← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

وابن عامر بالرفع مع حذف الواو، كما في مصاحف أهل الحجاز والشام على أن الجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا في جواب سؤال نشأ من قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ كأن القائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ؟ فقيل: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ إلخ. وقرأ أبو عمرو ويعقوب بالنصب مع الواو عطفًا على يصبحوا لا على يأتي: لأنَّ ذلك القول إنَّما يصدر عن المؤمنين عند ظهور ندامة المنافقين لا عند إتيان الفتح فقط، والمعنى: يقول المؤمنون مخاطبين لليهود مشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يوالونهم ويرجون دولتهم عند مشاهدتهم لانعكاس رجائهم تعريضًا بالمخاطبين: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: غاية إيمانهم ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ أيها اليهود بالمعونة، فإن المنافقين حلفوا لليهود بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ أو المعنى: يقول المؤمنون بعضهم لبعض، مشيرين للمنافقين، متعجبين من حالهم، مستعظمين بما من الله عليهم من إخلاص الإيمان عند مشاهدتهم لإظهارهم الميل إلى موالاة اليهود والنصارى: إنهم كانوا يقسمون لنا بالله جهد أيمانهم إنهم معنا في ديننا في السر ومن أنصارنا، فالآن كيف صاروا موالين لأعدائنا، محبين للاختلاط بهم، والاعتضاد بهم، وهذا المعنى كما سبق في حلنا أولًا أنسب لقراءة الرفع مع إثبات الواو على الاستئناف، أما المعنى الأول أعني: قول المؤمنين مخاطبين لليهود، فهو أنسب لقراءة النصب، ولقراءة الرفع مع حذف الواو، ولقراءة الرفع مع الواو بجعل الواو عاطفة جملة على جملة، والله أعلم بمراده. وقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾؛ أي: بطلت أعمال المنافقين، هو من تمام (١) قول المؤمنين، أو جملة مستأنفة والقائل هو الله سبحانه، والأعمال هي التي عملوها في الموالاة، أو كل عمل يعملونه؛ أي: ويقول المؤمنون: ضاعت أعمالهم التي يتكفلونها نفاقًا، كالصلاة والصوم والجهاد معنا ليقنعونا بأنهم منا، لأجل ما أظهروا من النفاق، وموالاة اليهود ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ في الدنيا

стр. 3152

بافتضاحهم، وفي الآخرة بإحباط ثواب أعمالهم، وحصلوا بالعذاب الدائم المقيم، أو المعنى (١): ضاعت أعمالهم التي عملوها رياء وسمعة، لا إيمانًا وعقيدة إن قلنا هو من قول الله شهادة لهم بحبوط الأعمال لهم وتعجيبًا من سوء حالهم ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ في الدنيا والعقبى لفوات المعونة ودوام العقوبة. فائدة: وروى أرباب السير (٢): أن النبي ﷺ لما قدم المدينة .. صار الكفار معه ثلاثة أقسام: قسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه أحدًا ولا يوالوا عليه عدوه وهم على كفرهم، آمنون على دمائهم وأموالهم، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة، وقسم تاركوه، فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره، وأمر أعدائه، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه من الباطن ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون. وقد عامل كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره ربه به، فصالح يهود المدينة، وكتب بينه وبينهم كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة، بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، فحاربته بنو قينقاع بعد بدر وأظهروا البغي والحسد، ثم نقض العهد بنو النضير بعد ذلك بستة أشهر، ثم نقض بنو قريظة العهد لما خرج إلى غزوة الخندق، وكانوا من أشد اليهود عداوة للنبي ﷺ ، وقد حارب كل طائفة وأظهره الله عليها، وكان نصارى العرب والروم حربًا عليه كاليهود. ٥٤ - ولما نهى (٣) الله فيما سلف عن موالاة اليهود والنصارى، وبين أنها مستدعية للارتداد .. شرع في بيان حال المرتدين على الإطلاق فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصدقوا بما جاء به محمد ﷺ ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ ويرجح. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ بدالين مفكوكًا وهي لغة الحجاز،

стр. 3153

والباقون بواحدة مشددة، وهي لغة تميم. ﴿مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الحق الذي هو عليه وهو دين الإِسلام فيبدله ويغيره بدخوله في الكفر بعد الإيمان، فيختار إما اليهودية أو النصرانية، أو غيرهما من أصناف الكفر ﴿فـ﴾ لن يضر الله شيئًا، وإنَّما ضر نفسه برجوعه عن الدين الصحيح الذي هو دين الإِسلام لأنه ﴿سوف يأتي الله﴾ ، ويجيء في المستقبل بدل المرتدين عن دينهم ﴿بِقَوْمٍ﴾ موصوفين بصفات ستة: الأول والثاني منها: ما ذكره بقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾ الله ؛ أي: يلهمهم الطاعة ويثيبهم عليها. ومعنى محبة الله إياهم: إنعامه عليهم، وتوفيقه إياهم وهدايته إياهم إلى طاعته، والعمل بما يرضى به عنهم ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾؛ أي: يحبون الله تعالى ويطعيونه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومعنى محبتهم لله تعالى: المسارعة إلى طاعته وتقديم خدمته على كل شيء، وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعل ما يوجب سخطه وعقوبته، وأن يتحبب إليه بما يوجب له الزلفى لديه، جعلنا ممن يحبهم ويحبونه بمنه وكرمه، ولما كانت محبتهم لله ناشئة عن محبة الله إياهم .. قدم محبة الله على مجتهم، والأقرب أن الآية عامة لأصحاب رسول الله ﷺ ومن كان على قدمهم إلى يوم القيامة بقرينة التسويف. والثالث منها: ما ذكره بقوله: ﴿أذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مشفقين عليهم، عاطفين لهم، أرقاء، رحماء لأهل دينهم وإخوانهم من المؤمنين، متذللين لهم، جمع ذليل لا ذلول كما سيأتي في مبحث الصرف. وقرىء شاذًا ﴿أذلة﴾ وهو اسم، كذا ﴿أعزةً﴾ نصبًا على الحال من النكرة أعني: ﴿بِقَوْمٍ﴾؛ لأنها قربت من المعرفة بوصافها. والرابع منها: ما ذكره بقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: أشداء أقوياء، غلظاء على أعدائهم الكافرين. وقرأ عبيد الله: ﴿غلظاء على الكافرين﴾ مكان أعزة. وقال علي بن أبي طالب ﵁: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني أهل رقة على أهل دينهم ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أهل غلظة على من خالفهم في دينهم. وقال ابن عباس ﵁: تراهم كالولد لوالده، وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته.

стр. 3154

والخامس منها.: ما ذكره بقوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: يقاتلون أعداء الله؛ لإعلاء كلمته، وسبيل الله هو طريق الحق والخير الموصل إلى مرضاته تعالى، ومن أعظم الجهاد بذل النفس والمال في قتال أعداء الحق، وهو من أكبر آيات المؤمنين الصادقين. والسادس منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾؛ أي: لا يخافون عذل عاذل في نصرهم الدين بخلاف المنافقين، فإنهم كانوا يراقبون الكفار، ويخالفون لومهم، فبين تعالى في هذه الآية: أن من كان قويًّا في الدين، فإنَّه لا يخاف في نصره لدين الله بيده أو بلسانه لومة لائم، وهذه صفة المؤمنين المخلصين. وقال ابن كثير: أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل. وروى الإِمام أحمد عن أبي ذر ﵁ قال: "أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن كنز من تحت العرش". أخرجه أحمد في "المسند" (٥/ ١٥٩) وسنده حسن. وعن عبادة بن الصامت قال: بايعت رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كان، لا نخاف في الله لومة لائم. والحاصل أنهم يظهرون العطف والحنو والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل الله، وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون، لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الإزدراء بأهل الدين، وقلب محاسنهم مساوي، ومناقبهم مثالب حسدًا وبغضًا وكراهة للحق وأهله. ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور عن الأوصاف الستة التي وصف بها القوم من المحبة الذلة والعزة وعن بعدها؛ لأن ذلك يشار به إلى المفرد والمثنى والمجموع كما

стр. 3155

تقدم مع زيادة في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾. ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ إحسانه وكرامته ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: يعطيه ويكرم به من يشاء كرامته من عباده ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿وَاسِعٌ﴾ الفضل كثير العطايا ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحقه ومن هو أهل لها. تتمة فيما يتعلق بالآية: روى ابن جرير عن قتادة قال: أنزل الله هذه الآية يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية. وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس، فلما قبض الله نبيه محمدًا ﷺ .. ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد، أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل البحرين من عبد القيس أهل مسجد جواثي قالوا - أي المرتدون - نصلي ولا نزكي، والله لا تغصب أموالنا، فكلم أبو بكر في ذلك، فقيل له: إنهم لو قد فقهوا لهذا .. أعطوها وزادوها، فقال: لا والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه، ولو منعوا عقالًا مما فرض الله ووسوله .. لقاتلتهم عليه، فبعث الله عصابة مع أبي بكر، فقاتل على ما قاتل عليه نبي الله ﷺ حتى سبى وقتل وحرق بالنيران أناسًا ارتدوا عن الإِسلام، ومنعوا الزكاة فقاتلهم حتى أقروا بالماعون - الزكاة - صغرة: واحدهم صاغر، وهو المهيمن الذليل، أقمياء: واحدهم قميء، وهو الذليل الضعيف، فأتته وفود العرب فخيرهم بين خطة مخزية أو حرب مجلية، فاختاروا الخطة المخزية، وكانت أهون عليهم أن يقروا أن قتلاهم في النار، وأن قتلى المؤمنين في الجنة، وأن ما أصابوا من المسلمين من مال ردوه عليهم، وما أصاب المسلمون من مال لهم فهو لهم حلال، انتهى. وعلى هذا فالقوم الذين يحبهم الله ويحبونه هم: أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، قاله قتادة والضحاك، ورجح ابن جرير: أن الآية نزلت في قوم أبي موسى الأشعري من أهل اليمن، لما روي أن النبي ﷺ لما قرأ هذه الآية قال: "هم قوم أبي موسى" وإنْ لم يكونوا قاتلوا المرتدين مع أبي بكر؛ لأن الله وعد بأن يأتي بخير عن المرتدين بدلًا منهم، ولم يقل أنَّهم يقاتلون المرتدين، ويكفي في صدق الوعد أن يقاتلوا، ولو غير المرتدين. وقد ارتد كثير من القبائل في عهد النبي ﷺ وبعده، فقد ارتدت إحدى عشرة فرقة، منها ثلاث في عهد النبي ﷺ وهم:

стр. 3156

١ - بنو مدلج، ورئيسهم ذو الحمار وهو الأسود العنسي، وكان كاهنًا تنبأ باليمن، واستولى على بلاده، وأخرج عمال النبي ﷺ ، فكتب النبي ﷺ إلى معاذ بن جبل وسادات اليمن، فأهلكه على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله، وأخبر رسول الله ﷺ بقتله، فسر به المسلمون وقبض ﵇ من الغد. ٢ - بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، وقد تنبأ مسليمة، وكتب إلى رسول الله ﷺ من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: سلام عليك أما بعد: فإني قد أشركت في الأمر معك، وأن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشًا قوم يعتدون، فكتب إليه النبي ﷺ : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب السلام على من اتبع الهدى، أما بعد ﴿فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين﴾ وكان ذلك سنة عشر، وحاربه أبو بكر، وقتله وحشي قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت في جاهليتي خير الناس وفي إسلامي شر الناس. ٣ - بنو أسد وزعيمهم طليحة بن خويلد، وقد تنبأ فبعث إليه أبو بكر خالد بن الوليد فانهزم وهرب إلى الشام، ثم أسلم وحسن إسلامه. وارتدت سبع في عهد أبي بكر وهم: ١ - فزارة، قوم عيينة بن حصن. ٢ - غطفان، قوم قرة بن سلمة القشيري. ٣ - بنو سليم، قوم الفجاءة بن عبد ياليل. ٤ - بنو يربوع، قوم مالك بن نويرة. ٥ - بعض بني تميم وزعيمته سجاح بنت المنذر الكاهنة، وقد تنبأت وزوجت نفسها من مسيلمة، ولها قصص طويل في التاريخ، وصح أنَّها أسلمت بعد ذلك وحسن إسلامها. ٦ - كندة، قوم الأشعث بن قيس.

стр. 3157

٧ - بنو بكر بن وائل بالبحرين، قوم الحطم بن زيد، وقد كفى الله المؤمنين شرهم على يد أبي بكر ﵁، وارتدت واحدة في عهد عمر ﵁ وهم غسان قوم جبلة بن الأيهم، تنصر جبلة ولحق بالشام ومات مرتدًا. ويروى أن عمر ﵁: كتب إلى أحبار الشام لما لحق بهم كتابًا جاء فيه: إن جبلة ورد إلى في سراة قومه فأسلم، فأكرمته، ثم سار إلى مكة فطاف فوطىء إزاره رجل من بني فزارة فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسر ثناياه، فاستعدى الفزاري على جبلة إلي فحكمت إما بالعفو وإما بالقصاص، فقال: أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟ فقلت: شملك وإياه الإِسلام، فما تفضله إلا بالعافية، فسأل جبلة التأخير إلى الغد، فلمَّا كان من الليل ركب مع بني عمه، ولحق بالشام مرتدًا. وروي أنه ندم على ما فعل وأنشد: تَنَصَّرْتُ بَعْدَ الحَقِّ عَارًا لِلَطْمَةٍ ... وَلَمْ يَكُ فِيْهَا لَوْ صَبَرْتُ ضَرَرْ فَأَدْرَكَنِيْ مِنْهَا لِجَاجٌ حَمِيَّةً ... فَبِعْتُ لَهَا الْعَيْنَ الصَّحِيْحَةَ بِالعَوَرْ فَيَا لَيْتَ أمِّي لمْ تَلِدْنِي وَلَيْتَنِيْ ... صَبَرْتُ عَلَى القَوْلِ الذِيْ قَالَهُ عُمَرْ وهؤلاء المرتدون لم يقاتلهم أحد، فإنَّ أبا بكر هو الذي قاتل جماهير المرتدين بمن معه من المهاجرين والأنصار. قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي (١): ذلك الذي تقدم من الصفات فضل الله يعطيه من يشاء من عباده، وبه يمتازون عن غيرهم، وهذه المشيئة وفق السنن التي أقام بها أمر النظام في خلقه، فجعل من الناس الكسب والعمل نفسيًّا كان أو بدنيًّا، ومنه آلات الكسب والقوى ما بين بدنية وعقلية، حسية ومعنوية، كما أنَّ منه التوفيق والهداية واللطف والمعونة ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ فضله ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحقه، فعلينا أن لا نغفل عن فضله ومنته، ولا عما يقتضيه ذلك من الشكر له، والإنابة إليه، والإخبات والعبادة له. ٥٥ - ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ لما نهى عن موالاة الكفرة .. ذكر عقيبه من هو حقيق بها، وإنَّما قال وليكم الله، ولم يقل أوليائكم

стр. 3158

للتنبيه على أن الولاية لله على الأصالة، ولرسوله ﷺ وللمؤمنين على التبع، لو قيل إنَّما أولياءكم الله ورسوله والذين آمنوا .. لم يكن في الكلام أصل وتبع؛ أي: لا ولي يلي أموركم أيها المؤمنون، ولا حافظ لكم ولا ناصر ينصركم على أعدائكم إلا الله ورسوله محمد ﷺ ، والمؤمنون الصادقون الذين اتصفوا بهذه الصفات التالية المذكورة قريبًا. وفي هذا تعريض للمنافقين في توليهم الكفار دون الله تعالى، ولما كانت كلمة الذين آمنوا تشمل كل من أسلم ولو ظاهرًا .. بين المراد منها بقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ بدل من الذين آمنوا، ويجوز رفعه على القطع، أو نصبه على المدح ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾؛ أي: يؤدونها لمستحقيها وقوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ جملة حالية من فاعل الفعلين اللذين قبله، والمراد بالركوع الخشوع والخضوع؛ أي: يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم خاشعون خاضعون لا يتكبرون. وقيل: هو حال من فاعل الزكاة والمراد بالركوع هو المعنى المذكور؛ أي: يضعون الزكاة فيها مواضعها غير متكبرين على الفقراء ولا مترفعين عليهم. قال في "الأساس": العرب تسمي من آمن بالله ولم يعبد الأوثان راكعًا، وقال أبو مسلم: المراد بالركوع الخضوع. والمعنى؛ أي: أنَّ المؤمنين الذين يقومون بحق الولاية والنصرة لكم، هم الذين يقيمون الصلاة ويؤدونها حق الأداء باشتمالها على الآداب الظاهرة والباطنة، ويعطون الزكاة مستحقيها، وهم خاضعون لأوامر الله مع طيب نفس وهدوء قلب، لا خوفًا ولا رياء ولا سمعة، دون المنافقين الذين يقولون: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ويأتون بصورة الصلاة لا بروحها ومعناها المقصود منها، فإذا هم قاموا إلى الصلاة .. قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا. قال ابن الجوزي: فأما اتخاذهم الدين هزوًا ولعبًا .. فهو إظهارهم الإِسلام وإخفاؤهم الكفر وتلاعبهم بالدين ٥٦ - ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ﴾ بالإيمان به والتوكل عليه ﴿وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بنصرهم والاستنصار لهم .. فإنَّهم هم الغالبون على أعدائهم؛ لأنهم حزب الله، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ وجنده وأنصاره ﴿هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ على أعدائهم بالحجة، فإنَّها مستمرة أبدًا، إما بالصولة والدولة، ققد يغلبون كما وقع ذلك في زمن النبي ﷺ غير مرة، والحزب

стр. 3159

في اللغة: أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه؛ أي: أهمه. والمعنى: أي إذا كان الله وليكم وناصركم، وكان الرسول والذين آمنوا أولياء لكم بالتبع لولايته .. فأنتم بذلك حزب الله والله ناصركم، ومن يتول الله بالإيمان به والتوكل عليه، ويتول الرسول والمؤمنين بنصرهم وشد أزرهم والاستنصار لهم دون أعدائهم .. فإنهم الغالبون، ولا يغلب من يتولاهم؛ لأنهم حزب الله الذي له الغلبة والقهر. ٥٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللهِ ورسوله محمَّد ﷺ ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾؛ أي: لا تجعلوا ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ وجعلوا ﴿دِينَكُمْ﴾ دين الإِسلام الذي هو أفضل الأديان وناسخها ﴿هُزُوًا﴾؛ أي: سخرية ﴿وَلَعِبًا﴾ أي ضحكًا، وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بيان للموصول السابق؛ أي: من اليهود والنصارى الذين أعطوا الكتاب ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿وَالْكُفَّار﴾ بالنصب عطف على الذين اتخذوا، أو بالجر عطف على الذين أوتوا الكتاب، والمراد بهم المشركون عبدة الأوثان، وإنَّما فصل بين أهل الكتاب والكفار - وإنْ كان أهل الكتاب من الكفار؛ لأن كفر المشركين من عبدة الأوثان أغلظ وأفحش من كفر أهل الكتاب - لأن أهل الكتاب لهم أساس، وإن حرفوا وبدلوا ﴿أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: أصدقاء وأنصارًا لكم؛ لأن اللائق باتخاذهم دينكم هزوًا ولعبًا أن يقابل بالبغضاء والمنابذة والمجانبة، فاتخاذكم مع ذلك أولياء وأنصارًا كالأمر الخارج عن المعقول، والمرءوة إن كنتم تعقلون، وهذا النهي عن موالاة المتخذين للدين هزوًا ولعبًا يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين، وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإِسلام والبيان بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى آخره، لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة، التي هي الباعثة على النهي. والمعنى (١): يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى الذين جاءتهم الرسل والأنبياء، وأنزلت عليهم الكتب من قبل بعث رسولنا محمَّد ﷺ ، ومن قبل

стр. 3160

نزول كتابنا أولياء وأنصارًا وحلفاء، فإنَّهم لا يألونكم خبالًا، وإن أظهروا لكم مودة وصداقة، ذلك لأنَّهم اتخذوا هذا الدين هزوًا ولعبًا، فكان أحدهم يظهر الإيمان للمؤمنين وهو على كفره مقيم، وبعد اليسير من الزمن يظهر الكفر بلسانه بعد أن كان يبدي الإيمان قولًا، وهو مستبطن للكفر تلاعبًا بالدين واستهزاء به، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾. وكذلك نهى الله عن موالاة جميع المشركين؛ لأن موالاة المسلمين لهم بعد أن أظهرهم الله عليهم بفتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجًا تكون قوة لهم وإقرارًا على شركهم الذي جاء الإِسلام لمحوه من جزيرة العرب. وقد نهج الإِسلام من أهل الكتاب سياسة غير سياسته مع مشركي العرب، فأباح أكل طعامهم ونكاح نسائهم، وشرع قبول الجزية منهم، وإقرارهم على دينهم، وخصهم هنا بلقب أهل الكتاب، ولقب المشركين بالكفار، وفي آيات أخرى بالمشركين والذين أشركوا، لانَّهم لوثنيتهم عريقون في الشرك، والكفر أصلًا فيه. أما أهل الكتاب فالشرك والكفر قد عرض للكثير منهم عروضًا وليس من أصل دينهم ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وخافوا عقاب الله أيها المؤمنون في موالاة هؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا، حتى لا يضيع الغرض منها، وتكون وهنا لكم، ونصرًا لهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إن كنتم صادقي الإيمان، تحفظون كرامته، وتجتنبون مهانته، وتصدقون بالجزاء والوعيد على معصيته ومخالفته تعالى. والمعنى: واتقوا الله في موالاتهم إن كنتم مؤمنين حقًّا، فإن تقوى الله هي الحاملة على امتثال الأوامر، واجتناب النواهي. وقرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب (١): ﴿والكفار﴾ بالجر على تقدير: من أي ومن الكفار، وقرأ الباقون بالنصب على معنى لا تتخذوا الكفار أولياء، وهي رواية الحسين الجعفي عن أبي عمرو، وإعراب الجر والنصب واضح، وقرأ أبي

стр. 3161

﴿ومن الكفار﴾ بزيادة ﴿من﴾ وقراءة عبد الله: ﴿ومن الذين أشركوا﴾. ٥٨ - ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ﴾ وأذنتم للإقبال ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ المفروضة ﴿اتَّخَذُوهَا﴾؛ أي: اتخذوا صلاتكم ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾؛ أي: لاعتقادهم أنه ليس فيها فائدة ومنفعة في الدين والدنيا قالوا: إنها لعب، والهزء السخرية، واللعب الأخذ في غير طريق، ذكره أبو حيان في "البحر"، وقيل: الضمير يعود للمناداة المدلول عليه بناديتم، ومعنى اتخاذهم الصلاة والمناداة هزوًا ولعبًا: تضاحكهم منها، وتغامزهم، والمعنى: وإذا أذن مؤذنكم داعيًا إلى الصلاة .. سخر من دعوتكم إليها من نهيتم عن ولايتهم من أهل الكتاب والمشركين، واتخذوها هزوًا ولعبًا، وروى (١) الطبراني: أن نصرانيًّا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام، فتطاير شررها في البيت فأحرقته وأهله، وقيل: كان المنافقون من اليهود يتضاحكون عند القيام إلى الصلاة تنفيرًا للناس عنها، وقيل: إنَّ الكفار والمنافقين كانوا إذا سمعوا الأذان دخلوا على النبي ﷺ وقالوا: يا محمد لقد ابتدعت شيئًا لم يسمع بمثله فيما مضى، فإن كنت نبيًّا .. فقد خالفت الأنبياء قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العير، فما أقبح هذا الصوت وهذا الأمر! فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ الآية وأنزل: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية. قيل (٢): وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذا الموضع، وأما قوله تعالى في الجمعة: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ .. فهو خاص بنداء الجمعة، وقد اختلف أهل العلم في كون الأذان واجبًا أو غير واجب، وفي ألفاظه، وهو مبسوط في مواطنه. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الاستهزاء المذكور ﴿بِأَنَّهُمْ﴾؛ أي: بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لا يفهمون ما لهم في إجابة الصلاة وما عليهم في استهزائهم بها،

стр. 3162

لأنهم لو كان لهم عقل كامل .. لعلموا أن خدمة الخالق المنعم بغاية التعظيم لا تكون مهزؤًا بها، فإنَّه أحسن أعمال العباد، وأشرف أفعالهم، ولذلك قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة، وأنفع السكنات الصيام يعني: أن هزؤهم ولعبهم من أفعال السفهاء والجهال الذين لا عقل لهم. وخلاصة المعنى: أي ذلك الفعل الذي يفعلونه وهو الهزؤ والسخرية: إنما كان لجهلهم بحقيقة الأديان، وما أوجب الله فيها من تعظيمه والثناء عليه بما هو أهله، ولو كان عندهم عقل .. لخشعت قلوبهم كلما سمعوا المؤذن يكبر الله تعالى ويمجده بصوته الندي، ويدعو إلى الصلاة له، والفلاح بمناجاته وذكره، فهو ذكر مؤثر في النفوس لا تخفى محاسنه على من يعقل الحكمة في إرسال الشرائع، ويؤمن بالله العلي الكبير. ٥٩ - ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الخطاب فيه للنبي ﷺ ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين اتخذوا دينك هزوًا ولعبًا والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ إنكاري تهكمي؛ أي: هل تكرهون منا أو تعيبون علينا من شيء ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وحده ﴿و﴾ بـ ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ من القران الكريم ﴿و﴾ بـ ﴿ما أنزل من قبل﴾ على رسله من التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب الإلهية، وهذا على سبيل التعجب من فعل أهل الكتاب، والمعنى: هل تجدون علينا عيبًا في الدين إلا الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وبما أنزل على جميع الأنبياء من قبل؟ وهذا ليس مما ينكر أو ينقسم منه، وهذا كما قال بعضهم: وَلا عَيبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوْفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكَتَائِبِ يعني: أنه ليس فيهم عيب إلا ذلك، وهذا ليس بعيب بل هو مدح عظيم لهم، والحاصل: أن هذا ديننا الحق، وطريقنا المستقيم، فلم تنقمونه علينا وقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ عطف (١) على المجرور؛ أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان بالله، وما أنزل، وبأن أكثركم فاسقون، والمعنى: أعاديتمونا لأنَّا اعتقدنا توحيد الله وصدق أنبيائه وفسقكم لمخالفتكم لنا في ذلك؛ أي: وما تكرهون من

стр. 3163

أوصافنا إلا إيماننا بما ذكر واعتقادنا بأن أكثركم خارجون من الإيمان بما ذكر، فإن الكفر بالقرآن مستلزم بالكفر بما يصدقه بلا شك، ويجوز (١) أن تكون الواو بمعنى مع، أي: وما تنقمون منا إلا الإيمان باللهِ وبما ذكر معه، مع أن أكثركم فاسقون. وعبارة (٢) الخازن: يعني إنَّما كرهتم إيماننا ونقمتوه علينا، مع علمكم بأنا على الحق بسبب فسقكم وإقامتكم على الدين الباطل لحب الرياسة، وأخذ الأموال بالباطل، وإنما قال: أكثركم، لأن الله علم أن من أهل الكتاب من يؤمن باللهِ وبرسوله. وعبارة المراغي هنا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ...﴾ الآية؛ أي: قل يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى هل من شيء تعيبونه علينا، وتكرهوننا لأجله إلا إيماننا الصادق بالله وتوحيده، وإثبات صفات الكمال له، وإيماننا بما أنزل إلينا، وبما أنزل من قبلي على رسله لقلة إنصافكم، ولأن أكثركم فاسقون خارجون عن حظيرة الإيمان الصحيح، وليس لكم من الدين إلا العصبية الجنسية، والتقاليد الباطلة. والخلاصة: أنَّه ما عندنا سوى ذلك، وهذا مما لا يعاب ولا ينقم منه، بل يمدح صاحبه ويكرم، لكنكم لفسقكم وخروجكم من حظيرة الدين الصحيح عبتم الحسن من غيركم، ورضيتم بالقبيح من أنفسكم وفي قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ إشارة إلى أن الحكم بالفسق عليهم ليس على العموم بل على الأكثر فقط؛ لأنَّه قد كان في أهل الكتاب ناس لا يزالون معتصمين بأصول الدين وجوهره من التوحيد وحب الحق والعدل، وهؤلاء هم الذين سارعوا إلى الإِسلام عندما عرفوا حقيقة أمره، وتجلى لهم صدق الداعي إليه. وقرأ الجمهور (٣): ﴿تَنْقِمُونَ﴾ بكسر القاف، والماضي نَقَم بفتحها، في التي ذكرها ثعلب في الفصيح، ونقم بالكسر ينقم بالفتح لغة حكاها الكسائي

стр. 3164

وغيره. وقرأ بها أبو حيوة والنخعي وابن أبي عبلة، وأبو البرهشيم. وقرأ الجمهور: ﴿أُنْزِل﴾ في الموضعين مبنيًّا للمفعول، وقرأه فيهما أبو نهيك مبنيًّا للفاعل، وقرأ نعيم بن ميسرة: ﴿وإن أكثركم فاسقون﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف، وهو واضح، المعنى بمعنى أمره تعالى أن يقول لهم هاتين الجملتين، وتضمنت الأخبار بفسق أكثرهم وتمردهم. وقرأ الجمهور بفتح همزة أن على أنها في موضع رفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: وفسق أكثركم ثابت معلوم عندكم؛ لأنكم علمتم أنَّا على الحق وأنكم على الباطل، إلا أن حب الرياسة والرشا يمنعكم من الاعتراف، أو في موضع نصب عطافًا على أن آمنا، إلا أنَّه حذف مضاف تقديره: واعتقادنا فيكم أن أكثركم فاسقون، أو في موضع جر عطفًا على علة محذوفة، والتقدير: ما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم وكثرة فسقكم، ٦٠ - ثم رد على الاستفهام التهكمي باستفهام تهكمي مثله فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: قل لهم يا محمد هل أخبركم أيها المستهزئون بديننا وأذاننا ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: بمن هو شر وأقبح مثوبة وجزاء عند الله تعالى من ذلك القوم الذين اتخذتم دينهم وأذانهم هزوًا ولعبًا يعني: المؤمنين، واستعمال المثوبة في الجزاء الحسن، أكثر من استعمالها في الجزاء السيء كما هنا، وقيل إن استعمالها في الجزاء السيء من باب التهكم والإزدراء كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وهذا السؤال يستدعي سؤالًا منهم عن ذلك الذي هو شر، فكأنهم سألوه وقالوا من هو؟ فأجابهم بقوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: الذي هو شر من ذلك القوم الذين اتخذتم دينهم هزوًا ولعبًا من لعنه الله سبحانه، وطرده وأبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: وانتقم منه؛ لأن الغضب إرادة الانتقام من العصاة، أو سخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾؛ أي: مسخ بعضهم قردة، وهم أصحاب السبت في زمن داود، وهم اليهود. ﴿و﴾ مسخ بعضهم ﴿الخنازير﴾ وهم كفار أهل مائدة عيسى، بعد أكلهم من المائدة، وقيل (١): كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة،

стр. 3165

ومشايخهم خنازير ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾؛ أي: وأطاع الشيطان في وسوسته وتزينه لهم الكفر والمعاصي التي منها عبادة العجل، وعبارة الواحدي هنا: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: أخبركم ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾؛ أي: بشر من المسلمين الذين طعنتم عليهم ﴿مَثُوبَةً﴾؛ أي: جزاء وثوابًا ﴿عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: هو من لعنه الله؛ أي: أبعده عن رحمته انتهت. والمعنى: قل (١) هل أنبئكم بشر من أهل ذلك الذين مثوبة؟ فإن قلت هذا يقتضي أن الموصوفين بذلك .. محكوم عليهم بالشر لأنَّه تعالى قال ﴿بشر من ذلك﴾، ومعلوم أنَّ الأمر ليس كذلك فما جوابه؟. قلت: جوابه أنَّ الكلام خرج على حسب قولهم واعتقادهم، فإنَّ اليهود حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر، فقال لهم: هب أن الأمر كذلك لكن من لعنه الله وغضب عليه ومسخ صورته شر من ذلك. وفي قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ انتقال (٢) بهم من تبكيت لهم بإقامة الحجة على هزئهم ولعبهم بما ذكر إلى ما هو أشد منه تبكيتًا وتشنيعًا عليهم، ذلك هو التذكير بسوء حال أبائهم من أنبيائهم، وما كان من جزاء الله لهم على فسقهم وتمردهم، بأشد ما جازى به الفاسقين الذين ظلموا أنفسهم من اللعن والغضب والمسخ وعبادة الطاغوت. أمَّا اللعن فقد ذكر في عدة مواضع من القران الكريم مع بيان أسبابه، والغضب الإلهي يستلزم اللعنة، واللعنة تلزمه، إذ هي منتهى المؤاخذة لمن غضب الله عليه. وأمَّا جعله منهم قردة وخنازير فقد تقدم في سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ وسيأتي في سورة الأعراف ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ وجمهرة العلماء على أنهم مسخوا فكانوا قردة وخنازير على الحقيقة، وانقرضوا لأن الممسوخ لا يكون له نسل، ونقل ابن جرير عن مجاهد، أنَّه قال: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله لهم كما ضرب المثل بقوله: ﴿كَمَثَلِ

стр. 3166

الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. وقرأ النخعي وابن وثاب (١): ﴿أنبئكم﴾ من أنبأ وقرأ الجمهور: ﴿أنبئكم﴾ من نبأ وقرأ ابن بريدة والأعرج ونبيح وابن عمران: ﴿مثوبة﴾ كمعورة بسكون الثاء المثلثة وفتح الواو والجمهور ﴿مثوبة﴾ كمعونة. وقرأ أبي وعبد الله: ﴿من غضب عليهم وجعلهم قردة وخنازير﴾ وجعل هنا بمعنى سير. فائدة: قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ فيه عشرون (٢) قراءة كلها شاذة إلا اثنتين، فهما سبعيتان كما سيأتي بيانهما: ١ - قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عاصم وابن عامر ونافع والكسائي: ﴿وَعَبَد﴾ بفتح العين والباء والدال ونصب تاء ﴿الطَّاغُوتَ﴾. وفيها وجهان أحدهما: أن المعنى: وجعل منهم القردة والخنازير ومن عبد الطاغوت، والثاني: أن المعنى: من لعنه الله وعبد الطاغوت. ٢ - وقرأ حمزة: ﴿وعَبُدَ الطاغوت﴾ بفتح العين والدال وضم الباء وخفض تاء الطاغوت. قال ثعلب: ليس لها وجه إلا أن يجمع فعل على فعل، وقال الزجاج وجهها أن الاسم بني على فعل كما تقول: علم زيد ورجل حذر؛ أي: مبالغ في الحذر، فالمعنى: جعل منهم خدمة الطاغوت ومن بلغ في طاعة الطاغوت الغاية. فهاتان القِراءاتان سبعيتان. ٣ - وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب: ﴿وعبدوا﴾ بفتح العين والباء ورفع الدال على الجمع ﴿الطاغوت﴾ بالنصب. ٤ - وقرأ ابن عباس وابن أبي عبلة ﴿وعبد﴾ بفتح العين والباء والدال إلا أنهما كسر التاء ﴿الطاغوت﴾ قال الفراء: أرادا عبدة فحذفا الهاء. ٥ - وقرأ أنس بن مالك: ﴿وعبيد﴾ بفتح العين والدال وبياء بعد الباء وخفض تاء ﴿الطاغوت﴾.

стр. 3167

٦ - وقرأ أيوب والأعمش ﴿وعبد﴾ بضم العين وفتح الباء والدال مع تشديد الباء وكسر تاء ﴿الطاغوت﴾. ٧ - وقرأ أبو هريرة وأبو رجاء وابن السميقع ﴿وعابد﴾ بألف مع كسر الباء وفتح الدال ومع كسر تاء ﴿الطاغوت﴾. ٨ - وقرأ أبو العالية ويحيى ابن وثاب ﴿وعبد﴾ بضم العين والياء وفتح الدال من كسر تاء ﴿الطاغوت﴾، قال الزجاج: وهو جمع عبيد وعبد، مثل رغيف ورغف، وسرير وسرر، والمعنى: وجعل منهم عبيد الطاغوت. ٩ - وقرأ أبو عمران الجوني ومورق العجلي والنخعي: ﴿وعبد﴾ بضم العين وكسر الباء مخففة وفتح الدال مع ضم تاء ﴿الطاغوت﴾. ١٠ - وقرأ أبو المتوكل وأبو الجوزاء وعكرمة ﴿وعبد﴾ بفتح العين والدال وتشديد الباء مع نصب التاء ﴿الطاغوت﴾. ١١ - وقرأ الحسن وأبو مجلز وأبو نهيك ﴿وعبد﴾ بفتح العين والدال وسكون الباء خفيفة مع كسر تاء ﴿الطاغوت﴾. ١٢ - وقرأ قتادة وهذيل بن شرحبيل: ﴿وعبدة﴾ بفتح العين والباء والدال وتاء في اللفظ منصوبة بعد الدال ﴿الطواغيت﴾ بألف وواو وياء بعد الغين على الجمع. ١٣ - وقرأ الضحاك وعمرو بن دينار: ﴿وعبد﴾ بضم العين وفتح الباء والدال مع تخفيف الباء وكسر تاء ﴿الطاغوت﴾. ١٤ - وقرأ سعيد بن جبير والشعبي: ﴿وعبدة﴾ مثل حمزة إلا أنهما رفعا تاء ﴿الطاغوت﴾. ١٥ - وقرأ يحيى بن يعمر والجحدري: ﴿وعبد﴾ بفتح العين وضم الباء والدال مع كسر تاء ﴿الطاغوت﴾. ١٦ - وقرأ أبو الأشهب العطاردي: ﴿وعبد﴾ بضم العين وسكون الباء وفتح الدال مع كسر تاء ﴿الطاغوت﴾.

стр. 3168

١٧ - وقرأ أبو السماك ﴿وعبدة﴾ بفتح العين والباء والدال وتاء في اللفظ بعد الدال مرفوعة من كسر تاء ﴿الطاغوت﴾. ١٨ - وقرأ معاذ القارئ: ﴿وعابد﴾ مثل قراءة أبي هريرة، إلا أنه ضم لدال. ١٩ - وقرأ أبو حيوة: ﴿وعباد﴾ بتشديد الباء وبألف بعدها مع ضم العين فتح الدال. ٢٠ - وقرأ ابن حذلم وعمرو بن فائد ﴿وعباد﴾ مثل أبي حيوة إلا أن العين مفتوحة والدال مضمومة. وهذه القراءة كلها شاذة إلا الأوليين كما مر. وقد سبق ذكر الطاغوت في سورة البقرة، وفي المراد به ما هنا قولان، أحدهما: الأصنام والثاني: الشيطان، ذكره ابن الجوزي في تفسيره. ﴿أُولَئِكَ﴾ الملعونون الممسوخون ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾؛ أي: أقبح مكانًا ومستقرًا من المؤمنين في الآخرة لأنَّ مكانهم سقر، ولا مكان أشدّ شرًّا منه، أو المعنى: أولئك الملعونون المغضوب عليهم المجعول منهم القردة والخنازير، العابدون الطاغوت شر مكانًا من غيرهم من الكفرة الذين لم يجمعوا بين هذه الخصال الذميمة ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: أكثرهم ضلالًا عن الطريق المستقيم وقصده ووسطه الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، ومثلًا هؤلاء لا يحملهم على الاستهزاء بدين المسلمين وبصلاتهم وأذانهم إلا الجهل وعمى البصيرة. قال ابن كثير: والمعنى يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا الذي هو توحيد الله، وإفراده بالعبادة دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟!. قال القرطبي: ولما نزلت هذه الآية عيَّر المسلمون اليهود، وقالوا لهم: يا إخوان القردة والخنازير، فسكتوا ونكسوا رؤوسهم افتضاحًا وفيهم يقول الشاعر: فلَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُوْدِ ... إِنَّ اليَهُوْدَ إِخْوَةُ القُرُوْدِ ٦١ - ثم بيّن حال المنافقين منهم فقال: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ﴾؛ أي: وإذا جاءكم أيها المؤمنون المنافقون من اليهود ﴿قَالُوَا﴾ للرسول ولكم إننا ﴿آمَنَّا﴾ بالرسول وما

стр. 3169

أنزل عليه ﴿و﴾ الحال أنهم ﴿قد دخلوا﴾ عليكم متلبسين ﴿بِالْكُفْرِ﴾ الضلال مقيمين عليه ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا﴾ متلبسين ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالكفر والنفاق أيضًا، فحالهم عند خروجهم كحالهم عند دخولهم، لم يتحولوا عن كفرهم بالرسول وما نزل من الحق، ولكنهم قوم دأبهم الخداع والنفاق كما جاء في سورة البقرة: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. يعني: إنهم دخلوا كافرين وخرجوا كما دخلوا كافرين لم يتعلق بقلوبهم شيء من الإيمان، فهم كافرون في حالتي الدخول والخروج. ﴿والله﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾؛ أي: عالم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَـ﴾ ـه ويخفونه في قلوبهم حين دخولهم من قصد تسقط الأخبار، والتوسل إلى ذلك النفاق والخداع، وحين خروجهم من الكيد والمكر والكذب الذي يلقونه إلى البعداء من قومهم كما علمت مما سلف عندقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾. وفي قوله: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ تأكيد لكونهم حين الخروج كما هم حين الدخول، واحتيج إليه لمجيئه على خلاف المعروف؛ لأنَّ من كان يجالس الرسول ﷺ وأصحابه يسمع منه العلم والحكمة، ويرى من أحاسن أخلاقه ما يؤثر في القلوب ويلين قاسيها .. يرجع عن سوء عقيدته، وتصفو نفسه من كدوراتها؛ إلا إذا كان متعنتًا مخادعًا، فإن الذكرى لا تنفعه والعظات والزواجر لا تؤثر فيه. وقد كان الرجل يجيء إلى النبي ﷺ يريد قتله حتى إذا رآه سمع كلامه .. انجابت عن قلبه ظلمات الكفر والفسوق، وآمن به وأحبه، وما شذ هؤلاء إلا لسوء نيتهم وفساد طويتهم، وذلك ما صرف قلوبهم عن التذكر والاعتبار، ووجه هممهم إلى الكيد والخداع، فلم يكن لديهم عقول تعي وتفقه مغزى الحكم والآداب. ٦٢ - ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: وترى يا محمد كثيرًا من هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دينك هزوًا ولعبًا ﴿يُسَارِعُونَ﴾ ويبادرون ﴿فِي الْإِثْمِ﴾ والشرك والمعاصي ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ أي الظلم والتعدي على الناس وتجاوز الحدود التي ضربها الله للناس

стр. 3170

﴿و﴾ في ﴿أكلهم﴾ وأخذهم ﴿السُّحْتَ﴾ والحرام، كالرشا وكل ما يعود على فاعله بالضرر في الدين والدنيا، فهم غارقون في الإثم والعدوان، فكلما قدروا عليهما ابتدروهما ولم يتأخروا عن ارتكابهما، ثم بالغ في قبح هذه الأعمال فقال وعزتي وجلالي: ﴿لَبِئْسَ﴾ وقبح ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: لبئس شيئًا كانوا يعملونه عملهم هذا؛ أي: وعزتي وجلالي ما أقبح هذا العمل الذي يعمله هؤلاء من مسارعتهم في كل ما يفسد الأخلاق، ويدنس النفوس، ويقوض نظم المجتمع، وويل للأمة التي يعيش فيها أمثال هؤلاء، فهلا نهاهم علماؤهم وزهادهم وعبادهم عن أفعالهم بأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر قبل أن يستفحل ويتفاقم الشر ويعم الضرّ وإلى هذا أشار بقوله: ٦٣ - ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ وكلمة لولا حرف تحضيض وتوبيخ لعلمائهم وعبادهم على تركهم النهي عن المنكر؛ أي: هلا يمنعهم الربانيون؛ أي: السياسيون الذين هم أئمتهم في التربية والسياسة أو العباد ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾؛ أي: العلماء في الدين؛ أي: هلا ينهى هؤلاء الذين يسارعون فيما ذكر من المعاصي عبادهم وعلماؤهم ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾؛ أي: الشرك والكذب ﴿و﴾ عن ﴿أكلهم﴾ وأخذهم ﴿السُّحْتَ﴾ والحرام والله ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقبح شيئًا كان الربانيون والأحبار يصنعونه من الرضى بهذه الأوزار والخطايا، وتركهم فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مع علمهم بقبحهما ومشاهدتهم لمباشرتهم لهما. روي عن ابن عباس أنَّه قال: ما في القرآن آية أشد توبيخًا من هذه الآية. وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، يريد ابن عباس أنها حجة على العلماء، إذا هم قصروا في الهداية والإرشاد، وتركوا النهي عن الشرور والآثان التي تفسد نظم الحياة للفرد والمجتمع، فحق على العلماء والحاكم أن يعتبروا بهذا النعي على اليهود، ساسة وعلماء ومر بين فيزدجروا ويعلموا أن هذه موعظة وذكرى لهم إن نفعت الذكرى. فقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أبلغ من قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأن (١) العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه

стр. 3171

صاحبه، ولهذا تقول العرب: سيف صنيع، إذا جود عامله عمله، فالصنع هو العمل الجيد، لا مطلق العمل فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي، فجعل جزم العاملين ذنبًا غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنبًا راسخًا، ولذلك ذم بهذا خواصهم، ولأن ترك الإنكار على المعصية أقبح من مواقعة المعصية؛ لأن النفس تلتذ بها؛ لأنها مرض الروح وهو صعب شديد ولا يكاد يزول، ولا كذلك ترك الإنكار عليها فيدخل في هذا الذم كل من كان قادرًا على النهي عن المنكر من العلماء وغيرهم، وتركه وقال ابن المبارك: وَهَل أفْسَدَ الدِّيْنَ إِلَّا المُلُوْ ... كَ وَأَحْبَارُ سُوْءٍ وَرُهْبَانُهَا وقيل: غاير في العبارة بين المقامين لتفنن الفصاحة، ولترك تكرار اللفظ. فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم، ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنّها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم، بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها، لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هم أشد حالًا وأعظم وبالًا من العصاة، فرحم الله عالمًا قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه، وأوجب ما أوجب عليه، النهوض به، اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، ومن العلماء العاملين الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، الذين لا يخافون فيك لومة لائم، وصل وسلم اللهم على من أرسلته رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين آمين. الإعراب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾:

стр. 3172

فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾: الناهية. ﴿الْيَهُودَ﴾: مفعول أول. ﴿وَالنَّصَارَى﴾: معطوف عليه. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول ثانٍ، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿بَعْضُهُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ خبر ومضاف إليه، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يَتَوَلَّهُمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿من﴾ الشرطية، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يتول﴾. ﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء: رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة إنَّ في محل الجزم بـ (من) على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول به. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة، والجملة الفعلية في محل رفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ جملة تعليلية سيقت لتعليل كون من يواليهم منهم؛ أي: لا يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنهم، فيقعون في الكفر والضلال. كما ذكره أبو السعود. ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾. ﴿فَتَرَى﴾: (الفاء) (١): إمَّا للسببية المحضة، أي: بسبب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ المتصفين بما ذكر ترى الذين .. إلخ. أو للعطف على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ ... إلخ من حيث المعنى اهـ. كرخي. ﴿ترى﴾: فعل مضارع وهي بصرية، وفاعله ضمير يعود على محمد أو على أي مخاطب، والجملة مستأنفة أو معطوفة على ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية صلة الموصول. ﴿يُسَارِعُونَ﴾: فعل

стр. 3173

وفاعل. ﴿فِيهِمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الموصول. وقيل: تر علمية، وجملة ﴿يُسَارِعُونَ﴾ في محل النصب مفعول ثانٍ، والأول أنسب بظهور نفاقهم. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿يُسَارِعُونَ﴾. ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ مقول محكي لـ ﴿يَقُولُونَ﴾ وإنْ شئت قلت: ﴿نَخْشَى﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المنافقين المرضى، والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾: ناصب وفعل، ومفعول وفاعل، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿نَخْشَى﴾ تقديره: نخشى إصابة الدائرة إيانا. ﴿فَعَسَى اللَّهُ﴾ الفاء: استئنافية. ﴿عسى﴾: فعل ماض من أفعال الرجاء ترفع الاسم وتنصب الخبر، و ﴿عسى﴾ وإن كانت في أصلها للترجي إلّا أنَّها في كلام الله للتحقيق؛ لأن كلامه موافق لعلمه، وهو لا يتخلف. ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. ﴿أَنْ يَأتِيَ﴾: ناصب وفعل، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿بِالْفَتْحِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿أَمْرٍ﴾ تقديره: أو أمر كائن من عنده، وجملة ﴿يَأتِيَ﴾ صلة ﴿أَن﴾ المصدرية ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه خبرًا لـ ﴿عسى﴾ ولكنَّه في تأويل اسم الفاعل؛ لأنه لا يخبر باسم المعنى عن الذات تقديره: عسى الله آتيًا بالفتح أو أمر من عنده أو ذا إتيانًا بالفتح، وجملة عسى مستأنفة. ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ معطوفة ﴿بِالْفَتْحِ﴾ ﴿فَيُصْبِحُوا﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿يصبحوا﴾: فعل ناقص واسمه معطوف على ﴿يَأتِيَ﴾: فهو داخل معه في حيز خبر عسى، وإنْ لم يكن فيه ضمير يعود على اسمها. فإن: فاء السببية مغنية عن ذلك، لأنها تجعل الجملتين كجملة واحدة، ذكره أبو السعود. ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نَادِمِينَ﴾. ﴿أَسَرُّوا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَسَرُّوا﴾ وجملة ﴿أَسَرُّوا﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد. أو الرابط محذوف تقديره: أسروه. ﴿نَادِمِينَ﴾: خبر أصبح منصوب بها، وجملة أصبح في تأويل مصدر معطوف على مصدر ﴿يَأتِيَ﴾ على كونه خبرًا لعسى، ولكنه في تأويل مشتق تقديره: فعسى الله آتيًا بالفتح، فمصبحين نادمين على ما أسروا في أنفسهم.

стр. 3174

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾. ﴿وَيَقُولُ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾: إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾: (الهمزة): للاستفهام التعجبي. ﴿هؤلاء﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يقول﴾. ﴿أَقْسَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَقْسَمُوا﴾. ﴿جَهْدَ﴾: منصوب على المصدرية؛ أي: أقسموا إقسام اجتهاد اليمين، أو منصوب على الحالية؛ أي: مجتهدين في أيمانهم ذكره أبو السعود وهو مضاف. ﴿أَيْمَانِهِمْ﴾: مضاف إليه. ﴿إِنَّهُمْ﴾ (إن): حرف نصب. والهاء اسمها. ﴿لَمَعَكُمْ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿معكم﴾: ظرف ومضاف إليه خبر إنَّ، وجملة (إنَّ): جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، لأنَّها تفسير وحكاية المعنى ﴿أَقْسَمُوا﴾ لكن لا بألفاظهم وإلا لقيل إنا معكم. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، لأنَّها من كلام الرب. ﴿فَأَصْبَحُوا﴾. (الفاء): عاطفة تفريعية. ﴿أَصْبَحُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿خَاسِرِينَ﴾: خبر أصبح والجملة معطوفة على جملة ﴿حَبِطَتْ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا﴾: (يا): حرف نداء. (أي): منادى نكرة مقصودة. (ها): حرف تنبيه زائد، زيدت تعويضًا عما فات، أي: من الإضافة، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لأي. ﴿آمَنُوا﴾. فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾: من اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يَرْتَدَّ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ وعلامة جزمه سكون مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، وكانت فتحة للخفة، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَرْتَدَّ﴾. ﴿عَنْ دِينِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق

стр. 3175

بـ ﴿يَرْتَدَّ﴾. ﴿فَسَوْفَ﴾ (الفاء): رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة تسويفية. ﴿سَوْفَ﴾: حرف تنفيس. ﴿يَأْتِي اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿يُحِبُّهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾ ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يُحِبُّهُمْ﴾. ﴿أَذِلَّةٍ﴾ صفة ثانية لـ ﴿قوم﴾ ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿أَعِزَّةٍ﴾ صفة ثالثة لـ ﴿قَوْمٍ﴾ ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ متعلق به. ﴿يُجَاهِدُونَ﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به؛ والجملة في محل الجر صفة رابعة لـ ﴿قوم﴾ أو في محل النصب حال من الضمير المستتر في ﴿أَعِزَّةٍ﴾ أو مستأنفة ﴿وَلَا يَخَافُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُجَاهِدُونَ﴾. ﴿لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿يُؤْتِيهِ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثانٍ لأتى لأنه بمعنى أعطى والجملة الفعلية في محل النصب حال من الجلالة، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة من الموصول، والعائد ضمير محذوف تقديره: من يشاؤه. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿وَاسِعٌ﴾ خبر أول ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿وَلِيُّكُمُ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿اللَّهُ﴾ خبر. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: معطوف عليه. وكذلك ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوف عليه. ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ

стр. 3176

رَاكِعُونَ﴾. قال الزمخشري (١): ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من ﴿الذين آمنوا﴾ بدل كل من كل، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الذين، وإنما لم يجعل صفة لـ ﴿الذين آمنوا﴾ لأنَّ الوصف بالموصول على خلاف الأصل؛ لأنَّه يؤول بمشتق، وأيضًا لأن ﴿الذين آمنوا﴾ وصف، والوصف لا يوصف إلا إذا جرى مجرى الاسم كالمؤمن مثلًا بخلاف الذين آمنوا، فإنه في معنى الحدوث، ألا ترى أنَّه جعل الذي يوسوس صفة للخناس؛ لأنَّه ليس في معنى الحدوث اهـ. كرخي و"سمين". ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على جملة ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾. ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل الفعلين؛ أي: يعملون ما ذكروهم خاشعون، متواضعون، أو حال من فاعل الفعل الأول؛ أي: يصلون الصلاة وهم راكعون. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾. ﴿وَمَن﴾: (الواو): استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يَتَوَلَّ اللَّهَ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿من﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ﴾: معطوفان على الجلالة، وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾: (الفاء): رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿حِزْبَ اللَّهِ﴾: اسمها ومضاف إليه. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْغَالِبُونَ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ (أي). ﴿آمَنُوا﴾: صلته. ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾: جازم وفعل وفاعل والجملة جواب النداء

стр. 3177

﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿تَتَّخِذُوا﴾. ﴿اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان ﴿وَلَعِبًا﴾ معطوف على ﴿هُزُوًا﴾ وجملة ﴿اتَّخَذُوا﴾ صلة الموصول الثاني ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿اتَّخَذُوا﴾ ﴿أُوتُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أُوتُوا﴾ لأنَّ أتى بمعنى أعطى يتعدى لمفعولين، والجملة صلة للموصول المجرور بـ (من). ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُوتُوا﴾. ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ بالنصب عطف على ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ وبالجر عطف على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ كما مر في بحث التفسير ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مفعول ثانٍ لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ على كونها جواب النداء. (إن): حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر كان، وجواب إنْ معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم مؤمنين .. فاتقوا الله، وجملة إن الشرطية مستأنفة. ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾. ﴿وَإِذَا﴾: (الواو): عاطفة، (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿نَادَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿إِلَى الصَّلَاة﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نَادَيْتُمْ﴾. ﴿اتَّخَذُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿هُزُوًا﴾: مفعول ثان. ﴿وَلَعِبًا﴾: معطوف عليه، والجملة جواب (إذا) لا محل لها من الإعراب، وجملة (إذا) من فعل شرطها وجوابها معطوفة على جملة قوله: ﴿اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ على كونها صلة الموصول والتقدير: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا، والذين إذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ (الباء): حرف جر، (أنَّ): حرف نصب، والهاء: اسمها. ﴿قَوْمٌ﴾: خبرها، وجملة ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ صفة لقوم، وجملة أن في تأويل مصدر مجرور بالباء والتقدير: بسبب كونهم قومًا لا يعقلون، والجار والمجرور خبر لذلك؛ أي: ذلك كائن بسبب عدم عقلهم. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾.

стр. 3178

﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإنْ شئت قلت: (يا): حرف نداء. ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول. ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي. ﴿تَنْقِمُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَّا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر ونصب. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله. ﴿وَمَا﴾: اسم موصول في محل الجر معطوف على لفظ الجلالة. ﴿أُنزِلَ﴾: فعل ماضي مغير الصيغة ونائب فاعله ضمير يعود على (ما). ﴿إِلَيْنَا﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾: معطوف أيضًا على الجلالة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾: (الواو): عاطفة، ﴿أَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿فَاسِقُونَ﴾: خبر أن في تأويل مصدر معطوف على المصدر المؤول من أن أمنا, ولكنه على تقدير مضاف والتقدير: قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا إيماننا بما ذكر، واعتقاد كون أكثركم فاسقين؛ أي: اعتقادنا كون أكثركم فاسقين. ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإنْ شئت قلت: ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام التهكمي. ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿بِشَرٍّ﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان لنبأ، وهو هنا يتعدى إلى مفعولين فقط؛ لأنه بمعنى عرف. ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور متعلق ﴿بِشَرٍّ﴾. ﴿مَثُوبَةً﴾: تمييز لشر منصوب به، والظاهر (١) أنَّه من تمييز النسبة للمفرد؛ لأن

стр. 3179

الشر واقع على الأشخاص، والمثوبة هي الجزاء. فلا يفسر أشر بها، وكان أصل التركيب: هل أنبئكم من قبح مثوبته؛ أي: جزائه، وجملة ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ من الفعل والفاعل في محل النصب جزء المقول. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه صفة لـ ﴿مَثُوبَةً﴾. ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾: من اسم موصول في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو من، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره في محل النصب مقول القول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة صلة من الموصولة. ﴿وَغَضِبَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة معطوفة على ﴿لَعَنَهُ﴾. ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿مِنْهُمُ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾. ﴿الْقِرَدَةَ﴾: مفعول (جعل). ﴿وَالْخَنَازِيرَ﴾ معطوف على ﴿الْقِرَدَةَ﴾. ﴿وَعَبَدَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على (مَن). ﴿الطَّاغُوتَ﴾: مفعول (عبد) والجملة معطوفة على جملة ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ على كونها صلة الموصول، وراعى في ضمير ﴿لَعَنَهُ﴾ ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾. (وَعَبَدَ) على قراءته فعلًا ماضيًا لفظ (مَن) وفي ضمير ﴿جعل﴾ ﴿منهُمُ﴾ راعى معناها. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿شَرٌّ﴾ خبر. ﴿مَكَانًا﴾: تمييز ﴿شَرٌّ﴾ تمييز (١) نسبة؛ أي: أولئك قبح مكانهم على حد قوله: وَالْفَاعِلَ الْمَعْنَي انْصِبَنْ بِأفْعَلاَ ... مُفَضِّلًا كَأنْتَ أَعْلَى مَنْزِلًا والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾ إن قلنا إنَّه من كلام محمَّد، أو مستأنفة، إن قلنا إنَّه من كلام الله تعالى، ﴿وَأَضَلُّ﴾ معطوف على ﴿شَرٌّ﴾. ﴿عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿وَأَضَلُّ﴾. ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)﴾. ﴿وَإِذَا﴾: (الواو): استئنافية. (إذا): ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءُوكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة (إذا) إليها،

стр. 3180

على كونها فعل شرط لها. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وجملة (إذا) مستأنفة. ﴿آمَنَّا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿قَالُوا﴾ أو ﴿آمَنَّا﴾. ﴿بِالْكُفْرِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿دَخَلُوا﴾؛ أي: وقد دخلوا حالة كونهم متلبسين بالكفر. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ وجملة ﴿قَدْ خَرَجُوا﴾: خبره، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة (قد دخلوا): على كونها حالًا من فاعل ﴿قَالُوا﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿خَرَجُوا﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿أعْلَمُ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَكْتُمُونَ﴾ في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: بما كانوا يكتمونه. ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾. ﴿وَتَرَى﴾: (الواو): استئنافية، (ترى): فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿كَثِيرًا﴾: مفعول به لـ (ترى)؛ لأنَّ ترى هنا بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿يُسَارِعُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي الْإِثْمِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿كَثِيرًا﴾ أو صفة ثانية له، ومفعول ثان لـ (ترى) إن قلنا إنها علمية، والأول أنسب بالمقام كما في "الجمل". ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾: معطوف على ﴿الْإِثْمِ﴾. وكذا قوله: ﴿وَأَكْلِهِمُ﴾ معطوف على ﴿الْإِثْمِ﴾ وهو من إضافة المصدر إلى فاعله. ﴿السُّحْتَ﴾: مفعوله. ﴿لَبِئْسَ﴾ (اللام): موطئة للقسم. (بئس): فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: هو، يفسره التمييز المذكور بعده. ﴿مَا﴾: نكرة موصوفة في محل النصب على التمييز. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبره، وجملة كان صفة لما والرابط محذوف تقديره: يعملونه، والتقدير: لبئس هو؛ أي: عملهم من جهة كونه شيئًا

стр. 3181

يعلمونه، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: عملهم هذا، ويجوز أن تكون ما فاعل بئس وهي اسم معرفة، والجملة بعدها صفة لمخصوص محذوف والتقدير: بئس الشيء شيء كانوا يعملونه، كما قال ابن مالك: وَ (مَا) مُمَيَّزٌ وَقِيْلَ فَاعِلُ ... في نَحْوِ: نِعْمَ مَا يَقُوْلُ الْفَاضِلُ وجملة (بئس) جواب لقسم محذوف لا محل لها من الإعراب. ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾. ﴿لَوْلَا﴾: حرف تخضيض وتوبيخ. ﴿يَنْهَاهُمُ﴾: فعل ومفعول ﴿الرَّبَّانِيُّونَ﴾: فاعل. ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾: معطوف عليه والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿عَنْ قَوْلِهِم﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَنْهَاهُمُ﴾، وهو مصدر مضاف إلى فاعله. ﴿الْإِثْمَ﴾: مفعوله. ﴿وَأَكْلِهِمُ﴾: معطوف على ﴿قَوْلِهِمُ﴾ وهو أيضًا مصدر مضاف إلى فاعله. ﴿السُّحْتَ﴾ مفعوله. ﴿لَبِئْسَ﴾: (اللام): موطئة للقسم. (بئس): فعل ماض. ﴿مَا﴾: اسم معرفة في محل الرفع فاعل، وجملة ﴿كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: صفة لمخصوص محذوف أيضًا، والتقدير: لبئس الشيء شيئًا شيء كانوا يصنعونه. التصريف ومفردات اللغة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. الأولياء جمع ولي، كأصفياء جمع صفي في الولاية، والمراد بالولاية هنا ولاية التناصر والمحالفة على المؤمنين، ومن ضرورة موالاة بعضهم لبعض اجتماع الكل على مضارتكم، فكيف يتصور بينكم وبينهم موالاة. ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ والدائرة ما يدور به الزمان من المصائب والدواهي التي تحيط بالمرء إحاطة الدائرة بما فيها، والدائرة من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها. وقال ابن حيان: الدائرة واحدة الدوائر وهي: صروف الدهر ودوله ونوازله، وقال الشاعر: وَيعْلَمُ أَنَ الدَّائِرَاتِ تَدُوْرُ انتهى.

стр. 3182

وفرق الراغب بين الدائرة والدولة بأن الدائرة هي الخط المحيط ثم عبر بها عن الحادثة، وإنَّما تقال في المكروه، والدولة في المحبوب. انتهى. ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وجهد الأيمان أغلظها، وهو في الأصل مصدر ونصبه على الحال؛ أي: مجتهدين في إقسامهم، أو على المفعولية المطلقة؛ أي: أقسموا إقسام اجتهاد اليمين ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾؛ أي: بطلت أعمالهم التي كانوا مكلفين بها، وعملوا بها في أعين الناس، كالصلاة، والصيام، والجهاد معكم، فخسروا أجرها وثوابها، يقال: حبط العمل من باب فرح إذا بطل ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ جمع ذليل كأدلة جمع دليل، بمعنى متواضعين من التذلل بمعنى التواضع لا جمع ذلول ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ جمع عزيز بمعنى متغلبين عليهم ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾؛ أي: عذل عاذل، وفي "المختار": اللوم العذل، تقول: لامه على كذا من باب قال لومًا ولومة إذا عدَّله، واللائمة الملامة ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ والحزب في اللغة: أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبه؛ أي: أهمه. ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ يقال: هزىء بفلان ومنه هَزْءًا وهُزْءًا وهُزُءًا إذا سخر به، والهزؤ أيضًا ما يهزء منه، يقال: هو هزءة بين الناس؛ أي: يهزأون ويسخرون منه، واللعب معروف وهو مصدر على غير قياس، وفعله لعب يلعب ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ والنداء الدعاء برفع الصوت، وناداه مناداة ونداء إذا صاح به، وتنادوا؛ أي: نادى بعضهم بعضًا وتنادوا؛ أي: جلسوا في النادي. ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ وفي نقم لغتان: الفصحى وهي التي حكاها ثعلب في فصيحه، نقم بفتح القاف ينقم بكسرها، والأخرى: نقم بكسر القاف ينقم بفتحها، قال الكسائي: نقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضًا، يقال: نقمت إذا كرهته، وانتقم منه إذا عاقبه، والاسم منه النقمة والجمع نقمات مثل كلمة وكلمات، وإن شئت سكنت القاف ونقلت حركتها إلى النون، والجمع نقم مثل نعمة ونعم. ﴿مَثُوبَةً﴾ المثوبة بسكون الثاء المثلثة مع فتح الميم والواو، والمثوبة بضم الثاء مع سكون الواو الجزاء على الأعمال خيرها وشرها، وأكثر استعماله في الخير من ثاب إذا رجع ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ القردة جمع قرد بكسر أوله وسكون

стр. 3183

ثانيه، ويجمع القرد أيضًا على أقراد وقرود وقردة بفتح القاف وكسر الراء، والأنثى قردة بكسر أوله وسكون ثانيه، وتجمع على قرد كقربة على قرب. والقرد حيوان خبيث يضحك ويطرب وسريع الفهم والتعلم، ويعرف عند العامة بالسعدان، والعامة تستعمل القرد بمعنى الشيطان، فتقول: فلان كالقرد، وفي استنكار يا قرد. والخنازير جمع خنزير وهو حيوان معروف ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ بفتحات في عبد بصيغة الماضي ونصب الطاغوت على المفعولية في قراءة غير حمزة من السبعة، وقرأ حمزة بضم باء عبد وإضافته إلى الطاغوت عطفًا على القردة؛ أي: وجعل عبد الطاغوت؛ أي: عبادها، وهو اسم جمع لعبد لا جمع له بل جمعه أعبد، كما قال ابن مالك: لِفَعَلَ اسْمًا صَحَّ عَيْنًا أَفْعَلُ ... وَلِلرُّبَاعِيِّ اسْمًا أيْضًا يُجْعَلُ ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ شر اسم تفضيل أصله أشرر بوزن أفعل حذفت همزته تخفيفًا لكثرة الاستعمال. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: منها: الإجمال الذي أريد به التفصيل في قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾؛ لأن المعنى: بعض اليهود أولياء بعض، وبعض النصارى أولياء بعض, لأن اليهود ليسوا أولياء النصارى، ولا النصارى أولياء اليهود لما بينهم من المعاداة، وإنَّما أوثر الإجمال تعويلًا على ظهور المراد لوضوح انتفاء الموالاة بين الفريقين رأسًا. ومنها: التأكيد بقوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، لأنها جملة مستأنفة مسوقة لتعليل النهي، ولتأكيد إيجاب الاجتناب المستفاد من النهي. ومنها: المبالغة في الزجر في قوله: ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ لأن المرض حقيقة فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال اللائق به، ويوجب الخلل في أفعاله، وقد يؤدي إلى الموت، استعير هنا لما في قلوبهم من الجهل وسوء العقيدة، وعداوة النبي ﷺ ، وغير ذلك من فنون الكفر المؤدية إلى الهلاك الروحاني.

стр. 3184

ومنها: التنكير في قوله: ﴿مَرَضٌ﴾ للدلالة على كونه نوعًا مبهمًا غير ما يتعارفه الناس من الأمراض. ومنها: الكناية في قوله: ﴿يُسَارِعُونَ﴾. لأن المسارعة حقيقة في الأجسام، وهي هنا كناية عن تنقل قلوبهم من بعض مراتب رغبة موالاتهم إلى بعض آخر. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿دَائِرَةٌ﴾ لأنها حقيقة في الشيء الذي يحيط بغيره، استعيرت لما يقع بهم من مصائب الدهر. ومنها: التقسيم في قوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾. ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿أهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ وفي قوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ لأن فيه معنى التعجب إن كان من كلام المؤمنين، كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم، أو فيه تعجيب للسامعين من حبوط أعمالهم إن كان من كلام الله تعالى. ومنها: المقابلة في قوله: ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. ومنها: الطباق بين لفظي: ﴿أَذِلَّةٍ﴾ و ﴿أَعِزَّةٍ﴾ في قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ لأنه من المحسنات البديعية. ومنها: التعريض في قوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ فإن فيه تعريضًا بذم المنافقين فإنهم كانوا إذا خرجوا في جيش المسلمين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يكادون يعملون شيئًا يلحقهم فيه لوم من جهتهم، وفي تنكير لومة ولائم مبالغة لا تخفى, لأن اللومة المرة من اللوم. ومنها: دفع الإيهام في قوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ لأنه لما قال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أوهم أنهم أذلاء محقرون مهانون، فدفع ذلك الإيهام بقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: متغلبين عليهم. ومنها: الوصف بالجملة الفعلية في جانب المحبة في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ لإفادة التجدد والحدوث, لأن الفعل يدل عليهما، وهو مناسب بالمقام, لأن

стр. 3185

محبتهم لله تعالى تجدد طاعته وعبادته كل وقت، ومحبة الله إياهم تجدد ثوابه وإنعامه عليهم كل وقت. ومنها: الوصف بالاسم الدال على المبالغة في جانب التواضع للمؤمنين والغلظة على الكافرين دلالة على ثبوت ذلك واستقراره، فإنه عريق فيهم. ومنها التهييج في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ومنها: تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس في قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ ...﴾ إلخ فقد جعلوا التمسك بالإيمان موجبًا للإنكار والنقمة، مع أن الأمر بالعكس. ومنها: الاستفهام التهكمي في: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ وفي قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ حيث استعملت المثوبة في العقوبة. ومنها: المشاكلة في قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ لأنه في مشاكلة قولهم: لا نعلم دينًا شرًّا من دينكم. ومنها: التخضيض والتوبيخ في قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾؛ لأنَّه تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك، وتوبيخ لهم على تركهم النهي, لأن لولا إذا دخلت على الماض أفادت التوبيخ، وإذا دخلت على المستقبل أفادت التحضيض كما ذكره "البيضاوي". والله أعلم * * *

стр. 3186

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما ذكر في الآيات السالفة بعض مخازيهم من مسارعتهم في الإثم والعدوان، وأكل السحت إلى نحو أولئك مما اختلت به نظم المجتمع في الأفراد والجماعات، فأصبحوا قومًا أنانيين، همة كل واحد منهم جمع المال واكتسابه على أي صورة كان، وبأي وجه جمع، وقد أثر هذا في أخلاقهم وأعمالهم أشد الأثر كما تشهد بذلك كتب دينهم .. ذكر هنا أفظع مخازيهم، وأقبحها بجرأتهم على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته وإنكارهم جميع أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم جرمهم، توبيخًا لهم وتعريفًا

стр. 3187

لنبيه ﷺ قديم جهلهم، واحتجاجًا له بأنه مبعوث ورسول إذ أخبر بخفي علومهم، ومكنون أخبارهم التي لا يعلمها إلا أحبارهم دون غيرهم من اليهود. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. الآية. وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عنه قال: نزلت آية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: في فنحاص رأس يهود بني قينقاع. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعًا، وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني" فأنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ قال: كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي؟ فنزلت: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. أخرج الحاكم والترمذي عن عائشة ﵁ قالت: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج رأسه من القبة فقال: "يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله". وأخرج الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه فلما نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فترك الحرس, وأخرج أيضًا عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله ﷺ بالليل حتى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فترك الحرس. وأخرج ابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا إذا أصبحنا ورسول الله ﷺ في سفر .. تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت الشجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه وقال: يا محمَّد من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ : "الله يمنعني منك، ضع السيف"، فوضعه

стр. 3188

فنزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: لما غزا رسول الله ﷺ بني أنمار .. نزل ذات الرقيع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد أدلى رجليه فقال الوارث من بني النجار: لأقتلن محمدًا، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطني سيفك، فإذا أعطانيه .. قتلته، فأتاه فقال له: يا محمَّد أعطني سفيك، فأعطاه إياه فرعدت يده، فقال رسول الله ﷺ : "حال الله بينك وبيني ما تريد" فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ...﴾ الآية، روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رافع وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف، فقالوا: يا محمَّد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا؟ قال: "بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم بما فيها، وكتمتم ما أمرتم أن تبينوه للناس" قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا فأعنا على الهدى والحق، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ٦٤ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ أي: مقبوضة عن العطاء، بخيلة عن أن تنفق. واليد (١) عند العرب تطلق على الجارحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخُذ بِيَدِكَ ضِغثًا﴾ وعلى النعمة، ومنه قولهم كم يد لي عند فلان، وعلى القدرة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ وعلى التأييد ومنه قوله ﷺ : "يد الله مع القاضي حين يقضي"، وتطلق على معانٍ أخر. وهذه الآية على طريق التمثيل كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ والعرب تطلق غل اليد على البخل، وبسطها على الجود مجازًا ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف ومنه قول الشاعر: كَانَتْ خُرَاسَانُ أرْضًا إِذْ يَزِيْدُ بِهَا ... وَكُلُّ بَابٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ مَفْتُوْحُ

стр. 3189

فَاسْتَبْدَلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أناملُهُ ... كَأنَّمَا وَجْهُهُ بِالْخَلِّ مَنْضُوْحُ فمراد اليهود بقولهم هذا عليهم لعائن الله تعالى: إن الله بخيل، قال ابن عباس وعكرمة والضحاك: إن الله تعالى قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالًا، فلما بعث الله محمدًا ﷺ وكذبوا به، ضيق الله عليهم المعيشة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة. وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال النباش بن قيس: يد الله مغلولة؛ أي: قال (١) هذا الكلام بعض منهم ونسبه إلى الأمة بناء على التكافل العام بين أفرادها، وكونها كالشخص الواحد، وأن الناس في كل زمان يعزون إلى الأمة ما يسمعون من بعض أفرادها، وقد جرت سنة القرآن أن ينسب إلى المتأخرين ما قال أو فعله سلفهم منذ قرون. ولا عجب في صدور هذا القول من بعض الأشخاص منهم، فإنا نرى من المسلمين في عصرنا هذا مثله في الشكوى من الله والاعتراض عليه عند الضيق، وفي إبان المصائب، فأجاب الله ودعا عليهم بالبخل والطرد من رحمته فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: ربطت أيديهم إلى الأعناق بالأغلال بالأسر في الدنيا وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم ﴿وَلُعِنُوا﴾؛ أي: وطردوا من رحمة الله تعالى وعذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار (بـ) سبب (ما قالوا)؛ أي: بسبب قولهم يد الله مغلولة. أو المعنى (٢): أمسكت أيديهم عن كل خير وطردوا عن رحمة الله تعالى. قال الزجاج: رد الله عليهم فقال: أنا الجواد الكريم وهم البخلاء، وأيديهم هي المغلولة الممسوكة، وقيل: هذا دعاء على اليهود علمنا الله كيف ندعوا عليهم فقال: غلت أيديهم؛ أي: في نار جهنم، فعلى هذا هو من الغل حقيقة؛ أي: شدت أيديهم إلى أعناقهم، وطرحوا في النار جزاء لهم على هذا القول، ومعنى لعنوا بما قالوا عذبوا بسبب ما قالوا، فمن لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة وخنازير، وضربت عليهم الذلة والمسكنة والجزية، وفي الآخرة لهم عذاب النار.

стр. 3190

وعبارة المراغي هنا ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ هذا دعاء عليهم بالبخل وانقباض الأيدي عن العطاء، والإمساك عن الإنفاق في سبيل البر والخير، وما زالوا أبخل الأمم، فلا يكاد أحد منهم يبذل شيئًا إلا إذا كان يرى أن له من وراثه ربحًا، كما دعا عليهم بالطرد، والبعد من رحمته، وعنايته الخاصة بعباده المؤمنين. ثم رد الله عليهم ما قالوه، وأثبت لنفسه غاية الجود وسعة العطاء، وأن كل ما في العالم من خير هو سجل من ذلك الجود فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾ ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ لا مقبوضتان ﴿يُنْفِقُ﴾ ويعطي ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ويريد من بسط وتضييق لمن يشاء؛ أي: بل هو الجواد المتصرف وفق حكمته وسننه في الاجتماع وتقتير الرزق على بعض العباد، لا ينافي سعة الجود وسريانه في كل الوجود، فإن له سبحانه الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق بحسب السنن التي أقام بها نظام الخلق، فإن شاء وسع وإن شاء قتر، فهو الباسط القابض، فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة، لا لشيء آخر، فإن خزائن ملكه لا تفنى ومواد جوده لا تتناهى، وعبر عن سعة الجود ببسط اليدين, لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء جهد استطاعته يعطي بكلتا يديه، كما قال الأعشى يمدح جوادًا: يَدَاكَ يَدَا جُوْدٍ فَكَفٌّ مُفِيْدَةٌ ... وَكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بالزَّاد تُنْفِقُ وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الرد عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء، فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد الواحدة، وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدرة يقتضيها المقام، والتقدير: ليس الأمر على ما وصفتموه تعالى به من البخل، بل هو تعالى جواد كريم على سبيل الكمال، فإن من أعطى بيديه من الإنسان فقد أعطى على أكمل الوجوه، فتثنية اليد مبالغة في الوصف بالجود.
следующие страницы →