بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، والصلاة والسلام على الرسول الكريم المرتضى، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه نجوم الهدى، وعلى التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الفصل والقضا.
أما بعد: فإني لما فرغت من تفسير الجزء السادس من القرآن .. قصدت أن أشرع في تفسير الجزء السابع منه مستعينًا بعون الملك الجواد، مستمدًا منه التوفيق والسداد لأقوم الطريق والرشاد فقلت:
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾.
стр. 3258
المناسبة
قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (١) لما حاج أهل الكتاب، وذكر من مخازيهم أنهم اتخذوا الدين الإِسلامي هزوًا ولعبًا، وأن اليهود منهم قالوا: يد الله مغلولة، وأنهم قتلوا رسلهم تارة، وكذبوهم أخرى، وأن النصارى منهم اعتقدوا عقائد زائفة، فمنهم من قال: المسيح ابن الله، ومنهم من قال: إن الله ثالث ثلاثة، وقد عابهم على ذلك، وكرَّ عليهم بالحجة إثر الحجة لتنفيذ ما كانوا يعتقدون .. ذكر هنا أحوالهم في عداوتهم للمؤمنين، ومحبتهم لهم، ومقدار تلك المحبة والعداوة، وبين حال المشركين مع المؤمنين بالتبع.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أن الله لما (٢) مدح النصارى بأنهم أقرب الناس مودة للمؤمنين، وذكر من أسباب ذلك أن منهم قسيسين ورهبانًا .. ظن المؤمنون أن في هذا ترغيبًا في الرهبانية، وظن الميالون للتقشف والزهد أنها منزلة تقربهم إلى الله، ولن تتحقق إلا بترك التمتع بالطيبات من الطعام واللباس والنساء، إما دائمًا كامتناع من الزواج، وإما في أوقات معينة، كأنواع الصيام التي ابتدعوها، فأزال الله هذا الظن، وقطع عرق هذا الوهم بذلك النهي الصريح.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها هي (٣): أنه تعالى لما مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهبانًا، وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ومستلذاتها وأوهم ذلك ترغيب المسلمين في مثل ذلك التقشف والتبتل .. بيّن تعالى أن الإِسلام لا رهبانية فيه.
وقال رسول الله ﷺ : "أمّا أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، وأنال الطيب، فمَن رغب عن سنتي فليس مني" وأكل ﷺ الدجاج والفالوذج،
стр. 3259
وكان يعجبه الحلوى والعسل. انتهى.
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما نهى عن تحريم الطيبات، وعن الإعداء فيها، وتجاوز الحدود؛ لأن قومًا من المسلمين تنسكوا وحرموا على أنفسهم اللحم والنساء وغيرها من الطيبات تقربًا إلى الله تعالى .. سألوا عما يصنعون بأيمانهم التي حلفوا عليها، فأنزل الله تعالى هذه الآية جوابًا لهم عما سألوا.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير قالوا: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتابًا إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله ﷺ ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين، ثم أمر جعفر بن أبي طالب، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن، وفاضت أعينهم من الدمع، فهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشي ثلاثين رجلًا من خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ ، فقرأ عليهم سورة يس، فبكوا، فنزلت فيهم الآية.
وأخرج النسائي عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ وروى الطبراني عن ابن عباس نحوه بأبسط منه.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا ...﴾ الآية، روى الترمذي وغيره عن ابن عباس: أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إني إذا أصبت
стр. 3260
اللحم .. انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرمت عليَّ اللحم، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير (١)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النبي ﷺ : "لكنى أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني".
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وقدامة تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح (٢)، وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهمُّوا بالاختصاء، وأجمعوا على القيام بالليل، وصيام النهار فنزلت الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية. فلما نزلت .. بعث إليهم رسول الله ﷺ ، فقال: "إن لأنفسكم حقًّا، وإن لأعينكم حقًّا، وإن لأهلكم حقًّا، فصلوا وناموا، وصوموا وأفطروا، فليس منا من ترك سنتنا"، فقالوا: اللهم صدقنا واتبعنا ما أنزلت مع الرسول.
وروى ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: أن عبد الله بن رواحة أضافه ضيف من أهله، وهو عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فوجدهم لم يطعموا ضيفه انتظارًا، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي؟ هو حرام علي، فقالت امرأته: هو عليَّ حرام، فقال الضيف: هو عليَّ حرام، فلما رأى ذلك .. وضع يده وقال: كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبي ﷺ ، فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل
стр. 3261
الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ...﴾ الآية، سبب (١) نزولها: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ...﴾ قال القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فنزلت هذه الآية. رواه العوفي عن ابن عباس.
التفسير وأوجه القراءة
٨٢ - وعزتي وجلالي ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ يا محمد ﴿أَشَدَّ النَّاسِ﴾ وأكثرهم وأبلغهم، والناس هنا: الكفار؛ أي: ولتجدن أشد الكفار ﴿عَدَاوَةً﴾ وبُغضًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بك واتبعوك وصدقوا بما جئتهم به ﴿الْيَهُودَ﴾ يعني: يهود بني قريظة والنضير وفدك وخيبر وغيرهم من سائر يهود الحجاز؛ لشدة شكيمتهم - إبائهم وأنفتهم من الحق - وتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وقربهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "ما خلا يهوديان بمسلم إلا همَّا بقتله". وقد قال بعضهم: مذهب اليهود: أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من خالفهم في الدين بأي طريق كان، فإن قدروا على القتل فذاك، وإلا فبغصب المال، أو بالسرقة، أو بنوع من الحيلة. وأما النصارى: فليس مذهبهم ذلك، بل الإيذاء حرام في دينهم.
وذكر الله تعالى فيما سيأتي آنفًا أن النصارى ألين عريكة - أسهل خلقًا - من اليهود، وأقرب إلى المسلمين منهم.
﴿وَ﴾ لتجدن أيضًا أشدهم عداوة للذين آمنوا ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾؛ أي: المشركين من أهل مكة عبدة الأوثان، الذين اتخذوها آلهة يعبدونها من دون الله، وأشد ما لاقى النبي ﷺ من العداوة والإيذاء كان من يهود الحجاز في المدينة وما حولها، ومن مشركي العرب ولا سيما مكة وما قرب منها، وقد كان اليهود والمشركون مشتركين في بعض الصفات والأخلاق التي اقتضت عداوتهم الشديدة
стр. 3262
للمؤمنين، كالكبر والعتو، والبغي وغلبة الحياة المادية، والأثرة والقسوة، وضعف عاطفة الحنان والرحمة، والعصبية الجنسية، والحمية القوية، ولكن مشركي العرب - على جاهليتهم - كانوا أرق من الحهود قلوبًا، وأعظم سخاءً وإيثارًا، وأكثر حرية في الفكر واستقلالًا في الرأي. وقدَّم سبحانه ذكر اليهود؛ للإشارة إلى تفوقهم على العرب فيما وصفوا به فضلًا عما امتازوا به من قتل بعض الأنبياء، وإيذاء بعض آخر، واستحلال أكل أموال غيرهم بالباطل، ولم يكن ميلهم مع المسلمين في البلاد المقدسة والشام والأندلس قبل هذه الواقعة العصرية إلا ميلًا وراء مصلحتهم الخاصة؛ إذ هم تفيؤوا ظلال عدلهم، واستراحوا به من اضطهاد النصارى في تلك البلاد. و ﴿لتَجِدَنَّ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لتجدن يا محمد ﴿أَقْرَبَهُمْ﴾؛ أي: أقرب الناس ﴿مَوَدَّةً﴾؛ أي: محبة وميلًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بك وصدقوك ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾؛ أي: أنصار دين الله، وموادون لأهل الحق، فإن النبي ﷺ رأى من نصارى الحبشة أحسن المودة؛ بحماية المهاجرين الذين أرسلهم النبي ﷺ في أول الإِسلام من مكة إلى الحبشة خوفًا عليهم من مشركيها، الذين كانوا يؤذونهم أشد الإيذاء ليفتنوهم عن دينهم.
ولما أرسل النبي ﷺ كتبه إلى الملوك ورؤساء الشعوب .. كان النصارى منهم أحسنهم ردًّا، فهرقل ملك الروم في الشام حاول إقناع رعيته بقبول الإِسلام، فلم يستطع لجمودهم على التقليد، فاكتفى بالرد الحسن. والمقوقس عظيم القبط في مصر كان أحسن منه ردًّا - وإن لم يكن أكثر منه ميلًا إلى الإِسلام - وأرسل للنبي ﷺ هدية حسنة، ثم لما فتحت مصر والشام، وعرف أهلهما ما للإسلام من مزايا .. هرعوا إلى الدخول في الدين أفواجًا، وكان القبط أسرع إليه قبولًا.
والخلاصة: أن النبي ﷺ والمؤمنين به رأوا في عصره من مودة النصارى وقربهم من الإِسلام بقدر ما رأوا من عداوة اليهود والمشركين، وأن من توقف من ملوكهم عن الإِسلام، فما كان توقفه إلا ضنًّا بملكه، وأن النجاشي - أصحمة ملك الحبشة - قد أسلمت معه بطانته من رجال الدين والدنيا, ولكن الإِسلام لم ينتشر في الحبشة بعد موته، ولم يهتم المسلمون بإقامة دينهم في تلك البلاد كما فعلوا في مصر والشام.
стр. 3263
قلتُ: هذا في الزمان الأول، وإلا فالآن المسلمون في الحبشة ثمانون في المئة، حتى تداول فيها سبعون أميرًا من أمراء السلمين قبل أن يأخذها استئمار الأمحار بمساعدة الأوروبيين لهم على محاربة المسلمين.
وإنما أسند (١) تسميتهم نصارى إليهم دون تسمية اليهود؛ للإشعار بقرب مودتهم، حيث يدَّعون أنهم أنصار الله، وأَوِدَّاءُ أهل الحق، وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإِسلام، فتسميتهم نصارى ليست حقيقة، بخلاف تسمية اليهود يهودًا فإنها حقيقة، سواء سموا بذلك لكونهم أولاد ابن يعقوب: يهودا، أو لكونهم تابوا عن عبادة العجل، أو لترجيعهم في دراستهم إن قلنا: من تهود بمعنى: رجع ومطّط في الدراسة، ولكن ما رأينا في كتب اللغة: تهود بمعنى: تحرك في الدراسة، كما قاله أبو العلاء المعري.
فإن قلت: كافر (٢) النصارى أشد من كفر اليهود؛ لأن النصارى ينازعون في الألوهية، فيدعون لله ولدًا، واليهود إنما ينازعون في النبوة، فينكرون نبوة بعض الأنبياء، فلِمَ ذم اليهود ومدح النصارى؟
قلتُ: هذا مدح في مقابلة ذم، وليس مدحًا على الإطلاق، وأيضًا الكلام في عداوة المسلمين وقرب مودتهم، لا في شدة الكفر وضعفه، وقد قال بعضهم: مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر والأذى إلى من خالفهم في الدين، ومذهب النصارى أن الأذى حرام، فحصل الفرق بين اليهود والنصارى كما مر آنفًا.
وقيل: إن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد، وطلب الرياسة، ومن كان كذلك .. كان شديد العداوة لغيره، وأما النصارى: فإن فيهم من هو معرض عن الدنيا ولذاتها، وترك طلب الرياسة، ومن كان كذلك .. فإنه لا يحسد أحدًا، ولا يعاديه، بل يكون ألين عريكة - أخلاقًا - في طلب الحق، فلهذا قال: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: كونهم أقرب مودة للمؤمنين ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ﴾؛ أي: بسبب أن منهم ﴿قِسِّيسِين﴾؛ أي: علماء ﴿وَرُهْبَانًا﴾؛ أي: عبادًا، أصحاب صوامع ﴿وَأَنَّهُمْ لَا
стр. 3264
يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: لا يتكبرون عن قَبول الحق إذا فهموه، كما استكبر اليهود والمشركون من أهل مكة؛ يعني: لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق. والمعنى: أن السبب (١) في هذه المودة أن منهم قسيسين يتولون تعليمهم التعليم الديني، ويهذبون أخلاقهم، ويربون فيهم الآداب والفضائل، ورهبانًا يعودونهم الزهد والتقشف والإعراض عن زخرف الدنيا ونعيمها، ويكبرون في نفوسهم الخوف من الله تعالى، والانقطاع لعبادته، وأنهم لا يستكبرون عن الإذعان للحق إذا ظهر أنه الحق؛ إذ من فضائل دينهم التواضع والتذلل والخضوع لكل حاكم، بل إنهم أمروا بمحبة الأعداء، وإدارة الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن، فكل أولئك يؤثر في جمهور الأمة وسوادها الأعظم، وقد عهد من النصارى قبول سلطة المخالف لهم طوعًا واختيارًا، بخلاف اليهود فإنهم إذا أظهروا الرضا اضطرارًا .. أسروا الكيد، وأضمروا المكر؛ لأن الشريعة اليهودية تولد في نفوسهم العصبية الجنسية، والحمية القومية؛ لأنها خاصة بشعب إسرائيل، وأحكامها ونصوصها مبنية على ذلك.
٨٣ - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا﴾؛ أي: وإذا سمع أولئك الذين قالوا: إنا نصارى ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ محمد ﷺ الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وهو القرآن ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ﴾؛ أي: تبصر أيها المخاطب الحاضر عندهم أعين أولئك السامعين ﴿تَفِيضُ﴾ وتسيل ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ وهو ماء العين؛ أي: تمتلىء من الدمع حتى يسيل ويتدفق من جوانبها لكثرته.
وقرىء: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ﴾ بالبناء للمجهول. ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ﴾؛ أي: لأجل ما عرفوه من الحق الذي بينه لهم القران، ولم يمنعهم من قبوله ما يمنع غيرهم من عتو واستكبار، أو مما عرفوا في كتابهم من نعت محمد ﷺ . ثم ذكر سبحانه ما يكون منهم من القول إثر بيان ما كان من حالهم فقال: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾؛ أي: ترى أعينهم تفيض من الدمع حالة كونهم يقولون: ربنا ويا مالك
стр. 3265
أمرنا آمنا، وصدقنا بهذا الكتاب النازل من عندك على محمد ﷺ ، وبمن أنزلته عليه، وشهدنا أنه حق ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: من الذين شهدوا بأنه حق، أو بنبوته، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة؛ أي: فاكتبنا مع الذين يشهدون بحقية نبيك محمد ﷺ وكتابك.
والمعنى (١): يقولون هذه المقالة قاصدين بها إنشاء الإيمان والتضرع إلى الله تعالى، والخضوع له بأن يتقبله منهم، ويكتبهم مع أمة محمد ﷺ الذين جعلهم الله تعالى شهداء على الناس؛ لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم ومما يتناقلونه عن أسلافهم أن النبي الكريم الذي يكمل به الدين، ويتم به التشريع العام، يكون متبعوه شهداء على الناس، ويكونون حجة على المشركين والمبطلين، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
٨٤ - ثم زادوا كلامهم توكيدًا فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقّ﴾ والاستفهام فيه استفهام استبعاد وإنكار؛ أي: وأيُّ مانع يمنعنا من الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، ويصدنا عن اتباع ما جاءنا من الحق على لسان هذا النبي الكريم بعد أن ظهر لنا أنه هو روح الحق الذي بشر به المسيح ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: وإننا لنطمع ونرجو بذلك الإيمان أن يدخلنا ربنا ويكتبنا مَعَ القوم الذين صلحت أنفسهم بالعقائد الصحيحة, والفضائل والآداب الكاملة، وهم أتباع هذا النبي الكريم الذين استبان لنا أثر صلاحهم، وشاهدناه بأعيننا بعد ما كان منهم من فساد في الأرض، وعتو كبير في جاهليتهم.
والخلاصة: أنه لا مانع لنا من هذا الإيمان بعد أن تظاهرت أسبابه، وتحققت موجباته، فوجب علينا الجري على سننه واتباع نهجه وطريقه.
٨٥ - ثم بين سبحانه ما جازاهم به على ذلك فقال: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: فجزاهم الله وأعطاهم من الثواب ﴿بِمَا قَالُوا﴾؛ أي: بسبب ما قالوا ونطقت به ألسنتهم من
стр. 3266
قولهم: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، معبرًا عما في قلوبهم من خالص الإيمان وصحيح الاعتقاد.
وقرأ الحسن (١): ﴿فآتاهم﴾ من الإيتاء بمعنى: الإعطاء، لا من الإثابة، والإثابة أبلغ من الإعطاء؛ لأنه يلزم أن يكون عن عمل، بخلاف الإعطاء فإنه لا يلزم أن يكون عن عمل، ولذلك جاء أخيرًا ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ نبَّه على أن تلك الإثابة هي جزاء، والجزاء لا يكون إلا عن عمل. ﴿جَنَّاتٍ﴾ وحدائق في دار النعيم ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها الوارفة الظلال، وفي قصورها الرفيعة ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة: الماء واللبن والخمر والعسل ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مقدرين الخلود فيها أبدًا، فلا يسلبها منهم أحد، ولا هم يرغبون عنها ﴿وَذَلِكَ﴾ الجزاء المذكور من الجنات الموصوفة ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: جزاء الذين أخلصوا عقائدهم، وأحسنوا أعمالهم، وعلينا أن نقف في وصف نعيم الآخرة على ما جاء به القران الكريم وصحت به السنة النبوية، ولا نعدوا ذلك إلى ما وراءه، فإن النعيم الروحاني والرضوان الإلهي لا يمكن أن يعبِّر عنه الكلام، ولا يحيط به الوصف، فنحن في عالم يخالف ذلك العالم في أوصافه وخواصه، مهما أكثرنا من الوصف فلا نصل إلى شيء مما أعده الله لهم هناك: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.
٨٦ - وبعد أن بيَّن سبحانه ما أعد لعباده المحسنين من عظيم الثواب جزاء صادق إيمانهم .. ذكر جزاء المسيئين إلى أنفسهم بالكفران والتكذيب؛ جريًا على سنة القرآن في الجمع بين الوعد والوعيد، قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وجحدوا توحيد الله، وأنكروا نبوة محمد ﷺ ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ القرانية ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: أصحاب النار الشديدة الحرارة وسكانها المقيمون فيها, لا يبرحون عنها أبد الآبدين، والجحيم والجاحم ما اشتد حره من النار.
стр. 3267
فصل في ذكر قصة الهجرة الأولى، وسبب نزول هذه الآية
قال ابن عباس (١) ﵄ وغيره من المفسرين في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ إن قريشًا ائتمرت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من آمن منهم، فآذوهم وعذبوهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم، ومنع الله رسوله محمدًا ﷺ بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله ﷺ ما نزل بأصحابه، ولم يقدر أن يمنعهم من المشركين، ولم يؤمر بعد بالجهاد .. أمر أصحابه بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: "إن بها ملكًا صالحًا لا يظلم، ولا يظلم عنه أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجًا، فخرج إليها أحد عشر رجلًا، وأربع نسوة سرًّا، وهم: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عقبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة بنت أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة، وحاطب بن عمرو، وسهيل بن بيضاء، فخرجوا إلى البحر، وأخذوا سفينة بنصف دينار إلى أرض الحبشة، وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث النبي ﷺ ، وهذه الهجرة الأولى.
ثم خرج بعدهم جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون، فكان جميع من هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلًا سوى النساء والصبيان، فلما علمت قريش بذلك .. وجهوا عمرو بن العاص وجماعة بهدايا إلى النجاشي وبطارقته؛ ليردوهم إليهم، فدخل إليه عمرو وقال له: أيها الملك، إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، وزعم أنه نبي، وإنه قد بعث إليك برهط من أصحابه ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم، وأن قومهم يسألونك أن تردوهم إليهم، فقال: حتى نسألهم، فأمر بهم، فأحضروا، فلما أتوا
стр. 3268
باب النجاشي قالوا: يستأذن أولياء الله، فقال: ائذنوا لهم فمرحبًا بأولياء الله، فلما دخلوا عليه .. سلَّموا، فقال الرهط من المشركين: أيها الملك، ألا ترى أنا قد صدَقناك، إنهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيا بها، فقال لهم الملك: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي؟ فقالوا له: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ فقال جعفر بن أبي طالب: يقول: هو عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروح منه، ألقاها إلى مريم العذراء، ويقول في مريم: إنها العذراء البتول، قال: فأخذ النجاشي عودًا من الأرض وقال: واللهِ ما زاد صاحبكم على ما قال عيسى قدر هذا العود، فكره المشركون قوله، وتغيرت وجوههم، فقال: هل تعرفون شيئًا مما أنزل على صاحبكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرؤوا، فقرأ جعفر سورة مريم، وهنالك قسيسون ورهبان وسائر النصارى، فعرفوا ما قرأ، فانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ...﴾ إلى آخر الآيتين، فقال النجاشي لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - يعني: إنكم آمنون - فرجع عمرو وأصحابه خائبين، وأقام المسلمون عند النجاشي بخير دار وخير جوار إلى أن هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وعلا أمره، وقهر أعداءه، وذلك في سنة ست من الهجرة.
وكتب رسول الله ﷺ إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضميري أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت مع زوجها ومات عنها، فأرسل النجاشي جارية - يقال لها: أبرهة - إلى أم حبيبة يخبرها أن رسول الله قد خطبها، فسُرَّت بذلك، وأعطت الجارية أوضاحًا (١) كانت لها، وأذنت لخالد بن سعيد في نكاحها، فأنكحها رسولَ الله ﷺ على صداق مبلغه أربع مئة دينار، وكان الخاطب لرسول الله ﷺ النجاشي، فأرسل إليها بجميع الصداق على يد جاريته أبرهة، فلما جاءَتها بالدنانير .. وهبتها منه خمسين دينارًا، فلم تأخذها، وقالت: إن الملك أمرني أن لا آخذ منك شيئًا، وقالت: أنا صاحبة دهن الملك وثيابه، وقد صدقت بمحمد ﷺ ، وآمنت به، وحاجتي إليك أن تقرئيه منى
стр. 3269
السلام، قالت: نعم، فقالت: قد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من دهن وعود، وكان رسول الله ﷺ يراه عندها فلا ينكره.
قالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله ﷺ يحاصر خيبر، فخرج من خرج إليه ممن قدم من الحبشة، وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله ﷺ ، فدخلت عليه، فكان يسألني عن النجاشي، وقرأت ﵇ من أبرهة جارية الملك، فرد رسول الله ﷺ ﵍، وأنزل الله ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ يعني: أبا سفيان، وذلك بتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة، ولما بلغ أبا سفيان أن رسول الله ﷺ تزوج أم حبيبة .. قال: ذلك الفحل لا يجدع أنفه.
وبعث النجاشي بعد خروج جعفر وأصحابه إلى النبي ﷺ ابنه أزهى في ستين رجلًا من أصحابه، وكتب إليه: (يا رسول الله، إني أشهد أنك رسول الله صدقًا مصدقًا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك جعفرًا، وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني أزهى، وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت، والسلام عليك يا رسول الله). فركبوا في سفينة في أثر جعفر حتى إذا كانوا في وسط البحر .. غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله ﷺ وهو بخيبر، ووافى مع جعفر سبعون رجلًا عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون رجلًا من الحبشة، وثمانية من الشام، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة يس إلى آخرها، فبكى القوم حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى ﵇، فأنزل الله هذه الآية فيهم، وهي قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ يعني: وقد النجاشي الذين قدموا مع جعفر، وهم السبعون، وكانوا من أصحاب الصوامع.
وقيل: نزلت في ثمانين رجلًا: أربعين من نصارى نجران من بني الحارث بن كعب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية روميين من أهل الشام.
وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ﵇، فلما بعث محمد ﷺ .. آمنوا به، وصدقوه، فأثنى الله
стр. 3270
عليهم بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يعني: لا يستعظمون عن الإيمان والإذعان للحق، والله أعلم.
٨٧ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَا تُحَرِّمُوا﴾ على أنفسكم ﴿طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: مستلذات ما أحل الله لكم من المأكل والمشارب والملابس والمناكح، ولا تمنعوا أنفسكم من التمتع بالمستلذات كمنعها من الحرام، أو لا تقولوا: حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدًا منكم وتقشفًا ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾؛ أي: ولا تجاوزوا الحد في الانتفاع بالطيبات بالإسراف فيها، أو لا تجاوزا الطيبات إلى الخبائث المحرمة، والطيبات: الأشياء التي تستلذها النفوس، وتميل إليها القلوب؛ أي (١): لا تحرموا على أنفسكم ما أحل الله لكم من الطيبات، بأن تتركوا التمتع بها عمدًا تنسكًا وتقربًا إلى الله تعالى، ولا تعتدوا فيها وتتجاوزوا حد الاعتدال إلى الإسراف الضار بالجسد؛ بأن تزيدوا على الشبع والري، أو تجعلوا التمتع بها أكبر همكم في الحياة، أو تشغلكم عن الأمور النافعة من العلوم والأعمال المفيدة لكم، ولبني وطنكم، هذه الآية بمعنى قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.
والخلاصة: أن الاعتداء يشمل أمرين: الاعتداء في الشيء نفسه بالإسراف فيه، والاعتداء بتجاوزه إلى غيره مما ليس من جنسه، وهو الخبائث.
وقيل المعنى (٢): لا تعتقدوا تحريم الطيبات المباحات، فإن من اعتقد تحريم شيء أحله الله .. فقد كفر، أما ترك لذات الدنيا وشهواتها، والانقطاع إلى الله، والتفرغ لعبادته من غير إضرار بالنفس ولا تفويت حق الغير .. ففضيلة لا منع منها، بل مأمور بها.
قال ابن جرير (٣) الطبري: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما
стр. 3271
أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح؛ ولذلك ردَّ النبي ﷺ التبتل على عثمان بن مظعون، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله عباده إليه، وعمل به رسول الله ﷺ ، وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون؛ إذ كان خير الهدى هدى نبينا محمد ﷺ ، فإذا كان ذلك كذلك .. تبين خطأ من آثَر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرًا من عارض الحاجة إلى النساء.
قال: فإن ظن ظانٌّ أن الفضل في غير الذي قلنا؛ لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس، وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة، فقد ظن خطأً، وذلك أنَّ الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر للجسم من المطاعم الردية؛ لأنها مفسدة لعقله، ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببًا إلى طاعته.
قوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾؛ أي: لا تعتدوا على الله بتحريم طيبات ما أحل الله لكم، أو لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله عليكم؛ أي: لا تترخصوا فتحللوا حرامًا، كما نهيتم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنَّ من حرم على نفسه شيئًا مما أحله الله له .. فلا يحرم عليه ولا يلزمه كفارة.
ثم علل النهي عن الاعتداء بما ينفر منه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: لا يحب الله من يتجاوز حدود شرائعه بتحريم طيباته التي أحلها، سواء أكان التحريم من غير التزام بيمين أو نذر، أو بالتزام، وكل منهما غير جائز.
والالتزام (١) قد يكون لرياضة النفس وتهذيبها بالحرمان من الطيبات، وقد
стр. 3272
يكون ناشئًا عن بادرة غضب من زوجة أو ولد، كمن يحلف بالله أو بالطلاق أن لا يأكل من هذا الطعام أو نحوه من المباحات، أو يقول: إن فعل كذا .. فهو بريء من الإِسلام أو من الله ورسوله أو نحو ذلك، وكل هذا منهي عنه شرعًا، ولا يحرم على أحد شيء منها يحرمه على نفسه بهذه الأقوال، ولا كفارة في يمين يحلفه الحالف في نحو ذلك عند الشافعي.
وتحريم الطيبات والزينة وتعذيب النفس هو من العبادات المأثورة عند قدماء اليهود واليونان، قلَّدهم فيها أهل الكتاب خصوصًا النصارى، فإنهم قد شددوا على أنفسهم، وحرَّموا عليها ما لم تحرمه الكتب المقدسة على ما فيها من الشدة والصرامة والمبالغة في الزهد، ولما جاء الإِسلام وأرسل الله نبيه محمدًا ﷺ خير خاتم النبيين بما فيه السعادة التامة للبشر في دنياهم وآخرتهم .. أباح للبشر على لسانه الزينة والطيبات، وأرشدهم إلى إعطاء البدن حقه، والروح حقها، فالإنسان ما هو إلا روح وجسد، فيجب العدل بينهما، وبذا كانت الأمة الإِسلامية أمة وسطًا تشهد على جميع الأمم، وتكون حجة عليها يوم القيامة.
والحكمة في ذلك النهي: أن الله يحب أن يستعمل عباده نعمه فيما خلقت لأجله، ويشكروه على ذلك، ويكره لهم أن يجنوا على الشريعة التي شرعها لهم، فيغلوا فيها بتحريم ما لم يحرمه، كما يكره لهم أن يفرطوا فيها بإباحة ما حرمه، أو ترك ما فرضه، وقد أشار إلى ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ وورد في الأثر: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا".
٨٨ - ﴿وَكُلُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ تعالى وأعطاكم حالة كونه ﴿حَلَالًا﴾ في نفسه لا من المحرمات، كالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير ونحو ذلك، وحالة كونه ﴿طَيِّبًا﴾ في كسبه وتناوله؛ بأن لا يكون رِبًا ولا سحتًا ولا سرقة ولا غصبًا مثلًا، مع كونه مستلذًا غير مستقذرٍ لذاته أو لطارئ يطرأ عليه من فساد أو تغير لطول مكث ونحوه. والأكل في الآية يراد به التمتع الشامل للشرب ونحوه، وإنما خص الأكل بالذكر؛ لأنه أغلب الانتفاع بالرزق من حلال غير
стр. 3273
مسكر ولا ضار، ومن كل طيب غير مستقذر في ذاته أو لطارئ عليه.
والخلاصة: (١) أنه ينبغي للمؤمن أن يتمتع بما تيسر له من الطيبات بلا تأثم ولا تحرج، ويحضر قلبه أنه عامل بشرع الله مقيم لسنة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، شاكرًا له بالاعتراف والحمد والثناء عليه، كما أن امتناعه عن الطيبات التي رزقه إياها مع الداعية الفطرية إلى الاستمتاع بها إثمٌ يجنيه على نفسه في الدنيا، ويستحق به عقاب الآخرة؛ لزيادته في دين الله قربات لم يأذن بها، ولإضاعة حقوق الله وحقوق عباده، كإضاعة حقوق امرأته وعياله.
والتحريم والتحليل تشريع، وهو من حقوق الله، فمن انتحله لنفسه كان مدعيًا الربوبية أو كالمدعي لها، وعن الحسن البصري: إن الله أدب عباده فأحسن أدبهم فقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ ما عاب الله قومًا وسع عليهم الدنيا، فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قومًا زواها عنهم فعصوه. وعنه أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوذج - حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل - ويقول: لا أؤدي شكره، قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم، قال: إنه جاهل، إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثرُ من نعمته عليه في الفالوذج.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: وخافوا عقاب الله الذي آمنتم به في الأكل واللباس والنساء وغيرها، فلا تفتنتوا عليه في تحليل ولا تحريم، ولا تعتدوا حدوده فيما أحل وما حرم؛ إذ من جعل شهوة بطنه أكبر همه .. كان من المسرفين، ومن بالغ في الشبع وعرَّض معدته وأمعائه للتخمة .. كان من المسرفين، ومن أنفق في ذلك أكثر من طاقته، وعرض نفسه لذل الدَّين أو أكل أموال الناس بالباطل .. فهو من المسرفين، والله يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ وقيل: المعنى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: امتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، فتقوى الله لا تتوقف على الرهبانية كما كان في الأمم السابقة.
والخلاصة: أن هدي القرآن في الطيبات هو ما تقتضيه الفطرة السليمة
стр. 3274
المعتدلة من التمتع بها مع الاعتدال والتزام الحلال، والاعتدال: هو الصراط المستقيم الذي يقل سالكه، فكثير من الناس يحيدون عنه، ويميلون في التمتع إلى جانب الإفراط والإسراف، ويكونون كالأنعام بل أضل؛ لأنهم يجنون على أنفسهم حتى قال بعض الحكماء: إن أكثر الناس يحفرون قبورهم بأسنانهم، وقليلون منهم ينحرفون إلى جانب التفريط والتقتير، إما اضطرارًا لبؤسهم وعدمهم، وإما اختيارًا كالزهاد والمتقشفين. وسبيل الاعتدال لسبيل شاقة على النفوس، عسرة على سالكها، كلها تدل على فضيلة العقل ورجحانه. والمعروف من سيرة الرسول ﷺ (أنه كان يأكل ما وجده، فتارة يأكل أطيب الطعام؛ كلحوم الأنعام والطير والدجاج، وتارة يأكل أخشنه؛ كخبز الشعير بالملح أو الزيت أو الخل، وحينًا يجوع، وأخرى يشبع)، فكان في كل ذلك قدوةً للموسر والمعسر، وما كان يهمه أمر الطعام، لكنه كان يعني بأمر الشراب، ففي حديث عائشة: (كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد) أخرجه الترمذي. قال المحدثون: ويدخل في ذلك: الماء القراح، والماء المحلى بالعسل، أو نقيع التمر أو الزبيب.
واعلم: أن في قوله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾؛ تأكيدًا (١) للوصية بما أمر الله تعالى به وزاد التأكيد بقوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾؛ لأن الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر الله به وعما نهى عنه، وفي الآية: دليل على أن الله قد تكفل برزق كل أحد من عباده، فإنه تعالى لو لم يتكفل بذلك .. لما قال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾، وإذا تكفل برزق العبد .. وجب أن لا يبالغ في الطلب والحرص على الدنيا، وأن يعول على ما وعده الله تعالى وتكفل به، فإنه تعالى أكرم من أن يخلف الوعد.
٨٩ - قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ هذا كلام (٢) مرتب على قوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ لأن بعض الصحابة حلف على الترهب لظنِّ أنه قربة، فلما نزلت هذه الآية - أعني: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ - شكوا
стр. 3275
الرسول ﷺ من اليمين، فنزلت هذه الآية - أعني آية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾ - أي: لا يطالبكم الله بكفارة ولا عقوبة في الملغى الكائن من أيمانكم؛ أي: الذي لم يقصد، بل سبق إليه اللسان، فـ ﴿فِي﴾ بمعنى: من، أو متعلقة بـ ﴿يُؤَاخِذ﴾؛ أي: لا يؤاخذكم الله في أيمانكم باللغو الذي لم يقصد.
واللغو (١): اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم، وهو أن يحلف على شيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن، وكانوا حلفوا على تحريم الطيبات على ظن أنه قربة، فلما نزلت تلك الآية .. قالوا: فكيف أيماننا؟ فنزلت هذه الآية، وقال الشافعي: هي ما يجري على اللسان بلا قصد، وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة. وقد ذهب (٢) الجمهور من الصحابة ومن بعدهم إلى أنها قول الرجل: لا واللهِ، وبلى واللهِ في كلامه غير معتقد لليمين، وبه فسَّر الصحابة الآية، وهم أعرف بمعاني القرآن.
وفي الآية: دليل على أن أيمان اللغو لا يؤاخذ الله الحالف بها، ولا تجب فيها كفارة.
والخلاصة (٣): لا يؤاخذكم الله تعالى ولا يطالبكم في الدنيا ولا في الآخرة بالأيمان التي تحلفونها بلا قصد، كما يقول الرجل في كلامه بدون قصد: لا واللهِ، وبلى واللهِ، فلا مؤاخذة على مثل هذه بكفارة في الدنيا، ولا عقوبة في الآخرة ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾ الله ويطالبكم؛ إما بالكفارة في الدنيا، أو بالعقوبة في الآخرة ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾؛ أي: بحنث ما تعمدتم وقصدتم به اليمين. وفي الآية حذف؛ إما من الأول كما قدرناه، أو من الآخر؛ تقديره: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان إذا حنثتم، فحذف وقت المؤاخذة؛ لأنه كان معلومًا عندهم.
فاليمين المعقدّة (٤): من عقد القلب وصممه، ليفعلن أو لا يفعلن في
стр. 3276
المستقبل؛ أي: ولكن يؤاخذكم بأيمانكم المعقدّة الموثقة بالقصد والنية إذا حنثتم فيها، وأما اليمين الغموس: فهي يمين مكر وخديعة وكذب، قد باء الحالف بإثمها, وليست بمعقودة، ولا كفارة فيها كما ذهب إليه الجمهور. وقال الشافعي: هي يمين معقودة؛ لأنها مكتسبة بالقلب، معقودة بخبر، مقرونة باسم الله. والراجح: الأول، وجميع الأحاديث الواردة في تكفير اليمين متوجهة إلى المعقودة، ولا يدل شيء منها على الغموس، بل ما ورد في الغموس إلا الوعيد والترهيب، وأنها من الكبائر، بل في أكبر الكبائر، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية، واليمين المنعقدة؛ إما بالله أو بأسمائه أو بصفاته.
وقرأ (١) نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم بتشديد القاف، قال أبو عمرو: معناها: وكدتم. وقرأ الكسائي وحمزة وأبو بكر عن عاصم بتخفيفها، قال ابن جرير: معناها: أوجبتموها على أنفسكم. وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بألف بين العين والقاف. وقرأ الأعمش: ﴿بما عقدت الأيمان﴾ جعل الفعل للأيمان، فالتشديد؛ إما للتكثير بالنسبة إلى الجمع، وإما لكونه بمعنى المجرد نحو: قدَر وقدَّر، والتخفيف هو الأصل، وبالألف بمعنى المجرد نحو: جاوزت الشيء وجزته وقاطعته وقطعته؛ أي: هجرته. وعبارة أبو البقاء هنا: قوله: ﴿عقدتم﴾ يقرأ بتخفيف القاف، وهو الأصل، وعقد اليمين هو قصد الالتزام بها. ويقرأ بتشديدها، وذلك لتوكيد اليمين كقوله: واللهِ الذي لا إله إلا هو، ونحوه. وقيل: التشديد يدل على تأكيد العزم بالالتزام بها. وقيل: إنما شدد لكثرة الحالفين وكثرة الأيمان. وقيل: التشديد عوض من الألف في عاقد، ولا يجوز أن يكون التشديد لتكرير اليمين؛ لأن الكفارة تجب وإن لم تكرر. ويقرأ: ﴿عاقد﴾ بالألف وهي بمعنى: عقدتم، كقولك: قاطعته وقطعته من الهجران، انتهى.
стр. 3277
والمعنى: أي ولكن يؤاخذكم بما صممتم وعزمتم عليه من الأيمان وقصدتموه إذا أنتم حنثتم فيه، وهذه المؤاخذة بينها الله بقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ الخ، والكفارة الفعلية التي من شأنها أن تكفر الخطيئة؛ أي: تسترها؛ أي: فكفارة حنث الأيمان المعقودة ونقضها، أو فكفارة معقود الأيمان إذا حنثتم؛ أي: فالذي يكفر عقد اليمين إذا نقض، أو إذا أريد نقضه بالحنث به .. هو إحدى الخصال الثلاث الآتية على سبيل التخيير:
١ - إما ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾، أو فقراء، لكل مسكين مدّ عند الشافعية، ونصف صاع عند الحنفية؛ أي: تمليك عشرة مساكين، ولا (١) يتعين كونهم من فقراء بلد الحالف، والمساكين أعم من أن يكونوا ذكورًا أو إناثًا أو من الصنفين. والظاهر اشتراط تعدد الأشخاص، فلو أطعم مسكينًا واحدًا كفارة عشرة أيام .. لم يجزه، وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة يجزئ. ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ أيها الناس ﴿أَهْلِيكُمْ﴾؛ أي: من أقصد ما تطعمونهم وأغلبه من غالب قوت بلد الحالف؛ أي: محل الحنث، لا من أعلاه ولا أدناه؛ أي: إطعام وجبة واحدة - الوجبة: الأكلة الواحدة في اليوم - لكل منهم من الطعام الغالب الذي يأكله أهلوكم في بيوتكم، لا من أردئه وأخسه الذي يتقشفون به تارة، ولا من أعلاه الذي يتوسعون به تارة أخرى؛ كطعام العيد ونحوه مما تكرم به الأضياف، فمن كان طعام أهله خبز البر، وأكثر إدامه اللحم بالخضر أو بدونها .. فلا يجزئ ما دون ذلك مما يأكلونه إذا قرفت أنفسهم من كثرة أكل الدسم؛ ليعود إليها نشاطها، والأعلى مجزىء على كل حال؛ لأنه من الوسط وزيادة، والثريد بالمرق، وقليل من اللحم أو الخبز مع الملوخية أو الرز أو العدس، من أوسط الطعام في مصر وكثير من الأقطار الشرقية الآن، وكان التمر أوسط طعام أهل المدينة في العصر الأول، وأجاز أبو حنيفة إطعام مسكين واحد عشرة أيام كما مر آنفًا.
٢ - ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾؛ أي: كسوة عشرة مساكين، قرأ الجمهور (٢): ﴿أَوْ
стр. 3278
كِسْوَتُهُمْ﴾ بكسر الكاف وسكون السين. وقرأ النخعي وابن المسيب وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو الجوزاء ويحيى بن يعمر: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ بضم الكاف وسكون السين، وهما لغتان مثل: أسوة وإسوة، وقدوة وقِدوة. وقرأ سعيد بن جبير وأبو العالية ومعاذ بن الحارث القارئ وأبو نهيك: ﴿أو كإسوتهم﴾ بكاف الجر الداخلة على إسوة؛ أي: قرؤوا بفتح الكاف وكسر الهمزة وكسر التاء والهاء. وقرأ محمد ابن السميقع اليماني، وأبو عمران الجوزي مثلهم إلا أنهما فتحا الهمزة. قال ابن الجوزي: ولا أرى هذه القراءة جائزة؛ لأنها تسقط أصلًا من أصول الكفارة.
والكسوة تختلف باختلاف البلاد والأزمنة كالطعام، فيجزىء في مصر القميص الطويل الذي يسمى بـ"الجلابية" مع السراويل أو بدونه، وهذا يساوي الإزار والرداء، أو العباءة في العصر الأول، ولا يجزئ ما يوضع على الرأس من طربوش أو عمامة، ولا ما يلبس في الرجلين من الأحذية والجوارب، ولا نحو منديل أو منشفة.
٣ - ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ أي: أو إعتاق رقيق، وغلب استعمال الرقبة في المملوك والأسير، وقد يعبر عن ذلك بفك الرقبة كقوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾، ولا يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة، فيجزىء عتق الكافرة عند أبي حنيفة، واشترط الشافعي ومالك وأحمد إيمانها؛ حملًا للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل.
قال أبو حيان (١): وقد أجمع العلماء على أن الحانث مخيَّر بين الإطعام والكسوة والعتق، وهي مخالفة لسواد المصحف، وقدم (٢) الإطعام على غيره؛ لأنه أسهل؛ لكون الطعام أعم وجودًا، ولأن الإطعام أفضل عن الإعتاق على ما قيل؛ لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام، أما العبد: فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ واحدًا من هذه الخصال الثلاثة المتقدمة ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعات، فإن عجز عن ذلك لمرض
стр. 3279
مثلًا .. صام عند القدرة، فإن لم يقدر لكونه دنفًا - أي ملازم المرض - يرجى له عفو الله ورحمته إذا صحت نيته وصدقت عزيمته.
والاستطاعة أن يجد ذلك القدر الذي يكفر به فاضلًا عن قوته وقوت عياله يومه وليلته، وعن كسوته بقدر ما يطعم أو يكسو. وقد روى ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت آية الكفارة .. قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ فقال ﷺ : "أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد ... فصيام ثلاثة أيام متتابعات" فلو كان ماله في غير بلده، ووجد من يسلفه .. لم ينتقل إلى الصوم، أو لم يجد من يسلفه فقيل: لا يلزمه انتظار ماله من بلده ويصوم، وهو الظاهر؛ لأنه غير واجد الآن. وقيل: ينتظر، والظاهر أنه إذا كان عنده فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقتهم يومه وليلته، وعن كسوتهم بقدر ما يطعم أو يكسو، فهو واجد، وبه قال أحمد وإسحاق والشافعي ومالك. وقال مالك: إلا أن يخاف الجوع، أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه، وقال أبو حنيفة: إذا لم يكن عنده نصاب .. فهو غير واجد. وقرأ (١) أُبي وعبد الله والنخعي: ﴿أيام متتابعات﴾، واتفقوا على أن العتق أفضل، ثم الكسوة، ثم الإطعام. وبدأ الله بالأيسر فالأيسر على الحال، وهذه الكفارة التي نص الله عليها لازمة للحر المسلم.
وإذا حنث العبد .. فقال سفيان وأبو حنيفة والشافعي: ليس عليه إلا الصوم، لا يجزئه غيره. وحكى ابن نافع عن مالك: لا يكفر بالعتق؛ لأنه لا يكون له ولاء، ولكن يكفر بالصدقة إن أذن له سيده، والصوم أصوب.
﴿ذَلِك﴾ المذكور من الخصال الأربعة من الإطعام أو الكسوة أو العتق أو الصوم عند العجز عن غيره ﴿كَفَّارَةُ﴾ إثم حنث ﴿أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ باللهِ أو بأحد أسمائه أو صفاته، وحنثتم أو أردتم الحنث باليمين؛ لأن الكفارة لا تجب بمجرد اليمين، إنما تجب بالحنث بعد اليمين. وفيه إشارة إلى أن تقديم الكفارة
стр. 3280
على اليمين لا يجوز، بل بعد اليمين، وقبل الحنث إذا أراد الحنث كما تقدم.
﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾؛ أي: قللوا أيمانكم ولا تبذلوها في أتفه الأمور وأحقرها، ولا تكثروا من الأيمان الصادقة فضلًا عن الأيمان الكاذبة قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، أو إذا حلفتم .. فلا تنسوا ما حلفتم عليه، أو لا تحنثوا فيها ما استطعتم إلا لضرورة تعرض أو مصلحة تجعل الحنث راجحًا أو بأن تكفروها إذا حنثتم ﴿كَذَلِك﴾؛ أي: كما بين لكم كفارة أيمانكم إذا حنثتم. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ ﴿لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿آيَاتِهِ﴾؛ أي: أعلام شريعته, وأحكام دينه، وجميع ما تحتاجون إليه في أمر دينكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمه التي أنعم بها عليكم التي من أجلها: بيان آياته وأحكام شريعته.
وهنا فصلان مهمان:
الفصل الأول في بيان حكم الآية، وفيه مسائل
المسألة الأولى: في بيان الكفارة، وهي أربعة أنواع:
النوع الأول من الكفارة: الإطعام، فيجب إطعام عشرة مساكين، واختلفوا في قدر ما يطعم لكل مسكين. فذهب قوم إلى أنه يطعم لكل مسكين مد من الطعام بمد النبي ﷺ ، وهو رطل وثلث بالبغدادي من غالب قوت البلد، وكذلك سائر الكفارات، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار، وعطاء، والحسن، وإليه ذهب مالك والشافعي.
ويروى عن عمر وعلي وعائشة: أنه يطعم لكل مسكين مدان من بر، وهو نصف صاع، وبه قال أهل العراق. وقال أبو حنيفة: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع، وإن أطعم من غيرها فصاع، وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد. وقال أحمد بن حنبل: يطعم لكل مسكين مد من البر، أو نصف صاع من غيرها؛ مثل التمر والشعير. ومن شرط الإطعام تمليك الطعام للمساكين، فلو عشاهم وغداهم .. لم يجزه. وقال أبو حنيفة: يجزيه ذلك، ولا يجوز إخراج القيمة في الكفارة كالدراهم والدنانير. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك. ولا إخراج
стр. 3281
الدقيق والخبر في الكفارة، بل يجب إخراج الحب، وجوزه أبو حنيفة. ولا يجوز صرف الكل إلى مسكين واحد في عشرة أيام.
النوع الثاني من الكفارات: الكسوة، واختلف العلماء في قدرها، فذهب قوم إلى أنه يكسو كل مسكين ثوبًا واحدًا مما يقع عليه اسم الكسوة، إزار أو رداء أو قميص أو عمامة أو سراويل أو كساء أو نحو ذلك، وهذا قول ابن عباس ﵄، والحسن ومجاهد وعطاء وطاووس، إليه ذهب الشافعي. وقال مالك: يجب أن يكسو كل مسكين ما تجوز به الصلاة، فيكسو الرجل ثوبًا، والمرأة ثوبين: درعًا وخمارًا. وقال أحمد: للرجل ثوبٌ، وللمرأة ثوبان: درع وخمارٌ، وهو أدنى ما يجزئ في الصلاة. وقال ابن عمر: يجب قميص وإزار ورداء. وقال أبو موسى الأشعري: يجب ثوبان، وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين. وقال إبراهيم النخعي: يجب ثوب جامع كالملحفة.
النوع الثالث من الكفارات: العتق، فيجب إعتاق رقبة مؤمنة، وكذلك يجب في جميع الكفارات. وأجاز أبو حنيفة والثوري إعتاق الرقبة الكافرة في جميع الكفارات إلا كفارة القتل، فإن الله قيد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل. ومذهب الشافعي أن المطلق يحمل على المقيد، ولا يجوز إعتاق المرتد بالإجماع، ويشترط أن تكون الرقبة سليمة الرق حتى لو أعتق في الكفارة مكاتبًا، أو أم ولد، أو عبدًا اشتراه بشرط العتق، أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه، فكل هؤلاء لا يجزئ في إعتاق الكفارة، وجوز أصحاب الرأي عتق المكاتَب في الكفارة إذا لم يؤد من نجوم الكتابة شيئًا. وجوزوا عتق القريب في الكفارة، ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل، فلا يجزئ مقطوع اليد والرجل، ولا الأعمى، ولا الزَّمِن، ولا المجنون المطبق. ويجوز عتق الأعور والأصم ومقطوع الأذنين والأنف؛ لأن هذه العيوب كلها لا تضر بالعمل. وعند أبي حنيفة: كل عيب يفوت جنسًا من المنفعة يمنع الجواز، فيجوز عتق مقطوع إحدى اليدين، ولا يجوز عتق مقطوع الأذنين في الكفارة.
النوع الرابع من الكفارات: الصوم، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ يعني
стр. 3282
الكفارة السابقة ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيامٍ﴾ يعني: فإذا عجز من لزمته كفارة اليمين عن الإطعام أو الكسوة أو العتق .. وجب عليه صيام ثلاثة أيام. قال الشافعي: إذا كان عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته، وفضل ما يطعم عشرة مساكين .. لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده هذا القدر .. جاز له الصيام. وقال أبو حنيفة: يجوز له الصيام إذا لم يكن عنده من المال ما تجب فيه الزكاة، فجعل من لا زكاة عليه عادمًا. وقال الحسن: إذا لم يجد درهمين صام. وقال سعيد بن جبير: ثلاثة دراهم.
واختلفوا في وجوب التتابع في الصيام عن كفارة اليمين على قولين:
أحدهما: أنه يجب التتابع فيه قياسًا على كفارة الظهار والقتل، وهو قول ابن عباس ﵄، ومجاهد وطاووس وعطاء وقتادة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، واحد قولي الشافعي.
والقول الثاني: لا يجب التتابع في كفارة اليمين، فإن شاء تابع، وإن شاء فرَق، والتتابع أفضل، وبه قال الحسن ومالك، وهذا القول الثاني للشافعي.
المسألة الثانية: كلمة: ﴿أو﴾ في الآية للتخيير بين الإطعام والكسوة والعتق، فإن شاء أطعم، وإن شاء كسا، وإن شاء أعتق، فبأيها أخذ المكفر .. فقد أصاب وخرج عن العهدة.
المسألة الثالثة: لا يجوز صرف شيء من الكفارات إلا إلى مسلم حر محتاج، فلو صرف إلى ذمي أو عبد أو غني .. لا يجزيه، وجوز أبو حنيفة صرفها إلى أهل الذمة، واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز.
المسألة الرابعة: اختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث، فذهب قوم إلى جوازه؛ لما روي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين، فرأى خيرًا منها .. فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير" أخرجه الترمذي.
وعن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله: "يا
стр. 3283
عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنها إن أتتك عن مسألة .. وكلت إليها، وإن أتتك من غير مسألة .. أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها .. فأتِ الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك" متفق عليه.
وهذا قول عمر وابن عباس وعائشة ﵃ وعامة الفقهاء، وبه قال الحسن وابن سيرين، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي إلا أن الشافعي قال: إن كَفَّر بالصوم قبل الحنث لا يجوز؛ لأنه بدني، إنما يجوز بالطعام أو الكسوة أو العتق. وقال أبو حنيفة: لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، والله أعلم.
الفصل الثاني: في مسائل يجملك معرفتها تكملة لدينك
المسألة الأولى: لا يجوز الحلف بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته. قال ﷺ : "من كان حالفًا لا يحلف إلا بالله" رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر. ورويا أيضًا عنه أن النبي ﷺ سمع عمر وهو يحلف بأبيه، فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا .. فليحلف بالله، أو ليصمت!. وروى البخاري وأحمد عن ابن عمر قال: "كان أكثر ما يحلف به النبي ﷺ لا ومقلب القلوب". والمحرم أن يحلف بغير الله حلفًا يلتزم به ما حلف عليه، والبر به فعلًا أو تركًا؛ لأن الشارع جعل هذا خاصًّا بالحلف بالله وأسمائه وصفاته، أما ما يجيء لتأكيد الكلام، ويجري على ألسنة الناس دون قصد لليمين .. فلا يدخل في باب النهي؛ نحو قوله ﷺ للأعرابي: "أفلح وأبيه إن صدق"، ويدخل في النهي: الحلف بالنبي والكعبة وسائر ما هو معظم شرعًا.
المسألة الثانية: يجوز الحنث لمصلحة راجحة مع التكفير قبله؛ لما رواه أحمد والشيخان في "الصحيحين": عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها .. فأت الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك"، وفي لفظ عن أبي داود والنسائي: "فكفر عن يمينك، ثم ائتِ الذي هو خير"، ودلَّ اختلاف الرواية في تقديم الأمر بالكفارة، أو تأخيره
стр. 3284
على جواز الأمرين.
والحلف باعتبار المحلوف عليه ثلاثة أقسام:
١ - حلف على فعل واجب، أو ترك حرام، وهذا تأكيد لما كلف الله به، فيحرم الحنث، ويكون الإثم مضاعفًا.
٢ - حلف على ترك واجب أو فعل حرام، ويجب في هذا الحنث؛ لأن اليمين معصية، ومن ذلك الحلف على إيذاء الوالدين وعقوقهما، أو منع ذي حق حقه الواجب له، والحلف على ترك المباح؛ كالطيب من الطعام، فإن في ذلك تشريعًا بتحريم ما أحل الله، كما فعلت الجاهلية في تحريم بعض الطيبات.
٣ - حلف على فعل مندوب أو ترك مكروه، وهذا طاعة يندب له الوفاء به، ويكره الحنث، ومن ذلك الحلف على ترك طعام معين كالطعام الذي في هذه الصحفة (١) مثلًا، كما فعل عبد الله بن رواحة في تحريمه الطعام على نفسه، ثم أكله منه لأجل الضيف. فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله وهو عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله، فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظارًا له، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي، هو عليَّ حرام، فقالت امرأته: هو عليَّ حرام، وقال الضيف: هو عليَّ حرام، فلما رأى ذلك .. وضع يده وقال: كلوا بسم الله، ثم ذهب إلى النبي ﷺ ، فأخبره، فقال النبي ﷺ : "قد أصبت"، فأنزل الله: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
المسألة الثالثة: الأيمان ثلاثة:
١ - ما ليس من أيمان المسلمين، كالحلف بالمخلوقات نحو الكعبة والملائكة والمشايخ والملوك والآباء وتربتهم، وهذه يمين غير منعقدة، ولا كفارة فيها، بل هي منهي عنها نهي تحريم لما تقدم من الأحاديث.
стр. 3285
٢ - يمين بالله تعالى، كقوله: والله لأفعلن كذا، وهذه منعقدة فيها الكفارة عند الحنث.
٣ - أيمان في معنى الحلف بالله؛ يريد بها الحالف تعظيم الخالق كالحلف بالنذر والحرام والطلاق والعتاق، كقوله: إن فعلت كذا .. فعليَّ صيام شهر، أو الحج إلى بيت الله، أو الحل علي حرام لا أفعل كذا، أو الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، أو إن فعلته .. فنسائي طوالق، أو عبيدي أحرار، أو كل ما أملكه صدقة، أو نحو ذلك، والصحيح الموافق للأقوال الثابتة عن الصحابة - وعليه يدل الكتاب والسنة - أنه يجزئه كفارة اليمين في جميع ذلك كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، وقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، وثبت في "الصحيح" أن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا .. فليأتِ الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه".
المسألة الرابعة: الأيمان مبنية على العرف والنية، لا على مدلولات اللغة واصطلاحات الشرع، فمن حلف لا يأكل لحمًا، فأكل سمكًا .. لا يحنث - وإن سماه الله لحمًا طريًّا - إلا إن نواه، أو كان يدخل في عموم اللحم في عرف قومه، كما أن من يحلف غيره يمينًا على شيء، فالعبرة بنية المحلِّف لا الحالف، فقد روى مسلم وابن ماجه: "اليمين على نية المستحلف". واليمين الغموس التي يهضم بها الحق، أو يقصد بها الخيانة والغش، لا يكفرها عتق ولا صدقة ولا صيام، بل لا بد من التوبة وأداء الحق والاستقامة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾، وقال ﷺ : "من حلف على يمين صبرٍ، وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم .. لقي الله وهو عليه غضبان" رواه البخاري ومسلم.
الإعراب
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.
﴿لَتَجِدَنَّ﴾ اللام موطئة للقسم، ﴿تجدن﴾: فعل مضارع مبني على الفتح؛
стр. 3286
لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على المخاطب، والجملة جواب لقسم محذوف، وجملة القسم المحذوف مستأنفة. ﴿أَشَدَّ﴾: مفعول أول لتجد. ﴿النَّاسِ﴾: مضاف إليه. ﴿عَدَاوَةً﴾: تمييز منصوب بـ ﴿أَشَدَّ﴾. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَدَاوَةً﴾، ولما كان فرعًا في العمل عن الفعل .. قرن معموله باللام، ولا يضر في عملها كونها مؤنثة بالتاء؛ لأنها مبنية عليها، ويجوز أن يكون ﴿لِلَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿عَدَاوَةً﴾ فيتعلق بمحذوف. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿الْيَهُودَ﴾: مفعول ثانٍ لوجد. ﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل النصب معطوف على ﴿الْيَهُودَ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا لوجد. ﴿أَشْرَكُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول.
﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾.
﴿وَلَتَجِدَنَّ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، اللام موطئة للقسم. ﴿تجدن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة القسم الأول. ﴿أَقْرَبَهُمْ﴾: مفعول أول، ومضاف إليه. ﴿مَوَدَّةً﴾: تمييز، والعامل فيه اسم التفضيل. ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿مَوَدَّةً﴾، أو صفة لها، أو متعلق بـ ﴿أقرب﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿تجدن﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إِنَّا نَصَارَى﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: إن: حرف نصب وتوكيد، نا: ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها. ﴿نَصَارَى﴾: خبرها، وجملة إنَّ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿بِأَنَّ﴾ الباء حرف جر وسبب، ﴿أنَّ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿أنَّ﴾ ﴿قِسِّيسِينَ﴾: اسمها مؤخر. ﴿وَرُهْبَانًا﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿أنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بسبب كونهم قسيسين ورهبانًا، الجار والمجرور متعلق
стр. 3287
بواجب الحذف لوقوعه خبرًا تقديره: ذلك كائن بسبب كونهم قسيسين ورهبانًا، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿وَأَنَّهُمْ﴾: الواو عاطفة. ﴿أن﴾: حرف نصب، والهاء: اسمها، وجملة ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من جملة ﴿أن﴾ الأولى تقديره: ذلك كائن بسبب كونهم قسيسين ورهبانًا، وعدم استكبارهم.
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾ هو استئنافية أو عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿سَمِعُوا﴾: فعل وفاعل والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿سَمِعُوا﴾، وسمع هنا لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد باتفاق النحاة؛ لأنه دخل على ما يسمع. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماضٍ مغيَّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها.
﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾.
﴿تَرَى﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على: محمد، أو على المخاطب. ﴿أَعْيُنَهُمْ﴾: مفعول به لـ ﴿تَرَى﴾ هو، وهي بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، وجملة ﴿تَرَى﴾ جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة لفظًا، وإن تعلق بما قبله في المعنى، ولذلك جعله (١) بعضهم أول الربع، أو في محل الرفع معطوفة على خبر ﴿أن﴾ الثانية تقديره: ذلك بسبب أنهم لا يستكبرون، وأن أعينهم تفيض من الدمع عند سماع القرآن. ﴿تَفِيضُ﴾: فعل مضارع وفاعل ضمير يعود على ﴿أَعْيُنَهُمْ﴾. ﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَفِيضُ﴾، أو حال من فاعل ﴿تَفِيضُ﴾، والتقدير: حالة كونها مملوءة من الدمع.
стр. 3288
﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَفِيضُ﴾. ﴿عَرَفُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما عرفوه. ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: جار ومجرور حال من العائد المحذوف.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ضمير الفاعل في ﴿عَرَفُوا﴾. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ مقول محكي، وإنْ شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول على كونها جواب النداء. ﴿فَاكْتُبْنَا﴾: الفاء حرف عطف وتفريع. ﴿اكتبنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَّا﴾ على كونها مقول القول. ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اكتبنا﴾.
﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾.
﴿وَمَا لَنَا﴾ الواو استئنافية. ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف وجوبًا لوقوعه خبرًا تقديره: وأي شيء مستقر لنا، والجملة مستأنفة على كونها مقول القول. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿نُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُؤْمِنُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير في ﴿لَنَا﴾، والعامل فيه الاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور في ﴿لَنَا﴾، والتقدير: أي شيء استقر لنا حالة كوننا غير مؤمنين. ﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة. ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل الجر معطوفة على الجلالة. ﴿جَاءَنَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير الفاعل. ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿جَاءَنَا﴾. ﴿وَنَطْمَعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير المتكلمين، والجملة في محل النصب معطوفة على ﴿نُؤْمِنُ﴾ على أنها منفية كنفي ﴿نُؤْمِنُ﴾، والتقدير: وما لنا لا نؤمن ولا نطمع،
стр. 3289
فيكون في ذلك الإنكار؛ لانتفاء إيمانهم وانتفاء طمعهم مع قدرتهم على تحصيل الشيئين: الإيمان، والطمع في الدخول مع الصالحين. ويجوز (١) أن يكون التقدير: ونحن نطمع، فتكون الجملة حالًا من ضمير الفاعل في ﴿نُؤْمِنُ﴾. ﴿أَن يُدْخِلَنَا﴾: ناصب وفعل ومفعول. ﴿رَبُّنَا﴾: فاعل. ﴿مَعَ الْقَوْمِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُدْخِلَنَا﴾. ﴿الصَّالِحِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف متعلق بـ ﴿نطمع﴾، والتقدير: ونطمع في إدخال ربنا إيانا مع القوم الصالحين.
﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾.
﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ﴾: الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت قولهم المذكور، وأردت بيان جزاء قولهم المذكور .. فأقول لك: أثابهم الله. ﴿أثابهم الله﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿بِمَا قَالُوا﴾ الباء حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أثاب﴾، والتقدير: فأثابهم الله بقولهم ذلك. ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أثاب﴾. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾: ولكنها صفة سببية. ﴿خَالِدِينَ﴾؛ حال من ضمير ﴿أثابهم﴾. ﴿فِيهَا﴾ متعلق به. ﴿وَذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿جَزَاءُ﴾ وخبر ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: مضاف إليه، والجملة مستأنفة.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول.
стр. 3290
﴿وَكَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كذبوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثانٍ. ﴿أَصْحَابُ﴾: خبر للمبتدأ الثاني. ﴿الْجَحِيمِ﴾: مضاف إليه، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يَا﴾: حرف نداء. أيُّ: منادى نكرة مقصودة، ها: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات أي من الإضافة، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الذِينَ﴾: في محل الرفع صفة لأي. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُحَرِّمُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿طَيِّبَاتِ﴾: مفعول به وهو مضاف. ﴿مَا﴾: مضاف إليه. ﴿أَحَلَّ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف والتقدير: طيبات ما أحله الله لكم. ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تُحَرِّمُوا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللهَ﴾: اسمها. ﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.
﴿وَكُلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿لَا تُحَرِّمُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كلوا﴾. ﴿رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: مما رزقكم الله إياه، وهو العائد على ﴿ما﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ و، أو صفة لها. ﴿حَلَالًا﴾: مفعول ﴿كلوا﴾، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: كلوا أكلًا حلالًا. ﴿طَيِّبًا﴾: صفة لـ ﴿حَلَالًا﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة
стр. 3291
﴿كلوا﴾. ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة للجلالة. ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿مُؤْمِنُونَ﴾. ﴿مُؤْمِنُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿بِهِ﴾.
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بِاللَّغْو﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يؤاخذ﴾. ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ﴿اللغو﴾ تقديره: حالة كونه واقعًا في أيمانكم، أو متعلق (١) ﴿بِاللَّغْوِ﴾؛ لأنك تقول: لغا في يمينه، وهذا مصدر بالألف يعمل، ولكن معدى بحرف الجر، أو متعلق بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمُ﴾. ﴿وَلَكِنْ﴾: الواو عاطفة. ﴿لكن﴾ حرف استدراك. ﴿يُؤَاخِذُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ﴾. ﴿بِمَا﴾: الباء حرف جر ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية تقديره: بتعقيدكم الأيمان أو بعقدكم الأيمان، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمْ﴾، أو ﴿ما﴾ موصول اسمي، والعائد محذوف تقديره: ولكن يؤاخذكم بالذي عقدتم عليه الأيمان إذا حنثتم.
﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الله يؤاخذ بالأيمان المعقودة، وأردت بيان كفارتها .. فأقول لك ﴿كفارته﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ﴾: خبر ومضاف إليه وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ لأنه في تأويل حرف مصدري، وفعل مبني للفاعل؛ أي: فكفارته أن يطعم الحانث عشرة مساكين، ﴿عَشَرَةِ﴾: مضاف. ﴿مَسَاكِينَ﴾: مضاف إليه مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف؛ لأنه على صيغة منتهى
стр. 3292
المجموع. ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿إِطْعَامُ﴾، أو صفة (١) لمفعول محذوف تقديره: أن يطعم الحانث عشرة مساكين طعامًا، أو قوتًا من أوسط؛ أي: متوسطًا كما ذكره أبو البقاء. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ في (٢) محل نصب مفعول ثانٍ لـ ﴿إِطْعَامُ﴾، والأول ﴿عَشَرَةِ﴾؛ أي: أن تطعموا عشرة مساكين إطعامًا من أوسط ما تطعمون. ﴿أَوْسَطِ﴾: مضاف. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿تُطْعِمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول الثاني له محذوف تقديره: من أوسط ما تطعمونه، وهو العائد على ﴿مَا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿أَهْلِيكُمْ﴾: مفعول أول لـ ﴿تُطْعِمُونَ﴾، ومضاف إليه منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ لأنه جمع سلامة لأهل لم يستوف الشروط؛ لأنه اسم جنس، فليس بعلم ولا صفة، والذي حسَّن (٣) إلحاقه بجمع المذكر السالم: أنه كثيرًا ما يستعمل استعمال مستحق لكذا في قولهم: هو أهل لكذا؛ أي: مستحق له، فأشبه الصفات، فجمع جمعها، قال تعالى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ وقال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. ﴿أَو﴾: حرف عطف وتخيير. ﴿كِسْوَتُهُمْ﴾ معطوف على إطعام ومضاف إليه. وقرىء شاذًا: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فالكاف اسم بمعنى: مثل في محل الرفع معطوف على ﴿إِطْعَامُ﴾؛ أي: أو مثل إسوة أهليكم في الكسوة. ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: معطوف أيضًا على ﴿إِطْعَامُ﴾، وهو مصدر مضاف إلى المفعول أيضًا؛ لأنه في تقدير: أو أن يحرر الحانث رقبة؛ أي: نسمة.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.
﴿فَمَن﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الواجب في كفارته واحد من هذه الثلاثة المذكورة إذا وجدها كلًّا أو بعضًا، وأردت بيان حكم ما إذا لم يجد واحدًا منها .. فأقول لك: ﴿من لم يجد﴾. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو
стр. 3293
الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَجِدْ﴾: مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها فعل شرط لها، وهو من وجدان الضالة يتعدى إلى مفعول واحد محذوف تقديره: فمن لم يجد واحدًا من هذه الثلاثة. ﴿فَصِيَامُ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿صيام﴾: مبتدأ وهو مضاف. ﴿ثَلَاثَةِ﴾: مضاف إليه وهو مضاف. ﴿أَيَّامٍ﴾: مضاف إليه، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: فصيام ثلاثة أيام واجب عليه في كفارته، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة.
﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية الزمانية. ﴿حَلَفْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها تقديره: وقت حلفكم وحنثكم، والظرف متعلق بـ ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره بيانًا كائنًا كذلك؛ أي: مثل بيان كفارة الأيمان، وذلك المصدر المحذوف مفعول مطلق لـ ﴿يُبَيِّنُ﴾ منصوب به. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿آيَاتِهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل حرف نصب وترج بمعنى كي التعليلية، والكاف اسمها. وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في محل الرفع خبرها، وجملة لعل مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، والتقدير: يبين الله لكم آياته لكي تشكروا نعمه التي من أجلِّها بيان هذه الأحكام، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلَتَجِدَنَّ﴾: من وجد بمعنى: علم يتعدى إلى مفعولين، وهو من المثال
стр. 3294
الواوي، وهو ما كانت فاؤه واوًا.
﴿أَشَدَّ النَّاسِ﴾: وهو اسم تفضيل من شدَّ الثلاثي أصله: أشدد نظير أفضل، وكذلك ﴿أَقْرَبَهُمْ﴾: اسم تفضيل من قرب ﴿عَدَاوَةً﴾: العداوة: البغضاء يظهر أثرها في القول والفعل ﴿مَوَدَّةً﴾: والمودة محبةٌ يظهر أثرها في القول والعمل ﴿النَّاسِ﴾: هم يهود الحجاز، ومشركو العرب، ونصارى الحبشة في عصر التنزيل ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾: والقسيسين (١): جمع قسيس على وزن: فعيل، مثال مبالغة كصدّيق، وهو هنا رئيس النصارى وعالمهم، وأصله من: تقسس الشيء إذا تتبعه وتطلبه بالليل، يقال: تقسست أصواتهم؛ أي: تتبعتها بالليل، ويقال لرئيس النصارى: قس وقسيس، وللدليل بالليل: قسقاس وقسقس، قاله الراغب. وقال غيره: القس - بفتح القاف - تتبع الشيء، قال رؤبة:
أَصْبَحْنَ عَنْ قِسِّ الأَذَى غَوَافِلاَ ... يَمْشِيْنَ هَوْنًا حُرَّدًا بَهَالِلاَ
ومنه سمي عالم النصارى قسيسًا لتتبعه العلم، ويقال: قس الأثر وقصه بالصاد أيضًا، ويقال: قس وقس - بفتح القاف وكسرها - وقسيس، وزعم ابن عطية أنه أعجمي معرب. وفي "المراغي": والقسيسون: واحدهم قسيس، وقسّوس: واحدهم قس، وهو الرئيس الديني فوق الشماس، ودون الأسقف، والأصل في القسيسين أن يكونوا من أهل العلم بدينهم وكتبهم؛ لأنهم رعاة ومفتون، انتهى.
وقال أبو حيان: القس: رئيس النصارى في الدين والعلم، وجمعه: قسوس، سمي بالمصدر لتتبعه العلم والدين، وكذلك القسيس فعّيل، كالشرّيب، وجمع القسيس بالواو والنون، وجمع أيضًا على قساوسة، قال أمية بن أبي الصلت:
لَوْ كَانَ مُنْقَلَبٌ كَانَتْ قَسَاوِسَةٌ ... يُحْيِيْهِمُ اللهُ في أَيْدِيْهِمُ الزُّبُرُ
قال الفراء: هو مثل مهالبة، كثرت السينات فيه، فأبدلوا إحداهن واوًا،
стр. 3295
يعني: أن قياسه قساسة. انتهى. وقال عروة ابن الزبير (١): ضيعت النصارى الإنجيل وما فيه، وبقي منهم رجل يقال له: قسيس، يعني بقي على دينه، لم يبدله، فمن بقي على دينه وهديه .. قيل له: قسيس، فعلى هذا القس والقسيس مما اتفق فيه اللغتان.
قلتُ: وهذا يقوي قول ابن عطية، ولم ينقل أهل اللغة في هذا اللفظ القُس بضم القاف لا مصدرًا ولا وصفًا؛ فأما قس بن ساعدة الإيادي: فهو علم، فيجوز أن يكون مما غير عن طريق العلمية، ويكون أصله قس أو قس بالفتح أو بالكسر كما نقله ابن عطية. وقُس بن ساعدة كان أعلم أهل زمانه، وهو الذي قال فيه ﵇: "يُبعث أمةً واحدةً". اهـ "سمين".
﴿وَالرُّهْبَانِ﴾ واحدهم (٢): راهب، وهو المتبتل المنقطع في دير أو صومعة للعبادة، وحرمان النفس من التنعم بالزوج والولد، ولذات الطعام والزينة، وذكر القسيسين والرهبان للجمع بين العبَّاد والعلماء. وقال (٣) الشوكاني: والرهبان: جمع راهب، كركبان وراكب، والفعل: رَهِب الله يرهبه إذا خافه، والرهبانية والترهب: التعبد في الصوامع. قال أبو عبيد: وقد يكون رهبان للواحد والجمع. قال الفراء: ويجمع رهبان إذا كان للمفرد على رهابين كقربان وقرابين. وقد قال جرير في الجمع:
رُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكَ تَرَهَّبُوْا
وقال الشاعر في استعمال رهبان مفردًا:
لَوْ أَبْصَرَتْ رُهْبَانُ دَيْرٍ في الْجَبَل ... لانْحَدَرَ الرُّهْبَانُ يَسْعَى وَنَزَل
﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ أي: تمتلىء دمعًا فتفيض بتدفق من جوانبها لكثرته؛ لأن الفيض لا يكون إلا بعد الامتلاء، وجعل الأعين تفيض، والفائض إنما هو الدمع؛ قصدًا للمبالغة، كقولهم: دمعت عينه، قال امرئ القيس: