التصريحية التبعية, لأنها جرت في المشتقات بعد جريانها في المصادر، وفي قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾. لأنه استعار البسط للجود، فاشتق من البسط بمعنى الجود، مبسوطتان بمعنى منفقتان.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾. و ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ , لأن اليد لما كانت آلة لكل الأعمال لا سيما لدفع المال وإنفاقه وإمساكه .. أسندوا البخل والجود إليها مجازًا، إسنادًا للشيء إلى سببه.
وقال أبو حيان (١): والذي يظهر أن قولهم ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ استعارة عن إمساك الإحسان الصادر عن المقهور، على الإمساك، ولذلك جاؤوا بلفظ مغلولة، ولا يغل إلا المقهور فجاء قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاء بغل الأيدي، فهم في كل بلد مع كل أمة مقهورون مغلوبون لا يستطيع أحد منهم أن يستطيل ولا أن يستعلي، فهي استعارة عن ذلهم وقهرهم، وأن أيديهم لا تنبسط إلى دفع ضرر ينزل بهم.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿غُلَّتْ﴾ فإنَّه في مقابلة ما تضمنه قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. وليست هذه المقابلة بدعا منهم فقد قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ لعائن الله عليهم وعلى سائر الكفرة.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ لأنَّ الإلقاء حقيقة في الأجسام، وفي قوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾، استعير فيه إيقاد النار الحسية لاختلاط الحرب, لأن الحرب لا نار لها، وإنَّما شبهت بالنار؛ لأنَّها تأكل أهلها كما تأكل النار حطبها، وفي قوله: ﴿أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾. لأنَّه استعارة لإلقاء الرعب في قلوبهم.
وقال الجمهور: هو استعارة، وإيقاد النار عبارة عن إظهار الحقد والكيد والمكر بالمؤمنين، والاغتيال والقتال، وإطفاؤها صرف الله عنهم ذلك، وتفرق
стр. 3222
آرائهم، وحل عزائمهم، وتفرق كلمتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، فهم لا يريدون محاربة أحد إلا غلبوا وقهروا، ولم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد، وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس، ومنها الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. لإفادة العموم. وفي قوله ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. للتسجيل عليهم بالرسوخ في الكفر.
ومنها: التعميم بعد التخصيص في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ليعم سائر الكتب الإلهية.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ لأنه (١) استعارة عن سبوغ النعم عليهم، وتوسعة الرزق عليهم، كما يقال: قد عمه الرزق من فرقه إلى قدمه، ولا فوق ولا تحت، حكاه الطبري والزجاج.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ لأنَّ المراد بالأمة الجماعة القليلة للمقابلة لها بقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾.
ومنها: التشريف في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾: لأنَّه ناداه بالصفة الشريفة التي هي أشرف أوصاف الجنس الإنساني.
ومنها: التحقير في قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ لأنَّ في هذا التعبير من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه.
ومنها: التلطف في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لأنَّه أضاف الاسم الجليل إليهم تلطفًا معهم في الدعوة.
ومنها: الإجمال الذي يقصد به التفصيل في قوله حتى ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾. إلخ لأنه جمع في الضمير، والمقصود منه التفصيل؛ أي: حتى يقيم أهل التوراة، وأهل الإنجيل.
стр. 3223
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. عبر بصيغة المضارع بدل الماضي بما عملوا لحكاية الحال الماضية استحضارًا لصورتها الفظيعة ومراعاة لرؤوس الآيات.
والله أعلم
* * *
стр. 3224
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّه لما ذكر أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل، وبعث فيهم رسلًا، وبين عتوهم وشدة تمردهم وما كان من سوء معاملتهم مع أنبيائهم، وعدد قبائح اليهود ومخازيهم .. شرع يفصل قبائح النصارى ويبطل أقوالهم الفاسدة، وآرائهم الزائفة، ثم ذكر أن المسيح يكذبهم في ذلك فحكى عنه، ثمَّ رد عليهم ما قالوه بلا روية ولا فكر ولا بصيرة حيث قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ثمَّ توعدهم على مقالة التثليث حيث قال: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. ثم تعجب من إصرارهم
стр. 3225
على التثليث بعد ما ظهرت البينات حيث قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾. ثم ذكر أن المسيح رسول كغيره من الرسل حيث قال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وأقام الدليل على ذلك، ثم أبطل مقالة النصارى في عيسى ﵇ بالحجة والدليل حيث قال: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.
قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنَّه لمَّا بين غلوهم وضلالهم وإضلالهم .. ذكر أسباب ذلك، وأرشد إلى ما أخذهم به، ثم بين سبحانه أسباب استمرارهم على العصيان وتعدي الحدود حيث قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾. الآية، مناسبتها لما قبلها: أنَّه لما ذكر لنبيه أحوال أسلافهم .. ذكر له هنا أحوال حاضريهم مما يدل على رسوخ تلك الملكات فيهم.
التفسير وأوجه القراءة
٧٢ - ولما حكى الله عن اليهود ما حكاه من نقضهم الميثاق، وقتلهم للأنبياء، وتكذيبهم الرسل، وغير ذلك .. شرع في الإخبار عن كفر النصارى وما هم عليه من فساد الاعتقاد، فقال تعالى: وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ واعتقدوا ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والمسيح هو الله، وهذا قول اليعقوبية والملكانية من النصارى, لأنَّهم يقولون: إن مريم ولدت إلهًا، ولأنهم يقولون: إن الإله جل وعلا حلَّ في ذات عيسى واتحد بذات عيسى، فصار عيسى إلهًا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا: لقد كفروا وضلوا ضلالًا بعيدًا؛ إذا هم في إطرائه ومدحه غلوا أشد من غُلُوّ اليهود في الكفر به وتحقيره وقولهم عليه وعلى أمه الصديقة بهتانًا عظيمًا، وقد صارت هذه المقالة أعني مقالة الاتحاد هي المقالة الشائعة عندهم، ومن عدل عنها عد مارقًا من الدين.
стр. 3226
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ عيسى؛ أي: قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم، والحال إنَّه قد قال لهم عيسى ابن مريم عند مبعثه إليهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾؛ أي: وحّدوه بالعبادة؛ أي: قال لهم ضد ما يقولون، فقد أمرهم بعابدة الله وحده معترفًا بأنه ربه وربهم، ودعا بني إسرائيل الذين أرسل إليهم إلى عبادة الله وحده، ولا يزال هذا الأمر محفوظًا في الأناجيل التي كتبت لبيان بعض سيرته وتاريخه، فدين المسيح مبني على التوحيد المحض، وهو دين الله الذي أرسل به جميع رسله. وفي هذه المقالة تنبيه على ما هو الحجة القاطعة على فساد قول النصارى، ذلك لأن عيسى ﵇ لم يفرق بينه وبين غيره في العبودية والإقرار لله بالربوبية، وأن دلائل الحدوث ظاهرة عليه.
وبعد أن أمرهم ﵇ بالتوحيد الخالص، أتبعه بالتحذير من الشرك والوعيد عليه فقال: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إنَّ الشأن والحال ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ويمت عليه؛ أي: إنَّ كل من يشرك باللهِ شيئًا من المخلوق من ملك أو بشر أو كوكب أو حجر أو نحو ذلك، فيجعله ندًّا له أو متحدًا به أو يدعوه لجلب نفع أو دفع ضرر، أو يزعم أنه يقربه إليه زلفى، فيتخذه شفيعًا ليؤثر في إرادته تعالى وعلمه، ويحمله على شيء غير ما سبق به علمه وخصصته إرادته في الأزل ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾؛ أي: فإن الله قد أوجب له النار، وحرم عليه دخول الجنة في سابق علمه، وبمقتضى شرعه الذي أوحاه إلى جميع رسله ﴿وَمَأوَاهُ﴾ ومسكنه في الآخرة ﴿النَّارُ﴾ الهائلة أعاذنا الله تعالى منها؛ أي: فلا مأوى له إلا النار التي هي دار العذاب والذل والهوان.
