بأس. وقال الشافعي: السمكة الطافية في البحر حلال، والسمكة عنده كل ما لا يعيش إلا في الماء، ولو كان على صورة غير المأكول من حيوان البر؛ كالآدمي والكلب والخنزير، فهذا كله حلال عنده، وحجته الخبر السابق وهذه الآية؛ لأنها نزلت في قوم من بني مدلج كانوا أهل صيد البحر، سألوا النبي ﷺ عن طعام البحر، وعما حسر البحر عنه. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾؛ أي: ما حسر عنه البحر وألقاه. وقال أحمد: يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع والتمساح؛ لأن التمساح يفترس ويأكل الناس. وقال ابن أبي ليلى ومالك: يباح كل ما في البحر.
وذهب جماعة إلى أن ما له نظير يؤكل من حيوان البر يؤكل مثل: بقر الماء ونحوه، ولا يؤكل ما لا يؤكل نظيره في البر مثل: كلب الماء وخنزيره. واختلفوا (١) في الجراد فقيل: هو من صيد البحر، فيحل أكله للمحرم. وذهب جمهور العلماء إلى أنه من صيد البر، وأنه لا يحل للمحرم أكله في حال الإحرام، فإن أصاب جرادة فعليه صدقة. قال عمر: في الجرادة تمرة، وعنه وعن ابن عباس ﵃: قبضة من طعام. وكذلك طير الماء، فهو من صيد البر أيضًا.
﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ أيها المقيمون ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾؛ أي: وللمسافرين منكم؛ أي: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأكله متاعًا لكم؛ أي: تمتيعًا ومنفعة لمن كان منكم مقيمًا في بلده، يستمتع بأكله طريًّا، وينتفع به، ومنفعة ومتعة للسائرين والمسافرين منكم من أرض إلى أرض، يجعلونه قديدًا، ويتزودونه في سفرهم مليحًا للأكل، أو للبيع كما تزود موسى ﵇ الحوت في مسيره إلى الخضر.
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المحرمون ﴿صَيْدُ الْبَرِّ﴾؛ أي: أكل ما يصاد في البر، وهو كل ما لا يعيش إلا في البر ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾؛ أي: مدة كونكم محرمين بحج أو عمرة. وظاهره تحريم صيده على المحرم، ولو كان الصائد حلالًا، وإليه ذهب الجمهور إذا كان الصائد صاده للمحرم لا إذا لم يصده لأجله، وهو القول الراجح، وبه يجمع بين الأحاديث الآتية. وقيل: إنه يحل له مطلقًا، وإليه ذهب
стр. 3327
جماعة. وقيل: يحرم عليه مطلقًا، وإليه ذهب آخرون. وقد بسطنا الكلام على هذا الاختلاف في الفصل الآتي مع ذكر حجة كل واحد منهم.
وقد ذكر الله تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة (١):
أحدها: في أول السورة، وهو قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
والثاني: قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
والثالث: هذه الآية: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ كل ذلك لتأكيد تحريم قتل الصيد على المحرم.
وقرأ ابن عباس: ﴿وَحُرِّمَ﴾ مبنيًّا للفاعل و ﴿صَيْدُ﴾ بالنصب ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بفتح الحاء والراء. وقرأ يحيى: ﴿مَا دُمْتُمْ﴾ بكسر الدال، وهو لغة يقال: دام يدام كخاف يخاف.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله ﴿الَّذِي إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تجمعون وترجعون إليه للمجازاة، لا إلى غيره حتى يتوهم الخلاص من أخذه تعالى بالتجاء إلى ذلك الغير، فلا غير يلتجأ إليه، بل الأمر محصور فيه تعالى.
والمعنى (٢): واخشوا الله تعالى، واحذروا عقابه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، وفيما نهاكم عنه من جميع ما تقدم من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وإصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم، وفي نحو ذلك، فإن إليه مصيركم ومرجعكم، فيعاقبكم بمعصيتكم، ويثيبكم على طاعتكم، ولا يخفى ما فيه من التشديد والمبالغة في التحذير من عقابه.
فصل
وقد اختلف العلماء: هل يجوز للمحرم أن يأكل من لحم صيد صاده غيره؟
стр. 3328
فذهب قوم: إلى أنه لا يحل ذلك بحال، يروى ذلك عن ابن عباس ﵄، وهو قول طاووس، وإليه ذهب الثوري، واحتجوا على ذلك: بما روي عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى للنبي ﷺ حمارًا وحشيًّا - وهو بالأبواء أو بودان - فرده عليه ﷺ ، فلما رأى ما في وجهه من الكراهة .. قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حُرُم". أخرجاه في "الصحيحين".
وذهب جمهور العلماء: إلى أنه يجوز للمحرم أن يأكل لحم الصيد إذا لم يصده بنفسه، ولا صيد له، ولا دلَّ عليه بإشارته، ولا أعان عليه، وهذا قول عمر وعثمان وأبي هريرة ﵃، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي، ويدل عليه: ما روي عن أبي قتادة الأنصاري قال: كنت جالسًا مع رجال من أصحاب النبي ﷺ في منزل في طريق مكة، ورسول الله ﷺ أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم عام الحديبية، فأبصروا حمارًا وحشيًّا، وأنا مشغول أخصف نعلًا، فلم يؤذنوا لي، وأحبوا لو أني أبصرته، فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، قالوا: لا والله، لا نعينك عليه، فغضبت ونزلت، فأخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات، فوقعوا فيه يأكلون، ثم إنهم شكُّوا في أكلهم إياه وهم حرم، فَرُحْنَا وخبأت العضد، فأدركنا رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك فقال: "هل معكم منه شيء"؟ فقلت: نعم، فناولته العضد، فأكل منها، وهو محرم. وزاد في رواية: أن النبي ﷺ قال لهم: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله"، وفي رواية: "هو حلال فكلوه"، وفي رواية: قال لهم رسول الله ﷺ : "هل منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها، قالوا: لا، قال: كلوا ما بقي من لحمها" أخرجاه في "الصحيحين". وأجاب أصحاب هذا المذهب من حديث الصعب بن جثامة: بأنه إنما ردَّه النبي ﷺ ؛ لأنه ظن أنه إنما صيد لأجله، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله، والله أعلم.
٩٧ - ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وسميت الكعبة كعبة لتربيعها؛ أي: لكونها مربعة من التكعيب بمعنى: التربيع، وأكثر بيوت العرب مدورة لا مربعة.
стр. 3329
وقيل: سميت كعبة لارتفاعها وبروزها، وكل بارز كعبٌ مستديرًا كان أو غير مستدير، ومنه: كَعْب القدم، وكعوب القنا، وكعب ثدي المرأة، وسمي بيتًا؛ لأن له سقوفًا وجدارًا، وهي حقيقة البيت وإن لم يكن به ساكن، وسمي حرامًا؛ لتحريم الله تعالى إياه وتعظيمه وتشريفه بأداء المناسك فيه، وبعدم تنفير صيده، وعدم قطع شجره وخلاه. والمراد بالبيت الحرام: جميع الحرم؛ لما صح من حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة فقال: "إن هذا البلد حرَّمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه" متفق عليه.
و ﴿البيت الحرام﴾ بدل من ﴿الكعبة﴾ أو عطف بيان منه؛ أي: أن الله جعل هذه الكعبة التي هي بيت الله الحرام ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾؛ أي: أمنًا وسببًا لحصول مصالح الناس ومنافعهم في أمر دينهم ودنياهم وآخرتهم. أمَّا في أمر الدين: فإنه بها يقوم الحج وتتم المناسك، وضوعفت الحسنات فيها، وأما في أمر الدنيا: فإن مكة بلدة لا ضرع فيها، ولا زرع، وقلما يوجد فيها ما يحتاج إليه أهلها، فجعل الله الكعبة معظمة في قلوب الناس يرغب الناس جميعًا في زيارتها والسفر إليها من كل فج عميقٍ لأداء المناسك، وللتجارة، فصار ذلك سببًا في إسباغ النعم على أهل مكة إجابةً لدعوة إبراهيم ﵇، وكان العرب يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم .. لم يتعرض له، ولو جنى أعظم الجنايات كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ فصار أهل مكة آمنين على أنفسهم وأموالهم، كما أنهم صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته، والسادة المعظمين إلى يوم القيامة. وأما في أمر آخرتهم: فإن البيت جُعل لقيام المناسك عنده، وجعلت تلك المناسك التي تقام عنده أسبابًا لعلو الدرجات، وتكفير الخطيئات، وزيادة الكرامات والمثوبات، فلما كانت الكعبة الشريفة سببًا لحصول هذه الأشياء .. كانت سببًا لقيام الناس.
стр. 3330
وقرأ ابن عامر (١): ﴿قِيَما﴾ بغير ألف بوزن عِنَب، فإن كان أصله ﴿قِيَامًا﴾ بالألف، وحذفت فقيل: حكم هذا أن يجيء في الشعر، وإن كان مصدرًا على فِعَل .. كان قياسه أن تصح فيه الواو كعوض.
