أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمَّد سرقت لقطعت يدها". متفق عليه.
وعن عائشة ﵂: أتي رسول الله ﷺ بسارق فقطعه، فقالوا: ما كنا نراك تبلغ به هذا؟ قال: "لو كانت فاطمة لقطعتها" أخرجه النسائي.
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يدة، ويسرق الحبل فتقطع يده". متفق عليه. قال الأعمش: يرون أنه بيض الحديد، وإنَّ من الحبال ما يساوي دراهم. أما السارق الذي يجب عليه القطع .. فهو البالغ العاقل، العالم بتحريم السرقة، فلو كان حديث عهد بالإِسلام ولا يعلم أنَّ السرقة حرام فلا قطع عليه.
المسألة الثانية: اختلف العلماء في قدر النصاب الذي يقطع به، فذهب أكثر العلماء إلى أنَّه ربع دينار، فإن سرق ربع دينار، أو متاعًا قيمته ربع دينار .. يقطع، وهذا قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والشافعي. ويدل له: ما روي عن عائشة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" أخرجاه في "الصحيحين".
وذهب مالك وأحمد وإسحاق إلى أنَّه ثلاثة دراهم أو قيمتها؛ لما روي عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ "قطع سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم" أخرجه الجماعة. والمجن: الترس.
ويروى: عن أبي هريرة ﵁: أن قدر النصاب الذي تقطع فيه اليد خمسة دراهم، وبه قال ابن أبي ليلى، لما روي عن أنس قال: قطع أبو بكر في مجن قيمته خمسة دراهم وفي رواية: (قطع رسول الله ﷺ ) أخرجه النسائي، وقال: الرواية الأولى أصح.
وذهب قوم إلى أنَّه قطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم، ويروى ذلك عن ابن مسعود، وإليه ذهب سفيان الثوري وأبو حنيفة، لما روي عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ : أول من قطع في مجن قيمته دينار أو عشرة
стр. 3082
دراهم". أخرجه أبو داود.
فإذا سرق نصابًا من المال من حرزٍ لا شبهة له فيه .. قطعت يده اليمنى من الكوع، ولا يجب القطع بسرقة ما دون النصاب. وقال ابن عباس وابن الزبير والحسن: القدر غير معتبر فيجب القطع في القليل والكثير، وكذا الحرز غير معتبر أيضًا عندهم، وإليه ذهب داود الظاهري، واحتجوا بعموم الآية، فإن قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ يتناول القليل والكثير، وسواء من حرز أو غير حرز.
المسألة الثالثة في الحرز: الحرز: هو ما جعل للسكنى وحفظ الأموال، كالدور والمضارب والخيم التي يسكنها الناس، ويحفظون أمتعتهم فيها، فكل ذلك حرز وإن لم يكن فيه حافظ ولا عنده، وسواء سرق من ذلك وهو مفتوح الباب أو مغلق، فأما ما كان في غير بناء ولا خيمة .. فإنَّه ليس بحرز، إلا أن يكون عنده من يحفظه. أما نباش القبور فإنَّه يقطع، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وقال ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة: لا قطع عليه، فإن سرق شيئًا من غير حرز كثمر من بستان لا حارس له، أو حيوان في برية ولا راعٍ له، أو متاع في بيت منقطع عن البيوت .. فلا قطع عليه.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ سئل عن الثمر المعلق؟ فقال: "من أصاب بفيه منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه"، أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي، وزاد فيه "ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثله والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثله والعقوبة"، قوله: غير متخذ خبنة - الخبنة بالخاء المعجمة وبعدها باء موحدة ثم نون - وهو ما يحمله الإنسان في حضنه، وقيل: هو ما يأخذه في خبنة ثوبه، وهو ذيله وأسفله، والجرين: موضع التمر الذي يجفف فيه مثل البيدر للحنطة.
وروى مالك في "الموطأ"، عن أبي حسين المكي أن رسول الله ﷺ قال: "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل، فإذا أواه المراح أو الجرين ..
стр. 3083
فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" هكذا رواه مالك منقطعًا، وهو رواية من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم، فإن هذه الرواية عن أبي حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص. قوله: "ولا في حريسة الجبل" من العلماء من يجعل الحريسة السرقة نفسها يقال: حرس يحرس حرسًا، إذا سرق، ومنهم من يجعلها المحروسة. ومعنى الحديث: أنَّه ليس فيما يحرس في الجبل إذا سرق قطع؛ لأنه ليس بحرز، وقيل: حريسة الجبل هي الشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل مأواها، والمراح - بضم الميم - هو الموضع الذي تأوي إليه الماشية بالليل.
وعن جابر أن النبي ﷺ قال: "ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع" أخرجه الترمذي والنسائي.
المسألة الرابعة: إذا سرق مالًا له فيه شبهة، كالولد يسرق من مال والده، أو الوالد يسرق من مال ابنه، أو العبد يسرق من مال سيده، أو الشريك يسرق من مال شريكه .. فلا قطع على أحد من هؤلاء فيه. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تقطع المرأة إذا سرقت من مال زوجها, ولا هو إذا سرق من مال زوجته. وقال مالك: يقطعان، ذكره أبو حيان في "البحر".
المسألة الخامسة: إذا سرق أول مرة .. قطعت يده اليمنى من الكوع، وإذا سرق ثانية .. قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم، واختلفوا فيما إذا سرق مرة ثالثة، فذهب أكثرهم إلى أنَّه تقطع يده اليسرى، فإن سرق مرة رابعة .. قطعت رجله اليمنى، ثم إذا سرق بعد ذلك .. يعزر ويحبس حتى تظهر توبته. يروى هذا عن أبي بكر، وهو قول قتادة، وبه قال مالك والشافعي لما روي عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ قال في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله" ذكره البغوي بغير سند. وذهب قوم إلى أنه إنْ سرق بعدما قطعت يده ورجله .. فلا قطع عليه بل يحبس. وروي عن علي أنه قال: إني أستحيي أن لا أدع له يدًا يستنجي بها, ولا رجلًا يمشي بها. وهذا قول الشعبي والنخعي والأوزاعي، وبه قال أحمد وأصحاب الرأي.
стр. 3084
٣٩ - ﴿فَمَنْ تَابَ﴾ من السراق إلى الله تعالى، ورجع عن السرقة ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ لنفسه بعمله ما نهاه الله عنه من سرقة أموال الناس ﴿وَأَصْلَحَ﴾ نفسه وزكاها بأعمال البر. قال أبو حيان: وظاهر الآية أنَّه بمجرد التوبة لا يقبل إلا إذا ضم إلى ذلك الإصلاح، وهو: التنصل من التبعات بردها إن أمكن، وإلا فبالاستحلال منها، أو بإنفاقها في سبيل الله إن جهل صاحبها، انتهى. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: يقبل توبته تفضلًا منه وإحسانًا لا وجوبًا عليه، ويرجع إليه بالرضا ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ كان منه قبل التوبة ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن تاب.
فصل
وهذه التوبة مقبولة فيما بينه وبين الله؛ فأما القطع: فلا يسقط عنه بالتوبة عند أكثر العلماء؛ لأن الحد جزاء على الجناية، ولا بد من التوبة بعد القطع، وتوبته: الندم على ما مضى، والعزم على تركه في المستقبل، وإعادة المال المسروق بعينه إن كان باقيًا، وإلا فدفع قيمته إن قدر. وعن أبي أمية المخزومي أن رسول الله ﷺ أتى بلص قد اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع فقال له رسول الله ﷺ : "إما إخالك سرقت"، فقال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يعترف، فأمر به فقطع، ثم جيء به، فقال له رسول الله ﷺ : "استغفر الله وتب إليه" فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال النبي ﷺ : "اللهم تب عليه"، أخرجه أبو داود والنسائي بمعناه. وإذا قطع السارق .. يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم. وقال الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه، فلو كان المسروق باقيًا عنده .. يجب عليه أن يرده إلى صاحبه وتقطع يده؛ لأنَّ القطع حق الله، والغرم حق الآدمي، فلا يسقط أحدهما بالآخر، والله أعلم.
٤٠ - ثم بين الله أن عقاب السراق والعفو عن التائبين جاء وفق الحكمة والعدل والرحمة فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ يا محمَّد أو يا مخاطَب ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي سلطنتهما وتدبيرهما وتصرفهما، يدبر الأمر فيهما بحكمته وعدله ورحمته وفضله، يعني أنَّ الله تعالى
стр. 3085
مدبر أمر ما في السموات والأرض ومصرفه، وخالق من فيهما ومالكه، لا يمتنع عليه شيء مما أراده فيهما؛ لأن ذلك كله في ملكه وإليه أمره. ومن حكمته أنّه وضع هذا العقاب لكل من يسرق ما يعد به سارقًا، كما وضع العقاب للمحاربين المفسدين في الأرض، وأنَّه يغفر للتائبين من هؤلاء وهؤلاء، ويرحمهم إذا صدقوا في التوبة وأصلحوا عملهم و ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبه من العصاة تربية له، وتأمينًا لعباده من شره وأذاه. ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ المغفرة له من التائبين برحمته وفضله، ترغيبًا لهم في تزكية أنفسهم. قال ابن عباس (١) ﵄: يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء على الكبيرة، وقيل: يعذب من يشاء على معصيته وكفره بالقتل والقطع وغير ذلك في الدنيا، ويغفر لمن يشاء بالتوبة عليه، فينقذه من الهلكة والعذاب، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنَّه في مقابلة قطع السرقة على التوبة.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر على تعذيب من أراد تعذيبه من خلقه، وعلى غفران ذنوب من أراد إسعاده وإنقاذه من الهلكة من خلقه؛ لأنَّ الخلق كلهم عبيده، وفي ملكه، فلا يعجزه شيء في تدبير ملكه.
٤١ - ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ خاطب الله محمدًا ﷺ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ في مواضع كثيرة من القرآن، وما خاطبه بيا أيها الرسول إلا في موضعين، هما: في سورة المائدة في هذا الموضع، وموضع آخر بعده وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهذا الخطاب للتشريف والتعظيم، وتأديب المؤمنين وتعليمهم أن يخاطبوه بوصفه كما كان يفعل بعض أصحابه بقولهم: يا رسول الله، وجهل هذا بعض الأعراب لخشونتهم وسذاجة فطرتهم فكانوا ينادونه؛ يا محمَّد، حتى أنزل الله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فكفوا عن ندائه باسمه. والحاصل: أن نداءه بيا أيها النبي وبيا أيها الرسول نداء تشريف وتعظيم وتفخيم لقدره، ونادى غيره من الأنبياء باسمه فقال: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ﴾ ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ﴾ ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾، ﴿يا عِيسَى إِنِّي
стр. 3086
مُتَوَفِّيكَ﴾، ﴿يا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ وقوله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي رباعيًّا، والباقون بفتح الياء وضم الزاي ثلاثيًّا، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ هكذا قراءة الجمهور بالألف من سارع، وقرأ السلمي يسرعون بغير ألف من أسرع، والمسارعة إلى الشيء: الوقوع فيه بسرعة والمراد هنا: وقوعهم في الكفر بسرعة عند وجود فرصة، وآثر لفظ (في) على لفظ (إلى) للدلالة على استقرارهم فيه؛ أي: لا تهتم أيها الرسول ولا تبال بمسارعة هؤلاء المنافقين الذين يبادرون في إظهار الكفر، وموالاة أعداء المؤمنين عندما يرون الفرصة سانحة؛ فالله يكفيك شرهم، ويقيك ضرهم، وينصرك عليهم، وعلى من شايعهم وناصرهم.
والمراد بالنهي عن الحزن هو أمر طبيعي، وليس للإنسان فيه اختيار النهي عن لوازمه التي يفعلها الناس مختارين من تذكر المصائب، وتعظيم شأنها، وبذا يتجدد الألم، ويبعد أمد السلوى. ثم بين أن أولئك المسارعين في الكفر من المنافقين ومن اليهود فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا﴾ فـ (مِن) فيه بيانية للمسارعين والباء في قوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ متعلقة بقالوا، لا بآمنا، وهؤلاء الذين قالوا آمنا بأفواههم ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ هم المنافقون وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني اليهود، معطوف على ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ وهو تمام الكلام، يعني أنَّ المسارعين في الفكر هم طائفة من المنافقين، وطائفة من اليهود.
والمعنى: لا يحزنك يا محمَّد الذين يسارعون في الكفر حالة كونهم من المنافقين الذين أذاعوا الإيمان بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، وحالة كونهم من الذين هادوا؛ أي: من اليهود.
٤٢ - وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ﴾ راجع للفريقين، أو إلى المسارعين، واللام في قوله: ﴿لِلْكَذِبِ﴾ للتقوية أو لتضمين السماع معنى القبول، وسماعون خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم؛ أي: كل من الفريقين من المنافقين واليهود سماعون؛ أي: كثيروا الاستماع، سماع قبول للكذب الذي يقوله ويفتريه رؤوسائهم وأحبارهم في نعوت النبي ﷺ ، وفي أحكام دينهم التي يتلاعبون فيها بأهوائهم. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر: ﴿لِلْكِذْبِ﴾ بكسر الكاف وسكون الذال، وقرأ زيد بن علي أيضًا: "الكُذُب" بضم الكاف والذال، وجمع كذوب كصبور وصبر؛ أي: سماعون لكذب الكذب ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ
стр. 3087
﴿يَأتُوكَ﴾؛ أي: هم سماعون أيضًا لكلامك يا محمَّد؛ لأجل إخباره ونقله لقوم آخرين من اليهود، لا يأتونك تكبرًا وبغضًا؛ لأنهم لتكبرهم وبغضهم لك لا يقربون مجلسك ولا يحضرونه، وهم يهود خيبر، زنى فيهم محصنان فكرهوا رجمهما، فبعثوا قريظة ليسألوا النبي ﷺ عن حكمهما، وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم النبي ﷺ برجمهما؛ أي: إنَّ (١) هؤلاء القوم من اليهود لهم صفتان: سماع الكذب من أحبارهم، ونقله إلى عوامهم، وسماع الحق منك ونقله لأحبارهم ليحرفوه فقوله ﴿لِقَوْمٍ﴾؛ أي: لأجل قوم لا يأتونك؛ أي: فيكونون وسائط بينك وبين قوم آخرين، والوسائط هم قريظة، والقوم الآخرون هم يهود خيبر. وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾ صفة ثالثة لقوم؛ أي: يسماعون لكلامك لنقله إلى قوم يحرفون ويزيلون ويغيرون ويبدلون كلم التوراة وأحكامها المذكورة فيها. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ أن وضعها الله تعالى وأثبتها فيها عن ﴿مَوَاضِعِهِ﴾؛ أي: عن مواضع تلك الكلم، فالضمير عائد على لفظ الكلم؛ أي: يحرفون كلم التوراة من بعد وضعه في مواضعه، إما تحريفًا لفظيًّا بإبدال كلمة بكلمة، كما في نعوت محمَّد ﷺ ، أو بإخفائه وكتمانه، كالبشارة بظهوره، ونصره بالرعب، وآية الرجم أو بالزيادة فيه أو بالنقص منه، وإما تحريفًا معنويًّا يحمل اللفظ على غير ما وضع له، وقرىء ﴿الكلم﴾ بكسر الكاف وسكون اللام ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أي: يقول هؤلاء المحرفون - وهم يهود خيبر - لمن أرسلوهم إلى الرسول ﷺ ليسألوه عن حكم الرجل والمرأة اللذين زنيا منهم، وأرادوا أن يحابوهما بعدم رجمهما، وهم بنو قريظة ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ﴾ وأعطيتم ﴿هَذَا﴾ الجلد الذي طلبناه من محمَّد ﴿فَخُذُوهُ﴾؛ أي: فاقبلوه منه؛ أي: يقول المرسلون - وهم يهود خيبر - لمن أرسلوهم - وهم قريظة - إن أعطاكم محمَّد رخصة بالجلد عوضًا عن الرجم .. فخذوها وارضوا به. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾؛ أي: وإن لم تعطوا هذا الجلد، بأن أفتاكم الرجم ﴿فَاحْذَرُوا﴾ أن تقبلوه، وابتعدوا منه؛ أي: وإن حكم بالرجم فاحذروا قبول ذلك، ولا ترضوا به.
стр. 3088
﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ﴾ ﴿فِتْنَتَهُ﴾ وغوايته وضلاله وكفره ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾؛ أي: فلن تستطيع له أن تدفع عنه شيئًا من أمر الله الذي حكم عليه، وأراد به الذي هو الكفر والضلال؛ أي (١): ومن يرد الله تعالى أن يختبرهُ في دينه، فيظهر الاختبار كفره وضلاله .. فلن تملك له أيها الرسول من الله شيئًا من الهداية والرشد؛ فهؤلاء المنافقون والجاحدون من اليهود قد أظهرت لك فتنة الله واختباره إياهم مقدار فسادهم، فهم يقبلون الكذب دون الحق، وهم محرفون كاتمون لأحكام كتابهم إتباعًا لأهوائهم ومرضاة لرؤسائهم وذوي الجاه منهم، فلا تحزن بعد هذا على مسارعتهم في الكفر، ولا تطمع في جذبهم إلى الإيمان, فإنَّك لا تملك لأحد نفعًا، وإنَّما عليك البلاغ والبيان، ولا تخف عاقبة نفاقهم، فإنَّما العاقبة للمتقين من أهل الإيمان, ولهم الخزي والهوان.
والإشارة بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى من تقدم ذكرهم من الذين قالوا: ﴿آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾؛ أي: أولئك المنافقون واليهود هم ﴿الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ﴾ ﴿أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾؛ أي: لم يرد تطهيرها من أرجاس الكفر والنفاق، وخبث الضلالة؛ لإنهماكهم فيهما، كما طهر قلوب المؤمنين؛ أي (٢): إنَّ أولئك الذين بلغت منهم الفتنة ذلك المبلغ، هم الذين لم يرد الله تطهير قلوبهم من الكفر والنفاق؛ لأن إرادته إنَّما تتعلق بما اقتضته سننه العادلة في نفوس البشر من أنَّها إذا دأبت على الباطل، ومرنت على الكيد والشر، وألفت الخلاف والضر، تحيط بها خطيئتها، وتطبق عليها ظلمتها .. فلا يبقى لديها لنور الحق منفذ، وتصبح غير قابلة للاستبصار والاعتبار الذي جعله الله وسيلة للاتعاظ والهداية، فهؤلاء الرؤساء من اليهود وأعوانهم لا تقبل طباعهم سواها، فلا تتعلق إرادته سبحانه بتطهير قلوبهم، وإلا كان ذلك خلافًا لما اقتضته سننه، وتبديلًا لنظمه في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا".
стр. 3089
﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المنافقين واليهود ﴿خِزْيٌ﴾؛ أي: ذل بالفضيحة للمنافقين، وبظهور نفاقهم بين المسلمين، وخوفهم من قتل المسلمين إياهم، وبالجزية والافتضاح لليهود بظهور كذبهم في كتمان التوراة ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المنافقين واليهود ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: شديد، وهو الخلود في النار، وصفه بالعظم لتزايده فلا انقضاء له، أو لتزايد ألمه، أو لهما؛ أي: فخزي المنافقين في الدنيا هتك أستارهم بإطلاع الرسول على كذبهم، وخوفهم من القتل، وخزي اليهود فضيحتهم بظهور كذبهم في كتمان نصوص كتابهم في إيجاب الرجم، وعلو الحق على باطلهم، وقد صدق الوعيد على كل يهود الحجاز، كما يصدق على كل من يفسدون كفسادهم، ولا يغني عنهم الانتساب إلى نبي لم يتبعوه، ولا تنفعهم دعوى الإيمان بكل نبي لم يتبعوه، وعذابهم في الآخرة نجزم بحصوله، ولا نعلم مقدار كنهه، وحقيقة أمره.
قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ كرره (١) تأكيدًا لقبحه، وليكون كالمقدمة لما بعده وهو: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وهو من أخبار ذلك المبتدأ المقدر سابقًا؛ أي: سماعون للكذب الذي كانوا ينسبونه إلى التوراة ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾؛ أي: الحرام الذي (٢) يصل إليهم من الرشوة في الحكم، ومهر البغي، وعسيب الفحل، وثمن الدم، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وحلوان الكاهن، وأجرة النائحة والمغنية، وأجرة مصور التماثيل، وثمن النرد وآلات اللهو، وثمن الصور الحيوانية إلى غير ذلك من أنواع المحرمات، روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب (٣): ﴿السُّحُتِ﴾ بضمتين. وقرأ باقي العشرة بإسكان الحاء، وزيد بن علي وخارجة بن مصعب، عن نافع بفتح
стр. 3090
السين وإسكان الحاء، وقرىء بفتحتين، وقرأ عبيد بن عمير أيضًا بكسر السين وإسكان الحاء، فبالضم والكسر والفتحتين، اسم المسحوت: كالدهن والرعي والنبض، وبالفتح والسكون مصدر أريد به المفعول، كالصيد بمعنى المصيد، أو سكنت الحاء طلبًا للخفة.
قيل: نزلت (١) في حكام اليهود، مثل كعب بن الأشرف ونظرائه، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم. قال الحسن: كان الحاكم منهم إذا أتاهم أحدهم برشوة .. جعلها في كمه، ثم يريها إياه ويتكلم بحاجته، فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب ويأكل الرشوة وهي: السحت. وأصل السحت الاستئصال، يقال: سحته إذا استأصله، وسميت الرشوة في الحكم سحتًا؛ لأنها تستأصل دين المرتشي، والسحت كله حرام، تحمل عليه شدة الشره، وهو يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا تكون له بركة، ولا لآخذه مروءة، ويكون في حصوله عار، بحيث يخفيه لا محالة، ومعلوم أن حال الرشوة كذلك، فلذلك حرمت الرشوة على الحاكم.
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم". أخرجه الترمذي. وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال الحسن: إنّما ذلك في الحاكم إذا رشوته ليحق لك باطلًا، أو يبطل عنك حقًّا. وقال ابن مسعود: الرشوة في كل شيء، فمن شفع شفاعة ليرد بها حقًّا، أو يدفع بها ظلمًا فأهدى بها إليه فقبل .. فهو سحت، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، فقال: الأخذ على الحكم كفر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ يا محمَّد؛ أي: جاءك اليهود متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من الخصومات ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: فأنت (٢) مخير بين
стр. 3091
الحكم بينهم، والإعراض عنهم، وتركهم إلى رؤسائهم، وهذا التخيير خاص بالمعاهدين دون أهل الذمة، فلا يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين الأجانب الذين هم في بلادهم وإن تحاكموا إليهم، بل هم مخيرون يرجحون في كل حال ما يرونه من المصلحة، وأما أهل الذمة فيجب الحكم بينهم إذا تحاكموا إلينا؛ لأن من أخذت منهم الجزية .. تجري عليه أحكام الإِسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود إلا في الخمر والخنزير فإنَّهم يقرون عليه، ولكن لا يظهرونه، ويمنعون من الزنا كالمسلمين، فإنَّهم نهوا عنه ويقام عليهم حدّه.
فصل
اختلف علماء التفسير في حكم هذه الآية على قولين:
أحدهما: أنَّها منسوخة، وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي ﷺ .. كان مخيرًا، فإن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، ثم نسخ ذلك بقوله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فلزمه الحكم بينهم وزال التخيير، وهذا القول مروي عن ابن عباس ﵄ وعطاء ومجاهد وعكرمة والسدي.
والثاني: أنَّها محكمة، والحكام المسلمين بالخيار إذا ترافعوا إليهم .. فإن شاؤوا حكموا بينهم، وإن شاؤوا أعرضوا عنهم، وهذا القول مروي عن الحسن والشعبي والنخعي والزهري، وبه قال أحمد ابن حنبل، وهو الصحيح لأنّه لا منافاة بين الآيتين. أمَّا قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ففيه التخيير بين الحكم والإعراض. وأمَّا قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ففيه بيان كيفية الحكم إذا حكم بينهم.
قال الإِمام فخر الدين الرازي (١): ومذهب الشافعي أنَّه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه؛ لأنَّ في إمضاء حكم الإِسلام عليهم إذلالًا وصَغارًا لهم، فأمَّا المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد
стр. 3092
إلى مدة .. فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم، بل يتخير في ذلك، وهذا التخيير المذكور في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين. ولو ترافع إلينا ذميان في شرب الخمر .. لم نحدهما وإن رضيا بحكمنا؛ لأنهما لا يعتقدان تحريمها، وأمَّا إذا تحاكم مسلم وذمي وجب على الحاكم الحكم بينهم إجماعًا، لا يختلف القول فيه؛ لأنَّه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة، وكذا الذمي مع المعاهدين، انتهى بزيادة بعض الحروف.
﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: وإن اخترت الإعراض عنهم ولم تحكم بينهم ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ من الضرر، فالله حافظك من ضررهم؛ أي: لأنهم إنَّما يتحاكمون إليك لطلب الأخف، فإذا أعرضت عنهم، وأبيت عن الحكم بينهم .. شق عليهم إعراضك عنهم، وصاروا أعداء لك، فلا تضرك عداوتهم لك، فإن الله تعالى يعصمك من الناس ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ﴾، أي: وإن اخترت الحكم بينهم ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل الذي أمرت به، وهو ما تضمنه القرآن واشتملت عليه شريعة الإِسلام ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾؛ أي: يثيب العادلين في الحكم.
٤٣ - والاستفهام في قوله ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ إلخ، إستفهام تعجيب من الله لنبيه ﷺ من تحكيمهم إياه، مع أنهم لا يؤمنون به وبكتابه، والحال أن الحكم منصوص عليه في التوراة التي يدعون الإيمان بها، وتنبيه على أنَّهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع، وإنَّما طلبوا به ما هو أهون عليهم لكان لم يكن ذلك حكم الله على زعمهم، ثم يعرضون عن حكمه ﷺ الموافق لكتابهم من بعد التحكيم، والرضا بحكمه ﷺ فقوله: ﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾ حال من فاعل يحكمونك وقوله: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ حال من التوراة وقوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ معطوف على يحكمونك.
والمعنى: واعجب يا محمَّد من تحكيمهم إياك في حد الزنا، والحال أن عندهم التوراة كتابهم حالة كون التوراة موصوفة بكون حكم الله بالرجم في الزنا موجودًا فيها، ثم اعجب من توليهم وإعراضهم عن حكمك من بعد تحكيمهم
стр. 3093
إياك، ورضاهم بحكمك.
فائدة: والاستفهام التعجبي ضابطه هو إيقاع (١) المخاطب في العجب؛ أي: التعجب. والتعجب هنا من وجهين:
الأول: قوله: ﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ ...﴾ إلخ.
والثاني: قوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ ...﴾ إلخ كما أشرنا إليه في التفسير؛ أي: وكيف (٢) يحكمونك في قضية كقضية الزانيين وعندهم التوراة، وهي شريعتهم فيها حكم الله فيما يحكمونك فيه، ثم يتولون عن حكمك بعد أن رضوا به وآثروه على شريعتهم لموافقته إياها. وخلاصة ذلك أن أمرهم لمن أعجب العجب، وما سبب ذلك إلا أنَّهم ليسوا بمؤمنين بالتوراة إيمانًا صحيحًا، ولا هم مؤمنين بك، إذ المؤمن بشرع لا يرغب عنه إلى غيره، إلا إذا آمن بأن ما رغب إليه شرع من الله أيضًا، أيد به الأول، أو نسخه لحكمة اقتضت ذلك ﴿مَا أُولَئِكَ﴾ البعداء من الله تعالى يعني اليهود ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ بالتوراة وإن كانوا يظهرون الإيمان بها لإعراضهم عنها أولًا، وعما يوافقها ثانيًا، أو بك ولا بها، وإن طلبوا الحكم منك لأنَّهم لا يعتقدون صحة حكمك، وذلك دليل على أنَّه لا إيمان لهم بشيء، وأنَّ مقصودهم تحصيل منافع الدنيا، وأغراضهم الفاسدة، دون اتباع الحق.
الإعراب
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾.
﴿وَالسَّارِقُ﴾ مبتدأ. ﴿وَالسَّارِقَةُ﴾: معطوف عليه، وفي الخبر وجهان:
أحدهما: وعليه سيبويه أنّه محذوف تقديره: حكم السارق والسارقة فيما
стр. 3094
يتلى عليكم أو فيما فرض عليكم، ويكون قوله: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ بيانًا لذلك الحكم المقدر، فما بعد الفاء مرتبط بما قبلها, ولذلك أتي بها فيه لأنَّه هو المقصود، ولو لم يؤتِ بالفاء لتوهم أنَّه أجنبي، والكلام على هذا جملتان: الأولى: اسمية خبرية، والثانية: فعلية إنشائية.
وثانيهما: وعليه الأخفش وجماعة من النحاة: أن الخبر الجملة الإنشائية من قوله: ﴿فَاقْطَعُوا﴾ وإنَّما دخلت الفاء في الخبر لشبه المبتدأ باسم الشرط في العموم، إذ الألف واللام فيه موصولة، بمعنى الذي والتي، والصفة صلتها، فهي في قوة قولك: والذي يسرق والتي تسرق فاقطعوا أيديهما، والجملة من المبتدأ والخبر على كلا الوجهين مستأنفة كما سبق، ذلك كله في بحث التفسير. ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿جَزَاءً﴾: مفعول لأجله منصوب، بـ ﴿اقْطَعُوا﴾ فالجزاء علة للأمر بالقطع، أو منصوب على المصدرية بفعل محذوف تقديره: جازاهما الله جزاء على ما كسباه والجملة المحذوفة معللة للقطع أيضًا، كما ذكره أبو البقاء. ﴿بِمَا﴾: الباء: حرف جر بمعنى على. ﴿مَا﴾: موصولة أو مصدرية. ﴿كَسَبَا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: على الذي كسباه من السرقة، أو صلة (ما) المصدرية تقديره: على كسبهما، والجار والمجرور على كلا الوجهين متعلق بـ ﴿جَزَاءً﴾. ﴿نَكَالًا﴾: مفعول لأجله منصوب (١) بـ ﴿جَزَاءً﴾ فالنكال علة للجزاء، فتكون العلة معللة بشيء آخر، فتكون كالحال المتداخلة، كما تقوله: ضربته تأديبًا له، إحسانًا إليه، فالتأديب علة للضرب، والإحسان علة للتأديب. اهـ. "سمين". ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نَكَالًا﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَزِيزٌ﴾ خبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثان، والجملة مستأنفة.
﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾.
стр. 3095
﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حكم السارق والسارقة، وأردت بيان حكم من تاب بعد سرقته .. فأقول لك. ﴿من تاب﴾: من اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿تَابَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ (من) على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على مَنْ. ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَابَ﴾. ﴿وَأَصْلَحَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ (من) معطوف على ﴿تَابَ﴾: وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها منصوب. ﴿يَتُوبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتُوبُ﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها في محل الجزم بـ ﴿مِنْ﴾ على كونها جواب شرط لها، وجملة ﴿مِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مسأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿غَفُورٌ﴾ خبر أول له. ﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثانٍ، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري. وما ذكر الشوكاني في أن الاستفهام للإنكار غير صواب. ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وجزم. ﴿تَعْلَمْ﴾: فعل مضارع مجزوم، بـ ﴿لَمْ﴾ وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على أي مخاطب، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد مفعول علم تقديره: ألم تعلم كون ملك السماوات والأرض له تعالى. ﴿يُعَذِّبُ﴾ فعل مضارع والفاعل يعود على الله. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل نصب مفعول به ﴿يَشَاءُ﴾ مضارع صلة
стр. 3096
الموصول ﴿وَيَغْفِرُ﴾ معطوفة على ﴿يُعَذِّبُ﴾ ﴿لِمَنْ﴾ جار ومجرور متعلقان بـ ﴿يَغْفِرُ﴾ ﴿يَشَاءُ﴾ مضارع والفاعل يعود على الله، والجملة صلة الموصول ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾. ﴿قَدِيرٌ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ (يا): حرف نداء. (أي): منادى نكرة مقصودة. (ها): حرف تنبيه زائد. ﴿الرَّسُولُ﴾: صفة لـ (أي)، وجملة النداء مستأنفة. ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾: جازم وفعل ومفعول. ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل، والجملة الفعلية جواب النداء. ﴿يُسَارِعُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي الْكُفْرِ﴾ متعلق به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل.
﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾.
﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور حال من الضمير في ﴿يُسَارِعُونَ﴾ أو من ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: جار. ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالوا بأفواههم: آمنا. ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾: جازم وفعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿قَالُوا﴾. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا﴾، ﴿هَادُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم؛ أي: كل من الفريقين: اليهود والمنافقين قوم سماعون، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره مستأنفة، قوله: ﴿لِلْكَذِبِ﴾ فيه وجهان (١):
أحدهما: اللام زائدة، تقديره: سماعون للكذب.
والثاني: ليست زائدة، فهي متعلقة بـ ﴿سَمَّاعُونَ﴾، والمفعول محذوف تقديره
стр. 3097
سماعون أخباركم ليكذبوا عليكم فيها.
﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.
﴿سَمَّاعُونَ﴾ خبر ثان للمبتدأ المقدر سابقًا، وقيل توكيد لفظي للأول وتكرير له. ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعلق به؛ أي: لأجل قوم، ويجوز أن تتعلق اللام في ﴿لِقَوْمٍ﴾ بالكذب سماعون الثاني: مكرر والتقدير: ليكذبوا لقوم آخرين. ﴿آخَرِينَ﴾ صفة أول ﴿لِقَوْمٍ﴾. ﴿لَمْ يَأتُوكَ﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر صفة ثانية ﴿لِقَوْمٍ﴾. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثالثة ﴿لِقَوْمٍ﴾ أو في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هم يحرفون الكلم، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿لَمْ يَأتُوكَ﴾.
﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾.
﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر صفة رابعة ﴿لِقَوْمٍ﴾، أو في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم يقولون، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿يُحَرِّفُونَ﴾. ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ مقول محكي لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم. ﴿أُوتِيتُمْ﴾: فعل ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. هذا في محل النصب مفعول ثان. لـ ﴿أُوتِيتُمْ﴾ والأول كان نائب فاعل له. ﴿فَخُذُوهُ﴾ الفاء: رابطة لجواب (إنْ) الشرطية وجوبًا. ﴿خُذُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول القول. ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ الواو: عاطفة. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تُؤْتَوْهُ﴾: فعل ونائب فاعل ومفعول ثان مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فَاحْذَرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا. ﴿احْذَرُوا﴾ فعل وفاعل مبني على حذف النون، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونها جوابًا
стр. 3098
لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: في محل النصب معطوفة عل جملة ﴿إِنْ﴾ الأولى على كونها مقولًا لـ ﴿يَقُولُونَ﴾.
﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.
﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب. ﴿يُرِدِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فِتْنَتَهُ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فَلَنْ﴾ (الفاء) رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا، لكون الجواب مقرونًا بلن. ﴿لن﴾: حرف نصب. ﴿تَمْلِكَ﴾ منصوب بـ ﴿لن﴾، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿لَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَمْلِكَ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَمْلِكَ﴾ أيضًا، أو حال من ﴿شَيْئًا﴾؛ لأنّه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به أو منصوب على المصدرية، وجملة ﴿تَمْلِكَ﴾ في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مِنَ﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ﴾: خبر والجملة مستأنفة ﴿لَمْ يُرِدِ اللَّهُ﴾ جازم وفعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد الضمير في ﴿قُلُوبَهُمْ﴾ ﴿أَنْ﴾ حرف نصب. ﴿يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾: فعل ومفعول به ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: لم يرد الله تطهير قلوبهم. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور متعلق بالاستقرار المتعلق به الخبر. ﴿خِزْيٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة (١) استئنافًا بيانيًّا لجواب سؤال ناشئ من تفصيل أفعالهم وأحوالهم الموجبة للعقاب، كأنَّه قيل: فما لهم من العقوبة؟ فقيل: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا
стр. 3099
خِزيٌ﴾ إلخ. ﴿وَلَهُمْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور، متعلق بالاستقرار المتعلق به الخبر. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة له، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
﴿سَمَّاعُونَ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم سماعون، والجملة مستأنفة كرره للتأكيد وتوطئة لما بعده. ﴿لِلْكَذِبِ﴾ متعلق به. ﴿أَكَّالُونَ﴾: خبر لمبتدإ محذوف. ﴿لِلسُّحْتِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة بعاطف مقدر على الجملة التي قبلها. ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حالهم الخبيثة وأردت بيان حكم ما إذا تحاكموا إليك .. فأقول لك. ﴿إن جاءوك﴾ إن حرف شرط. ﴿جَاءُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بإنْ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَاحْكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿احْكُمْ﴾: فعل أمر في محل الجزم (بإنْ) على كونه جوابًا لها مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿احْكُمْ﴾. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف وتخيير ﴿أَعْرِضْ﴾: فعل أمر في محل الجزم معطوف على ﴿احْكُمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿عَنْهُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق به، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية: في محل النصب قول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾.
﴿وَإِنْ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿تُعْرِضْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به. ﴿فَلَنْ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا، لاقترانه بـ (لن). ﴿لن﴾: حرف نصب. ﴿يَضُرُّوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به منصوب بـ (لن). ﴿شَيْئًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: شيئًا من الضرر,
стр. 3100
والجملة الفعلية في محل الجزم بإنْ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة إن الأولى على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
﴿وَإِنْ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿حَكَمْتَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَاحْكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنَّ﴾ الشرطية. ﴿احْكُمْ﴾: فعل أمر في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿احْكُمْ﴾. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿احْكُمْ﴾ تقديره: حالة كونك متلبسًا بالقسط، وجملة إن الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة إن الأولى. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾.
﴿وَكَيْفَ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿كيف﴾ اسم استفهام في محل النصب حال من فاعل ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾ مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا. ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول مرفوع بثبات النون، والجملة مستأنفة. ﴿وَعِنْدَهُمُ﴾ الواو: واو الحال. ﴿عندهم﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿التَّوْرَاةُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾ مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من التوراة، والعامل فيها ما في (عند) من معنى الفعل.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾، والجملة معطوفة على جملة
стр. 3101
﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾ ﴿وَمَا﴾: (الواو): استئنافية. ﴿مَا﴾ حجازية تعمل عمل ليس. ﴿أُولَئِكَ﴾ في محل الرفع اسمها. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر ﴿مَا﴾ والباء زائدة والجملة مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾: ﴿السارق﴾: اسم فاعل من سرق يسرق من باب ضرب سرقًا بفتح الراء وسرقًا بكسرها، وسرقة بفتحها وسرقة بكسرها وسرقانًا، يقال: سرقه الشيء، وسرق منه الشيء، إذا أخذه منه خفية وبحيلة. وقال (١) الجوهري: السرقة بكسر الراء اسم الشيء المسروق، والمصدر من سرق يسرق سرقًا، وسرقة، وهو: أخذ الشيء في خفية عن الأعين، ومنه استرق السمع ومسارقة النظر. ﴿وَالسَّارِقُ﴾ اسم فاعل لمذكر يجمع على سرقة ككامل وكملة، وعلى سراق كعاذل وعذال، وعلى سارقون. ﴿وَالسَّارِقَةُ﴾: اسم فاعل لمؤنث يجمع على سوارق وسارقات. وقال ابن عرفة (٢): السارق عند العرب: من جاء مستترًا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له. ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾: يقال قطع الشيء يقطع، من باب فتح قطعًا ومقطعًا وتقطاعًا إذا جزه وأبانه وفصله، والقطع معناه: الإزالة والإبانة. والأيدي جمع يد برد اللام المحذوف في المفرد اعتباطًا؛ أي: لغير علة تصريفية، وجمعه هنا فرارًا من كراهة الجمع بين تثنيتين، لو قال فاقطعوا يديهما، واليد: الجارحة المعروفة، واختلفوا في محل قطعها كما بيناه في بحث التفسير.
﴿جَزَاءً﴾ مصدر معنوي لاقطعوا؛ فهو منصوب به؛ لملاقته له في المعنى، أو منصوب بمحذوف يلاقيه في اللفظ تقديره: فجازوهما جزاء ﴿نَكَالًا﴾ اسم مصدر لنكل من باب فعل المضاعف ينكل تنكيلًا ونكالًا، ككلم يكلم تكليمًا وكلامًا. وفي "المصباح": نكل به ينكل من باب قتل نكلة قبيحة إذا أصابه بنازلة،
стр. 3102
ونكل به بالتشديد مبالغة، والاسم النكال. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ﴾ والحزن: ألم يجده الإنسان عند فوت ما يحب، ويقال: حزن يحزن حزنًا من باب نصر ضد سره، وحزن يحزن حزنًا من باب فرح له، وعليه ضد سر وفرح، فهو حزين، وأحزن الرجل إذا حزنه.
قال الشوكاني (١): الحزن والحزن: خلاف السرور، وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين، وأحزنه غيره وحزنه، قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم وقد قرئ بهما ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ يقال: سارع (٢) إلى الشيء إذا أسرع إليه من خارج ليصل إليه، وأسرع فيه إذا أسرع فيه وهو داخل فيه، وهنا كان الكفار داخلين في ظرف الكفر محيطًا بهم سرادقه، فالمفاعلة في سارع ليست على بابه، فهو بمعنى أسرع ﴿سَمَّاعُونَ﴾ جمع سماع من صيغ المبالغة على زنة فعال معدول عن سامعون وكذلك ﴿أَكَّالُونَ﴾ جمع أكال مبالغة آكل ﴿لِلسُّحْتِ﴾ السحت والسحت بسكون الحاء وضمها: الحرام وكل ما خبث من المكاسب وحرم، فلزم منه العار، وقبح الذكر، كثمن الكلب والخنزير والخمر والرشوة في الحكم، سمي بذلك لأنه يسحت البركة؛ أي: يذهبها، أو لأنه يسحت عمر صاجه، ويقال؛ سحته الله؛ أي: أهلكه، ويقال: أسحته إذا استأصله. وفي "المختار": وسحته من باب قطع وأسحته استأصله، وقرىء بهما في قوله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾؛ أي: يستأصلكم ويهلككم، ومصدر الثلاثي سحت بفتحتين وسحت بإسكان الحاء. وقال الفراء: أصل السحت كلب الجوع، ويقال: فلان مسحوت المعدة إذا كان لا يلقى أحدًا إلا خائفًا، وهو راجع لمعنى الهلاك، ويقال للحالق اسحت؛ أي: استأصل، وسمى الحرام سحتًا لأنَّه يسحت الطاعات؛ أي: يذهبها ويستأصلها.
стр. 3103
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
منها: العموم في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾؛ لأن أن فيهما موصولة فتعم؛ لأن المعنى: والذي سرق والتي سرقت.
ومنها: المجاز المرسل بإطلاق الكل وإرادة البعض في قوله: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ لأنَّ المقطوع الكف لا كل اليد.
ومنها: وضع الجمع موضع المثنى؛ لأنَّ المقطوع يمينهما؛ لأنّه ليس في الإنسان إلا بيمين واحدة، وما هذا سبيله يجعل فيه الجمع مكان الاثنين كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.
ومنها: الخطاب بلفظ الرسالة للتشريف والتفخيم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾.
ومنها: إيثار كلمة ﴿فِي﴾ الدالة على الظرفية على كلمة ﴿إلى﴾ الأصلية في تعدية مادة سارع في قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يفارقونه، وإنَّما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه إلى بعض آخر.
ومنها: التفصيل في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا﴾، و ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾، و ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿سَمَّاعُونَ﴾، وفي قوله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾، و ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ لزيادة التأكيد والتقرير.
ومنها: تنكير ﴿خِزْيٌ﴾ للتفخيم والتهويل.
ومنها: الطباق بين كلمتي ﴿الدُّنْيَا﴾ و ﴿الْآخِرَةِ﴾.
ومنها: الاستفهام التعجيبي في قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ لأنَّه تعجيب لرسول الله ﷺ من تحكيمهم إياه، وهم لا يؤمنون به وبكتابه.
стр. 3104
ومنها: الإشارة بالبعيد في قوله: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ للإيذان ببعد درجتهم في العتو والمكابرة.
ومنها: اللف والنشر المشوش في قوله: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ﴾ فهما راجعان لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ على خلاف الترتيب السابق.
ومنها: الحذف في مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 3105
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله لما ذكر عجيب حال اليهود من تركهم حكم التوراة وهم يعلمونه، وطلبهم من النبي ﷺ الحكم بينهم ورضاهم به إذا وافق أهوائهم، وتركهم له إذا جاء على غير ما يريدون .. ذكر هنا أمر التوراة وأنها أنزلت هداية لبني إسرائيل، ثم أعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم من الفساد،
стр. 3106
وفي ذلك من العبرة أن الانتماء إلى الدين لا ينفع أهله إذا لم يقيموه ولم يتهدوا بهديه، وأن إيثار أهل الكتاب أهوائهم على هدى دينهم هو الذي أعمى لهم عن نور القرآن والاهتداء به.
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنَّه تعالى لما ذكر أنَّه بين في التوراة أن حكم الزاني المحصن الرجم، وغرته اليهود .. ذكر هنا أنَّه بين في التوراة أن النفس بالنفس وغيرته اليهود أيضًا، ففضلوا بني النضير علي بني قريظة، وخصوا إيجاب القود علي بني قريظة دون بني النضير.
قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنَّه لما ذكر تعالى أنَّ التوراة يحكم بها النبيون .. ذكر هنا أنَّه قفاهم بعيسى ابن مريم تنبيهًا على أنَّه من جملة الأنبياء، وتنويهًا وتنزيهًا له عما تدعيه اليهود فيه، وأنَّه من جملة مصدقي التوراة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٣): أن الله لما بين إنزال التوراة ثم الإنجيل علي بني إسرائيل، وذكر ما أودعه فيهما من الهدى والنور، وما ألزمهم به من إقامتهما، وما أوعدهم به من العقاب على ترك الحكم بهما .. ذكر هنا إنزاله القرآن على خاتم الأنبياء محمَّد ﷺ ، ومنزلته من الكتب قبله، وأنَّ الحكمة اقتضت تعدد الشرائع والمناهج لهداية البشر.
وعبارة أبي حيان (٤) قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبها: أنَّ الله لما ذكر أنَّه أنزل التوراة فيها هدى ونور، ولم يذكر من أنزلها عليه لاشتراكهم كلهم في أنَّها أنزلت على موسى، فترك ذكره للعلم بذكر، ثم ذكر عيسى وأنَّه أتاه الإنجيل، فذكره ليقروا أنَّه من
стр. 3107
جملة الأنبياء، إذ اليهود تنكر نبوته وإذا أنكرته أنكرت كتابه، فنص تعالى عليه وعلى كتابه .. ذكر هنا إنزال القرآن على محمَّد ﷺ ، فذكر الكتاب ومن أنزله عليه مقررًا لنبوته وكتابه؛ لأن الطائفتين ينكرون نبوته وكتابه، وجاء هنا ذكر المنزل عليه بكاف الخطاب لأنّه أنص على المقصود، وكثيرًا ما جاء ذلك بلفظ الخطاب لأنَّه لا يلتبس ألبتة.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ...﴾ الآية، قال المفسرون (١): سبب نزول هذه الآية: استفتاء اليهود رسول الله ﷺ في أمر الزانيين وقد سبق.
قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): أنَّ جماعة من اليهود - منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس - قال بعضهم لبعض .. اذهبوا بنا إلى محمَّد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمَّد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم، وأنا إن تبعناك اتبعك اليهود، وإنَّ بيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك، فتقفي لنا عليهم ونحن نؤمن بك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ ، ونزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس.
وذكر مقاتل: أن جماعة من بني النضير قالوا له: هل لك أن تحكم لنا على أصحابنا أهل قريظة في أمر الدماء كما كنا عليه من قبل ونبايعك؟ فنزلت هذه الآية. قال القاضي أيو يعلى: وليست هذه الآية تكرارًا لما تقدم، وإنما نزلتا في شيئين مختلفين، أحدهما: في شأن الرجم، والآخر في التسوية في الديات حين تحاكموا إليه.
قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية، سبب نزولها (٣): أن النبي ﷺ لما حكم بالرجم على اليهوديين تعلق بنو قريظة ببني النضير وقالوا: يا محمَّد
стр. 3108
هؤلاء إخواننا، أبونا واحد، وديننا واحد، إذا قتلوا منا قتيلًا .. أعطونا سبعين وسقًا من تمر، وإن قتلنا منهم واحدًا .. أخذوا منا مئة وأربعين وسقًا، وإن قتلنا منهم رجلًا قتلوا به رجلين، وإن قتلنا امرأة .. قتلوا بها رجلًا، فاقض بيننا بالعدل، فقال رسول الله ﷺ : "ليس لبني النضير على بني قريظة فضل في عقل ولا دم". فقال بنو النضير: والله لا نرض بقضائك، ولا نطيع أمرك، ولنأخذن بأمرنا الأول، فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس.
قال الزجاج: ومعنى الآية: أتطلب اليهود حكمًا لم يأمر الله به وهم أهل كتاب الله كما تفعل الجاهلية؟
التفسير وأوجه القراءة
٤٤ - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ على موسى ﵇ ﴿فِيهَا هُدًى﴾؛ أي: بيان (١) للأحكام والشرائع والتكاليف ﴿وَنُورٌ﴾؛ أي: بيان للتوحيد والعقائد والنبوة والمعاد.
وعبارة المراغي هنا: أي إنَّا (٢) أنزلنا التوراة على موسى مشتملة على هدى وإرشاد للناس إلى الحق، وعلى نور وضياء يكشف به ما تشابه عليهم وأظلم، وبهذا الهدى خرج بنو إسرائيل من وثنية المصريين وضلالهم، وبذلك النور أبصروا طريق الاستقلال أمر دينهم ودنياهم ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾؛ أي: بالتوراة. ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾؛ أي: انقاد، والحكم بالتوراة، فإن من الأنبياء من لم تكن شريعته شريعة التوراة، والذين كانوا منقادين لحكم التوراة هم الذين كانوا من مبعث موسى إلى عيسى ﵉. وقيل: بينهما ألف نبي، وكلهم بعثوا بإقامة التوراة حتى يحدوا حدودها، ويقوموا بفرائضها، ويحلوا حلالها، ويحرموا حرامها ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متعلق بيحكم؛ أي: يحكمون بها فيما بين اليهود؛ أي: يحكمون لهم وعليهم وبهم.
стр. 3109
وعبارة المراغي (١): أي أنزلناها قانونًا يحكم به النبيون الذين أسلموا وجوههم لله مخلصين له الدين، موسى ومن بعده من أنبياء بني إسرائيل إلى عيسى ﵇، للذين هادوا؛ أي: لليهود خاصة لأنها شريعة خاصة بهم لا عامة، ولم يكن لداود وسليمان وعيسى شريعة دونها. انتهت.
وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي (٢): يحتمل أن يكون المراد بالنبيين الذين أسلموا هو سيدنا محمَّد ﷺ لأنَّه حكم على اليهوديين بالرجم، وكان هذا حكم التوراة، وإنَّما ذكر بلفظ الجمع تعظيمًا له، ولأنَّه قد اجتمع فيه من خصال الخير ما كان حاصلًا لأكثر الأنبياء.
وقال ابن الأنباري: هذا رد على اليهود والنصارى؛ لأنَّ بعضهم كانوا يقولون الأنبياء كلهم يهود أو نصارى، فرد الله عليهم بذلك؛ أي: فإنَّ الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية بل كانوا مسلمين؛ أي: منقادين لتكاليف الله تعالى، وفي ذلك تنبيه على قبح طريقة هؤلاء اليهود المتأخرين، فإن غرضهم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشوة، واستتباع العوام، وتعريض بهم بأنهم بعدوا عن الإِسلام الذي هو دين الأنبياء ﵈.
وقال ابن عباس: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾؛ أي: تابوا من الكفر ورجعوا عن عبادة العجل، وقال الزجاج (٣): ويحتمل أن يكون في الآية تقديم وتأخير على معنى: إنَّا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾؛ أي: ويحكم بأحكام التوراة الربانيون؛ أي: العلماء المجتهدون الذين انسلخوا من الدنيا، وزهدوا فيها، واشتغلوا بتربية الناس بالدين والعلم ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾؛ أي: ويحكم بها الأحبار؛ أي: العلماء الذين حبروا وستروا الجهل والضلال بعلمهم وصلاحهم، والتزموا طريقة النبيين، وجانبوا دين اليهود، فالمراد بالربانيين الزهاد، وبالأحبار العلماء. وعن ابن عباس: الربانيون الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره، والأحبار هم الفقهاء وسائر علمائهم
стр. 3110
من ولد هارون؛ أي: ويحكم بها الربانيون والأحبار في الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء معهم، أو يحكمون مع وجودهم بإذنهم ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ أي: يحكمون بها بسبب ما أودعوه وأعطوه من علم كتاب الله تعالى وهو التوراة، وائتمنوا عليه، وطلب منهم أنبيائهم حفظه بالعمل به، والحكم به بين الشعوب، كالعهد الذي أخذه موسى بأمر الله على شيوخب بني إسرائيل، بعد أن كتب التوراة أن يحفظوها ولا يحيدوا عنها، فإن الأنبياء سألوا الربانيين والأحبار أن يحفظوا التوراة من التغيير والتبديل، وذلك منهم ﵈ استخلاف لهم في إجراء أحكامها من غير إخلال بشيء منها. ويروى عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: أنا رباني هذه الأمة. وأطلق لقب حبر الأمة على ابن عباس ﵄، وأطلق لقب الرباني على عليّ المرتضى ﵁. وقال ابن جرير: الربانيون (١) جمع رباني، وهم العلماء، الحكماء، والبصراء بسياسة الناس، وتدبير أمورهم، والقيام بمصالحهم، والأحبار جمع حبر: وهو العالم المحكم للشيء انتهى.
وقال ابن الجوزي (٢): وهل بين الربانيين والأحبار سرق أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا فرق، والكل علماء هذا قول الأكثرين، منهم ابن قتيبة والزجاج.
والثاني: قد روي عن مجاهد أنَّه قال: الربانيون الفقهاء العلماء، وهم فوق الأحبار، وقال السدي: الربانيون العلماء والأحبار القراء. وقال ابن زيد: الربانيون الولاة والأحبار العلماء. وقيل: الربانيون علماء النصارى، والأحبار علماء اليهود.
وقال الشوكاني: قوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾: (الباء): سببية (٣) ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾: أمروا بالحفظ؛ أي: أمرهم الأنبياء بحفظ التوراة عن التغيير والتبديل، والجار والمجرور متعلق بيحكم؛ أي: يحكمون بها بسبب هذا
стр. 3111
الاستحفاظ. انتهى. ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على الكتاب ﴿شُهَدَاءَ﴾؛ أي: كان هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار شهداء على أن كل ما في التوراة حق وصدق، وأنَّه من عند الله، فحقًّا كانوا يمضون أحكام التوراة، ويحفظونه عن التحريف والتغيير.
وعبارة المراغي: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾؛ أي: وكان السلف الصالح منهم رقباء على الكتاب وعلى من تحدثه نفسه العبث به كما فعل عبد الله بن سلام في مسألة الرجم، لا كما فعل الخلف من كتمان بعض أحكامه اتباعًا للهوى، أو خوفًا من أشرافهم إن أقاموا عليهم حدوده، وطمعًا في صلاتهم إذا هم حابوهم، ومما كتموه صفة النبي ﷺ والبشارة به، ثم خاطب الله تعالى رؤساء اليهود الذين كانوا زمن التنزيل لا يخافون الله في الكتمان والتبديل بعد أن قص سيرة السلف الصالح من بني إسرائيل لعلهم يعتبرون ويرعوون عن غيهم فقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا﴾ يا رؤساء اليهود. ﴿النَّاسَ﴾؛ أي: ملوككم وأشرافكم في الحكم عليهم بكتابي ﴿وَاخْشَوْنِ﴾؛ أي: وخافوا عقابي في كتمان كتابي؛ أي: إياكم وأن تحرفوا كتابي أيها اليهود للخوف من الناس والملوك والأشراف فتسقطوا عنهم الحدود الواجبة عليهم، وتستخرجوا الحيل في سقوط تكاليف الله تعالى عنهم، فلا تكونوا خائفين من الناس بل كونوا خائفين مني ومن عقابي في كتمان الأحكام ونعوت محمد ﷺ . والمعنى: وإذا كان حال أسلافكم وسيرتهم كما ذكر أيها اليهود المعاصرون لمحمد ﷺ ولا شك أنكم لا تنكرونه كما تنكرون غيره مما قصه الله على رسوله ﷺ .. فلا تخشوا الناس فتكتموا ما عندكم من الكتاب خشية أحد أو طمعًا في منفعة عاجلة منه، واخشوني واقتدوا بمن كان قبلكم من الربانيين والأحبار, واحفظوا التوراة ولا تعدلوا عن ذلك، فإن النفع والضر بيدي.
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي﴾؛ أي: ولا تستبدلوا بآياتي التي في التوراة ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ أي: عوضًا يسيرًا من الدنيا؛ أي: لا تأخذوا بكتمانها عرضًا قليلًا من الدنيا؛ أي: كما نهيتكم عن تغيير أحكامي لأجل الخوف من الناس .. فكذلك أنهاكم عن التغيير والتبديل لأجل الطمع في المال والجاه، وأخذ الرشوة، فإن كل متاع الدنيا قليل، وما عند الله خير وأبقى.
стр. 3112
والمعنى: ولا تتركوا بيانها للناس والعمل بها رجاء منفعة دنيوية قليلة تأخذونها من الناس كرشوة أو جاه، أو غيرهما من الحظوظ العاجلة التي تصدكم عن الاهتداء بآيات الله، وتمنعكم عن الخير العظيم الذي تنالونه من ربكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ أي: وكل من رغب عن الحكم بما أنزل الله وأخفاه، وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتحميم، وكتمانهم الرجم وقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة، وفي بعضهم بنصف الدية، والله قد سوى بين الجميع في الحكم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ الذين ستروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبينه، وغطوه وأظهروا لهم غيره، وقضوا به. وعبارة، "المراح" هنا: قال ابن عباس: ومن لم يبين ما بين الله تعالى في التوراة من نعت محمَّد، وآية الرجم .. فأولئك هم الكافرون بالله والرسول والكتاب. وقال عكرمة: أي: ومن لم يحكم بما أنزل الله، منكرًا له بقلبه، وجاحدًا له بلسانه .. فقد كفر. أمَّا من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه ذلك إلا أنَّه حكم بضده .. فهو ظالم فاسق لتركه حكم الله تعالى. انتهت. وخلاصة المعنى: ومن لم يحكم بما أنزل الله مستهينًا به منكرًا له .. كان كافرًا لجحوده به، واستخفافه بأمره، وإنما ذكر (١) الكفر هنا لأنَّه يناسب المقام؛ لأنَّه جاء عقب قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وهذا كفر، فناسب ذكر الكفر هنا، والإشارة بقوله ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى من، والجمع باعتبار معناها، وكذلك ضمير الجماعة في قوله: ﴿هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
فصل
واختلف العلماء فيمن نزلت هذه الآيات الثلاث فيه (٢)، وهي قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. فقال
стр. 3113
جماعة من المفسرين: إن الآيات الثلاث نزلت في الكفار، ومن غير حكم الله من اليهود؛ لأنَّ المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال: إنَّه كافر، وهذا قول ابن عباس وقتادة والضحاك، ويدل على صحة هذا القول ما روي عن البراء بن عازب. قال: أنزل الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في الكفار كلها أخرجه مسلم.
وعن ابن عباس قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ هذه الآيات الثلاث في اليهود خاصةً قريظة والنضير، أخرجه أبو داود. وقال مجاهد في هذه الآيات الثلاث: من ترك الحكم بما أنزل الله ردًّا لكتاب الله .. فهو كافر ظالم فاسق. وقال عكرمة: ومن لم يحكم بما أنزل الله، جاحدًا به .. فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به .. فهو ظالم فاسق. وهذا قول ابن عباس أيضًا، واختيار الزجاج لأنَّه قال: من زعم أن حكمًا من أحكام الله تعالى التي أتت بها الأنبياء باطل .. فهو كافر. وقال طاووس: قلت لابن عباس أكافر من لم يحكم بما أنزل الله؟ فقال: به كفر وليس بكفر، ينقل عن الملة كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ونحو هذا روي عن عطاء قال: هو كفر دون الكفر. وقال ابن مسعود والحسن والنخعي: هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود، وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدل الحكم، فحكم بغير حكم الله تعالى .. فقد كفر وظلم وفسق، وإليه ذهب السدي؛ لأنه ظاهر الخطاب. وقيل: هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانًا محمدًا وحكم بغيره، وأما من خفي عليه النص، أو أخطأ في التأويل .. فلا يدخل في هذا الوعيد. وقال الرازي نقلًا عن عكرمة: إنَّ الحكم بالكفر على من حكم بغير ما أنزل الله إنَّما يكون فيمن أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أمَّا من عرف بقلبه كونه حكم الله وأقر بلسانه كونه حكم الله إلا أنّه أتى بما يضاده .. فهو حاكم بما أنزل الله ولكنَّه تارك له، فلا يدخل تحت هذه الآية. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: الثلاث الآيات التي في المائدة: ﴿مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلخ، ليس في الإِسلام منها شيء، هي من الكفار. وعن الشعبي أنَّه قال: الثلاث الآيات التي في
стр. 3114
المائدة أولها في هذه الأمة، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، والله أعلم بمراده.
٤٥ - ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾؛ أي: فرضنا علي بني إسرائيل في التوراة ﴿أَنَّ النَّفْسَ﴾ الجانية مقتولة ﴿بِالنَّفْسِ﴾ المجني عليها فمدخول الباء هو المجنيّ عليه في هذا وما عطف عليه ﴿وَالْعَيْنَ﴾ مفقوءة ﴿بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ﴾ مجدوعة ﴿بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ﴾ مقطوعة ﴿بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ﴾ مقلوعة ﴿بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ﴾ والمراد بها ما يشمل الأطراف ﴿قِصَاصٌ﴾؛ أي: ذات قصاص إذا كانت بحيث تعرف المساواة؛ أي: يقتص فيها إذا أمكن فيها القصاص كالشفتين والأنثيين واليدين والقدمين واللسان والذكر ونحو ذلك. أمَّا ما لا يمكن فيه القصاص، كرض في لحم أو كسر في عظم، أو جراحة في بطن يخاف منها التلف .. ففيه أرش وحكومة. والحكومة (١): جزء من دية النفس نسبته إليها كنسبة ما نقص من قيمة المجني عليه بفرضه رقيقًا، فلو كانت قيمته بلا جناية عشرة وبها تسعة .. فالحكومة عشر الدية, وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا.
وفي هذه الآية توبيخ لليهود، وتقريع لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة كما حكاه هنا، ويفاضلون بين الأنفس كما سبق، وقد كانوا يقيدون بني النضير من بني قريظة، ولا يقيدون بني قريظة من بني النضير.
وظاهر النظم القرآني (٢): أن العين إذا فقئت حتى لم يبق فيها مجال للإدراك .. أنَّها تفقأ عين الجاني بها، والأنف إذا جدعت جميعها .. فإنّها تجدع أنف الجاني بها, والأذن إذا قطعت جميعها .. فإنها تقطع أذن الجاني بها، وكذلك السنن. فأمَّا إذا كانت الجناية ذهبت ببعض إدراك العين، أو ببعض الأنف، أو يبعض الأذن .. فليس في هذه الآية ما يدل على ثبوت القصاص، وقد اختلف في ذلك إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيقته، وكلامهم مدوّن في كتب الفروع.
стр. 3115
والظاهر في قوله: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ أنَّه لا فرق بين الثنايا والأنياب والأضراس والرباعيات، وأنَّه يؤخذ بعضها ببعض، ولا فضل لبعضها على بعض، وإليه ذهب أكثر أهل العلم، ولكنه ينبغي أن يكون المأخوذ في القصاص من الجاني هو المماثل للسن المأخوذة من المجني عليه، فإن كانت ذاهبة .. فما يليها. وقرأ (١) نافع وعاصم وحمزة وخلف ويعقوب والأعمش بنصب ﴿وَالْعَيْنَ﴾ وما بعدها من المعاطيف على التشريك في عمل إن النصب، وخبر إن هو المجرور، وخبر والجروح قصاص، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو جعفر بنصب، ﴿والعين﴾ ﴿والأنف﴾ ﴿والأذن﴾ ﴿والسن﴾، ورفع ﴿والجروح﴾ على أثر الجروح مبتدأ خبره قصاص، فتكون عاطفة جملة على جملة، وفيما قبله عاطفة مفرد على مفرد، وقرأ الكسائي وأبو عبيد بالرفع في الجميع عطفًا على المحل؛ لأن النفس قبل دخول الحرف الناصب عليها كانت مرفوعة على الابتداء. قال ابن المنذر: ومن قرأ بالرفع جعل ذلك ابتداء كلام يتضمن بيان الحكم للمسلمين. وقرأ أُبيّ بنصب النفس والأربعة بعدها، وقرأ ﴿وأن الجروح قصاص﴾ بزيادة أن الخفيفة، ورفع الجروح، ويتعين في هذه أن تكون أن مخففة من الثقيلة لا تفسيرية. وقرأ نافع ﴿والأذن بالأذْن﴾ بإسكان الذال معرفًا ومنكرًا، ومثنى حيث وقع، وقرأ الباقون بالضم، فقيل: هما لغتان كالنكر والنكر، وقيل: الإسكان هو الأصل وإنما ضم اتباعًا. وقيل: التحريك هو الأصل وإنما سكن تخفيفًا.
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾؛ أي: فمن تصدق بما يثبت له من حق القصاص، وعفا عن الجاني، ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: فهذا التصدق ﴿كَفَّارَةٌ لَهُ﴾؛ أي: لذلك المتصدق يكفر الله به ذنوبه، ويعفو عنه كما عما عن أخيه بقدر ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته، وفي هاء ﴿له﴾ (٢) قولان: أحدهما: أن الهاء في ﴿له﴾ كناية عن المجروح أو وليّ المقتول، وذلك أن المجروح إذا تصدق بالقصاص .. كان ذلك كفارة لذنوبه، وهذا قول ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن، يدل له ما روى عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ . يقول: "ما من رجل
стр. 3116
يصاب بشيء من جسده فيتصدق به .. إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة". أخرجه الترمذي. وعن أنس قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو) أخرجه أبو داود والنسائي. وعن عبد الله بن عمر: تهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به. وروى عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: "من تصدق من جسده، بشيء .. كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه". والقول الثاني: في أن الضمير في قوله له يعود إلى الجارح أو القاتل، يعني أن المجني عليه إذا عفا عن الجاني .. كان ذلك العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل، كما أن القصاص كفارة، وأمَّا أجر العافي فعلى الله تعالى.
قال ابن القيم: والتحقيق أن القاتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله تعالى، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا سلم القاتل نفسه طوعًا واختيارًا إلى الولي ندمًا على ما فعل، وخوفًا من الله تعالى، وتوبة نصوحًا .. سقط حق الله تعالى بالتوبة، وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق للمقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده، ويصلح بينه وبينه انتهى.
ولو سلم القاتل نفسه اختيارًا من غير ندم وتوبة، أو لم يمكن من نفسه بل قتل كرهًا .. سقط حق الوارث فقط، وبقي حق الله تعالى؛ لأنه لا يسقط إلا بالتوبة، وبقي أيضًا حق المقتول، ويطالبه به في الآخرة لأن القاتل لم يسلم نفسه تائبًا، ولم يصل منه للمقتول شيء. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ تعالى في القصاص، وفي غيره، نزلت (١) هذه الآية حين اصطلحوا على أنْ لا يقتل الشريف بالوضيع ولا الرجل بالمرأة ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الممتنعون عن حكم الله ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنفسهم، حيث لم يحكموا بما أنزل الله تعالى، الضارون لها بالعقوبة المؤبدة؛ أي: إن (٢) كل من أعرض عما أنزل من القصاص المبني على قاعدة المساواة بين الناس، وحكم بغيره .. فهو من الظالمين، إذ العدول عن ذلك لا يكون إلا بتفضيل أحد الخصمين على الآخر، وغمص حق المفضل عليه وظلمه.
стр. 3117
والإتيان (١) بضمير الفصل مع اسم الإشارة، وتعريف الخبر يستفاد منه أن هذا الظلم المصادر مهم ظلم عظيم بالغ إلى الغاية، وناسب ذكر الظلم هنا لأنه جاء عقب أشياء مخصوصة من أمر القتل والجرح، فناسب ذكر الظلم المنافي للقصاص والتسوية، وإشارة إلى ما كانوا قرروه من عدم التساوي بين النضير وقريظة. ذكره أبو حيان.
٤٦ - قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ شروع (٢) في بيان أحكام الإنجيل إثر بيان أحكام التوراة، وهو عطف على أنزلنا التوراة في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾؛ أي: وأتبعنا على آثار النبييين الذين يحكمون بالتوراة وبعثنا عقبهم بعيسى ابن مريم حالة كون عيسى ﴿مُصَدِّقًا﴾ وموافقًا بقوله وفعله ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: لما قبل عيسى مما أتى به موسى ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ في التوحيد وبعض الشرائع، ومعنى كون عيسى مصدقًا للتوراة أنه أقرّ بأنه كتاب منزل من عند الله تعالى، وأقر بأنه كان حقًّا، وجب العمل به قبل ورود النسخ والمعنى؛ أي: (٣) وبعثنا عيسى بن مريم بعد هؤلاء النبيين الذين كانوا يحكمون بالتوراة متبعًا طريقهم، جاريًا على هديهم، مصدقًا للتوراة التي تقدمته بقوله وعمله، فشريعة عيسى ﵇ هي التوراة، وقد نقلوا عنه في أناجيلهم أنه قال: "ما جئت لأنقض الناموس" شريعة التوراة "وإنَّما جئت لأتمم"، أي: لأزيد عليها ما شاء الله أن أزيد من الأحكام والمواعظ، ولكن النصارى نسخوها وترهوا العمل بها إتباعًا لبولس - رئيسهم - وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾؛ أي: أعطينا عيسى ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ بكسر الهمزة وقرىء شاذًا بفتحها معطوف على قفينا وقوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ حال من الإنجيل؛ أي: وأعطيناه الإنجيل حالة كون الإنجيل مشتملًا على الهدى، ومنقذًا من الجهالة والضلالة، لاشتماله على الدلائل الدالة على التوحيد، والتنزيه المنافي للوثنية التي هي مصدر الخرافات والأباطيل، وعلى براءة الله تعالى عن الزوجة والولد والمثل والضد، وعلى النبوة، وعلى المعاد، ومشتملًا على النور والبيان الذي يبصر به طالب الحق طريقه الموصل إليه؛ لأنه بيان للأحكام الشرعية، ولتفاصيل التكاليف.
стр. 3118
والخلاصة: حالة كون الإنجيل هاديًا إلى التوحيد، ونورًا وبيانًا للأحكام المشروعة لهم، والمراد بالهدى التوحيد، وبالنور الأحكام، فالعطف مغاير (و) حالة كون الإنجيل ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: لما قبل الإنجيل ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ وهنا المنصوب معطوف على محل فيه هدى ونور على كونه حالًا من الإنجيل .. فليس بتكرار للأول؛ لأن في الأول: الإخبار بأن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة، وفي الثاني: الإخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة فظهر الفرق بين اللفظين، وأنَّه ليس بتكرار، فالإنجيل مشتمل على النص بتصديق التوراة زيادة على تصديق المسيح لها بقوله وعمله.
والمعنى: أي حال كونه موافقًا لما في التوراة من أصول الدين، ومن بعض الشرائع، أو معترفًا بأنها من عند الله وإن نسخت أحكامها؛ لأن الله كلف أمة كل عصر بأحكام تناسبها، فالنسخ في الأحكام الفرعية لا الأصول كالتوحيد فلا نسخ فيه، بل ما كان عليه آدم من التوحيد هو ما عليه باقي الأنبياء ﴿وَ﴾ حالة كون الإنجيل ﴿هُدًى﴾ للناس؛ أي: سبب أهتداء لهم لاشتماله على البشارة بمبعث محمَّد ﷺ ، فهو سبب لاهتداء الناس إلى نبوة محمَّد ﷺ ، فهذه المسألة أشد المسائل احتياجًا إلى البيان، فالإنجيل يدل دلالة ظاهرة عليها لكثرة المنازعة بين المسلمين واليهود والنصارى في ذلك، فظهر مما ذكرنا لك الفرق بين هدى وهدى مرتين ﴿و﴾ حالة كون الإنجيل ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي؛ واعظًا لهم لاشتماله على النصائح والزواجر والمواعيظ البليغة، والأمثال والحكم النافعة، وإنَّما خص الموعظة بالمتقين؛ لأنهم الذين ينتفعون بها. والحكمة (١) في زيادة الموعظة في الإنجيل دون التوراة لأن التوراة كان فيها الأحكام الشرعية فقط، وإنما المواعظ كانت في الألواح وقد تكسرت، وأما الإنجيل فهو مشتمل على الأحكام والمواعظ جميعًا.
وقرأ الضحاك: ﴿وهدى وموعظة للمتقين﴾ بالرفع، أي: وهو هدى وموعظة.
٤٧ - وقرأ الجمهور بالنصب كما تقدم تقريره ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾ قرأ الجمهور بالأم الأمر ساكنة، وجزم الفعل بعدها، وبالواو حينئذ عاطفة، والجملة مقول لقول
стр. 3119
محذوف معطوف على آتينا، والمعنى: وآتينا عيسى بن مريم الإنجيل وأمرناه ومن تبعه بالحكم ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ أي: في الإنجيل من الأحكام، فإنه قبل البعثة المحمدية حق، وأما بعدها فقد أمروا في غير موضع بأن يعملوا بما أنزل الله على محمَّد ﷺ في القرآن الناسخ لكل الكتب المنزلة، أو المعنى (١): وليحكم أهل الإنجيل، بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمَّد ﷺ ، ومن الأحكام التي لم تنسخ بالقرآن، فإن الحكم بالأحكام المنسوخة ليس حكمًا بما أنزل الله فيه بل هو تعطيل له، إذ هو شاهد بنسخها؛ لأن شهادته بصحة ما ينسخها من الشريعة شهادة بنسخها. وقرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل من ﴿يحكم﴾ وكسر اللام، على أن اللام لام كي، والواو حينئذ للاستئناف، والسلام متعلقة بمحذوف والتقدير: وآتيناه الإنجيل ليحكم هو ومن تبعه بما أنزل فيه من الأحكام في زمانهم. وقرأ أبي (٢): ﴿وأن ليحكم﴾ بزيادة أن قبل لام كي، ونصب الفعل بعدها، فأن زائدة، فاللام متعلقة بمحذوف تقديره: وآتيناه الإنجيل ليحكم هو ومن تبعه بما أنزل الله فيه كما مرّ آنفًا. وقرىء (٣) أيضًا: ﴿وأن ليحكم﴾ بجزم الفعل على أن موصولة بالأمر كقولك: أمرتك بأن قم؛ أي: وأمرنا بأن ليحكم.
قال أهل المعاني (٤): قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى: وقلنا ليحكم أهل الإنجيل، فيكون هذا إخبارًا عما فرض عليهم في وقت إنزاله عليهم من الحكم بما تضمنه الإنجيل، ثم حذف القول؛ لأن ما قبله من قوله: (وكتبنا) (وقفينا) يدل عليه، وحذف القول كثير.
والوجه الثاني: أن يكون قوله (ليحكم) ابتداءً واستئنافًا، وفيه أمر للنصارى بالحكم بما في كتابهم وهو الإنجيل.
فإن قلت: فعلى هذا الوجه كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن.
стр. 3120
قلت: إنَّ المراد بهذا الحكم الإيمان بمحمد ﷺ ؛ لأن ذكره في الإنجيل ووجوب التصديق بنبوته موجود، فإذا آمنوا بمحمد ﷺ .. فقد حكموا بما في الإنجيل.
وعبارة المراغي: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾؛ أي: (١) وقلنا لهم: ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الأحكام، والمراد: وأمرناهم بالعمل به، فهو كقوله في أهل التوراة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾، وخلاصة ذلك زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره، مثل ما فعل اليهود من إخفاء أحكام التوراة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في الكتب المنزلة من عنده تعالى ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: المتمردون الخارجون عن الإيمان إنْ كان مستهينًا، وعن طاعة الله إنْ كان لاتباع الشهوات. والآية تدل على أن الإنجيل مشتمل على أحكام، وأن عيسى ﵇ كان مستقلًا بشرع مأمورًا بالعمل بما فيه من الأحكام، قلت أو كثرت، لا بما في التوراة خاصة، ويشهد لذلك حديث البخاري "أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها، وأهل الإنجيل الإنجيل فعملوا ... " الحديث. وناسب (٢) هنا ذكر الفسق؛ لأنه خروج عن أمر الله تعالى إذ تقدم قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ وهو أمركما قال تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؛ أي: خرج عن طاعة أمره تعالى، فقد اتضح مناسبة ختم الجملة الأولى بالكافرين، والثانية بالظالمين، والثالثة بالفاسقين.
٤٨ - وفي الحقيقة (٣): الفسق يرجع للظلم؛ لأنّه مخالفة الأمر، فتعبيره بالظلم أولًا، وبالفسق ثانيًا، تفنن. قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ معطوف على قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ وما عطف عليه؛ أي: وأنزلنا إليك يا محمَّد الكتاب؛ أي: القرآن حالة كونه متلبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾ والصدق والعدل، فالجار والمجرور في محل الحال من الكتاب، أو من فاعل أنزلنا، أو من الكاف في إليك، وحالة كونك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: لما تقدمه ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: من (٤) الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله تعالى على عبده ورسوله