والظاهر (١): أن هذه الجملة من كلام المسيح، فهو داخل تحت القول، وفيه أعظم ردع منه عن عبادته، إذ أخبر أنَّه من عبد غير الله منعه دار من أفرده بالعبادة، وجعل مأواه النار ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وقيل: هي من كلام الله تعالى مستأنف أخبر بذلك على سبيل الوعيد والتهديد. وفي الحديث الصحيح من حديث عتبان بن مالك عن رسول الله ﷺ : "إن الله حرم على النار من قال:
стр. 3227
لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله". ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بشركهم بالله ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي ناصر ينصرهم ويمنعهم من دخول عذاب الله، ولا شفيع ينقذهم مما يحل بهم. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ إما من كلام الله تعالى، أخبر أنهم ظلموا وعدلوا عن الحق في أمر عيسى، وتقولهم عليه فلا ناصر لهم على ذلك، وإمَّا من كلام عيسى. والظاهر (١) أنه من كلام عيسى، أخبرهم أنَّه من تجاوز الحد، ووضع الشيء في غير موضعه: فلا ناصر له ولا مساعد فيما افترى وتقول، وفي ذلك ردع لهم عما انتحلوه في حقه من دعوى أنَّه إله وأنه ظلم، إذ جعلوا ما هو مستحيل في العقل واجبًا وقوعه، أو فلا ناصر له ولا منجي له من عذاب الله تعالى في الآخرة، ذكره أبو حيان. وصيغة الجمع في قوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾، للإشعار بأنَّ نصرة الواحد غير محتاج إلى التعرض لنفيه لشدة ظهوره، وإنما ينفى بالتعرض لنفي نصرة الجمع، والمراد بالظالمين هنا المشركون، بقرينة ما قبله، إذ الظالمون من المسلمين لهم ناصر وهو النبي ﷺ لشفاعته لهم يوم القيامة. انتهى "كرخي".
٧٣ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾؛ أي: إنَّ الله أحد آلهة ثلاثة، وهذا قول المرقوسية والنسطورية من النصاوى. وفي تفسير قولهم هذا طريقان:
أحدهما: وهو قول أكثر المفسرين: أنهم أرادوا بهذه المقالة أن الله تعالى ومريم وعيسى آلهة ثلاثة، وأن الألوهية مشتركة بينهم، وأن كل واحد منهم إله. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى للمسيح: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. ففي قوله: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾: حذف تقديره: إن الله أحد آلهة ثلاثة، أو واحد من ثلاثة آلهة، قال الواحدي: ولا يكفر من قال: إن الله ثالث ثلاثة، ولم يرد به أنه ثالث آلهة ثلاثة، لأنه ما من اثنين إلا والله ثالثهما بالعلم، ويدل عليه قوله تعالى في سورة
стр. 3228
المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ...﴾ الآية. وقد قال النبي ﷺ لأبي بكر: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما".
والطريق الثاني: ما حكاه المتكلمون عن النصارى: أنَّهم يقولون: إنَّ الإله جوهر واحد مركب من ثلاثة أقانيم - أجزاء - أب وابن وروح قدس. وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وقالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء باللبن واختلاط الماء بالخمر، وزعموا أن الأب إله، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد، وهذا الكلام معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحدًا، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا ترى في الدنيا مقالة أشد فسادًا ولا أظهر بطلانًا ولا أقبح لفظًا من مقالة النصارى: الله ثالث ثلاثة، عليهم لعائن الله تعالى، ولا يجوز في العربية في ثالث ثلاثة إلا الإضافة، ولا يجوز النصب، لأنك لا تقول ثلثت الثلاثة.
واعلم: أن النصارى أخذت عقيدة التثليث من قدماء الوثنيين، ليست في أصل دينهم، ثم رد الله عليهم ما قالوه بلا روية ولا فكر ولا بصيرة فقال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ﴾؛ أي: وما من إله في الوجود ﴿إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: إلا إله موصوف بالوحدانية في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا، يعني: إنَّه ليس في الوجود إله واحد موصوف بالوحدانية - لا ثاني له، ولا شريك له، ولا والد له، ولا صاحبة له - إلا الله ، فهو الإله الذي لا تركيب في ذاته ولا في صفاته، فليس ثم تعدد ذوات وأعيان، ولا تعدد أجناس وأنواع، ولا تعدد جزئيات وأجزاء، وهذه الجملة حالية، والمعنى: قالوا تلك المقالة والحال أنه لا إله موجود إلا الله.
ثم توعدهم على هذه المقالة فقال: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾؛ أي: لم ينته النصارى ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾؛ أي: عن هذه المقالة الخبيثة، يعني مقالة التثليث، ويتركوه ويعتصموا بعروة التوحيد، ويعتقدوه، وعزتي وجلالي ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ
стр. 3229
كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: ليصيبن الذين أقاموا وداموا على هذا القول الخبيث، وعلى هذا الدين الذي ليس بمرضي عذاب وجيع في الآخرة، وإنَّما قال تعالى ﴿مِنْهُمْ﴾ لعلمه السابق أن من النصارى من سيؤمن ويخلص ويترك هذا القول ويعلم أنه فاسق، وإنَّما (١) أظهر في موضع الإضمار لأن الأصل ليمسنهم، تكريرًا للشهادة على كفرهم في قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ وتنبيهًا على أن العذاب على من دام على الكفر ولم ينقلع عنه. وفي الآية إيماء إلى أن هذا العذاب لا يمس إلا الذين كفروا منهم خاصة دون من تاب وأناب إلى الله تعالى، ورجع عن عقيدة التثليث وغيرها. وقال ابن جرير: والمعنى ليمسن الذين يقولون: المسيح هو الله، والذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، وكل كافر يسلك سبيلهم عذاب أليم.
٧٤ - ثم تعجب من حالهم بإصرارهم على التثليث بعد أن ظهرت لهم البينات، وقامت عليهم الحجج المبطلة له، والنذر بالعذاب المرتب عليه، وندب سائرهم إلى التوبة من هذه المقالة الخبيثة فقال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ والاستفهام فيه استفهام تعجيب وتوبيخ، والهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيسمعون هذه الشهادات المكررة، والتشديدات المقررة، ويثبتون على الكفر، فلا يتوبون ويرجعون إلى توحيد الله وطاعاته، ويستغفرونه عما وقع لهم من تلك العقائد الزائغة، والأقاويل الباطلة ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: والحال أن الله غفور لمن تاب وآمن، رحيم لمن مات على التوبة.
والمعنى (٢): أيسمعون ما ذكر من التفنيد لآرائهم والوعيد عليها، ثم لا يحملهم ذلك على التوبة والرجوع إلى التوحيد، واستغفار الله عما فرط منهم، والحال أن ربهم واسع الرحمة، عظيم المغفرة، يقبل التوبة من عباده، ويغفر لهم ما فرط من الزلات إذا هم آمنوا وأحسنوا واتقوا وعملوا الصالحات.
٧٥ - ثم ذكر أن المسيح رسول كغيره من الرسل وأقام الدليل على ذلك فقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ
стр. 3230
مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ كلام (١) مستأنف مسوق لتحقيق الحق الذي لا محيد عنه، وبيان حقيقة حاله ﵇ وحال أمه بالإشارة أولًا إلى أشرف مما لهما من نعوت الكمال التي بها صارا من جملة أكمل أفراد الجنس، وآخرًا إلى الوصف المشترك بينهما، وبين جميع أفراد البشر، بل أفراد الحيوان استنزالًا لهم بطريق التدريج من رتبة الإصرار على ما تقولوا عليهما، وإرشادًا لهم إلى التوبة والاستغفار؛ أي: هو مقصور على الرسالة لا يكاد يتخطاها ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ ومضت ﴿مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وذهبت وفنيت، فليس بإله، كما أن الرسل الذين كانوا من قبله لم يكونوا آلهة، وقد أتى عيسى بالمعجزات الدالة على صدقه، كما أن الذين من قبله أتوا بالمعجزات الدالة على صدقهم. أي: ما هو (٢) إلا رسول من جنس الرسل الذين مضوا من قبله، جاء بالآيات من الله كما أتوا بأمثالها، فليس بإله كالرسل الخالية قبله، فإنهم لم يكونوا آلهة، فإن كان الله قد أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى على يد عيسى ﵇ .. فقد فلق البحر، وأحيا العصا، وجعلها حية تسعى على يد موسى ﵇، وهو أعجب منه، وإن كان الله خلقه من غير أب .. فقد خلق آدم من غير أب وأم وهو أغرب منه.
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾؛ أي. وما أمه إلا صديقة؛ أي: تلازم الصدق أو تصدق الأنبياء وتبالغ في بعدها عن المعاصي، وفي إقامة مراسم العبودية، فما هى إلا كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق، ويبالغن في الاتصاف به، فما رتبه عيسى إلا رتبة نبي وما رتبة أمه إلا رتبة صحابي، فمن أين لكم أن تصفوهما بما لا يوصف به سائر الأنبياء وخواص الناس، فإن أعظم صفات عيسي ﵇ الرسالة، وأكمل صفات أمه الصديقية، وذلك لا يستلزم لهما الألوهية، أما حقيقتهما النوعية والجنسية .. فهي مساوية لحقيقة غيرهما من أفراد نوعهما وجنسهما فهما ﴿كَانَا يَأكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ ويشربان الشراب كسائر أفراد البشر، ليقيما بنيتهما، ويمدا حياتهما، لئلا ينحل بدنهما ويهلكا، وكذلك يعرض لهما ما يستلزمه أكل الطعام من الحاجة إلى دفع الفضلات من البول والغائط، فلا يمكن أن يكون كل منهما
стр. 3231
إلهًا خالقًا، ولا ربًّا معبودًا، وبالجملة: فإنَّ فساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج إلى إقامة دليل عليه. ومن السفه أن يحتقر الإنسان نفسه، ويحتقر جنسه، ويرفع بعض المخلوقات المساوية له في الماهية، وبعض المشخصات الممتازة بميزات عرضية، فيجعل نفسه عبدًا لها ويسمّيها آلهة أو أربابًا. قال أبو حيان: وهذه (١) الجملة استئناف إخبار عن المسيح وأمه منبهة كما ذكرنا على سمات الحدوث، وأنهما مشاركان للناس في ذلك ولا موضع لهذه الجملة من الإعراب.
وبعد أن بين حالهما بيانًا لا يحوم حوله شائبة من الريب .. تعجب من حال من يدعى لهما الربوبية، ولا يرعوي عن غيه وضلاله، ولا يتأمل فيما هو عليه من أفن - ضعيف - الرأي والخطأ فقال: ﴿اْنظُرْ﴾ يا محمد متعجبًا أو أيها السامع نظرة عقل أو فكر ﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ﴾؛ أي: كيف نبين لهؤلاء النصارى (الآيات)؛ أي: الدلائل والبراهين البالغة أقصى الغايات في الوضوح على بطلان ما يدعون في أمر المسيح وأمه ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: أي: ثمّ انظر بعد النظر الأول كيف يصرفون عن تلك الآيات، ويعرضون عنها، وكيف لا ينتقلون من مقدماتها إلى نتائجها، ومن مباديها إلى غاياتها، فكأنهم فقدوا عقولهم، وصارت أفئدتهم هواءًا؛ أي: كيف يصرفون عن استماع الآيات وعن التأمل فيها، فالله بين لهم الآيات بيانًا عجبًا، وإعراضهم عنها أعجب منها. والاستفهام في الموضعين للتعجب، وفي تكرير (٢) الأمر بقوله: ﴿انْظُرْ﴾، ﴿ثُمَّ انْظُرْ﴾. دلالة على الاهتمام بالنظر، وأيضًا فقد اختلف متعلق النظرين، فإن الأول أمر بالنظر في كيفية إيضاح الله تعالى لهم الآيات وبياناها بحيث إنَّه لا شك فيها ولا ريب، والأمر الثاني بالنظر في كونهم صرفوا عن تدبرها والإيمان بها، أو بكونهم قلبوا عما أريد بهم.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى التراخي في قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرْ﴾؟
قلت: معناه ما بين التعجبين، يعني أنَّه من باب التراخي في الترتب؛ لا في الأزمنة ونحوها.
٧٦ - ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أمر له ﷺ بإلزامهم وتبكيتهم بعد
стр. 3232
تعجبه من أحوالهم؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء النصارى وأمثالهم، ممن عبدوا غير الله تعالى: أتعبدون من دون الله؛ أي: متجاوزين عبادته وحده ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ تخشونه أن يعاقبكم به إذا أنتم تركتم؛ أي: ما لا يقدر أن يضركم إن تركتم عبادته ﴿وَلَا﴾ يملك لكم ﴿نَفْعًا﴾ ترجون أن يجازيكم به إذا عبدتموه؛ أي: وما لا يقدر أنْ ينفعكم إنْ عبدتموه، وهو عيسى ﵇، يعني (١): لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم الله به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا يقدر أنْ ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به، من صحة الأبدان، وسعة الأرزاق، فإنَّ الضار والنافع هو الله تعالى، لا من تعبدون من دونه، ومن لا يقدر على النفع والضر لا يكون إلهًا، وما (٢) يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبتخليقه تعالى، فكأنه لا يملك منه شيئًا. وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية، حيث جعله لا يستطيع ضرًّا ولا نفعًا، وصفة الرب أن يكون قادرًا على كل شيء، لا يخرج مقدور عن قدرته، وفي هذا إيماء (٣) إلى دحض مقالتهم بالحجة والدليل، فإن اليهود - وقد كانوا يعادون المسيح ويقصدونه بالسوء - لم يقدر على الإضرار بهم، وأنصاره وصحابته مع شديد محبتهم له لم يستطع إيصال نفع من منافع الدنيا إليهم، والعاجز عن الضر والنفع كيف يعقل أن يكون إلهًا؟. وإنَّما قال: (ما)، ولم يقل: (من) نظرًا إلى ما هو عليه في ذاته من النوع الإنساني، توطئة لنفي القدرة عنه رأسًا، وتنبيهًا على أنَّه من هذا الجنس، ومن كان له حقيقة يقبل المجانسة والمشاركة فبمعزلٍ عن الألوهية. وقيل: عبر بـ (ما) تنبيهًا على أول أحواله، إذ مرت عليه أزمان حالة الحمل لا يوصف بالعقل فيها، ومن هذه صفته فكيف يكون إلهًا. وإنَّما قدم التفسير .. لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم وكفركم ومقالتكم في عيسى ﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائركم وعقيدتكم في عيسى فيجازيكم عليها، ولا يخفى ما في هذه الجملة من التهديد، وهي (٤) متعلقة بـ ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾؛ أي: أتشركون بالله ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ما تقولونه، ويعلم ما تعتقدونه.
стр. 3233
٧٧ - ولما كان قول النصارى في المسيح من أشد أنواع الغلو في الدين بتعظيم الأنبياء فوق ما يجب أن يكون لهم من التعظيم، وكان إيذاء اليهود له وسعيهم في قتله من الغلو في الجمود على تقاليد الدين التي ابتدعوها، واتباع أهوائهم بلا علم، وكان هذا الغلو هو الذي دعاهم إلى قتل زكريا ويحيى .. قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لأهل الكتاب المعاصرين لك ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: يا معشر اليهود والنصارى ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: لا تخرجوا عن الحد في عيسى غلوًّا ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾؛ أي: خروجًا باطلًا غير الحق بالإفراط والتفريط فيه، ولا تجاوزوا عن الحد اللائق به، وهو كونه عبد الله ورسوله، فالغلو مجاوزة الحد بالإفراط أو التفريط في الحق، وذلك أن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط، فمجاوزة الحد والتقصير مذمومان في الدين، فإنَّ الغلو في الدين نوعان: غلو حق: وهو أن يجتهد في تحصيل حججه وتقريرها، كما يفعله الأصوليون والمتكلمون أهل العدل والتوحيد، وغلو باطل: وهو أن يتكلف في تقرير الشبه، ويتجاوز الحق، ويعرض عن الأدلة، وذلك يكون بالإفراط أو التفريط، فغلو النصارى بالإفراط في رفع عيسى وتعظيمه، فقالوا: إنه إله، وغلو اليهود بالتقصير في حقه والمبالغة في حطه، فقالوا: إنه ابن زنا، وإنه كذاب، وكلا الغلوين مذموم.
أي: قل لهم يا محمد: يا معشر اليهود والنصارى لا تتجاوزوا في دينكم واعتقادكم في عيسى ﵇ الحد الذي حده الله فيه، ولا تخرجوه عن القدر الذي أعطاه الله إياه، وهو كونه عبد الله ورسوله تجاوزًا باطلًا غير الحق بالإفراط والتفريط فيه ﴿وَ﴾ قل يا محمد أيضًا لليهود والنصارى المعاصرين لك ﴿لَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾؛ أي: لا تقتفوا مذاهب قوم من رؤساء أسلافكم ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ عن التوراة والإنجيل ﴿مِن قَبْلِ﴾؛ أي: من قبلكم، أو من قبل مبعث محمد ﷺ ، يعني أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا عن شريعتهم قبل مبعث محمد ﷺ ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ من سفلتهم الذين تابعوهم على بدعهم وضلالهم ﴿وَضَلُّوا﴾ بعد مبعث محمد ﷺ ﴿عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عن قصد الطريق قويمه الذي هو الإِسلام حين كذبوه وحسدوه وبغوا عليه، فالمراد بالضلال الأول ضلالهم عن التوراة والإنجيل، وبالثاني: ضلالهم عن القرآن. قال القرطبي: وتكرير ضلوا
стр. 3234
للإشارة إلى أنهم ضلوا من قبل، وضلوا من بعد، والمراد الأسلاف الذي سنوا الضلالة وعملوا بها من رؤساء اليهود والنصارى انتهى. والخلاصة (١): أن الله نهى أهل الكتاب الذين كانوا في عصر التنزيل عن الغلو الذي كان عليه من قبلهم من أهل ملتهم، وعن التقليد الذي كان سبب ضلالهم، إذ هم قد اتبعوا أهوائهم، وتركوا سنن الرسل والنبيين والصالحين من قبلهم؛ لأن كل أولئك كانوا موحدين، وكانوا ينكرون الشرك والغلو في الدين، فعقيدة التثليث وتلك الشعائر الكنسية مستحدثة من بعدهم، كشرع عبادات لم يأذن بها الله، وتحريم ما لم يحرمه الله من الطيبات، بل حرمها القسيسون والرهبان على أنفسهم وعلى من اتبعهم مبالغة في التنسك والزهد، أو رياء وسمعة، وجعلوا الأنبياء والصالحين أربابًا ينفعون ويضرون بسلطة غيبية لهم فوق سنن الله في الأسباب والمسببات الكسبية، ولذا جعلوهم آلهةً يعبدون من دون الله أو مع الله.
كل أولئك قد ضلوا به وأضلوا كثيرًا ممن اتبعهم فيه، وسيكون لسبب شقائهم وعذابهم في الآخرة إنْ لم يرجعوا عنه، وينيبوا إلى الله منه.
٧٨ - وبعد أن بين الله ضلالهم وإضلالهم ذكر أسباب ذلك وأرشد إلى ما أخذهم به فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: لعن الله تعالى اليهود في الزبور والنصارى في الإنجيل ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ بأن دعوا عليهم، فاليهود (٢) لعنوا على لسان داود، والنصارى لعنوا على لسان عيسى، والفريقان من بني إسرائيل، وهم أصحاب السبت وأصحاب المائدة. أمَّا أصحاب السبت فهم قوم داود، وذلك أن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت بأخذ الحيتان .. دعا عليهم داود ﵇ وقال: اللهم العنهم واجعلهم آية، فمسخهم الله قردة. أما أصحاب المائدة، فإنَّهم لما أكلوا من المائدة وادخروا, ولم يؤمنوا .. قال عيسى ﵇: اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف ليس فيهم امرأة ولا صبي، وستأتي قصتهم إن شاء الله تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ اللعن
стр. 3235
الفظيع ﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم أمر الله تعالى وبسبب اعتدائهم، ومجاوزتهم الحد وتماديهم في العصيان ومبالغتهم فيه.
٧٩ - ثم فسر الاعتداء والمعصية فقال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾؛ أي: كان بنوا إسرائيل لا ينهى بعضهم بعضًا ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾؛ أي: أرادوا فعله، وقيل: معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، ولا عن الإصرار عليه، والمعنى (١) أي: كانوا لا يمتنعون عن معاودة منكر فعلوه، ولا يتركونه، ولا يصدر من بعضهم نهي لبعض عن منكر أرادوا فعله. روى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "من رضي عمل قوم .. فهو منهم، ومن كثر سواد قوم .. فهو منهم". وفي أبي السعود: وليس (٢) المراد بالتناهي أن ينهى كل واحد منهم الآخر عما يفعله من المنكر، كما هو المعنى المشهور لصيغة التفاعل، بل المراد مجرد صدور النهي من أشخاص متعددة، من غير اعتبار أنْ يكون كل واحد منهم ناهيًا ومنهيًّا، كما في تراؤوا الهلال. انتهى. وعزتي وجلالي ﴿لَبِئْسَ﴾ وقبح ﴿مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ من ارتكاب المعاصي والعدوان، والمخصوص بالذم فعلهم هذا، وهو الإصرار على منكر فعلوه وترك النهي عنه.
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أول ما دخل النقص علي بني إسرائيل أن كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض" ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾ ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ثم لتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه - لتعطفنه وتردنه - على الحق أطرًا - عطفًا وردًّا - ولتقسرنه على الحق قسرا". زاد في رواية: "أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم". أخرجه أبو داود. والقسر: القهر والإجبار. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإِسلامية،
стр. 3236
وأجل الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه شريكًا لفاعل المعصية، ومستحقًا لغضب الله وانتقامه، كما وقع لأهل السبت، فإن الله مسخ من لم يشاركهم في الفعل، ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين، فصاروا جميعًا قردة وخنازير. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾. أخرجه الترمذي عنه فقال: قال رسول الله ﷺ : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون - وجلس رسول الله ﷺ وكان متكئًا فقال: - لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا". قال الترمذي: هذا الحديث حسن غريب. قوله: أكيله وشريبه وقعيده هو المؤاكل والمشارب والمقاعد، فعيل بمعنى فاعل. وقوله: لتأطرنه، الإطراء: العطف، يعني لتعطفنه ولتردنه إلى الحق الذي خالفه، والقسر: القهر على الشيء. كما مرّ آنفًا.
وأخرج الخطيب من طريق أبي سلمة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده ليخرجن ناسٌ من أمتي من قبورهم في صورة القردة والخنازير بما داهنوا أهل المعاصي وكفوا عن نهيهم وهم يستطيعون".
والآثار في هذا الباب كثيرة، وفيها وعيد عظيم على ترك التناهي ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وإلى متى نعرض عن أوامر ديننا ولا نرعوي عن غيّنا، ولا نتبع أوامر شرعنا.
٨٠ - وبعد أن ذكر الله تعالى لنبيه أحوال أسلافهم، ذكر له أحوال حاضريهم مما يدل على رسوخ تلك الملكات فيهم فقال: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: تبصر يا محمد كثيرًا من أهل الكتاب، ككعب بن الأشرف وأصحابه ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: يوالون ويصادقون كفار أهل مكة، أبا سفيان وأصحابه، بغضًا لرسول الله ﷺ وللمؤمنين؛ أي: فإن كعبًا وأضرابه خرجوا إلى مشركي مكة ليتفقوا على محاربة النبي ﷺ .
والمعنى: ترى أيها الرسول الكريم كثيرًا من بني إسرائيل يتولون الذين كفروا من مشركي قومك، ويحالفونهم عليك ويحرضونهم على قتالك، وأنت
стр. 3237
تؤمن بالله وبما أنزله على رسله وأنبيائه، وتشهد لهم بصدق الرسالة، وأولئك المشركون لا يؤمنون بكتاب ولا رسول، ولا يعبدون إلهًا واحدًا، ولولا اتباع الهوى وتزيين الشيطان لهم أعمالهم .. ما فعلوا ذلك، ولا خطر هذا بخاطرهم، وما استحبوا العمى على الهدى ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.
وقد روي أن كعب بن الأشرف وأصحابه ذهبوا إلى مكة واستجاشوا المشركين على الرسول ﷺ ، ولكن لم يتم لهم ما أرادوا إذ لم يلبوا لهم دعوة، ولا استجابوا لهم كلمة.
﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لبئس وقبح العمل الذي قدمته أنفسهم الخبيثة زادًا لآخرتهم من موالاتهم لعبدة الأوثان، والمخصوص بالذم ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ﴾ وغضب ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: موجب سخط الله عليهم، وهو العمل الذي هو موالاة عبدة الأوثان ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾؛ أي: وخلودهم أبد الآبدين في عذاب جهنم، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها، فهي من جملة المخصوص بالذم، فالقدير: سخط الله عليهم وخلودهم في العذاب. والمعنى؛ أي: بئس شيئًا قدموه لأنفسهم في آخرتهم الأعمال التي أوجبت سخط الله وعظيم غضبه، وسيجزون بها شر الجزاء، إذ سيحيط بهم العذاب ولا يجدون عنه مصرفًا ويخلدون في النار أبدًا، فالنجاة منه إنَّما تكون برضا الله عن عبده، وهم لم يعملوا إلا ما يوجب سخطه، وشديد غضبه.
٨١ - ﴿وَلَوْ كَانُوا﴾؛ أي: ولو كان أهل الكتاب الذين يوالون المشركين ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ﴾؛ أي: نبيهم الذي أرسل إليهم وهو موسى ﵇ ﴿وما أُنزِلَ إليهم﴾ من التوراة كما يدعون ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾؛ أي: ما اتخذ اليهود المشركين عبدة الأوثان ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ وأصدقاء؛ لأن تحريم اتخاذ المشركين أولياء متأكد في التوراة في شرع موسى ﵇، فلما فعلوا ذلك .. ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى واتباعه، بل مرادهم الرياسة والجاه، فيسعون في تحصيلها بأي طريق قدروا عليها. قال أبو السعود: وبيان الملازمة أن الإيمان بما ذكر وازع عن توليهم قطعًا. والمعنى؛ أي ولو كان أولئك اليهود الذين يتولون
стр. 3238
الكافرين من مشركي العرب يؤمنون بالنبي الذي يدعون اتباعه - وهو موسى ﵇، وما أنزل إليه من الهدى والبينات - لما اتخذوا أولئك الكافرين ممن يعبدون الأوثان والأصنام أولياء وأنصارًا، إذا .. كانت العقيدة الدينية تصدهم عن ذلك، وتدفع عنهم هذه الأصار والآثام التي يقترفونها.
والخلاصة: أن هذه الولاية بين اليهود والمشركين لم يكن لها من سبب إلا اتفاق الفريقين على الكفر بالله ورسوله، والتعاون على حربه وإبطال دعوته، والتنكيل بمن آمن به.
ويروى عن مجاهد أن المراد بالذين كفروا المنافقون؛ أي: إن أولئك المنافقين كفار، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي محمَّد ﷺ وما أنزل إليه من القرآن كما يدعون ما اتخذهم اليهود أولياء لهم، فتوليهم إياهم من أعظم الأدلة على أنهم يسترون الكفر ويظهرون الإيمان نفاقًا، وكان اليهود يتولون المشركين والمنافقين جميعًا لاشتراكهم في عداوة النبي ﷺ والمؤمنين.
وقد بين أسباب هذه الإلفة والعلة الجامعة بينهم فقال: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: ولكن كثيرًا من إليه ﴿فَاسِقُونَ﴾ أي خارجون عن الدين والإيمان بالله ونبيهم وكتابهم أما القليل منهم فقد آمن وإنما قال كثيرًا لأنه علم أن منهم من سيؤمن من مثل عبد الله بن سلام وأصحابه. والمعنى؛ أي: ولكن كثيرًا منهم متمردون في النفاق, خارجون عن حظيرة الدين، لا يريدون إلا الرياسة والجاه، ويسعون إلى تحصيلها من أي طريق قدروا عليه، ومتى سار الكثير من الأمة على طريق تبعه الباقون، إذ لا عبرة بالقليل في سيرة الأمة وأعمالها.
الإعراب
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
﴿لَقَدْ﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿كَفَرَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ
стр. 3239
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾ وإنْ شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْمَسِيحُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿ابْنُ﴾: صفة لـ ﴿الْمَسِيحُ﴾. ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
﴿وَقَالَ﴾ (الواو): عاطفة أو استئنافية. ﴿قَالَ الْمَسِيحُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾. ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ منادى مضاف، وجمله النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿رَبِّي﴾: بدل من الجلالة. ﴿وَرَبَّكُمْ﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿إِنَّهُ﴾ إن حرف نصب. والهاء في محل النصب اسمها. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الجواب، أو الشرط أو هما. ﴿يُشْرِكْ﴾: فعل شرط مجزوم بمن وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُشْرِكْ﴾. ﴿فَقَدْ﴾ (الفاء): رابطة لجواب الشرط وجوبًا لاقترانه بـ (قد). ﴿قَدْ﴾. حرف تحقيق. ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونها جوابًا لها. ﴿عَلَيْهِ﴾. جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَرَّمَ﴾ ـ ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعول به. ﴿وَمَأْوَاهُ النَّار﴾. مبتدأ وخبر, والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿الْجَنَّةَ﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول القول، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: الواو: عاطفة أو استئنافية. ما حجازية أو تميمية. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿ما﴾ أو للمبتدأ. ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿أَنْصَارٍ﴾: اسم ما مؤخر أو مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾ إنْ قلنا
стр. 3240
إنَّه من تمام كلام عيسى أو مستأنفة.
الإعراب
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
﴿لَقَدْ﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿كَفَرَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب لقسم محذوف لا محل لها من الإعراب. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾ وَإنْ شئت قلت ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾ اسمها. ﴿ثَالِثُ﴾: خبرها. ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿إِلَهٍ﴾: مبتدأ، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا تقديره: وما إله كائن للخلق. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء. ﴿إِلَهٌ﴾ بدل من ﴿إِلَهٍ﴾ تابع لمحله. ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة لـ ﴿إِلَهٌ﴾. وأجاز الكسائي اتباعه على اللفظ بالجر في غير القرآن، والجملة مستأنفة.
﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِنْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَنْتَهُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَنْتَهُوا﴾. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: عما يقولونه ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾ (اللام): موطئة لقسم محذوف. ﴿يمسن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور في موضع الحال إمَّا ﴿من﴾ الذين أو من ضمير الفاعل في ﴿كَفَرُوا﴾ وجرى الزمخشري على أنها بيانية. ﴿عَذَابٌ﴾: فاعل ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾ والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم، والقدير: والله إن لم ينتهوا ليمسن الذين كفروا يمسهم عذاب أليم، وجاء هذا على القاعدة المقررة عندهم، وهي: إنَّه إذا اجتمع
стр. 3241
شرط وقسم .. أجيب سابقهما ما لم يسبقهما ذو خبر، وقد يجاب الشرط مطلقًا كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهُوَ مُلْتَزَمْ
وِإنْ تَوَالَيَا وَقَبْلُ ذُوْ خَبَرْ ... فَالشَّرْطَ رَجِّحْ مُطْلَقًا بِلا حَذَرْ
وَرُبَّمَا رُجِّحَ بَعْدَ قَسَمِ ... شَرْطٌ بِلا ذِيْ خَبَرٍ مُقَدَّمِ
فإن قلت: السابق هنا الشرط، والقسم مقدر فيمكن تقديره متأخرًا.
قلت: إنَّه لو قصد تأخر القسم في التقدير لأجيب الشرط، فلما أجيب القسم .. علم أنَّه مقدر التقديم.
﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾.
﴿أَفَلَا﴾: (الهمزة): للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف تقديره: ألا ينتهون عن تلك العقائد الباطلة. (والفاء): عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَتُوبُونَ﴾: فعل وفاعل مرفوع بالنون، والجملة المحذوفة مع ما عطف عليها جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتُوبُونَ﴾. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿وَاللَّهُ﴾: (الواو): واو الحال. ﴿اللهُ﴾: مبتدأ. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿يَسْتَغْفِرُونَهُ﴾.
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأكُلَانِ الطَّعَامَ﴾.
﴿مَا﴾: نافية. ﴿الْمَسِيحُ﴾: مبتدأ. ﴿ابنُ﴾: صفة لـ ﴿المسيح﴾. ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿رَسُولٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة مسوقة لتحقيق الحق الذي لا محيد عنه، وبيان حقيقة حاله ﵇ وحال أمه. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَتْ﴾: فعل ماضٍ. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خَلَتْ﴾. ﴿الرُّسُلُ﴾: فاعل، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾، ولكنها سببية. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾: مبتدأ وخبر،
стр. 3242
والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿كَانَا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿يَأكُلَانِ الطَّعَامَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب خبر ﴿كَانَا﴾ تقديره: كانا آكلين الطعام، وجملة كان من اسمها وخبرها مستأنفة لا محل لها من الإعراب كما قاله أبو البقاء.
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾.
﴿انْظُر﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد أو على أي مخاطب، والجملة مستأنفة ﴿كَيْفَ﴾ للاستفهام التعجبي في محل النصب على التشبيه بالمفعول به، والعامل فيه ﴿نُبَيِّنُ﴾، ولا يجوز أن يكون معمولًا لما قبله؛ لأنَّ له صدر الكلام ﴿نُبَيِّنُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿الْآيَاتِ﴾ مفعول به، وهذه الجملة الاستفهامية في محل النصب مفعول لـ ﴿انْظُرْ﴾، و ﴿كَيْفَ﴾ معلقة له عن العمل في لفظه. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿انْظُر﴾: فعل وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة ﴿انْظُر﴾ الأولى، ورتب بينهما بـ ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي ما بين العجبين، وكأنه (١) أثبت العجب من توضيح الآيات، وتبيينها ثم ينظر إلى حال من بينت له، فيرى إعراضهم عن الآيات أعجب من توضيحها؛ لأنَّه يلزم من تبيينها تبينها لهم، والرجوع إليها، فكونهم أفكوا عنها أعجب. ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام بمعنى كيف في محل النصب على التشبيه بالمفعول به، والعامل فيه ما بعده. ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مفعول به لـ ﴿انْظُرْ﴾ معلقة عنها باسم الاستفهام.
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة مستأنفة.
﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: (الهمزة): للاستفهام
стр. 3243
التوبيخي. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَعْبُدُونَ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَمْلِكُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور تعلق بـ ﴿يَمْلِكُ﴾. ﴿ضَرًّا﴾ مفعول ﴿يَمْلِكُ﴾ ﴿وَلَا نَفْعًا﴾: معطوف على ﴿ضَرًّا﴾ وجملة ﴿يَمْلِكُ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد ضمير الفاعل. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل أو بدل من المبتدأ. ﴿السَّمِيعُ﴾: خبر أول. ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾ أو في (١) محل النصب على الحال من فاعل ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾؛ أي: أتعبدون غير الله، والحال أن الله هو المستحق للعبادة لأنَّه يسمع كل شيء ويعلمه، وإليه يشير كلام الزمخشري؛ فإنه قال: والله هو السميع العلم متعلق بـ ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾؛ أي: أتشركون بالله ولا تخشونه، وهو الذي يسمع ما تقولون وما تعتقدون، أتعبدون العاجز وهو السميع العليم؟ انتهى. والرابط بين الحال وصاحبها الواو، ومجيء هاتين الصفتين بعد هذا الكلام في غاية المناسبة؟ فإنَّ السميع يسمع ما يشتكى إليه من الضر وطلب النفع، ويعلم مواقعهما كيف يكونان.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة مستأنفة ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت قلت ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿لَا﴾: ناهية. ﴿تَغْلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿فِي دِينِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَغْلُوا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول على كونها جواب النداء ﴿غَيْرَ الْحَقّ﴾ صفة لمصدر
стр. 3244
محذوف؛ أي: غلوا غير الحق؛ لأنَّ غلا من الأفعال اللازمة. ويجوز (١) أن يكون حالًا من ضمير الفاعل؛ أي: لا تغلوا مجاوزين الحق، قاله أبو البقاء ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تَتَّبِعُوا﴾. ﴿أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ فعل وفاعل والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾ ﴿مِنْ﴾: حرف جر. ﴿قَبْلُ﴾: ظرف زمان في محل الجر بـ ﴿مِنْ﴾ لشبهة بالحرف شبهًا افتقاريًّا، لافتقاره إلى المضاف إليه المحذوف تقديره: قبل مبعث محمد ﷺ ، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿ضَلُّوا﴾. ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿ضلوا﴾ على كونها صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾ وكذلك جملة قوله: ﴿وَضَلُّوا﴾ معطوف على جملة ضلوا ﴿عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بضلوا الأخير، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: عن السبيل السوي.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨)﴾.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ﴾: فعل ونائب فاعل والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، في محل النصب حال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أو من ضمير الفاعل في ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿لُعِنَ﴾. ﴿وَعِيسَى﴾ معطوف على ﴿دَاوُودَ﴾. ﴿ابْنِ مَرْيَمَ﴾: صفة لـ ﴿عيسى﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾): حرف جر وسبب. و ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿عَصَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة (ما) المصدرية. ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بعصيانهم، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: ذلك اللعن المذكور كائن بسبب عصيانهم، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يعتدون﴾: في محل النصب خبر كان
стр. 3245
تقديره: وكانوا معتدين، وجملة ﴿كان﴾: معطوفة على جملة ﴿عَصَوْا﴾: على كونها صلة ﴿ما﴾: المصدرية، والتقدير: ذلك كائن بسبب عصيانهم وكونهم معتدين، وقيل: جملة كانوا مستأنفة كما يدل عليه ما بعده.
﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾.
﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب خبر كان، وجملة كان مستأنفة. ﴿عَنْ مُنْكَرٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتَنَاهَوْنَ﴾. ﴿فَعَلُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿مُنْكَرٍ﴾. ﴿لَبِئْسَ﴾ (اللام): موطئة للقسم. ﴿بِئْسَ﴾: فعل ماض من أفعال الذم. ﴿مَا﴾: موصولة في محل الرفع فاعل. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ خبر ﴿كَانُوا﴾ وجملة ﴿كَانُوا﴾ صلة لما الموصولة، وجملة ﴿بِئْسَ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: فعلهم هذا الذي هو ترك النهي عن المنكر.
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
﴿تَرَى كَثِيرًا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، وهي بصرية تتعدى إلى مفعول واحد. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة ﴿كَثِيرًا﴾ والجملة الفعلية مستأنفة ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾ فعل وفاعل ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾ في محل النصب حال من ﴿كَثِيرًا﴾ لتخصصه بالصفة، أو في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿تَرَى﴾ إن قلنا إنَّها علمية، والأول أنسب ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول.
﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
﴿لَبِئْسَ﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿بِئْسَ﴾: فعل ماض من أفعال الذم. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل. ﴿قَدَّمَتْ﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾: فاعل قدم، وجملة قدم صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ما قدمته لهم أنفسهم، وجملة بئس جواب القسم لا محل لها من
стр. 3246
الإعراب ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿سَخِطَ﴾: فعل ماض في حل النصب بأنْ مبني على الفتح ﴿اللَّهُ﴾ فاعل ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿سَخِطَ﴾ وجملة ﴿سَخِطَ﴾ في تأويل مصدر مرفوع خبر لمبتدأ محذوف؛ لأنَّه مخصوص بالذم تقديره: هو سخط الله عليهم ولكنه على حذف مضاف تقديره: لبئس العمل الذي قدمته لهم أنفسهم. هو موجب سخط الله عليهم وهو موالاتهم لكفار مكة ﴿وَفِي الْعَذَابِ﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر والجملة من المبتدأ، والخبر معطوفة على جملة ﴿أَنْ سَخِطَ﴾ على كونها مخصوصًا بالذم والتقدير: والمخصوص بالذم سخط الله عليهم وخلودهم في العذاب.
﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾.
﴿وَلَوْ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل مرفوع بالنون. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿وَالنَّبِيِّ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿وَمَا﴾ ما موصولة أو موصوفة في محل الجر، معطوفة على الجلالة أيضًا. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾ وجملة ﴿أُنْزِلَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ من الفعل والفاعل في محل النصب خبر كان، وجملة ﴿كان﴾: فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا اتخذوهُم﴾ ﴿مَا﴾: نافية. ﴿اتَّخَذُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول ثان وجملة ﴿اتخذ﴾: جواب (لو) لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ مستأنفة. ﴿وَلَكِنَّ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿لكن﴾: حرف نصب. ﴿كَثِيرًا﴾: اسمها. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾. ﴿فَاسِقُونَ﴾: خبر ﴿لكن﴾ وجملة ﴿لكن﴾ مستأنفة استدراكية لا محل لها من الإعراب.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَمَأوَاهُ النَّارُ﴾ المأوى اسم مكان من أوى الرجل البيت، يأوي من باب رمى، إواء ومأوى بالفتح على القياس إذا نزل فيه؛ لأنّه معتل اللام فقياس
стр. 3247
مصدره، وظرفه جميعًا بالفتح.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والأنصار جمع ناصر، والنسبة إليه أنصاري، والناصر المعين لك على دفع ضد، أو عدوّ ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ والراد بثالث ثلاثة واحد من ثلاثة، ولهذا يضاف إلى ما بعده ولا يجوز فيه التنوين كما قاله الزجاج وغيره، وإنَّما ينون وينصب ما بعده إذا كان ما بعده دونه بمرتبة نحو: ثالث اثنين، ورابع ثلاثة؛ أي: جاعل اثنين ثلاثة، وجاعل ثلاثة أربعةً.
﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقال: مسه الشيطان بنصب أو عذاب يمسه ومسيسًا ومسيسي إذا أصابه به، فهو من المضاعف المعدى، فقياسه ضم عين مضارعه، ولكن فتح هنا لأن ما قبل نون التوكيد لا ينون إلا مفتوحًا. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ يقال: خلا الشيء يخلو خلوًا وخلاء، إذا مضى، يقال: فعلته لخمس خلون من الشهر؛ أي: مضين. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾؛ أي: وما (١) أمه إلا صادقة فيما تقوله أو مصدقة لما جاء به ولدها من الرسالة، وذلك لا يستلزم الإلهية لها. قال أبو حيان (٢): هذا البناء من أبنية المبالغة، والأظهر أنَّه من الثلاثي المجرد، إذ بناء هذا التركيب منه كسكيت وسكير وشريب وطبيخ، من سكت وسكر وشرب وطبخ، ولا يعمل ما كان مبنيًّا من الثلاثي المتعدي كما يعمل فعول وفعال ومفعال، فلا يقال: زيد شريب الماء، كما تقول: ضراب زيدًا، والمعنى: الإخبار عنها بكثرة الصدق. قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون من التصديق، وبه سمي أبو بكر الصديق، ولم يذكر الزمخشري غير أنه من التصديق، وهذا القول خلاف الظاهر من هذا البناء انتهى.
﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ يقال: أفك الرجل يؤفك، إذا ضعف عقله الأفيك والمأفوك عاجز الرأي. قال أبو (٣) حيان: الأفك بفتح الهمزة مصدر أفكه يأفكه إذا قلبه وصرفه ومنه: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾. ويقال: يؤفك عنه من
стр. 3248
أفك. قال عروة بن أذينة:
إِنْ كُنْتُ عَنْ أحْسَنِ الْمُرُوْءَةِ مَأْ ... فُوْكًا فَفِيْ آخَريْنَ قَدْ أُفِكُوْا
قال أبو زيد: المأفوك المأفون، وهو الضعيف العقل، وقال أبو عبيدة: رجل مأفوك لا يصيب خيرًا، وائتفكت البلدة بأهلها انقلبت، والمؤتفكات مدائن قوم لوط ﵇ قلبها الله تعالى، والمؤتفكات أيضًا الرياح التي تختلف مهابها. ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ مأخوذ من غلا الرجل في الدين يغلو غلوًا، من باب غدًا إذا شدد وتصلب فيه حتى جاوز الحد، أصله: لا تغلووا بواوين أولاهما مضمومة وهي لام الكلمة وثانيتهما واو الضمير، استثقلت الضمة على الواو ثم حذفت، فالتقى ساكنان فحذفت واو لام الكلمة فصار لا تغلوا بوزن تفعلوا، فالغلو الإفراط وتجاوز الحد، بالزيادة في الدين أو التفريط فيه بالنقض عنه.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾ والأهواء (١) جمع هوى، وهو ما تدعو شهوة النفس إليه. قال الشعبي: ما ذكر الله تعالى الهوى في القرآن إلا وذمه. وقال أبو عبيدة لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر؛ لأنه يقال: فلان يهوى الخير، إلا أنه يقال: فلان يحب الخير ويريده. فالأهواء: الآراء التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة ﴿سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ السواء في الأصل الوسط، ولكن المراد به هنا الدين الحق، والسواء أيضًا المثل، يقال في المثنى: هما في هذا الأمر سواء، وإن شت قلت: سواءان، وفي الجمع هم سواء، أو هم أسواء، ويقال أيضًا في الجمع على غير قياس: هم سواس وسواسية وسواسوة؛ أي: متساويان ومستاوون.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ واللعن: الحرمان من لطف الله وعنايته، والمراد باللسان (٢) الجارحة لا اللغة كذا قاله الشيخ، يعني: إن الناطق بلعن هؤلاء لسان هذين النبيين وجاء قوله: ﴿عَلَى لِسَانِ﴾ بالإفراد دون التثنية والجمع، فلم يقل على لساني بالتثنية لقاعدة كلية وهي أن كل جزئين مفردين من صاحبيهما إذا أضيفا إلى كليهما من غير تفريق .. جاز
стр. 3249
فيهما ثلاثة أوجه لفظ الجمع، وهو المختار، ويليه التثنية عند بعضهم، وعند بعضهم الإفراد مقدم على التثنية، فيقال: قطعت رؤوس الكبشين، وإن شئت قلت: قطعتُ رأسي الكبشين، وإن شئت قلت: رأس الكبشين، ومنه فقد صغت قلوبكما، وفي النفس من كون المراد باللسان الجارحة شيء، ويؤيد ذلك ما مال له الزمخشري، فإنَّه قال: نزل الله لعنهم في الزبور على لسان داود، وفي الإنجيل على لسان عيسى، وقوة هذا تأبى كونه للجارحة، ثم إني رأيت للواحديّ ذَكَر عن المفسرين قولين، ورجح ما قلته. اهـ. "سمين".
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ أصله عصيوا، تحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف، فصار عصوا لأنّه من عصى سيده يعصى من باب رمى عصيًا، ومعصية إذا خرج في طاعته، وخالف أمره وعانده فهو عاص. ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ظاهره (١) أن التفاعل بمعنى الاشتراك، أي: لا ينهى بعضهم بعضًا، وذلك أنهم جمعوا بين فعل المنكر والتجاهر به، وعدم النهي عنه، والمعصية إذا فعلت وقدرت على العبد .. ينبغي أن يستتر بها وفي الحديث من ابتلي منكم بشيء من هذه القاذورات فليستتر، فإذا فعلت جهارًا وتواطئوا على عدم الإنكار .. كان ذلك تحريضًا على فعلها"، ومسببًا مثيرًا لإفشائها وكثرتها. وقيل: التفاعل هنا بمعنى الافتعال، يقال: انتهى عن الأمر وتناهى عنه إذا كف، والمعنى كانوا لا يمتنعون عن منكر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾. لأنَّ التحريم هنا مستعمل في المنع مجازًا، لانقطاع التكليف في دار الاخرة. وفيه أيضًا إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتهويل الأمر وتربية المهابة.
ومنها: الإظهار أيضًا في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ
стр. 3250
أَنْصَارٍ﴾ للتسجيل (١) عليهم بوصف الظلم.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ لتكرير الشهادة عليهم بالكفر، وللإعلام بأنهم كانوا بمكان من الكفر.
ومنها: الإظهار أيضًا في مقام الإضمار في قوله: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذ الأصل أن يقال: ليمسنهم أظهره لتكرير الشهادة عليهم بالكفر.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ﴾ استدعاء لهم إلى التنصل من تلك المقالة الشنعاء بعد أن كرر عليهم الشهادة بالكفر.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
ومنها: القصر في قوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ﴾. ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. قال أبو السعود: تكرير الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب ولفظ: ثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت؛ أي: إن بيانًا للآيات أمر بديع بالغ أقصى الغايات من الوضوح والتحقيق، وإعراضم عنها أعجب وأبدع.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.
ومنها: التفصيل في النهي في قوله: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿قَوْمٍ﴾ تحقيرًا لهم.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾.
ومتها: التعجيب في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فإن فيه تعجيبًا من سوء فعلهم مؤكدًا ذلك بالقسم.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
стр. 3251
ومنها: الزيادة أيضًا في بعض المواضع كزيادة من في قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. والله أعلم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين (١).
* * *
ولقد أجاد من قال هذا البيت:
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيْلَةٌ ... وَلَكنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِيْ الْمَسَاوِيَا
شعر آخر
أَيُّها الْمُبْتَلَى بِكَشْفِ الْعَوْرَاتِ ... فَإِنَّ لَكَ عَوْرَةٌ أسْوَأُ الْعَوْرَاتِ
لا تَنْظُرْ كِتَابَتِيْ بِعَيْنِ التَّنْقِيْصِ ... فَإِنَّهَا غَالِيَةٌ عَنِ التَّرْخِيْصِ
стр. 3252
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد الثامن»
стр. 3253
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 3254
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، والصلاة والسلام على الرسول الكريم المرتضى، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه نجوم الهدى، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الفصل والقضا.
أما بعد: فإني لما فرغت من تفسير الجزء السادس من القرآن .. قصدت أن أشرع في تفسير الجزء السابع منه مستعينًا بعون الملك الجواد، مستمدًا منه التوفيق والسداد لأقوم الطريق والرشاد فقلت:
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.
стр. 3258
المناسبة
قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (١) لما حاج أهل الكتاب، وذكر من مخازيهم أنهم اتخذوا الدين الإِسلامي هزوًا ولعبًا، وأن اليهود منهم قالوا: يد الله مغلولة، وأنهم قتلوا رسلهم تارة، وكذبوهم أخرى، وأن النصارى منهم اعتقدوا عقائد زائفة، فمنهم من قال: المسيح ابن الله، ومنهم من قال: إن الله ثالث ثلاثة، وقد عابهم على ذلك، وكرَّ عليهم بالحجة إثر الحجة لتنفيذ ما كانوا يعتقدون .. ذكر هنا أحوالهم في عداوتهم للمؤمنين، ومحبتهم لهم، ومقدار تلك المحبة والعداوة، وبين حال المشركين مع المؤمنين بالتبع.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أن الله لما (٢) مدح النصارى بأنهم أقرب الناس مودة للمؤمنين، وذكر من أسباب ذلك أن منهم قسيسين ورهبانًا .. ظن المؤمنون أن في هذا ترغيبًا في الرهبانية، وظن الميالون للتقشف والزهد أنها منزلة تقربهم إلى الله، ولن تتحقق إلا بترك التمتع بالطيبات من الطعام واللباس والنساء، إما دائمًا كامتناع من الزواج، وإما في أوقات معينة، كأنواع الصيام التي ابتدعوها، فأزال الله هذا الظن، وقطع عرق هذا الوهم بذلك النهي الصريح.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها هي (٣): أنه تعالى لما مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهبانًا، وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ومستلذاتها وأوهم ذلك ترغيب المسلمين في مثل ذلك التقشف والتبتل .. بيّن تعالى أن الإِسلام لا رهبانية فيه.
وقال رسول الله ﷺ : "أمّا أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، وأنال الطيب، فمَن رغب عن سنتي فليس مني" وأكل ﷺ الدجاج والفالوذج،
стр. 3259
وكان يعجبه الحلوى والعسل. انتهى.
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما نهى عن تحريم الطيبات، وعن الإعداء فيها، وتجاوز الحدود؛ لأن قومًا من المسلمين تنسكوا وحرموا على أنفسهم اللحم والنساء وغيرها من الطيبات تقربًا إلى الله تعالى .. سألوا عما يصنعون بأيمانهم التي حلفوا عليها، فأنزل الله تعالى هذه الآية جوابًا لهم عما سألوا.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير قالوا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتابًا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين، ثم أمر جعفر بن أبي طالب، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن، وفاضت أعينهم من الدمع، فهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشي ثلاثين رجلًا من خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ ، فقرأ عليهم سورة يس، فبكوا، فنزلت فيهم الآية.
وأخرج النسائي عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ وروى الطبراني عن ابن عباس نحوه بأبسط منه.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا ...﴾ الآية، روى الترمذي وغيره عن ابن عباس: أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني إذا أصبت
стр. 3260
اللحم .. انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرمت عليَّ اللحم، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير (١)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النبي ﷺ : "لكنى أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني".
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وقدامة تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح (٢)، وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهمُّوا بالاختصاء، وأجمعوا على القيام بالليل، وصيام النهار فنزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية. فلما نزلت .. بعث إليهم رسول الله ﷺ ، فقال: "إن لأنفسكم حقًّا، وإن لأعينكم حقًّا، وإن لأهلكم حقًّا، فصلوا وناموا، وصوموا وأفطروا، فليس منا من ترك سنتنا"، فقالوا: اللهم صدقنا واتبعنا ما أنزلت مع الرسول.
وروى ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: أن عبد الله بن رواحة أضافه ضيف من أهله، وهو عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فوجدهم لم يطعموا ضيفه انتظارًا، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي؟ هو حرام علي، فقالت امرأته: هو عليَّ حرام، فقال الضيف: هو عليَّ حرام، فلما رأى ذلك .. وضع يده وقال: كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبي ﷺ ، فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل