← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

إسرائيل بالذكر - وإنْ كان قبلهم أمم حرم عليهم قتل النقس، وكان القصاص فيهم - لأن السياق في تعداد جناياتهم؛ ولأنهم أول أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس، ووقع التغليظ فيهم إذ ذاك لكثرة سفكهم للدماء، وقتلهم للأنبياء، وتقديم الجار والمجرور على الفعل الذي هو متعلق به - أعني كتبنا - يفيد القصر؛ أي: من أجل ذلك لا من أجل غيره، ومن لابتداء الغاية. وقرأ الجمهور: ﴿فَسَادٍ﴾ بالجر عطفًا على نفس. وقرأ الحسن بالنصب على تقدير فعل محذوف يدل عليه أول الكلام، أو أحدث فسادًا في الأرض وفي هذا ضعف. ومعنى قراءة الجمهور: أن من قتل نفسًا بغير سبب من قصاص، أو فساد في الأرض. وقد تقرر أن كل حكم مشروط بتحقق أحد شيئين، فنقيضه مشروط بانتفائهما معًا، وكل حكم مشروط بتحققهما معًا فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ضرورة أن نقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه، وقد اختلف في هذا الفساد المذكور في هذه الآية ماذا هو؟ فقيل: هو الشرك، وقيل: قطع الطريق، وظاهر النظم القرآني أنَّه هو كل ما يصدق عليه أنَّه فساد في الأرض، فيشمل الشرك، وقطع الطريق، وسفك الدماء، وهتك الحرم، ونهب الأموال، والبغي على عباد الله بغير حق، وهدم البنيان، وقطع الأشجار، وتغوير الأنهار، إلى غير ذلك. ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ في تعظيم (١) أمر القتل العمد العدوان، وكما أن قتل كل الخلق أمر مستعظم مستشبع عند كل أحد .. فكذلك قتل الواحد مستفظع مستعظم، وكيف لا يكون مستعظمًا وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾. والمعنى: يقتل بها كما لو قتلهم جميعًا، ويصلى النار كما يصلاها لو قتلهم ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: ومن خلص نفسًا واحدة من المهلكات كالحرق، والغرق، والجوع المفرط، والبرد والحر المفرطين، أو تسبب في بقائها بعفو، أو منع عن قتلها ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يعني: أن له من الثواب مثل ثواب من أحيا الناس جميعًا، وقيل: (٢) معناه من استحل قتل مسلم بغير

стр. 3047

حقه .. فكأنما استحل قتل الناس جميعًا؛ لأنَّهم لا يسلمون منه، ومن تورع عن قتل مسلم .. فكأنَّما تورع عن قتل جميع الناس فقد سلموا منه. وخلاصة معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا﴾ إلخ؛ أي. (١) أنَّه بسبب هذا الجرم الفظيع، والقتل الشنيع الذي فعله أحد هذين الأخوين ظلمًا وعدوانًا، فرضنا على بني إسرائيل أنَّه من قتل نفسًا؛ أي: بغير سبب موجب للقصاص الذي شرعه الله تعالى في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية. ﴿أَوْ﴾ قتل نفسًا بغير سبب ﴿فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ يسلب الأمن والطمأنينة، كالحرق، وإهلاك الحرث والنسل، كما تفعله عصابات اللصوص المسلحة المستعدة لقتل الأنفس، ونهب الأموال، أو إفساد الأمر على الدولة التي تقوم بتنفيذ حدود الله تعالى، من يفعل شيئًا من ذلك .. فكأنما قتل الناس جميعًا؛ إذ الواحد يماثل النوع، فمن استحل دمه بغير وجه حق .. استحل دم كل واحد كذلك لأنَّه مثله، والمقصد من ذلك تعظيم أمر القتل العمد العدوان، وتفخيم شأنه؛ أي: فكما أن قتل كل الخلق مستعظم مستبشع لدى الناس كلهم .. فكذلك قتل الواحد مستفظع مستعظم، وكيف لا يكون مستعظمًا وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية. وقرىء: ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ بحذف الهمزة وإلقاء فتحتها على النون. وقريء ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ بكسر الهمزة وهي لغة فيه كما مرّ. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ أي: ومن كان سببًا في حياة نفس واحدة بإنقاذها من موت كانت مشرفة عليه .. فكأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأنَّ الباعث له على الإنقاذ - وهو الشفقة والرحمة واحترام الحياة الإنسانية، والوقوف عند حدود الشرع - دليل على أنه إذا استطاع أن ينقذهم كلهم من الهلاك .. لا يدخر وسعًا، ولا يني في ذلك. وفي الآية إرشاد إلى ما يجب عن وحدة البشر، وحرص كل منهم على حياة الجميع، والابتعاد عن ضرر كل فرد، فانتهاك حرمة الفرد انتهاك لحرمة الجميع،

стр. 3048

والقيام بحق الفرد بمقدار ما قرر له في الشرع قيام بحق الجميع، وكثيرًا ما يشير القرآن إلى وحدة الأمة ووجوب تكافلها، حتى إنه ليسند أعمال المتقدمين إلى المتأخرين، ويشير إلى أن جناية الإنسان على غيره تعد جناية على البشر كلهم. ثم ذكر أن بني إسرائيل غلاظ القلوب، مسرفون في القتل وفي غيره، مع كثرة مجيء الرسل إليهم فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد جاءت بني إسرائيل ﴿رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: بالمعجزات الواضحة الناطقة بتقرير ما كتبنا عليهم، المؤكدة لوجوب مراعاته، والمحافظة عليه، وببيان الأحكام والشرائع التي كتبنا عليهم، فلم تغن عن الكثير منهم شيئًا، إذ لم تهذب نفوسهم، ولم تطهر أخلاقهم، فكانوا بعد كل هذا التشديد عليهم في أمر القتل يسرفون فيه وفي سائر ضروب البغي والعدوان، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: ثمَّ إنَّ كثيرًا من بني إسرائيل ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد مجيء الرسل، وبعد ما كتبنا عليهم تحريم القتل ﴿فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾؛ أي: لمجاوزون حد الحق، ومبالغون في إكثار القتل، لا يبالون بعظمته؛ فإنهم كانوا أشدّ الناس جراءةً على القتل، حتى كانوا يقتلون الأنبياء. وإنَّما (١) قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ .. لأنّه تعالى علم أنَّ منهم من يؤمن بالله ورسوله وهم قليل منهم، وعبارة "البيضاوي" هنا: أي (٢) بعدما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة، تأكيدًا للأمر، وتجديدًا للعهد، كي يتحاموا عنها، كثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل، ولا يبالون به، وبهذا اتصلت الآية بما قبلها، والإسراف التباعد عن حدّ الاعتدال في الأمر. والعبرة في قصة ابني آدم: أن الحسد كان مثار أول جناية في البشر، ولا يزال هو أسّ المفاسد في المجتمع، فترى الحاسد تثقل عليه نعمة الله على أخيه نسبًا، أو جنسًا، أو دينًا، فيبغي عليه ولو بما فيه ضرر له وللمحسود. والأمة التي تنشر بين أفرادها هذه الرذيلة، فلما تنجح وتتوجه همم أبنائها إلى ما يرقي شأنهم

стр. 3049

بين الأمم الأخرى، وقلما يتعاونون على ما فيه صلاحهم وتقدمهم في سائر مرافق الحياة، فيصبحون عبيدًا بعد أن كانوا سادة، وأذلاء بعد أن كانوا في عزة وبلهنية من العيش، كما رأينا وجربنا ذلك في بعض الشعوب الذين عليهم الاستئمار كشعوب الأروميا في شرقي أفريقيا. ٣٣ - ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: إنَّما (١) جزاء الذين يخالفون أحكام الله، وأحكام رسوله، أو إنَّما مكافأة الذين يحاربون أولياء الله، وأولياء رسوله، وهم المسلمون ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾؛ أي: يعملون في الأرض عمل فساد، أو يسرعون في الأرض مفسدين بالمعاصي من القتل، وأخذ المال ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ واحدًا بعد واحد إن قتلوا ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ ثلاثة أيام بعد القتل والصلاة عليهم. وقيل: يصلبون أحياءً، ثم يطعن بطنهم برمح حتى يموتوا إن جمعوا بين القتل وأخذ المال، وعبارة "المنهاج" في باب قاطع الطريق: فإن قتل وأخذ مالًا .. قتل ثمَّ صلب مكتفًا معترضًا على نحو خشبة ثلاثة أيام بلياليها وجوبًا، ثم ينزل إن لم يخف تغيره قبلها، وإلا أنزل وقت التغير، وقيل: يبقى وجوبًا حتى يتهرى ويسيل صديده تغليظًا عليه. وفي قول: يصلب حيًّا قليلًا، ثم ينزل فيقتل، والمراد بالقليل: أدنى زمن ينزجر به غيره عرفًا، انتهى مع بعض زيادات للرملي، و ﴿أو﴾ (٢) لتقسيم عقوباتهم تقسيمًا موزعًا على جناياتهم. قال ابن جريج: ﴿أو﴾ في جميع القرآن للتخيير إلا في هذه الآية. قال الشافعي ﵀: وبه أقول. اهـ. "كرخي". ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ بمفصل الكف ﴿وَأَرْجُلُهُمْ﴾ بمفصل القدم، حال كونها ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾؛ أي: مختلفة في القطع بأن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، والتشديد في ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ﴾: قراءة الجمهور، وهو للتكثير بالنسبة إلى الذين يوقع بهم الفعل، والتخفيف في ثلاثتها قراءة الحسن ومجاهد وابن محيصن، ذكره أبو حيان في "البحر" ﴿أَوْ يُنْفَوْا﴾؛ أي: يطردوا ويخرجوا ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرضهم التي يريدون الإقامة بها إلى مسافة قصر فما فوقها؛ لأنَّ المقصود من النفي

стр. 3050

الوحشة، والبعد عن الأهل والوطن. والظاهر أنَّ نفيه من الأرض هو إخراجه من الأرض التي حارب فيها. فإذا عين الإِمام جهة فليس للمنفي طلب غيرها؛ أي: ينفوا من الأرض إن أخافوا السبل، فالقتل (١) لمن قتل فقط، والصلب لمن قتل وأخذ المال، والقطع لمن أخذ المال ولم يقتل، والنفي لمن أخاف فقط، قاله ابن عباس وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة (٢): النفي من الأرض هو الحبس، وهو أختيار أكثر أهل اللغة، قالوا: والمحبوس قد يسمى منفيًّا من الأرض لأنَّه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها، ولا يرى أحدًا من أحبابه، فصار منفيًّا عن جميع اللذات والشهوات والطيبات، فكان كالمنفي في الحقيقة. قال الشاعر وهو مسجون: خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أهْلِهَا ... فَلَسْنَا مِنَ الأَمْوَاتِ فِيْهَا وَلَا الأَحْيَا إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ ... عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا وَتُعْجِبُنَا الرُّؤيَا يَحُلُّ حَدِيْثَنَا ... إِذَا نَحْنُ أَصْبَحْنَا الْحَدِيْثَ عَنِ الرُّؤْيَا وقال الشافعي: هذا النفي محمول على وجهين: الأول: أن هؤلاء المحاربين إذا قتلوا وأخذوا المال .. فالإمام إنْ أخذهم أقام عليهم الحدّ، وإنْ لم يأخذهم طلبهم أبدًا، فكونهم خائفين من الإِمام هاربين من بلد هو المراد من النفي. والثاني: القوم الذين يحضرون الواقعة، ويكثرون جمع هؤلاء المحاربين، ويخيفون المسلمين، ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال .. فإن الإِمام يأخذهم، ويعزرهم، ويحبسهم، فالمراد بنفيهم من الأرض هو هذا الحبس لا غير. وقد جعل الله (٣) هذا النوع من العدوان محاربة الله ورسوله؛ لأنَّه اعتداء على الحق والعدل الذي أنزل الله على رسوله، ولما فيه من عدم الإذعان لدينه وشرعه في حفظ الحقوق، كما قال تعالى في المصرّين على أكل

стр. 3051

الربا: ﴿فَأذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فمن لم يذعنوا لأحكام الشريعة .. يعدوا حاربين لله والرسول، ويجب على الإِمام الذي يقيم العدل ويحفظ النظام أن يقاتلهم على ذلك، كما فعل أبو بكر بمانعي الزكاة حتى يفيئوا ويرجعوا إلى أمر الله تعالى، ومن رجع منهم في أي وقت يقبل منه، ويكف عنه، وقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾؛ أي: يسعون فيها سعي فساد؛ أي: مفسدين لما صلح من أمور الناس في نظم الاجتماع وأسباب المعاش. وجمهور العلماء على أن الآية نزلت في قطاع الطريق من المسلمين، كما تدل على ذلك حادثة العرنيين الذين خدعوا النبي ﷺ والمسلمين بإظهار الإِسلام، حتى إذا تمكنوا من الإفساد بالقتل، والسلب .. عادوا إلى قومهم، وأظهروا شركهم معهم، وقد عاقبهم النبي ﷺ بمثل عقوبتهم عملًا بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ويشترط في المحاربين ثلاثة شروط: الأول: أن يكون معهم سلاح، وإلا كانوا غير محاربين. الثاني: أن يكون ذلك في الصحراء، فإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين كما قال أبو حنيفة والثوري وإسحاق. الثالث: أن يأتوا مجاهرة، ويأخذوا المال، فإن أخذوه خفية .. فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا .. فهم منتبهون لا قطع عليهم، وكذا إن خرج الواحد والإثنان على آخر قافلة، فاستلبوا منها شيئًا؛ لأنهم لا يرجعون إلى قوة ومنعة، وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم .. فهم قطاع طريق. والجزاء الذي يعاقب به أمثال هؤلاء المفسدين أحد أنواع أربعة: إما القتل، أو الصلب، أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض، وفوض لأولي الأمر الاجتهاد في تقدير العقوبة بقدر الجريمة. والحكمة في عدم التعيين والتفصيل: أن المفاسد كثيرة تختلف باختلاف الزمان والمكان، وضررها يختلف كذلك، فمنها القتل، ومنها السلب، ومنها هتك الأعراض، ومنها إهلاك الحرث والنسل؛ أي: قطع الشجر، وقلع الزرع، وقتل المواشي، والدواب، أو الجمع بين جريمتين أو أكثر من هذه المفاسد، فللإمام أن يقتلهم إن قتلوا، أو يصلبهم إنْ جمعوا بين أخذ المال والقتل، أو

стр. 3052

يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إنْ اقتصروا على أخذ المال، أو ينفوا من الأرض إن أخافوا الناس وقطعوا عليهم الطرق. وهؤلاء المفسدون ضوعفت لهم العقوبات، فالقتل العمد العدوان يوجب القتل، ويجوز لولي الأمر العفو وترك القصاص، فغلظ ذلك في قاطع الطريق، وصار القتل حتمًا لا هوادة فيه، ولا يجوز العفو عنه، وأخذ المال يتعلق به قطع اليمنى في غير قاطع الطريق بقطع الطرفين، وإن جمعوا بين القتل وأخذ المال .. جمع في حقهم بين القتل والصلب؛ لأن بقاءهم مصلوبين في ممر الطرق يكون سببًا لاشتهار إيقاع هذه العقوبة، فيصير ذلك زاجزًا لغيرهم عن الإقدام على مثل هذه المعصية، وإن اقتصروا على مجرد الإخافة عوقبوا بعقوبة خفيفة، وهي النفي من الأرض. ثم بين آثار هذه العقوبة في الدنيا والآخرة فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ الجزاء المذكور فيهم من القطع، والقتل، والصلب، والنفي. ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾؛ أي: ذل وهوان وفضيحة للمحاربين المذكورين في الدنيا بين الناس ليكونوا عبرة وعظة لغيرهم من المسلمين ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: شديد هو عذاب النار، وبقدر تأثير إفسادهم في تدنيس نفوسهم، وتدسيتها، وظلمة أرواحهم بما اجترحت من الذنوب والآثام. واستحقاق الأمرين إنما هو للكافر (١)، وأما المسلم: فإنَّه إذا أقيم عليه الحد في الدنيا .. سقطت عنه عقوبة الآخرة، فالآية محمولة على الكافر، أو إن فيها تقديرًا في قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ إلخ؛ أي: إذا لم تقم عليه الحدود المذكورة؛ لأنَّ (٢) المسلم إذا عوقب بجناية في الدنيا .. كانت عقوبته كفارة له، وإن لم يعاقب في الدنيا فهو في خطر المشيئة، إنْ شاء عذبه بجنايته ثم يدخله الجنة، وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، هذا مذهب أهل السنة. ففي (٣) "صحيح

стр. 3053

مسلم" عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: أنْ لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه؛ أي: يقذف بعضنا بعضًا، فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له، ومن ستره الله .. فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه). وعن عليّ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أذنب ذنبًا في الدنيا فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبًا في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه". رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. ٣٤ - ثم استثنى ممن يستحق العقوبة من تاب فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ورجعوا من شركهم وحربهم لله ورسوله، ومن السعي في الأرض بالفساد ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أيها الولاة بالأخذ لهم، فلا سبيل لكم عليهم بشيء من العقوبات المذكورة في الآية المتقدمة. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿غَفُورٌ﴾ لهم لما فرط منهم من الشرك وغيره ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم بقبول توبتهم. والمعنى: (١) لكم أن تعاقبوا هذا العقاب الذي تقدم ذكره من قطعوا الطريق وعثوا في الأرض فسادًا إلا من تابوا إلى الله، وأنابوا إليه من قبل أن يتمكن منهم الحاكم، ويقدر على عقوبتهم، فإن توبتهم حينئذ - وهم في قوة ومنعة - جديرة بأن تكون توبة خالصة لله، صادرة عن اعتقاد بقبح الذنب، والعزم على عدم العودة إلى فعل مثله، وليس سببها الخوف من عقاب الدنيا، وإذًا فهم قد تركوا الإفساد، ومحاربة الله ورسوله، ومن ثم لا يجمع لهم بين أشد العقاب في الدنيا والعذاب في الآخرة، بل يصير أمرهم لمغفرة الله ورحمته كما قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: فاعلموا أن الله غفور لما فرط من ذنوبهم، رحيم بهم يرفع العقاب عنهم، وهذه التوبة ترفع عنهم حق الله كله من عقاب في الدنيا والآخرة،

стр. 3054

ولكن تبقى حقوق العباد، فلمن سلبهم التائب أموالهم أيام إفساده أن يطالبوه بها، ولمن قتل منهم أحدًا أن يطالبوه بدمه، وهم مخيرون بين القصاص والديه والعفو، فقد ثبت عن الصحابة إسقاط الحد عمن تاب، ولم يثبت أن أحدًا تقاص التائب حقًّا ولم يسمع له الحاكم. وإذًا فتوبته لا تصح إلا إذا أعاد الأموال المسلوبة إلى أربابها، فإذا رأى ولي الأمر إسقاط حق مالي عن المفسد مراعاة للمصلحة العامة .. وجب أن يضمنه من بيت المال "وزارة المالية". والخلاصة: أن هاتين الآيتين تضمنتا عقاب المحاربين المفسدين في الأرض، الذين يعملون أعمالًا مخلة بالأمن على الأنفس، والأموال، والأعراض في بلاد الإِسلام، معتصمين في ذلك بقوتهم، مع عدم الإذعان لأحكام الشريعة باختيارهم، وهو أن يطاردهم الحكام ويتبعوهم حتى إذا قدروا عليهم .. عاقبوهم بتلك العقوبات بعد تقدير كل مفسدة بقدرها، ومراعاة المصلحة العامة، ومن تاب قبل القدرة عليه .. لا يعاقب بما هنا من العقوبات حكمه حكم سائر المسلمين. والظاهر (١) من الاستثناء المذكور في الآية عدم الفرق بين الدماء والأموال، وبين غيرها من الذنوب الموجبة للعقوبات المعينة المحدودة، فلا يطالب التائب قبل القدرة بشيء من ذلك، وعليه عمل الصحابة، وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّه لا يسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة، والحق: هو القول الأولى، وأما التوبة بعد القدرة فلا تسقط بها العقوبة المذكورة في الآية كما يدل عليه قيد ﴿قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ ٣٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقاب الله وسخطه بترك المنهيات ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾؛ أي: واطلبوا الوسيلة، والقرب إليه، واسحقاق مثوبته، ومرضاته بفعل المأمورات ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾؛ أي: في سبيل عبوديته، وطريق الإخلاص في معرفته وخدمته؛ أي: جاهدوا أنفسكم بكفها عن أهوائها، وحملها

стр. 3055

على النصفة والعدل في جميع الأحوال، وجاهدوا أعدائي، وأعداكم، وأتعبوا أنفسكم في قتالهم ومنعهم من مقاومة الدعوة ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وتظفرون بنيل مرضاته، وبالفوز بكراماته؛ أي: افعلوا كل هذا المذكور، رجاء الفوز والفلاح والسعادة في المعاش والمعاد والخلود في جنات النعيم. واعلم أنَّ (١) مجامع التكليف محصورة في نوعين: أحدهما: ترك المنهيات، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وثانيهما: فعل المأمورات وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ والمراد بطلب الوسيلة والقرب إليه تعالى هو تحصيل مرضاته، وذلك بالعبادات والطاعات. ولما أمر الله تعالى بترك ما لا ينبغي وبفعل ما ينبغي، وكان الانقياد لذلك عن أشق الأشياء على النفس، وأشدها ثقلًا على الطبع، لأن النفس لا تدعو إلا إلى المشتهيات واللذات المحسوسة .. أردف ذلك التكليف بقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾؛ أي: بمحاربة أعدائه البارزة والكامنة. ثم إن من يعبد الله تعالى فريقان: منهم من يعبده لا لغرض سوى الله، وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ ومنهم من يعبده للثواب مثلًا، وهو المشار إليه بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: تفوزون بالمحبوب، وتخلصون من المكروه، ٣٦ - ثم أكد ما سبق من أن مدار الفوز والفلاح تقوى الله وتزكية النفس، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: إن الذين جحدوا ربوبية ربهم، وعبدوا غيره من عجل أو صنم أو وثن وماتوا وهم على هذه الحال قبل التوبة ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾؛ أي: لو ثبت أن لكل واحد منهم ما في الأرض من أصناف أموالها، وذخائرها وسائر منافعها جيعًا ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾؛ أي: وضعفه معه ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾؛ أي: ليجعلوا كلًّا منهما فدية لأنفسهم ﴿من عذاب يوم القيامة﴾؛ أي: من تعذيب الله إياهم على تركهم أمره، وعبادتهم غيره، فافتدوا بذلك كله من العذاب الواقع يوم القيامة؛ ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: ما تقبل الله منهم ذلك فداء وعوضًا

стр. 3056

من عذابهم وعقابهم، وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله ﵎: لأهون أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا كلها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أيسر من هذا، وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، ولا أدخلك النار وأدخلك الجنة، فأبيت إلا الشرك". هذا لفظ مسلم، وفي رواية للبخاري قال: "يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: لقد كنت سألت ما هو أيسر من ذلك؛ أن لا تشرك بي". متفق عليه. ووحد (١) الضمير في ﴿به﴾ وإن كان قد تقدم شيئان: معطوف عليه ومعطوف، وهو ما في الأرض ومثله معه؛ إما لغرض تلازمهما، فأجرى مجرى الواحد كما قالوا: رب يوم وليلة مر بي، وإما لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، كأنَّه قال: ليفتدوا بذلك. قال الزمخشري: ويجوز أن تكون الواو في ﴿ومثله﴾ بمعنى مع فيوحد المرجوع إليه. وقرأ الجمهور: ﴿مَا تُقُبِّلَ﴾ مبينًا للمفعول، وقرأ يزيد بن قطيب: ﴿مَا تُقُبِّلَ﴾ مبينًا للفاعل؛ أي: ما تقبل الله منهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: بل هو معذبهم عذابًا موجعًا مؤلمًا لهم؛ لأنَّ سنته تعالى قد مضت بأن سبب الفلاح والنجاة إنما تكون من نفس الإنسان لا من خارج عنها ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾. وهذا هو الفارق بين الإِسلام وغيره من الأديان، فالنصارى يعتقدون أن خلاصهم وسعادتهم يكون بالمسيح فدية لهم يفتديهم بنفسه مهما كانت حالهم، والمسلمون يعتقدون أن العمدة في النجاة تزكية النفس بالفضائل والأعمال الصالحة. ٣٧ - فهذه الجملة الأخيرة تصريح بعدم قبول الفداء، وتصوير للزوم العذاب، فلا سبيل لهم إلى الخلاص منه. ثم ذكر ما يلاقونه من الأهوال حينئذ فقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾؛ أي: يتمنون الخروج من النار دار العذاب

стр. 3057

والشقاء بعد دخولهم فيها، ويقصدونه بقلوبهم إذا رفعهم لهب النار إلى فوق. وقيل: يكادون يخرجون منها لقوة النار ودفعها لهم، ولكن لا يقدرون ذلك. وقرأ الجمهور (١) ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾ مبينًا للفاعل، ويناسبه: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾. وقرأ النخعي وابن وثاب وأبو واقد: ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾ مبنيًّا للمفعول، ويضعف هذه القراءة وما هم بخارجين من النار. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ﴾ ألبتة، وإنَّما قال: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ﴾ بدل وما يخرجون للمبالغة ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: للكافرين خاصة دون عصاة المؤمنين ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: دائم، ثابت، لا يزول عنهم، ولا ينقطع ولا ينتقل أبدًا، تارة بالبرد، وتارة بالحر، وتارة بغيرهما. الإعراب ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾. ﴿وَاتْلُ﴾: (الواو): عاطفة أو استئنافية. ﴿اتل﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة - وهي الواو - وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على الجملة المقدرة في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ...﴾ إلخ، يعني: اذكر يا محمَّد لقومك وأخبرهم خبر ابني آدم، أو الجملة مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اتل﴾. ﴿نَبَأَ﴾: مفعول به، وهو مضاف. ﴿ابْنَيْ﴾: مضاف إليه وهو مضاف. ﴿آدَمَ﴾: مضاف إليه مجرور بالفتحة؛ لأنَّه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والعجمية. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور (٢) متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف تقديره: واتل عليهم تلاوةً متلبسة بالحق والصدق، حسبما تقرر في كتب الأولين. وفي "السمين" قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ فيه ثلاثة أوجه (٣): أحدها: أنَّه حال من فاعل ﴿اتل﴾ ذلك حال كونك متلبسًا بالحق؛ أي: بالصدق.

стр. 3058

الثاني: أنَّه حال من المفعول - وهو ﴿نَبَأَ﴾؛ أي: اتل نبأهما متلبسًا بالحق والصدق، موافقًا لما في كتب الأولين، لتقوم عليهم الحجة برسالتك. الثالث: أنَّه صفة لمصدر ﴿اتل﴾؛ أي: اتل ذلك تلاوةً متلبسةً بالحق والصدق، وكان هذا الوجه هو اختيار الزمخشري؛ لأنَّه بدأ به، وعلى كل من الأوجه الثلاثة: فالباء للمصاحبة وهي متعلقة بمحذوف. اهـ. ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لم مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية مبني على السكون لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًّا، والظرف متعلق بـ ﴿نَبَأَ﴾؛ أي اتل نبأهما وقصتهما الواقع في ذلك الوقت. ﴿قَرَّبَا﴾ فعل وفاعل. ﴿قُرْبَانًا﴾: مفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿فتقبل﴾: ﴿الفاء﴾): عاطفة. ﴿تقبل﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿قُرْبَانًا﴾. ﴿مِنْ أَحَدِهِمَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تقبل﴾ وتفعل هنا بمعنى الثلاثي المجرد، والجملة في محل الجر، معطوفة على جملة ﴿قَرَّبَا﴾. ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ﴾: الواو عاطفة. ﴿لم يتقبل﴾: جازم ومجزوم، ونائب فاعله ضمير يعود على القربان. ﴿مِنَ الْآخَرِ﴾: جار ومجرور، متعلق به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على ﴿الْآخَرِ﴾ والجملة مستأنفة. ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت قلت: (اللام): موطئة للقسم. ﴿أقتلن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل لها من الإعراب مبني على الفتح. و (الكاف): ضمير المخاطب في محل النصب مفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْآخَرِ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدِهِمَا﴾ والجملة

стр. 3059

مستأنفة. ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. ﴿يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: جار ومجرور، متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾. وقوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ إلى قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿لَئِنْ﴾: (اللام): موطئة لقسم محذوف. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿بَسَطْتَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿إِلَيَّ﴾ ﴿إلى﴾: حرف جر مبني بسكون على الألف المنقلبة ياء مدغمة في ياء المتكلم. وياء المتكلم في محل الجر بـ ﴿إلى﴾ مبني على الفتح، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿بَسَطْتَ﴾ ﴿يَدَكَ﴾ مفعول به ومضاف إليه. ﴿لِتَقْتُلَنِي﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿تقتل﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله: ضمير مستتر يعود على ﴿الْآخَرِ﴾ والنون: نون الوقاية والياء: ضمير المتكلم في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لقتلك إياي، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿بَسَطْتَ﴾. ﴿مَا﴾: حجازية تعمل عمل ليس. ﴿أَنَا﴾ في محل الرفع اسمها. ﴿بِبَاسِطٍ﴾: خبرها، والباء: زائدة في خبر ﴿مَا﴾ الحجازية، وهو اسم فاعل يعمل عمل الفعل الصحيح، وفاعله: ضمير يعود على ﴿أَنَا﴾. ﴿يَدِيَ﴾: مفعول ﴿باسط﴾ ومضاف إليه. ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق ﴿بِبَاسِطٍ﴾ وجملة ﴿مَا﴾ الحجازية جواب القسم المحذوف لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف، دل عليه جواب القسم تقديره: إن بسطت إلى يدك لتقتلني .. فما أبسط يدي إليك لأقتلك، جريًا على القاعدة المقررة عند النحاة، من أنَّه إذا اجتمع شرط وقسم .. كان المذكور جوابًا للسابق منهما، إلا فيما استثني عندهم كما مر لك ذكره مرارًا. ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ﴿أَنْ﴾ حرف نصب. و (الياء): اسمها. ﴿أَخَافُ اللَّهَ﴾ فعل

стр. 3060

ومفعول. ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: صفة للجلالة ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على المتكلم، أعني: هابيل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة إن: في محل الجر بلام التعليل المقدرة معللة لما قبلها. ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾. ﴿إِنِّي﴾ حرف نصب. والياء اسمها. ﴿أُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المتكلم، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة إنَّ من اسمها وخبرها في محل الجر، معطوفة على جملة إن الأولى على كونها تعليلًا ثانيًا لما قبلها. وقال أبو السعود: وإنَّما لم يعطف على التعليل قبله .. تنبيهًا على كفاية كل منهما في العلية. انتهى. ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ ناصب ومنصوب، وفاعله ضمير المخاطب أعني قابيل. ﴿بِإِثْمِي﴾: جار ومجرور ومضاف، متعلق بـ ﴿تَبُوءَ﴾. ﴿وَإِثْمِكَ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿تَبُوءَ﴾: صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: إنِّي أريد بوءك بإثمي وإثمك، ﴿فَتَكُونَ﴾: معطوف على ﴿تَبُوءَ﴾ منصوب، واسمها ضمير يعود على المخاطب. ﴿مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر ﴿تكون﴾. ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾. ﴿فَطَوَّعَتْ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿طوعت﴾: فعل ماضٍ. ﴿لَهُ﴾ متعلق به، ﴿نَفْسُهُ﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿قَتْلَ أَخِيهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾. ﴿فَقَتَلَهُ﴾: (الفاء): عاطفة تفريعية. ﴿قتله﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على القاتل، والجملة معطوفة على جملة ﴿طوعت﴾. ﴿فَأَصْبَحَ﴾: (الفاء): عاطفة تفريعية. ﴿أصبح﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على القاتل. ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿أصبح﴾ وجملة ﴿أصبح﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَقَتَلَهُ﴾.

стр. 3061

﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾. ﴿فَبَعَثَ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنَّه قتل أخاه، وأردت بيان ما فعله بجيفة أخيه .. فأقول لك: ﴿بعث الله غرابًا﴾: ﴿بعث الله﴾: فعل وفاعل. ﴿غُرَابًا﴾: مفعول، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿يَبْحَثُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْغُرَابِ﴾، والجملة صفة لـ ﴿غُرَابًا﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَبْحَثُ﴾. ﴿لِيُرِيَهُ﴾ اللام حرف جر وتعليل. ﴿يريه﴾: فعل ومفعول أول منصوب بأنْ مضمرة جوازًا بعد لام كي: لأنّه من أرى، بمعنى عرف يتعدى بالهمزة إلى مفعولين، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على ﴿اللَّهُ﴾ إن قلنا اللام متعلقة بـ ﴿بعث﴾، أو على الغراب إن قلنا هي متعلقة بـ ﴿يَبْحَثُ﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الحال من فاعل ﴿يُوَارِي﴾ مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا. ﴿يُوَارِي﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على القاتل أعني قابيل. ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، وجملة ﴿يُوَارِي﴾: في محل النصب سادة مسد المفعول الثاني لأرى؛ لأنَّها معلقة عنها باسم الاستفهام، وجملة يرى من الفعل والفاعل: صلة أنْ المضمرة، أنْ مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور إما متعلق بـ ﴿بعث﴾ تقديره: فبعث الله غرابًا، لإراءة الله إياه كيفية مواراة سوأة أخيه، أو متعلق بـ ﴿يَبْحَثُ﴾ تقديره: غرابًا يبحث في الأرض لإراءة الغراب إياه كيفية مواراة سوأة أخيه. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿لِيُرِيَهُ﴾ إما متعلق بـ ﴿بعث﴾، فالضمير المستتر في الفعل عائد على ﴿اللَّهُ﴾ أو متعلق بـ ﴿يَبْحَثُ﴾ فالضمير عائد على الغراب. وفي "السمين" قوله: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي﴾ هذه اللام يجوز فيها وجهان: أحدهما: أنَّها متعلقة بـ ﴿يَبْحَثُ﴾؛ أي: ينبش ويثير التراب للإراءة. والثاني: أنَّها متعلقة بـ ﴿بعث﴾، وكيف معمولة لـ ﴿يُوَارِي﴾، وجملة الاستفهام معلقة للرؤية البصرية، فهي في محل المفعول الثاني سادة مسده؛ لأنَّ رأى البصرية قبل تعديتها بالهمزة متعدية لواحد، فاكتسبت بالهمزة مفعولًا آخر،

стр. 3062

وتقدم نظيرتها في قوله: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾. اهـ. ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على القاتل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا وَيْلَتَا﴾: إلى قوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإنْ شئت قلت: ﴿يَا وَيْلَتَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿ويلتى﴾: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف بعد قلب الكسرة فتحة لمناسبة الألف، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، ويلة: مضاف. و (ياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف): في محل الجر مضاف إليه، مبني على السكون لشبهها بالحرف شبهًا وضعيًّا، وجملة النداء: في محل النصب مقول. ﴿قَالَ﴾. وفي هذا المقام بحث نفيس ذكرته في رسالتي "هدية أولي العلم والإنصاف في إعراب المنادى المضاف". ﴿أَعَجَزْتُ﴾: (الهمزة): للاستفهام التعجبي. ﴿عجزت﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنْ أَكُونَ﴾: ناصب وفعل ناقص واسمه ضمير المتكلم يعود على القاتل، ﴿مِثْلَ هَذَا﴾: خبر أكون ومضاف إليه. ﴿الْغُرَابِ﴾: بدل من اسم الإشارة، وجملة ﴿أَنْ﴾: المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: أعجزت كوني مثل هذا الغراب. ﴿فَأُوَارِيَ﴾: (الفاء): عاطفة، ﴿أُوَارِيَ﴾؛ معطوف على ﴿أَكُونَ﴾ وفاعله ضمير يعود على القاتل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَكُونَ﴾. ﴿سَوْءَةَ أَخِي﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ (الفاء): عاطفة. ﴿أصبح﴾: فعل ماضٍ ناقص واسمه ضمير يعود على القاتل. ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿أصبح﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَتَبْنَا﴾ وتقديمه

стр. 3063

عليه لإفادة الحصر، و ﴿كَتَبْنَا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة، ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَتَبْنَا﴾. ﴿أَنَّهُ﴾: أنَّ حرف نصب ومصدر. والهاء: ضمير الشأن في محل النصب اسمها. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب أو الشرط أو هما. ﴿قَتَلَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿نَفْسًا﴾: مفعول به. ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَتَلَ﴾، أو حال من الضمير في ﴿قَتَلَ﴾ كما ذكره أبو البقاء؛ أي: مَنْ قتل نفسًا ظالمًا، ﴿أَوْ فَسَادٍ﴾: معطوف على نفس، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بفساد؛ لأنَّه بمعنى إفساد، أو صفة له. ﴿فَكَأَنَّمَا﴾: الفاء: رابطة لجواب من الشرطية. ﴿كأنَّ﴾: حرف تشبيه ملغاة لا عمل لها. ﴿ما﴾: كافة لكفها ما قبلها عن العمل فيما بعدها. ﴿قَتَلَ النَّاسَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ﴿النَّاسَ﴾، أو تأكيد له، وجملة من الشرطية في محل الرفع خبر أنَّ، وجملة أنَّ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿كَتَبْنَا﴾ تقديره: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل كون من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد .. مثل من قتل الناس جميعًا في هتك حرمة الدماء. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ (الواو): عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿أَحْيَاهَا﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿من﴾: وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الناس، أو تأكيد له، وجملة ﴿مَنْ﴾: الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿وَلَقَدْ﴾: (الواو): استئنافية. اللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿جَاءَتْهُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿رُسُلُنَا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة

стр. 3064

القسم المحذوف مستأنفة. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الرسل﴾؛ أي: حالة كونهم متلبسين بالبينات ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿إِنَّ كَثِيرًا﴾: ناصب واسمه. ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمسرفون الآتي، وكذلك يتعلق به الجار والمجرور في قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾. وكون (١) لام الابتداء، لا يعمل ما بعدهما فيما قبلها، محله إذا كانت اللام في محلها فإن زحلقت إلى الخبر عمل ما بعدها فيما قبلها كما هنا. ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾: اللام: لام الابتداء، زحلقت إلى الخبر. ﴿مسرفون﴾: خبر إنَّ، وجملة إنَّ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ على كونه جوابًا لقسم محذوف. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿جَزَاءُ الَّذِينَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُحَارِبُونَ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾. ﴿فَسَادًا﴾: مفعول من أجله. وفي "الفتوحات" وفي نصب ﴿فَسَادًا﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه مفعول من أجله؛ أي: يحاربون ويسعون لأجل الإفساد، وشرط النصب موجود. والثاني: أنَّه مصدر واقع موقع الحال؛ أي: ويسعون في الأرض مفسدين أو ذوي فساد، أو جعلوا نفس الفساد مبالغة. والثالث: أنَّه منصوب على المصدر؛ أي: أنَّه نوع من العامل قبله، لأنَّ يسعون معناه في الحقيقة يفسدون فسادًا، وفسادًا اسم مصدر قائم الإفساد، والتقدير: يفسدون في الأرض بسعيهم فسادًا. انتهت.

стр. 3065

﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾. ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾: ناصب وفعل ونائب فاعل، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الخبرية تقديره: إنَّما جزاء الذين يحاربون الله تقتيلهم، والجملة الإسمية مستأنفة ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿يُقَتَّلُوا﴾. ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾: فعل ونائب فاعل ومضاف إليه معطوف على ﴿يُقَتَّلُوا﴾. ﴿وَأَرْجُلُهُمْ﴾: معطوف على ﴿أَيْدِيهِمْ﴾، ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾: جار ومجرور حال من الأيدي والأرجل؛ أي: حالة كونها مختلفة في القطع بمعنى أنَّه تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ﴿أَوْ يُنْفَوْا﴾: فعل مغير الصيغة ونائب فاعل معطوف على ﴿يُقَتَّلُوا﴾. ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلق به، وأو في جميع الأمثلة للتقسيم والتنويع؛ أي: تقسيم عقوبتهم تقسيمًا موزعًا على حالتهم وجناياتهم. ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ أول. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿خِزْيٌ﴾: مبتدأ ثانٍ مؤخر. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿خِزْيٌ﴾ والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول، وجملة المبتدأ الأول مع خبرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. وفي "الفتوحات" وفي قوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون ﴿لَهُمْ﴾ خبرًا مقدمًا و ﴿خِزْيٌ﴾: مبتدأ مؤخرًا. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ صفة له، فيتعلق بمحذوف. والثاني: أن يكون ﴿خِزْيٌ﴾ خبرًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾ و ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بمحذوف على أنَّه حال من ﴿خِزْيٌ﴾؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدم عليه .. انتصب حالًا. والثالث: أنْ يكون ﴿لَهُمْ﴾: خبرًا لذلك و ﴿خِزْيٌ﴾: فاعل ورفع الجار هنا الفاعل لما اعتمد على المبتدأ. اهـ. "سمين". ﴿وَلَهُمْ﴾: (الواو): عاطفة.

стр. 3066

﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿عَذَابٌ﴾؛ لأنَّه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة له، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء من ﴿الَّذِينَ يُحَارِبُونَ﴾، ﴿تَابُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَابُوا﴾ قبل مضاف. ﴿أَنْ تَقْدِرُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من قبل قدرتكم، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقْدِرُوا﴾. ﴿فَاعْلَمُوا﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصح عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفتم هذا الاستثناء وأردتم بيان سعة رحمة الله وغفرانه .. فأقول لكم، ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذًا المقدرة مستأنفة. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿غَفُورٌ﴾ خبر أول لـ ﴿أَنَّ﴾. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثانٍ لها، وجملة أنَّ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ تقديره: فاعلموا كون الله تعالى غفورًا رحيمًا. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فيه وجهان: أحدهما: إنَّه منصوب على الاستثناء من المحاربين. والثاني: أنَّه مرفوع بالابتداء، والخبر قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، والعائد محذوف؛ أي: غفور لهم، ذكر هذا الثاني أبو البقاء، وحينئذ يكون الاستثناء منقطعًا بمعنى: لكن التائبون يغفر لهم. اهـ. "سمين". ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾:

стр. 3067

حرف تنبيه. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿وَابْتَغُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَابْتَغُوا﴾. وفي "الفتوحات" في ﴿إِلَيْهِ﴾ وجهان: أحدهما: أنَّه متعلق بالفعل قبله. والثاني: أنَّه متعلق بنفس الوسيلة. قال أبو البقاء: لأنَّها بمعنى المتوسل به، فلذلك عملت فيما قبلها يعني: أنَّها ليست بمصدر، حتى يمتنع أنْ يتقدم معمولها عليها، ويجوز أنْ يكون حالًا؛ أي: وابتغوا الوسيلة كائنة إليه، ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ مفعول به ﴿وَجَاهِدُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿وَجَاهِدُوا﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترج ونصب بمعنى كي، و (الكاف): اسمها. وجملة ﴿تُفْلِحُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ إنَّ: حرف نصب. واسم الموصول في محل النصب اسمها ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب مقدر. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، لـ ﴿أَنَّ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر عن خبرها. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. ﴿جَمِيعًا﴾ توكيد لاسم ﴿أَنَّ﴾ أو حال منه. ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿وَمِثْلَهُ﴾ ﴿مثل﴾: معطوف على اسم أنَّ وهو ما الموصولة، وقيل: إنَّه منصوب على أنَّه مفعول معه وهو رأي الزمخشري وهو مضاف، و (الهاء): مضاف

стр. 3068

إليه. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿مثله﴾ وجملة ﴿أنَّ﴾: من اسمها وخبرها في تأويل مصدر، مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف بعد لو الشرطية؛ لأنَّ لو الشرطية لا تدخل إلا على الفعل والتقدير: إنَّ الذين كفروا لو ثبت كون ما في الأرض جميعًا ومثله معه لهم ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ (اللام): لام كي. ﴿يَفْتَدُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأنْ مضمرة بعد لام كي. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يفتدوا﴾، وضميره عائد على ما الموصولة، وجيء بالضمير مفردًا وإن تقدمه شيئان وهما: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿وَمِثْلَهُ﴾، إما لتلازمهما، فهما في حكم شيء واحد؛ وإما لأنَّه حذف من الثاني لدلالة ما في الأول عليه كقوله: وَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيْبُ أي: لو أن لهم ما في الأرض ليفتدوا به ومثله معه ليفتدوا به، وإما لإجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، بأن يؤول المرجع المتعدد بالمذكور كما مر بعض ذلك في بحث التفسير ذكره في "الفتوحات". وجملة أنْ المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي تقديره: لافتدائهم به أنفسهم من عذاب يوم القيامة، الجار والمجرور، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر أن وهو لهم ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يفتدوا﴾ أيضًا. ﴿مَا﴾: نافية رابطة لجواب ﴿لَو﴾ وجاء على الأكثر من كون الجواب المنفي بغير لام. ﴿تُقُبِّلَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة بمعنى قبل، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾: الموصولة ومثله. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها في محل الرفع خبر إنَّ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والتقدير: إنَّ الذين كفروا غير مقبول منهم فداؤهم لو ثبت كون ما في الأرض جميعًا ومثله معه لهم فافتداؤهم به، وجملة إنَّ من اسمها وخبرها مستأنفة ﴿وَلَهُمْ﴾ (الواو): عاطفة. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة له، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية على كونها خبرًا لـ ﴿أَنَّ﴾. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾.

стр. 3069

﴿يُرِيدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، وجملة أنْ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: يريدون خروجهم من النار ﴿مِنَ النَّارِ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يَخْرُجُوا﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾): عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية. ﴿هُمْ﴾: ضمير الغائبين في محل الرفع اسمها. ﴿بِخَارِجِينَ﴾ خبرها و ﴿الباء﴾ فيه زائدة. ﴿مِنْهَا﴾: جار ومجرور متعلق ﴿بِخَارِجِينَ﴾ والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾. ﴿وَلَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مُقِيمٌ﴾: صفة له، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ اتل فعل أمر من تلا يتلو تلاوة، يقال: تلا الكتاب إذا قرأه، والتلاوة: القراءة، ولا تكاد تستعمل إلا في قراءة كلام الله تعالى، والنبأ: الخبر الذي يهتم به لفائدة ومنفعة عظيمة، سمي به لأنَّه يأتي من مكان إلى آخر، ويجمع على أنباء ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ والقربان فيه احتمالان (١): أحدهما: وبه قال الزمخشري: أنَّه اسم لما يتقرب به إلى الله من صدقة أو ذبيحة أو نسك أو غير ذلك، يقال: قرب صدقة وتقرب بها. والاحتمال الثاني: أنْ يكون مصدرًا في الأصل، ثم أطلق على الشيء المتقرب به كقولهم: نسج اليمن وضرب الأمير، ويؤيد ذلك أنَّه لم يثن مع أن الموضع موضع تثنية لأن كلًّا من قابيل وهابيل له قربان يخصه، والأصل إذ قربا قربانين، وإنَّما لم يثن؛ لأنَّه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد وغيره ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ يقال: بسط اليد إليه يبسط من باب نصر بسطًا إذا مدها إليه ليقتله ﴿أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يقال: باء يبوء بوءًا من باب قال: إذا رجع ويقال: باء بالحق، أو بالذنب، إذا أقر به، وباء فلان بفلان بواء، إذا قتل به وصار دمه بدمه، وفي

стр. 3070

النهاية لابن الأثير: أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي؛ أي: التزم وأقر. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فطوعت؛ أي: فشجعت وزينت. قرأ الجمهور (١): طوعت بتشديد الواو، ويقرأ شاذًّا: ﴿طَوَّعَتْ﴾ بوزن فاعل بالألف والتخفيف كما مر، وهما لغتان، والمعنى زينت، وقال: (طاوعت) تتعدى بغير لام، وهذا خطأ؛ لأن التي تتعدى بغير اللام تتعدى إلى مفعول واحد، وقد عداه ها هنا إلى قتل أخيه، وقيل: التقدير: طاوعته نفسه على قتل أخيه، فزاد اللام وحذف على، ذكره أبو البقاء. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ الغراب (٢) طائر معروف، ويجمع في القلة على أغربة، وفي الكثرة على غربان وغراب اسم جنس، وأسماء الأجناس إذا وقعت على مسمياتها من غير أن تكون منقولة من شيء .. فإن وجد فيها ما يمكن اشتقاقه حمل على أنَّه مشتق، إلا أن ذلك قليل جدًّا، بل الأكثر أن تكون غير مشتقة نحو: تراب وحجر وماء، ويمكن أن يكون غراب مأخوذًا من الاغتراب، فإن العرب تتشاءم به، وتزعم أنَّه دال على الفراق ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ البحث في الأرض .. نبش التراب وإثارته. ﴿لِيُرِيَهُ﴾ من أرى الرباعي التي هي مزيد رأى به. معنى: عرف المتعدية لواحد، فتتعدى بالهمزة لاثنين: الأول: الضمير البارز، والثاني: جملة كيف ﴿يُوَارِي﴾ يقال: وارى الشيء يواري مواراة، من باب فاعل إذا أخفاه، والسوأة ما يسوء ظهوره، والعورة والسوأة يجوز تخفيف همزتها بإلقاء حركتها على الواو، فتبقى سوأة أخيه، ولا تقلب الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها؛ لأن حركتها عارضة، ذكره أبو البقاء. ﴿وَيْلَتَا﴾ الويل حلول الشر، والويلة: الفضيحة والبلية والهلكة؛ أي: وافضيحتاه، وهي كلمة جزع وتحسر، والألف فيه بدل من ياء المتكلم ﴿أَعَجَزْتُ﴾ من باب فعل المفتوح، وهي اللغة الفاشية، وحكى الكسائي فيه: فعل بكسر العين والعجز: عدم الإطاقة ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ من الندم: وهو التحسر والتلهف، يقال: ندم يندم، من باب فرح إذا تحسر.

стр. 3071

﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ والأجل في الأصل (١): الجناية، يقال: أجل عليهم شرًّا؛ أي: جنى عليهم جناية، ثم استعمل في تعليل الجنايات، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل سبب. وعبارة الشوكاني: أي من أجل ذلك القاتل وجريرته، وبسبب معصيته، وقال الزجاج: أي: من جنايته، قال: يقال: أجل الرجل على أهله شرًّا بأجل أجلًا، إذا جنى مثل أخذ يأخذ أخذًا انتهت. والإسراف البعد عن حد الاعتدال مع عدم المبالاة. ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ من حارب من باب فاعل الرباعي يحارب محاربة، والمحاربة من الحرب ضد السلم، والسلم السلامة من الأذى، والضرر والأفة والأمن على النفس والمال، والأصل في معنى كلمة الحرب التعدي وسلب المال، وحربية الرجل: ماله الذي يعيش به، والفساد ضد الصلاح، وكل ما يخرج عن وضعه الذي يكون صالحًا نافعًا .. يقال: إنّه فسد، ومن كان سببًا لفساد شيء يقال إنَّه أفسده، فإزالة الأمن من الأنفس أو الأموال أو الأعراض، ومعارضته تنفيذ الشريعة العادلة كل ذلك .. إفساد في الأرض ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ والتقتيل المبالغة في القتل بكونه حتمًا لا هوادة فيه، ولا عفو من ولي الدم ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ والتصليب المبالغة في الصلب، أو تكرار الصلب، كما قال الشافعي: يصلب بعد القتل ثلاثة أيام؛ بأن يربط على خشبة ونحوها منتصب القامة ممدود اليدين، وربما طعنوا المصلوب ليعجلوا موته ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ وتقطيع الأيدي والأرجل من خلاف معناه: إذا قطعت اليد اليمنى تقطع الرجل اليسرى، والعكس بالعكس ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ والنفي من الأرض: النقل من البلد أو القطر الذي أفسدوا فيه إلى غيره من بلاد الإِسلام إذا كانوا مسلمين؛ فإن كانوا كفارًا .. جاز نفيهم إلى بعض بلاد الإِسلام، أو بعض بلاد الكفار ﴿لَهُمْ خِزْيٌ﴾ الخزي: الذل والفضيحة، يقال: أخزاه الله، إذا فضحه وأذله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾؛ أي: من قبل التمكن من عقابهم. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ اتقاء الله: هو اتقاء سخطه وعقابه

стр. 3072

بعدم مخالفة دينه وشرعه، يقال: اتقى عن الشيء، إذا جعل لنفسه وقايةً عنه، وهو من افتعل الخماسي، أصله اتقوا، يقال: اتقى اتقاء إذا صار تقيًّا، وابتغاء الوسيلة: طلب الوصول والقرب إليه تعالى بما يرضيه من العمل الصالح. والوسيلة (١) الواسلة إلى ما يتقرب منه، يقال: وسله وتوسل إليه، واستعيرت الوسيلة لما يتقرب به إلى الله تعالى من فعل الطاعات وقال لبيد: أَرَى النَّاسَ لاَ يَدْرُوْنَ مَا قَدْرُ أَمْرِهِمْ ... أَلاَ كُلُّ ذِيْ لُبٍّ إِلَى الله وَاسِلُ وأنشد الطبري: إِذَا غَفِلَ الْوَاشُوْنْ عُدْنَا لِوَصْلِنَا ... وَعَادَ التَّصَابِي بَيْنَنَا وَالْوَسَائِلُ وفي "المصباح": وسلت إلى الله بالعمل أسل من باب وعد، رغبت وتقربت، ومنه اشتقاق الوسيلة وهي: ما يتقرب به إلى الشيء، والجمع الوسائل، والوسيل: قيل: جميع وسيلة، وقيل: لغة فيها، وتوسل إلى ربه توسيلة إذا تقرب إليه بعمل. انتهى. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: منها: الطباق بين كلمة ﴿قَتَلَ﴾ و ﴿أَحْيَا﴾ وهو من المحسنات البديعية، وكذلك بين ﴿يعذب﴾ و ﴿يغفر﴾. ومنها: الحذف في قوله: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾؛ لأنّه على حذف مضاف؛ أي: يحاربون أولياء الله لأن الله تعالى لا يحارب ولا يغالب، فالكلام على سبيل المجاز. ومنها: الإبهام في قوله: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾. ومنها: التعريض بعدم تقوى القاتل في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿فَتُقُبِّلَ﴾، ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ﴾.

стр. 3073

ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ﴾، وفي قوله: ﴿قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾. ومنها: القصر في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا﴾ لأنَّ تقديم المعمول على عامله يفيد الحصر على تفسير الجمهور. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا﴾، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ﴾. ومنها الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ لأنه استعار الإحياء للاستبقاء؛ لأنَّ المراد استبقاءها وعدم التعرض لقتلها، وإحياء النفس بعد موتها لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الآية. قال الزمخشري (١): هذا تمثيل للزوم العذاب لهم، وأنه لا سبيل لهم إلى النجاة منه بوجه من الوجوه. ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ﴾. ومنها: التقسيم في قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿كَتَبْنَا﴾؛ أي: أمرنا بكتابته في الكتب المنزلة، ففيه نسبة الفعل إلى الآمر. ومنها: تنزيل غير العاقل منزلة العاقل في قوله: ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ لأنَّ أصل النداء أنْ يكونَ للعاقل حقيقة، وقد ينادى ما لا يعقل مجازًا. ومنها: الاهتمام في قوله: ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾؛ لأنَّ المراد بسوأة أخيه جسده، فإنَّه مما يستقبح بعد موته، وخصت السوأة بالذكر للاهتمام بها, ولأن سترها

стр. 3074

آكد. وفيه أيضًا مجاز مرسل بإطلاق اسم البعض على الكل. ومنها: الإتيان بضمير الشأن في قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا﴾ المنبىء (١) عن كمال شهرته ونباهته وتبادره إلى الأذهان، عند ذكر الضمير الموجب لزيادة تقرير ما بعده في الذهن، فإن الضمير لا يفهم منه من الأول إلا شأن مبهم له خطر، فبقى الذهن مترقيًا لما يعقبه، فيتمكن عند وروده فضل تمكن؛ فكأنّه قيل: إن الشأن الخطر هذا. اهـ. "أبو السعود". والله أعلم * * *

стр. 3075

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها (١): أنّه تعالى لما ذكر جزاء المحاربين بالعقوبات التي فيها قطع الأيدي والأرجل من خلاف، ثم أمر بالتقوى لئلا يقع الإنسان في شيء من الحرابة، ثم ذكر حال الكفار .. ذكر حكم السرقة؛ لأن فيها قطع الأيدي بالقرآن، والأرجل بالسنة على ما يأتي ذكره، وهو أيضًا حرابة من حيث المعنى؛ لأنَّ فيه سعيًا بالفساد، إلا أن تلك على سبيل الشوكة والظهور، والسرقة على سبيل الاختفاء والتستر. وعبارة المراغي هنا: لما بين الله (٢) عقاب المحاربين الذين

стр. 3076

يفسدون في الأرض، ويأكلون أموال الناس بالباطل جهرة، وأمر بتقوى الله، وابتغاء الوسيلة، والجهاد في سبيله، وهي الأعمال التي يكمل بها الإيمان, وتتهذب بها النفوس، حتى تنفر من الحرام، وتبتعد عن المعاصي .. ذكر هنا عقاب اللصوص الذين يأكلونها كذلك خفية، وجمع في هذه الآيات بين الوازع الداخلي: وهو الإيمان والصلاح، والوازع الخارجي: وهو الخوف من العقاب والنكال. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ مناسبتها لما قبلها (١): أنّه تعالى لما ذكر تصرفه في أحكام السراق، ولم يحاب ما ذكر من العقوبات عليهم .. نبه على أن ذلك هو تصرف في ملكه، وملكه لا معقب لحكمه فيه، فيعذب من يشاء عذابه، وهم المخالفون لأوامره، ويغفر لمن يشاء وهم التائبون. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّه تعالى لما بين أحكام الحرابة والسرقة، وكان في ذكر المحاربين أنَّهم يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادًا .. أمره تعالى أنْ لا يحزن، ولا يهتم بأمر المنافقين وأمر اليهود من تعنتهم وتربصهم به، وبمن معه الدوائر، ونصبهم له حبائل المكروه، وما يحدث لهم من الفساد في الأرض، ونصب المحاربة لله ولرسوله، وغير ذلك من الرذائل الصادرة عنهم. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه أحمد وغيره عن عبد الله بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ فقطعت يدها اليمنى، فقالت: هل لي من توبة يا رسول الله؟ فأنزل الله في سورة المائدة ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ...﴾ الآية.

стр. 3077

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه مسلم عن البراء بن عازب قال: مرَّ على النبي ﷺ يهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم ﷺ فقال: "هكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ " قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم فقال: "أنشدك باللهِ الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟؟ قال: لا والله لولا أنَّك نشدتني لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا زنى الشريف .. تركناه، وإذا زنا الضعيف .. أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه" فأمر به فرجم، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يقول: ائتوا محمدًا ﷺ ؛ فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإنْ أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وللآيات سبب آخر أيضًا: وهو ما أخرجه أبو داود بسند رجاله رجال "الصحيح" (ج ٤/ ص ٢٨٦) عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلًا من النضير .. قتل به، وإذا قتل رجل من النضير .. يودي بمئة وسق من التمر، فلما بعث النبي ﷺ قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النبي ﷺ ، فأتوه فنزلت ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى (ج ٢/ ص ٦١) وقد يمكن أنه قد اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كلّه. والله أعلم.

стр. 3078

التفسير وأوجه القراءة ٣٨ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ شروع (١) في بيان حكم السرقة الصغرى بعد بيان أحكام الكبرى، ولما كانت السرقة معهودة من النساء كالرجال .. صرح بالسارقة، مع أنَّ المعهود في الكتاب والسنة إدراج النساء في الأحكام الواردة في شأن الرجال، وقدم السارق هنا والزانية في آية النور لأن الرجال إلى السرقة أميل، والنساء إلى الزنا أميل؛ أي: ومن سرق من رجل أو امرأة فاقطعوا أيها الولاة والحكام يده من الكف إلى الرسغ؛ لأن السرقة تحصل بالكف مباشرة، والساعد والعضد يحملان الكف كما يحملهما معهما البدن، وقطعت اليد لأنها آلة السرقة، ولم تقطع آلة الزنا تفاديًا عن قطع النسل، والتي تقطع أولًا هي اليمنى؛ لأنَّ التناول غالبًا يكون بها، ولأنه ﷺ أتي بسارق وهو طعمة فأمر بقطع يمينه من الرسغ. وكما يدل عليه قراءة ابن مسعود الشاذة: (وَالسَّارِقُون وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أيمانهم). والسرقة: أخذ الشيء في خفية عن الأعين، وإنَّما سُمِّيَ السارق سارقًا .. لأنَّه يأخذ الشيء الذي ليس له أخذه في خفاء، ومنه: استرق السمع مستخفيًا. والقطع معناه: الإبانة والإزالة، وجمع الأيدي لكراهة الجمع بين تثنيتين، وقد بينت السنة المطهرة أنَّ موضع القطع الرسغ، وقال قوم: يقطع من المرفق، وقال الخوارج: من المنكب. وقد اختلف الأئمة في المقدار الذي يوجب قطع اليد في السرقة (٢)، فروي عن الحسن البصري، وداود الظاهري أنَّه يثبت القطع بالقليل والكثير لظاهر الآية، وللحديث "لعنَ الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" رواه الشيخان عن أبي هريرة، وجمهور العلماء من السلف والخلف على أنَّ القطع لا يكون إلا في سرقة ربع دينار - ربع مثقال من الذهب - أو ثلاثة دراهم من الفضة، لحديث عائشة "كان رسول الله ﷺ يقطع يد السارق في ربع دينار

стр. 3079

فصاعدًا" رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن، ولحديث ابن عمر في "الصحيحين" "أنَّ النبي ﷺ قطع في مجن - ترس - ثمنه ثلاثة دراهم"، وقالت الحنفية: إنَّ القطع لا يكون إلا في عشرة دراهم فأكثر لا ما دونها، ولا بدّ أن يكون محفوظًا في حرز، وإلا فلا قطع، كما سيأتي في المسائل الآتية. وتثبت السرقة بالإقرار أو بالبينة، ويسقط الحدّ بالعفو عن السارق قبل رفع أمره إلى الإمام. وعبارة "زاد المسير": ولا يقطع إلا بشهادة عدلين، أو بإقراره مرتين. وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: يثبت بمرة، ويجتمع القطع والغرم موسرًا كان أو معسرًا. وقال أبو حنيفة: لا يجتمعان، فإنْ كانت العين باقية .. أخذها ربها، وإنْ كانت مستهلكة .. فلا ضمان. وقال مالك: يضمنها إنْ كان موسرًا، ولا شيء عليه إنْ كان معسرًا. انتهت. وقرأ (١) الجمهور: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ بالرفع وفيها وجهان، أحدهما: وهو مذهب سيبويه والمشهور من أقوال البصريين: أنَّ السارق والسارقة مبتدأ محذوف الخبر تقديره: فيما يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم؛ أي: حكم السارق والسارقة فيما يتلى عليكم، ويكن قوله: ﴿فاقْطَعُوا﴾ بيانًا لذلك الحكم المقدر، فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها، ولذلك أتى بها فيه؛ لأنَّه هو المقصود؛ ولو لم يؤت بالفاء .. لتوهم أنَّه أجنبي، والكلام على هذا جملتان، الأولى: خبرية، والثانية: إنشائية. والثاني وهو مذهب الأخفش، ونقل عن المبرد وجماعة كثيرة أنَّه مبتدأ أيضًا، والخبر: الجملة الإنشائية من قوله: ﴿فَاقْطَعُوا﴾. وإنما دخلت الفاء في الخبر لأنه يشبه الشرط في العموم، إذ الألف واللام فيه موصولة بمعنى الذي والتي والصفة صلتها، وهي في قوة قولك: والذي يسرق والتي تسرق فاقطعوا، وأجاز الزمخشري الوجهين. اهـ. "سمين". وقرأ عبد الله (٢): (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم) وقرأ عيسى بن

стр. 3080

عمر وإبراهيم وابن أبي عبلة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ بالنصب على الاشتغال وهي قراءة أيضًا. وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ مفعولان لأجله معلّلان للقطع؛ أي: اقطعوا أيديهما مجازاة لهما على عملهما وكسبهما السيء، وتنكيلًا ومنعًا لغيرهما عن السرقة، ولا عبرة أعظم من قطع اليد، الذي يفضح صاحبه طول حياته، ويسمه بميسم العار والخزي، ولا شك أن هذه العقوبة أجدر بمنع السرقة وتأمين الناس على أموالهم وأرواحهم، فالأرواح كثيرًا ما تتبع الأموال إذا قاوم أهلها السراق وحاولوا منعهم من أخذها ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾ أي غالب في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل المعاصي، فلا معقب لحكمه لأنَّه القاهر على كل شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه وشرائعه وتكاليفه، فهو يضع الحدود والعقوبات بحسب الحكمة التي توافق المصلحة، فما أمر بأمر إلا وهو صلاح، ولا نهى عن أمر إلا وهو فساد، وكأنَّه يقول: شددوا على السراق فاقطعوهم يدًا يدًا، ورجلًا رجلًا. وقيل: معنى ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: يضع الشيء في محله، فلا يحكم بقطع يده ظلمًا؛ لأنَّ السارق لما خان هان، ولهذا أورد بعض اليهود على القاضي عبد الوهاب البغدادي سؤالًا حيث قال شعر: يَدٌ بِخَمْسِ مِئِيْنَ عَسْجَدٌ وُديَتْ ... مَا بَالُهَا قُطِعَتْ في رُبْعِ دِيْنَارِ فأجابه القاضي ﵁ بقوله: عِزُّ الأمَانَةِ أَغْلاَهَا وَأرْخَصَها ... ذُلُّ الْخِيَانَةِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِيْ فصل في بيان الأحكام المتعلقة بالآية وفيه خمس مسائل المسألة الأولى: اقتضت هذه الآية وجوب القطع على كل سارق، وقطع رسول الله ﷺ في السرقة. وعن عائشة ﵂: "أن قريشًا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ؟ قالوا: من يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : "أتشفع في حد من حدود الله! "، ثم قام فخطب ثم قال: "إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف .. تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف ..

стр. 3081

أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها". متفق عليه. وعن عائشة ﵂: أتي رسول الله ﷺ بسارق فقطعه، فقالوا: ما كنا نراك تبلغ به هذا؟ قال: "لو كانت فاطمة لقطعتها" أخرجه النسائي. وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يدة، ويسرق الحبل فتقطع يده". متفق عليه. قال الأعمش: يرون أنه بيض الحديد، وإنَّ من الحبال ما يساوي دراهم. أما السارق الذي يجب عليه القطع .. فهو البالغ العاقل، العالم بتحريم السرقة، فلو كان حديث عهد بالإِسلام ولا يعلم أنَّ السرقة حرام فلا قطع عليه. المسألة الثانية: اختلف العلماء في قدر النصاب الذي يقطع به، فذهب أكثر العلماء إلى أنَّه ربع دينار، فإن سرق ربع دينار، أو متاعًا قيمته ربع دينار .. يقطع، وهذا قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والشافعي. ويدل له: ما روي عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" أخرجاه في "الصحيحين". وذهب مالك وأحمد وإسحاق إلى أنَّه ثلاثة دراهم أو قيمتها؛ لما روي عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ "قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم" أخرجه الجماعة. والمجن: الترس. ويروى: عن أبي هريرة ﵁: أن قدر النصاب الذي تقطع فيه اليد خمسة دراهم، وبه قال ابن أبي ليلى، لما روي عن أنس قال: قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة دراهم وفي رواية: (قطع رسول الله ﷺ ) أخرجه النسائي، وقال: الرواية الأولى أصح. وذهب قوم إلى أنَّه قطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم، ويروى ذلك عن ابن مسعود، وإليه ذهب سفيان الثوري وأبو حنيفة، لما روي عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ : أول من قطع في مجن قيمته دينار أو عشرة

стр. 3082

دراهم". أخرجه أبو داود. فإذا سرق نصابًا من المال من حرزٍ لا شبهة له فيه .. قطعت يده اليمنى من الكوع، ولا يجب القطع بسرقة ما دون النصاب. وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن: القدر غير معتبر فيجب القطع في القليل والكثير، وكذا الحرز غير معتبر أيضًا عندهم، وإليه ذهب داود الظاهري، واحتجوا بعموم الآية، فإن قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ يتناول القليل والكثير، وسواء من حرز أو غير حرز. المسألة الثالثة في الحرز: الحرز: هو ما جعل للسكنى وحفظ الأموال، كالدور والمضارب والخيم التي يسكنها الناس، ويحفظون أمتعتهم فيها، فكل ذلك حرز وإن لم يكن فيه حافظ ولا عنده، وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أو مغلق، فأما ما كان في غير بناء ولا خيمة .. فإنَّه ليس بحرز، إلا أن يكون عنده من يحفظه. أما نباش القبور فإنَّه يقطع، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وقال ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة: لا قطع عليه، فإن سرق شيئًا من غير حرز كثمر من بستان لا حارس له، أو حيوان في برية ولا راعٍ له، أو متاع في بيت منقطع عن البيوت .. فلا قطع عليه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: "من أصاب بفيه منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه"، أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي، وزاد فيه "ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثله والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله والعقوبة"، قوله: غير متخذ خبنة - الخبنة بالخاء المعجمة وبعدها باء موحدة ثم نون - وهو ما يحمله الإنسان في حضنه، وقيل: هو ما يأخذه في خبنة ثوبه، وهو ذيله وأسفله، والجرين: موضع التمر الذي يجفف فيه مثل البيدر للحنطة. وروى مالك في "الموطأ"، عن أبي حسين المكي أن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل، فإذا أواه المراح أو الجرين ..

стр. 3083

فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" هكذا رواه مالك منقطعًا، وهو رواية من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم، فإن هذه الرواية عن أبي حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص. قوله: "ولا في حريسة الجبل" من العلماء من يجعل الحريسة السرقة نفسها يقال: حرس يحرس حرسًا، إذا سرق، ومنهم من يجعلها المحروسة. ومعنى الحديث: أنَّه ليس فيما يحرس في الجبل إذا سرق قطع؛ لأنه ليس بحرز، وقيل: حريسة الجبل هي الشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل مأواها، والمراح - بضم الميم - هو الموضع الذي تأوي إليه الماشية بالليل. وعن جابر أن النبي ﷺ قال: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع" أخرجه الترمذي والنسائي. المسألة الرابعة: إذا سرق مالًا له فيه شبهة، كالولد يسرق من مال والده، أو الوالد يسرق من مال ابنه، أو العبد يسرق من مال سيده، أو الشريك يسرق من مال شريكه .. فلا قطع على أحد من هؤلاء فيه. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تقطع المرأة إذا سرقت من مال زوجها, ولا هو إذا سرق من مال زوجته. وقال مالك: يقطعان، ذكره أبو حيان في "البحر". المسألة الخامسة: إذا سرق أول مرة .. قطعت يده اليمنى من الكوع، وإذا سرق ثانية .. قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، واختلفوا فيما إذا سرق مرة ثالثة، فذهب أكثرهم إلى أنَّه تقطع يده اليسرى، فإن سرق مرة رابعة .. قطعت رجله اليمنى، ثم إذا سرق بعد ذلك .. يعزر ويحبس حتى تظهر توبته. يروى هذا عن أبي بكر، وهو قول قتادة، وبه قال مالك والشافعي لما روي عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله" ذكره البغوي بغير سند. وذهب قوم إلى أنه إنْ سرق بعدما قطعت يده ورجله .. فلا قطع عليه بل يحبس. وروي عن علي أنه قال: إني أستحيي أن لا أدع له يدًا يستنجي بها, ولا رجلًا يمشي بها. وهذا قول الشعبي والنخعي والأوزاعي، وبه قال أحمد وأصحاب الرأي.

стр. 3084

٣٩ - ﴿فَمَنْ تَابَ﴾ من السراق إلى الله تعالى، ورجع عن السرقة ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ لنفسه بعمله ما نهاه الله عنه من سرقة أموال الناس ﴿وَأَصْلَحَ﴾ نفسه وزكاها بأعمال البر. قال أبو حيان: وظاهر الآية أنَّه بمجرد التوبة لا يقبل إلا إذا ضم إلى ذلك الإصلاح، وهو: التنصل من التبعات بردها إن أمكن، وإلا فبالاستحلال منها، أو بإنفاقها في سبيل الله إن جهل صاحبها، انتهى. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: يقبل توبته تفضلًا منه وإحسانًا لا وجوبًا عليه، ويرجع إليه بالرضا ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ كان منه قبل التوبة ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن تاب. فصل وهذه التوبة مقبولة فيما بينه وبين الله؛ فأما القطع: فلا يسقط عنه بالتوبة عند أكثر العلماء؛ لأن الحد جزاء على الجناية، ولا بد من التوبة بعد القطع، وتوبته: الندم على ما مضى، والعزم على تركه في المستقبل، وإعادة المال المسروق بعينه إن كان باقيًا، وإلا فدفع قيمته إن قدر. وعن أبي أمية المخزومي أن رسول الله ﷺ أتى بلص قد اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع فقال له رسول الله ﷺ : "إما إخالك سرقت"، فقال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يعترف، فأمر به فقطع، ثم جيء به، فقال له رسول الله ﷺ : "استغفر الله وتب إليه" فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال النبي ﷺ : "اللهم تب عليه"، أخرجه أبو داود والنسائي بمعناه. وإذا قطع السارق .. يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم. وقال الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه، فلو كان المسروق باقيًا عنده .. يجب عليه أن يرده إلى صاحبه وتقطع يده؛ لأنَّ القطع حق الله، والغرم حق الآدمي، فلا يسقط أحدهما بالآخر، والله أعلم. ٤٠ - ثم بين الله أن عقاب السراق والعفو عن التائبين جاء وفق الحكمة والعدل والرحمة فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ يا محمَّد أو يا مخاطَب ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي سلطنتهما وتدبيرهما وتصرفهما، يدبر الأمر فيهما بحكمته وعدله ورحمته وفضله، يعني أنَّ الله تعالى

стр. 3085

مدبر أمر ما في السموات والأرض ومصرفه، وخالق من فيهما ومالكه، لا يمتنع عليه شيء مما أراده فيهما؛ لأن ذلك كله في ملكه وإليه أمره. ومن حكمته أنّه وضع هذا العقاب لكل من يسرق ما يعد به سارقًا، كما وضع العقاب للمحاربين المفسدين في الأرض، وأنَّه يغفر للتائبين من هؤلاء وهؤلاء، ويرحمهم إذا صدقوا في التوبة وأصلحوا عملهم و ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبه من العصاة تربية له، وتأمينًا لعباده من شره وأذاه. ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ المغفرة له من التائبين برحمته وفضله، ترغيبًا لهم في تزكية أنفسهم. قال ابن عباس (١) ﵄: يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء على الكبيرة، وقيل: يعذب من يشاء على معصيته وكفره بالقتل والقطع وغير ذلك في الدنيا، ويغفر لمن يشاء بالتوبة عليه، فينقذه من الهلكة والعذاب، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنَّه في مقابلة قطع السرقة على التوبة. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر على تعذيب من أراد تعذيبه من خلقه، وعلى غفران ذنوب من أراد إسعاده وإنقاذه من الهلكة من خلقه؛ لأنَّ الخلق كلهم عبيده، وفي ملكه، فلا يعجزه شيء في تدبير ملكه. ٤١ - ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ خاطب الله محمدًا ﷺ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ في مواضع كثيرة من القرآن، وما خاطبه بيا أيها الرسول إلا في موضعين، هما: في سورة المائدة في هذا الموضع، وموضع آخر بعده وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهذا الخطاب للتشريف والتعظيم، وتأديب المؤمنين وتعليمهم أن يخاطبوه بوصفه كما كان يفعل بعض أصحابه بقولهم: يا رسول الله، وجهل هذا بعض الأعراب لخشونتهم وسذاجة فطرتهم فكانوا ينادونه؛ يا محمَّد، حتى أنزل الله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فكفوا عن ندائه باسمه. والحاصل: أن نداءه بيا أيها النبي وبيا أيها الرسول نداء تشريف وتعظيم وتفخيم لقدره، ونادى غيره من الأنبياء باسمه فقال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ﴾ ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ﴾ ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾، ﴿يا عِيسَى إِنِّي
следующие страницы →