قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما ذكر في الآيات السالفة بعض مخازيهم من مسارعتهم في الإثم والعدوان، وأكل السحت إلى نحو أولئك مما اختلت به نظم المجتمع في الأفراد والجماعات، فأصبحوا قومًا أنانيين، همة كل واحد منهم جمع المال واكتسابه على أي صورة كان، وبأي وجه جمع، وقد أثر هذا في أخلاقهم وأعمالهم أشد الأثر كما تشهد بذلك كتب دينهم .. ذكر هنا أفظع مخازيهم، وأقبحها بجرأتهم على ربهم، ووصفهم إياه بما ليس من صفته وإنكارهم جميع أياديه عندهم، وكثرة صفحه عنهم وعفوه عن عظيم جرمهم، توبيخًا لهم وتعريفًا
стр. 3187
لنبيه ﷺ قديم جهلهم، واحتجاجًا له بأنه مبعوث ورسول إذ أخبر بخفي علومهم، ومكنون أخبارهم التي لا يعلمها إلا أحبارهم دون غيرهم من اليهود.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. الآية. وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عنه قال: نزلت آية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: في فنحاص رأس يهود بني قينقاع.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعًا، وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني" فأنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ قال: كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي؟ فنزلت: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾. أخرج الحاكم والترمذي عن عائشة ﵁ قالت: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج رأسه من القبة فقال: "يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله". وأخرج الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال: كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه فلما نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فترك الحرس, وأخرج أيضًا عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله ﷺ بالليل حتى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فترك الحرس.
وأخرج ابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا إذا أصبحنا ورسول الله ﷺ في سفر .. تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت الشجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه وقال: يا محمَّد من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ : "الله يمنعني منك، ضع السيف"، فوضعه
стр. 3188
فنزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: لما غزا رسول الله ﷺ بني أنمار .. نزل ذات الرقيع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد أدلى رجليه فقال الوارث من بني النجار: لأقتلن محمدًا، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطني سيفك، فإذا أعطانيه .. قتلته، فأتاه فقال له: يا محمَّد أعطني سفيك، فأعطاه إياه فرعدت يده، فقال رسول الله ﷺ : "حال الله بينك وبيني ما تريد" فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ...﴾ الآية، روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رافع وسلام بن مشكم ومالك بن الصيف، فقالوا: يا محمَّد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا؟ قال: "بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم بما فيها، وكتمتم ما أمرتم أن تبينوه للناس" قالوا: فإنا نأخذ بما في أيدينا فأعنا على الهدى والحق، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٦٤ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ أي: مقبوضة عن العطاء، بخيلة عن أن تنفق. واليد (١) عند العرب تطلق على الجارحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخُذ بِيَدِكَ ضِغثًا﴾ وعلى النعمة، ومنه قولهم كم يد لي عند فلان، وعلى القدرة، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ وعلى التأييد ومنه قوله ﷺ : "يد الله مع القاضي حين يقضي"، وتطلق على معانٍ أخر. وهذه الآية على طريق التمثيل كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ والعرب تطلق غل اليد على البخل، وبسطها على الجود مجازًا ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف ومنه قول الشاعر:
كَانَتْ خُرَاسَانُ أرْضًا إِذْ يَزِيْدُ بِهَا ... وَكُلُّ بَابٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ مَفْتُوْحُ
стр. 3189
فَاسْتَبْدَلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أناملُهُ ... كَأنَّمَا وَجْهُهُ بِالْخَلِّ مَنْضُوْحُ
فمراد اليهود بقولهم هذا عليهم لعائن الله تعالى: إن الله بخيل، قال ابن عباس وعكرمة والضحاك: إن الله تعالى قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالًا، فلما بعث الله محمدًا ﷺ وكذبوا به، ضيق الله عليهم المعيشة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة. وأخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال النباش بن قيس: يد الله مغلولة؛ أي: قال (١) هذا الكلام بعض منهم ونسبه إلى الأمة بناء على التكافل العام بين أفرادها، وكونها كالشخص الواحد، وأن الناس في كل زمان يعزون إلى الأمة ما يسمعون من بعض أفرادها، وقد جرت سنة القرآن أن ينسب إلى المتأخرين ما قال أو فعله سلفهم منذ قرون. ولا عجب في صدور هذا القول من بعض الأشخاص منهم، فإنا نرى من المسلمين في عصرنا هذا مثله في الشكوى من الله والاعتراض عليه عند الضيق، وفي إبان المصائب، فأجاب الله ودعا عليهم بالبخل والطرد من رحمته فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: ربطت أيديهم إلى الأعناق بالأغلال بالأسر في الدنيا وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم ﴿وَلُعِنُوا﴾؛ أي: وطردوا من رحمة الله تعالى وعذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار (بـ) سبب (ما قالوا)؛ أي: بسبب قولهم يد الله مغلولة. أو المعنى (٢): أمسكت أيديهم عن كل خير وطردوا عن رحمة الله تعالى. قال الزجاج: رد الله عليهم فقال: أنا الجواد الكريم وهم البخلاء، وأيديهم هي المغلولة الممسوكة، وقيل: هذا دعاء على اليهود علمنا الله كيف ندعوا عليهم فقال: غلت أيديهم؛ أي: في نار جهنم، فعلى هذا هو من الغل حقيقة؛ أي: شدت أيديهم إلى أعناقهم، وطرحوا في النار جزاء لهم على هذا القول، ومعنى لعنوا بما قالوا عذبوا بسبب ما قالوا، فمن لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة وخنازير، وضربت عليهم الذلة والمسكنة والجزية، وفي الآخرة لهم عذاب النار.
стр. 3190
وعبارة المراغي هنا ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ هذا دعاء عليهم بالبخل وانقباض الأيدي عن العطاء، والإمساك عن الإنفاق في سبيل البر والخير، وما زالوا أبخل الأمم، فلا يكاد أحد منهم يبذل شيئًا إلا إذا كان يرى أن له من وراثه ربحًا، كما دعا عليهم بالطرد، والبعد من رحمته، وعنايته الخاصة بعباده المؤمنين.
ثم رد الله عليهم ما قالوه، وأثبت لنفسه غاية الجود وسعة العطاء، وأن كل ما في العالم من خير هو سجل من ذلك الجود فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾ ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ لا مقبوضتان ﴿يُنْفِقُ﴾ ويعطي ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ويريد من بسط وتضييق لمن يشاء؛ أي: بل هو الجواد المتصرف وفق حكمته وسننه في الاجتماع وتقتير الرزق على بعض العباد، لا ينافي سعة الجود وسريانه في كل الوجود، فإن له سبحانه الإرادة والمشيئة في تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق بحسب السنن التي أقام بها نظام الخلق، فإن شاء وسع وإن شاء قتر، فهو الباسط القابض، فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة، لا لشيء آخر، فإن خزائن ملكه لا تفنى ومواد جوده لا تتناهى، وعبر عن سعة الجود ببسط اليدين, لأن الجواد السخي إذا أراد أن يبالغ في العطاء جهد استطاعته يعطي بكلتا يديه، كما قال الأعشى يمدح جوادًا:
يَدَاكَ يَدَا جُوْدٍ فَكَفٌّ مُفِيْدَةٌ ... وَكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بالزَّاد تُنْفِقُ
وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الرد عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء، فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد الواحدة، وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدرة يقتضيها المقام، والتقدير: ليس الأمر على ما وصفتموه تعالى به من البخل، بل هو تعالى جواد كريم على سبيل الكمال، فإن من أعطى بيديه من الإنسان فقد أعطى على أكمل الوجوه، فتثنية اليد مبالغة في الوصف بالجود.
стр. 3191
فصل: في يد الله
وأما الكلام في اليد: فقد اختلف العلماء في معناها على قولين: أحدهما: وهو مذهب جمهور السلف وعلماء أهل السنة وبعض المتكلمين وهو الذي نلقى عليه الرب ﷻ ، أن يد الله صفة من صفات ذاته، كالسمع والبصر والوجه، فيجب علينا الإيمان بها، والإذعان والتسليم بها، ونمرها كما جاءت في الكتاب والسنة، بلا كيف ولا تشبيه، ولا تعطيل. قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقال النبي ﷺ :"إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين".
والقول الثاني: قول أهل التأويل، فإنهم قالوا: اليد تذكر في اللغة على وجوه:
١ - الجارحة وهي معلومة.
٢ - النعمة، يقال: لفلان عندي يد أشكره عليها.
٣ - القدرة، قال الله تعالى: ﴿أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ فسروه بذوي القوى والعقول، ويقال: لا يد لك بهذا الأمر، والمعنى: سلب كمال القدرة.
٤ - الملك يقال: هذه الضيعة في يد فلان؛ أي: في ملكه، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾؛ أي: يملك ذلك، أما الجارحة .. فمنتفية في صفة الله , لأن العقل دل على أنه يمتنع أن تكون يد الله عبارة عن جسم مخصوص وعضو مركب من الأجزاء والأبعاض، تعالى الله عن الجسمية والكيفية والتشبيه علوًّا كبيرًا، فامتنع بذلك أن تكون يد الله بمعنى الجارحة، وأما سائر المعاني التي فسرت بها اليد .. فحاصلة, لأن أكثر العلماء من المتكلمين زعموا أن اليد في حق الله عبارة عن القدرة، وعن الملك، وعن النعمة، وهاهنا إشكالان:
أحدهما: أن اليد إذا فسرت بمعنى القدرة .. فقدرة الله واحدة، ونص القرآن وكذا الحديث السابق آنفًا ناطق بإثبات اليدين للرحمن في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.
стр. 3192
والإشكال الثاني: أن اليد إذا فسرت بالنعمة فنص القرآن ناطق بتثنية اليد، ونعم الله تعالى غير محصورة ولا معدودة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. وأيضًا أن الله تعالى أخبر أنه خلق آدم بيديه، ولو كان معنى خلقه لآدم بيديه وخلقه بقدرته أو بنعمته أو بملكه لم يكن لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم, لأن جميع خلقه مخلوقون بقدرته، وجميعهم في ملكه ومتقلبون في نعمه، فلما خص الله آدم ﵇ بقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ دون خلقه .. علم بذلك اختصاصه وتشريفه على غيره.
ونقل الإِمام الفخر الرازي عن أبي الحسن الأشعري قولًا: إن اليد صفة قائمة بذات الله تعالى، وهي صفة سوى القدرة، من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء، قال: والذي يدل عليه أنه تعالى جعل وقوع خلق آدم بيديه على سبيل الكرامة لآدم، واصطفائه له، فلو كانت اليد عبارة عن القدرة .. امتنع كون آدم مصطفى بذلك, لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات، فلا بدّ من إثبات صفة أخرى وراء القدرة، يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الاصطفاء، هذا آخر كلامه، فثبت بهذا البيان قول من قال: إن اليد صفة ثابتة لله تعالى، تليق بجلاله وأنها ليست بجارحة كما تقول المجسمة تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا، ولا بقدرة ولا نعمة ولا ملك كما يقول المؤولون والله أعلم بكنه ذاته وصفاته ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾؛ يعني: أنه تعالى يرزق كما يريد ويختار، فيوسع على من يشاء، ويقتر على من يشاء، لا اعتراض عليه في ملكه، ولا فيما يفعله، وهذا تأكيد للوصف بالسخاء، وأنه لا ينفق إلا على ما تقتضيه مشيئته، ولا موضع لقوله ﴿يُنْفِقُ﴾ من الإعراب، إذ هي جملة مستأنفة كما سيأتي في مبحث الإعراب. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله ﵎: أنفق أنفق عليك" وقال: "يد الله ملأى لا تفيضها نفقة سخاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنَّه لم ينقص ما بيده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان, يرفع ويخفض"، متفق عليه. وهذا الحديث أيضًا أحد أحاديث الصفات فيجب الإيمان به، وإمراره كما جاء من غير تشبيه ولا تكييف ولا تعطيل.
стр. 3193
وقرأ أبو السمال بسكون العين في قوله (١): ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ كما قال في عصر عصرون، وقال الشاعر:
لَوْ عَصرْنَا مِنْهُ البَا ... نَ وَالْمِسْكَ انْعَصَرْ
ويحسن هذه القراءة أنها كسرة بين ضمتين، فحسن التخفيف، وقرأ عبد الله: (بسيطتان)، يقال: يد بسيطة مطلقة بالمعروف، وفي مصحف عبد الله: (بسطان). يقال: يده بسط بالمعروف، وهو على فعل، كما تقول ناقة صرح، ومشيه سجح.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي ليزيدن كثيرًا من اليهود والنصارى ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من القرآن المشتمل على هذه الأحكام الحسنة ﴿طُغْيَانًا﴾؛ أي: تماديًا على الطغيان والضلال ﴿وَكُفْرًا﴾؛ أي: ثباتًا على الكفر والشرك، والمراد بالكثير منهم علماؤهم ورؤوساؤهم، وإنما قيد بالكثير لأن منهم من آمن، ومن لا يزداد إلا طغيانًا، وهذا الإعلام بالرسول ﷺ بفرط عتوهم؛ أي: ليزيدن طغيانًا إلى طغيانهم، وكفرًا إلى كفرهم بما يسمعون من القرآن، كما يزداد المريض مرضًا من تناول الغذاء الصالح للأصحاء,؛ لأنهم كلما نزلت آية من القرآن كفروا بها، فازدادوا شدة في كفرهم وطغيانًا مع طغيانهم.
والمعنى (٢): أنَّ هذا الذي أنزلناه عليك أيها النبي من خفي أمور هؤلاء اليهود المعاصرين لك، ومن أحوال سلفهم وشؤون كتبهم وحقائق تاريخهم، هو من أعظم الأدلة على نبوتك، وكان ينبغي أن يجذبهم إلى الإيمان بك، إذ لولا النبوة والوحي ما علمت من هذا شيئًا، فلا تعرف الماضي لأنك أمي لم تقرأ الكتب، ولا تعرف الحاضر من مكرهم الخفي وكيدهم السري، لكنهم لطغيانهم وتجاوزهم الحدود في الكفر والحسد للعرب لم يجذبهم ذلك الإيمان, ولم يقربه إلا قليلًا منهم، ووالله ليزيدن ذلك كثيرًا منهم طغيانًا في بغضك، وعدواتك، وكفرًا بما جئت به.
وقال قتادة: حملهم حسد محمَّد ﷺ والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا
стр. 3194
بمحمد ودينه. ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾؛ أي: ألقينا وأوقعنا بين اليهود والنصارى، أو بين كل فريق من اليهود والنصارى ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾؛ أي: الشحناء. قال أبو حيان: العداوة أخص من البغضاء, لأن كل عدو مبغض، وقد يبغض من ليس بعدو، انتهى
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فهي لا تنقطع أبدًا واليهود مع كونهم المديرين لأعظم الأعمال المالية، ولهم النفوذ والتأثير في السياسة وسائر شؤون الاجتماع، مبغوضون لجماهير النصارى، وقيل: ألقى ذلك بين طوائف اليهود، فجعلهم مختلفين في دينهم متعادين متباغضين إلى يوم القيامة، فكل فرقة من اليهود تخالف الأخرى فلا يكاد تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أَقوالهم، فإن اليهود فرق، فإن بعضهم جبرية، وبعضهم قدرية، وبعضهم مرجئة، وبعضهم مشبهة، وكذا النصارى فرق، كالملكانية، والنسطورية، واليعقوبية، والماردانية.
فإن قلت: فهذا (١) المعنى أيضًا حاصل بين فرق المسلمين فكيف يكون ذلك عيبًا على اليهود والنصارى حتى يذموا به؟.
قلت: هذه البدع التي حصلت في المسلمين إنما حدثت بعد عصر النبي ﷺ وعصر الصحابة والتابعين. أما في الصدر الأول فلم يكن شيء من ذلك حاصلًا بينهم، فحسن جعل ذلك عيبًا على اليهود والنصارى في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن على رسول الله ﷺ .
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا﴾ وأشعلوا ﴿نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ وأخمدها ؛ أي: كلما هموا بالكيد للرسول والمؤمنين الصادقين .. خذلهم الله تعالى، وهم إما يخيبوا في سعيهم، ولا يتم لهم ما أرادوا من الإغراء والتحريض، وإما أن ينصر الله رسوله والمؤمنين.
يعني كلما (٢) أفسد اليهود وخالفوا حكم الله .. يبعث الله عليهم من يهلكهم، أفسدوا أولًا فبعث الله عليهم بختنصر البابلي، ثم أفسدوا فبعث الله
стр. 3195
طيطوس الرومي، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس وهم الفرس، ثم أفسدوا وقالوا: يد الله مغلولة، فبعث الله عليهم المسلمين، فلا تزال اليهود في ذلة أبدًا. وقال مجاهد: معنى الآية كلما مكروا مكرًا في حرب محمَّد ﷺ .. أطفأه الله تعالى. وقال السدي: كلما أجمعوا أمرهم على شيء ليفسدوا به أمر محمَّد ﷺ .. فرقه الله تعالى، وكلما أوقدوا نارًا في حرب محمَّد ﷺ أطفأ الله وأخمد نارهم، وقذف في قلوبهم الرعب، وقهرهم ونصر نبيه ودينه. وقيل: المراد بالنار هنا الغضب؛ أي: كلما أثاروا في أنفسهم غضبًا أطفأه الله بما جعله من الرعب في صدورهم، والذلة والمسكنة المضروبتين عليهم. والمعروف (١) في كتب السير أن اليهود كانوا يغرون المشركين بالنبي ﷺ والمؤمنين، ومنهم من سعى لتحريض الروم على غزوهم، ومنهم من كان يؤوي أعداءهم ويساعدهم، ككعب بن الأشرف، وما سبب ذلك إلا الحسدُ والعصبية، وخوف الأحبار والرهبان من إزالة الإِسلام، لامتيازاتهم العلمية والدينية التي كانوا معروفين بها في بلاد الحجاز، فكانت عداوتهم للمسلمين عداوة سياسية جنسية ليست من طبيعة الدين ولا روحه، والدليل على ذلك: أن اليهود كان لهم ضلع بعد ذلك مع المسلمين في الشام والأندلس، لما رأوا من عدلهم وإزالة الجور والظلم الذي كان عليه الروم والقُوطُ.
وكذلك عداوة النصارى للمسلمين كانت سياسية، وكانت على أشدها بينهم وبين الروم المستعمرين للبلاد المجاورة للحجاز، كالشام ومصر، وكان نصارى البلاد أقرب ميلًا إلى المسلمين بعد أن وثقوا بعدلهم، وزال عنهم ظلم الروم، مع كونهم من أهل دينهم، وقد جرت العادة أن الناس يتبعون في العداوة أو المودة ما تمليه عليهم منافعهم ومصالحهم ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾؛ أي: سعي فساد؛ أي: يجتهدون ويفعلون في الأرض فعل فساد؛ أي: يجتهدون في الكيد والمكر للإسلام وأهله، وإثارة الفتنة بينهم وفي تعويق الناس عن محمَّد ﷺ وليس يقدرون على غير ذلك؛ أي: إن ما يأتونه من عداوة النبي ﷺ والمؤمنين وإيقاد الفتن والحروب، لم يكن بقصد الإصلاح للأخلاق وشؤون العمران والاجتماع، بل
стр. 3196
كانوا يقصدون السعي في الأرض للفساد، ويحاولون الكيد للمؤمنين، ومنع اجتماع كلمة العرب، ويودون أن لا يخرجوا من الأمية إلى العلم والعرفان، ولا من الوثنية إلى التوحيد حسدًا لهم، وحبًّا في دوام امتيازهم عنهم ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ في الأرض بل يبغضهم ويعاقبهم، ومن ثم لا ينجح سعيهم ولا يصلح عملهم لأنهم يريدون أن يبطلوا حكمته تعالى في صلاح الناس وعمران البلاد.
ومن ثم أبطل كل ما كاده أولئك القوم للنبي ﷺ والعرب والإِسلام، وأصلح بالإِسلام ما كانوا خربوه من البلاد، ونصر المسلمين على كل من ناوأهم، وكذلك هم تركوا التوراة والإنجيل، وهما قد أنزلا لهداية الناس إلى الصلاح والإصلاح، فزال ملكهم وسلط الله عليهم غيرهم. قال قتادة: لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس فيها،
٦٥ - وهم أبغض خلق الله إليه ثم ندمهم على سوء أعمالهم فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى ﴿آمَنُوا﴾ باللهِ وبرسوله محمَّد ﷺ وبما جاء به ﴿وَاتَّقَوْا﴾ ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم، أو اجتنبوا من اليهودية والنصرانية ﴿لَكَفَّرْنَا﴾ وسترنا ﴿عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ وذنوبهم التي اقترفوها وعملوها قبل الإِسلام، ومحوناها عنهم ولم نفضحهم بها, لأن الإِسلام يجب ما قبله، ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾؛ أي: ولأدخلناهم مع سائر المسلمين في الآخرة بساتين يتنعمون بها مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فالكتابي لا يدخل الجنة ولا يرفع عنه العقاب ما لم يسلم، والإِسلام يجبّ ما قبله كما مرّ آنفًا.
وفي ذلك إعلام (١) من الله بعظم معاصي اليهود والنصارى، وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمته، وفتحه باب التوبة لكل عاصٍ، وإن عظمت معاصيه، وبلغت مبلغ سيئات اليهود والنصارى، وإخبارها بأن الإيمان لا ينجي إلا إذا شفع وقرن بالتقوى، ومن ثم قال الحسن: هذا العمود فأين الأطناب.
٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾؛ أي: أن أهل الكتاب ﴿أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ يعني (٢): أقاموا أحكامهما، بإذاعة ما فيهما وعملوا بما فيهما من الوفاء بالعهود، والتصديق
стр. 3197
بمحمد ﷺ , لأن نعته وصفته موجودان فيهما، فإن قلت: كيف يأمر أهل الكتاب بإقامة التوراة والإنجيل مع أنهما نسخًا وبدلًا؟
قلت: إنما أمرهم الله تعالى بإقامة ما فيهما من الإيمان بمحمد ﷺ واتباع شريعته، وهذا غير منسوخ .. لأنه موافق لما في القرآن؛ أي: ولو أنهم أقاموا ما في التوراة والإنجيل المنزلين بنور التوحيد المبشرين بالنبي، الذي يأتي من أبناء إسماعيل، والذي قال فيه عيسى ﵇: إنه روح الحق الذي يعلمهم كل شيء (و) أقاموا (ما أنزل إليهم من ربهم) على هذا النبي الكريم الذي بشرت به كتبهم، وقيل المراد (١) به: كتب أنبيائهم القديمة، مثل كتاب شعياء وكتاب أرمياء، وزبور داود، وفي هذه الكتب أيضًا ذكر محمَّد ﷺ ، فيكون المراد بإقامة هذه الكتب الإيمان بمحمد ﷺ ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾؛ أي: لوسع الله عليهم رزقهم، ولأعطتهم السماء مطرها وبركتها، والأرض نباتها وخيرها، كما قال تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وهذه الجملة كناية عن المبالغة في السعة والخصب لا أن هناك فوقًا وتحتًا. والمعنى: لأكلوا أكلًا متصلًا كثيرًا، قيل هذا في أهل الكتاب القائلين يد الله مغلولة، الذين ضيق عليهم عقوبة لهم، فلا يرد كون كثير من المتقين العاملين في غاية الضيق، فالتوسع والتضييق ليسا من الإكرام والإهانة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ إلى قوله: ﴿كَلَّا﴾؛ أي: إن الله يجعل ضيق الرزق كسعته نعمة في بعض عباده، ونقمة على آخرين، فلا يلزم من توسيع الرزق الإكرام، ولا من تضييقه الإهانة، اهـ كرخي. وفي هذا تنبيه إلى ما أصابهم من الضنك والضيق إنما هو من شؤم جناياتهم لا من قصور من فيض الله وعظيم عطائه، وإشارة إلى أنهم لو أقاموهما ما عاندوا النبي ذلك العناد، فالدين عندهم إنَّما كان أماني يتمنونها، وبدعًا وتقاليد يتوارثونها، فهم بين غلوّ وتقصير، وإفراط وتفريط، ثم ذكر أنهم ليسوا سواسية في أفعالهم وأقوالهم فقال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾؛ أي: من أهل الكتاب جماعة مستقيمة معتدلة في أمر دينها والعمل به من غير غلو ولا تقصير،
стр. 3198
لا تفرط ولا تهمل، وأصله من القصد, لأنَّ من عرف مقصودًا طلبه من غير اعوجاج عنه. وهذه الجملة واقعة في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: هل جميعهم متصفون بالأوصاف السابقة أو البعض منهم دون البعض؟ ذكره الشوكاني. والمراد بالأمة المقتصدة من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه من اليهود، والنجاشي وأصحابه من النصارى وسلمان وأصحابه ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أهل الكتاب الذين أقاموا على كفرهم، مثل كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وأبي ياسر وسائر رؤوساء اليهود ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بئس ما يعملونه من إقامتهم على كفرهم، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم! وهو المعاندة وتحريف الحق، والإعراض عنه والإفراط في العداوة وكتمان صفة محمَّد ﷺ ، واجتراح المعاصي ويزعم النصارى منهم أن المسيح ابن الله ويكذبون بمحمد ﷺ ، ويكذب اليهود بعيسى وبمحمد ﷺ ، وعلى عيسى وسائر الأنبياء والمرسلين.
والمعتدلون لا تخلو منهم أمة، لكنهم يكثرون من طور صلاح الأمة وارتقائها، ويقلون في طور فسادها وانحلالها, ولا تهلك الأمم إلا بكثرة من يعمل السوء من أشرارها، وقلة من يعمل الصالحات من أخيارها، وهؤلاء المعتدلون هم السابقون إلى كل صلاح وإصلاح يقوم به المجددون من الأنبياء في مختلف العصور، ومن ثم قبل هذا الدين الجديد هؤلاء المقتصدون من أهل الكتاب ومن غيرهم، فكانوا مع إخوانهم العرب من المجددين للتوحيد والفضائل والآداب والمحبين للعلوم والفنون.
روى ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير أن رسول الله ﷺ قال: "يوشك أن يرفع العلم" قلت: كيف وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبنائنا؟ فقال: "ثكلتك أمك يا ابن نفير إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة أو ليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى ذلك عنهم حين تركوا أمر الله ثم قرأ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية".
وأخرج أحمد وابن ماجه عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي ﷺ شيئًا فقال: "وذلك عند ذهاب العلم" قلنا: يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن
стр. 3199
ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبنائهم إلى يوم القيامة؟ قال: "ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة أوليست هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء".
ومغزى هذا: أن العبرة في الأديان هو العمل بها، والاهتداء بهديها، وقد كان أهل الكتاب في ذلك العصر أبعد ما كانوا عن هداية دينهم مع شدة عصبيتهم الجنسية له، كما هو شأن المسلمين اليوم. وهذه الشهادة لبعض أهل الكتاب بالقصد والاعتدال لها نظائر في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾. وقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ الآية.
٦٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ الكريم والنبي الحليم محمد ﷺ ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: أوصل إلى الخلق جميع ما أنزل إليك ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: من مالك أمرك ومبلغك إلى كمالك مجاهرًا به، ولا تخش في ذلك أحدًا، ولا أن ينالك من ذلك مكروه أبدًا، ولا تترك شيئًا مما أنزل إليك من ربك ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾؛ أي: وإن لم تفعل ما أمرت به من تبليغ جميع ما أنزل إليك، بأن أخفيت شيئًا من ذلك في وقت من الأوقات أو كتمته، ولو إلى حين خوفًا من الأذى بالقول أو بالفعل ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾؛ أي: رسالة ربك؛ أي: فحسبك جرمًا أنك ما بلغت الرسالة ولا قمت بما بعثت لأجله وهو تبليغ الناس ما أنزل إليهم من ربهم كما قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾. قال ابن عباس (١) رضي الله تعالى عنهما: يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك .. لم تبلغ رسالتي، يعني أنه ﷺ لو ترك إبلاغ البعض .. كان كمن لم يبلغ شيئًا مما أنزل الله إليه، وحاشا رسول الله ﷺ أن يكتم شيئًا مما أوحي إليه. روى مسروق عن عائشة ﵂. قالت: من حدثك أن رسول الله ﷺ كتم شيئًا مما أنزل إليه .. فقد كذب ثم قرأت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ أخرجاه في
стр. 3200
"الصحيحين" بزيادة فيه. وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر (رسالاته) على الجمع، وقرأ باقي السبعة على التوحيد. والحكمة (١) في التصريح بالأمر بالتبليغ وتأكيده بجعل كتمان بعضه كتمان كله، مع العلم بأن الرسل صلوات الله عليهم معصومون من كتمان شيء مما أمرهم الله بتبليغه، وإلا بطلت حكمة الرسالة بعدم ثقة الناس بالتبليغ، الحكمة في ذلك بالنظر إلى الرسول ﷺ ، إعلامه بأن التبليغ حتم لا يجوز كتمانه على أي حال بتأخير شيء عن وقته على سبيل الاجتهاد، ولولا هذا النص .. لكان للرسول أن يجتهد بتأخير بعض الوحي إلى أن يقوى استعداد الناس لقبوله، ولا يحملهم سماعه على رده وإيذاء الرسول لأجله. والحكمة بالنسبة إلى الناس أن يعرفوا هذه الحقيقة بالنص، فلا يعذروا إذا اختلفوا فيها باختلاف الرأي والفهم.
ومن هذا تعلم أن ما نقل من الأقوال والآراء من جواز كتمان بعض الوحي غير القرآن عن كل الناس أو عن جمهورهم، لا يتفق مع الدين في شيء ولا يعول على ما رووه من الأخبار الضعيفة والأحاديث الموضوعة في هذا الباب، والحق الذي لا شبهة فيه أن الرسول بلغ جميع ما أنزل إليه من القرآن وبينه، ولم يخص أحدًا بشيء من علم الدين، وأنَّه لا امتياز لأحد عن أحد في علم الدين إلا بفهم القرآن فهمًا يتوسل إليه بعلم السنة، وآثار علماء الصحابة والتابعين، وعلماء الأمصار في الصدر الأول، وبمعرفة مفردات اللغة العربية وأساليبها، ومعرفة علوم الكون، وشؤون البشر، وسنن الله في الخلق. روى ابن مردويه عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ أي آية من السماء أنزلت أشد عليك؟ فقال: "كنت بمنى أيام موسم، واجتمع مشركوا العرب وأفناء الناس في الموسم فنزل علي جبريل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ...﴾ الآية. قال: فقمت عند العقبة فقلت: أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالات ربي ولكم الجنة؟ أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله وأنا رسول إليكم تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة، قال ﷺ : فما بقي رجل ولا أمة ولا صبي إلا يرمون علي بالتراب
стр. 3201
والحجارة ويقولون: كذاب صابىء، فعرض علي عارض فقلت: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك"، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَعْصِمُكَ﴾؛ أي يحفظك يا محمَّد ﴿مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: من فتك الكفار وقتلهم إياك، فلا يصلون إليك. مأخوذ من عصام القربة وهو ما توكأ به؛ أي: يربط به فمها من سير جلد أو خيط. والمراد بالناس الكفار الذين يتضمن تبليغ الوحي بيان كفرهم وضلالهم وفساد عقائدهم وأعمالهم، والنعي عليهم وعلى سلفهم، وكان ذلك يغيظهم ويحملهم على إيذائه ﷺ بالقول أو بالفعل، وائتمروا به بعد موت أبي طالب وقرروا قتله في دار الندوة، ولكن الله عصمه منهم وكذلك فعل اليهود بعد الهجرة.
وإن قلت (١): أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته يوم أحد - وقد أوذي بضروب من الأذى - فكيف يجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؟.
قلت: المراد منه أنَّه يعصمه من القتل فلا يقدر عليه أحد أراده بالقتل، ويدل على صحة ذلك ما روي عن جابر أنَّه غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه، فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله ﷺ تحت الشجرة فعلق بها سيفه، ونمنا معه نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال: إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتًا فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله، ثلاثًا ولم يعاقبه وجلس. وفي رواية أخرى قال جابر: كنا مع رسول الله ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ ، فجاء رجل من المشركين - وسيف رسول الله ﷺ معلق بالشجرة - فاخترطه فقال: تخافني؟ فقال: "لا"، فقال: من يمنعك مني؟ قال: "الله"، فتهدده أصحاب رسول الله ﷺ . أخرجه الشيخان في "الصحيحين"، وزاد البخاري
стр. 3202
في رواية له إن اسم ذلك الرجل كورث بن الحارث.
وعن عائشة ﵂ قالت: سهر رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة فقال: "ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة"، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة السلاح، فقال: "من هذا"؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله ﷺ : "ما جاء بك"؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ ، فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام، متفق عليه.
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يحرس ليلًا حتى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبة، فقال: "أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله". أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب. وقيل (١): وفي الجواب عن هذا: إن هذه الآية نزلت بعد ما شجّ رأسه في يوم أحد, لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولًا. وقد وضعت هذه الآية - وهي مكية - في سياق تبليغ أهل الكتاب وهو مدني، لتدل على أن النبي ﷺ كان عرضةً لإيذائهم أيضًا، وأن الله تعالى عصمه من كيدهم، ولتذكر بما كان من إيذاء مشركي قومه من قبلهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: إن الله لا يهدي أولئك القوم الكافرين الذين هم بصدد إيذائك على التبليغ إلى ما يريدون، بل يكونون خائبين، وتتم كلمات الله تعالى حتى يكمل بها الدين. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن الله لا يرشد من كذبك وأعرض عنك. وقال ابن جرير الطبري معناه: أن الله لا يوفق للرشد من حاد عن سبيل الحق وجار عن قصد السبيل وجحد ما جئت به. وقال أبو حيان: معناه إنَّما عليك البلاغ لا الهداية، فمن قضيت عليه بالكفر والموافاة عليه .. لا يهتدي أبدًا، فيكون خاصًّا. قال ابن عطية: وإما على العموم، على أن لا هداية في الكفر ولا يهدي الله الكافر في سبيل كفره.
٦٨ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء اليهود والنصارى فيما تبلغهم عن ربك ﴿يَا أَهْلَ
стр. 3203
الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ يعتد به من أمر الدين، ولا ينفعكم الانتساب إلى موسى وعيسي والنبيين، وفيه تحقير وتقليل لما هم عليه ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ وتتبعوهما فيما دعيا إليه من التوحيد الخالص والعمل الصالح، وفيما بشرا به من بعثة النبي الذي يجيء من ولد إسماعيل، الذي سماه المسيح: روح الحق، وتعملوا بما فيهما من أوامر الله ونواهيه (و) حتى تقيموا (ما أنزل إليكم من ربكم) على لسان محمَّد ﷺ ، وهو القرآن المجيد، فهو الذي أكمل به دين الأنبياء والمرسلين بحسب سنن الله في الكون، فإن إقامة الكتابين لا تصح بدون إقامته ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أهل الكتاب أو جميع الكفار ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهو القرآن ﴿طُغْيَانًا﴾؛ أي: ضلالًا إلى ضلالهم، أو تماديًا في الجحود ﴿وَكُفْرًا﴾ إلى كفرهم، أو ثباتًا على الكفر، وتصدير هذه الجملة بالقسم لتأكيد مضمونها.
والمعنى: وعزتي وجلالي إن الكثير من أهل الكتاب لا يزيدهم القرآن الذي أكمل الله به الدين المنزل على محمَّد خاتم النبيين إلا غلوا في تكذيبهم، وكفرًا على كفرهم, لأنهم لم ينظروا فيه نظرة إنصاف، بل نظروا إليه بعين العصبية والعدوان، إذ كانوا على تقاليد وثنية، وأعمال وعادات سخيفة، فلم يكن لهم من الدين الذي يدينون به ما يقريهم إلى فهم حقيقة الإِسلام، ليعلموا أن دين الله واحد، وأن ما سبق بدء، وهذا إتمام، أما غير الكثير - وهم الذين حافظوا على التوحيد ولم تحجبهم عن نور الحق شتى التقاليد - فهم الذين ينظرون إلى القرآن بعين البصيرة، فيعلمون أنَّه الحق من ربهم، وأنَّ من أنزل عليه هو النبي المبشر في كتبهم، فيسارعون إلى الإيمان به بحسب حظهم من سلامة الوجدان، واطمئنان النفس بما لديها من العلم والعرفان ﴿فَلَا تَأسَ﴾ ولا تحزن يا محمَّد ﴿عَلَى﴾ عدم إيمان ﴿الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: دع عنك التأسف على هؤلاء، فإن ضرر ذلك راجع إليهم، ونازل بهم، وفي المتبعين من المؤمنين غنى لك عنهم.
قال الراغب: الأسى الحزن، وأصله إتباع الفائت بالغم، والمعنى؛ أي: فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فإنَّ ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك ولا إلى المؤمنين، وحسبك الله ومن اتبعك من مؤمني قومك، ومن مؤمني أهل
стр. 3204
الكتاب، كعبد الله بن سلام وغيره من علمائهم.
والعبرة للمسلم من هذه الآية: أن يعلم أنه لا يكون شيء يعتد به من أمر الدين حتى يقيم القرآن، وما أنزل إليه من ربه فيه، ويهتدي بهديه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فحجة الله على عباده واحدة، فإذا كان الله لا يقبل من أهل الكتاب قبلنا ما ورثوه من تلك التقاليد التي صدتهم عما عندهم من وحي الله تعالى .. فإنَّه لا يقبل منا مثل ذلك مع حفظنا لكتابنا حتى نقيم حدوده، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والناس عن مثل هذا غافلون، وإلى حكمة الدين ومقاصده لا ينظرون، ويحسبون أنهم على شيء ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
٦٩ - وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ. جملة مستأنفة لترغيب من عداهم من المؤمنين المخلصين، والمراد (١) بالمؤمنين هنا: الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، أو ما يعم المخلصين وغيرهم من المنافقين ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾؛ أي: دخلوا في دين اليهود ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مبتدأ، والنصارى معطوف عليه، والخبر محذوف تقديره: كائنان كذلك، وقال الخليل وسيبويه: الرفع محمول على التقديم والتأخير، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك وقرأ (٢) عثمان وأبي وعائشة وابن جبير الجحدري (والصابئين) بالنصب، وبها قرأ ابن كثير. وقرأ الحسن والزهري: (والصابيون) بكسر الباء وضم الياء، وهو من تخفيف الهمزة كقراءة (يستهزيون) وقرىء: (والصابُون). بإبدال الهمزة ألفًا وحذفها وقرأ القراء السبعة ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ بالرفع، وعليه مصاحف الأمصار والجمهور ﴿مَنْ آمَنَ﴾ من هؤلاء المذكورين ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾؛ أي: خالصًا فيما بينه وبين ربه ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من أهوال يوم القيامة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوا من ورائهم من لذات الدنيا وعيشها.
والخلاصة: أن الذين صدقوا الله ورسوله، والذين دخلوا اليهودية،
стр. 3205
والصابئين الذين يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، وهم فرقة من النصارى سموا صابئين لأنهم صبئوا عن الأديان كلها، بمعنى خرجوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا ما جاءت به الرسل من عند الله، وقيل: هم فرقة أقدم من النصارى، كانوا يعبدون الكواكب السبعة، وقيل: كانوا يعبدون الملائكة - والذين دخلوا النصرانية من أخلص منهم الإيمان بما ذكر، دوامًا وثباتًا كما في المؤمنين المخلصين، أو إيجادًا وإنشاءً كما هو حال المنافقين وغيرهم من الطوائف الأخرى، فلا خوف عليهم فيما قدموا عليه من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما خلفوا ورائهم من لذات الدنيا وعيشها بعد معاينتهم ما أكرمهم الله به من جزيل ثوابه.
وفي الآية: إيماء إلى أهل الكتاب لم يقيموا دين الله، لا الوسائل منه ولا المقاصد، فلا هم حفظوا نصوص الكتب كلها, ولا هم تركوا ما عندهم منها على ظواهرها, ولا هم آمنوا بالله واليوم الآخر على الوجه الذي كان عليه سلفهم الصالح، وهم عملوا الصالحات كما كانوا يعملون إلا قليلًا منهم عذبوا على توحيد الله ورموا بالزندقة لرفضهم تقاليد الكنائس والبدع التي شرعها الأحبار والرهبان، كما أن فيها ترغيبًا لمن عدا من ذكروا في الإيمان والعمل الصالح ليكون لهم من الجزاء مثل ما لأولئك.
فإن قلت (١): قد قال الله تعالى في أول الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قال في آخر الآية: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ فما فائدة هذا التكرار؟
قلت: فائدته أنَّ المنافقين كانوا يظهرون الإِسلام ويزعمون أنهم مؤمنون، ففي هذا التكرار إخراجهم من قبيل المؤمنين فيكون معنى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: بألسنتهم لا بقلوبهم ثم قال: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يعني من ثبت على إيمانه، ورجع عن نفاقه منهم. وقيل: فيه فائدة أخرى وهي: أن الأيمان يدخل تحته أقسام كثيرة، وأشرفها الإيمان بالله واليوم الآخر، ففائدة التكرار التنبيه على أن أشرف أقسام الإيمان هذان القسمان.
стр. 3206
٧٠ - قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ كلام مستأنف لبيان بعض أفعالهم الخبيثة؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أخذنا العهد المؤكد باليمين من بني إسرائيل في التوراة على أن يقروا بالتوحيد، ويعملوا سائر الأحكام المكتوبة عليهم في التوراة ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ذوي عدد كثير ليقرروهم على مراعاة حقوق الميثاق، ويعرفوهم بالشرائع وينذروهم. وقوله: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾ جملة (١) شرطية وقعت جوابًا لسؤال مقدر ناشىء من الإخبار بإرسال الرسل، كأنه قيل: ماذا فعلوا بالرسل؟ وجواب ﴿كُلَّمَا﴾ محذوف والتقدير: كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تحبه أنفسهم المنهمكة في الغي من الشرائع ومشاق التكليف. . عصوه وعادوه وقوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جملة (٢) مستأنفة أيضًا واقعة في جواب سؤال مقدر ناشىء عن الجواب الأول، كأنه قيل: كيف فعلوا بتلك الرسل؟ فقيل: فريقًا منهم كذبوهم ولم يتعرضوا لهم بشيء من المضار، بل اكتفوا فيهم بالتكذيب، كعيسى وموسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم، وفريقًا آخر منهم لم يكتفوا فيهم بالتكذيب، بل قتلوهم، كزكريا، ويحيى ﵉، وقصدوا أيضًا قتل عيسى وإن كان الله منعهم عن مرادهم وهم يزعمون أنهم قتلوه، فذكر (٣) التكذيب بلفظ الماضي إشارة إلى معاملتهم مع موسى ﵇، فإنهم كذبوه في كل مقام، وتمردوا على أوامره، لأنَّه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المضارع إشارة إلى معاملتهم مع زكرياء ويحيى وعيسى ﵈، لكون ذلك الزمان قريبًا، فكان كالحاضر، ومحافظة للفاصلة، والحاصل: أن الله قد أخذ عليهم العهد في التوراة بتوحيده، واتباع الأحكام التي شرعها لهدي خلقه، وتحليهم بحلى الفضائل ومكارم الأخلاق، وقد نقضوا هذا الميثاق كما تقدم في أول السورة، وعاملوا الرسل تلك المعاملة، وهو أنه كلما جاءهم رسول بشيء لا تهواه أنفسهم عاملوه بأحد الأمرين، إما بالتكذيب المستلزم للأعراض والعصيان،
стр. 3207
وإما القتل وسفك الدماء.
وخلاصة ذلك: أنهم بلغوا من الفساد واتباع الأهواء أخشنها مركبًا، وأشدها عتوًا وضلالًا، حتى لم يكن يؤثر في قلوبهم وعظ الرسل ولا هديهم، بل صار ذلك مغريًا لهم بزيادة الكفر والتكذيب، وقتل أولئك الهداة البررة والسادة الأخيار.
٧١ - ثم ذكر ما سولته لهم أنفسهم على سوء أفعالهم فاتال: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الفتنة الاختبار بشدائد الأمور على ما فعلوه من المعاصي، كتسلط الأمم القوية عليهم بالقتل والتخريب؛ أي: وظن بنو إسرائيل ظنًّا قويًّا تمكن من نفوسهم، وأيقنوا أنَّه لا تقع لهم فتنة من الله بسبب ما فعلوه من الفساد من قتل الأنبياء وتكذيبهم، أو حسبوا أن لا يوجد بهم بلاء وعذاب من الله بقتل الأنبياء وتكذيبهم، لأنهم كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه ويعتقدون أن كل رسول جاءهم بشرع آخر غير شرعهم، يجب عليهم تكذيبه وقتله، لأنَّهم اعتقدوا أن النسخ ممتنع على شرع موسى، وكانوا يعتقدون أن نبوة أسلافهم تدفع عنهما العقاب الذي يستحقونه بسبب ذلك القتل والتكذيب. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿تَكَونُ﴾ بالرفع على أن أن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، وحسب بمعنى علم، لأن أن معناها التحقيق، وتكون تامة كما أشرنا إليه في الحل بقولنا: إنه لا تقع فتنةً. وقرأ نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر بنصب نون ﴿تَكُونَ﴾ على أنَّ أنْ هي الناصبة، وحَسِبَ بمعنى الظَّنّ كما أشرنا إليه بقولنا. وحسبوا أن لا يوجد.
ثم بين نتائج ذلك الظن والحسبان فقال: ﴿فَعَمُوا﴾ عن إبصار الهدى، وعن آيات الله التي أنزلها في كتبه مرشدة إلى عقابه للأمم المفسدة الظالمة، وعما وضعه من السنن في خلقه، مصدقًا لذلك ﴿وَصَمُّوا﴾ عن سماع المواعظ التي جاءهم بها أولئك الرسل، وأنذروهم بالعقاب إذا هم خالفوها، ونقضوا الميثاق، وخرجوا عن هدي الدين، وظلموا أنفسهم، واتبعوا أهواءهم، وساروا في غيّهم، وانهمكوا في ضلالهم، وخالفوا أحكام التوراة، فقتلوا شعياء، وحبسوا أرمياء،
стр. 3208
عليهما السلام، فسلط الله عليهم من سامهم الخسف وأوقع بهم البوار والدمار، فجاس البابليون بختنصر وأعوانه خلال ديارهم، وأحرقوا المسجد الأقصى، ونهبوا أموالهم، وسبوا أولادهم ونساءهم، وسلبوهم أموالهم وثلوا عروش ملكهم، وقتلوا منهم أربعين ألفًا ممن يقرأ التوراة، وذهبوا بالبقية إلى أرضهم بابل، فبقوا هناك دهرًا طويلًا على أقصى الذل، إلى أن أحدثوا توبة صحيحة ﴿ثُمَّ﴾ رحمهم الله تعالى فتابوا و ﴿تَابَ اللَّهُ﴾ تعالى ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على بني إسرائيل حين تابوا وأقلعوا عن الفساد، وأعاد إليهم ملكهم وعزهم على يد ملك من ملوك الفرس، إذ جاء إلى بيت المقدس وعمره؛ ورد من بقي من بني إسرائيل في أسر بختنصر إلى وطنهم، ورجع من تفرق في الأقطار، فاستقروا وكثروا وكانوا كأحسن ما كانوا أولًا.
﴿ثُمَّ عَمُوا﴾ عن إبصار الحق ﴿وَصَمُّوا﴾ عن سماعه مرة أخرى، وعادوا إلى ظلمهم وفسادهم في الأرض، وقتلوا الأنبياء بغير حق، فقتلوا زكريا ويحيى، وأرادوا قتل عيسى ﵇، فسلط الله عليهم الفرس، ثم الروم، فأزالوا ملكهم واستقلالهم، ففعلوا بهم ما فعلوا. وفي قوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ إشارة إلى أن عمى البصيرة والصمم عن المواعظ لم يكن للجميع بل كان للكثير منهم، والله تعالى يعاقب الأمم بذنوبها إذا كثرت وشاعت فيها، إذ العبرة بالغالب لا بالأقل النادر الذي لا يؤثر في صلاح ولا فساد ومن ثُمّ قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. وقرأ (١) النخعي وابن وثاب بضم العين والصاد في (عموا وصموا) وتخفيف الميم من عموا، إجراءًا لهما مجرى زكم الرجل ونحوه من الأفعال المبنية للمفعول لفظًا لا معنى، أو على أنَّ المعنى: إنَّ الله عماهم وصمهم؛ أي: رماهم بالعمى والصمم، وهو قليل، واللغة الفاشية أعمى وأصم ذكره "البيضاوي". وقرأ ابن أبي عبلة: (كثيرًا منهم) بالنصب، وقرأ الجمهور بالرفع على أنَّه بدل من فاعل (عموا وصموا).
стр. 3209
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ لنبيه وخاتم أنبيائه من الكيد والمكر وتدبير الإيقاع به، وتأليب القبائل والشعوب المختلفة، لتكون يدًا واحدة للفتك به، وما سبب ذلك إلا اتباعهم للهوى، وأنهم عموا وصموا مرة أخرى، فصاروا لا يبصرون ما جاء به من النور والهدى، ولا يسمعون ما يتلوه عليهم من الآيات، وسيعاقبهم الله تعالى على ذلك بمثل ما عاقبهم به من قبل، وينكل بهم أشد النكال، ويذيقهم أنواع الوبال. وفي هذه (١) الجملة تهديد شديد، وناسب ختم الآية بهذه الجملة المشتملة على بصير إذ تقدم قبله فعموا، والتعبير بصيغة المضارع في ﴿يَعْمَلُونَ﴾ لحكاية الحال الماضية، ولرعاية الفواصل؛ أي: والله بصير بما عملوا.
الإعراب
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾: (الواو): استئنافية، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول قال. ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية دعائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلُعِنُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملت ﴿غُلَّتْ﴾ أو مستأنفة. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ (لعنوا). ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: بما قالوه، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، والتقدير: ولعنوا بقولهم المذكور. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على مقدر يقتضيه المقام تقديره: ليس الأمر كما قالوا بل يداه مبسوطتان، وهو في غاية الجود. ﴿يُنْفِقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة مستأنفة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم شرط غير جازم, لأنَّ شرط الجزم بها عند الكوفيين اتصال ما بها في محل النصب على
стр. 3210
التشبيه بالمفعول به مبني على الفتح. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ومفعول المشيئة محذوف تقديره، كيف يشاء أن ينفق، وجواب الشرط محذوف أيضًا تقديره: كيف يشاء أن ينفق ينفق، وجملة الشرط مستأنفة وعبارة "الفتوحات" هنا قوله: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ في (١) هذه الجملة وجهان:
أحدهما: وهو الظاهر أنه لا محل لها من الإعراب؛ لأنَّها مستأنفة.
والثاني: أنَّها في محل رفع؛ لأنَّها خبر ثانٍ ليداه، و ﴿كَيْفَ﴾ في مثل هذا التركيب شرطية، نحو كيف تكون .. أكون، ومفعول المشيئة محذوف، وكذلك جواب الشرط أيضًا محذوف، مدلول عليه بالفعل المتقدم على ﴿كَيْفَ﴾. والمعنى: ينفق كيف يشاء أن ينفق ينفق، نظير قوله: ويبسطه في السماء كيف يشاء أن يبسطه يبسط، فحذف مفعول يشاء، وهو أن وما بعدها، وقد تقدم أن مفعول يشاء ويريد، لا يذكران إلا لغرابتهما, ولا جائز أن يكون ينفق المتقدم عاملًا في كيف؛ لأنَّ لها صدر الكلام، وماله صدر الكلام لا يعمل فيه إلا حرف الجر أو المضاف. اهـ. "سمين".
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾: (الواو): استئنافية. (اللام): موطئة للقسم. (يزيدن): فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل لها من الإعراب. ﴿كَثِيرًا﴾: مفعول أول. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾ وكذلك متعلق به الجار والمجرور في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وجملة ﴿أُنْزِلَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. ﴿طُغْيَانًا﴾ مفعول ثان (ليزيدن). ﴿وَكُفْرًا﴾: معطوف عليه، وجملة (يزيدن) جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم مستأنفة.
стр. 3211
﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾.
﴿وَأَلْقَيْنَا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة. ﴿بَيْنَهُمُ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿وَأَلْقَيْنَا﴾. ﴿الْعَدَاوَةَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾: معطوف عليه. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾؛ أي: حالة كونهما مستمرين إلى يوم القيامة. ﴿كُلَّمَا﴾: اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية مبني على السكون، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿أَوْقَدُوا نَارًا﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿لِلْحَرْبِ﴾: صفة لـ ﴿نَارًا﴾ أو متعلق بـ ﴿أَوْقَدُوا﴾، والجملة الفعلية فعل شرط لكلما لا محل لها من الإعراب. ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة جواب (كلما) لا محل لها من الإعراب، وجملة (كلما): من فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾ فعل وفاعل ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به ﴿فَسَادًا﴾ إما مفعول لأجله؛ أي: لأجل الإفساد، أو مفعول مطلق؛ أي: سعي فساد أو حال؛ أي: يسعون مفسدين والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ وجملة ﴿لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ خبره، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥)﴾.
﴿وَلَوْ﴾: (الواو): استئنافية. (لو): حرف شرط غير جازم. ﴿أنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: اسمها ومضاف إليه. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿وَاتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ وجملة ﴿آمَنُوا﴾: في محل الرفع خبر أن تقديره: ولو أن أهل الكتاب مؤمنون ومتقون، وجملة أنَّ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف تقديره: ولو ثبت إيمان أهل الكتاب واتقاؤهم لله، وجملة الفعل المحذوف مع فاعله فعل شرط لـ (لو) لا محل لها من الإعراب. ﴿لَكَفَّرْنَا﴾: (اللام): رابطة لجواب (لو). (كفرنا): فعل وفاعل. ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق به. ﴿سَيِّئَاتِهِمْ﴾: مفعول به مضاف إليه، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة (لو) الشرطية مستأنفة. ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ﴾:
стр. 3212
الواو عاطفة. (أدخلناهم): فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: مفعول ثانٍ ومضاف إليه، وجملة (أدخلناهم): معطوفة على جملة (كفرنا) على كونها جوابًا لـ (لو) الشرطية، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾.
﴿وَلَوْ﴾: (الواو): استئنافية أو عاطفة. (لو): حرف شرط. ﴿أَنَّهُمْ﴾ (أنَّ): حرف نصب، والهاء: في محل النصب اسمها. ﴿أَقَامُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿التَّوْرَاةَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾: معطوف عليه. ﴿وَمَا﴾ الواو: عاطفة. (ما): موصولة أو موصوفة في محل النصب معطوف على ﴿التَّوْرَاةَ﴾. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على (ما). ﴿إِلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من (ما) الموصولة، أو من الضمير في ﴿أُنْزِلَ﴾ وجملة (أُنزِلَ) صلة لـ (ما) أو صفة لها، وجملة ﴿أَقَامُوا﴾: في محل الرفع خبر أن تقديره: ولو أنَّهم مقيمون التوراة وما عطف عليه، وجملة (أنَّ) في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف تقديره: ولو ثبت إقامتهم التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم، وجملة الفعل المحذوف فعل شرط لـ (لو) لا محل لها من الإعراب. ﴿لَأَكَلُوا﴾ (اللام): رابطة لجواب (لو). (أكلوا): فعل وفاعل، والجملة جواب (لو) لا محل لها من الإعراب، وجملة (لو) من فعل شرطها وجوابها مستأنفة، أو معطوفة على جملة (لو) الأولى. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ (أكلوا) أو صفة لمحذوف مفعول ﴿لَأَكَلُوا﴾ تقديره: لأكلوا رزقًا كائنًا من فوقهم، أو مأخوذًا من فوقهم. ذكره أبو البقاء. ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿أُمَّة﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾: صفة لـ ﴿أُمَّةٌ﴾، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿وَكَثِيرٌ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة له. ﴿سَاءَ﴾: فعل ماض بمعنى بئس من أفعال الذم. ﴿مَا﴾: موصولة في محل الرفع فاعل. وجملة
стр. 3213
﴿يَعْمَلُونَ﴾: صلة لما والعائد محذوف تقديره: ما يعملونه، وجملة ﴿سَاءَ﴾: من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر المبتدأ، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾: مصدرية والتقدير: ساء عملهم؛ والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾. قال أبو حيان (١): واختار الزمخشري في ساء: أن تكون التي لا تتصرف، فإنَّ فيه التعجب، كأنّه قيل: ما أسوأ عملهم، ولم يذكر غير هذا الوجه، واختار ابن عطية أن تكون المتصرفة، تقول: ساء الأمر يسوء، وأجاز أن تكون غير المتصرفة، فتستعمل استعمال نعم وبئس كقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا﴾: فالمتصرفة تحتاج إلى تقدير مفعول؛ أي: ساء ما يعملون بالمؤمنين وغير المتصرفة تحتاج إلى تمييز؛ أي: ساء عملًا ما يعملون. انتهى.
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾: (ياء): حرف نداء. (أي): منادى نكرة مقصودة، (ها): حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة. ﴿الرَّسُولُ﴾: صفة لأي، وجملة النداء مستأنفة. ﴿بَلِّغْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿بَلِّغْ﴾. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: حال من ﴿مَا﴾ أو من نائب فاعل ﴿أُنْزِلَ﴾ وجملة ﴿أُنْزِلَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾: (الواو): استئنافية. (إن): حرف شرط جازم. ﴿لَم﴾: حرف جزم. ﴿تَفْعَلْ﴾: مجزوم بلم وفاعل وفاعله ضمير يعود على محمَّد، ومفعول تفعل محذوف تقديره: وإن لم تفعل ما أمرت به من تبليغ جميع ما أنزل إليك من ربك .. فما بلغت رسالته، والجملة الفعلية في محل الجزم ﴿بإن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾: (الفاء): رابطة لجواب (إن) الشرطية وجوبًا.
