← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

﴿كلوا﴾. ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة للجلالة. ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿مُؤْمِنُونَ﴾. ﴿مُؤْمِنُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بِاللَّغْو﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يؤاخذ﴾. ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ﴿اللغو﴾ تقديره: حالة كونه واقعًا في أيمانكم، أو متعلق (١) ﴿بِاللَّغْوِ﴾؛ لأنك تقول: لغا في يمينه، وهذا مصدر بالألف يعمل، ولكن معدى بحرف الجر، أو متعلق بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمُ﴾. ﴿وَلَكِنْ﴾: الواو عاطفة. ﴿لكن﴾ حرف استدراك. ﴿يُؤَاخِذُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ﴾. ﴿بِمَا﴾: الباء حرف جر ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية تقديره: بتعقيدكم الأيمان أو بعقدكم الأيمان، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُؤَاخِذُكُمْ﴾، أو ﴿ما﴾ موصول اسمي، والعائد محذوف تقديره: ولكن يؤاخذكم بالذي عقدتم عليه الأيمان إذا حنثتم. ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾. ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الله يؤاخذ بالأيمان المعقودة، وأردت بيان كفارتها .. فأقول لك ﴿كفارته﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ﴾: خبر ومضاف إليه وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ لأنه في تأويل حرف مصدري، وفعل مبني للفاعل؛ أي: فكفارته أن يطعم الحانث عشرة مساكين، ﴿عَشَرَةِ﴾: مضاف. ﴿مَسَاكِينَ﴾: مضاف إليه مجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف؛ لأنه على صيغة منتهى

стр. 3292

المجموع. ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿إِطْعَامُ﴾، أو صفة (١) لمفعول محذوف تقديره: أن يطعم الحانث عشرة مساكين طعامًا، أو قوتًا من أوسط؛ أي: متوسطًا كما ذكره أبو البقاء. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾ في (٢) محل نصب مفعول ثانٍ لـ ﴿إِطْعَامُ﴾، والأول ﴿عَشَرَةِ﴾؛ أي: أن تطعموا عشرة مساكين إطعامًا من أوسط ما تطعمون. ﴿أَوْسَطِ﴾: مضاف. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿تُطْعِمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول الثاني له محذوف تقديره: من أوسط ما تطعمونه، وهو العائد على ﴿مَا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿أَهْلِيكُمْ﴾: مفعول أول لـ ﴿تُطْعِمُونَ﴾، ومضاف إليه منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم؛ لأنه جمع سلامة لأهل لم يستوف الشروط؛ لأنه اسم جنس، فليس بعلم ولا صفة، والذي حسَّن (٣) إلحاقه بجمع المذكر السالم: أنه كثيرًا ما يستعمل استعمال مستحق لكذا في قولهم: هو أهل لكذا؛ أي: مستحق له، فأشبه الصفات، فجمع جمعها، قال تعالى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ وقال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. ﴿أَو﴾: حرف عطف وتخيير. ﴿كِسْوَتُهُمْ﴾ معطوف على إطعام ومضاف إليه. وقرىء شاذًا: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فالكاف اسم بمعنى: مثل في محل الرفع معطوف على ﴿إِطْعَامُ﴾؛ أي: أو مثل إسوة أهليكم في الكسوة. ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: معطوف أيضًا على ﴿إِطْعَامُ﴾، وهو مصدر مضاف إلى المفعول أيضًا؛ لأنه في تقدير: أو أن يحرر الحانث رقبة؛ أي: نسمة. ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾. ﴿فَمَن﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الواجب في كفارته واحد من هذه الثلاثة المذكورة إذا وجدها كلًّا أو بعضًا، وأردت بيان حكم ما إذا لم يجد واحدًا منها .. فأقول لك: ﴿من لم يجد﴾. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو

стр. 3293

الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَجِدْ﴾: مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها فعل شرط لها، وهو من وجدان الضالة يتعدى إلى مفعول واحد محذوف تقديره: فمن لم يجد واحدًا من هذه الثلاثة. ﴿فَصِيَامُ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿صيام﴾: مبتدأ وهو مضاف. ﴿ثَلَاثَةِ﴾: مضاف إليه وهو مضاف. ﴿أَيَّامٍ﴾: مضاف إليه، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: فصيام ثلاثة أيام واجب عليه في كفارته، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية الزمانية. ﴿حَلَفْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها تقديره: وقت حلفكم وحنثكم، والظرف متعلق بـ ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾. ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره بيانًا كائنًا كذلك؛ أي: مثل بيان كفارة الأيمان، وذلك المصدر المحذوف مفعول مطلق لـ ﴿يُبَيِّنُ﴾ منصوب به. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿آيَاتِهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل حرف نصب وترج بمعنى كي التعليلية، والكاف اسمها. وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في محل الرفع خبرها، وجملة لعل مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، والتقدير: يبين الله لكم آياته لكي تشكروا نعمه التي من أجلِّها بيان هذه الأحكام، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَلَتَجِدَنَّ﴾: من وجد بمعنى: علم يتعدى إلى مفعولين، وهو من المثال

стр. 3294

الواوي، وهو ما كانت فاؤه واوًا. ﴿أَشَدَّ النَّاسِ﴾: وهو اسم تفضيل من شدَّ الثلاثي أصله: أشدد نظير أفضل، وكذلك ﴿أَقْرَبَهُمْ﴾: اسم تفضيل من قرب ﴿عَدَاوَةً﴾: العداوة: البغضاء يظهر أثرها في القول والفعل ﴿مَوَدَّةً﴾: والمودة محبةٌ يظهر أثرها في القول والعمل ﴿النَّاسِ﴾: هم يهود الحجاز، ومشركو العرب، ونصارى الحبشة في عصر التنزيل ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾: والقسيسين (١): جمع قسيس على وزن: فعيل، مثال مبالغة كصدّيق، وهو هنا رئيس النصارى وعالمهم، وأصله من: تقسس الشيء إذا تتبعه وتطلبه بالليل، يقال: تقسست أصواتهم؛ أي: تتبعتها بالليل، ويقال لرئيس النصارى: قس وقسيس، وللدليل بالليل: قسقاس وقسقس، قاله الراغب. وقال غيره: القس - بفتح القاف - تتبع الشيء، قال رؤبة: أَصْبَحْنَ عَنْ قِسِّ الأَذَى غَوَافِلاَ ... يَمْشِيْنَ هَوْنًا حُرَّدًا بَهَالِلاَ ومنه سمي عالم النصارى قسيسًا لتتبعه العلم، ويقال: قس الأثر وقصه بالصاد أيضًا، ويقال: قس وقس - بفتح القاف وكسرها - وقسيس، وزعم ابن عطية أنه أعجمي معرب. وفي "المراغي": والقسيسون: واحدهم قسيس، وقسّوس: واحدهم قس، وهو الرئيس الديني فوق الشماس، ودون الأسقف، والأصل في القسيسين أن يكونوا من أهل العلم بدينهم وكتبهم؛ لأنهم رعاة ومفتون، انتهى. وقال أبو حيان: القس: رئيس النصارى في الدين والعلم، وجمعه: قسوس، سمي بالمصدر لتتبعه العلم والدين، وكذلك القسيس فعّيل، كالشرّيب، وجمع القسيس بالواو والنون، وجمع أيضًا على قساوسة، قال أمية بن أبي الصلت: لَوْ كَانَ مُنْقَلَبٌ كَانَتْ قَسَاوِسَةٌ ... يُحْيِيْهِمُ اللهُ في أَيْدِيْهِمُ الزُّبُرُ قال الفراء: هو مثل مهالبة، كثرت السينات فيه، فأبدلوا إحداهن واوًا،

стр. 3295

يعني: أن قياسه قساسة. انتهى. وقال عروة ابن الزبير (١): ضيعت النصارى الإنجيل وما فيه، وبقي منهم رجل يقال له: قسيس، يعني بقي على دينه، لم يبدله، فمن بقي على دينه وهديه .. قيل له: قسيس، فعلى هذا القس والقسيس مما اتفق فيه اللغتان. قلتُ: وهذا يقوي قول ابن عطية، ولم ينقل أهل اللغة في هذا اللفظ القُس بضم القاف لا مصدرًا ولا وصفًا؛ فأما قس بن ساعدة الإيادي: فهو علم، فيجوز أن يكون مما غير عن طريق العلمية، ويكون أصله قس أو قس بالفتح أو بالكسر كما نقله ابن عطية. وقُس بن ساعدة كان أعلم أهل زمانه، وهو الذي قال فيه ﵇: "يُبعث أمةً واحدةً". اهـ "سمين". ﴿وَالرُّهْبَانِ﴾ واحدهم (٢): راهب، وهو المتبتل المنقطع في دير أو صومعة للعبادة، وحرمان النفس من التنعم بالزوج والولد، ولذات الطعام والزينة، وذكر القسيسين والرهبان للجمع بين العبَّاد والعلماء. وقال (٣) الشوكاني: والرهبان: جمع راهب، كركبان وراكب، والفعل: رَهِب الله يرهبه إذا خافه، والرهبانية والترهب: التعبد في الصوامع. قال أبو عبيد: وقد يكون رهبان للواحد والجمع. قال الفراء: ويجمع رهبان إذا كان للمفرد على رهابين كقربان وقرابين. وقد قال جرير في الجمع: رُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكَ تَرَهَّبُوْا وقال الشاعر في استعمال رهبان مفردًا: لَوْ أَبْصَرَتْ رُهْبَانُ دَيْرٍ في الْجَبَل ... لانْحَدَرَ الرُّهْبَانُ يَسْعَى وَنَزَل ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ أي: تمتلىء دمعًا فتفيض بتدفق من جوانبها لكثرته؛ لأن الفيض لا يكون إلا بعد الامتلاء، وجعل الأعين تفيض، والفائض إنما هو الدمع؛ قصدًا للمبالغة، كقولهم: دمعت عينه، قال امرئ القيس:

стр. 3296

فَفَاضَتْ دُمُوْعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً ... عَلَى النَّحْرِ حَتَّى بَلَّ دَمْعِيَ مَحْمَلِي ﴿وَنَطْمَعُ﴾: الطمع قريب من الرجاء، يقال منه: طمع - من باب سمع - يطمع طمعًا وطماعةً وطماعيةً. ﴿فَأَثَابَهُمُ﴾ يقال: أثابه على كذا إثابةً إذا جازاه وكافأه عليه، والإثابة المجازاة ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: الجحيم مأخوذ من قولهم: جحم فلان النار، إذا شدد إيقادها يجحَم جحمًا من باب فتح، ويقال لعين الأسد: جحمة لشدة اتقادها، قال الشاعر: وَالْحَرْبُ لاَ تُبْقِيْ لِجَا ... حِمِهَا التَّحَيُّلَ وَالمِزَاحْ ﴿بِاللَّغْوِ﴾: اللغو: مصدر لغا يلغو لغوًا، يقال: لغا بكذا إذا تكلم باللغو، واللغو: ما لا يعتد به من كلام أو غيره، يقال: تكلم باللغو واشتغل باللغو؛ أي: بما لا يعتد به، واللغو في اليمين: قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا واللهِ وبلى واللهِ. ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾؛ أي: بما صممتم وعزمتم عليه منها وقصدتموه، ومنه قول الفرزدق: وَلَسْتَ بِمَأخُوْذٍ بِلَغْوٍ تَقُوْلُهُ ... إِذَا لَمْ تُعَمِّدْ عَاقِدَاتِ العَزَائِمِ وأصل العقد نقيض الحل، والعقد على ضربين: حِسيّ كعقد الحبل، وحُكْميّ كعقد البيع واليمين والعهد، قال الشاعر: قَوْمٌ إِذَا عَقَدُوْا عَقْدًا لِجَارِهِمُ ... شَدُّوْا العِنَاجَ وَشَدُّوْا فَوْقَهُ الْكَرَبَا فعقد اليمين: توكيدها بالقصد والغرض الصحيح، وتعقيدها: المبالغة في توكيدها ﴿فكفارته﴾: وأصل الكفارة من الكفر، وهو الستر والتغطية، ثم صارت في اصطلاح الشرع اسمًا لأعمال كفَّرتْ بعض الذنوب والمؤاخذات؛ أي: تغطيها وتخفيها حتى لا يكون لها أثر يؤاخذ به المرء لا في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾: والأوسط: الأغلب من الطعام في البيوت، لا الدون الذي يتقشف به أحيانًا، ولا الأعلى الذي يتوسع به أحيانًا أخرى ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ أي: إعتاق نسمة مملوكة، والتحرير: الإخراج من الرق، ويستعمل التحرير في فك الأسير وإعفاء المجهود بعمل عن عمله، وترك إنزال الضرر به، ومنه قول الفرزدق:

стр. 3297

أَبَنِيْ غُدَانَةَ إِنَّنِي حَرَّرْتُكُمْ ... فَوَهَبْتُكُمْ لِعَطِيَّةِ بْنِ جَعَالِ أي: حررتكم من الهجاء الذي كان سيضع منكم، ويضر بأحسابكم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التأكيد بالقسم ونون التوكيد في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ﴾. ومنها: الطباق بين لفظي: ﴿عَدَاوَةً﴾ و ﴿مَوَدَّةً﴾، وهو من المحسنات البديعية. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ أي: تمتلىء من الدمع، فاستعير الفيض الذي هو الانصباب للامتلاء مبالغة، ثم اشتق من الفيض بمعنى الامتلاء، تفيض بمعنى تمتلىء على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ حيث أطلق الجزء وأراد الكل؛ أي: عتق إنسان. وخص الرقبة بالذكر من بين أجزاء الإنسان؛ لأن الرقبة غالبًا محل للتوثق والاستمساك. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾؛ لأن العقد نقيض الحل، حقيقة في الأجسام كالحبل، مجاز في المعاني. ومنها: إطلاق الخاص وإرادة العام في قوله: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾؛ لأن المراد مطلق الانتفاع بالرزق أكلًا أو شربًا أو لبسًا أو غير ذلك، وإنما خص الأكل بالذكر من بين أنواع الانتفاعات؛ لأنه أغلب الانتفاع بالرزق. والله أعلم * * *

стр. 3298

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ. . .﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله لما نهى فيما سلف عن تحريم ما أحل الله من الطيبات، وأمر بأكل ما رزق الله من الحلال الطيب، وكان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر .. بيّن هنا أنهما غير داخلين فيما يحل، بل هما مما يحرم.

стр. 3299

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ. . .﴾ الآية، قال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما أمر الله تعالى بأكل ما رزقهم حلالًا طيبًا، ونهاهم عن تحريم ما أحله لهم مما لا إثم فيه، وكان المستطاب المستلذ عندهم الخمر والميسر، وكانوا يقولون: الخمر تطرد الهموم، وتنشط النفس، وتشجع الجبان، وتبعث على المكارم، والميسر يحصل به تنمية المال، ولذة الغلبة .. بيّن تعالى تحريم الخمر والميسر؛ لأن هذه اللذة يقارنها مفاسد عظيمة، ففي الخمر إذهاب العقل، وإتلاف المال، ولذلك ذمَّ بعض حكماء الجاهلية إتلاف المال بها، وجعل ترك ذلك مدحًا فقال: أَخِيْ ثِقَةٍ لاَ تُتْلِفُ الخَمْرُ مَالَهُ ... وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكِ الْمَالَ نَائِلُهْ وتنشأ عنها مفاسد أُخر من قتل النفس، وشدة البغضاء، وارتكاب المعاصي، والميسر فيه أخذ المال بالباطل، انتهى. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما نهى عن تحريم ما أحل من الطيبات، ثم استثنى الخمر والميسر .. استثنى هنا مما يحل الصيد في حال الإحرام، وأوجب جزاء على من قتله، وبيَّن أن صيد البحر وطعامه حلال، وقد نزلت هذه الآية عام الحديبية حين ابتلاهم الله تعالى بالصيد وهم محرمون، وكثر عندهم حتى كان يغشاهم في رحالهم، فيتمكنون من صيده أخذًا بأيديهم وطعنًا برماحهم. وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها هي: أنه تعالى لما أمرهم أن لا يحرموا الطيبات، وأخرج من ذلك الخمر والميسر، وهما حرامان دائمًا .. أخرج بعده من الطيبات ما حرم في حال دون حال، وهو: الصيد، وكان الصيد مما تعيش به العرب وتتلذذ باقتناصه، ولهم فيه الأشعار والأوصاف الحسنة، انتهى. قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ...﴾ الآية، مناسبة (١)

стр. 3300

هذه الآية لما قبلها: أن الله لما نهى في الآية السالفة المُحْرِمَ عن الاصطياد .. بيّن هنا أن البيت الحرام كما أنه سبب لأمن الوحش والطير، هو سبب لأمن الناس من الآفات والمخاوف، وسبب لحصول الخيرات والسعادات في الدنيا والآخرة. قال أبو حيان (١): قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة: وذلك أنه تعالى ذكر تعظيم الإحرام بالنهي عن قتل الوحش فيه بحيث شرع بقتله ما شرع، وذكر تعظيم الكعبة بقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ فذكر تعالى في هذه الآية أنه جعل الكعبة قيامًا للناس؛ أي: ركز في قلوبهم تعظيمها بحيث لا يقع فيها أذى أحد، وصارت وازعة لهم من الأذى، وهم في الجاهلية الجهلاء لا يرجون جنة، ولا يخافون نارًا؛ إذ لم يكن لهم ما يمنعهم من أذى بعضهم، فقامت لهم حرمة الكعبة مقام حرمة الملك، هذا مع تنافسهم وتحاسدهم ومعاداتهم وأخذهم بالثأر، ولذلك جعل الثلاثة المذكورة بعد الكعبة قيامًا للناس، فكانوا لا يهيجون أحدًا في الشهر الحرام، ولا من ساق الهدي؛ لأنه يعلم أنه لم يجىء لحرب، ولا من خرج يريد البيت بحج أو عمرة، فتقلد من لحى الشجر، ولا من قضى نسكه، فتقلد من شجر الحرم، ولما بعثت قريش زمن الحديبية إلى المؤمنين الحلس .. قال رسول الله ﷺ : "هذا رجل يعظم الحرمة فالقوه بالبدن مشعرة" فلما رآها الحلس عظم عليه ذلك، وقال: ما ينبغي أن يصد هؤلاء، ورجع عن رسالة قريش. انتهى. قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أرشدنا إلى بعض آيات علمه في خلقه التي جعل بها البيت الحرام قيامًا للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد .. نبهنا في هذه الآية إلى أن العلم بكل شيء لا يمكن أن يترك الناس سدى، فهو لم يخلقهم عبثًا، ومن ثم لا يليق بحكمته وعدله أن يجعل الذين اجترحوا

стр. 3301

السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا أن يسوّي بين الطيِّب والخبيث، فيجعل البر كالفاجر، والمصلح كالمفسد، بل لا بد من الجزاء بالحق، لذلك جاءت هذه الآيات ترغيبًا لعباده وترهيبًا لهم ووعدًا ووعيدًا. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما حذر عن المعصية، ورغب في التوبة بقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الآية وأتبعه في التكليف بقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، ثم بالترغيب في الطاعة، والتنفير عن المعصية بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ .. أتبعه بنوع آخر من الترغيب في الطاعة، والتنفير عن المعصية فقال: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ...﴾ الآية، أو يقال: لما بين أن عقابه شديد لمن عصى، وأنه غفور رحيم لمن أطاع .. بين أنه لا يستوي المطيع والعاصي، وإن كان من العصاة والكفار كثرة، فلا يمنعه كثرتهم من عقابهم، ذكره أبو حيان في "البحر". أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما رواه أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما: فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِر ...﴾ الآية، فقال الناس: ما حرم علينا، إنما قال: إثمٌ كبير، وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين أمَّ أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله آية أشد منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، ثم نزلت آية أشد من ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، قالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على سرفهم، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله رجسًا من عمل الشيطان، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 3302

جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ...﴾ إلى آخر الآية. وروى النسائي والبيهقي عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا، فلما أن ثمل القوم .. عبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر في وجهه ورأسه ولحيته فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: واللهِ لو كان بي رؤوفًا رحيمًا .. ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ...﴾ الآية. فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان قُتل يوم بدر، وفي بطن فلان قُتل يوم أحد، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...﴾ الآية. قوله تعالى (١): ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري عن أنس ﵁ قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمت قال: فقال لي أبو طلحة: أخرج فأهرقها، فجَرَت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الواحدي والأصبهاني في "الترغيب" عن جابر: أن النبي ﷺ ذكر تحريم الخمر، فقام أعرابي فقال: إني كنت رجلًا كانت هذه تجارتي فاعتبقت منها مالًا، فهل ينفع ذلك المال إن عملت بطاعة الله تعالى؟ فقال النبي ﷺ : إن الله لا يقبل إلا الطيب، فأنزل الله تعالى تصديقًا لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ...﴾ الآية. وفي "مسند" أحمد، و"مسند" أبي داود والترمذي: أن عمر كان يدعو الله تعالى: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فلما نزلت آية البقرة .. قرأها عليه

стр. 3303

النبي ﷺ ، فظل على دعائه، وكذلك لمَّا نزلت آية النساء، فلما نزلت آية المائدة .. دُعي فقرئت عليه، فلما بلغ قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال: انتهينا، انتهينا. وروي في سبب هذه الآيات: أن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: فيَّ نزل تحريم الخمر، صنع رجل من الأنصار طعامًا، فدعانا، فأتاه ناس، فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر - وذلك قبل تحريمها - فتفاخروا، فقالت الأنصار: الأنصار خير، وقالت قريش: قريش خير، فأهوى رجل بلحى جزور - فك رأس جزور - فضرب على أنس ففزره، قال: فأتيت النبي ﷺ ، فذكرت له ذلك فنزلت. والحكمة في تحريم الخمر بالتدريج: أن الناس كانوا مغرمين بحبها، كلفين بها، فلو حرمت في أول الإسلام .. لكان تحريمها صارفًا لكثير من المدمنين لها عن الإِسلام، ومن ثم جاء تحريمها أولًا في سورة البقرة على وجه فيه مجال للاجتهاد، فيتركها من لم تتمكن فتنتها من نفسه، ثم ذكرها في سورة النساء بما يقتضي تحريمها في الأوقات القريبة من وقت الصلاة؛ إذ نهى عن القرب من الصلاة في حال السكر، فلم يبقَ لمن يصر على شربها إلا الاغتباق بعد صلاة العشاء، وضرره قليل، والصبوح من بعد صلاة الصبح لمن لا عمل له، فلا يخشى أن يمتد سكره إلى وقت الظهر، ثم تركهم الله على هذه الحال زمنًا قويَ فيه الدين، وكثرت الوقائع التي ظهر لهم بها إثمها وضررها، فحرمها تحريمًا باتًا لا هوادة فيه. روى ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ شربها قوم لقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، وتركها قوم لقوله: ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، منهم عثمان بن مظعون حتى نزلت الآية التي في النساء ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فتركها قوم، وشربها قوم يتركونها بالنهار حين الصلاة ويشربونها بالليل حتى نزلت الآية التي في المائدة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ...﴾ هو الآية. قال عمر: أَقُرِنْتِ بالميسر والأنصاب

стр. 3304

والأزلام؟ بعدًا لكِ وسحقًا، فتركها الناس، ووقع في صدور أناس منها، وقالوا: ما حرم علينا شيء أشد من الخمر حتى جعل الرجل يلقى صاحبه فيقول: إن في نفسي شيئًا، فيقول صاحبه: لعلك تذكر الخمر، فيقول: نعم، فيقول: إنَّ في نفسي مثل ما في نفسك، حتى ذكر ذلك قوم واجتمعوا فيه، فقالوا: كيف نتكلم ورسول الله شاهد - حاضر - وخافوا أن ينزل فيهم - أي قرآن - فأتوا رسول الله ﷺ وقد أعدوا له حجة، فقالوا: أرأيت حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش، أليسوا في الجنة؟ قال: بلى، قالوا: أليسوا قد مضوا وهم يشربون الخمر، فحرم علينا شيء دخلوا الجنة وهم يشربونه، فقال: "قد سمع الله ما قلتم، فإن شاء أجابكم"، فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾، فقالوا: انتهينا. ونزل في الذين ذكروا حمزة وأصحابه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ٩٠ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله وما أنزل إليه ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾؛ أي: إن الخمر التي تشربونها ﴿وَالْمَيْسِر﴾ الذي تتياسرونه وتلعبون به ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ التي تذبحون عندها ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾؛ أي: القداح التي تستقسمون بها ﴿رِجْسٌ﴾؛ أي: قذر تعاف منه العقول السليمة، وإثم سخطه الله وكرهه لكم، وهو ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ وتحسينه وتزيينه لكم، وقيل: هو الذي كان عمل هذه الأمور بنفسه، فاقتدى به بنو آدم، لا من الأعمال التي ندبكم إليها ربكم، ولا مما يرضاه لكم ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾؛ أي: فاتركوا هذا الرجس ولا تعملوه، وكونوا في جانب غير الجانب الذي هو فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: رجاء أن تفلحوا وتفوزوا بما فرض عليكم من تزكية أنفسكم وسلامة أبدانكم والتواد فيما بينكم، فجملة الترجي علة لما قبلها؛ أي: فاجتنبوا هذا المذكور لكي تنجوا من العذاب، وتدركوا الفلاح إذا اجتنبتم هذه المحرمات التي هي رجس. والخمر: عصير العنب إذا اختمر؛ أي: صار خمرًا. والمراد هنا: كل

стр. 3305

شراب مسكر؛ لأن الخمر هنا كل ما خامر العقل وغطاه، وقد صح من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "كل شراب أسكر فهو حرام" أخرجاه في "الصحيحين". وزاد الترمذي وأبو داود: "ما أسكر الفَرَقُ منه فملءُ الكف منه حرام". الفَرَق بالتحريك: إناء يسع ستة عشر رطلًا. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من شرب الخمر .. لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب .. تاب الله عليه، فإن عاد .. لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب .. تاب الله عليه، فإن عاد .. لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب .. تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة .. لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب .. لم يتب الله عليه، وسقاه من نهر الخبال"، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، وما نهر الخبال؟ قال: صديد أهل النار. أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. وأخرجه النسائي. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه". أخرجه أبو داود. والميسر: القمار، والقمار كل لعب يشترط فيه أن يأخذ الغالب من المغلوب شيئًا سواء كان بالورق، أو بغيره كالقداح. وسُمي القمار - أي: اللعب - ميسرًا؛ لأن فيه أخذ المال بيسر، ويطلق الميسر أيضًا على الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، وذلك أنهم كانوا ينحرون الجزور ويقسمونها ثمانية وعشرين قسمًا أو عشرة أقسام، ثم يضربون بالقداح، وفيها الرابح والغفل، فمن خرج له قدح رابح .. فاز وأخذ نصيبه من الجزور، ومن خرج له الغفل .. غرم ثمنها. والأنصاب: الحجارة التي كانوا يذبحون قرابينهم عندها ويعبدونها ويتقربون إليها، سُميت الأصنام بذلك؛ لأنها تنصب وترفع للعبادة. والأزلام: قداح؛ أي: قطع رقيقة من الخشب بهيئة السهام، كانوا يستقسمون بها في الجاهلية لأجل التفاؤل أو التشاؤم. ٩١ - وبعد أن أمر الله تعالى باجتناب الخمر والميسر .. ذكر أن فيهما مفسدتين:

стр. 3306

إحداهما: دنيوية، وثانيتهما: دينية، وقد أشار إليهما بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ ويقصد ﴿أَن يُوقِعَ﴾ ويوجد ﴿بَيْنَكُمُ﴾ أيها المؤمنون ﴿الْعَدَاوَةَ﴾ والإيذاء ﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾؛ أي: الشحناء ﴿فِي الْخَمْرِ﴾؛ أي: بسبب تزيين شرب الخمر لكم إذا صرتم نشاوى، كما فعل الأنصاري الذي شج رأس سعد بن أبي وقاص بلحى الجمل؛ لأنها تزيل عقل شاربها، فيتكلم بالفحش، وربما أفضى ذلك إلى المقاتلة، وذلك سبب إيقاع العداوة والبغضاء بين شاربيها ﴿و﴾ بسبب تزيين ﴿الميسر﴾ واللعب بالقمار لكم إذا ذهب ما لكم. وقال (١) قتادة: كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيُقمَر - يغلب - فيقعد حزينًا سليبًا ينظر إلى ماله في يد غيره، فيورثه ذلك العداوة والبغضاء، فنهى عن ذلك، فظهر بذلك أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، وهذا فيما يتعلق بأمر الدنيا، وفيهما مفاسد تتعلق بأمر الدين، وهي ما ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿و﴾ يريد أن ﴿يصدكم﴾ ويمنعكم ويصرفكم ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وطاعته ﴿وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ أفردها بالذكر مع دخولها في ذكر الله تعظيمًا لها، وإظهارًا لشرفها؛ لأن شرب الخمر يورث اللذة الجسمانية، والنفس إذا استغرقت فيها .. غفلت عن ذكر الله وعن الصلاة، ولأن الشخص إذا كان غالبًا في القمار .. صار استغراقه في لذة الغلبة مانعًا من أن يخطر بباله شيء سواه. فإن قلتَ (٢): لِمَ جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام في الآية الأولى، ثم أفرد الخمر والميسر في هذه الآية؟ قلتُ: لأن الخطاب مع المؤمنين بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والمقصود نهيهم عن شرب الخمر واللعب بالقمار، وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر في الآية الأولى؛ لتأكيد تحريم الخمر والميسر، فلما كان المقصود من الآية النهي عن شرب الخمر والميسر لا جرم .. أفردهما بالذكر في الآية الثانية، والله أعلم.

стр. 3307

والمعنى: أن (١) الشيطان يريد لكم شرب الخمر ومياسرتكم بالقداح ليعادي بعضكم بعضًا، ويبغض بعضكم إلى بعض عند الشراب والمياسرة، فيشتت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان، وجمعه بينكم بأخوة الإسلام، ويصرفكم بالسكر والاشتغال بالميسر عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم، وعن الصلاة التي فرضها عليكم تزكية لنفوسكم وتطهيرًا لقلوبكم. أما كون الخمر سببًا لوقوع العداوة والبغضاء بين الناس حتى الأصدقاء منهم: فلأن شارب الخمر يسكر، فيفقد العقل الذي يمنع من الأقوال والأعمال القبيحة التي تسوء الناس، كما يستولي عليه حب الفخر الكاذب، ويسرع إليه الغضب بالباطل، فكثيرًا ما يجتمع الشَرَبَة على مائدة الشراب، فيثير السكر كثيرًا من ألوان البغضاء بينهم، وقد ينشأ القتل والضرب، والسلب والفسق والفجور، وإفشاء الأسرار، وهتك الأستار، وخيانة الحكومات والأوطان. وأما الميسر: فهو مثار العداوة والبغضاء بين المتقامرين، فإن تعداهم فإلى الشامتين والعائبين، ومن تضيع عليهم حقوقهم من الدائنين وغير الدائنين، وكثيرًا ما يفرط المقامر في حقوق الوالدين والزوج والأولاد حتى يوشك أن يمقته كل أحد، والميسر مع ما فيه من التوسعة على المحتاجين فيه إجحاف بأرباب الأموال؛ لأن من صار مغلوبًا في القمار مرة .. دعاه ذلك إلى اللجاج والتمادي فيه رجاء أن يغلب فيه مرة أخرى، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال، ولا شك أنه بعد ذلك سيصير فقيرًا مسكينًا، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا له غالبين. وأما صدُّ الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة، وهو مفسدتهما الدينية: فذلك أظهر من كونهما مثارًا للعداوة والبغضاء، وهما مفسدتهما الاجتماعية؛ لأن كل سكرة من سكرات الخمر، وكل مرة من لعب القمار، تصد السكران واللاعب وتصرفه عن ذكر الله تعالى الذي هو روح الدين، وعن الصلاة التي هي عماد

стр. 3308

الدين؛ إذ السكران لا عقل له يذكر به آلاء الله وآياته، ويثني عليه بأسمائه وصفاته، أو يقيم الصلاة التي هي ذكر الله، ولو ذكر السكران ربه وحاول الصلاة .. لم تصح له، وكذلك المقامر تتوجه جميع قواه العقلية إلى اللعب الذي يرجو منه الربح، ويخشى الخسارة، فلا يتوجه همُّه إلى ذكر الله، ولا يتذكر أوقات الصلاة وما يجب عليه من المحافظة عليها. وقد دلت المشاهدة على أن القمار أكثر الأعمال التي تشغل القلب وتصرفه عن كل ما سواه، بل يحدث الحريق في دار المقامر، أو تحل المصائب بالأهل والولد، ويستغاث به فلا يغيث، بل يمضي في لعبه، والنوادر في ذلك كثيرة على أن المقامر إذا تذكر الصلاة وترك اللعب لأجلها، فإنه لا يؤدي منها إلا الحركات بدون أدنى تدبر أو خشوع، لكنه على كل حال يفضل السكران، إذ إنه لا يكاد يضبط أفعال الصلاة. ولما بين الله علة تحريم الخمر والميسر وحكمته .. أكد ذلك التحريم فقال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ومنزجرون عن إتيانهما، والاستفهام فيه استفهام تهديدي بمعنى الأمر، وهو أبلغ من الأمر صريحًا، فكأنه قيل: قد بينت لكم ما في هذه الأمور من أنواع الصوارف والموانع والقبائح، فهل أنتم منتهون مع هذه الصوارف، أم أنتم على ما كنتم عليه كأنكم لم توعظوا ولم تزجروا؟ والخلاصة: قد بينتُ لكم مفاسد الخمر والميسر، فهل تنتهون عنهما، أم أنتم مقيمون عليهما كأنكم لم توعظوا بهذه المواعظ؟ وقد أكد (١) الله تحريم الخمر والميسر بوجوه من التأكيد: منها: أنه سماهما رجسًا، والرجس كلمة تدل على منتهى ما يكون من القبح والخبث، ومن ثم قال ﷺ : "الخمر أمُّ الخبائث". ومنها: أنه قرنهما بالأنصاب والأزلام التي هي من أعمال الوثنية وخرافات

стр. 3309

الشرك، وقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة قوله ﷺ : "مدمن الخمر كعابد وثن". ومنها: أنه جعلهما من عمل الشيطان؛ لما ينشأ عنهما من الشرور والطغيان وسخط الرحمن. ومنها: جعل اجتنابهما سبيلًا للفلاح والفوز بالنجاة. ومنها: أنه جعلهما مثارًا للعداوة والبغضاء، وهما من أقبح المفاسد الدنيوية التي تولد كثيرًا من المعاصي في الأموال والأعراض والأنفس. ومنها: أنه جعلهما صادين عن ذكر الله وعن الصلاة، وهما روح الدين وعماده وزاده وعتاده. وفي هذه الآية (١): دليل على تحريم الخمر لما تضمنه الأمر بالاجتناب من الوجوب، ولما تقرر في الشريعة من تحريم قربان الرجس فضلًا عن جعله شرابًا يشرب. وقد أجمع المسلمون على ذلك إجماعًا لا شك فيه ولا شبهة، وأجمعوا أيضًا على تحريم بيعها والانتفاع بها ما دامت خمرًا. وكما دلت هذه الآية على تحريم الخمر .. دلت أيضًا على تحريم الميسر والأنصاب والأزلام، ٩٢ - ثم أكد الله هذا التحريم بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيها المؤمنون فيما أمركم به من اجتناب الخمر والميسر وغيرهما من سائر المحرمات؛ كالأنصاب والأزلام ونحوهما. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ محمدًا ﷺ فيما بيَّنه لكم مما نزل عليكم من نحو قوله: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام". ﴿وَاحْذَرُوا﴾، عن مخالفتهما في التكاليف؛ أي: واحترزوا واجتنبوا مخالفة الله، ومخالفة رسوله ﷺ فيما أمركم به ونهاكم عنه، أو المعنى: واحذروا ما يصيبكم إذا أنتم خالفتم أمرهما من فتنة في الدينا، وعذاب في الآخرة، فإنه سبحانه لم يحرم عليكم إلا ما فيه ضرر لكم في دنياكم وآخرتكم، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ

стр. 3310

أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وأعرضتم عن اتباع أمرهما ونهيهما ﴿فَاعْلَمُوا﴾ أن الحجة قد قامت عليكم، وانقطعت بكم الأعذار، واستوجبتم السخط، واستحققتم العقاب؛ لأنه ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا﴾ محمد ﷺ ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: التبليغ من الله إليكم البلاغ المبين؛ أي: الواضح بلغة تعلمونها، والرسول قد خرج من عهدة التبليغ كمال الخروج، وما بقي بعد ذلك إلا العقاب؛ أي: فاعلموا أنكم لم تضروا الرسول ﷺ بتوليكم، فإنما عليه البلاغ، وقد أدى ما عليه، وإنما ضررتم به أنفسكم، وفي هذا تهديد أكيد، ووعيد شديد لمن خالف أوامر الله وفعل نواهيه. ٩٣ - ولما قال ناس من الصحابة لرسول الله ﷺ حين حرمت الخمر والميسر: كيف حال إخواننا الذين ماتوا، وهم يشربون الخمر، ويلعبون بالميسر .. أنزل الله فيهم قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله وبالقران ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: وعملوا الأعمال الصالحة فيما بينهم وبين ربهم؛ سواء كانوا من الأحياء أو الأموات ﴿جُنَاحٌ﴾؛ أي: إثم ومؤاخذة ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾؛ أي: فيما أكلوا من مال الميسر، أو شربوا من الخمر فيما مضى قبل تحريمهما وتحريم غيرهما مما لم يكن محرمًا أولًا ثم حُرِّم. ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾؛ أي: إذا امتثلوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه ﴿وَآمَنُوا﴾ بما كان قد نزل من الأحكام ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ التي كانت قد شرعت كالصلاة والصيام وغيرهما ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما حرم عليهم بعد ذلك عند العلم به ﴿وَآمَنُوا﴾ بما نزل فيه وفي غيره ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾؛ أي: استمروا على التقوى بامتثال جميع المأمورات واجتناب جميع المنهيات ﴿وَأَحْسَنُوا﴾؛ صالح أعمالهم، فأتوا بها على وجه الكمال، وتمموا نقص فرائضها بنوافل الطاعات، وأخلصوها لله تعالى ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ لأعمالهم، والمخلصين لها لوجهه؛ أي: يثيبهم على إخلاصهم، فلا يبقى في قلوبهم أثر من الآثار السيئة التي وصف بها الخمر والميسر من الإيقاع في العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. والخلاصة: أن مَن صحَّ إيمانه، وصلح عمله، وعمل في كل حين نصوص

стр. 3311

الدين، وما أداه إليه اجتهاده، واستمر على ذلك حتى ارتقى إلى مقام الإحسان .. فلا يحول ما كان قد أكل أو شرب مما لم يكن محرمًا عليه بحسب اعتقاده، دون تزكية نفسه وتطهير قلبه. وقال الصاوي: والحاصل (١) أنه كرر قوله: ﴿اتَّقَوْا﴾ ثلاثًا، فقيل: الأول: محمول على مبدأ العمر، والثاني: على وسطه، والثالث: على آخره. وقيل: الأول: اتقوا المحرمات خوف الوقوع في الكفر، والثاني: الشبهات خوف الوقوع في المحرمات، والثالث: بعض المباحات خوف الوقوع في الشبهات. وقيل: الأول: تقوى العبد بينه وبين ربه، والثاني: تقوى العبد بينه وبين نفسه، والثالث: تقوى العبد بينه وبين الناس؛ لأن العبد لا يكمل إلا إذا كان طائعًا فيما بينه وبين ربه، مجاهدًا فيما بينه وبين نفسه، محافظًا على حقوق العباد. انتهى. تتمة: اختلف (٢) العلماء في شرب الخمر والنجاسات عند الضرورة. وأصح الآراء في ذلك: أنه يجوز بشرط الاضطرار الذي يبيح المحرمات من طعام وشراب بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ كمن غُص بلقمة فكاد يختنق، فلم يجد ما يسيغها به سوى الخمر، وكمن أصابته نوبة ألم في القلب كادت تقضي عليه، وقد أخبره الطبيب بأن لا سبيل لدفع الخطر سوى شرب مقدار من الخمر من النوع المعروف باسم: كونياك، فقد يرى الطبيب أنه يتعين في بعض الأحيان لعلاج ما يعرض من آلام القلب لدرء الخطر كما ثبت بالتجربة. أما التداوي بالخمر لمن يظن نفعها ولو بإخبار الطبيب، كتقوية المعدة أو الدم أو نحو ذلك مما تسمعه من كثير من الناس: فذلك منهي عنه للحديث: "إنه ليس بدواء، ولكنه داء" رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وكان سببه أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي ﷺ عن الخمر - وكان

стр. 3312

يصنعها - فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال له النبي ﷺ ذلك. وقوله: "ولكنه داء" هذا هو رأي الأطباء؛ إذ أن المادة المسكرة من الخمر سمٌّ تتوالد منها أمراض كثيرة يموت بها في كل عام عدد لا يحصى من الناس في البلاد التي ابتليت بها، والذين يشربون الخمر ولو بقصد التداوي يؤثر سمها في أعصابهم بكثرة التعاطي، فتصير مطلوبة عندهم لذاتها، فيضرهم سُمُّها، فعلى المسلم الصادق الإيمان أن لا يغترَّ برأي بعض الأطباء الذين يصفونها للتداوي لمثل الأمراض التي يصفونها لها عادة. وقد دلت التجارب على أن الذين يبتلون بشربها لا يقدمون على ذلك إلا بإغراء المعاشرين من الأهل والأصحاب على استبشاعهم لها، واعتقادهم ضررها، ومخالفتهم أوامر دينهم، لكن الذي يسهل عليهم ذلك: ظنهم أن الضرر المتيقن إنما يكون بالإسراف والانهماك في الشراب، وأن القليل منها إن لم ينفع فلا يضر، فلا ينبغي تركه مع ما فيه من لذة النشوة، والذهول عن هموم الدنيا وآلامها، إلى ما في ذلك من مجاملة الإخوان، لكنهم مخدوعون؛ إذ هم لو سألوا من سبقهم إلى هذه البلوى وأسرف في السكر حتى فسدت صحته ومروءته، وضاعت ثروته، هل كنت حين بدأت تنوي الإسراف والإدمان؟ لأجابك بأنه ما كان يقصد إلا النزر القليل في فترات متطاولة من الزمن، وما كان يعلم أن القليل يجر إلى الكثير الذي يصيبه بالداء الدوي، ولا يجد إلى الخلاص منه سبيلًا. وقد يعرض لبعض من يؤمن بحرمة الخمر شبهاتٌ فيقول: إن الخمر المتخذة من العنب هي المحرمة لذاتها، وأن ما عداها لا يحرم منه إلا المقدار المسكر فعلًا، لكنهم واهمون فيما فهموا؛ إذ جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ : "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" رواه مسلم من حديث ابن عمر. وآخر تَعِلَّة (١) لهم: الغرور بكرم الله وعفوه، أو اعتمادهم على بعض الأعمال الصالحة، ولا سيما ما يسمونه بالمكفرات، أو على الشفاعات. وهذا

стр. 3313

الجهل والغرور يصبح عقيدة في نفوسهم بما يسمعونه من كلام فساق الشعراء المدمنين كأبي نواس في قوله: تَكَثَّرْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ المَعَاصِي ... فَإِنَّكَ وَاجِدٌ رَبًّا غَفُوْرًا وقوله: وَرَجَوْتُ عَفْوَ اللهِ مُعْتَمِدًا علَى ... خَيْرِ الأَنَامِ مُحَمَّدِ المَبْعُوْثِ ولو صح أمثال هذا الهذيان .. لكان الدين لغوًا وعبثًا، ولكان المسلم يضرب بأوامر دينه عرض الحائط انتظارًا لشفاعة ترجى، أو عفو ربما أتيح له من فضل ربه، وكان التقي والفاجر سواء. وقد ثبت في صحيح الأحاديث: أنه كان يؤتى بالشارب في عهد النبي ﷺ ، فيضرب بالأيدي والجريد وبالثيات والنعال. وفي حديث أنس: (أن النبي ﷺ أتى برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين) قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر .. استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر. وفي "الصحيحين" عن علي ﵁: ما كنت لأقيم على أحد حدًّا فيموت وأجد في نفس شيئًا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وَدَيته - أي: دفعت ديته - وذلك أن رسول الله ﷺ لم يسنّه. وفي "صحيح مسلم": أن عثمان أتى بالوليد، وقد صلى الصبح ركعتين، وقال: أزيدكم، وشهد عليه الشهود أنه شرب الخمر، فأمر بجلده، وعلي ﵁ يعد حتى بلغ الأربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي ﷺ وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحب إلي - يريد الأربعين -. وقوله: وكلٌّ سنة؛ أي: أنه جرى العمل به فعلًا، ولا يعارض ذلك قوله: أن النبي ﷺ لم يسن حد الخمر؛ لأن ضربه أربعين مرة واحدة لا يعد سنة محدودة له؛ لأنه قد خالف ذلك في بعض الأحيان، لكنه صار سنة بجري أبي بكر عليه. والخلاصة: أن العقاب المشروع على شرب الخمر هو الضرب الذي يراد منه إهانة الشارب وزجره وتنفير الناس منه، وأن الضرب أربعين أو ثمانين كان اجتهادًا من الخلفاء، فاختار أبو بكر الأربعين، وعمر الثمانين بموافقته لاجتهاد

стр. 3314

عبد الرحمن بن عوف بتشبيهه بحد قذف المحصنات. وقد روى الدارقطني عن علي ﵁ قال: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة. ٩٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي: وعزتي وجلالي لأختبرنكم في حال إحرامكم بالحج أو العمرة ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾؛ أي: بإرسال شيء من الصيد البري المأكول عليكم ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾؛ أي: يسهل عليكم أخذ صغاره بأيديكم؛ كالطيور، وطعن كباره برماحكم كالوحوش. قال ابن عطية: والظاهر أن الله خص الأيدي بالذكر؛ لأنها أعظم تصرفًا في الاصطياد، وفيها تدخل الجوارح والحبالات وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر؛ لأنها أعظم ما يجرح به الصيد، وفيها يدخل السهم ونحوه. واحتج بعض الناس بهذه الآية على أن الصيد للآخذ لا للمثير؛ لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئًا. انتهى. وقال الصاوي: وهذا الابتلاء نظير ابتلاء الله قوم موسى بتحريم صيد السمك يوم السبت، ولكن الله حفظ هذه الأمة المحمدية من الوقوع فيما يخالف أمر ربهم، فتم لها السعد والعزُّ في الدنيا والآخرة، وأما أُمة موسى، فتعدوا واصطادوا: فمسخوا قردة وخنازير. انتهى. ووجه الابتلاء في ذلك (١): أن الصيد طعام لذيذ تشتد الحاجة إليه في الأسفار الطويلة؛ كالسفر إلى الجهات النائية، وأن سهولة تناوله تغري به؛ إذ ترك ما لا ينال إلا بمشقة لا يدل على التقوى والخوف من الله، كما يدل عليه ترك ما ينال بسهولة. قال البيضاوي (٢): نزلت في عام الحديبية، ابتلاهم الله بالصيد، وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذًا بأيديهم وطعنًا برماحهم وهم محرمون، والتقليل والتحقير في ﴿بِشَيْءٍ﴾ للتنبيه على

стр. 3315

أنه ليس من العظائم التي تدحض الأقدام، كالابتلاء ببذل الأنفس والأموال، فمن لم يثبت عنده .. كيف يثبت عند ما هو أشد منه. وقرأ النخعي وابن وثاب: ﴿يناله﴾ بالياء التحتانية. والجملة من قوله: ﴿تَنَالُهُ﴾ في موضع الصفة لقوله: ﴿بِشَيْءٍ﴾، أو في موضع الحال منه؛ لأنه قد وصف. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾؛ أي: يختبركم الله بالصيد في حال إحرامكم ليعلم الله تعالى علم ظهور للعباد ﴿مَنْ يَخَافُهُ﴾؛ أي؛ من يخاف الله تعالى، ولم يره ويمتثل أمره ونهيه؛ لقوة إيمانه حالة كونه ملتبسًا ﴿بِالْغَيْبِ﴾ عن الله تعالى؛ أي: غير راء له تعالى، أو المعنى: من يخاف الله تعالى حالة كونه ملابسًا بالغيب عن الناس غير مرئي لهم، ولا خائف من إنكارهم .. فيترك أخذ شيء من الصيد، ويختار خشن العيش على لذة اللحم خوفًا من الله تعالى، وطاعة له في خفيته، وعلى هذين المعنيين يكون الجار والمجرور في قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من ضمير الفاعل في ﴿يخاف﴾، ويحتمل أن يكون حالًا من ضمير المفعول العائد على الله تعالى. والمعنى: ليعلم الله من يخافه حالة كون الله ملتبسًا بالغيب عنه؛ أي: غير مرئي له. وقال (١) أبو حيان: ومعنى ﴿لِيَعْلَمَ﴾؛ ليتميز من يخاف عقاب الله تعالى، وهو غائب منتظر في الآخرة، فيترك الصيد، ممن لا يخافه فيقدم عليه، قاله الزمخشري. وقيل المعنى: ليعلموا أن الله يعلم من يخافه بالغيب؛ أي: في السر حيث لا يراه أحد من الناس، فالخائف لا يصيد، وغير الخائف يصيد. وقال ابن عطية: والظاهر أن المعنى: بالغيب من الناس؛ أي: في الخلوة، مَنْ خاف الله .. انتهى عن الصيد من ذات نفسه. وقال الطبري: معناه في الدنيا، حيث لا يرى العبد ربه، فهو غائب. والمعنى: يختبركم الله تعالى بالصيد ليظهر من يخافه لقوة إيمانه، ويميزه عمن لا يخافه لضعف قلبه وقلة إيمانه. والخلاصة (٢): أنه تعالى يريد أن يعاملكم معاملة المختبر الذي يريد أن

стр. 3316

يعلم الشيء وإن كان هو عالمًا به تربيةً لكم، وتزكية لنفوسكم، وتطهيرًا لها. وقرأ الزهري: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ من أعلم الرباعي، وقال ابن عطية: أي ليعلم عباده. انتهى. فيكون من: أعلم المنقولة من عَلِم المتعدية إلى واحد تعدي عرف، فحذف المفعول الأول، وهو: عباده؛ لدلالة المعنى عليه، وبقي المفعول الثاني، وهو: من يخافه. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ بأخذ شيء من ذلك الصيد ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ البيان الذي أخبركم الله تعالى به قبل حصوله ﴿فَلَهُ﴾؛ أي: فلذلك المعتدي بالاصطياد ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلم شديد في الآخرة؛ إذ هو لم يبال باختبار الله له، بل انتهك حرمة نواهيه، وأبان أنه لا يخافه بالغيب، بل يخاف لوم المؤمنين وتعزيرهم له إذا هو أخذ شيئًا من الصيد بمرأى منهم ومسمع، كما هو دأب المنافقين الذين يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا. ٩٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: صدقوا الله ورسوله ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ أي: لا تقتلوه ولا تتعرضوا له بإتلاف ولا اصطياد، والحال أنكم محرمون بالحج أو العمرة، أو داخلون في الحرم المكي. نهاهم عن قتل الصيد في حال الإحرام. وفي معناه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وهذا النهي شامل لكل أحد من ذكور المسلمين وإناثهم؛ لأنه يقال: رجل حرام، وامرأة حرام، والجمع: حُرُم، ويقال: أحرم الرجل إذا دخل في الحرم، وأحرم أيضًا إذا عقد الإحرام، فلا يجوز قتل الصيد للمحرم، ولا في الحرم. نزلت (١) هذه الآية في أبي اليسر، شد على حمار وحش فقتله وهو محرم، ثم صار هذا الحكم عامًّا، فلا يجوز قتل الصيد ولا التعرض له ما دام محرمًا، ولا في الحرم، ومقتول المحرم من الصيد ميتة، وإن ذبحه بقطع حلقومه ومريئه، وذلك لأن المحرم ممنوع من ذبحه لمعنى فيه؛ كذبح المجوسي. والمراد بالصيد: كل حيوان متوحش مأكول اللحم، وهذا قول الشافعي. وقال (٢) أبو حنيفة: هو كل حيوان

стр. 3317

متوحش، سواء كان مأكولًا، أم لم يكن مأكولًا، فيجب عنده الضمان على من قتل سبعًا أو نمرًا أو نحو ذلك، واستثنى الشارع خمس فواسق، فأجاز قتلهن مطلقًا. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" متفق عليه. وفي رواية: "خمس لا جناح على مَنْ قتلهن في الحرم والإحرام". وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "خمس من الدواب كلهن فواسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" متفق عليه. ولمسلم "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم" وذكر نحوه. وفي رواية النسائي قال: "خمس يقتلهن المحرم: الحية، والعقرب، والفأرة، والغراب الأبقع، والكلب العقور" قال ابن عيينة: الكلب العقور: كل سبع ضارٍ يعقر، وقاس الشافعي عليها جميع ما لا يؤكل لحمه، قال: لأن الحديث يشتمل على أشياء بعضها سباع ضارية، وبعضها هوام قاتلة، وبعضها طير لا يدخل في معنى السباع ولا في معنى الهوام، وإنما هو حيوان مستخبث اللحم، وتحريم الأكل يجمع الكل، فاعتبره ورتب عليه الحكم. وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في كل ما لا يؤكل لحمه إلا الأعيان المذكورة في الحديث، وقاسوا عليها الذئب، فلم يوجبوا فيه كفارة. وألحق (١) مالك بالكلب العقور: الذئب، والسبع، والنمر، والفهد؛ لأنها أشد منه ضررًا. والظاهر أن المراد بالصيد الذي نهت عنه الآية: هو كل حيوان وحشي يؤكل لحمه، فلا جزاء في قتل الأهلي ولا ما لا يؤكل لحمه من السباع والحشرات، ومنها الفواسق المذكورة في الحديث. ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾؛ أي: ومن قتل الصيد أو أتلف جزءًا منه ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون حالة كونه ﴿مُتَعَمِّدًا﴾؛ أي: قاصدًا (٢) لقتله، ذاكرًا لإحرامه، عالمًا أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه، فإن قتله ناسيًا لإحرامه، أو رمى صيدًا وهو يظن أنه

стр. 3318

ليس بصيد .. فهو مخطئ، وإنما شرط التعمد في الآية مع أن محظورات الإحرام يستوي فيها العمد والخطأ في جزاء الإتلافات؛ لأن مورد الآية فيمن تعمد. فقد روي: أنه عنَّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحشي، فحمل عليه أبو اليسر بن عمرو فقتله، فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم، فنزلت الآية؛ ولأن الأصل فعل المتعمد والخطأ ملحق به للتغليظ. وعن الزهري: نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ. ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾؛ أي: فعليه (١) ضمان شبه ما قتله من الصيد حالة كون ذلك المثل ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾؛ أي: من الإبل والبقر والغنم؛ أي: ومن قتل شيئًا من الصيد وهو محرم قاصدًا قتله .. فعليه جزاءٌ من الأنعام مماثل لما قتله في هيئته وصورته وخلقته إن وجد ذلك المثل. فقد روى الدارقطني عن جابر عن النبي ﷺ قال: "في الضبع إذا أصابه المحرم كبشٌ، وفي الظبي شاةٌ، وفي الأرنب عناقٌ - الأنثى من ولد المعز قبل أن تبلغ سنة - وفي اليربوع جفرة - الأنثى من ولد الضأن التي بلغت أربعة أشهر - ". وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم .. ففيه جزاءٌ كبش مسن، وتؤكل". وإن لم يوجد المماثل من النعم، فقيمته حيث صيد، أو في أقرب الأماكن إليه. قال القاضي أبو يعلى (٢): والصيد الذي يجب الجزاء بقتله ما كان مأكول اللحم؛ كالغزال وحمار الوحش والنعامة ونحو ذلك، أو كان متولدًا من حيوان يؤكل لحمه؛ كالسبع فإنه متولد من الضبع والذئب، وما عدا ذلك من السباع كلها فلا جزاء على قاتلها، سواء ابتدأَ قتلها، أو عَدَت عليه فقتلها دفعًا عن نفسه؛ لأن السبع لا مثل له صورة ولا قيمة، فلم يدخل تحت الآية، ولأن النبي ﷺ أجاز للمحرم قتل الحية والعقرب والفويسقة والغراب والحدأة والكلب العقور والسبع العادي. قال: والواجب بقتل الصيد فيما له مثل من الأنعام .. مثله، وفيما لا مثل له .. قيمته، وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: الواجب فيه القيمة

стр. 3319

وحمل المثل على القيمة. وظاهر الآية يرد ما قال، ولأن (١) الصحابة حملوا الآية على المثل في الصورة والخلقة والصغر والعظم، فحكموا في بلدان شتى وأزمان مختلفة بالمثل من النعم، فحكموا في النعامة ببدنة، وهي لا تساوي بدنة، وحكموا في حمار الوحش ببقرة، وهو لا يساوي بقرة وكذا في الضبع بكبش، فدل ذلك على أنهم إنما نظروا إلى ما يقرب من الصيد شبهًا من حيث الخلقة، فحكموا به، ولم يعتبروا القيمة، فيجب في الظبي شاة، وفي الأرنب سخل، وفي الضب سخلة، وفي اليربوع جفرة، ويجب في الحمامة وكل ما عب وهدر كالفواخت والقمري وذوات الأطواق شاة، وما سواه من الطير ففيه القيمة في المكان الذي أصيب فيه، وقتل المحرم بحج أو عمرة للصيد حرامٌ بالإجماع لنفس الآية، وأكل المحرم مما صاده الحلال جائز؛ لما روي: (أن النبي ﷺ والصحابة أكلوا مما أهدي إليهم من لحم الحمار الوحشي). وقرأ عاصم وحمزة والكسائي (٢): ﴿فَجَزَاءٌ﴾ بالتنوين ﴿مِثْلُ﴾ بالرفع، فارتفاع جزاء على أنه مبتدأ خبر محذوف تقديره: فعليه جزاء، ومثل صفة له؛ أي: فعليه جزاء مماثل ما قتل. وقرأ باقي السبعة: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ﴾ برفع جزاء وإضافته إلى مثل، فيكون ﴿مثل﴾ مقحمًا، والتقدير: فجزاء ما قتل. وقيل: من إضافة المصدر إلى المفعول، ويدل على هذا التقدير قراءة السلمي: ﴿فجزاءٌ﴾ بالرفع والتنوين ﴿مِثْلَ مَا قَتَلَ﴾ بالنصب. وقرأ محمد بن مقاتل ﴿فجزاءً مثلَ ما قتل﴾ بنصب جزاء ومثل، والتقدير: فليُخرج جزاءً مثلَ ما قتل، و ﴿مثل﴾ صفة لـ ﴿جزاء﴾. وقرأ الحسن: ﴿من النعْم﴾ بسكون العين تخفيفًا. فائدة: والظاهر من تقييد المنهيين عن القتل بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أنه لو صاد الحلال بالحل، ثم ذبحه في الحرم، فلا ضمان، وهو حلال، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: عليه الجزاء، ذكره أبو حيان في "البحر".

стр. 3320

﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾؛ أي: حالة كون ذلك الجزاء المماثل يحكم به؛ أي: يحكم بمماثلته ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: صاحبا عدالة منكم أيها المؤمنون؛ أي: رجلان صالحان من أهل دينكم، فقيهان فطنان في باب الشبه عدلان، فينظران إلى أشبه الأشياء بالمقتول من النعم، فيحكمان به، ووجه الحاجة إلى حكم العدلين: أن المماثلة بين النعم والصيد مما يخفى على أكثر الناس، وما لا مثل له بوجه من الوجوه يحكمان فيه بالقيمة. قال ميمون بن مهران (١): جاء أعرابي إلى أبي بكر ﵁، فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا، فسأل أبو بكر ﵁ أُبي بن كعب، فقال الأعرابي: أتيتك أسألك، وأنت تسأل غيرك، فقال أبو بكر ﵁: وما أنكرت من ذلك، قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فشاورت صاحبي فإذا اتفقنا على شيء .. أمرناك به. وعن قبيصة بن جابر: أنه حين كان محرمًا ضرب ظبيًا فمات، فسأل عمر بن الخطاب - وكان بجنبه عبد الرحمن بن عوف - فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟ قال: عليه شاة، قال: وأنا أرى ذلك، قال: فاذهب فأهدِ شاة، قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي، وقلت له: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره، قال: ففاجأني عمر، وعلاني بالدرة، وقال: أتقتل في الحرم، وتسفِّه الحَكَم؟! قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فأنا عمر، وهذا عبد الرحمن بن عوف. وقرأ جعفر بن محمد (٢): ﴿يحكم به ذو عدل﴾ بالإفراد، والمراد به: الجنس كما تكون من محمولة على المعنى فتقديره على هذا: فريق ذو عدل، أو حاكم ذو عدل؛ لأن عدلًا هنا مصدر غير وصف، ذكره أبو البقاء. وقوله: ﴿هَدْيًا﴾ حال من ضمير ﴿بِهِ﴾ و ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ صفة لـ ﴿هَدْيًا﴾؛ أي: يحكم به؛ أي: بذلك المثل ذوا عدل منكم حالة كون ذلك المثل هديًا بالغ الكعبة؛ أي:

стр. 3321

مساقًا إلى أرض الحرم ليذبح فيه ويتصدق به على مساكين الحرم. وسميت الكعبة كعبة لارتفاعها، والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة، والمراد بالكعبة هنا: كل الحرم؛ لأن الذبح لا يقع في الكعبة وعندها ملاقيًا لها، وإنما يقع في الحرم، وهو المراد بالبلوغ، فيذبح المثل في الحرم كدم الهدي، ويتصدق به على مساكين الحرم عند الشافعي. وقال أبو حنيفة: يتعين الذبح في الحرم، وأما التصدق به: فحيث شئتَ إذا وصل الهدي إلى الكعبة. والمعنى: إن ذلك الجزاء يكون هديًا يصل إلى الكعبة، ويذبح في جوارها، حيث تؤدى المناسك، ويفرق لحمه على مساكين الحرم. قال أبو حيان (١): والحرم كله منحر لهذا الهدي، فما وقف به بعرفة من هدي الجزاء ينحر بمنى، وما لم يوقف به فينحر بمكة وفي سائر بقاع الحرم بشرط أن يدخل به من الحل، ولا بد أن يجمع فيه بين حل وحرم حتى يكون بالغًا لكعبة. وقرأ الأعرج: ﴿هِديًّا﴾ بكسر الدال وتشديد الياء. انتهى. وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾ معطوف على ﴿جزاء﴾، وقوله: ﴿طَعَامُ﴾ - بالرفع - بدل من ﴿كَفَّارَةٌ﴾، أو عطف بيان لها، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي طعام. وقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾؛ أي: قدر أمداد ذلك الطعام. ﴿عَدْلُ﴾: معطوف على ﴿طَعَامُ﴾، وقوله: ﴿صِيَامًا﴾ تمييز لـ ﴿عَدْلُ ذَلِكَ﴾، والمعنى: فمن قتل الصيد منكم متعمدًا، وهو محرم .. فعليه جزاء مماثل للمقتول هو من النعم، أو كفارة هي إطعام مساكين بقيمة ذلك المثل، لكل مسكين مدٌّ عند الشافعي، ونصف صاع عند أبي حنيفة من غالب قوت البلد، أو كفارة هي صيام أيام تعادل وتساوي عدد أمداد ذلك الطعام الذي هو قيمة المثل عند الشافعي، أو يصوم يومًا بدل نصف صاع عند أبي حنيفة، فيختار الجاني بين هذه الخصال الثلاثة.

стр. 3322

فصل ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة إلى أن كلمة (١): ﴿أَوْ﴾ في هذه الآية للتخيير. وقال أحمد وزفر من أصحاب أبي حنيفة: إنها للترتيب، وهما روايتان عن ابن عباس ﵄. قال الشافعي: إذا قتل صيدًا له مِثْل .. فهو مخير بين ثلاثة أشياء: إن شاء ذبح المثل من النعم وتصدق به على مساكين الحرم، وإن شاء قَوَّم المثل دراهم، والدراهم طعامًا، ثم يتصدق به على مساكين الحرم، وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يومًا، فأي ذلك فعل .. أجزأه موسرًا كان أو معسرًا، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل نصف صاع يومًا. وعن أحمد روايتان كالقولين، وأصل هذه المسألة: أن الصوم مقدَّر بطعام اليوم، فعند الشافعي مقدر بالمد، وعند أبي حنيفة مقدر بنصف صاع، وله أن يصوم حيث شاء؛ لأنه لا نفع فيه للمساكين. وذهب جمهور الفقهاء (٢): إلى أن الخيار في تعيين أحد هذه الثلاثة الأشياء إلى قاتل الصيد الذي وجب عليه الكفارة؛ لأن الله تعالى أوجب عليه أحد هذه الثلاثة على التخيير، فوجب أن يكون هو المخير بين أيها شاء. وقال محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة: التخيير إلى الحكمين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ومن قال: إن كلمة ﴿أَو﴾ للترتيب قال: إن لم يجد الهدي اشترى طعامًا وتصدق به، فإن كان معسرًا صام. وقال مالك: إن لم يخرج المثل من النعم .. يقوِّم الصيد، ثم يجعل القيمة طعامًا، فيتصدق به أو يصوم. وقال أبو حنيفة: لا يجب المثل من النعم، بل يقوَّم الصيد، فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النعم، وإن شاء إلى الطعام، فيتصدق به، وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يومًا. واختلفوا في موضع التقويم، فقال جمهور الفقهاء: يقوَّم في المكان الذي قتل فيه الصيد. وقال الشعبي: يقوَّم بمكة بثمن مكة؛ لأنه يصرف بها.

стр. 3323

وروى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: إذا قتل المحرم شيئًا من الصيد .. فعليه فيه الجزاء، فإن قتل ظبيًا أو نحوه .. فعليه ذبح شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد .. فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد .. فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلًا - من بقر الوحش - فعليه بقرة، فإن لم يجدها .. صام عشرين يومًا، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحو ذلك .. فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد .. أطعم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجد .. صام ثلاثين يومًا، والطعام مد مد يشبعهم. وقال مالك: بوجوب الشاة في خصوص حمام مكة ويمامها تعبدًا، فإن لم يكن .. فصيام عشرة أيام من غير تقويم ولا حكم، وحمام غيرها وسائر الطيور ليس فيه إلا قيمته طعامًا، أو عدله صيامًا، ذكره الصاوي. وقرأ نافع وابن عامر (١): ﴿كفارة طعام مساكين﴾ بالإضافة، والإضافة تكون بأدنى ملابسة؛ إذ الكفارة تكون كفارة هدي، وكفارة طعام، وكفارة صيام. وقرأ باقي السبعة بالتنوين ورفع ﴿طعام﴾. وقرأ كذلك الأعرج وعيسى بن عمر إلا أنهما أفردا ﴿مسكين﴾ على أنه اسم جنس. وقرأ الجمهور ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ بفتح العين، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري بكسرها. وقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ متعلق ب محذوف تقديره: أوجبنا عليه ذلك الجزاء بأقسامه الثلاثة ليذوق وبال أمره؛ أي: جزاء ذنبه الصادر منه، وعقوبة هتكه لحرمة الإحرام؛ إما بدفع الغرم، وإما بالعمل ببدنه بما يتعبه ويشق عليه، والوبال في الأصل: الشيء الثقيل الذي يخاف ضرره، وإنما سمَّى الله ذلك الجزاء وبالًا؛ لأن إخراج الجزاء ثقيل على النفس؛ لأن فيه تنقيصًا للمال، وهو ثقيل على النفس، وكذا الصوم أيضًا ثقيل على النفس؛ لأن فيه إنهاك البدن. والمعنى (٢): أن الله أوجب على قاتل الصيد في الإحرام أو في الحرم أحد هذه الأشياء الثلاثة التي كل واحد منها ثقيل على النفس، حتى

стр. 3324

يحترز عن قتل الصيد في الحرم، أو في حال الإحرام. ﴿عَفَا اللَّهُ﴾ وسامح لكم ﴿عَمَّا سَلَفَ﴾ وسبق منكم قبل هذا النهي والتحريم من قتل الصيد في الإحرام أو في الحرم ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ ورجع إلى قتل الصيد بعد هذا النهي والتحريم، أو المعنى: ومن قتل الصيد وهو محرم بعد ورود هذا النهي وهو عالم بهذا النهي ﴿فـ﴾ ـإنه ﴿ينتقم الله منه﴾؛ أي: يعاقبه في الاخرة عقوبة شديدة مع لزوم الكفارة له في الدنيا. وقال ابن كثير (١): ثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد .. وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى والثانية والثالثة، وإن تكرر ما تكرر سواء الخطأ في ذلك والعمد. وحكى علي ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: مَن قتل شيئًا من الصيد خطأً وهو محرم .. يحكم عليه فيه كلما قتله، وإن قتله عمدًا .. يحكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك كما قال الله . انتهى. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب على أمره فلا يغلبه العاصي ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾؛ أي: صاحب عقوبة شديدة لمن عصاه. وقال ابن جرير (٢): في قوله ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ يقول الله جلَّ ذكره: والله منيع في سلطانه لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره، له العزة والمنعة. وقوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ يعني: أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه. والآية صريحة (٣): في أنَّ الجزاء الدنيوي إنما يمنع عقاب الآخرة إذا لم يتكرر الذنب، فإن تكرر .. استحق صاحبه الجزاء في الدنيا، والعقاب في الآخرة.

стр. 3325

مسألة: فإن قلتَ (١): إن العفو فرع المعصية، وهي تحصل باشتغال المحرم بقتل الصيد بعد نزول آية التحريم، فما معنى العفو عن قتل الصيد قبل تحريمه المفهوم من قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾؟ قلتُ: إن المراد بالعفو هنا مجرد عدم المؤاخذة على ما سلف، فلا يرد السؤال المذكور، أفاده الكرخي، ٩٦ - والخطاب في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ إما لكل مسلم أو للمحرمين خاصة؛ أي: أحل لكم أيها الناس صيد جميع المياه العذبة والملحة بحرًا كان أو نهرًا أو غديرًا؛ أي: اصطياد صيد الماء والانتفاع به بأكله، واصطياده لأجل عظامه وأسنانه، وأحل لكم طعام البحر؛ أي: أكله، فالصيد هو ما صيد بالحيلة حال حياته ثم مات. والطعام ما يوجد مما لفظه البحر، أو نضب عنه الماء، ويحصل من غير معالجة في أخذه. والمعنى: وأحل لكم ما صيد من البحر ثم مات، وما قذفه البحر ميتًا، وروي هذا المعنى عن ابن عباس وابن عمر وقتادة. والخلاصة: أن المراد بطعامه عندهم: ما لا عمل للإنسان فيه ولا كلفة في اصطياده؛ كالذي يطفو على وجهه، والذي يقذف به إلى الساحل، والذي ينحسر عنه الماء وقت الجزر، ولا فرق بين حيه وميته. فصل في حيوان الماء واعلم: أن (٢) جملة حيوان الماء على قسمين: سمك وغير سمك. فأمَّا السمك: فجميعه حلال على اختلاف أجناسه وأنواعه. قال رسول الله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه، والحل ميتته" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب، فيحل أكله. وقال أبو حنيفة: لا يحل إلا أن يموت بسبب. وما عدا السمك فقسمان: قسم يعيش في البر والبحر؛ كالضفدع والسرطان والتمساح والسلحفاة، فلا يحل أكلها. وقال سفيان: أرجو أن لا يكون بالسرطان

стр. 3326

بأس. وقال الشافعي: السمكة الطافية في البحر حلال، والسمكة عنده كل ما لا يعيش إلا في الماء، ولو كان على صورة غير المأكول من حيوان البر؛ كالآدمي والكلب والخنزير، فهذا كله حلال عنده، وحجته الخبر السابق وهذه الآية؛ لأنها نزلت في قوم من بني مدلج كانوا أهل صيد البحر، سألوا النبي ﷺ عن طعام البحر، وعما حسر البحر عنه. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾؛ أي: ما حسر عنه البحر وألقاه. وقال أحمد: يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع والتمساح؛ لأن التمساح يفترس ويأكل الناس. وقال ابن أبي ليلى ومالك: يباح كل ما في البحر. وذهب جماعة إلى أن ما له نظير يؤكل من حيوان البر يؤكل مثل: بقر الماء ونحوه، ولا يؤكل ما لا يؤكل نظيره في البر مثل: كلب الماء وخنزيره. واختلفوا (١) في الجراد فقيل: هو من صيد البحر، فيحل أكله للمحرم. وذهب جمهور العلماء إلى أنه من صيد البر، وأنه لا يحل للمحرم أكله في حال الإحرام، فإن أصاب جرادة فعليه صدقة. قال عمر: في الجرادة تمرة، وعنه وعن ابن عباس ﵃: قبضة من طعام. وكذلك طير الماء، فهو من صيد البر أيضًا. ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ أيها المقيمون ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾؛ أي: وللمسافرين منكم؛ أي: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأكله متاعًا لكم؛ أي: تمتيعًا ومنفعة لمن كان منكم مقيمًا في بلده، يستمتع بأكله طريًّا، وينتفع به، ومنفعة ومتعة للسائرين والمسافرين منكم من أرض إلى أرض، يجعلونه قديدًا، ويتزودونه في سفرهم مليحًا للأكل، أو للبيع كما تزود موسى ﵇ الحوت في مسيره إلى الخضر. ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المحرمون ﴿صَيْدُ الْبَرِّ﴾؛ أي: أكل ما يصاد في البر، وهو كل ما لا يعيش إلا في البر ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾؛ أي: مدة كونكم محرمين بحج أو عمرة. وظاهره تحريم صيده على المحرم، ولو كان الصائد حلالًا، وإليه ذهب الجمهور إذا كان الصائد صاده للمحرم لا إذا لم يصده لأجله، وهو القول الراجح، وبه يجمع بين الأحاديث الآتية. وقيل: إنه يحل له مطلقًا، وإليه ذهب

стр. 3327

جماعة. وقيل: يحرم عليه مطلقًا، وإليه ذهب آخرون. وقد بسطنا الكلام على هذا الاختلاف في الفصل الآتي مع ذكر حجة كل واحد منهم. وقد ذكر الله تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة (١): أحدها: في أول السورة، وهو قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. والثاني: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. والثالث: هذه الآية: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ كل ذلك لتأكيد تحريم قتل الصيد على المحرم. وقرأ ابن عباس: ﴿وَحُرِّمَ﴾ مبنيًّا للفاعل و ﴿صَيْدُ﴾ بالنصب ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بفتح الحاء والراء. وقرأ يحيى: ﴿مَا دُمْتُمْ﴾ بكسر الدال، وهو لغة يقال: دام يدام كخاف يخاف. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله ﴿الَّذِي إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تجمعون وترجعون إليه للمجازاة، لا إلى غيره حتى يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالتجاء إلى ذلك الغير، فلا غير يلتجأ إليه، بل الأمر محصور فيه تعالى. والمعنى (٢): واخشوا الله تعالى، واحذروا عقابه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، وفيما نهاكم عنه من جميع ما تقدم من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وإصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم، وفي نحو ذلك، فإن إليه مصيركم ومرجعكم، فيعاقبكم بمعصيتكم، ويثيبكم على طاعتكم، ولا يخفى ما فيه من التشديد والمبالغة في التحذير من عقابه. فصل وقد اختلف العلماء: هل يجوز للمحرم أن يأكل من لحم صيد صاده غيره؟

стр. 3328

فذهب قوم: إلى أنه لا يحل ذلك بحال، يروى ذلك عن ابن عباس ﵄، وهو قول طاووس، وإليه ذهب الثوري، واحتجوا على ذلك: بما روي عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى للنبي ﷺ حمارًا وحشيًّا - وهو بالأبواء أو بودان - فرده عليه ﷺ ، فلما رأى ما في وجهه من الكراهة .. قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حُرُم". أخرجاه في "الصحيحين". وذهب جمهور العلماء: إلى أنه يجوز للمحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم يصده بنفسه، ولا صيد له، ولا دلَّ عليه بإشارته، ولا أعان عليه، وهذا قول عمر وعثمان وأبي هريرة ﵃، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، ويدل عليه: ما روي عن أبي قتادة الأنصاري قال: كنت جالسًا مع رجال من أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق مكة، ورسول الله ﷺ أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم عام الحديبية، فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغول أخصف نعلًا، فلم يؤذنوا لي، وأحبوا لو أني أبصرته، فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، قالوا: لا والله، لا نعينك عليه، فغضبت ونزلت، فأخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلون، ثم إنهم شكُّوا في أكلهم إياه وهم حرم، فَرُحْنَا وخبأت العضد، فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك فقال: "هل معكم منه شيء"؟ فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكل منها، وهو محرم. وزاد في رواية: أن النبي ﷺ قال لهم: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله"، وفي رواية: "هو حلال فكلوه"، وفي رواية: قال لهم رسول الله ﷺ : "هل منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها، قالوا: لا، قال: كلوا ما بقي من لحمها" أخرجاه في "الصحيحين". وأجاب أصحاب هذا المذهب من حديث الصعب بن جثامة: بأنه إنما ردَّه النبي ﷺ ؛ لأنه ظن أنه إنما صيد لأجله، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله، والله أعلم. ٩٧ - ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وسميت الكعبة كعبة لتربيعها؛ أي: لكونها مربعة من التكعيب بمعنى: التربيع، وأكثر بيوت العرب مدورة لا مربعة.

стр. 3329

وقيل: سميت كعبة لارتفاعها وبروزها، وكل بارز كعبٌ مستديرًا كان أو غير مستدير، ومنه: كَعْب القدم، وكعوب القنا، وكعب ثدي المرأة، وسمي بيتًا؛ لأن له سقوفًا وجدارًا، وهي حقيقة البيت وإن لم يكن به ساكن، وسمي حرامًا؛ لتحريم الله تعالى إياه وتعظيمه وتشريفه بأداء المناسك فيه، وبعدم تنفير صيده، وعدم قطع شجره وخلاه. والمراد بالبيت الحرام: جميع الحرم؛ لما صح من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة فقال: "إن هذا البلد حرَّمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه" متفق عليه. و ﴿البيت الحرام﴾ بدل من ﴿الكعبة﴾ أو عطف بيان منه؛ أي: أن الله جعل هذه الكعبة التي هي بيت الله الحرام ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾؛ أي: أمنًا وسببًا لحصول مصالح الناس ومنافعهم في أمر دينهم ودنياهم وآخرتهم. أمَّا في أمر الدين: فإنه بها يقوم الحج وتتم المناسك، وضوعفت الحسنات فيها، وأما في أمر الدنيا: فإن مكة بلدة لا ضرع فيها، ولا زرع، وقلما يوجد فيها ما يحتاج إليه أهلها، فجعل الله الكعبة معظمة في قلوب الناس يرغب الناس جميعًا في زيارتها والسفر إليها من كل فج عميقٍ لأداء المناسك، وللتجارة، فصار ذلك سببًا في إسباغ النعم على أهل مكة إجابةً لدعوة إبراهيم ﵇، وكان العرب يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم .. لم يتعرض له، ولو جنى أعظم الجنايات كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ فصار أهل مكة آمنين على أنفسهم وأموالهم، كما أنهم صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته، والسادة المعظمين إلى يوم القيامة. وأما في أمر آخرتهم: فإن البيت جُعل لقيام المناسك عنده، وجعلت تلك المناسك التي تقام عنده أسبابًا لعلو الدرجات، وتكفير الخطيئات، وزيادة الكرامات والمثوبات، فلما كانت الكعبة الشريفة سببًا لحصول هذه الأشياء .. كانت سببًا لقيام الناس.

стр. 3330

وقرأ ابن عامر (١): ﴿قِيَما﴾ بغير ألف بوزن عِنَب، فإن كان أصله ﴿قِيَامًا﴾ بالألف، وحذفت فقيل: حكم هذا أن يجيء في الشعر، وإن كان مصدرًا على فِعَل .. كان قياسه أن تصح فيه الواو كعوض. وقرأ الجحدري: ﴿قيما﴾ - بفتح القاف وتشديد الياء المكسورة - وهو كسيد: اسم يدل على ثبوت الوصف من غير تقييد بزمان. ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾؛ أي: وكذلك جعل الله الأشهر الحرم قيامًا للناس، والمراد بالشهر الحرام: الجنس، فيشمل الأشهر الأربعة: ذا القعدة وذا الحجة والمحرم ورجب؛ أي: سببًا لحصول مصالحهم وأمنًا في معاشهم وحياتهم؛ لأن العرب كان يقتل بعضهم بعضًا، ويغير بعضهم على بعض في سائر الأشهر حتى إذا استهل الشهر الحرام .. زال الخوف، وقدروا على الأسفار والتجارات، وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم، وكانوا يحصلون فيه من الأقوات ما يكفيهم طول العام، ولولاه لتفانوا من الجوع والشدة ﴿و﴾ كذلك جعل الله ﴿الهدي﴾ سببًا لقيام الناس ومصالحهم، وهو ما يهدى إلى الحرم ويذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكينه، فيكون ذلك نسكًا للمُهدي وقوامًا لمعيشة الفقراء ﴿و﴾ كذلك جعل الله ﴿القلائد﴾ قيامًا للناس، وسببًا لمصالحهم، وهي ما يتخذ من لحاء شجر الحرم، فيعلق في عنق الإبل مثلًا؛ ليعلم أنه هدي للحرم، أو يعلّقه الشخص في عنقه؛ ليأمن من العدو؛ إذ أن من قصد البيت في الشهر الحرام .. لم يتعرض له أحد، ومن قصده في غير الشهر الحرام، ومعه هدي، وقلده، وقلد نفسه من لحاء شجر الحرم .. لم يتعرض له أحد؛ لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت، فكل من قصده أو تقرب إليه .. صار آمنًا من جميع الآفات والمخاوف. ولما (٢) كانت الكعبة موضعًا مخصوصًا لا يصل إليه كل خائف .. جعل الله الأشهر الحرم والهدي والقلائد قيامًا للناس كالكعبة ﴿ذَلَكَ﴾ الجعل المذكور
следующие страницы →