وقرأ الجحدري: ﴿قيما﴾ - بفتح القاف وتشديد الياء المكسورة - وهو كسيد: اسم يدل على ثبوت الوصف من غير تقييد بزمان.
﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾؛ أي: وكذلك جعل الله الأشهر الحرم قيامًا للناس، والمراد بالشهر الحرام: الجنس، فيشمل الأشهر الأربعة: ذا القعدة وذا الحجة والمحرم ورجب؛ أي: سببًا لحصول مصالحهم وأمنًا في معاشهم وحياتهم؛ لأن العرب كان يقتل بعضهم بعضًا، ويغير بعضهم على بعض في سائر الأشهر حتى إذا استهل الشهر الحرام .. زال الخوف، وقدروا على الأسفار والتجارات، وصاروا آمنين على أنفسهم وأموالهم، وكانوا يحصلون فيه من الأقوات ما يكفيهم طول العام، ولولاه لتفانوا من الجوع والشدة ﴿و﴾ كذلك جعل الله ﴿الهدي﴾ سببًا لقيام الناس ومصالحهم، وهو ما يهدى إلى الحرم ويذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكينه، فيكون ذلك نسكًا للمُهدي وقوامًا لمعيشة الفقراء ﴿و﴾ كذلك جعل الله ﴿القلائد﴾ قيامًا للناس، وسببًا لمصالحهم، وهي ما يتخذ من لحاء شجر الحرم، فيعلق في عنق الإبل مثلًا؛ ليعلم أنه هدي للحرم، أو يعلّقه الشخص في عنقه؛ ليأمن من العدو؛ إذ أن من قصد البيت في الشهر الحرام .. لم يتعرض له أحد، ومن قصده في غير الشهر الحرام، ومعه هدي، وقلده، وقلد نفسه من لحاء شجر الحرم .. لم يتعرض له أحد؛ لأن الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيم البيت، فكل من قصده أو تقرب إليه .. صار آمنًا من جميع الآفات والمخاوف.
ولما (٢) كانت الكعبة موضعًا مخصوصًا لا يصل إليه كل خائف .. جعل الله الأشهر الحرم والهدي والقلائد قيامًا للناس كالكعبة ﴿ذَلَكَ﴾ الجعل المذكور
стр. 3331
والتدبير اللطيف ﴿لِتَعْلَمُوا﴾؛ أي: لأجل أن تتفكروا فيه أيها المؤمنون وتعلموا ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يعلم مصالح ما في السموات وما في الأرض الدينية والدنيوية، يعني: أنه تعالى علم في الأزل بمصالح العباد وما يحتاجون إليه، فجعل الكعبة البيت الحرام، والشهر الحرام، والهدي، والقلائد يأمنون بها؛ لأنه يعلم مصالح العباد كما يعلم تفاصيل ما في السموات وما في الأرض. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تعميم بعد تخصيص؛ أي: وكيف لا يعلم ذلك، وأن علمه محيط بكل شيء فلا تخفى عليه خافية.
والخلاصة (١): أن ذلك لم يكن إلا لحكمة بالغة صادرة عن علم بخفايا الأمور وغاياتها، فكان دليلًا على أنه سبحانه يعلم ما في السموات وما في الأرض من أسباب الرزق ونظام الخلق وغير ذلك، وأنه عليم بكل شيء فلا تخفى عليه خافية، وقد عجزت جميع الأمم في القديم والحديث عن تأمين الناس في قطر من الأقطار في زمنٍ معين من كل سنة بحيث لا يقع فيه قتل ولا قتال ولا عدوان.
٩٨ - ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾؛ أي: اعلموا أن ربكم الله الذي لا يخفى عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها، وهو محصيها عليكم شديد العقاب والعذاب لمن دنس نفسه بالشرك والفسوق والعصيان. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾؛ أي: غفار لمن أناب إليه وتاب عن معاصيه ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن أطاعه وحافظ على طاعته، فلا يؤاخذه بما فرط منه قبل الإيمان، ولا بما يعمله من السوء بجهالة إذا بادر إلى التوبة وأصلح عمله، بل يستر ذنبه ويمحوه، فلا يبقى له أثر مع إيمانه وعمله الصالح، كما يستر الماء القليل القذر بما يغمره من الماء النقي الكثير، وفي تقديم العقاب على المغفرة والرحمة إيماءٌ إلى أن العقاب قد ينتهي بالمغفرة والرحمة؛ لأن رحمته تعالى سبقت غضبه، كما ورد في صحيح الحديث، ومن ثم
стр. 3332
يغفر كثيرًا لمن ظلم نفسه. قال تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
٩٩ - وبعد أن أبان الله أن الجزاء بيد الله العليم بكل شيء .. ذكر وظيفة الرسول، وهو توصيل الأحكام إلى أمته فقال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ محمَّد ﷺ ، وكذا سائر رسل الله تعالى صلوات الله عليهم أجمعين؛ أي: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم بالإنذار بالعقاب بين يدي عذاب شديد، والإعذار إليكم بما يقطع حججكم. ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾؛ أي: إلا أن يؤدي الرسالة إليكم ثم إلينا الثواب على الطاعة، وعلينا العقاب على المعصية، ولا يخفى علينا المطيع لأوامرنا، والعاصي التارك للعمل بها، كما قال: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ وتظهرون من الأعمال الحسنة والسيئة ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: وما تخفون في قلوبكم من الإيمان والنفاق والشرك، فيجازيكم عليها؛ إذ لا يغيب عنه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس، فخليق بكم أن تتقوني ولا تعصوا أمري، وفي هذه الجملة وعد ووعيد. وفي هذا وعيد شديد وتهديد لمن يخالف أوامر الله ويعصيه، كما أن فيه إبطالًا لما عليه أهل الشرك والضلال من الخوف من معبوداتهم الباطلة، والتماس الخلاص والنجاة من العذاب بشفاعتها.
والخلاصة (١): أن الرسول ليس عليه إلا البلاغ لدين الله وشرعه، وبعدئذ يكون المبلغون هم المسؤولون عند الله تعالى، والله الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون من العقائد والأقوال والأفعال، وهو الذي يجازيهم بحسب علمه المحيط بكل ذرة في الأرض والسموات، ويكون جزاؤه حقًّا وعدلًا، ويزيد بعد ذلك من إحسانه عليهم وفضله، فاطلبوا سعادتكم من أنفسكم، وخافوا منها عليها.
وما ورد من الشفاعة في الآخرة فهو دعاء من النبي ﷺ يستجيبه الله، فيظهر عقبه ما سبق به علمه واقتضته حكمته بحسب ما جاء في كتابه دون أن يكون مؤثرًا في علم الله ولا في إرادته، فالحادث لا يؤثر في القديم.
١٠٠ - وبعد أن بين الله تعالى أن الجزاء منوط بالأعمال .. أراد أن يبين ما يتعلق
стр. 3333
به الجزاء من صفات الأعمال، والعاملين لها، وأرشد إلى أن هناك حقيقتين مختلفتين يترتب على كل منهما ما يليق بها من الجزاء، فقال: ﴿قُل﴾ يا محمَّد مخاطبًا أمتك ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾؛ أي: لا يستوي الرديء والجيد من الأشياء والأعمال والأموال، فلا يتساوى الضار والنافع، ولا الفاسد ولا الصالح، ولا الحرام والحلال، ولا الظالم والعادل، ولا المسلم والكافر، فلكل منها حكم يليق به عند الله الذي يضع كل شيء في موضعه بحسب علمه؛ أي: لا يستويان في أنفسهما ولا عند الله وعند الناس: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ وأحبك وسرك أيها المخاطب ﴿كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ من الناس، أو من الأموال المحرمة؛ لسهولة تناولها والتوسع في التمتع بها؛ كأكل الربا والرشوة والخيانة.
والمراد (١): نفي الاستواء في كل الأحوال ولو في حال كون الخبيث معجبًا للرائي للكثرة التي فيه، فإن هذه الكثرة مع الخبيث في حكم العدم؛ لأن خبث الشيء يبطل فائدته، ويمحق بركته، ويذهب بمنفعته. والواو إما للحال، أو للعطف على مقدَّر؛ أي: لا يستوي الخبيث والطيب لو لم تعجبك كثرة الخيث، ولو أعجبك كثرة الخبيث كقولك: أحسن إلى فلان، وإن أساء إليك؛ أي: أحسن إليه إن لم يسىء إليك، وإن أساء إليك. وجواب ﴿لو﴾ محذوف؛ أي: ولو أعجبك كثرة فلا يستويان.