стр. 3214
﴿ما﴾: نافية. ﴿بَلَّغْتَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها. ﴿رِسَالَتَهُ﴾: مفعول به ومضاف إليه، وجملة (إن) الشرطية مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَعْصِمُكَ﴾ خبره. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾: متعلق به، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَا﴾. نافية. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿الْقَوْمَ﴾ مفعول به. ﴿الْكَافِرِينَ﴾: صفة له، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾: مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإنْ شئت قلت: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿لَسْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾: جار ومجرور خبر ليس، وجملة ليس جواب النداء في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد حتى بمعنى: إلى، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحتى تقديره: إلى إقامة التوراة، الجار والمجرور متعلق بليس. ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾: معطوف على ﴿التَّوْرَاةَ﴾ ﴿وَمَا أُنْزِلَ﴾: معطوف على التوراة أيضًا. ﴿إِلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾ أو حال من (ما) أو من ضمير ﴿أُنْزِلَ﴾.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾: (الواو): استئنافية. (اللام): موطئة للقسم. (يزيدن): فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿كَثِيرًا﴾: مفعول أول. ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة له. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع
стр. 3215
فاعل (يزيدن). ﴿أُنزِلَ﴾: صلة لما أو صفة لها. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: حال من ﴿مَا﴾ أو من ضمير ﴿أُنْزِلَ﴾ ﴿طُغْيَانًا﴾ مفعول ثانٍ ﴿وَكُفْرًا﴾ معطوف عليه، وجملة (يزيدن) جواب لقسم محذوف لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مستأنفة، ﴿فَلَا تَأسَ﴾ (الفاء) فاء الفصيحة، لأنَّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنَّه يزيد ما أنزل إليك من ربك كثيرًا منهم طغيانًا وكفرًا، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك. (لا تأس): (لا): ناهية وجازمة. ﴿تَأسَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية، وفاعله ضمير يعود على محمَّد ﴿عَلَى الْقَوْمِ﴾ متعلق به ﴿الْكَافِرِينَ﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل والجملة صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل النصب معطوف على ﴿الَّذِينَ﴾ الأول. ﴿هَادُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مبتدأ. ﴿وَالنَّصَارَى﴾: معطوف عليه، والخبر محذوف تقديره: كائنان كهؤلاء المذكورين قبلهم، والجملة الإسمية معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين اسم (إن) وخبرها، أو بين البدل والمبدل منه. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب بدل من اسم ﴿إنَّ﴾ وما عطف عليه بدل بعض من كل، والرابط محذوف وتقديره: من آمن منهم. ﴿آمَنَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة الموصول، ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنَ﴾. ﴿وَالْيَوْمِ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿الْآخِرِ﴾: صفة لـ ﴿وَالْيَوْمِ﴾. ﴿وَعَمِلَ﴾: معطوف على ﴿آمَنَ﴾. ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به لـ ﴿وَعَمِلَ﴾ أو مفعول مطلق له. ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ (الفاء): رابطة لخبر إنَّ باسمها, لما في اسمها من العموم. (لا): نافية تعمل عمل ليس. ﴿خَوْفٌ﴾: اسمها مرفوع. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق
стр. 3216
بمحذوف خبر (لا) تقديره: فلا خوف كائنًا عليهم. ﴿وَلَا هُمْ﴾ (الواو): عاطفة. (لا): نافية ملغاة. (هُمْ): مبتدأ. وجملة ﴿يَحْزَنُونَ﴾: خبره، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿إِنَّ﴾ وجملة (إنَّ) من اسمها وخبرها مستأنفة. وفي المقام تسعة أوجه من الإعراب ذكرها "السمين"، فلتراجعه إن شئت منها ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ فيه محذوف معلوم مما بعده تقديره: إنَّ الذين آمنوا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ مبتدأ. ﴿وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾: معطوفان عليه. ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾: بدل من المبتدأت الثلاث. ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: خبر للمبتدأت الثلاث، والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾.
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾.
﴿لَقَدْ﴾: (اللام): موطئة للقسم، (قد): حرف تحقيق. ﴿أَخَذْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَأَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَخَذْنَا﴾. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿رُسُلًا﴾: مفعول (أرسلنا). ﴿كُلَّمَا﴾: اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بالجواب. ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿كُلَّمَا﴾ وجواب ﴿كُلَّمَا﴾ محذوف جوازًا دل عليه ما بعده تقديره: كلما جاءهم رسول منهم بما لا تهوى أنفسهم .. عصوه وعادوه، وجملة ﴿كُلَّمَا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل النصب صفة لـ ﴿رُسُلًا﴾ والرابط ضمير منهم الذي قدرناه. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾ تقديره: رسول متلبس بما. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تَهْوَى﴾ فعل مضارع. ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ (ما) أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما لا تهواه أنفسهم. ﴿فَرِيقًا﴾: مفعول مقدم جوازًا لـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل
стр. 3217
وفاعل، والجملة من الفعل والفاعل مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: كيف فعلوا برسلهم؟ فأجاب بقوله: فريقًا كذبوا. ﴿وَفَرِيقًا﴾: مفعول مقدم ليقتلون. ﴿يَقْتُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾. ونص عبارة أبي السعود هنا (١): ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾: جملة شرطية مستأنفة، وقعت جوابًا عن سؤال نشأ من الإخبار بأخذ الميثاق، وإرسال الرسل، وجواب الشرط محذوف كأنَّه قيل: فماذا فعلوا بالرسل؟. فقيل: كلما جاءهم رسول من أولئك الرسل بما لا تحبه أنفسهم المنهمكة في الغي والفساد - من الأحكام الحقة والشرائع .. عصوه وعادوه. وقوله: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾: جواب مستأنف عن استفسار كيفية ما أظهروه من آثار المخالفة المفهومة من الشرطية على طريقة الإجمال، كأنَّه قيل: كيف فعلوا بهم؟ فقيل: فريقًا منهم كذبوا من غير أن يتعرضوا لهم بشيء آخر من المضار، وفريقًا آخر منهم لم يكتفوا بتكذيبهم، بل قتلوهم أيضًا. اهـ.
﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾.
﴿وَحَسِبُوا﴾ (الواو): استئنافية، (حسبوا): فعل وفاعل. ﴿أَلَّا﴾ (أن): مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن تقديره: وحسبوا أنَّه لا تكون فتنة، إنْ كان حسب بمعنى علم، أو مصدرية ناصبة للمضارع، إنْ كان حسب بمعنى ظن، (لا): نافية. ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع تام بمعنى تقع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم على التقدير الأول، ومنصوب بأن المصدرية على التقدير الثاني. ﴿فِتْنَةٌ﴾: فاعل، وجملة (لا تكون) من الفعل والفاعل في محل الرفع خبر (إن) المخففة، وجملة (إنْ) المخففة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي حسب على التقدير الأول؛ أي: وعلموا عدم. وقوع فتنة، وجملة (حسبوا) من الفعل والفاعل مستأنفة، وكذلك على التقدير الثاني تكون جملة (لا تكون فتنة) صلة
стр. 3218
(أنْ) المصدرية (أن) مع صلتها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي (حسبوا)؛ أي: وظنوا عدم وقوع فتنة.
فائدة: وحاصل (١) استعمال (أن): أنها إن وقعت بعد مادة العلم وما في معناه كاليقين .. تعليق الرفع بعدها, وتعين أنها مخففة من الثقيلة، وإن وقعت بعد مادة غيره مما لا يحتمله كالشك والظن .. تعين النصب بعدها، وتعين أنها المصدرية، وإن وقعت بعد ما يحتمل العلم وغيره كالحسبان كما هنا .. جاز فيما بعدها الوجهان, فالرفع على جعل الحسبان بمعنى العلم، والنصب على جعله بمعنى الظن. وعبارة السمين هنا: والحاصل: أنَّه متى وقعت أن بعد علم .. وجب أن تكون المخففة، وإذا وقعت بعد ما ليس بعلم ولا شك .. وجب أن تكون الناصبة، وإن وقعت بعد فعل يحتمل اليقين والشك .. جاز فيه وجهان باعتبارين، إن جعلناه يقينًا .. جعلناها المخففة ورفعنا ما بعدها، وإنْ جعلناه شكًّا .. جعلناها الناصبة ونصبنا ما بعدها. والآية الكريمة من هذا الباب، وأن مع صلتها على كلا التقديرين المخففة الناصبة سادة مسد المفعولين عند جمهور البصريين, وسادة مسد الأول فقط عند أبي الحسن. والثاني محذوف والتقدير: حسبوا عدم الفتنة كائنًا أو حاصلًا. وحكى بعض النحويين أنَّه ينبغي لمن رفع أن يفصل أن من لا في الكتابة, لأن هناك الضمير فاصلة في المعنى، ومن نصب لم يفصل لعدم الحائل بينهما. ﴿فَعَمُوا﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. ﴿عَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جمله (حسبوا). ﴿وَصَمُّوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿عَمُوا﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، وعطف بثم الدالة على التراخي دلالة على أنهم تمادوا في الضلال إلى وقت التوبة. ﴿تَابَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿عَمُوا﴾ ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخي ﴿عَمُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿وَصَمُّوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿عَمُوا﴾. ﴿كَثِيرٌ﴾: بدل من الواو في ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ بدل بعض من كل. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿كَثِير﴾.
стр. 3219
وفي "الكرخي": وهذا الإبدال في غاية البلاغة، فإنه لما قال: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ .. أوهم ذلك أن كلهم صاروا كذلك، فلما قال: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ علم أن هذا الحكم حاصل للكثير منهم لا للكل. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿بَصِيرٌ﴾: خبره. ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: جار ومجرور وصلة الموصول متعلق ببصير والجملة الإسمية مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ اليد مؤنثة أصله يَدْيٌ حذفت لامه اعتباطًا؛ أي: من غير صلة تصريفية طلبًا للتخفيف بدليل جمعه على الأيدى. ﴿مَغْلُولَةٌ﴾: اسم مفعول غله يغله، من باب شد إذا وضع في يده أو عنقه الغلّ، والغل بضم الغين طوق من حديد أو جامد يجعل في اليد أو في العنق، يجمع على أغلال وغلول، وكونها مغلولة كناية عن كونها محبوسة مقبوضة ممسوكة عن البذل والرزق والعطاء، فنسبوا إلى الله البخل والقبض تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، فمراد اليهود لعنة الله عليهم بقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: أن الله تعالى بخيل، فأجابهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾: دعاء عليهم بالبخل؛ أي: أمسكت وانقبضت عن العطاء ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ يقال: بسط اليد يبسط بسطًا، من باب نصر إذا مدها, وبسط السيف إذا سله، وبسط الثوب نشره، ويده بسط بضم أوله وسكون ثانيه وبسط بضمهما ويد مبسوطة؛ أي: مفتوحة مطلقة، وبسط اليد هنا كناية عن كثرة العطاء والبذل والإحسان.
﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ والطغيان مصدر طغا الكافر يطغى، من باب سعى يسعى، أو طغي يطغى، من باب رضي يرضى إذا غلا في الكفر. والطغيان الغلو والتمرد في الكفر والغي والضلال، والعامة تقول طغاه الشيطان، أي: صرفه عن طريق الخير، وطغا الرجل إذا أسرف في الظلم والمعاصي. ويقال: كفر الرجل بالخلق يكفر من باب نصر، كَفْرًا كُفْرًا وكُفورًا وكُفرانًا إذا نفاه وعطَّله، وكفر نعم الله وبنعم الله إذا جحدها وتناساها، وذلك ضد الشكر فعطف الكفر على الطغيان من عطف العام على الخاص, لأن الطغيان الغلو في الكفر.
стр. 3220
﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾؛ أي: أوقعنا بينهم العداوة، والعداوة: الخصومة والمباعدة، والعدو: الخصم، وهو ضد الصديق، وهو من يفرح لحزنك ويحزن لفرحك، ويقال: عدا عليه يعدو من باب دعا، عَدْوًا وعُدْوانًا وعداوة إذا ظلمه، والبغضاء وكذا البَغاضةُ البُغْضُ الشديد، والبغض ضد الحب. ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾ والحرب ضد السلم فهي تصدق بالإخلال بالأمن والسلب والنهب، ولو بغير قتل وبتهييج الفتن والإغراء بالقتل، والكثير من الحرب التأنيث. وفي "المختار" الحرب مؤنثة وقد تذكر ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ﴾ يقال: أقام الشيء إقامة وقامة إذا أدامه، وأقام بالمكان دام فيه واتخذه وطنًا، وأقام الحق إذا أظهره، وإقامة التوراة العمل بما فيها على أتم الوجوه، سواء في ذلك عمل النفس بالإيمان والإذعان، وعمل الجوارح والقوى البدنية ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾؛ أي: لوسع الله عليهم موارد الرزق.
﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾: والمقتصدة المعتدلة في أمر الدين، فلا تغلوا بالإفراط، ولا تهملوا بالتقصير. وفي "الفتوحات" قوله: مقتصدة؛ أي: عادلة لا غالية ولا مقصرة، فالاقتصاد في الشيء هو الاعتدال فيه، وقوله: ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾ اسم فاعل من اقتصد الخماسي، يقال: اقتصد في الأمر ضد أفرط، وفي النفقة توسط بين الإفراط والتقتير، واقتصد في أمره استقام ﴿فَلَا تَأسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ يقال: أسى يأسى أسًا من باب رضي يرضى إذا حزن، فهو آس وأسيان، وهي آسية وأسيانة ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ جمع صابىء يقال: صبؤ يصبؤ من باب فعل المضموم، صبأ وصبؤًا إذا خرج عن دين إلى دين آخر، أو تدين بدين الصابئين فهو صابىء، يجمع على صائبين وصابئة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ لأنه استعار الغل للبخل، فاشتق من الغل بمعنى البخل مغلولة بمعنى بخيلة على طريقة الاستعارة
стр. 3221
التصريحية التبعية, لأنها جرت في المشتقات بعد جريانها في المصادر، وفي قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. لأنه استعار البسط للجود، فاشتق من البسط بمعنى الجود، مبسوطتان بمعنى منفقتان.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾. و ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ , لأن اليد لما كانت آلة لكل الأعمال لا سيما لدفع المال وإنفاقه وإمساكه .. أسندوا البخل والجود إليها مجازًا، إسنادًا للشيء إلى سببه.
وقال أبو حيان (١): والذي يظهر أن قولهم ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ استعارة عن إمساك الإحسان الصادر عن المقهور، على الإمساك، ولذلك جاؤوا بلفظ مغلولة، ولا يغل إلا المقهور فجاء قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاء بغل الأيدي، فهم في كل بلد مع كل أمة مقهورون مغلوبون لا يستطيع أحد منهم أن يستطيل ولا أن يستعلي، فهي استعارة عن ذلهم وقهرهم، وأن أيديهم لا تنبسط إلى دفع ضرر ينزل بهم.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿غُلَّتْ﴾ فإنَّه في مقابلة ما تضمنه قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. وليست هذه المقابلة بدعا منهم فقد قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ لعائن الله عليهم وعلى سائر الكفرة.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ لأنَّ الإلقاء حقيقة في الأجسام، وفي قوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾، استعير فيه إيقاد النار الحسية لاختلاط الحرب, لأن الحرب لا نار لها، وإنَّما شبهت بالنار؛ لأنَّها تأكل أهلها كما تأكل النار حطبها، وفي قوله: ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. لأنَّه استعارة لإلقاء الرعب في قلوبهم.
وقال الجمهور: هو استعارة، وإيقاد النار عبارة عن إظهار الحقد والكيد والمكر بالمؤمنين، والاغتيال والقتال، وإطفاؤها صرف الله عنهم ذلك، وتفرق
стр. 3222
آرائهم، وحل عزائمهم، وتفرق كلمتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، فهم لا يريدون محاربة أحد إلا غلبوا وقهروا، ولم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد، وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس، ومنها الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. لإفادة العموم. وفي قوله ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر.
ومنها: التعميم بعد التخصيص في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ليعم سائر الكتب الإلهية.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ لأنه (١) استعارة عن سبوغ النعم عليهم، وتوسعة الرزق عليهم، كما يقال: قد عمه الرزق من فرقه إلى قدمه، ولا فوق ولا تحت، حكاه الطبري والزجاج.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ لأنَّ المراد بالأمة الجماعة القليلة للمقابلة لها بقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾.
ومنها: التشريف في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾: لأنَّه ناداه بالصفة الشريفة التي هي أشرف أوصاف الجنس الإنساني.
ومنها: التحقير في قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ لأنَّ في هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه.
ومنها: التلطف في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لأنَّه أضاف الاسم الجليل إليهم تلطفًا معهم في الدعوة.
ومنها: الإجمال الذي يقصد به التفصيل في قوله حتى ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾. إلخ لأنه جمع في الضمير، والمقصود منه التفصيل؛ أي: حتى يقيم أهل التوراة، وأهل الإنجيل.
стр. 3223
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. عبر بصيغة المضارع بدل الماضي بما عملوا لحكاية الحال الماضية استحضارًا لصورتها الفظيعة ومراعاة لرؤوس الآيات.
والله أعلم
* * *
стр. 3224
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّه لما ذكر أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل، وبعث فيهم رسلًا، وبين عتوهم وشدة تمردهم وما كان من سوء معاملتهم مع أنبيائهم، وعدد قبائح اليهود ومخازيهم .. شرع يفصل قبائح النصارى ويبطل أقوالهم الفاسدة، وآرائهم الزائفة، ثم ذكر أن المسيح يكذبهم في ذلك فحكى عنه، ثمَّ رد عليهم ما قالوه بلا روية ولا فكر ولا بصيرة حيث قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ثمَّ توعدهم على مقالة التثليث حيث قال: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. ثم تعجب من إصرارهم
стр. 3225
على التثليث بعد ما ظهرت البينات حيث قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾. ثم ذكر أن المسيح رسول كغيره من الرسل حيث قال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وأقام الدليل على ذلك، ثم أبطل مقالة النصارى في عيسى ﵇ بالحجة والدليل حيث قال: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.
قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنَّه لمَّا بين غلوهم وضلالهم وإضلالهم .. ذكر أسباب ذلك، وأرشد إلى ما أخذهم به، ثم بين سبحانه أسباب استمرارهم على العصيان وتعدي الحدود حيث قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾. الآية، مناسبتها لما قبلها: أنَّه لما ذكر لنبيه أحوال أسلافهم .. ذكر له هنا أحوال حاضريهم مما يدل على رسوخ تلك الملكات فيهم.
التفسير وأوجه القراءة
٧٢ - ولما حكى الله عن اليهود ما حكاه من نقضهم الميثاق، وقتلهم للأنبياء، وتكذيبهم الرسل، وغير ذلك .. شرع في الإخبار عن كفر النصارى وما هم عليه من فساد الاعتقاد، فقال تعالى: وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ واعتقدوا ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والمسيح هو الله، وهذا قول اليعقوبية والملكانية من النصارى, لأنَّهم يقولون: إن مريم ولدت إلهًا، ولأنهم يقولون: إن الإله جل وعلا حلَّ في ذات عيسى واتحد بذات عيسى، فصار عيسى إلهًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا: لقد كفروا وضلوا ضلالًا بعيدًا؛ إذا هم في إطرائه ومدحه غلوا أشد من غُلُوّ اليهود في الكفر به وتحقيره وقولهم عليه وعلى أمه الصديقة بهتانًا عظيمًا، وقد صارت هذه المقالة أعني مقالة الاتحاد هي المقالة الشائعة عندهم، ومن عدل عنها عد مارقًا من الدين.