعرة سنة، قال: أي رب ثم مه؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر؟ قال رسول الله ﷺ : فلو كنت ثَم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر". متفق عليه.
وفي رواية لمسلم قال: جاء ملك الموت إلى موسى، فقال: أحب ربك، قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها. ثم ذكر معنى ما تقدم. قال النواوي: قال المازري: وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث، وأنكره تصوره، قالوا: كيف يجوز على موسى فقأ عين ملك الموت؟ وأجاب عنه العلماء بأجوبة:
أحدها: أنه لا يمتنع أن يكون الله قد أذن لموسى في هذه اللطمة، ويكون ذلك امتحانًا للملطوم، والله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء، ويمتحنهم بما أراد.
والثاني: أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله تعالى، وظن أنَّه رجل قصده يريد نفسه، فدافعه عنها، فأدت المدافعة إلى فقأ عينه، لا أنه قصدها بالفقأ، وتؤيده رواية صكّه، وهذا جواب الإِمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين، واختاره المازري والقاضي عياض، قالوا: وليس في الحديث تصريح
стр. 3020
بأنه قصد فقأ عينه. فإنْ قيل: فقد اعترف موسى حين جاءه ثانيًا بأنه ملك الموت؟ فالجواب: أنَّه أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت، فاستسلم له بخلاف المرة الأولى. وأما سؤال موسى الإدناء من الأرض المقدسة؛ فلشرفها وفضلها، وفضل من بها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم. وفيه دليل على استحباب الدفن في المواضع الفاضلة، والمواطن المباركة، والقرب من مدافن الصالحين.
قال بعض العلماء: وإنَّما سأل موسى الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس؛ لأنَّه خاف أن يكون قبره مشهورًا عندهم فيفتتن به الناس كما مر، والله أعلم.
قال وهب بن منبه: خرج موسى لبعض حاجته، فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبرًا لم ير شيئًا أحسن منه، ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: لعبد كريم على ربه، فقال: إن هذا العبد من الله بمنزلة ما رأيت كاليوم قط؟ فقالت الملائكة: يا صفي الله تحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك، فنزل واضطجع وتوجه إلى ربه ، ثم تنفس أسهل تنفس، فقبض الله روحه، ثم سوت الملائكة عليه التراب.
وقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض روحه، وكان عمر موسى ﵇ مئة وعشرين سنة، فلما مات موسى ﵇ .. انقضت الأربعون سنة، وبعث الله يوشع إلى بني إسرائيل، فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال الجبارين، فصدقوه وتابعوه، فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء - وهي مدينة الجبارين - ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر. فلما كان في السابع نفخوا في القرون، وضجوا في الشعب ضجة واحدة، فسقط سور المدينة، فدخلوها وقاتلوا الجبارين وهزموهم، وهجموا عليهم يقتلونهم، فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل من الجبابرة بضربونها حتى يقطعونها، وكان القتال والفتح يوم الجمعة، فبقيت منهم بقية، وكادت الشمس أن تغرب وتدخل ليلة السبت، فقال: اللهم اردد علي الشمس، وقال للشمس: إنك في طاعة الله، وأنَّا في طاعة الله، وسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقف، حتى
стр. 3021
ينتقم من أعداء الله قبل دخول السبت، ورد الله عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين، وتتبع ملوك الشام، فاستباح منهم أحدًا وثلاثين ملكًا، حتى غلب على جميع أرض الشام، وصارت كلها لبني إسرائيل وفرق عماله نواحيها، وجمع الغنائم، فجاءت النار لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولًا فليبايعني من كل قبيلة رجل ففعلوا، فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس ثور من ذهب، مكلل بالياقوت والجوهر، قد غلّه رجل منهم، فجعله في القربان، وجعل الرجل معه، فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان.
وفي الحديث الصحيح ما يدل على صحة هذا، وهو ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها، ولا أحد بني بيوتًا ولم يرفع سقوفها، ولا رجل اشترى غنمًا، أو خلفات وهو ينتظر أولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك، فقال للشمس: إنَّك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت - يعني النار - لتأكلها، فلم تطعهما، فقال: إنَّ فيكم غلولًا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعها فجاءت النار فأكلتها". زاد في رواية فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا. أخرجه البخاري ومسلم.
الإعراب
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يا محمَّد وقت قول موسى لقومه، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿قَالَ مُوسَى﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه. ﴿لِقَوْمِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿خَاسِرِينَ﴾ مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾ يا:
стр. 3022
حرف نداء. ﴿قوم﴾: منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه فتحه مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بالكسرة، منع من ظهورها اشتعال المحل بحركة المناسبة ﴿قوم﴾ مضاف. وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة في محل الجر مضاف إليه مبنية على السكون، هذا على قراءة الجمهور بكسر الميم. وقرىء بضم الميم وإعرابه على هذه القراءة ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿قومُ﴾: منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، اجتزاء عنها بالكسرة المقلوبة ضمة تشبيهًا له بالنكرة المقصودة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة ﴿قوم﴾ مضاف، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة المقلوبة ضمة في محل الجر مضاف إليه، مبنية على السكون لشبهها بالحرف شبهًا وضعيًّا، وجملة النداء في محل النصب مقول القول. وهذه اللغة أعني - لغة الضم - هى اللغة السادسة من اللغات الست الجارية في المنادى الصحيح الآخر، المضاف إلى ياء المتكلم، سواء كان لفظ أب أو أم أو غيرهما، كما بينتها بيانًا شافيًا في رسالتي المسماة بـ "هدية أولي العلم والإنصاف، في إعراب المنادى المضاف" المطبوعة مع "الباكورة" الموضوعة على "الآجرومية" ولم يذكر هذه اللغة ابن مالك في "ألفيته" حيث قال:
وَاجْعَلْ مُنَادَى صَحَّ أَنْ يُضَفْ لِيَا ... كَعَبْدِ عَبْدِيْ عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا
﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١)﴾.
﴿اذْكُرُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة في على النصب مقول القول على كونها جواب النداء، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أو حال منها ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾. ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿فِيكُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له. ﴿أَنْبِيَاءَ﴾: مفعول أول له، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ. ﴿وَجَعَلَكُمْ﴾: فعل ومفعول أول وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿مُلُوكًا﴾: مفعول ثانٍ لجعل،
стр. 3023
وجملة ﴿جَعَلَ﴾: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿جَعَلَ﴾ الأول. ﴿وَآتَاكُمْ﴾: فعل ومفعول أول وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثانٍ لآتى، وجملة آتى في محل الجرّ معطوفة على جملة ﴿جَعَلَ﴾ الأول. ﴿لَمْ يُؤْتِ﴾ جازم وفعل، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والمفعول الأول محذوف تقديره ما لم يؤته وهو العائد على ﴿مَا﴾. ﴿أَحَدًا﴾ مفعول ثانٍ ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَحَدًا﴾، وجملة آتى صلة لما أو صفة لها ﴿يَا قَوْمِ﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول القول مع كونها جواب النداء. ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾ صفة أولى لـ ﴿الْأَرْضَ﴾. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿الْأَرْضَ﴾. ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿كَتَبَ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: كتبها الله لكم، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا﴾ جازم وفعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿ادْخُلُوا﴾. على كونها جواب النداء ﴿عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَرْتَدُّوا﴾، أو حال من فاعله تقديره: ولا ترتدوا حال كونكم منقلبين على أدباركم ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بحذف النون على كونه معطوفًا على ﴿تَرْتَدُّوا﴾، أو منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي ﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من فاعل تنقلبوا.
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة. ﴿يَا مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿دَاخِلُونَ﴾ مقول محكي، وإنْ شئت قلت: ﴿يَا مُوسَى﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿قَوْمًا﴾: اسمها مؤخر. ﴿جَبَّارِينَ﴾ صفة ﴿قَوْمًا﴾، وجملة إنَّ في محل النصب مقول القول على كونها جواب النداء. ﴿وإنَّا﴾ الواو: عاطفة. ﴿إِنَّا﴾ ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ونا: اسمها. ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ ناصب وفعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على قوم موسى، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إنَّ،
стр. 3024
وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ الأولى، على كونها مقول القول. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَخْرُجُواْ﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد حتى بمعنى إلى. ﴿مِنْهَا﴾ متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أنْ﴾ المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى، بمعنى إلى تقديره: إلى خروجهم منها، الجار والمجرور، متعلق بـ ﴿نَدْخُلَهَا﴾. ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة، لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت عدم دخولنا إلى خروجهم، وأردت بيان حكم ما إذا خرجوا منها .. فأقول لك. ﴿إنْ﴾: حرف شرط. ﴿يَخْرُجُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَخْرُجُوا﴾. ﴿فَإِنَّا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إِنَّا﴾: ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. و (نا): ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها. ﴿دَاخِلُونَ﴾: خبر إنَّ مرفوع بالواو، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إنَّ﴾: الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)﴾.
﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿رَجُلَانِ﴾ ﴿يَخَافُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَيْهِمَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أَنْعَمَ﴾ وجملة ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ﴾ في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿رَجُلَانِ﴾، ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ إلى قوله ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت: ﴿ادْخُلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿عَلَيْهِمُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿ادْخُلُوا﴾. ﴿الْبَابَ﴾: مفعول به. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم قولنا: ادخلوا عليهم الباب، وأردتم بيان ما يترتب على الدخول .. فأقول لكم. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمنة معنى الشرط، في محل النصب على الظرفية،
стр. 3025
والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿دَخَلْتُمُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾. ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ (الفاء): رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا. ﴿إن﴾: حرف نصب. (الكاف): ضمير المخاطبين في محل النصب اسمها ﴿غَالِبُونَ﴾: خبر إنَّ، وجملة إنَّ جواب ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾: (الواو): استئنافية. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿توكلوا﴾. ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾: (الفاء): زائدة. ﴿توكلوا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿إِن﴾: حرف شرط جازم ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر كان، وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية محذوف معلوم مما قبلها تقديره: إنْ كنتم مؤمنين .. فتوكلوا على الله، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا مُوسَى﴾ إلى قوله: ﴿قَاعِدُونَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإنْ شئت قلت: ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد علم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على قوم موسى، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ في محل النصب مقول القول. ﴿أَبَدًا﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿نَدْخُلَهَا﴾. ﴿مَّا﴾. مصدرية ظرفية. ﴿دَامُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور خبر دام، وجملة دام صلة ما المصدرية ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف المقدر إليه تقديره: مدة دوامهم فيها وهذا الظرف المقدر (١) بدل من ﴿أَبَدًا﴾ بدل بعض من كل لأنَّ الأبد يعم الزمن المستقبل كله، ودوام الجبارين فيها بعضه،
стр. 3026
وظاهر عبارة الزمخشري يحتمل أن يكون بدل كل من كل، أو عطف بيان، والعطف قد يقع في النكرتين، على خلاف فيه تقدم. اهـ. "سمين". ﴿فَاذْهَبْ﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع. ﴿اذهب﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على موسى ﴿أَنْتَ﴾ تأكيد لضمير الفاعل المستتر ﴿وَرَبُّكَ﴾ معطوف على ضمير الفاعل المستتر في ﴿اذهب﴾ والجملة معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وَرَبُّكَ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه مرفوع عطفًا على العامل المستتر في ﴿اذهب﴾ وجاز ذلك للتأكيد بالضمير على حد قوله:
وَإِنْ عَلَى ضَمِيْرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ ... عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيْرِ الْمُنْفَصِلْ
الثاني: أنَّه مرفوع بفعل محذوف؛ أي: وليذهب ربك، ويكون من عطف الجمل، وقد تقدم لي نقل هذا القول، والرد عليه، ومخالفته لنص سيبويه عند قوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾.
الثالث: أنه مبتدأ والخير محذوف، والواو واو الحال.
والرابع: أن الواو للعطف، وما بعدها مبتدأ محذوف الخبر أيضًا، ولا محل لهذه الجملة عن الإعراب لكونها دعاء والتقدير: وربك يعينك. اهـ. "سمين".
﴿فَقَاتِلَا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿قاتلا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاذْهَبْ﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه ﴿هَاهُنَا﴾ ها: حرف تنبيه. هنا: ظرف مكان في محل النصب على الظرفية، مبني على السكون لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا، والظرف متعلق بـ ﴿قَاعِدُونَ﴾. ﴿قَاعِدُونَ﴾ خبر إنَّ، وجملة إن مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة.
стр. 3027
﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ﴾ إلى ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإنْ شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة في محل الجر مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿لَاَ﴾: نافية. ﴿أَمْلِكُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿موسى﴾، والجملة جواب النداء في محل خبر ﴿إنّ﴾ إنّ وأسمها وخبرها في محل نصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿نَفْسِي﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَأَخِي﴾ معطوف على ﴿نَفْسِي﴾ ﴿فَافْرُقْ﴾: (الفاء): حرف عطف وتقريع. ﴿افرق﴾: فعل دعاء وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مفرعة معطوفة على جملة ﴿لَا أَمْلِكُ﴾. ﴿بَيْنَنَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿افرق﴾. ﴿وَبَيْنَ الْقَوْمِ﴾: ظرف ومضاف إليه معطوف على ﴿بَيْنَنَا﴾. ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ صفة للقوم.
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإنْ شئت قلت: ﴿فَإِنَّهَا﴾: (الفاء): استئنافية. (إنَّ): حرف نصب. و (الهاء): اسمها. ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾: خبرها. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، وجملة (إنَّ) في محل النصب مقول (قال). ﴿أَرْبَعِينَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية وعلامة نصبه الياء. ﴿سَنَةً﴾ تمييز لـ ﴿أَرْبَعِينَ﴾، والظرف متعلق بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾. ﴿يَتِيهُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب حال من الضمير المجرور في ﴿عَلَيْهِمْ﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف لقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾ فيكون التحريم على هذا غير مؤقت بهذه المدة، أو هو ظرف لـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ فيكون التحريم مقيدًا بهذه المدة. والأول: تفسير كثير من السلف. وأمَّا الوجه الثاني: فيدل عليه ما روي أنَّ موسى ﵇ سار بعده بمن بقي منهم، ففتح أريحاء وأقام فيها ما شاء الله، ثم قبض. اهـ
стр. 3028
"كرخي". ﴿فَلَا تَأسَ﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع. ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَأسَ﴾: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة - وهو الألف - والفتحة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على موسى والجملة الفعلية معطوفة مفرعة على جملة (إنَّ) في محل النصب على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿عَلَى الْقَوْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَأسَ﴾. ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ الملوك: جمع مَلِك بفتح أوله وكسر ثانيه، والملك صاحب الملك، وصاحب الأمر، وصاحب السلطة على أمة أو قبيلة أو بلاد. ومعنى كونهم ملوكًا: أنَّهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا مملوكين لفرعون. ﴿عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ والأدبار جمع دبر بفتح أوله وسكون ثانيه، والدبر خلف الشيء ووراءه، تقول: جعل كلامي دبر أذنيه؛ أي: تغافل عنه ولم يلتفت إليه. والمعنى هنا: لا ترجعوا وراءكم هاربين من الأعداء ﴿قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ جمع سلامة لجبار قال (١) الزجاج: الجبار من الآدميين العاثي، وهو البالغ النهاية في الفساد أو الكفر، أو الذي يجبر الناس على ما يريد، وأصله على هذا من الإجبار، وهو الإكراه؛ فإنَّه يجبر غيره على ما يريده، يقال: أجبره إذا أكرهه، وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم، فأصل الجبار على هذا: المصلح لأمر نفسه، ثم استعمل في كل من جر إلى نفسه نفعًا بحق أو باطل. قال الفراء: لم أسمع فعالًا من أفعل إلا في حرفين: جبار من أجبر، ودراك من أدرك. وقال أبو حيان: والجبار فعال من الجبر، كأنه لقوته وبطشه يجبر الناس على ما يختار، والجبارة النخلة الطويلة العالية التي لا تنال بيد، واسم الجنس جبار. والمراد هنا: أنهم قوم عظام الأجسام، طوال متعاظمون، قيل: هم قوم من بقية قوم عاد، وقيل: هم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وقيل: هم من الروم، ويقال: إنَّ منهم عوج بن عنق المشهور المفرط، وما ذكره بعض المفسرين هنا والقصاصون في
стр. 3029
قصة عوج بن عنق من الأكاذيب الباطلة، والخرافات الفاشية، مما ينبغي أن يجرد الكتاب منها، وأن نضرب عنها صفحًا.
﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ من التيه، وهو في اللغة الحيرة، يقال: منه تاه يتيه تيهًا، من باب باع، أو تاه يتوه توهًا من باب قال: إذا تحير في أمره. والأرض (١) التوهاء: التي لا يهتدى فيها وأرض تيه، وقال ابن عطية: التيه لذهاب في الأرض إلى غير مقصود.
﴿فَلَا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ والأسى (٢): الحزن، يقال: أسى من باب جوى بكسر العين، يأسى أسى بفتحها، ولام الكلمة يحتمل أن تكون من واو، وهو الظاهر لقولهم: رجل أسوان بزنة سكران؛ أي: كثير الحزن، ويقال في تثنيته: أسوان، ويحتمل أن تكون من ياء، فقد حكى رجل أسيان؛ أي: كثير الحزن، فتثنيته على هذا أسيان. اهـ "سمين". وفي "المصباح" أسي أسى من باب تعب إذا حزن، فهو أسود مثل حزين، وأسوت بين القوم أصلحت، وآسيته بنفسي بالمد سويته، ويجوز إبدال الهمزة واوًا في لغة اليمن فيقال: وسيته انتهى. وفي "المختار" وأسا على مصيبته من باب عدا؛ أي: حزن، وقد أسى له؛ أي: حزن له انتهى.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة والبلاغة والبديع:
فمنها: التكرار في قوله: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، وفي قوله: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿مُّلُوكًا﴾؛ لأن المعنى: جعلكم كالملوك في الاستقلال بأمر أنفسكم.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ لأنه كناية عن الهرب، وفي
стр. 3030
قوله: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ لأنه كناية عدم التقدم للحرب، وفي قوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ لأنه كناية عن الفصل والحكم بينهم.
ومنها: التنبيه والإشارة في قوله: ﴿هَاهُنَا﴾.
ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾؛ لأنها جملة اعتراضية لبيان فضل الله على عباده الصالحين.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ لأن المحرم عليهم دخولُ الأرض المقدسة لا ذاتها.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ لأنه بمعنى قدَّر الله لكم.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾، وفي قوله: ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾، وفي قوله: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا﴾.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿مَا دَامُوا فِيهَا﴾؛ لأنه مؤكِّد لقوله: ﴿أَبَدًا﴾؛ لأنه على تقدير الظرف؛ لأن المعنى: لن ندخُلَها أبدًا مدَّة دوامهم فيها.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
انتهوا في خور الطبيعة وهلع النفوس والجبن والفزع إلى غاية بحيث قالوا لنبيهم الذي ظهرت على يديه خوارق عظيمة، وقد أخبرهم أن الله كتب لهم الأرض المقدسة: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وانتهى قابيل إلى طرف نقيض منهم من الجسارة، والعتو، وقوة النفس، وعدم المبالاة، بأن أقدم على أعظم الأمور وأكبر المعاصي بعد الشرك وهو قتل النفس التي حرم الله قتلها؛ بحيث كان أول من سن القتل، وكان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة، فاشتبهت القصتان من حيث الجبن عن القتل والإقدام عليه، ومن حيث المعصية بهما.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) حسد اليهود للنبي ﷺ ، وإعراضهم عن دعوته مع وضوح البراهين الدالة على صدقه، وكثرة الآيات المثبتة لنبوته، حتى هم قوم منهم أنْ يبسطوا أيديهم لقتله، وقتل كبار أصحابه؛ كما ذكر ذلك في قوله: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ .. ذكر هنا قصة ابني آدم بيانًا لكون الحسد - الذي صرف اليهود عن الإيمان بالنبي ﷺ وحملهم على عداوته - عريقًا في الآدميين وأثرًا من أثار سلفهم، كان لهؤلاء منه الحظ الأوفر. فلا تعجب من حالهم بعد هذا؛ فإن لهم أشباهًا ونظائر في البشر كابني آدم، وقد حدث بينهم من أجل التحاسد سفك الدماء، وقتل الأخ أخاه، وبذر تلك البذور السيئة في بني آدم إلى قيام الساعة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة (٢)؛ لأنَّ الله لما ذكر في الآية قبلها تغليظ الإثم في قتل النفس بغير نفس ولا فسادٍ في الأرض .. أتبعه ببيان الفساد في الأرض الذي يوجب القتل؛ فإن بعض ما يكون فسادًا في الأرض لا يوجب القتل، ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من
стр. 3033
أهل الإِسلام.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله لمَّا بين فظاعة جرم القتل، وشدد في تبعة القاتل، فذكر أن من قتل نفسًا بغير حق فكأنَّما قتل الناس جميعًا .. ذكر هنا العقاب الذي يؤخذ به المفسدون في الأرض؛ حتى لا يتجرأ غيرهم على مثل فعلهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنَّ الله لما ذكر فيما سلف أن اليهود قد هموا ببسط أيديهم إلى الرسول حسدًا منهم له، وغرورًا بدينهم، واعتقادًا منهم أنَّهم أبناء الله وأحباؤه .. أمر المؤمنين بأنْ يتقوه، ويبتغوا إليه الوسيلة بالعمل الصالح، ولا يفتتنوا بدينهم كما فعل أهل الكتاب، ثم أكد ذلك فبين أنَّ الفوز والفلاح لا يكون إلا بهما، فمن لم ينلهما لاقى من الأهوال يوم القيامة ما لا يستطاع وصفه.
وقال أبو حيان: (٢) مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّه لما ذكر جزاء من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا من العقوبات الأربع، والعذاب العظيم المعد لهم في الآخرة .. أمر المؤمنين بتقوى الله وابتغاء القربات إليه؛ فإن ذلك هو المنجي من المحاربة والعذاب المعد للمحاربين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٣): أنَّ الله لما أرشد المؤمنين إلى معاقد الخير ومفاتح السعادة، وذكر فوزهم في الآخرة وما آلوا إليه من الفلاح .. شرح حال الكفار، وعاقبة كفرهم، وما أعد لهم من العذاب.
стр. 3034
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ...﴾ الآيتين، وقد ذهب أكثر الأئمة (١) إلى أنَّ الآيتين نزلتا في عكل وعرينة؛ فقد روى أحمد والبخاري ومسلم وأصحابُ السنن عن أنسٍ ﵁: أنَّ ناسًا من عكل وعرينة قدموا على النبي ﷺ ، وتكلموا بالإِسلام، فاستوخموا المدينة - وجدوها رديئة المناخ - فأمر لهم النبي ﷺ بذود - بضع من الإبل - وراعٍ، وأمرهم أنْ يخرجوا فيشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبيّ ﷺ ، واستاقوا الذود، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم - كحلوها بمسامير الحديد المحماة - وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم، زاد البخاري: أن قتادة الذي روى الحديث عن أنس نقال: بلغنا أن النبي ﷺ بعد ذلك (كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة). وروى أبو داودَ والنسائي عن أبي الزناد أنَّ رسول الله ﷺ لما قطع الذين سرقوا لقاحه، وسمل أعينهم بالنار، عاتبه الله تعالى في ذلك فأنزل: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٢٧ - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: واقرأ يا محمَّد على هؤلاء الحسدة من اليهود وأشباههم ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ ﵇؛ أي: خبر ولدي آدم من صلبه على الراجح عند المفسرين قابيل وهو أكبرهما وهابيل وهو أصغرهما تلاوةً متلبسة ﴿بِالْحَقِّ﴾ والصدق، مظهرة وكاشفة له، ومبينة لغرائز البشر وطبائعهم، وهي أنَّهم جبلوا على التباين والاختلاف الذي يفضي إلى التحاسد، والبغي، والقتل، ليعلموا الحكمة فيما شرعه الله في عقاب البغاة من الأفراد والجماعات، ويفقهوا أن بغي اليهود على الرسول والمؤمنين ليس من دينهم في شيء، وإنَّما ذاك للحسد
стр. 3035
والبغضاء، فما مثلهم إلا مثل ابني آدم؛ إذ حسد شرهما خيرهما، فبغى عليه فقتله، وكان مآله ما بينه الله في الآيات بعد. وهذه القصة دالة على أن كل ذي نعمة محسود، فلمَّا كانت نعم الله على سيدنا محمد ﷺ أعظم النعم، كان أهل الكتاب استخرجوا أنواع المكر في حقه ﷺ حسدًا منهم، فكان ذكر هذه القصة تسلية من الله تعالى لرسوله ﷺ ﴿إِذْ قَرَّبَا﴾؛ أي: واتل عليهم قصتهما ليعتبروا بها حين قرب وقدم كل منهما إلى الله ﴿قُرْبَانًا﴾ وصدقة؛ بأمر أبيهما - وهو اسم لما يتقرب به إلى الله تعالى من ذبيحة أو صدقة .. ﴿فَتُقُبِّلَ﴾ القربان ﴿مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ وهو هابيل أصغرهما؛ أي: تقبل الله منه قربانه لتقواه، وإخلاصه، وطيب نفسه به ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ﴾ القربان ﴿مِنَ الْآخَرِ﴾ وهو قابيل أكبرهما أي لم يتقبل الله منه قربانه لعدم التقوى والإخلاص. ولم يبين الله سبحانه لنا كيف علمًا أنَّه تقبل من أحدهما دون الآخر، وربَّما كان ذلك بوحي من الله تعالى لأبيهما آدم ﵇. روي (١) عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما: أنَّ أحدهما كان صاحب حرث وزرع فقرب شر ما عنده وأردأه، غير طيبة به نفسه، وكان الآخر صاحب غنم وقرب أكرم غنمه، وأسمنها وأحسنها، طيبة به نفسه، كما روي عن بعضهم أن القربان المقبول كانت تجيء النار من السماء لتأكله، ولا تأكل غير المقبول، وكل هذا من الأخبار الإسرائيلية التي ليس لها مستند يوثق.
والقرابين عند اليهود أنواع: منها المحرقات للتكفير عن الخطايا بذبح ذكور البقر والغنم السالمة من العيوب، ومنها التقدمات من الدقيق والزيت والألبان، ومنها ذبائح السلامة لشكر الرب تعالى، والقربان عند النصارى: ما يقدسه الكاهن من الخبز والخمر، فيتحول في اعتقادهم إلى لحم المسيح ودمه حقيقة، والقربان عند المسلمين: اسم لذبائح النسك كالأضاحي وغيرها.
فأضمر الذي لم يتقبل منه القربان - وهو قابيل - لأخيه هابيل الحسد إلى أن
стр. 3036
أتى آدم مكة لزيارة البيت وغاب، فأتى قابيل لهابيل وهو في غنمه وقال؛ أي: قابيل لهابيل: والله لأقتلنك يا هابيل؛ أي: إن الذي لم يتقبل منه توعد أخاه وحلف ليقتلنه، فقال هابيل: ولم تقتلني؟ قال قابيل: لأن الله تقبل قربانك ورد قرباني، وتريد أن تنكح أختي الجميلة وأنكح أختك الدميمة، فيتحدث الناس بأنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي. وقرأ زيد بن علي: ﴿لأقتلنْك﴾ بالنون الخفيفة. فأجابه الآخر الذي هو هابيل أحسن جواب ﴿فقال﴾: وما ذنبي الذي حملك على قتلي؟ فإن عدم قبول قربانك لعدم إخلاصك وتقواك لأنَّه ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾ القرابين، وسائر الأعمال الصالحة ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي ممن يتصف بتقوى الله، والخوف من عقابه باجتنابه الشرك، وسائر المعاصي كالرياء، والشح، واتباع الأهواء.
وخلاصة جوابه: إني لم أذنب إليك ذنبًا تقتلني به، فإن كان الله لم يتقبل قربانك .. فحاسب نفسك لتعرف سبب ذلك؛ فإن الله إنما يتقبل من المتقين فاحمل نفسك على تقوى الله، والإخلاص له في العمل، ثم تقرب إليه بالطيبات يتقبل منك. قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾. وفي الحديث: "إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب". وفي هذا من العبرة ما كان ينبغي أن يتعظ يه المراؤون الذين يبتغون بما يتصدقون به الصيت - الذكر الحسن - واجتلاب الثناء من الناس، وحسن الأحدوثة.
٢٨ - ثم بين الله ما يجب للناس من احترام الدماء، وحفظ الأنفس، ولا سيما بين الأخوة فقال إخبارًا عن هابيل: والله ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ ومددت ﴿إلى يدك لـ﴾ ـكي ﴿تقتلني﴾ وتباشر قتلي حسبما أوعدتني ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ﴾ وماد ﴿يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ يا قابيل ﴿لـ﴾ ـكي ﴿أقتلك﴾ وأباشر قتلك؛ أي: إن مددت يدك لتقتلني، فما أنا بالمجازي لك على السيئة بسئة مثلها، فذاك لا يتفق مع شمائلي، وصفاتي، وأخلاقي؛ إذ لست ممن يتصف بهذه الصفة المنكرة التي تنافي تقوى الله تعالى والخوف من عذابه. ثم بين علة امتناعه عن قتله فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وأخشى ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ومالك المخلوقات أن
стр. 3037
يعاقبني إن بسطت يدي إليك لأقتلك؛ أي: إنِّي أخاف الله، وأخشى أن يراني باسطًا يدي إلى الإجرام وسفك الدماء بغير حق، وهو رب العالمين الذي يغذيهم بنعمه، ويربيهم بفضله، وإحسانه، فالاعتداء على أرواحهم أكبر مفسدة لهذه التربية، ولا شك أن هذا الجواب يتضمن أبلغ الموعظة والاستعطاف لأخيه العازم على الجناية، وليس في الكلام ما يدل على عدم الدفاع ألبتة؛ ولكن فيه التصريح بعدم الإقدام على القتل، وقد روى الشيخان وأحمد وغيرهم قوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه .. فالقاتل والمقتول في النار" قيل: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".
٢٩ - ثم قفى على عظته البالغة، ونصائحه النافعة، بالتذكير بعذاب الآخرة من قبل أنَّ الوعظ لا يؤثر في كل نفس فقال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾ وأقصد بالابتعاد من مقابلة الجريمة بمثلها. وقرىء: ﴿أني أريد﴾ كما هو صح - بفتح الهمزة - بمعنى كيف أريد. ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ وترجع يا قابيل ﴿بِإِثْمِي﴾؛ أي: بإثم قتلك إياي ﴿وَإِثْمِكَ﴾ الذي كان مثل قبل قتلي؛ أي: وإثمك الخاص بك، الذي كان من أثاره عدم قبول قربانك. وروي هذا عن ابن عباس. وقيل: (١) إن المراد أنَّ القاتل يحمل في الآخرة إثم من قتله، إنْ كان له آثام؛ لأن الذنوب والآثام التي فيها حقوق العباد لا يغفر الله منها شيئًا حتى يأخذ لكل ذي حق حقه، فيعطي المظلوم من حسنات الظالم ما يساوي حقه إنْ كانت له حسنات توازي ذلك، أو يحمل الظالم من آثام المظلوم وأوزاره ما يوازي ذلك إنْ كان له آثام وأوزار، وما نقص من هذا أو ذاك، يستعاض عنه بما يوازيه من الجزاء في الجنة أو النار.
﴿فَتَكُونَ﴾؛ أي: فتصير سبب ما حملت من الإثمين ﴿مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وأهلها في الآخرة جزاء ظلمك ﴿وَذَلِكَ﴾؛ أي: عذاب النار ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: عقاب من تعدى، وعصى أمر الله بقتل أخيه، وبسائر المعاصي. وقيل:
стр. 3038
المعنى وكينونتك (١) من أصحاب النار جزاؤك؛ لأنّك من جنس الظالمين؛ لانَّك ظالم في قتلي.
وقد سلك في عظته وجوهًا تأخذ بمجامع اللب، ويرعوي لها فؤاد المنصف، فقد تبرأ من كونه سببًا في حرمانه من تقبل القربان؛ لأن سبب التقبل عند الله هو التقوى، ثم انتقل إلى تذكيره بما يجب من خوف الده، ثم إلى تذكيره بأن المعتدي يحمل إثم نفسه، وإثم من اعتدى عليه، ثم إلى تذكيره بعذاب النار لأنَّها مثوى الظالمين؛ ثم أبان (٢) أنَّ المواعظ لم تجد فيه فتيلًا ولا قطميرًا، فماذا تغني الزواجر والعظات في نفس الحاسد الظالم؟ فقال:
٣٠ - ﴿فَطَوَّعَتْ﴾ وزينت ﴿لَهُ﴾؛ أي: لقابيل ﴿نَفْسُهُ﴾ الأمارة بالسوء، وسهلت عليه ﴿قَتْلَ أَخِيهِ﴾ هابيل ﴿فَقَتَلَهُ﴾؛ أي: أنَّه كان يهاب قتل أخيه، وتجبن فطرته دونه، وما زالت نفسه الأمارة تشجعه عليه حتى تجرأ وقتله عقب التطويع بلا تفكر ولا تدبر في العاقبة، والمشاهد بالاختبار من أحوال الناس أن من تحدثه نفسه بالقتل يجد من نفسه صارفًا، أو عدة صوارف تنهاه عن القتل، حتى تطوع له نفسه القتل بترجيح الفعل على الترك فحينئذ يقتل إنْ قدر.
قال ابن جريج (٣): لما قصد قابيل قتل هابيل لم يدرِ كيف يقتله، فتمثل له إبليس وقد أخذ طيرًا، فوضع رأسه على حجر، ثم رضخه بحجر آخر، وقابيل ينظر إليه، فعلم منه القتل، فوضع قابيل رأس هابيل بين حجرين وهو مستسلم صابر، وقيل: بل اغتاله وهو نائم فقتله. واختلف في موضع قتله، فقال ابن عباس .. على جبل نور وقيل: على عقبة حراء، وقيل: بالبصرة عند مسجدها الأعظم، وكان عمر هابيل يوم قتل عشرين سنة، ولكن هذا الكلام كله من الإسرائيليات التي لا مستند لها يوثق به. وقد تكلم (٤) المفسرون في أشياء من كيفية قتله، وعمره حين قتل، ولهم في ذلك اختلاف، ولم تتعرض الآية لشيء
стр. 3039
من ذلك. وقرأ الحسن وزيد بن علي والجراح والحسن بن عمران وأبو واقد: ﴿فطاوعته﴾ على أن فاعل بمعنى فعل، ﴿فَأَصْبَحَ﴾؛ أي: صار قابيل بقتل أخيه هابيل ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ دينًا ودنيا؛ لأنه أسخط والديه، وبقي مذمومًا إلى يوم القيامة؛ ولأن له عقابًا عظيمًا في الآخرة؛ أي: كان من الذين خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة، فهو في الدنيا قد قتل أبو الناس به، وهو الأخ المتقي الصالح، وخسر في الآخرة؛ لأنَّه لم يصر أهلًا لنعيمها الذي أعد للمتقين.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنَّه أول من سن القتل". متفق عليه.
٣١ - قال أصحاب الأخبار (١): لما قتل قابيل هابيل تركه بالعراء - الفضاء الذي لا يستتر فيه شيء - ولم يدر ما يصنع به؛ لأنَّه أول ميت من بني آدم على وجه الأرض، فقصدته السباع لتأكله، فحمله قابيل على ظهره في جراب أربعين يومًا، وقال ابن عباس ﵄: سنة حتى أروح وأنتن، فأراد الله أن يري قابيل سنته في موتى بني آدم في الدفن، فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، فحفر له بمنقاره ورجليه حفيرة، ثم ألقاه فيها، وواراه بالتراب، وقابيل ينظر، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾ وهيج وأظهر له ﴿غُرَابًا يَبْحَثُ﴾ ويحفر ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ حفيرة بمنقاره ورجليه بعد قتل صاحبه، ثم ألقاه فيها، وأثار التراب عليه، فتعلم قابيل ذلك من الغراب، واللام في قوله: ﴿لِيُرِيَهُ﴾ إمَّا (٢) متعلقة بـ ﴿بعث﴾ حتمًا والضمير المستكن فيه عائد إلى الله تعالى؛ أي: بعث الله الغراب ليري الله سبحانه القاتل قابيل ﴿كَيْفَ يُوَارِي﴾ ويستر ذلك القاتل ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾؛ أي: جيفة أخيه المقتول، أو متعلقة بـ ﴿يبحث﴾، أو بـ ﴿بعث﴾، والضمير راجع للغراب؛ أي: غرابًا يبحث في الأرض ليري ذلك الغراب القاتل كيف يواري سوأة أخيه، و ﴿كيف﴾ حال من ضمير يواري العائد
стр. 3040
إلى قابيل، كالضميرين البارزين، وهو معمول ليواري، وجملة الاستفهام معلقة للرؤية البصرية، أو العرفانية المتعدية لمفعول واحد قبل تعديتها بهمزة النقل وبعده لاثنين، وحينئذ فـ ﴿كيف﴾ في محل المفعول الثاني سادة مسده، والمراد بالسوأة الجسد لقبحه بعد موته.
وفي الآية إيماء إلى أنَّ الإنسان قد يستفيد من تجارب ما سواه، ولمَّا كان (١) الإنسان في أعماله موكولًا إلى كسبه واختياره، وكان هذا القتل أول قتل وقع من بني آدم، لم يعرف القاتل كيف يواري جثة أخيه المقتول الذي يسؤوه أن يراها بارزة للعيان، وفي ذلك دلالة على أن الإنسان في نشأته الأولى كان ساذجًا قليل المعرفة، لكن لما فيه من الاستعداد والعقل، كان يستفيد من كل شيء علمًا، واختبارًا، وتنمية لمعارفه وعلومه، وقد أعلمنا الله أنَّ القاتل تعلم دفن أخيه من الغراب، فإنَّه تعالى بعث غرابًا إلى ذلك المكان الذي هو فيه، فبحث في الأرض؛ أي: حفر برجليه فيها يفتش عن شيء كالطعام ونحوه، فأحدث حفرة في الأرض، فلما رآها القاتل - وقد كان متحيرًا في مواراة أخيه - زالت الحيرة عنه، واهتدى إلى دفنه في حفرة مثلها.
وقوله: ﴿لِيُرِيَهُ﴾؛ أي: أنَّه تعالى ألهم الغراب ذلك ليتعلم ابن آدم منه الدفن، وحين رأى القاتل الغراب يبحث في الأرض تعلم منه سنة الدفن، وظهر له جهله، وضعفه، كما أشار إلى ذلك سبحانه حاكيًا عنه: ﴿قَالَ﴾: قابيل ﴿يَا وَيْلَتَا﴾؛ أي: يا هلكتى أحضري إلي لأتعجب منك، فهذا أوانك - وهي كلمة جزع (٢) وتحسر، والألف فيها بدل من ياء المتكلم - والويل والويلة الهلكة والاستفهام في قوله: ﴿أَعَجَزْتُ﴾ استفهام (٣) تعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب؛ أي: يا ويلتى هل ضعفت ﴿أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الذي وارى الغراب الآخر ﴿فَأُوَارِيَ﴾ وأستر ﴿سَوْءَةَ أَخِي﴾؛ أي: جيفته وعورته عن الأعين
стр. 3041
﴿فَأَصْبَحَ﴾ قابيل ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ على حمله لهابيل على ظهره سنة؛ لأنَّه لم يعلم الدفن إلّا من الغراب، وعلى قتله؛ لأنَّه لم ينتفع بقتله، ولأنه سخط عليه بسببه أبواه وإخوته، فكان ندمه لأجل هذه الأسباب، لا لكونه معصية، وعلى استخفافه بهابيل بعد قتله لتركه في العراء؛ أي: الفضاء، فلما رأى أنَّ الغراب دفن غرابًا ميتًا .. ندم على قساوة قلبه، وقال: هذا أخي لحمه مختلط بلحمي، ودمه مختلط بدمي، فإذا ظهرت الشفقة من الغراب على غراب، ولم تظهر مني على أخي .. كنت دون الغراب في الرحمة والأخلاق الحميدة، فكان ندمه لهذه الأسباب، لا لأجل الخوف من الله تعالى، فلا ينفعه ذلك الندم. وقيل: قبل (١) هذه الجملة جملة محذوفة تقديرها: فوارى سوأة أخيه، ذكره أبو حيان.
والمعنى: قال القاتل (٢): وافضيحتي أقبلي فقد آن الأوان لمجيئك، فهل بلغ من عجزي أن كنت دون الغراب علمًا وتصرفًا، والندم الذي أظهره من الأمور التي تعرض لكل من يفعل شيئًا، ثم يتبين له خطأ فعله، وسوء عاقبته، والندم الذي يكون توبةً هو ما يصدر من الشخص خوفًا من الله تعالى، وحسرة على تعدي حدوده، وهو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: "الندم توبة". رواه أحمد والبخاري والحاكم والبيهقي.
فصل في ذكر قصة القربان وسببه وقصة قتل قابيل هابيل
ذكر أهل العلم بالأخبار والسير: أن حواء كانت تلد لآدم في كل بطن غلامًا وجارية، فكان جميع ما ولدته أربعين ولدًا في عشرين بطنًا، أولهم قابيل وتوأمته إقليما، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أم المغيث، ثم بارك الله تعالى في نسل آدم. قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفًا. واختلفوا في مولد قابيل وهابيل، فقال بعضهم: غشى أدم حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمئة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته إقليما في بطن، ثم هابيل وتوأمته لبودا في بطن. وقال محمَّد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم
стр. 3042
كان يغشى حواء في الجنة قبل أنْ يصيب الخطيئة، فحملت بقابيل وأخته، فلم تجد عليهما وحمًا، ولا وصبًا، ولا طلقًا، ولم تر دمًا وقت الولادة، فلما هبطا إلى الأرض تغشاها، فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم، والوصب، والطلق، والدم، وكان إذا كبر أولاده .. زوج غلام هذا البطن جارية بطن أخرى، وكان الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء غير توأمته التي ولدت معه؛ لأنَّه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم، فكبر قابيل وأخوه هابيل، وكان بينهما سنتان، فلمَّا بلغوا أمر الله آدم أن يزوج قابيل لبودا أخت هابيل، ويزوج هابيل إقليما أخت قابيل، وكانت إقليما أحسن وأجمل من لبودا، فذكر آدم ذلك لهما فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال: هي أختي وأنا أحق بها، ونحن من أولاد الجنة، وهما من أولاد الأرض. فقال أبوه آدم: إنَّها لا تحل لك، فأبى أن يقبل ذلك، وقال: إن الله لم يأمرك بهذا، وإنما هو من رأيك، فقال لهما آدم: قربا لله قربانًا، فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها - وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها، وإنْ لم تكن مقبولة لم تنزل النار بل تأكلها الطير والسباع - فخرجا من عند آدم ليقربا بالقربان، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب صبرة من طعام رديء، وأضمر في نفسه لا أبالي أتقبل مني أم لا، لا ليتزوج أختي أحد غيري، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقربه، وأضمر في نفسه رضي الله، فوضعا قربانهما على جبل، ثم دعا آدم، فنزلت النار من السماء فأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل، وقيل: بل رفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدى به الذبيح ﵇، قاله سعيد بن جبير وغيره. اهـ "خازن" مع بعض زيادات من "القرطبي".
قال المطلب بن عبد الله بن حنطب (١): لما قتل ابن آدم أخاه .. رجفت الأرض بمن عليها سبعة أيام، وشربت دم المقتول كما تشرب الماء، فناداه الله تعالى: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ فقال: ما أدري ما كنت عليه رقيبًا، فقال الله تعالى: إن دم أخيك ليناديني من الأرض، فلم قتلت أخاك؟ فقال: أين دمه إن قتلته؟ فحرم
стр. 3043
الله على الأرض من يومئذ أن تشرب دمًا بعده أبدًا.
ويروى عن ابن عباس قال: لما قتل قابيل هابيل، كان آدم بمكة لزيارة البيت، وكان أولاده بالهند، فاشتاك الشجر - أي ظهر له شوك - وتغيرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، وأغبرت الأرض، فقال: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند عند أولاده، فوجد قابيل قد قتل أخاه هابيل. وقيل: لما رجع آدم من مكة سأل قابيل عن أخيه؟ فقال: ما كنت عليه وكيلًا، فقال: بل قتلته، ولذلك اسود جلدك. وقيل: أن آدم مكث بعد قتل هابيل مئة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر فقال:
تَغَيَّرَتِ الْبِلاَدُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيْحُ
تَغَيَّرَ كُلُّ ذِيْ طَعْمٍ وَلَوْنٍ ... وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيْحِ
ويروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من قال: إن آدم قال شعرًا فقد كذب، وإن محمدًا ﷺ والأنبياء كلهم سواء، ولكن لما قتل هابيل رثاه آدم، وهو سرياني، فلما قال آدم مرثيته، قال لشيث: يا بني أنت وصي، احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرثى عليه، فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية، وهو أول من خط العربية، وكان يقول الشعر، فنظر في المرثية، فرد المقدم إلى المؤخر، والمؤخر إلى المقدم، فوزنه شعرًا، وزاد فيه أبياتًا منها:
وَمَا لِيْ لاَ أَجُوْدُ بِسَكْبِ دَمْعٍ ... وَهَابِيْلٌ تَضَمَّنَهُ الضَّرِيْحُ
أَرَى طُوْلَ الْحَيَاةِ عَلَيَّ غَمًّا ... فَهَلْ أَنَا مِنْ حَيَاتِي مُسْتَرِيْحُ
قال الزمخشري: ويروى أنَّه رثاه بشعر، وهو كذب بحت. وقال الإِمام الفخر الرازي: ولقد صدق صاحب "الكشاف" فيما قال. قال أهل الأخبار: فلما مضى من عمر آدم مئة وثلاثون سنة - وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة - ولدت له حواء شيئًا - وتفسيره هبة الله - يعني أنَّه خلف عن هابيل، وعلمه الله ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الخالق في كل ساعة، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وصار وصي آدم وولي عهده، وأما قابيل فقيل له: اذهب طريدًا شريدًا فزعًا
стр. 3044
مرعوبًا، لا تأمن من تراه، فأخذ بيد أخته إقليما، وهرب إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس، وقال له: إنَّما أكلت قربان هابيل لأنَّه كان يعبدها، فانصب أنت نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت النار، فهو أول من عبد النار، وكان قابيل لا يمر به أحد إلا رماه بالحجارة، فأقبل ابن لقابيل أعمى، ومعه ابنه، فقال ابن الأعمى لأبيه: هذا أبوك قابيل، فرماه بحجارة فقتله، فقال ابن الأعمى لأبيه: قتلت أباك قابيل! فرفع الأعمى يده ولطم ابنه فمات، فقال الأعمى: ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي. فلما مات قابيل عقلت إحدى رجليه بفخذه، وعلق بها، فهو معلق بها إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس حيث دارت، وعليه حظيرة من نار في الصيف، وحظيرة من ثلج في الشتاء، فهو يعذب بذلك إلى يوم القيامة. قالوا: واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من الطبول، والزمور، والعيدان، والطنابير، وانهمكوا في اللهو، وشرب الخمر، وعبادة النار، والفواحش، حتى أغرقهم الله تعالى جميعًا بالطوفان في زمن نوح ﵇، فلم يبق من ذرية قابيل أحد، وأبقى ذرية شيث ونسله إلى يوم القيامة. اهـ. من "الخازن".
وهذا كله من الإسرائيليات التي لا أصل لها ننقلها ولا نصدقها ولا نكذبها، ولكن يستأنس بها.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ - بألف بعد التاء وهي بدل من ياء المتكلم - وأصله: يا ويلتي بالياء، وهي قراءة الحسن، وأمال حمزة والكسائي وأبو عمرو ألف ويلتي. وقرأ الجمهور: ﴿أَعَجَزْتُ﴾ بفتح الجيم. وقرأ ابن مسعود والحسن وفياض بن غزوان وطلحة وسليمان بن علي بكسرها، وهي لغة شاذة؛ وإنما مشهور الكسر في قولهم: عجزت المرأة؛ إذا كبرت عجيزتها. وقرأ الجمهور: ﴿فَأُوَارِيَ﴾ بنصب الياء عطفًا على قوله: أن أكون؛ كأنه قال: أعجزت أنْ أواري سوأة أخي. وقرأ طلحة بن مصرف والفياض بن غزوان: ﴿فأواريْ﴾ بسكون الياء. فالأولى أن يكون على
стр. 3045
القطع؛ أي: فأنا أواري سوأة أخي، فيكون أواري مرفوعًا.
وقرأ الزهري: ﴿سَوَةَ أَخِي﴾ بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى الواو، ولا يجوز قلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ لأن الحركة عارضة، كهي في سمول لغة في سموءل. وقرأ أبو حفص: ﴿سوة أخي﴾ بقلب الهمزة واوًا وإدغام الواو فيه، كما قالوا في شيء: شيّ، وفي سيئة: سيَّة. قال الشاعر:
وَإِنْ رَأَوْا سَيَّةً طَارُوُا بِهَا فَرَحًا ... مِنِّي وَمَا عَلِمُوْا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوْا
٣٢ - وقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ الجمهور على أنَّه متعلق بقوله كتبنا الآتي، فحينئذ هو كلام مستأنف لا يوقف عليه، فالوقف على قوله: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ تام؛ أي: (١) من أجل ذلك المذكور من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام، وهي حصول خسارة الدين، والدنيا، وحصول الندم، والحسرة، والحزن في القلب.
ويروى عن نافع أنَّه كان يقف على اسم الإشارة، ويجعله من تمام الكلام الأول، وحينئذ الجار والمجرور متعلق بما قبله، واسم الإشارة عائد على ﴿قتل قابيل هابيل﴾. والمعنى: فأصبح قابيل من النادمين من أجل قتله هابيل وعدم موارته له التراب. وقرأ ابن القعقاع: ﴿مِن اجل ذلك﴾ بكسر الهمزة وحذفها، ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، كما قرأ ورش ﴿منَ اجل﴾ بحذفها وفتحها ونقل الحركة إلى النون، وقرأ الجمهور بفتح الهمزة، والمعنى على مذهب الجمهور: من أجل جناية قابيل على هابيل، وبسبب جريمته ومعصيته ﴿كَتَبْنَا﴾؛ أي: أوجبنا وفرضنا في التوراة ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ﴾؛ أي: أن الشأن والحال ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا﴾ واحدة من بني آدم ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أي: بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أو بغير فساد يوجب إهدار الدم، من كفر أو زنا أو قطع طريق. والمعنى (٢): أن نبأ ابني آدم هو الذي تسبب عنه الكتب المذكور على بني إسرائيل، وعلى هذا جمهور المفسرين، وخص بني
стр. 3046
إسرائيل بالذكر - وإنْ كان قبلهم أمم حرم عليهم قتل النقس، وكان القصاص فيهم - لأن السياق في تعداد جناياتهم؛ ولأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس، ووقع التغليظ فيهم إذ ذاك لكثرة سفكهم للدماء، وقتلهم للأنبياء، وتقديم الجار والمجرور على الفعل الذي هو متعلق به - أعني كتبنا - يفيد القصر؛ أي: من أجل ذلك لا من أجل غيره، ومن لابتداء الغاية.
وقرأ الجمهور: ﴿فَسَادٍ﴾ بالجر عطفًا على نفس. وقرأ الحسن بالنصب على تقدير فعل محذوف يدل عليه أول الكلام، أو أحدث فسادًا في الأرض وفي هذا ضعف. ومعنى قراءة الجمهور: أن من قتل نفسًا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض. وقد تقرر أن كل حكم مشروط بتحقق أحد شيئين، فنقيضه مشروط بانتفائهما معًا، وكل حكم مشروط بتحققهما معًا فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ضرورة أن نقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه، وقد اختلف في هذا الفساد المذكور في هذه الآية ماذا هو؟ فقيل: هو الشرك، وقيل: قطع الطريق، وظاهر النظم القرآني أنَّه هو كل ما يصدق عليه أنَّه فساد في الأرض، فيشمل الشرك، وقطع الطريق، وسفك الدماء، وهتك الحرم، ونهب الأموال، والبغي على عباد الله بغير حق، وهدم البنيان، وقطع الأشجار، وتغوير الأنهار، إلى غير ذلك. ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ في تعظيم (١) أمر القتل العمد العدوان، وكما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم مستشبع عند كل أحد .. فكذلك قتل الواحد مستفظع مستعظم، وكيف لا يكون مستعظمًا وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾. والمعنى: يقتل بها كما لو قتلهم جميعًا، ويصلى النار كما يصلاها لو قتلهم ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: ومن خلص نفسًا واحدة من المهلكات كالحرق، والغرق، والجوع المفرط، والبرد والحر المفرطين، أو تسبب في بقائها بعفو، أو منع عن قتلها ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يعني: أن له من الثواب مثل ثواب من أحيا الناس جميعًا، وقيل: (٢) معناه من استحل قتل مسلم بغير
стр. 3047
حقه .. فكأنما استحل قتل الناس جميعًا؛ لأنَّهم لا يسلمون منه، ومن تورع عن قتل مسلم .. فكأنَّما تورع عن قتل جميع الناس فقد سلموا منه.
وخلاصة معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا﴾ إلخ؛ أي. (١) أنَّه بسبب هذا الجرم الفظيع، والقتل الشنيع الذي فعله أحد هذين الأخوين ظلمًا وعدوانًا، فرضنا على بني إسرائيل أنَّه من قتل نفسًا؛ أي: بغير سبب موجب للقصاص الذي شرعه الله تعالى في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية. ﴿أَوْ﴾ قتل نفسًا بغير سبب ﴿فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ يسلب الأمن والطمأنينة، كالحرق، وإهلاك الحرث والنسل، كما تفعله عصابات اللصوص المسلحة المستعدة لقتل الأنفس، ونهب الأموال، أو إفساد الأمر على الدولة التي تقوم بتنفيذ حدود الله تعالى، من يفعل شيئًا من ذلك .. فكأنما قتل الناس جميعًا؛ إذ الواحد يماثل النوع، فمن استحل دمه بغير وجه حق .. استحل دم كل واحد كذلك لأنَّه مثله، والمقصد من ذلك تعظيم أمر القتل العمد العدوان، وتفخيم شأنه؛ أي: فكما أن قتل كل الخلق مستعظم مستبشع لدى الناس كلهم .. فكذلك قتل الواحد مستفظع مستعظم، وكيف لا يكون مستعظمًا وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية. وقرىء: ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ بحذف الهمزة وإلقاء فتحتها على النون. وقريء ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ بكسر الهمزة وهي لغة فيه كما مرّ. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ أي: ومن كان سببًا في حياة نفس واحدة بإنقاذها من موت كانت مشرفة عليه .. فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأنَّ الباعث له على الإنقاذ - وهو الشفقة والرحمة واحترام الحياة الإنسانية، والوقوف عند حدود الشرع - دليل على أنه إذا استطاع أن ينقذهم كلهم من الهلاك .. لا يدخر وسعًا، ولا يني في ذلك.
وفي الآية إرشاد إلى ما يجب عن وحدة البشر، وحرص كل منهم على حياة الجميع، والابتعاد عن ضرر كل فرد، فانتهاك حرمة الفرد انتهاك لحرمة الجميع،
стр. 3048
والقيام بحق الفرد بمقدار ما قرر له في الشرع قيام بحق الجميع، وكثيرًا ما يشير القرآن إلى وحدة الأمة ووجوب تكافلها، حتى إنه ليسند أعمال المتقدمين إلى المتأخرين، ويشير إلى أن جناية الإنسان على غيره تعد جناية على البشر كلهم.
ثم ذكر أن بني إسرائيل غلاظ القلوب، مسرفون في القتل وفي غيره، مع كثرة مجيء الرسل إليهم فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد جاءت بني إسرائيل ﴿رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم، المؤكدة لوجوب مراعاته، والمحافظة عليه، وببيان الأحكام والشرائع التي كتبنا عليهم، فلم تغن عن الكثير منهم شيئًا، إذ لم تهذب نفوسهم، ولم تطهر أخلاقهم، فكانوا بعد كل هذا التشديد عليهم في أمر القتل يسرفون فيه وفي سائر ضروب البغي والعدوان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: ثمَّ إنَّ كثيرًا من بني إسرائيل ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد مجيء الرسل، وبعد ما كتبنا عليهم تحريم القتل ﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾؛ أي: لمجاوزون حد الحق، ومبالغون في إكثار القتل، لا يبالون بعظمته؛ فإنهم كانوا أشدّ الناس جراءةً على القتل، حتى كانوا يقتلون الأنبياء. وإنَّما (١) قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ .. لأنّه تعالى علم أنَّ منهم من يؤمن بالله ورسوله وهم قليل منهم، وعبارة "البيضاوي" هنا: أي (٢) بعدما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة، تأكيدًا للأمر، وتجديدًا للعهد، كي يتحاموا عنها، كثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل، ولا يبالون به، وبهذا اتصلت الآية بما قبلها، والإسراف التباعد عن حدّ الاعتدال في الأمر.
والعبرة في قصة ابني آدم: أن الحسد كان مثار أول جناية في البشر، ولا يزال هو أسّ المفاسد في المجتمع، فترى الحاسد تثقل عليه نعمة الله على أخيه نسبًا، أو جنسًا، أو دينًا، فيبغي عليه ولو بما فيه ضرر له وللمحسود. والأمة التي تنشر بين أفرادها هذه الرذيلة، فلما تنجح وتتوجه همم أبنائها إلى ما يرقي شأنهم
стр. 3049
بين الأمم الأخرى، وقلما يتعاونون على ما فيه صلاحهم وتقدمهم في سائر مرافق الحياة، فيصبحون عبيدًا بعد أن كانوا سادة، وأذلاء بعد أن كانوا في عزة وبلهنية من العيش، كما رأينا وجربنا ذلك في بعض الشعوب الذين عليهم الاستئمار كشعوب الأروميا في شرقي أفريقيا.
٣٣ - ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: إنَّما (١) جزاء الذين يخالفون أحكام الله، وأحكام رسوله، أو إنَّما مكافأة الذين يحاربون أولياء الله، وأولياء رسوله، وهم المسلمون ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾؛ أي: يعملون في الأرض عمل فساد، أو يسرعون في الأرض مفسدين بالمعاصي من القتل، وأخذ المال ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ واحدًا بعد واحد إن قتلوا ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ ثلاثة أيام بعد القتل والصلاة عليهم. وقيل: يصلبون أحياءً، ثم يطعن بطنهم برمح حتى يموتوا إن جمعوا بين القتل وأخذ المال، وعبارة "المنهاج" في باب قاطع الطريق: فإن قتل وأخذ مالًا .. قتل ثمَّ صلب مكتفًا معترضًا على نحو خشبة ثلاثة أيام بلياليها وجوبًا، ثم ينزل إن لم يخف تغيره قبلها، وإلا أنزل وقت التغير، وقيل: يبقى وجوبًا حتى يتهرى ويسيل صديده تغليظًا عليه. وفي قول: يصلب حيًّا قليلًا، ثم ينزل فيقتل، والمراد بالقليل: أدنى زمن ينزجر به غيره عرفًا، انتهى مع بعض زيادات للرملي، و ﴿أو﴾ (٢) لتقسيم عقوباتهم تقسيمًا موزعًا على جناياتهم. قال ابن جريج: ﴿أو﴾ في جميع القرآن للتخيير إلا في هذه الآية. قال الشافعي ﵀: وبه أقول. اهـ. "كرخي". ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ بمفصل الكف ﴿وَأَرْجُلُهُمْ﴾ بمفصل القدم، حال كونها ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾؛ أي: مختلفة في القطع بأن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، والتشديد في ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ﴾: قراءة الجمهور، وهو للتكثير بالنسبة إلى الذين يوقع بهم الفعل، والتخفيف في ثلاثتها قراءة الحسن ومجاهد وابن محيصن، ذكره أبو حيان في "البحر" ﴿أَوْ يُنْفَوْا﴾؛ أي: يطردوا ويخرجوا ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرضهم التي يريدون الإقامة بها إلى مسافة قصر فما فوقها؛ لأنَّ المقصود من النفي
стр. 3050
الوحشة، والبعد عن الأهل والوطن. والظاهر أنَّ نفيه من الأرض هو إخراجه من الأرض التي حارب فيها. فإذا عين الإِمام جهة فليس للمنفي طلب غيرها؛ أي: ينفوا من الأرض إن أخافوا السبل، فالقتل (١) لمن قتل فقط، والصلب لمن قتل وأخذ المال، والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل، والنفي لمن أخاف فقط، قاله ابن عباس وعليه الشافعي.
وقال أبو حنيفة (٢): النفي من الأرض هو الحبس، وهو أختيار أكثر أهل اللغة، قالوا: والمحبوس قد يسمى منفيًّا من الأرض لأنَّه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها، ولا يرى أحدًا من أحبابه، فصار منفيًّا عن جميع اللذات والشهوات والطيبات، فكان كالمنفي في الحقيقة. قال الشاعر وهو مسجون:
خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أهْلِهَا ... فَلَسْنَا مِنَ الأَمْوَاتِ فِيْهَا وَلَا الأَحْيَا
إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ ... عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا
وَتُعْجِبُنَا الرُّؤيَا يَحُلُّ حَدِيْثَنَا ... إِذَا نَحْنُ أَصْبَحْنَا الْحَدِيْثَ عَنِ الرُّؤْيَا
وقال الشافعي: هذا النفي محمول على وجهين:
الأول: أن هؤلاء المحاربين إذا قتلوا وأخذوا المال .. فالإمام إنْ أخذهم أقام عليهم الحدّ، وإنْ لم يأخذهم طلبهم أبدًا، فكونهم خائفين من الإِمام هاربين من بلد هو المراد من النفي.
والثاني: القوم الذين يحضرون الواقعة، ويكثرون جمع هؤلاء المحاربين، ويخيفون المسلمين، ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال .. فإن الإِمام يأخذهم، ويعزرهم، ويحبسهم، فالمراد بنفيهم من الأرض هو هذا الحبس لا غير.
وقد جعل الله (٣) هذا النوع من العدوان محاربة الله ورسوله؛ لأنَّه اعتداء على الحق والعدل الذي أنزل الله على رسوله، ولما فيه من عدم الإذعان لدينه وشرعه في حفظ الحقوق، كما قال تعالى في المصرّين على أكل