الخلاصة: أنهما لا يستويان لا في أنفسهما، ولا عند الله، ولو فرض أن كثرة الخبيث أعجبتك وغرتك، فصرت بعيدًا عن إدراك تلك الحقيقة؛ وهي: أن القليل من الحلال خير من كثير من الحرام حسن عاقبة في الدنيا والآخرة، ألا ترى أن القليل الجيد من الغذاء أو المتاع خير من الكثير الرديء الذي لا يغني غناءه، ولا يفيد فائدته، بل ربما يضر ويؤذي صاحبه، فكذلك الحال بالنسبة إلى الناس، فالقليل الطيب منهم خير من الكثير الخبيث، فطائفة قليلة من شجعان المؤمنين تغلب الطائفة الكثيرة من الجبناء المتخاذلين، وجماعة قليلة من ذوي
стр. 3334
البصيرة والرأي تأتي من الأعمال ما يعجز عنه الكثير من أهل الحمق والبلاهة، فالعبرة بالصفة لا بالعدد، والكثرة لا تكون خيرًا إلا بعد التساوي في الصفات الفاضلة.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا الله تعالى فيما أمركم به ونهاكم عنه، ولا تعدلوا من الطيب إلى الخبيث من الأعمال والأموال ظاهرًا وباطنًا ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: يا أصحاب العقول الكاملة السليمة الخالصة من الأمراض التي تدنسها ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لكي تظفروا بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة.
والمعنى: فاتقوا الله يا أرباب العقول الراجحة، واحذروا أن يستحوذ عليكم الشيطان، فتغتروا بكثرة المال الخبيث، وكثرة أهل الباطل والفساد من الخبيثين، فتقوى الله هي التي تجعلكم من الطيبين، وبها يرجى أن تكونوا من المفلحين الفائزين بخيري الدنيا والآخرة.
وخصَّ أولي الألباب بالاعتبار؛ لأنهم هم أهل الروية والبصر بعواقب الأمور التي ترشد إليها مقدماتها بعد التأمل في حقيقتها وصفاتها. أمَّا الأغرار الغافلون: فلا يفيدهم وعظ واعظ، ولا تذكير مذكر، فلا يعتبرون بما يرون بأعينهم، ولا بما يسمعون بآذانهم، كما يُشاهد ويرى من حال كثير من الأغنياء الذين ذهبت أموالهم الكثيرة التي جمعت من الحرام، وحال الدول التي ذهب ريحها بخلوها من فضيلتي العلم والخلق، وورثها من كانوا أقل منهم رجالًا ومالًا؛ إذ كانوا أفضل منهم أخلاقًا وأعمالًا.
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أيّ﴾ منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لأيُّ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر بمعنى ما النافية
стр. 3335
وإلا المثبتة. ﴿الْخَمْرُ﴾: مبتدأ. ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾: معطوفة عليه، وكذلك ﴿وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾: معطوفان على ﴿الْخَمْرُ﴾. ﴿رِجْسٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿رِجْسٌ﴾. ﴿فَاجْتَنِبُوه﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان، وأردتم ما هو الواجب عليكم .. فأقول لكم: اجتنبوه. ﴿اجتنبوه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل: حرف ترج ونصب، والكاف ضمير المخاطبين في محل النصب اسمها. ﴿تُفْلِحُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر لعل، وجملة لعل في محل الجر بلام التعليل المقدرة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يُوقِعَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾. ﴿بَيْنَكُمُ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُوقِعَ﴾. ﴿الْعَدَاوَةَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾: معطوف عليه. ﴿في﴾: حرف جر وسبب. ﴿الْخَمْرِ﴾: مجرور به. ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾: معطوف عليه، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُوقِعَ﴾، وجملة يوقع صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿وأَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يريد﴾ تقديره: إنما يريد الشيطان إيقاعه العداوة والبغضاء بينكم بسبب الخمر والميسر. ﴿وَيَصُدَّكُمْ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿يُوقِعَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾. ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يصدكم﴾. ﴿وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾: جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿فَهَل﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن الشيطان يريد أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء
стр. 3336
بسبب الخمر والميسر، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: هل أنتم منتهون؛ أي: انتهوا عن الخمر والميسر. ﴿هل﴾: حرف للاستفهام الاستخباري الذي هو بمعنى الأمر مبني على السكون. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿مُنْتَهُونَ﴾ خبر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة الاستفهام من حيث ما تضمنته من الأمر، والتقدير: انتهوا عن الخمر والميسر، وأطيعوا الله بالانتهاء عنهما ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾. ﴿وَاحْذَرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾، ومفعوله محذوف تقديره: واحذروا المعاصي كلها. ﴿فَإِن﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدَّر، تقديره: إذا عرفتم وجوب طاعة الله تعالى، وطاعة رسول الله ﷺ ، وأردتم بيان حكم ما إذا خالفتم الله والرسول .. فأقول لكم: ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَاعْلَمُوا﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية. ﴿اعلموا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. وفي "الفتوحات": جواب الشرط محذوف تقديره: فجزائكم علينا، والمذكور دال على الجواب لا جواب. ﴿أَنَّمَا﴾: أن حرف نصب ومصدر. ما: كافة. ﴿عَلَى رَسُولِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة له، والجملة من المبتدأ والخبر صلة ﴿أن]، وجملة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿اعلموا﴾ تقديره: فاعلموا كون البلاغ المبين على رسولنا لا غير.
стр. 3337
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل والجملة صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾. ﴿جُنَاحٌ﴾: اسم ﴿لَيسَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ مستأنفة. ﴿فِيمَا﴾: في حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر بـ ﴿في﴾، الجار والمجرور صفة لـ ﴿جُنَاحٌ﴾، أو متعلق بـ ﴿جُنَاحٌ﴾ أو بـ ﴿لَيْسَ﴾، أو متعلق بما تعلق به الخبر. ﴿طَعِمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: فيما طعموه من الخمر والميسر. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿مَا﴾: زائدة. ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿وَآمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ معطوفة على جملة ﴿وَآمَنُوا﴾. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَآمَنُوا﴾ أيضًا، والظرف متعلق بالجواب المحذوف المعلوم من السياق تقديره: لا يأثمون ولا يؤاخذون وقت اتقائهم، وجملة ﴿إِذَا﴾ مستأنفة، ويجوز أن تكون ﴿إذَا﴾ ظرفًا مجردًا عن الشرط، وأن تكون شرطية وجوابها محذوف كما قدرنا آنفًا. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾. ﴿وَآمَنُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اتَّقَوْا﴾ الذي قبله. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾: معطوف على قوله: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾. ﴿وَأَحْسَنُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اتَّقَوْا﴾ قبله. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ خبره، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿أيُّ﴾ منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائد، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة
стр. 3338
لـ ﴿أيُ﴾ ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾: اللام: موطئة للقسم. ﴿يبلونكم﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة حرف لا محل لها من الإعراب. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿بِشَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يبلون﴾. ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾: جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿شَيْءٍ﴾ تقديره: بشيء كائن من الصيد. ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَيْدِيكُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿شيء﴾، أو في محل النصب حال من ﴿شيء﴾ لتخصصه بالصفة. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾: اللام: حرف جر وتعليل. ﴿يعلم الله﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿يعلم﴾؛ لأنه بمعنى عرف. ﴿يَخَافُهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿بِالْغَيْبِ﴾: جار ومجرور حال من ضمير الفاعل في ﴿يخاف﴾؛ أي: يخاف الله حالة كونه غائبًا عن الله، ومعنى كون العبد غائبًا عن الله: أنه لم يرَ الله تعالى، أو حال من ضمير المفعول؛ أي: من يخاف الله حالة كونه تعالى ملتبسًا بالغيب عن العبد؛ أي: غير مرئي له، وجملة ﴿يخاف﴾ من الفعل والفاعل صلة ﴿مَن﴾ الموصول، وجملة ﴿يعلم﴾ من الفعل والفاعل صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل تقديره: لعلم الله علم ظهور للخلق من يخافه بالغيب، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يبلون﴾.
﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿فَمَن﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ابتلاء الله لكم بالصيد ليعلم الله من يخافه بالغيب، وأردتم بيان حكم من اعتدى على الصيد بعد النهي المفهوم من هذا الابتلاء .. فأقول لكم: ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب، أو هما ﴿اعْتَدَى﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله
стр. 3339
ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اعْتَدَى﴾. ﴿فَلَهُ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿له﴾ هو جار ومجرور خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة له، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لا محل لها من الإعراب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أيُّ﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لأي ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، وجملة النداء مستأنفة. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿حُرُمٌ﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تَقْتُلُوا﴾.
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
﴿وَمَن﴾ الواو: استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب. ﴿قَتَلَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿مِنكمُ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿قَتَلَهُ﴾؛ أي: كائنًا منكم، وقوله متعمدًا حال أيضًا من فاعل ﴿قَتَلَ﴾ فعلى رأي مَنْ يجوِّز تعدد الحال، يجوز ذلك هنا، ومن منع يقول: إن ﴿مِنكمُ﴾ للبيان متعلق بـ ﴿قَتَلَ﴾ حتى لا تتعدد الحال. ﴿فَجَزَاءٌ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿جزاء﴾: مبتدأ وخبره محذوف تقديره: فعليه جزاء، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿مِثْلُ﴾ بالرفع صفة لـ ﴿جزاء﴾؛ لأنه بمعنى: مماثل، أو بدل منه. ويقرأ على المشهور بإضافة ﴿جزاء﴾ إلى المثل، وإعراب الجزاء يكون على ما تقدم، ﴿مِثْلُ﴾ في هذه القراءة
стр. 3340
مقحم كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾، ﴿مِثْلُ﴾ مضاف. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل الجر مضاف إليه. ﴿قَتَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مِنَ﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: قتله. ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿مِثْلُ﴾، أو صفة له.
﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾.
﴿يَحْكُمُ﴾: فعل مضارع. ﴿بِهِ﴾: متعلق به. ﴿ذَوَا﴾: فاعل مرفوع بالألف؛ لأنه من المثنى. ﴿عَدْلٍ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿ذَوَا﴾؛ أي: كائنان منكم، وجملة ﴿يَحْكُمُ﴾ في محل الرفع صفة لـ ﴿جزاء﴾ إذا نونته، وأما على الإضافة فهو في موضع الحال، والعامل فيه معنى الاستقرار المقدَّر في الخبر المحذوف ﴿هَدْيًا﴾: حال من ﴿جزاء﴾ على كل من القراءتين، أو من ضمير به، أو منصوب على المصدرية؛ أي: يهديه هديًا، أو منصوب على التمييز. ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾: صفة لـ ﴿هَدْيًا﴾، وإن أضيف إلى ما بعده؛ لأن إضافته لفظية لا تفيد تعريفًا. ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ﴾: معطوف على ﴿جزاء﴾؛ أي: أو عليه كفارة إذا لم يجد المثل. ﴿طَعَامُ﴾: بدل من ﴿كَفَّارَةٌ﴾، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي طعام، ويقرأ بالإضافة، والإضافة فيه لتبيين المضاف ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾: معطوف على ﴿جزاء﴾؛ أي: أو عليه عدل ذلك ﴿صِيَامًا﴾: تمييز لـ ﴿عَدْلُ﴾ كقولهم على التمرة مثلها زبدًا؛ لأن المعنى: أو قدر ذلك صيامًا. ﴿لِيَذُوقَ﴾ اللام لام كي. ﴿يذوق﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على قاتل الصيد عمدًا. ﴿وَبَالَ أَمْرِهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي تقديره: لذوقه وبال أمره؛ أي: جزاء ذنبه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: أوجبنا عليه ذلك الجزاء لذوقه وبال أمره.
﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.
стр. 3341
﴿عَفَا اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَفَا﴾. ﴿سَلَفَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب. ﴿عَادَ﴾: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية جوازًا. ﴿ينتقم الله﴾: فعل وفاعل والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، ولم يجزم لفظه مشاكلة لفعل الشرط، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾. ﴿مِنْهُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَنْتَقِمُ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿عَزِيزٌ﴾ خبر. ﴿ذُو﴾: صفة لـ ﴿عَزِيزٌ﴾ مرفوع بالواو. ﴿انْتِقَامٍ﴾: مضاف إليه.
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
﴿أُحِلَّ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾: نائب فاعل، ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَطَعَامُهُ﴾: معطوف على ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. ﴿مَتَاعًا﴾: مفعول لأجله؛ أي: أحل لكم صيد البحر وطعامه تمتيعًا لكم؛ أي: لأجل تمتعكم وانتفاعكم، وقيل: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف تقديره: متعكم الله بذلك تمتيعًا. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مَتَاعًا﴾؛ لأنه اسم مصدر لمتَّعَ المضعف. ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَحُرِّمَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿صَيْدُ الْبَرِّ﴾: نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْر﴾. ﴿مَا﴾: مصدرية ظرفية. ﴿دُمْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿حُرُمًا﴾: خبره وجملة دام من اسمها وخبرها صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف المقدر إليه تقديره: مدة دوامكم محرمين، والظرف المقدر متعلق بـ ﴿حرم﴾.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ
стр. 3342
وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾.
﴿اتَّقُوا اللهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة للجلالة. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُحْشَرُونَ﴾. ﴿تُحْشَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير إليه. ﴿جَعَلَ الله﴾: فعل وفاعل. ﴿الْكَعْبَةَ﴾: مفعول أول. ﴿الْبَيْتَ﴾: بدل من ﴿الْكَعْبَةَ﴾، أو عطف بيان منه. ﴿الْحَرَامَ﴾: صفة لـ ﴿الْبَيْتَ﴾. ﴿قِيَامًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿جَعَلَ﴾ إن كان جعل بمعنى: صيّر، وإن كان جعل بمعنى: خلق .. فقيامًا حال من ﴿الْكَعْبَة﴾. ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قِيَامًا﴾. ﴿وَالشَّهْرَ﴾: معطوف على ﴿الْكَعْبَة﴾. ﴿الْحَرَامَ﴾: صفة لـ ﴿الشهر﴾ ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾: معطوفان أيضًا على ﴿الْكَعْبَة﴾، فالمفعول الثاني، أو الحال محذوف لفهم المعنى؛ أي: جعل الله أيضًا الشهر الحرام والهدي والقلائد قيامًا. اهـ "سمين".
﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿لِتَعْلَمُوا﴾: اللام: حرف جر وتعليل. ﴿تعلموا﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: ذلك كائن لعلمكم أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض، والجملة الإسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
وفي "السمين": ﴿ذَلِكَ﴾ فيه ثلاثة أوجه من الإعراب:
أحدها: أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الحكم الذي حكمناه ذلك لا غير.
والثاني: أنه مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: ذلك الحكم هو الحق لا غيره.
стр. 3343
والثالث: أنه منصوب بفعل مقدَّر يدل عليه السياق؛ أي: شرع الله ذلك، وهذا أقواها؛ لتعلق لام العلة به. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللهَ﴾: اسمها، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ خبرها، وجملة ﴿أَنَّ﴾ وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لتعلموا؛ لأن علم هنا بمعنى: عرف يتعدى لمفعول واحد تقديره: لتعلموا علم الله ما في السموات وما في الأرض. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿في السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. ﴿وَمَا في الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا في السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَأَنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر أن مرفوع، وجملة أن في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من أنَّ الأولى تقديره: ذلك لتعلموا علم الله ما في السموات، وما في الأرض، وعلمه بكل شيء.
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾.
﴿اعْلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: خبر ﴿أَنّ﴾، ومضاف إليه وجملة ﴿أَنّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿اعْلَمُوا﴾ تقديره: اعلموا كون الله شديد العقاب، وجملة قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من جملة ﴿أَنَّ﴾ الأولى تقديره: اعلموا كون الله شديد العقاب، وكونه غفورًا رحيمًا.
﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾.
﴿مَا﴾: نافية. ﴿عَلَى الرَّسُولِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. وفي "الفتوحات": وفي رفعه وجهان:
أحدهما: أنه فاعل بالجار قبله لاعتماده على النفي؛ أي: ما استقر على الرسول الله البلاغ.
стр. 3344
الثاني: أنه مبتدأ: وخبره الجار قبله، وعلى كل من التقديرين فالاستثناء مفرغ. اهـ "سمين". ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿تُبْدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما تبدونه. ﴿وَمَا تَكتُمُونَ﴾: معطوف على ﴿مَا تُبْدُونَ﴾، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قُل﴾، وإنْ شئت قلتَ: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَسْتَوِي الْخَبِيثُ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالطَّيِّبُ﴾: معطوف عليه، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿وَلَوْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿لو﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿أَعْجَبَكَ﴾: فعل ومفعول. ﴿كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾: فاعل ومضاف إليه، وجواب ﴿لو﴾ محذوف معلوم مما قبلها تقديره: ولو أعجبك كثرة الخبيث لا يستوي الخبيث والطيب، وجملة ﴿لو﴾ معطوفة على جملة محذوفة تقديرها: لو لم يعجبك كثرة الخبيث ولو أعجبك، وكلتا الجملتين في موضع الحال من فاعل ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ تقديره: قل لا يستوي الخبيث والطيب حالة كون كثرة الخبيث غير معجبة لك ومعجبة لك. ﴿فَاتَّقُوا﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم عدم استواء الخبيث والطيب - ولو كثر الخبيث - وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول لكم: اتقوا الله يا أولي الألباب. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾: منادى مضاف منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ﴿ولعل﴾: حرف ترج وتعليل، والكاف: اسمها، وجملة ﴿تُفْلِحُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها في محل الجر بلام التعليل
стр. 3345
المقدرة، والتقدير: فاتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه لرجاء فَلاحِكُمْ.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾: الخمر لغة: ما اتخذ من عصير العنب، وشرعًا: كل شراب مسكر وإن اتخذ من غير العنب، وسمي خمرًا؛ لأنه يخامر العقل؛ أي: يستره ويغطيه. والميسر لغة: القمار؛ أي: اللعب بالقداح؛ أي: بالملاهي؛ كالطاب والمنقلة والطاولة والعود، وشرعًا: كل لعب تردد بين غُنْم وغُرْم، سواء كان بالملاهي أو بغيرها. ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾: جمع نَصَب بفتحتين؛ كجمل وأجمال، أو جمع نُصُب بضمتين؛ كعنق وأعناق، سميت الأصنام بذلك؛ لأنها تنصب للعبادة ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾: جمع زلَم بضم الزاي وفتحها مع فتح اللام فيهما، وهي القداح؛ أي: قِطَع رقيقة من الخشب بهيئة السهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية لأجل التفاؤل أو التشاؤم كما مرَّ.
﴿رِجْسٌ﴾: قال الزجاج: الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل قبيح، ويقال للعذرة والأقذار: رجس؛ لأنها قذارة ونجاسة. وفي "القاموس": رجس كفرح، ورَجُس ككرم إذا عمل عملًا قبيحًا، والرجس المستقذر حسًّا أو معنى، يقال: رجل رجس، ورجال أرجاس. والرجس على أوجه: إما من جهة الطبع، وإما من جهة العقل، وإما من جهة الشرع؛ كالخمر والميسر، وإما من كل ذلك كالميتة؛ لأنها تعاف طبعًا وعقلًا وشرعًا، وأصله من الرجس - بفتح الراء - وهو شدة صوت الرعد. وفرّق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس، فجعل الرجس: الشر، والرجز: العذاب، والركس: العورة والنتن. اهـ.
﴿الْعَدَاوَةَ﴾: تجاوز الحق إلى الإيذاء ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾: يقال: طعم الشيء يطعمه - من باب علم - إذا أكله، ثم استعمل في ذوق طعم الشيء من طعام وشراب، ومن الأول قوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾؛ أي: أكلتم، ومن الثاني قوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، أي: لم يذق طعم مائه. ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾: من بَلاَ يبلو من باب غزا يغزوا فهو
стр. 3346
ناقص واوي، اتصل به نون التوكيد الثقيلة؛ أي: ليعاملنكم معاملة المختبر الذي يريد أن يعلم الشيء، وإن كان علام الغيوب، والمراد بالصيد هنا: المأكول البري الوحشي، وإلا فالصيد يطلق على المأكول وعلى غير المأكول، قال الشاعر:
صَيْدُ الْمُلُوْكِ أَرَانِبٌ وَثَعَالِبُ ... وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأَبْطَالُ
والصيد في الأصل؛ مصدر صاد يصيد صيدًا من باب باع، وهو ها هنا بمعنى اسم المفعول؛ أي: المصيد، وسمي صيدًا ومصيدًا لمآله إلى ذلك، وتوافر الدواعي إلى صيده، فكأنه لما أعد للصيد .. صار كأنه مصيد ﴿بِالْغَيْبِ﴾: وهو مصدر في موضع فاعل، ذكره أبو البقاء.
﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾: جمع حرام، يطلق على الذكر والأنثى، يقال: هو رجل حرام وامرأة حرام؛ أي: محرمة بحج أو عمرة، ويقع أيضًا على المحرم وإن كان في الحل، وعلى من في الحرم وإن كان حلالًا، وهما سيان في النهي عن قتل الصيد. ﴿مِنَ النَّعَم﴾: والنعم: اسم جنس يجمع على أنعام، وهي في العرف الإبل والبقر والغنم ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾: العدل بالفتح (١): المعادل للشيء والمساوي له مما يدرك بالعقل، وبالكسر: المساوي له مما يدرك بالحس ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾: والوبال في اللغة (٢): الشيء الثقيل الذي يخاف ضرره، يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وإنما سمى الله ذلك وبالًا؛ لأن إخراج الجزاء ثقيل على النفس لما فيه من تنقيص المال وثقل الصوم على النفس كما مر. وفي "السمين": وقال الراغب: الوابل المطر الثقيل القطر، ولمراعاة الثقل قيل للأمر الذي يخاف ضرره وبال، قال تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾، ويقال: طعام وبيل، وكلأ وبيل يخاف وباله قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾. وقال غيره: والوبال في اللغة: ثقل الشيء في المكروه، يقال: مرعى وبيل إذا كان يستوخم، وماء وبيل إذا كان لا يستمرأ، واستوبلتُ الأرضَ؛ كرهتها خوفًا من وبالها.
стр. 3347
﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ والمراد بالبحر هنا: الماء الكثير الذي يوجد فيه السمك كالأنهار والآبار والبرك ونحوها، لا خصوص البحر المعروف. وصيد البحر: ما يصاد منه مما يعيش فيه عادة، وطعامه ما قذف به إلى ساحله.
﴿مَتَاعًا﴾ اسم مصدر لمتع المضعف، يقال: متَّع يمتع تمتيعًا ومتاعًا فهو بمعنى: التمتيع. والسيارة: جماعة المسافرين يتزودون منه، وهي مؤنث سيَّار، وهي القافلة، وأصلها: القوم يسيرون، تجمع على سيارات.
﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: والكعبة لغة: كل بيت مربع، وسميت الكعبة كعبةً لذلك، وأصل اشتقاق ذلك من الكتب الذي هو أحد أعضاء الآدمي. قال الراغب: كعب الرجل الذي هو عند ملتقى الساق والقدم، والكعبة: كل بيت على هيئتها في التربيع، وبها سميت الكعبة، وذو الكعاب بيت كان في الجاهلية لبني ربيعة، وامرأة كاعب إذا تكعب ثدياها. ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾: والقيام مصدر كالصيام، ويقال: هذا قيام له وقوام له، وكأنهم ذهبوا في قيام إلى أنه ليس بمصدر، بل هو اسم كالسواك، فلذلك صحت الواو: قال الشاعر:
قِوَامُ دُنْيَا وَقِيَامُ دِيْنِ
وإذا لحقته تاء التأنيث .. لزمت الياء، قالوا: القيامة، ذكره أبو حيان في "البحر". وأصل قيامًا: قوامًا، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فصار: قيامًا، ثم كسرت القاف لمناسبة الياء.
﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾: البلاغ اسم مصدر لبلغ تبليغًا قائم مقام المصدر. ويحتمل (١) أن يكون مصدر البلغ المشدد على حذف الزوائد، فمعنى البلاغ: التبليغ، وقيل: البلاغ والبلوغ مصدران لبلغ الثلاثي، وإذا كان مصدرًا لبلغ بمعنى: وصل فبلاغ الشرائع إلى المرسل إليهم؛ أي: وصولها إليها مستلزم لتبليغ من أرسل إليهم بها، فعبَّر باللازم عن الملزوم.
стр. 3348
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرار في قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، وفي قوله: ﴿الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، وفي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وفي قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وفي قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ و ﴿اتَّقَوْا﴾.
ومنها: جمع (١) مؤكدات كثيرة في تحريم الخمر: منها: تصدير الجملة بـ ﴿إنما﴾، ومنها: أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنها: أنه جعلهما رجسًا كما قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾. ومنها: أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت. ومنها: أنه أمر بالاجتناب. ومنها: أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحًا .. كان الارتكاب خيبة ومحقةً. ومنها: أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والميسر، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلوات.
ومنها: الاستفهام الذي أريد به الأمر في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ لأن الاستفهام عقب ذكر هذه المعايب أبلغ من الأمر بتركها، كأنه قيل: قد بينت لكم المعايب، فهل تنتهون عنها مع هذا، أم أنتم مقيمون عليها كأنكم لم توعظوا؟
ومنها: عطف الخاص على العام في عطف ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ على ﴿الْهَدْيَ﴾ لإفادة أن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر.
ومنها: الطباق بين ﴿الْخَبِيثُ﴾ و ﴿الطَّيِّبُ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وفي قوله: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، وهما من المحسنات البديعية.
ومنها: التعميم بعد التخصيص في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
стр. 3349
الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾؛ لأن الذوق حقيقة في المذوقات، واستعير هنا لما يؤثر من غرامة وإتعاب النفس بالصوم.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ من إسناد ما للفاعل إلى المفعول كعيشة راضية.
ومنها: بيان الواقع في قوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾؛ لأنه قيد به لبيان الواقع وقت نزول الآية؛ لأنها نزلت في أبي اليسر؛ حيث قتل حمار وحش وهو محرم عمدًا، فالقيد فيه ليس لإخراج الخطأ؛ لأن الخطأ حكمه كحكم العمد في وجوب الجزاء.
ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، وفي قوله: ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ لأنه مجاز عن التبليغ، فعبر باللازم الذي هو البلاغ والوصول عن الملزوم الذي هو التبليغ والتوصيل.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 3350
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ ...﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: هو أنه تعالى لما قال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ .. صار كأنه قيل: ما بلغه الرسول فخذوه، وكونوا منقادين له، وما لم يبلغه فلا تسألوا عنه، ولا تخوضوا فيه، فربما جاءكم بسبب الخوض الفاسد تكاليف تشق عليكم، قاله أبو عبد الله الرازي.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) وظيفة الرسول وأنها تبليغ الرسالة، وبيان شرع الله ودينه فحسب، وبذا تَبْرأُ
стр. 3351
ذِمَّته .. ناسب أن يصرح بأن الرسول قد أدى وظيفة البلاغ الذي كمل به الإِسلام، وأنه لا ينبغي للمؤمنين أن يكثروا عليه من السؤال؛ لئلا يكون ذلك سببًا لكثرة التكاليف التي يشق على الأمة احتمالها، فيسرع إليها الفسوق عن أمر ربها.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنه تعالى لما نهى عن سؤال ما لم يأذن فيه ولا كلفهم إياه .. منع من التزام أمور ليست مشروعة من الله تعالى، ولما سأل قوم عن هذه الأحكام التي كانت في الجاهلية، هل تلحق بأحكام الكعبة .. بين تعالى أنه لم يشرع شيئًا منها، أو لما ذكر المحللات والمحرمات في الشرع .. عاد إلى الكلام في المحللات والمحرمات من غير شرع.
وقال المراغي: مناسبتها لما قبلها: لما (٢) نهى الله في الآية السابقة عن تحريم ما أحل الله بالنذر أو بالحلف باسم الله تنسكًا وتعبدًا مع اعتقاد إباحته في نفسه، وعن الاعتداء فيه، ونهى أن يكون المؤمن سببًا لتحريم شيء لم يكن الله قد حرمه، أو شرع حكم لم يكن الله قد شرعه؛ بأن يسأل الرسول ﷺ عن شيء مما سكت الله عنه عفوًا وفضلًا .. ناسب بعد هذا أن يبين ضلال أهل الجاهلية فيما حرموه على أنفسهم، وما شرعوه لها بغير إذن من ربهم، وما قلد فيه بعضهم بعضًا على جهلهم، كما بين بطلان التقليد ومنافاته للعلم والدين.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ...﴾ الآية، قال أبو حيان: ذكروا في مناسبة هذه الآية لما قبلها (٣): أنه لما بين أنواع التكاليف، ثم قيل: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا ....﴾ الآية، كان المعنى: إنَّ هؤلاء الجهال - مع ما تقدم من المبالغة في الإعذار والإنذار، والترغيب والترهيب - لم ينتفعوا بشيء منه، بل بقوا مصرين على جهلهم، فلا
стр. 3352
تبالوا أيها المؤمنون بجهالتهم وضلالتهم، فإن ذلك لا يضركم، بل كونوا منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها (١): أنه تعالى لما ذكر في الآية السالفة أن المرجع إليه بعد الموت، وأنه لا بد من الحساب والجزاء يوم القيامة .. أرشدنا إثر ذلك إلى الوصية قبل الموت، وأنه تجب العناية بالإشهاد عليها حتى لا تضيع على مستحقيها.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه لما ذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كان في ذلك تنفير عن أهل الضلال، واستبعاد عن أن ينتفع بهم في شيء من أمور المؤمنين من شهادة أو غيرها، فأخبر تعالى بمشروعية شهادتهم، أو الإيصاء إليهم في السفر على ما سيأتي بيانه.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية، سبب نزولها: ما روي عن أنس ﵁ قال: خطب النبي ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"، قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم، لهم حنين، فقال رجل - عبد الله بن حذافة -: مَنْ أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. أخرجه البخاري/ ج ٩ ص ٣٤٩/ الحديث أخرجه مسلم والترمذي وأحمد وابن جرير.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: مَن أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية. أخرجه البخاري/ ج ٩ ص ٣٥٢/ وابن أبي حاتم وابن جرير.
стр. 3353
وعن أبي هريرة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس كتب الله عليكم الحج" فقام عكاشة بن محصن الأسدي فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: "أما إني لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لضللتم، اسكتوا عما سكت عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم"، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا ...﴾ الآية. أخرجه الطبري بسند رجاله رجال الصحيح. فهذه ثلاثة أسباب قال الحافظ في "الفتح" / ج ٩ ص ٣٥١/: لا مانع أن يكون الجميع سبب نزولها، والله أعلم.
وقال في/ ج ٩ ص ٣٥٢/: والحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل؛ إما على سبيل الاستهزاء والامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة، لكن الأول - عبد الله بن حذافة - لم يسأل استهزاءً.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ سبب نزولها: ما أخرجه البخاري/ ج ٦ ص ٣٣٩/ عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته .. فقدوا جامًا - الإناء - من فضة، مخوصًا من ذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ، ثم وجدوا الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الحديث أخرجه الترمذي/ ج ٤ ص ١٠١ / وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه أبو داود/ ج ٣ ص ٣٣٧/، وابن جرير/ ج ٧ ص ١١٥/، والبيهقي/ ج ١٠ ص ١٦٥/.
التفسير وأوجه القراءة
١٠١ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله محمَّد ﷺ ﴿لَا تَسْأَلُوا﴾ ولا تبحثوا ﴿عَنْ﴾ أحكام ﴿أَشْيَاءَ﴾ من أمور الدين ودقائق تكاليفها، أو عن حقائق أشياء من
стр. 3354
الأمور الغيبية والأسرار الخفية ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أي: إن يظهر لكم حكمها أو يبين لكم حقيقتها ﴿تَسُؤْكُمْ﴾؛ أي: تحزنكم وتغمكم بشدة تكاليفها وكثرتها، كسؤالهم عن الحج هل هو واجب في العمر مرة أو كل عام مرة؟ أو تسؤكم بظهور حقائق تفضح أهلها؛ كسؤال رجل عن أبيه بعد موته أين هو؟ فقال له رسول الله ﷺ : "إنه في النار". ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾؛ أي: وإن تسألوا عن جنس تلك الأشياء التي من شأنها أن يكون إبداؤها مما يسوءكم ﴿حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾؛ أي: حين يمكن تنزيل القرآن في شأنها، أو في حكمها، وهو زمان حياة الرسول ﷺ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أي: فإن الله يبديها ويظهرها لكم على لسان رسوله ﷺ .
وعبارة الشوكاني هنا قوله: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ أي (١): لا تسألوا عن أشياء لا حاجة لكم بالسؤال عنها، ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم فقوله: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ في محل جر صفة لأشياء؛ أي: لا تسألوا عن أشياء متصفة بهذه الصفة من كونها إذا بدت لكم؛ أي: ظهرت وكلفتم بها .. ساءتكم؛ نهاهم الله عن كثرة مساءلتهم لرسول الله ﷺ ، فإن السؤال عما لا يعني ولا تدعو إليه حاجة قد يكون سببًا لإيجابه على السائل وعلى غيره. وقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ هذه الجملة من جملة صفة أشياء، والمعنى: لا تسألوا عن أشياء إن تسألوا عنها حين ينزل القرآن، وذلك مع وجود الرسول ﷺ بين أظهركم، ونزول الوحي عليه ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أي: تظهر لكم بما يجيب به لكم النبي ﷺ ، أو ينزل به الوحي، فيكون ذلك سببًا للتكاليف الشاقة، وإيجاب ما لم يكن واجبًا، وتحريم ما لم يكن محرمًا، بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي بموت الرسول ﷺ ، فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال. انتهت.
قال الحافظ ابن كثير (٢): أي لا تستأنفوا السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث: "أعظم المسلمين جرمًا من سأل
стр. 3355
عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته"، لكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها .. بينت لكم حينئذ لاحتياجكم إليها.
وخلاصة ذلك (١): تحريم السؤال عن الأشياء التي من شأن إبدائها أن يسوء السائلين إلا في حال واحدة، وهي: أن يكون قد نزل في شأنها شيء من القرآن فيه إجمال، وأردتم السؤال عن بيانه ليظهر لكم ظهورًا لا مراء فيه، كما في مسألة تحريم الخمر بعد نزول آية البقرة.
وقال الزمخشري (٢): أي لا تكثروا مسألة رسول الله ﷺ حتى تسألوه عن تكاليف شاقة عليكم إن أفتاكم بها وكلفكم إياها .. تغمكم وتشق عليكم، وتندموا على السؤال عنها. انتهى.
وقال ابن عباس في تفسير الآية (٣): لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم؛ إما لتكليف شرعي يلزمكم، وإما لخبر يسوءكم، مثل الذي قال: أين أبي؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء، وابتدأكم ربكم بأمر، فحينئذ إن سألتم عن بيانه بُيّن لكم وأُبدي. انتهى.
وعبارة "المراح" هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ أي (٤): إن تظهر لكم تلك الأشياء .. تحزنكم، والمعنى: اتركوا الأمور على ظواهرها، ولا تسألوا عن أحوال مخفية إن تبد لكم تسؤكم، وما بلغه الرسول إليكم فكونوا منقادين له، وما لم يبلغه إليكم فلا تسألوا عنه، فإن خضتم فيما لا يكلف عليكم، فربما جاءكم بسبب ذلك الخوض ما يشق عليكم.
﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أي: وإن تسألوا عن أشياء مست حاجتكم إلى التفسير في زمن النبي ﷺ .. ينزل جبريل بالقرآن ويظهرها حينئذ، فالسؤال على قسمين: سؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة بوجه من الوجوه، فهذا السؤال منهي عنه بقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ
стр. 3356
لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، وسؤال عن شيء نزل به القرآن، لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي، فهاهنا السؤال واجب، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ فالضمير في ﴿عَنهَا﴾ يرجع إلى أشياء أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾. فالمراد بالإنسان آدم ﵇، والمراد بالضمير ابن آدم؛ لأن آدم لم يجعل نطفة في قرار مكين. انتهت.
فائدة: قال الإِمام الشاطبي (١): الإكثار من الأسئلة مذموم، ولها مواضع نذكر منها عشرة:
أولها: السؤال عما لا ينفع في الدين؛ كسؤال بعضهم: مَنْ أبي؟
ثانيها: أن يسأل ما يزيد عن الحاجة؛ كسؤال الرجل عن الحج كل عام.
ثالثها: السؤال من غير احتياج إليه في وقت، ويدل عليه قوله ﷺ : "ذروني ما تركتكم".
رابعها: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء في النهي عن الأغلوطات.
خامسها: أن يسأل عن علة الحكم في التعبدات؛ كالسؤال عن قضاء الصوم للحائض دون الصلاة.
سادسها: أن يبلغ بالسؤال حد التكلف والتعمق؛ كسؤال بني إسرائيل عن البقرة، وما هي، وما لونها؟
سابعها: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي، ولذلك قال سعيد: أعراقيٌّ أنت؟
ثامنها: السؤال عن المتشابهات، ومن ذلك سؤال مالك عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم ... إلخ.
стр. 3357
تاسعها: السؤال عما حصل بين السلف، وقد قال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا ألطخ بها لساني.
عاشرها: سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام، ففي الحديث: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم".
وقرأ الجمهور (١): ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ بالتاء مبنيًّا للمفعول. وقرأ ابن عباس ومجاهد مبنيًّا للفاعل. وقرأ الشعبي بالياء مفتوحة من أسفل، وضم الدال ﴿يسؤكم﴾ بالياء فيهما مضمومة في الأول، ومفتوحة في الثاني. وقال ابن عطية: إن يبدها الله تعالى.
وقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾؛ إما جملة مستأنفة مسوقة لبيان أن نهيهم عنها لم يكن لمجرد صيانتهم عن المسألة، بل لأنها معصية في نفسها، مستتبعة للمؤاخذة؛ لأنها تغضب الرسول ﷺ ، والضمير في قوله: ﴿عَنْهَا﴾ راجع للمسائل، والمعنى: عما الله عن مسائلكم التي كانت قبل النهي التي لا ضرورة إليها، وتجاوز عن عقوبتكم عليها في الآخرة لسعة رحمته ومغفرته وعظيم حلمه، فلا تعودوا إليها، فتكون هذه الجملة كقوله في الآية الأخرى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾، وقوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، أو تكون في محل الجر صفة ثالثة لـ ﴿أَشْيَاءَ﴾، والضمير في ﴿عَنْهَا﴾ على هذا يعود على ﴿أَشْيَاءَ﴾، والمعنى: لا تسألوا عن أشياء قد عفا الله عنها؛ أي: تركها ولم يذكرها في كتابه بشيء من التكليف؛ فاسكتوا عنها كما سكت الله عنها، ولا تبحثوا عنها، ومما (٢) يؤيد هذا المعنى حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرَّم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها"، وحديث سلمان الفارسي ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أشياء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه، فلا تتكلفوا". هذان
стр. 3358
الحديثان أخرجهما في "جامع الأصول" ولم يعزهما إلى الكتب الستة. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب منكم ﴿حَلِيمٌ﴾ عن جهالتكم، فلا يعاقبكم إلا بعد الإنذار.
١٠٢ - ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾؛ أي: قد سأل هذه المسائل؛ أي: عن أمثال هذه المسائل ﴿قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: قوم من الأمم الماضية أنبياءهم ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾؛ أي: ثم صاروا بعد إبدائها وإعطائها كافرين وساترين لها، ومكذبين بها، وتاركين العمل بها، فأُهلكوا بسببها، فإن (١) من أكثر الأسئلة عن الأحكام الشرعية من الأمم السالفة .. لم يعملوا بما بين لهم منها، بل فسقوا عن أمر ربهم، وألقوا شرعهم ورائهم ظهريًّا استثقالًا للعمل به، وأدى ذلك؛ إما إلى استنكاره، وإما إلى جحود كونه من عند الله، وسواء أكان هذا أم ذاك، فهو كفران به. انظر إلى قوم صالح ﵇، سألوا الناقة ثم عقروها، فأصبحوا بها كافرين، فاستحقوا الهلاك في الدنيا قبل عذاب الآخرة، وإلى قوم موسى قالوا: أرنا الله جهرة، فكان هذا السؤال وبالًا عليهم، وإلى قوم عيسى ﵇ سألوا نزول المائدة عليهم، ثم كذبوا بها، وقال مقاتل (٢): كان بنو إسرائيل يسألون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أخبروهم بها .. تركوا قولهم، ولم يصدقوهم، فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين، كأنه تعالى يقول (٣): إن أولئك سألوا فلما أعطوا سؤلهم .. كفروا به، فلا تسألوا أنتم شيئًا فلعلكم إن أعطيتم سؤلكم ساءكم ذلك.
ولا بد (٤) من تقييد النهي في هذه الآية بما لا تدعو إليه حاجة كما قدمنا؛ لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين والدنيا .. قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال ﷺ : "قاتلهم الله، ألا فاسألوا، فإنما شفاء العيِّ السؤال".
стр. 3359
وقرأ الجمهور (١): ﴿سَأَلَهَا﴾ بفتح السين والهمزة، وقرأ النخعي: بكسر السين من غير همز يعني: بالكسر والإمالة، وجعل الفعل من مادة: سين، وواو ولام، لا من مادة: سين وهمزة ولام، وهما لغتان ذكرهما سيبويه، ومن كلام العرب: هما يتساولان بالواو، وإمالة النخعي: سأل، مثل إمالة حمزة: خاف.
١٠٣ - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ هذا كلام مستأنف يتضمن الرد على أهل الجاهلية فيما ابتدعوه، و ﴿من﴾: زائدة في المفعول؛ أي: ما بحر الله بحيرة، ولا شق أذنها ﴿وَلَا﴾ سيب الله ﴿سَائِبَةٍ﴾ ولا أعتقها لآلهتهم ﴿وَلَا﴾ وصل الله ﴿وَصِيلَةٍ﴾ ولا جعلها متروكة بلا ذبح ﴿وَلَا﴾ سيب الله ﴿حَامٍ﴾، ولا حفظ ظهره من الركوب، ولا من الحمل عليه؛ أي: ما شرع الله ذلك لهم، ولا أمر به، وما جعله دينًا لهم.
فالبحيرة: هي الناقة التي يبحرون أذنها؛ أي: يشقونها شقًّا واسعًا، وكانوا يفعلون بها ذلك إذا نتجت خمسة أبطن، وكان الخامس أنثى، كما روي عن ابن عباس، وقيل: هي الناقة التي تنتج خمسة أبطن في آخرها ذكَر، فتشق أذنها ولا تذبح ولا تركب ولا تحلب، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، ولا يجز لها وبر، ولا يحمل على ظهرها، بل تترك لآلهتهم.
والسائبة: هي الناقة تسيب وتنذر لآلهتهم، وكان الرجل إذا شفي من مرض، أو قدم من سفر .. سيَّب ناقة أو بعيرًا بنذرها لآلهتهم، فترعى حيث شاءت، ولا يحمل عليها شيء، ولا يجز وبرها، ولا يحلب لبنها إلا لضيف، وتكون كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها.
والوصيلة: الشاة التي تصل أخاها، فقد كانوا إذا ولدت الشاة ذكرًا .. كان لآلهتهم، وإذا ولدت أنثى .. كانت لهم، وإن ولدت ذكرًا وأنثى .. قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، فيترك مع أخته، فلا يذبحان حتى يموتا، فإذا ماتا .. اشترك في أكلهما الرجال والنساء.
стр. 3360
والحامي: هو الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن إذا ركب ولد ولده يقولون: حَمى ظهره، فلا يحمل عليه، ولا يركب، ولا يمنع من ماء ومرعى إلى أن يموت، فحينئذ تأكله الرجال والنساء.
﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: إن رؤساءهم كعمرو بن لحي وأصحابه ﴿يَفْتَرُونَ﴾ ويختلقون ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وينسبونه إليه، ويقولون: أمرنا الله بهذا.
وأول من سن لأهل الشرك تلك السنن الرديئة، وغيَّر دين الله - دين الحق دين إبراهيم وإسماعيل، وأضاف إلى الله أنه هو الذي حرم ما حرموا، وأحل ما أحلوا افتراءً على الله الكذب واختلافًا عليه - هو عمرو بن لحي الخزاعي، فهو الذي غير دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي، ونصب الأوثان لأهل مكة.
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكتم بن الجون: "يا أكتم، عرضت عليَّ النار، فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندق يجرُّ قصبه في النار - القصب: المِعَى وجمعه الأقصاب - فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به، ولا به منك، فقال أكتم: أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غير دين الله دين إبراهيم وإسماعيل". ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ وهم الأتباع ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ أن ذلك افتراء باطل افتراه رؤساءهم على الله كذبًا، وأن ذلك من أعمال الكفر، بل يظنون أنهم يتقربون به إلى الله ولو بالوساطة؛ لأن آلهتهم التي يسيبون باسمها السوائب، ويتركون لها ما حرموه على أنفسهم ليست إلا وسطاء بينهم وبين الله بزعمهم، تشفع لهم عنده، وتقربهم إليه زلفى.
١٠٤ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: للذين كفروا أو لأكثرهم الذين هم الأتباع ﴿تَعَالَوْا﴾؛ أي: هلموا وأقبلوا ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في القرآن من الأحكام المؤيدة بالحجج والبراهين ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ محمَّد ﷺ المبلِّغ لها، والمبيِّن لمجملها فاتبعوهما فيها ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾؛ أي: أجابوا من يدعوهم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول بقولهم: حسبنا وكافينا عن ذلك ما وجدنا عليه آبائنا
стр. 3361
ورأيناهم يعملون به، ونحن لهم تبع، وهم لنا أئمة وقادة. فردَّ الله عليهم قولهم بقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ الهمزة فيه للإنكار والتوبيخ، داخلة على محذوف؛ أي: أيكفيهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا من الشرائع ولا يهتدون سبيلًا إلى المصالح، سواء أكانت دينية أو دنيوية، ولا يعرف ما يكفي الأفراد والأمم إلا بالعلم الصحيح الذي يميَّز به بين الحق والباطل، فأولئك قوم أميون يتخبطون في ظلمات من الوثنية، وخرافات من معتقدات الجاهلية، فمن وأدِ البنات إلى سلب ونهب وإغارات من بعضهم على بعض، ومن قتال تشتجر فيه الرماح إلى عداوة وبغضاء تملأ السهول والبطاح، ومن ظلم لليتامى والنساء إلى تفنن في الشَّعوذة وضروب السحر والكهانة، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.
١٠٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﷺ ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: الزموا أنفسكم واحفظوها من ملابسة الضلال والمعاصي والإصرار على الذنوب، وانظروا فيما يقربها من ربها ويخلعها من عقابه ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلّ﴾؛ أي: لا يضركم ضلال من ضل من أهل الكتاب والمشركين وسائر الكفار والفساق ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ للحق أنتم في أنفسكم، وفي حق غيركم؛ بأن يعظ بعضكم بعضًا، ويرغب بعضكم بعضًا في الخيرات، وينفره من القبائح والسيئات.
وهذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الشوكاني (١): وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية .. فليس بمهتدٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبًا مضيقًا متحتمًا، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن
стр. 3362
المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررًا يسوغ له معه الترك؛ أي: فيحرم عليه ذلك حينئذ إذا أدَّى إلى الوقوع في التهلكة.
فصل في ذكر نبذة مما يتعلق بالآية
فإن قلت (١): هل يدل ظاهر هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
قلتُ: لا يدل على ذلك، والذي عليه أكثر الناس أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذًا بذنوب أصحاب المعاصي، فأمَّا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فثابت بدليل الكتاب والسنة.
عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. ولا تضعونها موضعها، ولا تدرون ما هي، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا ظالمًا، فلم يأخذوا على يديه .. أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود، وزاد فيه: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيِّروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب". وقال قوم في معنى الآية: عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم. وقال ابن مسعود: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم، فإن رُدَّ عليكم فعليكم أنفسكم.
وعن أبي أمية الشيباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: آية آية؟ قلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: "ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى
стр. 3363
مُتَّبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجابُ كل ذي رأي رأيَه .. فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم"، وفي رواية: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: "لا، بل أجر خمسين منكم" أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب.
وقيل في معنى الآية: إن العبد إذا عمل بطاعة الله واجتنب نواهيه .. لا يضره من ضل، وقيل في معنى الآية: لا يضركم من كفر بالله وحاد عن قصد السبيل من أهل الكتاب إذا اهتديتم أنتم، وقال الحسن: لم يكن مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله.
وقال الطبري: وأولى هذه الأقوال وأصح التأويلات عندنا في هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق، وهو العمل بطاعة الله، وأداء ما لزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ومن التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم حتى يرجع عن ظلمه.
واعلم: أن كلًّا من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها.
ولقد أجاد من قال:
يَا أيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلّمُ غَيْرَهُ ... هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيْمُ
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيْمُ
وقال آخر أيضًا:
أَتَنْهَى النَّاسَ وَلاَ تَنْتَهِي ... مَتَى تَلْحَقُ الْقَوْمَ يَا أَكْوَعُ
فَيَا حَجَر الشَّحْذِ حَتَّى مَتَى ... تَسُنُّ الْحَدِيْدَ وَلاَ تَقْطَعُ
وقال الآخر:
стр. 3364
وَغَيْرُ تَقَيٍّ يَأمُرُ النَّاسَ بالتُّقَى ... طَبِيْبٌ يُدَاوِيْ النَّاسَ وَهْوَ مَرِيْضُ
وقال الآخر:
فَإِنَّكَ إِذْ مَا تَأْتِ مَا أَنْتَ آمِرُ ... بِهِ تُلْفِ مَنْ إِيَّاهُ تَأمُرُ آتِيَا
فائدة: واعلم أنه يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إذا كان جاهلًا بذلك، فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، ولا سيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل، وصار فيه الحق منكرًا، والمنكر معروفًا، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. ويشترط في وجوبه مظنة النفع به، فإن جزم بعدم الفائدة فيه .. لم يجب عليه، كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾.
والخلاصة: أن العلماء من السلف متفقون على أن المؤمن لا يكون مهتديًا إذا أصلح نفسه ولم يهتم بإصلاح غيره؛ بأن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وأن ذلك فرض لا هوادة فيه، ولكن هذه الفريضة تسقط إذا فسد الزمان فسادًا لا يرجى معه تأثير الوعظ والإرشاد، أو فسادًا يؤدي إلى إيذاء الواعظ المرشد؛ بأن يعلم أو يظن ظنًّا قويًّا بأن لا فائدة من نصحه، أو بأنه سيؤذى إذا هو أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ويحرم عليه ذلك إذا أدَّى إلى الوقوع في التهلكة.
وحكى الزمخشري عن نافع أنه قرأ (١): ﴿عليكم أنفسُكم﴾ بالرفع، وهي قراءة شاذة تخرَّج على وجهين:
أحدهما: يرتفع على أنه مبتدأ، و ﴿عليكم﴾ في موضع الخبر، والمعنى: على الإغراء.
والوجه الثاني: أن يكون توكيدًا للضمير المستكن في ﴿عَليْكُمْ﴾، ولم يؤكد بمضمر متصل؛ إذ قد جاء ذلك قليلًا، ويكون مفعول عليكم محذوفًا لدلالة
стр. 3365
المعنى عليه والتقدير: عليكم أنفسكم هدايتكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم.
وقرأ الجمهور: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ بضم الضاد والراء وتشديدها، قال الزمخشري: وفيه وجهان: أن يكون خبرًا مرفوعًا، وأن يكون جوابًا للأمر الذي دل عليه اسم الفعل مجزومًا، وإنما ضُمت الراء؛ إتباعًا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة، والأصل: لا يضرركم، ويجوز أن يكون نهيًا. انتهى.
وقرأ الحسن: بضم الضاد وسكون الراء من ضار يضور، وقرأ النخعي بكسر الضاد وسكون الراء من ضار يضير، وهي لغات.
﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وحده لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾؛ أي: رجوعكم ورجوع من ضلَّ عما اهتديتم إليه يوم القيامة، وغلب الخطاب على الغيبة كما تقول: أنت وزيد تقومان. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: يخبركم عند الحساب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الخير والشر، فيجازيكم عليه، وفي هذه الجملة تذكير بالحشر وتهديد بالمجازاة.
١٠٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: صدقوا الله ورسوله وما أنزل عليه ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ لما بين الله ما يتعلق بمصالح الدين .. شرع يبين ما يتعلق بمصالح الدنيا إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يضبط مصالح دينه ودنياه؛ لأنه مكلف بحفظهما؛ أي: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، شهادة بينكم؛ أي: الشهادة المشروعة لكم إذا حضر أحدكم الموت؛ أي: قارب أحدكم على الموت بأن ظهرت عليه أمارات وقوع الموت، وأراد أن يوصي، وأراد أن يُشهد ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ على وصيته ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: هي شهادة اثنين من رجالكم أيها المؤمنون من ذوي العدل والاستقامة يشهدهما الموصي على وصيته، سواء كان في حضر أو سفر، وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من المؤمنين ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أو شهادة اثنين آخرين من غير المسلمين إن كنتم مسافرين ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: فنزلت بكم مقدمات الموت وعلاماته، وأردتم الإيصاء، علم الله أن من الناس من يسافر، فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، ويحضره