يصاب بشيء من جسده فيتصدق به .. إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة". أخرجه الترمذي. وعن أنس قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو) أخرجه أبو داود والنسائي. وعن عبد الله بن عمر: تهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به. وروى عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: "من تصدق من جسده، بشيء .. كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه". والقول الثاني: في أن الضمير في قوله له يعود إلى الجارح أو القاتل، يعني أن المجني عليه إذا عفا عن الجاني .. كان ذلك العفو كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، وهذا قول ابن عباس ومجاهد ومقاتل، كما أن القصاص كفارة، وأمَّا أجر العافي فعلى الله تعالى.
قال ابن القيم: والتحقيق أن القاتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله تعالى، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا سلم القاتل نفسه طوعًا واختيارًا إلى الولي ندمًا على ما فعل، وخوفًا من الله تعالى، وتوبة نصوحًا .. سقط حق الله تعالى بالتوبة، وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق للمقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده، ويصلح بينه وبينه انتهى.
ولو سلم القاتل نفسه اختيارًا من غير ندم وتوبة، أو لم يمكن من نفسه بل قتل كرهًا .. سقط حق الوارث فقط، وبقي حق الله تعالى؛ لأنه لا يسقط إلا بالتوبة، وبقي أيضًا حق المقتول، ويطالبه به في الآخرة لأن القاتل لم يسلم نفسه تائبًا، ولم يصل منه للمقتول شيء. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ تعالى في القصاص، وفي غيره، نزلت (١) هذه الآية حين اصطلحوا على أنْ لا يقتل الشريف بالوضيع ولا الرجل بالمرأة ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الممتنعون عن حكم الله ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأنفسهم، حيث لم يحكموا بما أنزل الله تعالى، الضارون لها بالعقوبة المؤبدة؛ أي: إن (٢) كل من أعرض عما أنزل من القصاص المبني على قاعدة المساواة بين الناس، وحكم بغيره .. فهو من الظالمين، إذ العدول عن ذلك لا يكون إلا بتفضيل أحد الخصمين على الآخر، وغمص حق المفضل عليه وظلمه.
стр. 3117
والإتيان (١) بضمير الفصل مع اسم الإشارة، وتعريف الخبر يستفاد منه أن هذا الظلم المصادر مهم ظلم عظيم بالغ إلى الغاية، وناسب ذكر الظلم هنا لأنه جاء عقب أشياء مخصوصة من أمر القتل والجرح، فناسب ذكر الظلم المنافي للقصاص والتسوية، وإشارة إلى ما كانوا قرروه من عدم التساوي بين النضير وقريظة. ذكره أبو حيان.
٤٦ - قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ شروع (٢) في بيان أحكام الإنجيل إثر بيان أحكام التوراة، وهو عطف على أنزلنا التوراة في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾؛ أي: وأتبعنا على آثار النبييين الذين يحكمون بالتوراة وبعثنا عقبهم بعيسى ابن مريم حالة كون عيسى ﴿مُصَدِّقًا﴾ وموافقًا بقوله وفعله ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: لما قبل عيسى مما أتى به موسى ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ في التوحيد وبعض الشرائع، ومعنى كون عيسى مصدقًا للتوراة أنه أقرّ بأنه كتاب منزل من عند الله تعالى، وأقر بأنه كان حقًّا، وجب العمل به قبل ورود النسخ والمعنى؛ أي: (٣) وبعثنا عيسى بن مريم بعد هؤلاء النبيين الذين كانوا يحكمون بالتوراة متبعًا طريقهم، جاريًا على هديهم، مصدقًا للتوراة التي تقدمته بقوله وعمله، فشريعة عيسى ﵇ هي التوراة، وقد نقلوا عنه في أناجيلهم أنه قال: "ما جئت لأنقض الناموس" شريعة التوراة "وإنَّما جئت لأتمم"، أي: لأزيد عليها ما شاء الله أن أزيد من الأحكام والمواعظ، ولكن النصارى نسخوها وترهوا العمل بها إتباعًا لبولس - رئيسهم - وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾؛ أي: أعطينا عيسى ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ بكسر الهمزة وقرىء شاذًا بفتحها معطوف على قفينا وقوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ حال من الإنجيل؛ أي: وأعطيناه الإنجيل حالة كون الإنجيل مشتملًا على الهدى، ومنقذًا من الجهالة والضلالة، لاشتماله على الدلائل الدالة على التوحيد، والتنزيه المنافي للوثنية التي هي مصدر الخرافات والأباطيل، وعلى براءة الله تعالى عن الزوجة والولد والمثل والضد، وعلى النبوة، وعلى المعاد، ومشتملًا على النور والبيان الذي يبصر به طالب الحق طريقه الموصل إليه؛ لأنه بيان للأحكام الشرعية، ولتفاصيل التكاليف.
стр. 3118
والخلاصة: حالة كون الإنجيل هاديًا إلى التوحيد، ونورًا وبيانًا للأحكام المشروعة لهم، والمراد بالهدى التوحيد، وبالنور الأحكام، فالعطف مغاير (و) حالة كون الإنجيل ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: لما قبل الإنجيل ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ وهنا المنصوب معطوف على محل فيه هدى ونور على كونه حالًا من الإنجيل .. فليس بتكرار للأول؛ لأن في الأول: الإخبار بأن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة، وفي الثاني: الإخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة فظهر الفرق بين اللفظين، وأنَّه ليس بتكرار، فالإنجيل مشتمل على النص بتصديق التوراة زيادة على تصديق المسيح لها بقوله وعمله.
والمعنى: أي حال كونه موافقًا لما في التوراة من أصول الدين، ومن بعض الشرائع، أو معترفًا بأنها من عند الله وإن نسخت أحكامها؛ لأن الله كلف أمة كل عصر بأحكام تناسبها، فالنسخ في الأحكام الفرعية لا الأصول كالتوحيد فلا نسخ فيه، بل ما كان عليه آدم من التوحيد هو ما عليه باقي الأنبياء ﴿وَ﴾ حالة كون الإنجيل ﴿هُدًى﴾ للناس؛ أي: سبب أهتداء لهم لاشتماله على البشارة بمبعث محمَّد ﷺ ، فهو سبب لاهتداء الناس إلى نبوة محمَّد ﷺ ، فهذه المسألة أشد المسائل احتياجًا إلى البيان، فالإنجيل يدل دلالة ظاهرة عليها لكثرة المنازعة بين المسلمين واليهود والنصارى في ذلك، فظهر مما ذكرنا لك الفرق بين هدى وهدى مرتين ﴿و﴾ حالة كون الإنجيل ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي؛ واعظًا لهم لاشتماله على النصائح والزواجر والمواعيظ البليغة، والأمثال والحكم النافعة، وإنَّما خص الموعظة بالمتقين؛ لأنهم الذين ينتفعون بها. والحكمة (١) في زيادة الموعظة في الإنجيل دون التوراة لأن التوراة كان فيها الأحكام الشرعية فقط، وإنما المواعظ كانت في الألواح وقد تكسرت، وأما الإنجيل فهو مشتمل على الأحكام والمواعظ جميعًا.
وقرأ الضحاك: ﴿وهدى وموعظة للمتقين﴾ بالرفع، أي: وهو هدى وموعظة.
٤٧ - وقرأ الجمهور بالنصب كما تقدم تقريره ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾ قرأ الجمهور بالأم الأمر ساكنة، وجزم الفعل بعدها، وبالواو حينئذ عاطفة، والجملة مقول لقول
стр. 3119
محذوف معطوف على آتينا، والمعنى: وآتينا عيسى بن مريم الإنجيل وأمرناه ومن تبعه بالحكم ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ أي: في الإنجيل من الأحكام، فإنه قبل البعثة المحمدية حق، وأما بعدها فقد أمروا في غير موضع بأن يعملوا بما أنزل الله على محمَّد ﷺ في القرآن الناسخ لكل الكتب المنزلة، أو المعنى (١): وليحكم أهل الإنجيل، بما أنزل الله فيه من الدلائل الدالة على نبوة محمَّد ﷺ ، ومن الأحكام التي لم تنسخ بالقرآن، فإن الحكم بالأحكام المنسوخة ليس حكمًا بما أنزل الله فيه بل هو تعطيل له، إذ هو شاهد بنسخها؛ لأن شهادته بصحة ما ينسخها من الشريعة شهادة بنسخها. وقرأ الأعمش وحمزة بنصب الفعل من ﴿يحكم﴾ وكسر اللام، على أن اللام لام كي، والواو حينئذ للاستئناف، والسلام متعلقة بمحذوف والتقدير: وآتيناه الإنجيل ليحكم هو ومن تبعه بما أنزل فيه من الأحكام في زمانهم. وقرأ أبي (٢): ﴿وأن ليحكم﴾ بزيادة أن قبل لام كي، ونصب الفعل بعدها، فأن زائدة، فاللام متعلقة بمحذوف تقديره: وآتيناه الإنجيل ليحكم هو ومن تبعه بما أنزل الله فيه كما مرّ آنفًا. وقرىء (٣) أيضًا: ﴿وأن ليحكم﴾ بجزم الفعل على أن موصولة بالأمر كقولك: أمرتك بأن قم؛ أي: وأمرنا بأن ليحكم.
قال أهل المعاني (٤): قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى: وقلنا ليحكم أهل الإنجيل، فيكون هذا إخبارًا عما فرض عليهم في وقت إنزاله عليهم من الحكم بما تضمنه الإنجيل، ثم حذف القول؛ لأن ما قبله من قوله: (وكتبنا) (وقفينا) يدل عليه، وحذف القول كثير.
والوجه الثاني: أن يكون قوله (ليحكم) ابتداءً واستئنافًا، وفيه أمر للنصارى بالحكم بما في كتابهم وهو الإنجيل.
فإن قلت: فعلى هذا الوجه كيف جاز أن يؤمروا بالحكم بما في الإنجيل بعد نزول القرآن.
стр. 3120
قلت: إنَّ المراد بهذا الحكم الإيمان بمحمد ﷺ ؛ لأن ذكره في الإنجيل ووجوب التصديق بنبوته موجود، فإذا آمنوا بمحمد ﷺ .. فقد حكموا بما في الإنجيل.
وعبارة المراغي: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾؛ أي: (١) وقلنا لهم: ليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه من الأحكام، والمراد: وأمرناهم بالعمل به، فهو كقوله في أهل التوراة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾، وخلاصة ذلك زجرهم عن تحريف ما في الإنجيل وتغييره، مثل ما فعل اليهود من إخفاء أحكام التوراة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في الكتب المنزلة من عنده تعالى ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: المتمردون الخارجون عن الإيمان إنْ كان مستهينًا، وعن طاعة الله إنْ كان لاتباع الشهوات. والآية تدل على أن الإنجيل مشتمل على أحكام، وأن عيسى ﵇ كان مستقلًا بشرع مأمورًا بالعمل بما فيه من الأحكام، قلت أو كثرت، لا بما في التوراة خاصة، ويشهد لذلك حديث البخاري "أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها، وأهل الإنجيل الإنجيل فعملوا ... " الحديث. وناسب (٢) هنا ذكر الفسق؛ لأنه خروج عن أمر الله تعالى إذ تقدم قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ وهو أمركما قال تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؛ أي: خرج عن طاعة أمره تعالى، فقد اتضح مناسبة ختم الجملة الأولى بالكافرين، والثانية بالظالمين، والثالثة بالفاسقين.
٤٨ - وفي الحقيقة (٣): الفسق يرجع للظلم؛ لأنّه مخالفة الأمر، فتعبيره بالظلم أولًا، وبالفسق ثانيًا، تفنن. قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ معطوف على قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ وما عطف عليه؛ أي: وأنزلنا إليك يا محمَّد الكتاب؛ أي: القرآن حالة كونه متلبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾ والصدق والعدل، فالجار والمجرور في محل الحال من الكتاب، أو من فاعل أنزلنا، أو من الكاف في إليك، وحالة كونك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أي: لما تقدمه ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: من (٤) الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله تعالى على عبده ورسوله
стр. 3121
محمَّد ﷺ ، فكان نزوله كما أخبرت به مما زادها صدقًا عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله، واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حال من الكتاب؛ أي: حال كونه مصدقًا لما تقدمه، إما من حيث أنّه نازل حسبما نعت فيه، أو من حيث إنّه موافق له في القصص والمواعيد، والدعوة إلى الحق والعدل بين الناس، والنهي عن المعاصي والفواحش. وأمَّا ما يترائى من مخالفته في بعض جزئيات الأحكام المتغيرة بسبب تغير الأعصار .. فليس بمخالفة في الحقيقة، بل هي موافقة لها من حيث إنَّ لكل من تلك الأحكام حق الإضافة إلى عصره، متضمن للحكمة التي يدور عليها أمر الشريعة، وليس في المتقدم دلالة على أبدية أحكامه المنسوخة حتى يخالفه الناسخ المتأخر، وإنما يدل على مشروعيتها مطلقًا من غير تعرض لبقائها وزوالها، بل نقول: هو ناطق بزوالها، مع أن الناطق بصحة ما ينسخها نطق بنسخها وزوالها. اهـ. "أبو السعود". وقوله: ﴿مَا يُتْلَى﴾ معطوف على مصدقًا؛ أي: وأنزلنا (١) عليك هذا القرآن حالة كونه أمينًا وشاهدًا وحاكمًا على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب الكريم الذي أنزله على محمَّد ﷺ آخر الكتب وخاتمها، وأشملها وأعظمها، وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها، وتكفل الله تعالى بحفظه بنفسه فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ لأن هذا القرآن هو الذي لا ينسخ، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف، وإذا كان كذلك .. كانت شهادة القرآن على سائر الكتب بالصدق باقية.
وقرأ ابن محيصن ومجاهد (٢): ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ بفتح الميم الثانية على صيغة اسم المفعول؛ أي: مؤتمنًا ومحفوظًا عليه، فإنه يصان من التحريف والتبديل، والحافظ هو الله تعالى، ففي قراءة اسم الفاعل الضمير في عليه، عائد على الكتاب الثاني وفي قراءة اسم المفعول، عائد على الكتاب الأول، وفي كلا الحالين هو حال من الكتاب
стр. 3122
الأول لأنه معطوف على مصدقًا، والمعطوف على الحال حال.
﴿فَاحْكُمْ﴾ يا محمَّد ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين جميع أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ؛ أي: بالقرآن والرجم الذي أنزل الله تعالى إليك لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه ﴿وَلَا تَتَّبِعْ﴾ يا محمد ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: أهواء أهل الكتاب وشهواتهم التي هي الجلد والتحميم في الزاني المحصن، التي طلبوها منك حالة كونك معرضًا ومنحرفًا ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ الذي هو الرجم في المحصن، وفيه (١) النهي له ﷺ أن يتبع أهوية أهل الكتاب ويعدل عن الحق الذي أنزله الله عليه، فإن أهل كل ملة من أهل الملل يهوون أن يكون الأمر على ما هم عليه وما أدركوا عليه سلفهم، وإن كان باطلًا منسوخًا أو محرفًا عن الحكم الذي أنزله الله على الأنبياء، كما وقع في الرجم ونحوه مما حرفوه من كتب الله تعالى.
والفاء في قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ فاء الفصيحة، والمعنى: وإذا (٢) كان هذا شأن القرآن ومنزلته مما قبله من الكتب الإلهية وهو أنه رقيب وشهيد .. فاحكم بين أهل الكتاب بما أتزل الله إليك فيه من الأحكام دون ما أنزله إليهم، إذ شريعتك ناسخة لشريعتهم ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾؛ أي: ولا تتبع ما يريدون، وهو الحكم بما يسهل عليهم، ويخفُّ احتماله، مائلًا بذلك عما جاءك من الحق الذي لا شك فيه ولا ريب ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ فاللام متعلقة بجعلنا، ومنكم صفة لكل، ولا يضر الفصل بينهما بالعامل، والمعنى: لكل أمة كائنة منكم يا أيها الأمم الثلاثة، أمة موسى، وأمة عيسى، وأمة محمَّد، جعلنا؛ أي: عينًا ووضعنا شرعة ومنهاجًا خاصين بتلك الأمة لا تكاد أمة تخطىء شرعتها التي عينت لها، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى شرعتهم التوراة، والتي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمَّد ﷺ شرعتهم الإنجيل، وأما أنتم أيها الموجودون في عصر محمَّد ﷺ من سائر
стр. 3123
المخلوقات إلى يقوم القيامة فشرعتكم القرآن ليس إلا، فآمنوا به آمنوا بما فيه، فالشرعة وكذا الشريعة: الأحكام المشروعة الي شرعها الله تعالى لعباده ليتعبدوا بهما ربهم، والمنهاج: الطريق الواضح الذي يؤدي إلى الشريعة، وقيل: الشرعة الأحكام المشروعة في العبادات والمعاملات من الأركان والشروط وغيرها، والمنهاج الفرائض والسنن والمعاملة التي لها أحكام مشروعة وشرائط مخصوصة، وقيل: هما بمعنى، والتكرار للتأكيد، والمراد بهما الدين. وقال قتادة: شرعة ومنهاجًا؛ أي: سبيلًا وسنة، فالسنن مختلفة للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة يحل الله فيها ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل غيره هو التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع الرسل ﵈. وروي عن قتادة أنَّه قال: الدين واحد الشريعة مختلفة. قال علي بن أبي طالب: الإيمان منذ بعث آدم ﵇: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى، ولكل قوم شريعة ومنهاج. انتهى. وقرأ النخعي وابن وثاب: ﴿شرعة﴾ بفتح الشين.
فائدة: قال العلماء (١): وردت آيات دالة على عدم التباين بين طرق الأنبياء، منها قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ومنها قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ووردت آيات دالة على حصول التباين بينها، منها هذه الآية وهي قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ وطريق الجمع بين هذه الآيات: أن كل آية دلت على عدم التباين، فهي محمولة على أصول الدين من الإيمان باللهِ، وملائكه، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فكل ذلك جاءت به الرسل من عند الله، فلم يختلفوا فيه، وأما الآيات الدالة على حصول التباين بينها .. فمحمولة على الفروع وما يتعلق بظواهر العبادات، فجائز أن يتعبد الله عباده في كل وقت بما شاء، فهذا هو طريق الجمع بين الآيات، والله أعلم بأسرار كتابه.
стр. 3124
ومن هذا يفهم أن الشريعة (١): هي الأحكام العملية التي تختلف باختلاف الرسل، وينسخ اللاحق منها السابق، وأن الدين: هو الأصول الثابتة التي لا تختلف باختلاف الأنبياء، وهذا العرف البخاري الآن، إذ يخصون الشريعة بما يتعلق بالقضاء وما يتخاصم فيه إلى الحكام.
والخلاصة: أنَّ الشريعة اسم للأحكام العملية وأنَّها أخص من كلمة الدين، وتدخل في مسمى الدين من جهة أن العامل بها يدين لله تعالى بعمله، ويخضع له ويتوجه إليه مبتغيًا مرضاته وثوابه بإذنه. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يجعلكم أمة واحدة ذات شريعة واحدة، ورسول واحد، وكتاب واحد، ومنهاج واحد، تسيرون عليه، وتعملون به بأنَّه يخلقكم على استعداد واحد، وأخلاق واحدة، وطور واحد، في معيشتكم، فتصلح لكم شريعة واحدة في كل الأزمان فتكونون كسائر أنواع المخلوقات التي يقف استعدادها عند مستوى معين، كالطير أو كالنحل .. ﴿لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: جماعة متفقة على شريعة واحدة في جميع الأعصار، من غير اختلاف ولا نسخ ولا تحويل؛ أي: لفعل ذلك، إذ هو داخل تحت قدرته لا يستعصي عليه ﴿ولكن﴾ لم يشأ الله أن يجعلكم أمة واحدة، بل شاء الله أن يجعلكم أمة مختلفة في الشرائع ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ويختبركم ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ وأعطاكم من الشرائع المختلفة المناسبة للأزمنة والجماعة، هل تعملون بها منقادين لله تعالى، معتقدين أنَّ اختلافها مبني على الحكم اللطيفة والمصالح النافعة لكم، أم تتبعون الهوى وتقصرون في العمل؟
ومعنى ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾؛ أي: فيما (٢) أنزله عليكم من الشرائع المختلفة باختلاف الأوقات والأزمان والرسل، هل تعملون بذلك وتذعنون له، أو تتركونه وتخالفون ما اقتضته مشيئة الله وحكمته، وتميلون إلى الهوى وتشترون الضلالة بالهدى؟ وفيه دليل على أن اختلاف الشرائع هو لهذه العلة، أعني الابتلاء
стр. 3125
والامتحان، لا لكون مصالح العباد مختلفة باختلاف الأوقات والأشخاص.
ثم بين أنَّ الشرائع إنَّما وضعت للاستباق إلى الخير، لتجازى كل نفس بما عملت، فقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ فالخطاب فيه لأمة محمد ﷺ ؛ أي: إذا كانت المشيئة قد قضت باختلاف الشرائع لابتلائكم .. فبادروا يا أمة محمد بالأعمال الصالحات التي تقربكم إلى الله زلفى، وسارعوا إلى ما هو خير لكم في دينكم ودنياكم، انتهازًا للفرصة وإحرازًا للفضل والسبق ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾ وإنكم ﴿إِلَى اللهِ﴾ دون غيره ﴿جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: ترجعون إليه كلكم في الحياة الثانية ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: يخبركم عند الحساب ﴿بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾؛ أي: بحقيقة ما كنتم تختلفون فيه في الدنيا وفي أمور الدين، ويجازي المحسن على قدر إحسانه، والمسيء بإسائته، فاجعلوا الشرائع سببًا للتنافس في الخيرات، لا لإقامة الشحناء والعداوة بين الأجناس والعصبيات، والأثرة والتقدم بالوطن والجنسيات، لا بالعلم والتقوى والفضائل الدينيات. وهذه الجملة كالعلة لما قبلها.
٤٩ - قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ معطوف على الكتاب؛ أي: وأنزلنا عليك الكتاب والحكم بما فيه، وقد استدل بهذا على نسخ التخيير المتقدم في قوله: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: إنا أنزلنا إليك الكتاب فيه حكم الله وأنزلنا إليك فيه ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليك ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القصاص ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: شهواتهم بالاستماع لهم، وقبول كلامهم، ولو لمصلحة في ذلك، كتأليف قلوبهم وجذبهم إلى الإِسلام، فالحق لا يوصل إليه بطريق الباطل، أي: ولا تتبع أهوائهم في عدم قتل الشريف بالوضيع وعدم قتل الرجل بالمرأة. قال العلماء (١): ليس في هذه الآية تكرار لما تقدم، وإنَّما أنزلت في حكمين مختلفين: أمَّا الآية الأولى: فنزلت في رجم المحصن، وأن اليهود طلبوا منه أن يجلده، وهذه الآية نزلت في شأن الدماء والديات حين
стр. 3126
تحاكموا إليه في أمر قتيل كان بينهم. ﴿وَاحْذَرْهُمْ﴾؛ أي: واحذر يا محمد هؤلاء اليهود الذين جاؤوا إليك من ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ ويصرفوك وينزلوك ويصدوك بمكرهم وكيدهم ﴿عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ في كتابه، فيحملوك على ترك العمل به لتحكم بغيره، ويردوك إلى أهوائهم.
أخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس من اليهود: اذهب وابنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: يا محمد إنك عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك .. اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وأنَّ بيننا وبين قومنا خصومة فنخاصمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك، فأبى ذلك وأنزل الله فيهم: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ كما مرّ ذلك في أسباب النزول، يريد أن الحكمة في إنزال هذه الآية: إقرار النبي ﷺ على ما فعل، والأمر بالثبات على ما سار عليه من التزام حكم الله، وعدم الانخداع لليهود.
فقوله: ﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ بدل اشتمال من المفعول؛ أي: واحذرهم فتنتهم، أو مضاف إليه لمفعول من أجله محذوف؛ أي: احذرهم مخافة أنْ يفتنوك؛ أي: يصرفوك عن الحق، ويلقوك في الباطل كما سيأتي في بحث الإعراب ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن أعرضوا عن حكمك بما أنزل الله بعد تحاكمهم إليك وأرادوا غيره ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أي: فاعلم يا محمد ما سبب ذاك إلا لأن الله يريد ﴿أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾ ويعذبهم في الحياة الدنما قبل الآخرة ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وهو ذنب التولي والإعراض عما جئت به؛ لأنَّ استثقالهم لأحكام التوراة وتحاكمهم إليك لعلك تتبع أهوائهم، ومحاولتهم لفتنتك عن بعض ما أنزل الله إليك، كل هذه أمارات على فساد الأخلاق وانحلال روابط الاجتماع، ولا بد أن تكون نتيجتها وقوع العذاب بهم، وقد حل بيهود المدينة وما حولها بغدرهم ما حل، فقد أجلى النبي ﷺ بني النضير عنها وقتل بني قريظة.
وإنَّما خص بعض الذنوب؛ لأن الله جازاهم في الدنيا على بعض ذنوبهم
стр. 3127
بالقتل والسبي والجلاء، وأخر مجازاتهم على باقي ذنوبهم إلى الآخرة ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ يعني: اليهود وغيرهم، لأنَّهم ردوا حكم الله تعالى ﴿لَفَاسِقُونَ﴾؛ أي: خارجون عن دائرة الطاعات، ومعادن السعادات، يعني: متمردون في الكفر، مصرون عليه، خارجون من الحدود والشرائع التي اختارها الله تعالى لعباده. وفي هذا تسلية للنبي ﷺ على عدم إذعانهم لما جاء به من الهدى والدين، وإعراضهم عن ذلك النور الذي أنزل إليه،
٥٠ - والاستفهام في قوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ للإنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر كما في نظائره، أي: أيعرضون عن حكمك بما أنزل الله عليك، ويتولون عنه فيبغون عنك حكم الجاهلية المبني على التحيز والهوى لجانب دون آخر، وترجيح القوي على الضعيف؟ والمعنى: لا يبغون حكم الجاهلية منك على سبيل الظفر به لعصمتك. روي: أن بني النضير تحاكموا إلى الرسول ﷺ في خصومة كانت بينهم وبين بني قريظة، وطلب بعضهم من النبي ﷺ أن يحكم بينهم بما كان عليه أهل الجاهلية من التفاضل وجعل دية القرظي ضعفي دية النضيري لمكان القوة والضعف، فقال ﷺ : "القتلى بواء" سواء، فقال بنو قريظة: لا نرضى ذلك، فنزلت الآية.
وخلاصة ذلك: توبيخهم، والتعجيب من حالهم بأنهم أهل كتاب وعلم، ومع ذلك كانوا يبغون حكم الجاهلية الذي يجيء به محض الجهل وصريح الهوى. وقرأ الجمهور (١) ﴿أفحكم﴾ بنصب الميم، وهو مفعول يبغون. وقرأ السلمي وابن وثاب وأبو رجاء والأعرج: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ برفع الميم على الابتداء، والظاهر أن الخبر هو قوله: ﴿يبغون﴾ وحسن حذف الضمير قليلًا في هذه القراءة كون الجملة فاصلة. وقرأ قتادة: ﴿أبحكم الجاهلية﴾ بالباء الجارة بدل الفاء، وقرأ قتادة والأعمش أيضًا: ﴿أفحكم﴾ بفتح الحاء والكاف والميم، وهو جنس لا يراد به واحد، كأنه قيل: أحكام الجاهلية يبغون؛ أي: أفيطلبون حاكمًا كحكام الجاهلية، وهي: إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للمداهنة في الأحكام، وإما أهل الجاهلية، وهي إشارة إلى الكهان الذين كانوا
стр. 3128
يأخذون الحلوان - وهي رشا الكهان - ويحكمون لهم بحسبه، وبحسب الشهوات أرادوا بسفههم أنْ يكون خاتم النبيين حكمًا كأولئك الحكام. وقرأ الجمهور: ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء على نسق الغيبة المتقدمة، وقرأ ابن عامر: ﴿تبغون﴾ بالتاء على الخطاب، وفيه مواجهتهم بالإنكار والردع والزجر، وليس ذلك في الغيبة فهذه حكمة الالتفات، والخطاب ليهود قريظة والنضير، والمعنى: قل لهم يا محمد: أفحكم الجاهلية تبغون. والاستفهام في قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ للإنكار أيضًا؛ أي: لا أحسن من حكم الله عند أهل اليقين، لا عند أهل الجهل والأهواء؛ أي: لا أحد (١) أحسن حكمًا من حكم الله عند قوم يوقنون بدينه، ويذعنون لشرعه؛ لأنه حكم جامع بين منتهى العدل والحق من الحاكم، والقبول والإذعان من المحكوم له والمحكوم عليه، وبهذا يحصل التفاضل بين الشرائع الإلهية والقوانين البشرية.
والخلاصة: أن مما ينبغي التعجب منه من أحوالهم، أنَّهم يطلبون حكم الجاهلية الجائر ويؤثرونه على حكم الله العادل، وفي الأول: تفضيل القوي على الضعيف واستذلاله واستئصال شأفته، وفي الثاني: العدل الذي يستقيم به أمر الخلق وبه ينتشر الأمن والرضا والطمأنينة بين الناس، ويشعر كل منهم بالهدوء وراحة الضمير، واللام في (٢) قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ للبيان كما في قوله تعالى: ﴿هَيتَ لَكَ﴾ وقولهم: سقيًا لك، فيتعلق بمحذوف تقديره؛ أي: هذا الخطاب وهذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم هم الذين يتدبرون الأمور، ويتحققون الأشياء بأنظارهم، فيعلمون أنْ لا أحسن حكمًا من الله تعالى، وقيل: بمعنى عند كما أشرنا إليه في الحل.
الإعراب
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا
стр. 3129
النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾.
﴿إِنَّا﴾: (إن): حرف نصب. و (نا) ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها. ﴿أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر (إنَّ) وجملة (إنَّ) مستأنفة. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿هُدًى﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَنُورٌ﴾: معطوف عليه، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ﴿التَّوْرَاةَ﴾. ﴿يَحْكُمُ﴾: فعل مضارع. ﴿بِهَا﴾: متعلق به. ﴿النَّبِيُّونَ﴾: فاعل، والجملة في محل النصب حال من الضمير المجرور في ﴿فِيهَا﴾: أو مستأنفة (١) مبينة لرفعة رتبتها وسمو طبقتها، وقد جوز كونها حالًا من ﴿التَّوْرَاةَ﴾ فتكون حالًا مقدرة. ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿النَّبِيُّونَ﴾. ﴿أَسْلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يحكم﴾. ﴿هَادُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: معطوفان على ﴿النَّبِيُّونَ﴾. ﴿بِمَا﴾: (الباء): حرف جر. (ما): اسم موصول في محل الجر بالباء، الجار (٢) والمجرور بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾: وقد أعاد الجار لطول الكلام، وهو جائز أيضًا، وإن لم يطل، وقيل: متعلق بفعل محذوف عامل في ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ تقديره: يحكم الربانيون والأحبار بما استحفظوا، وقيل: الجار والمجرور في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَحْكُمُ﴾ تقديره: يحكمون بسبب استحفاظهم ذلك. ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: بما استحفظوه. ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من الضمير المحذوف أو من (ما). ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾: (الواو): عاطفة، ﴿وَكَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿شُهَدَاءَ﴾. ﴿شُهَدَاءَ﴾: خبر كانوا، وجملة ﴿كانوا﴾: معطوفة على جملة ﴿اسْتُحْفِظُوا﴾ على كونها صلة (لما). ﴿فَلَا تَخْشَوُا﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أيها اليهود
стр. 3130
المعاصرين المحمد ﷺ حال أسلافكم، وصلاح أحوالهم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم. فأقول ﴿لا تخشوا الناس﴾: لا: ناهية جازمة. ﴿تَخْشَوُا﴾؛ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿النَّاسَ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿وَاخْشَوْنِ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿اخشوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بكسر نون الوقاية في حل النصب مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَلَا تَخْشَوُا﴾ ﴿ولا تشتروا﴾: الواو: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تشتروا﴾: فعل وفاعل مجرور بلام الناهية. ﴿بِآيَاتِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿لِلَّذِينَ﴾، ﴿ثَمَنًا﴾: مفعول به. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة له، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ﴾: الواو: استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الشرط أو جملة الجواب أو هما. ﴿لَمْ يَحْكُم﴾: جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها فعل شرط لهاء ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَحْكُمْ﴾. ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره بما أنزل الله. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا لكن الجواب جملة اسمية. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْكَافِرُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، والجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾.
﴿وَكَتَبْنَا﴾: (الواو) عاطفة. ﴿كَتَبْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كتبنا﴾. ﴿فِيها﴾ متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلْنَا﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب. ﴿النَّفْسَ﴾: اسمها. ﴿بِالنَّفْسِ﴾: جار ومجرور ﴿أَنَّ﴾: تقديره أنَّ النفس القاتلة مقتولة بالنفس المقتولة، جملة
стр. 3131
﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: كتبنا عليهم قتل النفس بالنفس أو أخذ النفس بالنفس ﴿وَالْعَيْنَ﴾ بالنصب معطوف على ﴿النَّفْسَ﴾ كونه اسم ﴿أَنَّ﴾ ﴿بِالْعَيْنِ﴾: جار ومجرور بمحذوف خبر ﴿أَنَّ﴾ تقديره: وأن العين مفقوءة بالعين وكذلك قوله: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ المنصوب منها معطوف على اسم ﴿أَنَّ﴾ وخبر أن في كلها المجرور منها. ﴿قِصَاصٌ﴾ خبر لـ ﴿وَالْجُرُوحَ﴾؛ أي: وأن الجروح قصاص؛ لكنه على حذف مضاف إما من الأول تقديره: وأن حكم الجروح قصاص، وإما من الثاني تقديره: وأن الجروح ذات قصاص، وهذا على قراءة نافع وحمزة وعاصم بنصب المعاطيف كلها، على التشريك في عمل ﴿أَن﴾ النصب، وخبر ﴿أَن﴾ هو المجرور منها، وخبر ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، فيكون من عطف المفردات، عطفنا الاسم على الاسم والخبر على الخبر، كقولك: إن زيدًا قائم وعمرًا منطلق، عطفت عمرًا على زيد، ومنطلقًا على قائم.
أما قراءة (١) الكسائي برفع ﴿والعين﴾ وما بعدها .. فوجهها أبو علي الفارسي بوجهين:
أحدهما: أنْ تكون (الواو): عاطفة جملة اسمية على جملة فعلية، فتعطف الجمل كما تعطف المفردات، بمعنى أن قوله: ﴿وَالْعَيْنَ﴾: مبتدأ و ﴿بِالْعَيْنِ﴾: خبره، وكذا ما بعده، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة الفعلية من قوله: ﴿وَكَتَبْنَا﴾ وعلى هذا فيكون ذلك ابتداء تشريع وبيان حكم جديد غير مندرج فيما كتب في التوراة، (فالواو) ليست مشركة للجملة مع ما قبلها، لا في اللفظ ولا في المعنى.
الوجه الثاني: من توجيهي الفارسي: أن تكون (الواو) عاطفة جملة إسمية على الجملة من قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لكن من حيث المعنى لا من حيث اللفظ.
وأما قراءة أبي عمرو وابن كثير وابن عامر بالنصب فيا عدا ﴿الْجُرُوحَ﴾.
стр. 3132
فإنَّهم يرفعونه، فالمنصوب فيها كما تقدم في قراءة نافع. وأمَّا ﴿الجروح قصاص﴾ ففيه ثلاثة أوجه:
الوجهان المذكوران في قراءة الكسائي، وقد تقدم إيضاحهما.
والوجه الثالث: أنه مبتدأ، وخبره قصاص، يعني أنَّه ابتداء تشريع وتعريف وحكم جديد.
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿فَمَنْ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حكم ما إذا اقتص من أن النفس مأخوذة بالنفس، والعين مأخوذة بالعين، وأردت بيان أجر من عما عنه .. فأقول لك. (من): اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿تَصَدَّقَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَصَدَّقَ﴾. ﴿فَهُوَ﴾: (الفاء): رابطة لجواب من الشرطية. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿كَفَّارَةٌ﴾: خبره. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿كَفَّارَةٌ﴾ أو متعلق به، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب. ﴿لَمْ يَحْكُمْ﴾: جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَحْكُمْ﴾. ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل والجملة الفعلية صلة لما، أو صفة لها، والعائد محذوف تقديره: بما أنزل الله. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ (الفاء): رابطة ﴿أولئك﴾ مبتدأ. ﴿هم﴾: ضمير منفصل. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: خبر، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جواب شرط لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾.
стр. 3133
﴿وَقَفَّيْنَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿قفينا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾. ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَفَّيْنَا﴾. ﴿بِعِيسَى﴾: جار ومجرور متعلق بقفينا أيضًا. ﴿ابنِ﴾: صفة لـ ﴿عيسى﴾. ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه. ﴿مُصَدِّقًا﴾: حال من ﴿عِيسَى﴾. ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ومُصَدِّقًا﴾. ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف صلة ﴿لِمَا﴾ أو صفة لها. ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: جار ومجرور حال من ما الموصولة، أو من الضمير المستقر في الظرف.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُ﴾: الواو عاطفة. ﴿آتيناه الإنجيل﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة معطوفة على جملة ﴿قفينا﴾. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿هُدًى﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَنُورٌ﴾: معطوف عليه، والجملة في محل النصب حال من ﴿الْإِنْجِيلَ﴾. وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ حال من ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ و ﴿هُدًى﴾ فاعل به؛ لأنَّه اعتمد بوقوعه حالًا، وأعربه أبو البقاء مبتدأ وخبرًا، والجملة حال، والأول أحسن؛ لأنَّ الحال بالمفرد أولى، وأيضًا يدل على عطف ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ المفرد عليه، وعطف المفرد على المفرد الصريح، أولى من عطفه على المؤول اهـ "كرخي". ﴿وَمُصَدِّقًا﴾: حال ثانية من ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ فهي حال مؤكدة؛ لأنَّ الكتب الإلهية يصدق بعضها بعضًا، وقيل: حال من ﴿عيسى﴾ أيضًا. ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُصَدِّقًا﴾. ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة ﴿لِمَا﴾. ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: حال من (ما) أو من الضمير المستقر في الظرف ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً﴾ حالان من ﴿الْإِنْجِيلِ﴾ أيضًا، ويجوز (٢) ﴿أن﴾ يكون من ﴿عيسى﴾؛ أي: هاديًا وواعظًا، أو ذا هدى وذا موعظة، ويجوز أن يكون مفعولًا لأجله؛ أي: قفينا للهدى، أو آتيناه الإنجيل للهدى. وقد قرئ في الشاذ بالرفع؛ أي: وفي الإنجيل هدى وموعظة، وكرر الهدى توكيدًا. ذكره أبو البقاء. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: جار ومجرور
стр. 3134
تنازع منه كل من ﴿وَهُدًى﴾ ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ على كونه متعلقًا بهما، أو صفة لهما.
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾.
﴿وَلْيَحْكُمْ﴾: (الواو): استئنافية أو عاطفة. ﴿اللام﴾ لام الأمر مبنى على السكون لوقوعه إثر عاطف. ﴿يَحْكُمْ﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، أو مقول لقول محذوف معطوف على ﴿آتَيْنَا﴾ تقديره: وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل وقلنا ليحكم أهل الإنجيل. وقرىء بكسر اللام وفتح الميم على أنَّها لام كي، والجملة حينئذٍ معطوفة على محذوف تقديره: وقفينا بعيسى ابن مريم الإنجيل ليؤمنوا، وليحكم أهل الإنجيل، أو مستأنفة والتقدير: وآتيناه الإنجيل ليحكم أهل الإنجيل. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق ﴿يَحْكُمْ﴾. ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما أنزل الله. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿وَمَن﴾ (الواو): استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو جملة الجواب. ﴿لَمْ يَحْكُمْ﴾: جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَحْكُمْ﴾ ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: أنزله الله. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبر، والجملة في محل الجزم جواب من الشرطية، وجملة من الشرطية مستأنفة.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
﴿وَأَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة (١) على قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ وما عطف عليه. ﴿بِالْحَقّ﴾:
стр. 3135
جار ومجرور حال ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ أو من فاعل ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ أو من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾ وعلى كل فالباء للملابسة أو المصاحبة. ﴿مُصَدِّقًا﴾: حال من الكتاب. ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُصَدِّقًا﴾. ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة ﴿لِمَا﴾. ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: حال من (ما) أو من الضمير المستقر في الظرف. ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾: معطوف على ﴿مُصَدِّقًا﴾ على كونه حالًا من ﴿الْكِتَابِ﴾ الأول. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾.
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾.
﴿فَاحْكُمْ﴾: (الفاء): فاء الصيحة لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت منزلة القرآن من الكتب الإلهية، وأنه رقيب ومهمين عليها .. فأقول لك: احكم بينهم بما أنزل الله، ويصح كون الفاء عاطفة تفريعية على قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾. ﴿احكم﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿احْكُمْ﴾. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿احكم﴾ ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما أنزله الله تعالى. ﴿وَلَا﴾: (الواو): عاطفة. لا: ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾: فعل ومفعول ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاحْكُمْ﴾ ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف من فاعل ﴿تَتَّبِعْ﴾ تقديره: حالة كونك عادلًا لا عما جاءك، وفي "السمين" قوله: ﴿عَمَّا جَاءَكَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: به قال أبو البقاء أنَّه حال؛ أي: عادلًا عما جاءك، وهذا فيه نظر من حيث إن عن حرف جر ناقص لا يقع خبرًا عن جثة، فكذلك لا يقع حالًا عنها، وحرف الجر الناقص، إنما يتعلق يكون مطلق، لا يكون مقيد؛ لأن المقيد لا يجوز حذفه.
والثاني: أن عن علي بابها من المجاوزة لكن بتضمين ﴿تَتَّبِعْ﴾ معنى تزحزح وتنحرف؛ أي: لا تنحرف متبعًا، اهـ. ﴿جَاءَك﴾: فعل ومفعول وفاعله
стр. 3136
ضمير يعود على (ما) والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: جار ومجرور حال من الضمير في ﴿جَاءَكَ﴾ أو من (ما) الموصولة، ويجوز أن تكون بيانية متعلقة بـ ﴿جاء﴾.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
﴿لِكُلٍّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿جعلنا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لكل، ولا يضر فصل ﴿جَعَلْنَا﴾ بين الصفة والموصوف كما في قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ﴿شِرْعَةً﴾: مفعول به. ﴿وَمِنْهَاجًا﴾: معطوف عليه، والمعنى: لكل أمة كائنة منكم أيها الأمم السابقة، والآتية جعلنا شرعة ومنهاجًا، ويجوز أن يكون جعل متعديًا إلى اثنين بجعله بمعنى صيرنا، فيكون لكل مفعولًا ثانيًا مقدمًا وشرعة مفعولًا أولًا مؤخرًا. ﴿وَلَوْ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿جعلكم أمة﴾: فعل ومفعولان. ﴿وَاحِدَةً﴾ صفة لـ ﴿أُمَّةً﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ والجملة جواب لولا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ من فعل شرطها وجوابها مستأنفة.
﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
﴿وَلَكِنْ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ اللام لام كي. ﴿يبلوكم﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة الفعلية صلة أنْ المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره: ولكن فرقكم وجعلكم أممًا مختلفة ليبلوكم، ويختبركم فيما آتاكم ليظهر المطيع من العاصي، والجملة المحذوفة مستأنفة؛ أو استدراكية لا محل لها من
стр. 3137
الإعراب. ﴿فِي مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يبلوكم﴾. ﴿آتَاكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، والثاني محذوف تقديره: فيما آتاكموه، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة صلة لما أو صفة لها ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (الفاء): فاء الفصيحة لانَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن مشيئة الله افتراقكم لاختباركم وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول لكم استبقوا الخيرات. ﴿استبقوا﴾: فعل وفاعل. ﴿الْخَيْرَاتِ﴾: مفعول به أو منصوب بنزع الخافض، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه ﴿جَمِيعًا﴾ حال من ضمير المخاطبين ولا يقال: هو حال من المضاف إليه، وهو لا يجوز؛ لأنَّه يقال: المضاف مقتض للعمل في المضاف إليه قال ابن مالك:
وَلا تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ ... إلّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ
والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع. ﴿ينبئكم﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة الفعلية مفرعة معطوفة على الجملة الإسمية التي قبلها ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ينبئكم﴾ ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾ وجملة ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾ في محل النصب خبر كان، وجملة كان من اسمها وخبرها صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها.
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
﴿وَأَنِ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿احْكُمْ﴾: فعل أمر في محل النصب بـ ﴿أن﴾ المصدرية مبنى على السكون، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿احْكُمْ﴾، والجملة الفعلية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه معطوفًا على ﴿الْكِتَابِ﴾ والتقدير: وأنزلنا إليك الكتاب والحكم بينهم. بما أنزل الله. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿احْكُمْ﴾. ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: أنزله الله ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ جازم وفعل، ومفعول، ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل
стр. 3138
النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾.
﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.
﴿وَاحْذَرْهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾. ﴿أَنْ يَفْتِنُوك﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على كونه بدلًا من ضمير احذرهم بدل اشتمال، تقديره: واحذرهم فتنتهم إياك، أو على كونه مفعولًا لأجله، ولكنه على تقدير مضاف ققديره: واحذرهم مخافة فتنتهم إياك. ﴿عَنْ بَعْضِ مَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَفْتِنُوكَ﴾. ﴿أَنْزَلَ اللَّه﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْك﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: أنزله الله إليك.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾.
﴿فَإِنْ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما أنزلنا إليك، وما أمرناك به، وأردت بيان حالهم وشأنهم فيما إذا تولوا عن حكمك .. فأقول لك: ﴿إِنْ تَوَلَّوْا﴾: ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿فَاعْلَمْ﴾: الفاء: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا. ﴿اعْلَمْ﴾: فعل أمر في محل الجزم بإن على كونه جواب شرط لها، وفاعله ضمير يعود على محمد، وجملة إن الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿أَنَّمَا﴾: أداة حصر أو تقول: ﴿أن﴾: النصب و (ما) كافة. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب سادة مسد مفعولي اعلم. ﴿أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يصيب﴾ وجملة ﴿يصيب﴾: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: إصابته إياهم ببعض ذنوبهم. ﴿وَإِنَّ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿إن﴾: حرف نصب ﴿كَثِيرًا﴾ اسمها. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿لَفَاسِقُونَ﴾: اللام
стр. 3139
حرف ابتداء. ﴿فاسقون﴾: خبر ﴿إن﴾: وجملة إن في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾.
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: (الهمزة): للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف تقديره: أيعرضون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية. (والفاء): عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف. ﴿حكم الجاهلية﴾: مفعول مقدم ومضاف إليه. ﴿يَبْغُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿من﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَحْسَنُ﴾: خبره. ﴿مِنَ اللَّه﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَحْسَنُ﴾، والجملة الإسمية مستأنفة ﴿حُكْمًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، وأصله وحكم من أحسن من حكم الله. ﴿لِقَوْمٍ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر بمعنى عند. ﴿قوم﴾: مجرور باللام الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَحْسَنُ﴾. ﴿يُوقِنُونَ﴾ هو: فعل وفاعل والجملة في محل الجرّ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ ...﴾ الآية، التوراة هو الكتاب الذي أنزل على موسى والذيت هادوا هم اليهود ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ هو المنسوبون إلى الرب بمعنى الخالق المدبر لأمر الخلق ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ جمع حبر بسكر الحاء؛ وهو العالم ﴿شُهَدَاءَ﴾ جمع شهيد ككرماء جمع كريم. ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ أصله تخشيوا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان ثم حذفت الألف ثم حركت الواو بالحركة المجانسة لها ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ من قفى يقفي تقفية، وهو من قفا يقفو إذا تبع قفاه؛ أي: أرسلناه عقبهم، والتضعيف فيه ليس للتعدية؛ لأن قفا متعد لواحد قبل التضعيف.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وتقول العرب: قفى فلان إثر
стр. 3140
فلان إذا تبعه، فلو كان التضعيف للتعدية إلى اثنين .. لكان التركيب: وقفيناهم عيسى ابن مريم، فهم مفعول ثانٍ وعيسى مفعول أول ولكنه ضمن معنى جئنا به على آثارهم وأقفائهم فعدي بالباء ﴿مهيمنًا﴾ المهيمن الرقيب وقيل: الغالب المرتفع، وقيل: الحافظ، وقيل: الشاهد، ومن هذا قول حسان بن ثابت ﵁ شاعر النبي ﷺ :
إِنَّ الكِتَابَ مُهَيْمِنٌ لِنَبيِّنَا ... وَالحَقُّ يَعْرِفَهُ ذَوُوُ الألْبَابِ
يريد أنَّه شاهد ومصدق لنبينا محمد ﷺ ، واختلفوا فيه، هل هو أصل بنفسه؟؛ أي: إنَّه ليس مبدلًا من شيء، يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن، كبيطر يبيطر فهو مبيطر، وقال المبرد: أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء كما قيل في أرقت الماء: هرقت، وبه قال الزجاج وأبو علي الفارسي. وقال الجوهري: هو من أمن غيره من الخوف وأصله: أأمن فهو مؤأمن بهمزتين، قلبت الثانية ياء كراهة لاجتماعهما، فصار مؤيمن ثم صيرت الأولى هاء، كما قالوا: هراقه وأراقه، يقال: هيمن على الشيء يهمين، إذا كان له حافظًا، فهو له مهيمن، كذا عن أبي عبيد.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: في "المصباح": الشرعة بالكسر الدين، والشرع والشريعة ومثله مأخوذ من الشريعة وهي مورد الناس للاستسقاء سميت بذلك لوضوحها وظهورها وجمعها شرائع، وشرع الله لنا كذا يشرعه إذا أظهره وأوضحه، والمشرعة بفتح الميم والراء شريعة لما قال الأزهري: ولا تسميها العرب مشرعة حتى يكون الماء عدا لا انقطاع له كماء الأنهار، ويكون ظاهرًا، أيضًا، ولا يستقى منه برشاء، فإن كان من ماء الأمطار .. فهو الكرع بفتحتين، والناس في هذا الأمر شرع بفتحتين، وتسكن الراء للتخفيف؛ أي: سواء انتهى.
وقوله: ﴿منهاجًا﴾: في "المختار": النهج بوزن الفلس، والمنهج بوزن المذهب، والمنهاج: الطريق الواضح، ونهج الطريق أبانه، ونهجه أيضًا سلكه، وبابهما قطع، والنهج بفتحتين تتابع النفس وبابه طرب. انتهى. وفي "المصباح": النهج مثل فلس، الطريق الواضح، والمنهج والمنهاج مثله، ونهج الطريق ينهج
стр. 3141
بفتحتين نهوجًا إذا وضح واستبان، وأنهج بالألف مثله ونهجته وأنهجته أوضحته يستعملان لازمين ومتعدين. انتهى. ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الأمة الجماعة المتفقة على دين واحد ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾؛ أي: ليختبركم من بلا يبلو بلوى من باب دعا، والابتلاء: الاختبار ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: ابتدروا وسارعوا إليها، وهو من باب افتعل الخماسي، والسين فيه فاء الكلمة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والييان:
فمنها: التكرار في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾، وفي قوله: ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
ومنها: التنزل من الأعلى إلى الأدنى في الوصف في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فإن النبوة أعظم من الإِسلام قطعًا فوصفهم بالإِسلام ليس للتخصيص ولا للتوضيح بل لتنويه شأن الصفة فإن إبراز وصف في معرض مدح العظماء، منبىء عن عظم قدر الوصف لا محالة كما في وصف الأنبياء بالصلاح، ووصف الملائكة بالإيمان ﵈ ولذلك قيل: أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف.
ومنها: الاختصاص في قوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ فإن اللام لبيان اختصاص الحكم بهم، سواء كان لهم أم عليهم.
ومنها: توسيط المحكوم لهم بين المعطوفين في قوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ إيذانًا بأن الأصل في الحكم بها، وحمل الناس على ما فيها هم النبيون وإنما الربانيون والأحبار خلفاء ونواب عنهم في ذلك.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وما بعده.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
стр. 3142
كان يغشى حواء في الجنة قبل أنْ يصيب الخطيئة، فحملت بقابيل وأخته، فلم تجد عليهما وحمًا، ولا وصبًا، ولا طلقًا، ولم تر دمًا وقت الولادة، فلما هبطا إلى الأرض تغشاها، فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم، والوصب، والطلق، والدم، وكان إذا كبر أولاده .. زوج غلام هذا البطن جارية بطن أخرى، وكان الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء غير توأمته التي ولدت معه؛ لأنَّه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم، فكبر قابيل وأخوه هابيل، وكان بينهما سنتان، فلمَّا بلغوا أمر الله آدم أن يزوج قابيل لبودا أخت هابيل، ويزوج هابيل إقليما أخت قابيل، وكانت إقليما أحسن وأجمل من لبودا، فذكر آدم ذلك لهما فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال: هي أختي وأنا أحق بها، ونحن من أولاد الجنة، وهما من أولاد الأرض. فقال أبوه آدم: إنَّها لا تحل لك، فأبى أن يقبل ذلك، وقال: إن الله لم يأمرك بهذا، وإنما هو من رأيك، فقال لهما آدم: قربا لله قربانًا، فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها - وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها، وإنْ لم تكن مقبولة لم تنزل النار بل تأكلها الطير والسباع - فخرجا من عند آدم ليقربا بالقربان، وكان قابيل صاحب زرع، فقرب صبرة من طعام رديء، وأضمر في نفسه لا أبالي أتقبل مني أم لا، لا ليتزوج أختي أحد غيري، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقربه، وأضمر في نفسه رضا الله، فوضعا قربانهما على جبل، ثم دعا آدم، فنزلت النار من السماء فأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل، وقيل: بل رفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدى به الذبيح ﵇, قاله سعيد بن جبير وغيره. اهـ "خازن" مع بعض زيادات من "القرطبي".
قال المطلب بن عبد الله بن حنطب (١): لما قتل ابن آدم أخاه .. رجفت الأرض بمن عليها سبعة أيام، وشربت دم المقتول كما تشرب الماء، فناداه الله تعالى: يا قابيل أين أخوك هابيل؟ فقال: ما أدري ما كنت عليه رقيبًا، فقال الله تعالى: إن دم أخيك ليناديني من الأرض، فلم قتلت أخاك؟ فقال: أين دمه إن قتلته؟ فحرم
стр. 3143
الله على الأرض من يومئذ أن تشرب دمًا بعده أبدًا.
ويروى عن ابن عباس قال: لما قتل قابيل هابيل، كان آدم بمكة لزيارة البيت، وكان أولاده بالهند، فاشتاك الشجر - أي ظهر له شوك - وتغيرت الأطعمة، وحمضت الفواكه، وأغبرات الأرض، فقال: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند عند أولاده، فوجد قابيل قد قتل أخاه هابيل. وقيل: لما رجع آدم من مكة سأل قابيل عن أخيه؟ فقال: ما كنت عليه وكيلًا، فقال: بل قتلته، ولذلك اسود جلدك. وقيل: أن آدم مكث بعد قتل هابيل مئة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر فقال:
تَغَيَّرَتِ الْبِلاَدُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَوَجْهُ الأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيْحُ
تَغَيَّرَ كُلُّ ذِيْ طَعْمٍ وَلَوْنٍ ... وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيْحِ
ويروى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من قال إن آدم قال شعرًا فقد كذب، وإن محمدًا ﷺ والأنبياء كلهم سواء، ولكن لما قتل هابيل رثاه آدم، وهو سرياني، فلمَّا قال آدم مرثيَّته، قال لشيث: يا بني أنت وصي، احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرثى عليه، فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية، وهو أولى من خط العربية، وكان يقول الشعر، فنظر في المرثية، فرد المقدم إلى المؤخر، والمؤخر إلى المقدم، فوزنه شعرًا، وزاد فيه أبياتًا منها:
وَمَا لِيْ لاَ أَجُوْدُ بِسَكْبِ دَمْعٍ ... وَهَابِيْلٌ تَضمَّنَهُ الضَّرِيْحُ
أَرَى طُوْلَ الحياة عَلَيَّ غَمًّا ... فهل أنا من حياتي مُسترِيْحُ
قال الزمخشري: ويروى أنَّه رثاه بشعر، وهو كذب بحت. وقال الإمام الفخر الرازي: ولقد صدق صاحب "الكشاف" فيما قال. قال أهل الأخبار: فلما مضى من عمر آدم مئة وثلاثون سنة - وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة - ولدت له حواء شيئًا. - وتفسيره هبة الله - يعني أنَّه خلف من هابيل، وعلمه الله ساعات الليل والنهار، وعلمه عبادة الخالق في كل ساعة، وأنزل عليه خمسين صحيفة، وصار وصي آدم وولي عهده، وأما قابيل فقيل له: اذهب طريدًا شريدًا فزعًا
стр. 3144
لما قبلها: أنَّ الله لما ذكر (١) أنَّ من تولى الكافرين من دون الله يعد منهم، وأن الذين يسارعون فيهم مرضى القلوب مرتدون بتوليهم إياهم، فإن أخفوا ذلك فإظهارهم للإيمان نفاق .. بين هنا حقيقة دغمها بخبر من الغيب يظهره الزمن المستقبل، فالحقيقة أن المنافقين ومرضى القلوب لا غناء فيهم، ولا يعتد بهم في نصر الدين وإقامة الحق، فالله إنَّما يقيم دينه بصادقي الإيمان الذين يحبهم فيزيدهم رسوخًا في الحق، وقوةً على إقامته، ويحبونه، فيؤثرون ما يحبه من إقامة الحق والعدل على سائر ما يحبون من مال ومتاع وأهل وولد. وخبر الغيب أنَّه سيرتد بعض الذين آمنوا عن الإِسلام جهرًا ولا يضره ذلك؛ لأن الله تعالى يسخر من ينصره ويحفظه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أن الله لما نهى (٢) في الآيات السابقة عن موالاة الكافرين .. أمر هنا في هذه الآية بموالاة من تجب موالاتهم، وهم الله ورسوله والمؤمنون.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله لما نهى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من دونه، وبين العلة في ذلك، فأرشد إلى أن بعضهم أولياء بعض، ولا يوالي المؤمنين منهم أحد، ولا يواليهم ممن يدعون الإيمان إلا مرضى القلوب والمنافقون الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر .. أعاد النهي هنا عن اتخاذ الكفار عامة أولياء مع بيان الوصف الذي لأجله كان النهي وهو إيذاؤهم للمؤمنين بجميع ضروب الإيذاء ومقاومتهم دينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (٣) ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن
стр. 3145
مردويه والبيهقي في "الدلائل"، وابن عساكر عن عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ .. تشبث بأمرهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، وقام دونهم، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وكان أحد بني عوف بن الخزرج، وله من حلفهم مثل الذي كان لهم من عبد الله بن أبي بن سلول، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ وقال: أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، وفيه وفي عبد الله بن أبيّ نزلت الآيات في المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.
قال ابن كثير: واختلف المفسرون (١) في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي أنَّها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أُحد: أما أنا فإنِّي ذاهب إلى ذلك اليهودي فآوي إليه، وأتهود معه لعله ينفعني إذا وقع أمر وحدث حادث، وقال الآخر: أمَّا أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام، فآوي إليه وأتنصَّر معه فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ...﴾ الآيات. وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه؛ أي: إنه الذبح. رواه ابن جرير، وقيل غير ذلك.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (٢) ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس ﵁ قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإِسلام، وكان رجال من المسلمين يوادونهما، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾. إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾. وأخرج البيهقي في "الدلائل" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ قال:
стр. 3146
كان منادي رسول الله ﷺ إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إلى الصلاة .. قالت اليهود والنصارى: قد قاموا لا قاموا، فإذا رأوهم ركعوا وسجدرا، استهزأوا بهم وضحكوا منهم، فنزلت، هذه الآية.
وأخرج ابن (١) إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس ﵁ قال: أتى النبي ﷺ نفر عن اليهود فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: "أومن باللهِ وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون"، فلمَّا ذكر عيسى .. جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بعيسى، ولا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله فيهم: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ الآية. قال: أناس عن ليهود كانوا يدخلون على النبي ﷺ فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاءهم به وهم متمسكون بضلالتهم وبالكفر، فكانوا يدخلون بذلك، ويخرجون به من عند رسول الله ﷺ .
التفسير وأوجه القراءة
٥١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ وتجعلوا ﴿الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى﴾ وغيرهم من سائر الكفار ﴿أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: أصدقاء وأنصارًا وأعوانًا على أهل الإيمان بالله ورسوله؛ أي: لا يتخذ أحد منكم أحدًا منهم وليًّا.
قال ابن جرير (٢): إن الله تعالى نهى المؤمنين جميعًا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله وأخبر أن من اتخذهم نصيرًا أو حليفًا ووليًّا من دون الله ورسوله .. فهو منهم في التحزب على الله
стр. 3147
ورسوله والمؤمنين، وأنَّ الله ورسوله بريئان منه، إلى أن قال: غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهود أو نصارى جزعًا على نفسه من دوائر الدهر؛ لأن الآية التي بعد هذه تدل على ذلك. اهـ.
ثم ذكر علة هذا النهي فقال: ﴿بَعْضُهُم﴾؛ أي: بعض كل فريق من ذينك الفريقين ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ آخر من فريقه، لا من الفريق الآخر، لما هو معلوم من أنَّ الفريقين بينهما غاية العداوة، وإنما أوثر الإجمال تعويلًا على ظهور المراد، لوضوح انتفاء الموالاة بين الفريقين رأسًا، ومن ضرورة موالاة بعضهم لبعض اجتماع الكل على مضارتكم، فكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة؟ وقيل: المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى، وتعاضدها، وتناصرها على عداوة النبي ﷺ ، وعداوة ما جاء به، وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين، ووجه تعليل النهي بهذه الجملة أنها تقتضي أنَّ هذه الموالاة هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم، فلا تفعلوا ما هو من فعلهم، فتكونوا مثلهم، ولهذا عقب هذه الجملة التعليلية بما هو كالنتيجة لها فقال: ومن يتولهم منكم إلخ؛ أي: إنَّ اليهود بعضهم أنصار بعض، والنصارى بعضهم أنصار بعض، ولم يكن للمؤمنين منهم ولي ولا نصير، إذ كان اليهود قد نقضوا ما عقده الرسول ﷺ معهم من العهد من غير أن يبدأهم بقتال ولا عدوان، فصار الجميع حربًا للرسول ومن معه من المؤمنين، ثم توعد من يفعل ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين؛ أي: ومن ينصرهم أو يستنصر بهم من دون المؤمنين - وهم أعداء لكم - ﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإنَّ ذلك المتولي في الحقيقة ﴿مِنْهُمْ﴾ لا منكم؛ لأنه معهم عليكم، إذ لا يتصور أن يقع ذلك من مؤمن صادق، والمعنى: فإنَّه من جملتهم وفي عدادهم؛ وهو وعيد شديد، فإنَّ المعصية الموجبة للكفر هي الي قد بلغت إلى غاية ليس ورائها غاية. قال ابن جرير (١): فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين .. فهو من أهل دينهم فإنَّه لا يتولى متول أحدًا إلا وهو راضٍ به وبدينه وما هو عليه؛ وإذا رضيه ورضي دينه .. فقد عادى من خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه انتهى.
стр. 3148
ومن هذا (١) تعلم أنَّه إذا وقعت الموالاة والمخالفة والمناصرة بين المختلفين في الدين لمصالح دنيوية .. لا تدخل في النهي الذي في الآية، كما إذا حالف المسلمون أمة غير مسلمة على أمة مثلها لاتفاق مصلحة المسلمين مع مصلحتها .. فمثل هذا لا يكون محظورًا، ثم ذكر العلة والسبب في الوعيد السابق فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ بموالاة الكفار؛ أي: إن من يوالي أعداء المؤمنين وينصرهم، أو يستنصر بهم .. فهو ظالم بوضعه الولاية في غير موضعها، والله لا يهديه لخير ولا يرشده إلى حق، وهذه الجملة تعليل للجملة التي قبلها؛ أي: إن وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي الكافرين. روي (٢) عن أبي موسى الأشعري أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب إن لي كاتبًا نصرانيًّا، فقال مالك: قاتلك الله؟ ألا اتخذت حنيفًا، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾. قلت: له دينه ولي كتابته، فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله، قلت: لا يتم أمر البصرة إلا به، فقال: مات النصراني والسلام.
والمعنى: اجعله في ظنك أنه قد مات فما تعمل بعد موته؛ أي: فاعمله الان ميتًا واستغن عنه بغيره من المسلمين.
٥٢ - ثم أخبر أن فريقًا من ضعاف الإيمان يفعل ذلك فقال: ﴿فَتَرَى﴾ يا محمد ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: شك ونفاق؛ أي: فترى المنافقين الذين اعتل إيمانهم بمرض النفاق كعبد الله بن أبيّ وأضرابه ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾؛ أي: يبادرون في مودة اليهود وموالاتهم ومناصحتهم، لأنهم كانوا أهل ثروة ويسار، فكانوا يغشونهم ويقرضونهم ويعينونهم على مهماتهم، ويخالطونهم لأجل ذلك. وقرأ إبراهيم بن وثاب في: ﴿فيرى﴾ بالياء من تحت، فقيل: الفاعل ضمير يعود على الله، وقيل: كل من تصح منه الرؤيا، وقيل: هو الموصول، ومفعوله يسارعون على حذف أن المصدرية؛ أي: فيرى القوم الذين في قلوبهم مرض أنْ يسارعوا فيهم فلما حذفت أنْ .. ارتفع الفعل، وقرأ قتادة
стр. 3149
والأعمش: ﴿يسرعون﴾ بغير ألف من أسرع. ﴿يقولون﴾؛ أي: يقول المنافقون معتذرين عنها إلى المؤمنين؛ إنما نخالط اليهود لأنَّا ﴿نَخْشَى﴾ ونخاف خوفًا شديدًا في المستقبل ﴿أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ وتدور علينا حادثة من حوادث الدهر، ويقع علينا مكروه، وتصيبنا مصيبة من مصائب الدهر، كالهزيمة في الحروب، والقحط والجدب، فنحتاج إلى نصرتهم وإقراضهم لنا، فعلينا أن نتخذ لنا أيادي عندهم في السراء نتشفع بها إذا مستنا الضراء. قال ابن عباس: معناه: نخشى أن لا يتم أمر محمد، فيدور علينا الأمر كما كان قبل محمد نتشفع، وقيل: الدائرة في المكروه كالجدب والقحط، والدولة في المحبوب.
وخلاصة ذلك: أنهم يخشون أن تدول الدولة لليهود أو المشركين علي المؤمنين فيحل بهم العقاب لأنهم في شك من نصر الله لنبيّه، وإظهار دينه على الدين كله، إذ لم يوقنوا بنبوته ولا بصدقها، وهكذا شأن المنافقين في كل زمان ومكان، فكثير من وزراء بعض الدول الضعيفة يتخذ له يدًا عند دولة قوية، يلجأ إليها إذا أصابته دائرة، فتغلغل نفوذ هذه الدول في أحشاء هذه الدولة وضعف استقلالها في بلادها بعملهم ولله الأمر من قبل ومن بعد، ثم رد على هؤلاء المنافقين، وقطع أطماعهم وبشر المؤمنين فقال: ﴿فَعَسَى اللَّهُ﴾؛ أي: حقق الله ﴿أَنْ يَأتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ والنصر لرسوله ﷺ على أعدائه، وإظهار دينه على الأديان كلها، وإظهار المسلمين على أعدائهم من الكفار واليهود والنصارى، وقد فعل الله ذلك بمنه وكرمه، فأظهر دينه ونصر عبده ﴿أَوْ﴾ يأتي بـ ﴿أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ في هؤلاء المنافقين، كفضيحتهم أو إيقاع العقاب بهم ﴿فَيُصْبِحُوا﴾؛ أي: فيصبح هؤلاء المنافقين ويصيروا ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا﴾ وأضمروه وكتموه ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وقلوبهم من اتخاذ الأولياء على المؤمنين، وتوقع الدوائر عليهم فضلًا عما أظهروه مما أشعر على نفاقهم ﴿نَادِمِينَ﴾ خاسرين، وعسى في كلامه تعالى للتحقق؛ لأن الكريم إذا أطمع في خير .. فعله، وهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له. والفتح إمَّا فتح مكة الذي كان به ظهور الإِسلام والثقة بقوته وإنجاز الله وعده لرسوله، وإما فتح بلاد اليهود في الحجاز كخبير وفدك وغيرهما، والأمر إما الإيقاع باليهود وإجلائهم عن موطنهم وإخراجهم من
стр. 3150
حصونهم وصياصيهم، وإما القهر والإيجاف عليهم بالخيل والركاب، كبني قريظة، وإما بإلقاء الرعب في قلوبهم حتى يعطوا بأيديهم، كبني النضير وإما ضرب الجزية على اليهود والنصارى فينقطع أمل المنافقين، ويندمون على ما كان من إسرارهم بالولاء لهم.
وقرأ ابن الزبير ﴿فنصبح الفساق﴾ جعل الفساق مكان الضمير، قال ابن عطية: وخص الإصباح بالذكر لأن الإنسان في ليله مفكر، فعند الصباح يرى الحالة التي اقتضاها فكره. انتهى.
٥٣ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يقول بعض المؤمنين لبعض في الوقت الذي أظهر الله تعالى نفاق المنافقين متعجبين من حال المنافقين ﴿أهَؤُلَاءِ﴾ المنافقون الذين فضحهم الله تعالى الآن هم ﴿الَّذِينَ أَقْسَمُوا﴾ وحلفوا لنا ﴿بِاللَّهِ﴾ تعالى ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وأغلظها وأشدها وأوكدها بتعداد أسماء الله تعالى فيها، وجمع صفاته فيها قائلين ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾؛ أي: نحن معكم يا معشر المؤمنين في الدين والمناصرة، ونحن معاضدوكم وناصروكم على أعدائكم اليهود، فلما حل بهم ما حل .. أظهروا ما كانوا يسرونه من موالاتهم وممالأتهم على المؤمنين كما قال في سورة التوبة: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾؛ أي: فهم لفرقهم وخوفهم يظهرون الإِسلام تقية، والاستفهام هنا للتعجب.
وذلك أنَّ (١) المؤمنين كانوا يتعجبون من حال المنافقين عندما أظهروا الميل إلى موالاة اليهود والنصارى، ويقولون إنَّ المنافقين حلفوا باللهِ جهد أيمانهم إنهم لمعنا ومن أنصارنا، والآن كيف صاروا موالين لأعدائنا من اليهود محبين للاختلاط بهم، فبان كذب المنافقين في أيمانهم الباطلة.
قرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف (٢): ﴿ويقول الذين أمنوا﴾ بالرفع مع إثبات الواو كما في مصاحف أهل العراق على الاستئناف. وقرأ نافع وابن كثير
стр. 3151
وابن عامر بالرفع مع حذف الواو، كما في مصاحف أهل الحجاز والشام على أن الجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا في جواب سؤال نشأ من قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ كأن القائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ؟ فقيل: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ إلخ.
وقرأ أبو عمرو ويعقوب بالنصب مع الواو عطفًا على يصبحوا لا على يأتي: لأنَّ ذلك القول إنَّما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة المنافقين لا عند إتيان الفتح فقط، والمعنى: يقول المؤمنون مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتهم عند مشاهدتهم لانعكاس رجائهم تعريضًا بالمخاطبين: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: غاية إيمانهم ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ أيها اليهود بالمعونة، فإن المنافقين حلفوا لليهود بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ أو المعنى: يقول المؤمنون بعضهم لبعض، مشيرين للمنافقين، متعجبين من حالهم، مستعظمين بما من الله عليهم من إخلاص الإيمان عند مشاهدتهم لإظهارهم الميل إلى موالاة اليهود والنصارى: إنهم كانوا يقسمون لنا بالله جهد أيمانهم إنهم معنا في ديننا في السر ومن أنصارنا، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا، محبين للاختلاط بهم، والاعتضاد بهم، وهذا المعنى كما سبق في حلنا أولًا أنسب لقراءة الرفع مع إثبات الواو على الاستئناف، أما المعنى الأول أعني: قول المؤمنين مخاطبين لليهود، فهو أنسب لقراءة النصب، ولقراءة الرفع مع حذف الواو، ولقراءة الرفع مع الواو بجعل الواو عاطفة جملة على جملة، والله أعلم بمراده.
وقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾؛ أي: بطلت أعمال المنافقين، هو من تمام (١) قول المؤمنين، أو جملة مستأنفة والقائل هو الله سبحانه، والأعمال هي التي عملوها في الموالاة، أو كل عمل يعملونه؛ أي: ويقول المؤمنون: ضاعت أعمالهم التي يتكفلونها نفاقًا، كالصلاة والصوم والجهاد معنا ليقنعونا بأنهم منا، لأجل ما أظهروا من النفاق، وموالاة اليهود ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ في الدنيا
стр. 3152
بافتضاحهم، وفي الآخرة بإحباط ثواب أعمالهم، وحصلوا بالعذاب الدائم المقيم، أو المعنى (١): ضاعت أعمالهم التي عملوها رياء وسمعة، لا إيمانًا وعقيدة إن قلنا هو من قول الله شهادة لهم بحبوط الأعمال لهم وتعجيبًا من سوء حالهم ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ في الدنيا والعقبى لفوات المعونة ودوام العقوبة.
فائدة: وروى أرباب السير (٢): أن النبي ﷺ لما قدم المدينة .. صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه أحدًا ولا يوالوا عليه عدوه وهم على كفرهم، آمنون على دمائهم وأموالهم، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، وقسم تاركوه، فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره، وأمر أعدائه، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه من الباطن ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون.
وقد عامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره ربه به، فصالح يهود المدينة، وكتب بينه وبينهم كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة، بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، فحاربته بنو قينقاع بعد بدر وأظهروا البغي والحسد، ثم نقض العهد بنو النضير بعد ذلك بستة أشهر، ثم نقض بنو قريظة العهد لما خرج إلى غزوة الخندق، وكانوا من أشد اليهود عداوة للنبي ﷺ ، وقد حارب كل طائفة وأظهره الله عليها، وكان نصارى العرب والروم حربًا عليه كاليهود.
٥٤ - ولما نهى (٣) الله فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى، وبين أنها مستدعية للارتداد .. شرع في بيان حال المرتدين على الإطلاق فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ ويرجح. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ بدالين مفكوكًا وهي لغة الحجاز،
стр. 3153
والباقون بواحدة مشددة، وهي لغة تميم. ﴿مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الحق الذي هو عليه وهو دين الإِسلام فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر بعد الإيمان، فيختار إما اليهودية أو النصرانية، أو غيرهما من أصناف الكفر ﴿فـ﴾ لن يضر الله شيئًا، وإنَّما ضر نفسه برجوعه عن الدين الصحيح الذي هو دين الإِسلام لأنه ﴿سوف يأتي الله﴾ ، ويجيء في المستقبل بدل المرتدين عن دينهم ﴿بِقَوْمٍ﴾ موصوفين بصفات ستة:
الأول والثاني منها: ما ذكره بقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ الله ؛ أي: يلهمهم الطاعة ويثيبهم عليها. ومعنى محبة الله إياهم: إنعامه عليهم، وتوفيقه إياهم وهدايته إياهم إلى طاعته، والعمل بما يرضى به عنهم ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾؛ أي: يحبون الله تعالى ويطعيونه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومعنى محبتهم لله تعالى: المسارعة إلى طاعته وتقديم خدمته على كل شيء، وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعل ما يوجب سخطه وعقوبته، وأن يتحبب إليه بما يوجب له الزلفى لديه، جعلنا ممن يحبهم ويحبونه بمنه وكرمه، ولما كانت محبتهم لله ناشئة عن محبة الله إياهم .. قدم محبة الله على مجتهم، والأقرب أن الآية عامة لأصحاب رسول الله ﷺ ومن كان على قدمهم إلى يوم القيامة بقرينة التسويف.
والثالث منها: ما ذكره بقوله: ﴿أذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مشفقين عليهم، عاطفين لهم، أرقاء، رحماء لأهل دينهم وإخوانهم من المؤمنين، متذللين لهم، جمع ذليل لا ذلول كما سيأتي في مبحث الصرف. وقرىء شاذًا ﴿أذلة﴾ وهو اسم، كذا ﴿أعزةً﴾ نصبًا على الحال من النكرة أعني: ﴿بِقَوْمٍ﴾؛ لأنها قربت من المعرفة بوصافها.
والرابع منها: ما ذكره بقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: أشداء أقوياء، غلظاء على أعدائهم الكافرين. وقرأ عبيد الله: ﴿غلظاء على الكافرين﴾ مكان أعزة. وقال علي بن أبي طالب ﵁: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أهل رقة على أهل دينهم ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. وقال ابن عباس ﵁: تراهم كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته.
стр. 3154
والخامس منها.: ما ذكره بقوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: يقاتلون أعداء الله؛ لإعلاء كلمته، وسبيل الله هو طريق الحق والخير الموصل إلى مرضاته تعالى، ومن أعظم الجهاد بذل النفس والمال في قتال أعداء الحق، وهو من أكبر آيات المؤمنين الصادقين.
والسادس منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾؛ أي: لا يخافون عذل عاذل في نصرهم الدين بخلاف المنافقين، فإنهم كانوا يراقبون الكفار، ويخالفون لومهم، فبين تعالى في هذه الآية: أن من كان قويًّا في الدين، فإنَّه لا يخاف في نصره لدين الله بيده أو بلسانه لومة لائم، وهذه صفة المؤمنين المخلصين. وقال ابن كثير: أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل. وروى الإِمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: "أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن كنز من تحت العرش". أخرجه أحمد في "المسند" (٥/ ١٥٩) وسنده حسن.
وعن عبادة بن الصامت قال: بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كان، لا نخاف في الله لومة لائم. والحاصل أنهم يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله، وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون، لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الإزدراء بأهل الدين، وقلب محاسنهم مساوي، ومناقبهم مثالب حسدًا وبغضًا وكراهة للحق وأهله. ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور عن الأوصاف الستة التي وصف بها القوم من المحبة الذلة والعزة وعن بعدها؛ لأن ذلك يشار به إلى المفرد والمثنى والمجموع كما
стр. 3155
تقدم مع زيادة في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ إحسانه وكرامته ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: يعطيه ويكرم به من يشاء كرامته من عباده ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿وَاسِعٌ﴾ الفضل كثير العطايا ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحقه ومن هو أهل لها.
تتمة فيما يتعلق بالآية: روى ابن جرير عن قتادة قال: أنزل الله هذه الآية يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية. وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض الله نبيه محمدًا ﷺ .. ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد، أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس أهل مسجد جواثي قالوا - أي المرتدون - نصلي ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا، فكلم أبو بكر في ذلك، فقيل له: إنهم لو قد فقهوا لهذا .. أعطوها وزادوها، فقال: لا والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالًا مما فرض الله ووسوله .. لقاتلتهم عليه، فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله ﷺ حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدوا عن الإِسلام، ومنعوا الزكاة فقاتلهم حتى أقروا بالماعون - الزكاة - صغرة: واحدهم صاغر، وهو المهيمن الذليل، أقمياء: واحدهم قميء، وهو الذليل الضعيف، فأتته وفود العرب فخيرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم أن يقروا أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردوه عليهم، وما أصاب المسلمون من مال لهم فهو لهم حلال، انتهى.
وعلى هذا فالقوم الذين يحبهم الله ويحبونه هم: أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، قاله قتادة والضحاك، ورجح ابن جرير: أن الآية نزلت في قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن، لما روي أن النبي ﷺ لما قرأ هذه الآية قال: "هم قوم أبي موسى" وإنْ لم يكونوا قاتلوا المرتدين مع أبي بكر؛ لأن الله وعد بأن يأتي بخير عن المرتدين بدلًا منهم، ولم يقل أنَّهم يقاتلون المرتدين، ويكفي في صدق الوعد أن يقاتلوا، ولو غير المرتدين. وقد ارتد كثير من القبائل في عهد النبي ﷺ وبعده، فقد ارتدت إحدى عشرة فرقة، منها ثلاث في عهد النبي ﷺ وهم: