← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

ورأيناهم يعملون به، ونحن لهم تبع، وهم لنا أئمة وقادة. فردَّ الله عليهم قولهم بقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ الهمزة فيه للإنكار والتوبيخ، داخلة على محذوف؛ أي: أيكفيهم ذلك ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا من الشرائع ولا يهتدون سبيلًا إلى المصالح، سواء أكانت دينية أو دنيوية، ولا يعرف ما يكفي الأفراد والأمم إلا بالعلم الصحيح الذي يميَّز به بين الحق والباطل، فأولئك قوم أميون يتخبطون في ظلمات من الوثنية، وخرافات من معتقدات الجاهلية، فمن وأدِ البنات إلى سلب ونهب وإغارات من بعضهم على بعض، ومن قتال تشتجر فيه الرماح إلى عداوة وبغضاء تملأ السهول والبطاح، ومن ظلم لليتامى والنساء إلى تفنن في الشَّعوذة وضروب السحر والكهانة، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. ١٠٥ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﷺ ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: الزموا أنفسكم واحفظوها من ملابسة الضلال والمعاصي والإصرار على الذنوب، وانظروا فيما يقربها من ربها ويخلعها من عقابه ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلّ﴾؛ أي: لا يضركم ضلال من ضل من أهل الكتاب والمشركين وسائر الكفار والفساق ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ للحق أنتم في أنفسكم، وفي حق غيركم؛ بأن يعظ بعضكم بعضًا، ويرغب بعضكم بعضًا في الخيرات، وينفره من القبائح والسيئات. وهذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال الشوكاني (١): وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية .. فليس بمهتدٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوبًا مضيقًا متحتمًا، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن

стр. 3362

المنكر، أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال، أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره ضررًا يسوغ له معه الترك؛ أي: فيحرم عليه ذلك حينئذ إذا أدَّى إلى الوقوع في التهلكة. فصل في ذكر نبذة مما يتعلق بالآية فإن قلت (١): هل يدل ظاهر هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قلتُ: لا يدل على ذلك، والذي عليه أكثر الناس أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذًا بذنوب أصحاب المعاصي، فأمَّا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فثابت بدليل الكتاب والسنة. عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. ولا تضعونها موضعها، ولا تدرون ما هي، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا ظالمًا، فلم يأخذوا على يديه .. أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه أبو داود، وزاد فيه: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيِّروا إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب". وقال قوم في معنى الآية: عليكم أنفسكم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم. وقال ابن مسعود: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم، فإن رُدَّ عليكم فعليكم أنفسكم. وعن أبي أمية الشيباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: آية آية؟ قلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: "ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى

стр. 3363

مُتَّبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجابُ كل ذي رأي رأيَه .. فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم"، وفي رواية: قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلًا منا أو منهم؟ قال: "لا، بل أجر خمسين منكم" أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وقيل في معنى الآية: إن العبد إذا عمل بطاعة الله واجتنب نواهيه .. لا يضره من ضل، وقيل في معنى الآية: لا يضركم من كفر بالله وحاد عن قصد السبيل من أهل الكتاب إذا اهتديتم أنتم، وقال الحسن: لم يكن مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله. وقال الطبري: وأولى هذه الأقوال وأصح التأويلات عندنا في هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق، وهو العمل بطاعة الله، وأداء ما لزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ومن التعاون على البر والتقوى، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم حتى يرجع عن ظلمه. واعلم: أن كلًّا من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها. ولقد أجاد من قال: يَا أيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلّمُ غَيْرَهُ ... هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيْمُ لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيْمُ وقال آخر أيضًا: أَتَنْهَى النَّاسَ وَلاَ تَنْتَهِي ... مَتَى تَلْحَقُ الْقَوْمَ يَا أَكْوَعُ فَيَا حَجَر الشَّحْذِ حَتَّى مَتَى ... تَسُنُّ الْحَدِيْدَ وَلاَ تَقْطَعُ وقال الآخر:

стр. 3364

وَغَيْرُ تَقَيٍّ يَأمُرُ النَّاسَ بالتُّقَى ... طَبِيْبٌ يُدَاوِيْ النَّاسَ وَهْوَ مَرِيْضُ وقال الآخر: فَإِنَّكَ إِذْ مَا تَأْتِ مَا أَنْتَ آمِرُ ... بِهِ تُلْفِ مَنْ إِيَّاهُ تَأمُرُ آتِيَا فائدة: واعلم أنه يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إذا كان جاهلًا بذلك، فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهى عما ليس بمنكر، ولا سيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل، وصار فيه الحق منكرًا، والمنكر معروفًا، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. ويشترط في وجوبه مظنة النفع به، فإن جزم بعدم الفائدة فيه .. لم يجب عليه، كما يدل عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾. والخلاصة: أن العلماء من السلف متفقون على أن المؤمن لا يكون مهتديًا إذا أصلح نفسه ولم يهتم بإصلاح غيره؛ بأن يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وأن ذلك فرض لا هوادة فيه، ولكن هذه الفريضة تسقط إذا فسد الزمان فسادًا لا يرجى معه تأثير الوعظ والإرشاد، أو فسادًا يؤدي إلى إيذاء الواعظ المرشد؛ بأن يعلم أو يظن ظنًّا قويًّا بأن لا فائدة من نصحه، أو بأنه سيؤذى إذا هو أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ويحرم عليه ذلك إذا أدَّى إلى الوقوع في التهلكة. وحكى الزمخشري عن نافع أنه قرأ (١): ﴿عليكم أنفسُكم﴾ بالرفع، وهي قراءة شاذة تخرَّج على وجهين: أحدهما: يرتفع على أنه مبتدأ، و ﴿عليكم﴾ في موضع الخبر، والمعنى: على الإغراء. والوجه الثاني: أن يكون توكيدًا للضمير المستكن في ﴿عَليْكُمْ﴾، ولم يؤكد بمضمر متصل؛ إذ قد جاء ذلك قليلًا، ويكون مفعول عليكم محذوفًا لدلالة

стр. 3365

المعنى عليه والتقدير: عليكم أنفسكم هدايتكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. وقرأ الجمهور: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ بضم الضاد والراء وتشديدها، قال الزمخشري: وفيه وجهان: أن يكون خبرًا مرفوعًا، وأن يكون جوابًا للأمر الذي دل عليه اسم الفعل مجزومًا، وإنما ضُمت الراء؛ إتباعًا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة، والأصل: لا يضرركم، ويجوز أن يكون نهيًا. انتهى. وقرأ الحسن: بضم الضاد وسكون الراء من ضار يضور، وقرأ النخعي بكسر الضاد وسكون الراء من ضار يضير، وهي لغات. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وحده لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾؛ أي: رجوعكم ورجوع من ضلَّ عما اهتديتم إليه يوم القيامة، وغلب الخطاب على الغيبة كما تقول: أنت وزيد تقومان. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: يخبركم عند الحساب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الخير والشر، فيجازيكم عليه، وفي هذه الجملة تذكير بالحشر وتهديد بالمجازاة. ١٠٦ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: صدقوا الله ورسوله وما أنزل عليه ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ لما بين الله ما يتعلق بمصالح الدين .. شرع يبين ما يتعلق بمصالح الدنيا إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يضبط مصالح دينه ودنياه؛ لأنه مكلف بحفظهما؛ أي: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، شهادة بينكم؛ أي: الشهادة المشروعة لكم إذا حضر أحدكم الموت؛ أي: قارب أحدكم على الموت بأن ظهرت عليه أمارات وقوع الموت، وأراد أن يوصي، وأراد أن يُشهد ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ على وصيته ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: هي شهادة اثنين من رجالكم أيها المؤمنون من ذوي العدل والاستقامة يشهدهما الموصي على وصيته، سواء كان في حضر أو سفر، وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من المؤمنين ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أو شهادة اثنين آخرين من غير المسلمين إن كنتم مسافرين ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: فنزلت بكم مقدمات الموت وعلاماته، وأردتم الإيصاء، علم الله أن من الناس من يسافر، فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون المسلمين، ويحضره

стр. 3366

الموت، فلا يجد من يشهده على وصيته من المسلمين، فقال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ فالذميان في السفر خاصة إذا لم يوجد غيرهما؛ أي: فالعدلان المسلمان صالحان للشهادة في الحضر والسفر، وشهادة غير المسلمين لا تجوز إلا في السفر عند فقد المسلمين. وعبارة "الخطيب": المعنى: إن المحتضر إذا أراد الوصية .. ينبغي له أن يشهد على وصيته عدلين من أهل دينه إن وجدا، فإن لم يجدهما .. فليشهد آخرين من غيرهم. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا الشهادة المشروعة بينكم إذا حضر أحدكم أمارات الموت، وأراد الوصية والإشهاد عليها، هي شهادة عدلين منكم مطلقًا؛ أي: سواء كان في حضر أو سفر، وجد غير المسلمين أم لا، أو شهادة اثنين من غير أهل دينكم إن كنتم مسافرين فأصابتكم أمارات الموت، ولم يكن عند المحتضر واحد من المسلمين. وعبارة "القرطبي" هنا: قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ في الكلام حذف تقديره: إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ودفعتم إليهما ما معكم من المال، ثم متم، وذهب الاثنان إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما، وادعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة؛ أي: تستوثقوا منهما. انتهت. وقرأ الجمهور: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بالرفع وإضافة شهادة إلى ﴿بَيْنِكُمْ﴾، وقرأ الشعبي والحسن والأعرج: ﴿شهادة بينكم﴾ برفع شهادة وتنوينه، وقرأ السلمي والحسن أيضًا: ﴿شهادةً﴾ بالنصب والتنوين، وروي هذا عن الأعرج وأبي حيوة و ﴿بَيْنِكُمْ﴾ على هاتين القراءتين منصوب على الظرف. وقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ صفة لـ ﴿آخَرَانِ﴾، وجملة قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ معترضة بين الصفة والموصوف؛ أي: أو شهادة آخرين من غير المسلمين توقفونهما من بعد صلاة العصر في المسجد الجامع عند المنبر؛ أي: توقفون أيها الحكام الشاهدين من غير المسلمين من بعد

стр. 3367

صلاة العصر؛ لأن النبي ﷺ حلَّف عديًّا وتميمًا بعدها، ولأن العمل قد جرى عليه، فكان التحليف في ذلك الوقت هو المعروف، ولأنه هو الوقت الذي يقعد فيه الحكام للفصل بين الناس في المظالم والدعاوي؛ إذ يكون الناس قد فرغوا من معظم أعمال النهار، فيجتمعوا وقتئذ، ولأنه وقت تصادم ملائكة الليل وملائكة النهار، ولأن جميع الملل يعظمون هذا الوقت ويجتنبون فيه من الحلف الكاذب، وقيل: أي صلاة كانت، وقيل: من بعد صلاتهما على أنهما كافران كما في "القرطبي". ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾؛ أي: فيحلف الشاهدان من غير المسلمين باسم الله؛ أي: فتستحلفونهما أيها الحكام على أنهما ما كذبا في شهادتهما ولا خانا في الوصية. ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: شككتم أيها الورثة أعني: ورثة الموصي الميت في السفر في صدقهما، واتهمتموهما بالخيانة في الوصية، ورفعتموهما إلى الحكام، أما الأمين: فيصدق بلا يمين. ويقولان في حلفهما والله: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾؛ أي: بالقسم بالله ﴿ثَمَنًا﴾؛ أي: عوضًا يسيرًا من الدنيا ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾؛ أي: ولو كان المقسم له أو المشهود له صاحب قرابة لنا، فإنا نؤثر الحق والصدق، ولا نؤثر العَرَض الدنيوي، ولا القرابة، ونظير هذه الآية قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾. والخلاصة: أنه يقول الحالف: إنه يشهد لله بالقسط، ولا يصده عن ذلك ثمن يبتغيه لنفسه، ولا مراعاة قريب له إن فرض أنَّ في إقراره وقسمه نفعًا له؛ أي: ولو اجتمعت هاتان الفائدتان. ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: ويقولان في يمينهما أيضًا: ولا نكتم الشهادة التي أوجبها الله، وأمران تقام له كما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾. وقرأ علي ونعيم بن ميسرة والشعبي بخلاف عنه: ﴿شهادةً اللهَ﴾ بنصبهما وتنوين شهادة، وانتصبا بـ ﴿نَكْتُمُ﴾ والتقدير: ولا نكتم الله شهادة. وعبارة "زاد المسير": وقرأ سعيد بن جبير: ﴿ولا نكتم شهادةً﴾ بالتنوين. ﴿الله﴾ بقطع الهمزة وقصرها وكسر الهاء ساكنة النون في الوصل. وقرأ سعيد بن المسيب وعكرمة:

стр. 3368

﴿شهادة﴾ بالتنوين والوصل منصوبة الهاء. وقرأ أبو عمران الجوني: ﴿شهادة﴾ بالتنوين، وإسكانِها في الوصل، ﴿الله﴾ بقطع الهمزة، وقصرها مفتوحة الهاء. وقرأ الشعبي وابن السميقع: ﴿شهادة﴾ بالتنوين وإسكانها في الوصل ﴿الله﴾ بقطع الهمزة ومدها وكسر الهاء. وقرأ أبو العالية وعمرو بن دينار مثله إلا أنهما نصبا الهاء. انتهت. ﴿إِنَّا إِذًا﴾؛ أي: إنا إذا فعلنا ذلك الكذب، واشترينا بالقسم ثمنًا من الدنيا، أو راعينا به قريبًا؛ بأن كذبنا فيه لمنفعة لأنفسنا، أو لذوي قرابتنا، أو كتمنا شهادة الله كلًّا أو بعضًا. ﴿لَّمِنَ اَلأَثِمِينَ﴾؛ أي: لَكُنَّا من المتحملين للإثم المستحقين للجزاء عليه. وقرأ الأعمش وابن محيصن: ﴿لملاثمين﴾ بإدغام نون ﴿من﴾ في لام ﴿الآثمين﴾ بعد حذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام. ١٠٧ - ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾؛ أي: فإن اطلع بعد التحليف؛ أي: عشر أهل الميت أو من يلي أمره على أن الشاهدين من غير المسلمين الحالفين استحقا إثمًا؛ أي: استوجبا إثمًا؛ إما بكذب في الشهادة، أو اليمين، أو بكتمان شيء من التركة في حال ائتمانهما عليها، أو كتمانٍ في الشهادة ﴿فَآخَرَانِ﴾؛ أي: فالواجب أن ترد اليمين إلى الورثة بأن يقوم رجلان آخران ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾؛ أي: مقام الشاهدين الكاذبين في حلفهما ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: حالة كونهما من الورثة الذين استحق لهم المال، فعليهم بمعنى: لهم اللذان هما ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾؛ أي: الأقربان إلى الميت الأحقان بإرثه؛ أي: فرجلان آخران من الورثة المستحقين للتركة يقومان مقام الشاهدين الخائنين، وليكونا من أولى من يستحق الميراث؛ أي: هذان الرجلان الوارثان القائمان مقام الخائنين ينبغي أن يكونا هما الأولَيَيْنِ بالميت؛ أي: الأقربين الأحقين بإرثه إن لم يمنع من ذلك مانع، وهذا المعنى على قراءة ﴿استُحق﴾ بالبناء للمفعول، فعلى هذه القراءة يكون ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هما الأوليان كأنه قيل: من هما؟ فقيل: هما الأوليان. وقيل: هو بدل من الضمير في يقومان أو من ﴿آخران﴾، ويحتمل كون على في ﴿عَلَيْهِمُ﴾ على بابها، فتكون نائب فاعل لـ ﴿اسْتَحَقَّ﴾؛ أي: من الورثة الذين استحق

стр. 3369

عليهم الإثم؛ أي: جني عليهم بالخيانة في مالهم، هم أهل الميت وعشيرته، والمعنى (١) على قراءة البناء للفاعل: من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما ويختاروهما للقيام بالشهادة، ويظهروا بهما كذب الكاذبين؛ لكونهما الأقربين إلى الميت. فـ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾: فاعل ﴿اسْتَحَقَّ﴾، ومفعوله أن يجردوهما للقيام بالشهادة. وقيل: المفعول محذوف، والتقدير: من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. وقرأ الجمهور: ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بالبناء للفاعل ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾: فاعل مرفوع تثنية الأوْلى. وقرأ حمزة وأبو بكر: ﴿اسْتُحِقَّ﴾ مبنيًّا للمفعول؛ وقرأ الحسن: ﴿استحق﴾ مبنيًّا للفاعل، ﴿الأولان﴾: مرفوع تثنية أوَّل، وقرأ بان سيرين: ﴿الأوليان﴾ تثنية الأوْلى. قوله: ﴿فيقسمان بالله﴾ عطف على ﴿يقومان﴾؛ أي: فيحلفان بالله ﴿لَشَهَادَتُنَا﴾؛ أي: ليميننا، فالمرد بالشهادة هنا اليمين كما في قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾؛ أي: فيحلفان بالله بقولهما: والله لأيماننا على أنهما كاذبان خائنان في وصية ميتنا ﴿أَحَقُّ﴾ وأصدق ﴿مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾؛ أي: أيمانهما على أنهما صادقان فيما ادعيا ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ عليهما بتهمة باطلة؛ أي: ما تجاوزنا الحق في أيماننا ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: ويقولان في يمينهما: إنا إذا اعتدينا الحق فحلفنا مبطلين كاذبين .. لنكونن من الظالمين لأنفسهم بتعريضها لسخط الله وانتقامه. وعبارة (٢) "المراح": ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾؛ أي: هذان الآخران ﴿بِاللَّهِ﴾ بقولهما ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾؛ أي: والله ليمين المسلمين أصدق وأحق بالقبول من يمين النصرانيين ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾؛ أي: ما تجاوزنا الحق فيما ادعيا، وفي طلب المال، وفي نسبتهما إلى الخيانة ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: إنا اعتدينا في ذلك .. كنا من الظاليمن أنفسهم بإقبالها لسخط تعالى وعذابه.

стр. 3370

واتفق المفسرون (١) على أن سبب نزول هذه الآيات: أن تميم بن أوس الداري، وعدي بن بداء - وكانا نصرانيين - ومعهما بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص - وكان مسلمًا مهاجرًا - خرجوا إلى الشام للتجارة، فلما قدموا الشام .. مرض بديل، فكتب كتابًا فيه نسخة جميع ما معه، وألقاه فيما بين الأقمشة، ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله، ومات بُديل، فأخذا من متاعه إناءً من فضة فيه ثلاث مئة مثقال منقوشًا بالذهب، ولما رجعا دفعا باقي المتاع إلى أهله، ففتشوا، فوجدوا الصحيفة وفيها ذكر الإناء، فقالوا لتميم وعدي: أين الإناء؟ فقالا: لا ندري، والذي دفع إلينا دفعناه إليكم، فرفعوا الواقعة إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآية، ولما نزلت هذه الآية صلَّى رسول الله ﷺ العصر، ودعا تميمًا وعدَّيًّا، فاستحلفهما عند المنبر، ولما حلفا خلَّى رسول الله ﷺ سبيلهما، ولما طالت المدة أُظهر الإناء، فبلغ ذلك بني سهم، فطالبوهما، فقالا: كنا قد اشتريناه منه، فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئًا، فقلتما: لا؟ فقالا: لم يكن عندنا بيّنة فكرهنا أن نقر لكم، فكتمنا لذلك، فرفعوا القصة إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ ...﴾ الآية، فقام عمرو بن العاص والمطلب ابن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله بعد العصر، فدفع الرسول ﷺ الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله ورسوله، أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله تعالى. ١٠٨ - ﴿ذَلِكَ﴾ الحكم الذي بيناه وشرعناه في هذه القصة من تكليف المؤتمن على الوصية أن يقوم على مرأى من الناس، ويشهد بعد الصلاة، ويقسم الأيمان المغلظة ﴿أَدْنَى﴾؛ أي: أدنى الطرق وأقربها إلى ﴿أَنْ يَأتُوا﴾؛ أي: إلى أن يؤدي الشهود المتحملون للشهادة على الوصية ﴿بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ أي: على الوجه الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا خيانة فيها خوفًا من العذاب الأخروي، والأنسب بالمقام في قوله: ﴿أَنْ يَأتُوا﴾ وبقوله الآتي: ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾ تثنية

стр. 3371

الضمير، وإنما جمع؛ لأن المراد ما يعم الشاهدين المذكورين وغيرهما من سائر الناس. وفي "الخازن": أن يأتي الوصيان وسائر الناس. وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾ معطوف في المعنى على محذوف تقديره: ذلك أدنى وأقرب إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها لأجل أن يخافوا من عذاب الآخرة بسبب الكذب والخيانة فيها ﴿أَوْ﴾ لأجل أن ﴿يَخَافُوا﴾ الافتضاح على رؤوس الأشهاد بإبطال أيمانهم والعمل بأيمان الورثة، فينزجروا عن الخيانة المؤدية إلى ذلك إن لم يخافوا من عذاب الآخرة، وذلك بـ ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ﴾ على الورثة ﴿بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: بعد أيمان الشهود الخائنين في الوصية، فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفتضحوا، فأي الخوفين وقع حصل المقصود الذي هو الإتيان بالشهادة على وجهها. والغرض من هذا الكلام (١): بيان المنفعة والفائدة في هذا الحكم الذي شرعه الله في هذا الموضع من كتابه. والمعنى: ذلك (٢) الذي شرعناه من تكليف المؤتمن على الوصية أن يقوم على مرأى من الناس، ويشهد بعد الصلاة، ويقسم الأيمان المغلظة أدنى الطرق وأقربها إلى أن يؤدي الشهداء الشهادة على وجهها بلا تبديل ولا تغيير تعظيمًا لله، ورهبة من عذابه، ورغبة في ثوابه، أو خوفًا من الفضيحة التي تعقب استحقاقهما الإثم في الشهادة برد أيمان الورثة بعد أيمانهم، فتكون مبطلة لها؛ إذ من لم يمنعه خوف الله وتعظيمه أن يكذب لضعف دينه .. يمنعه خوف الخزي والفضيحة بين الناس. والحاصل (٣): أن الشاهدين أو الوصيين، إذا علما أنهما إن لم يصدقا .. يتوجه اليمين على الورثة، فيحلفون، فينتزعون من الشاهدين ما أخذاه، ويفتضحان بظهور كذبهما .. حملهما ذلك على أحد أمرين: إما الصدق في الشهادة، والحلف من أول الأمر، وإما ترك الحلف الكاذب، فيظهر كذبهم ونكولهم، فبأحد الأمرين يحصل المقصود؛ لأنهم إذا صدقوا ولم يخونوا ..

стр. 3372

فالأمر ظاهر، وإن خانوا وامتنعوا من الحلف خوفًا من الفضيحة .. حلف الورثة وانتزعوا ما خان به الشهود، فتأمل. وعبارة ابن الجوزي (١) هنا: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾؛ أي: ذلك الذي حكمنا به من ردّ اليمين أقرب إلى إتيان أهل الذمة بالشهادة على وجهها؛ أي: على ما كانت، وأقرب أن يخافوا أن ترد أيمان أولياء الميت وتكرر بعد أيمانهم، فيحلفون على خيانتهم فيفتضحوا ويغرموا، فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا ذلك. انتهت. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وراقبوه في أيمانكم أن تحلفوا بها كاذبة وأن تخونوا مَنْ ائتمنكم ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما يقال لكم وما توعظون به سمعَ إجابة وقبول لهذه الأحكام وغيرها. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: فإن لم تتقوا ولم تسمعوا .. كنتم قومًا فاسقين خارجين عن أمر الله وطاعته، مطرودين من هدايته، مستحقين لعقابه؛ لأن الله تعالى لا يرشد القوم العاصين الكافرين الكاذبين إلى دينه وحجته، أو إلى طريق الجنة. فائدة: وقد استنبط (٢) العلماء من هاتين الآيتين فوائد وأحكامًا نذكر أهمها فيما يلي: ١ - الحث على الوصية وعدم التهاون في أمرها في سفر أو حضر. ٢ - الإشهاد عليها لتثبيت أمرها والرجاء في تنفيذها. ٣ - بيان أن الأصل في الشاهدين عليها أن يكونا مسلمين موثوقًا بعدالتهما. ٤ - بيان أن إشهاد غير المسلمين على الوصية جائز مشروع؛ لأن مقصد الشارع منه إذا لم يمكن أداؤه على وجه الكمال أن لا يترك ألبتة. ٥ - شرعية اختيار الأوقات التي تؤثِّر في قلوب الشهود ومقسمي الأيمان رجاء أن يصدقوا ويبروا فيها. ٦ - التغليظ على الحالف بصيغة اليمين، بأن يقول فيه ما يرجى أن يكون

стр. 3373

رادعًا للحالف عن الكذب. ٧ - أن الأصل في أخبار الناس وشهاداتهم أن تكون مصدَّقة مقبولة، ومن ثَمَّ شرط في تحليف الشاهدين الارتياب في خبرهما. ٨ - شرعية تحليف الشهود إذا ارتاب الحكَّام والخصوم في شهادتهم، وهو الذي عليه العمل الآن في أكثر الأمم، وقد حتمته القوانين الوضعية الآن؛ لكثرة ما يقع من شهادة الزور. ٩ - شرعية ردِّ اليمين إلى من قام الدليل على ضياع حق له بيمين صار حالفها خصمًا له. ١٠ - إذا احتيج إلى قيام بعض الورثة في أمر يتعلق بالتركة .. فأولاهم بذلك أقربُهم إليه. الإعراب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد، وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لأيُّ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾: جار ومجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف علة واحدة تقوم مقام علتين ترجع إحداهما إلى اللفظ، والأخرى إلى المعنى، وهي ألف التأنيث الممدودة، فلزومها لبناء ما هي فيه بمنزلة علة ترجع إلى اللفظ، ودلالتها على التأنيث بمنزلة علة ترجع إلى المعنى، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَسْأَلُوا﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿تُبْدَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بحذف حرف العلة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿أَشْيَاءَ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُبْدَ﴾. ﴿تَسُؤْكُمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وفاعله

стр. 3374

ضمير يعود على ﴿أَشْيَاءَ﴾، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل الجر صفة لـ ﴿أَشْيَاءَ﴾. ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا﴾ الواو: عاطفة. ﴿إِنْ تَسْأَلُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، وعلامة جزمه حذف النون. ﴿عنهَا﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿حِينَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿تَسْأَلُوا﴾. ﴿يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حِينَ﴾. ﴿تُبْدَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿أَشيَاءَ﴾. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿وإن﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها في محل الجر معطوفة على جملة ﴿وإن﴾ الأولى على كونها صفة لـ ﴿أَشْيَاءَ﴾. ﴿عَفَا اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿أَشْيَاءَ﴾. ﴿عَنْهَا﴾: متعلق به. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول. ﴿حَلِيمٌ﴾: خبر ثانٍ، والجملة مستأنفة. ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿سَأَلَهَا﴾: فعل ومفعول. ﴿قَوْمٌ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿سأل﴾. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، ولا حالًا منه؛ لأن ظرف الزمان لا يكون صفة للجثة ولا حالًا منها، ولا خبرًا عنها. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿أَصْبَحُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهَا﴾: الباء حرف جر وسبب، الهاء ضمير المؤنثة في محل الجر بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَصْبَحُوا﴾، أو بـ ﴿كَافِرِينَ﴾. ﴿كَافِرِينَ﴾: خبر ﴿أَصْبَحُوا﴾، وجملة ﴿أَصْبَحُوا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا﴾. ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة وجعل هنا

стр. 3375

بمعنى: سمَّى يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الأول محذوف تقديره: ما جعل الله الحيوان ﴿مِنْ بَحِيرَةٍ ...﴾ إلخ. ﴿مِن﴾: زائدة. ﴿بَحِيرَةٍ﴾: مفعول ثانٍ منصوب بفتحة مقدرة؛ أي: ما سمى الله الحيوان بحيرة ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾: معطوف على ﴿بَحِيرَةٍ﴾، منصوب بفتحة مقدرة منع من طهورها اشتغال المحل بحركة حرف جر زائد، وكذا تقول في: ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾، ولكن تقول في ﴿حَامٍ﴾ منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف جر زائد مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأنه اسم منقوص كقاضٍ؛ لأن أصله: ولا من حامي، استثقلت الكسرة على الياء، ثم حذفت فالتقى ساكنان، وهما الياء والتنوين، ثم حذفت الياء لبقاء دالها، فصار: ولا حامٍ؛ كقاضٍ. ﴿وَلَكِنَّ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿يَفْتَرُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَفْتَرُونَ﴾. ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعوله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، وجملة ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَفْتَرُونَ﴾. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. ﴿وَإِذَا﴾ الواو: استئنافية. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿تَعَالَوْا﴾: وما بعده إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾ نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾، وجملة ﴿قِيلَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، وإن شئت قلتَ: ﴿تَعَالَوْا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿إِلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَعَالَوْا﴾. ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: إلى ما أنزله الله. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿قَالُوا﴾:

стр. 3376

فعل وفاعل، والجملة جواب (إذا) لا محل لها، وجملة (إذا) أو فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: مقول محكي لـ ﴿قالُوَا﴾، وإن شئت قلت: ﴿حَسْبُنَا﴾: مبتدأ ومضاف إليه، (مَا) موصولة أو موصوفة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول (قَالُوا). (وَجَدْنَا): فعل وفاعل، ووجد (١) هذا: إما بمعنى علم، فيتعدى إلى مفعولين، فيكون (عَليه) في محل المفعول الثاني. (ءَابَآءَنَا): مفعول أول له، ويجوز أو يكون وجدنا بمعنى: صادفنا، فيتعدى إلى مفعول واحد بنفسه، وفي (عَليه) على هذا الاحتمال وجهان: أحدهما: هي متعلقة بالفعل، معدية له؛ كما تتعدى ضربت زيدًا بالسوط. والثاني: أو تكون حالًا أو الآباء، ذكره أبي البقاء، وجملة (وَجَدْنَا) صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير (عَليهِ). ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. ﴿أَوَلَوْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري والتعجبي، داخلة على محذوف تقديره: أحَسْبُهُم ذلك؛ أي: كافيهم ذلك. حسبهم مبتدأ، ذلك خبره، والجملة الإسمية جملة إنشائية لا محل لها أو الإعراب. (ولو) الواو: حالية. (لو): حرف شرط غير جازم. (كاَنَءَابَآؤُهُم): فعل ناقص واسمه، وجملة (لَا يَعلَمُونَ شَيْئًا) في محل النصب خبر (كاَنَ). وجملة (وَلَا يهتَدُونَ) معطوفة على جملة (لَا يعلَمُونَ)، وجملة (كاَنَ) من اسمها وخبرها فعل شرط لـ (لو) لا محل لها من الإعراب، وجواب (لو) محذوف دل عليه ما قبلها تقديره: ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون، يقولون: حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا. وجملة (لو) الشرطية في محل النصب حال من (ءَابَآؤُهُم) المقدر، والتقدير: أيقولون حسبنا ما وجدنا عليه آبائنا حالة كون آبائهم جهلةً ضالين، لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون؟ وعبارة أبي السعود (٢) قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ قيل: الواو للحال دخلت عليها الهمزة للإنكار والتعجيب؛ أي: أحسبهم ذلك ولو كان

стр. 3377

آباؤهم جهلة ضالين. وقيل: للعطف على شرطية أخرى مقدرة قبلها، وهو الأظهر، والتقدير: أحسبهم ذلك، أو أيقولون هذا القول ولو لم يكن آباؤهم لا يعلمون شيئًا أو الدين، ولا يهتدون للصواب، ولو كانوا لا يعلمون .. إلخ؟ وكلتاهما في موضع الحال؛ أي: حسبهم ما وجدوا عليه آباءهم كائنين على كل حال مفروضة، وقد حذفت الأولى حذفًا مطَّردًا لدلالة الثانية عليها دلالة واضحة. انتهت. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يَا﴾: حرف نداء ﴿أي﴾ منادى نكرة مقصودة، ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: اسم فعل أمر بمعنى: الزموا مبني على السكون وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنتم. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾: مفعول به لاسم الفعل، ومضاف إليه، وجملة اسم الفعل جواب النداء لا محل لها من الإعراب. و ﴿عَلَيْكُمْ﴾ اسم فعل أمر منقول أو الجار والمجرور قال على الإغراء، كما قال ابن مالك: وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ عَلَيْكَا ... وَهكَذَا دُوْنَكَ مَعْ إِلَيكَا يعني: أن من أسماء فعل الأمر ما هو منقول أو حرف جر، أو ظرف نحو: عليك زيدًا؛ أي: الزمه، وإليك؛ أي: تنح، ودونك زيدًا؛ أي: خذه، ومكانك؛ أي: اثبت، وأمامك؛ أي: تقدَّم. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَضُرُّكُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل أو الزمان مجرد عن معنى الشرط. ﴿اهْتَدَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿يَضُرُّكُمْ﴾. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ضمير

стр. 3378

المخاطبين، وصح مجيء الحال من المضاف إليه؛ لصحة عمل المضاف فيها وفي صاحبها؛ لكونه مما يشبه الفعل، كما قال ابن مالك: وَلاَ تُجِزْ حَالًا مِنَ الْمُضَافِ لَهْ ... إِلَّا إِذَا اقْتَضَى الْمُضَافُ عَمَلَهْ أَوْ كَانَ جُزْءَ مَا لَهُ أُضِيْفَا ... أَوْ مِثْلَ جُزْئِهِ فَلا تَحِيْفَا ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: الفاء: حرف عطف وتفريع. ﴿ينبئكم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الإسمية المذكورة قبلها. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ينبئكم﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كنتم تعملونه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: سبق إعرابه غير ما مرةٍ. ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط ﴿حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿شَهَادَةُ﴾. ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف بدل من ﴿إِذَا﴾ بدل كل من كل ﴿اثْنَانِ﴾: خبر المبتدأ، ولكنه على حذف مضاف تقديره: شهادة بينكم حين الوصية شهادة اثنين منكم؛ لتحصل المطابقة بين المبتدأ والخبر، وذلك لأن الشهادة لا تكون هي الاثنان؛ إذ الجنة لا تكون خبرًا عن المصادر، فأضمر مصدر يكون خبرًا عن مصدر. ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾: صفة أولى لـ ﴿اثْنَانِ﴾، ومضاف إليه مرفوع بالألف. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور صفة ثانية لـ ﴿اثْنَانِ﴾. ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾: معطوف على ﴿اثْنَانِ﴾. ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿آخَرَانِ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ

стр. 3379

فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَنْتُمْ﴾: فاعل بفعل محذوف وجوبًا يفسره ما بعده تقديره: إن ضربتم، فلما حذف الفعل .. انفصل الضمير. فقوله: ﴿ضَرَبْتُمْ﴾ جملة مفسرة للمحذوف لا محل لها من الإعراب. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بفعل الشرط المحذوف. ﴿فَأَصَابَتْكُمْ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿أصابتكم﴾: فعل ومفعول في محل الجزم معطوف على ﴿ضَرَبْتُمْ﴾ المحذوف على كونه فعل شرط، لـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية. ﴿مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: فاعل ومضاف إليه، وجواب الشرط محذوف جوازًا لدلالة ما قبله عليه، والتقدير: إن سافرتم في الأرض فقاربكم الأجل حينئذ، وما معكم أحد من أهل الإِسلام .. فليشهد آخران من غيركم، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين الموصوف وهو ﴿آخَرَانِ﴾، وبين صفته وهي قوله ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾. ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿آخَرَانِ﴾، ولكنها صفة سببية. ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿يقسمان﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يقسمان﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ على كونها صفة ثانية لـ ﴿آخَرَانِ﴾. ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾. ﴿إِنِ﴾: حرف شرط. ﴿ارْتَبْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنِ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره: إن ارتابهما الوارث منكم بخيانة أو أخذ شيء من التركة .. فاحبسوهما، وحلفوهما من بعد الصلاة، وهذا الشرط وجوابه المحذوف جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين القسم وهو قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾؛ لأنه قائم مقام القسم، وبين جوابه وهو قوله: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿نَشْتَرِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿آخَرَانِ﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق

стр. 3380

به. ﴿ثَمَنًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب ﴿يقسمان﴾ لا محل لها من الإعراب؛ لأنه يقوم مقام اليمين كما مر آنفًا. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: اعتراضية. ﴿لَوْ﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على المشهود له. ﴿ذَا قُرْبَى﴾: خبر ﴿كَانَ﴾، ومضاف إليه منصوب بالألف، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف؛ لدلالة ما قبلها عليه تقديره: ولو كان المشهود له ذا قربى .. لا نشتري به ثمنًا، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف عليه؛ وهو قوله: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾، وبين المعطوف، وهو قوله: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نَكْتُمُ﴾. فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿آخَرَانِ﴾. ﴿شَهَادَةَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا نَشْتَرِي﴾ على كونها جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّا﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد، ﴿نا﴾: ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب زائد لتأكيد معنى الكلام لا عمل لها؛ لعدم دخولها على الفعل. ﴿لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ اللام: حرف ابتداء. ﴿مِنَ الآثمين﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿إن﴾ تقديره: إنا لكائنون من الآثمين إن كتمنا شهادة الله تعالى، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿عُثِرَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿أَنَّهُمَا﴾: ﴿أنَّ﴾: حرف نصب ومصدر، والهاء: ضمير المثنى الغائب في محل النصب اسمها. ﴿اسْتَحَقَّا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِثْمًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أنّ﴾ تقديره: على أنهما مستحقان إثمًا، وجملة ﴿أنّ﴾ في تأويل مصدر مجرور بعلى تقديره: فإن عثر على استحقاقهما إثمًا، الجار والمجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿عُثِرَ﴾. ﴿فَآخَرَانِ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة

стр. 3381

اسمية. ﴿آخَرَانِ﴾: مبتدأ مرفوع بالألف، وسوغ الابتداء دخول فاء الجزاء عليه، وأيضًا وصفه بالجار والمجرور في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾، ولا يضر الفصل بين الصفة وموصوفها بالخبر؛ لأنه ليس أجنبيًّا. ﴿يَقُومَانِ﴾: فعل وفاعل. ﴿مَقَامَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَقُومَانِ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والتقدير: فشاهدان آخران قائمان مقام الخائنين، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لا محل لها من الإعراب. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آخَرَانِ﴾ الواقع مبتدأ، ويصح كونه حالًا من ضمير ﴿يَقُومَانِ﴾ كما مرَّ في مبحث التفسير. ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة، الجار والمجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿اسْتَحَقَّ﴾، والتقدير: فآخران كائنان من الورثة الذين استُحِقَّ، وجُنِيَ عليهم بالخيانة في مالهم يقومان مقام الخائنين. ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾: بدل من ﴿آخَرَانِ﴾ الواقع مبتدأ، أو عطف بيان منه مرفوع بالألف؛ لأنه مثنى الأولى بمعنى: الأقربان من الميت الموصي، وعلى قراءة: ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بالبناء للفاعل، فـ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ فاعل ﴿اسْتَحَقَّ﴾، والتقدير: فآخران كائنان من الورثة الذين استحق المتقدم عليهم الأوليان منهم بالميت في إظهار كذب الخائنين يقومان مقام الخائنين في الشهادة واليمين لإظهار كذبهما. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)﴾. ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿يقسمان﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَقُومَانِ﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿بِاللهِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿لَشَهَادَتُنَا﴾: اللام: موطئة للقسم. ﴿شهادتنا﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَحَقُّ﴾، والجملة الإسمية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿اعْتَدَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الإسمية على كونها جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنَّا﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، ﴿نا﴾: ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها.

стр. 3382

﴿إِذًا﴾: حرف جواب زائد لتأكيد معنى الكلام، ولذلك لم تدخل على الفعل. ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: اللام: حرف ابتداء. ﴿من الظالمين﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿يَأتُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، وعلامة نصبه حذف النون، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية. ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: ذلك أدنى وأقرب إلى إتيانهم بالشهادة على وجهها. ﴿بِالشَّهَادَةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَأتُوا﴾. ﴿عَلَى وَجْهِهَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الشهادة. ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَأتُوا﴾. ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ﴾: ناصب وفعل مغيَّر ونائب فاعل، وجملة ﴿أَن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: أو يخافوا ردَّ أيمان. ﴿بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متلعق بـ ﴿تُرَدَّ﴾، أو صفة لـ ﴿أَيْمَانٌ﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَاسْمَعُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَاتَّقُوا﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَهْدِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول به. ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ صفة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. وقال بعضهم: هذه الآيات الثلاث في قراءتها وإعرابها وتفسيرها ومعانيها وأحكامها، من أصعب آي القرآن وأشكلها. وقال السخاوي: ولم أرَ أحدًا من العلماء تخلَّص كلامه فيها من أولها إلى آخرها، ونحن نريد إن شاء الله تعالى أن نضع عليها رسالة صغيرة في بيان معانيها وإعرابها وقراءتها بأوضح ما يمكن في بيانها، بعد ما فرغنا من هذا الشرح إن شاء الله ، ولذلك اختصرنا الكلام هنا في بيان ما يتعلق بها، وبالله التوفيق والهداية إلى أقوم الطريق.

стр. 3383

التصريف ومفردات اللغة ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾: الأصل (١) في أشياء على مذهب الخليل وسيبويه: شيئاء بوزن: لفعاء بهمزتين بينهما ألف، وهي فعلاء من لفظ شَيء، وهمزتها الثانية للتأنيث، وهي اسم جمع، كطرفاء وحلفاء، ولأجل همزة التأنيث لم تنصرف، ثم إن الهمزة الأولى التي هي لام الكلمة قدمت، فجعلت قبل الشين كراهية الهمزتين بينهما ألف، خصوصًا بعد الياء، فصار وزنها لفعاء، وهذا قول صحيح لا يرد عليه إشكال. ومذهب غيرهما: أنها جمع، واختلفوا فقال الكسائي وأبو حاتم: هو جمع شيء من غير تغيير؛ كبيت وأبيات، وهو غلط؛ لأن مثل هذا الجمع الذي كان على وزن أفعال ينصرف، وأشياء لا تنصرف لأجل ألف التأنيث، ولو كان وزنه أفعالًا لانصرفَ، ولم يسمع أشياء منصرفة ألبتة. وقال الكسائي: لم تنصرف أشياء لشبه آخرها بآخر حمراء، ولكثرة استعمالها، والعرب تقول: أشياوان كما تقول: حمراوان. وذهب الفراء والأخفش إلى أنها جمع على وزن أفعلاء، قال الفراء: شيء مخفف من شيء كما قالوا: أهوناء في جمع هين مخفف من هين. وقال الأخفش: ليس مخففًا من شيء، بل هو فعل جمع على أفعلاء، فاجتمع في هذين القولين همزتان: لام الكلمة وهمزة التأنيث، فقلبت الهمزة التي هي لام الكلمة ياء؛ لانكسار ما قبلها، ثم حذفت الياء التي هي عين الكلمة استخفافًا. وذهب قوم إلى أنَّ وزن شيء في الأصل شييىء، كصديق وأصدقاء، ثم حذفت الهمزة الأولى، وفتحت ياء المد؛ لكون ما بعدها ألفًا. قال: ووزنها في هذا القول: أفياء، وفي القول الذي قبله: أفلاء، وتقرير هذه المذاهب صحة وإبطالًا مذكور في علم التصريف. ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾: البحيرة فعلية بمعنى: مفعولة، فدخول تاء التأنيث عليها لا يقاس، ولكن لما جرت مجرى الأسماء الجوامد .. أنثت، واشتقاقها من البحر، والبحر: السعة، ومنه: بحر الماء لسعته.

стр. 3384

﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾: والسائبة هنا فيها قولان: أحدهما: أنها اسم فاعل على بابه من ساب الماء يسيب - كباع يبيع - إذا جرى على وجه الأرض، يقال: ساب الماء، وسابت الحية، وهو مطاوع سيبته، يقال: سيبته فساب وانساب. والثاني: أنها اسم فاعل بمعنى مفعول نحو قولهم: عيشة راضية؛ أي: مرضية، ومجىء فاعل بمعنى مفعول قليل جدًّا، نحو: ماء دافق اهـ "سمين". ﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾: الوصيلة فعلية بمعنى: فاعلة؛ لأنها إذا كانت من الإبل .. هي الناقة تبكر فتلد أنثى، ثم تثنّي بولادة أنثى أخرى ليس بينهما ذَكَر، فيتركونها لآلهتهم، ويقولون: قد وصلت أنثى بأنثى ليس بينهما ذكر. ﴿وَلَا حَامٍ﴾: والحامي اسم فاعل من حمى يحمي، كرمى يرمي، فهو حام؛ لأنه حمى ظهره من الركوب والحمل. وقال بعضهم: هو الفحل يولد من صلبه عشرة أبطن فيقولون: قد حمى ظهره فيتركونه كالسائبة. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: ﴿تَعَالَوْا﴾: فعل أمر بمعنى أقبلوا، مبني على حذف النون، وأصله: تعالوون، تحركت الواو الأولى، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فصار: تعالاون، فالتقى ساكنان: الألف والواو، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، وحذفت النون للبناء؛ لأن فعل الأمر مبني على ما يجزم به مضارعه، وهو بفتح اللام لكل مخاطب، ولو كان أنثى قال تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾. ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: الشهادة مصدر: شهد يشهد شهادة من باب علم، والشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة. ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ﴾ يقال: ضرب في الأرض إذا سافر فيها ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾؛ أي: تمسكونهما وتمنعونهما من الانطلاق والهرب، والحبس مصدر حبس يحبس حبسًا من باب ضرب، والحبس: المنع من التصرف، يقال: حبست أحبس وأحبست فرسًا في سبيل الله، فهو محبس وحبيس إذا وقفته للغزو. ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: شككتم في صدقهما فيما يقران به ﴿فَإِنْ عُثِر﴾؛ أي: اطلع، يقال: عثر على الرجل يعثر عثورًا من باب دخل ونصر، والعثور على الشيء: الاطلاع عليه من

стр. 3385

غير سبق طالب له، يقال (١): عثر على الرجل: اطلع عليه، مشتق من العشرة التي هي الوقوع، وذلك أن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه، فلما عثر به .. اطلع عليه ونظر ما هو، فلذلك قيل: لكل من اطلع على أمر كان خفيًّا عليه قد عثر عليه، ويقال: قد عثر عليه، وقد أعثر عليه إذا أطلعه عليه، ومنه: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أطلعنا، وأعثره عليه وقفه عليه وأعلمه به من حيث لم يكن يتوقع ذلك. وقال الليث: عثر يعثر عثورًا إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره، وعثر عثرة إذا وقع وسقط على شيء. قال أبو البقاء: العثور: مصدر عثر على الشيء إذا اطلع عليه، وأما مصدر عثر في مشيه ومنطقه ورأيه، فالعثار. انتهى. ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾: تثنية أولى بمعنى: أقرب، فقلبت الألف ياءً على حد قول ابن مالك: آخِرَ مَقْصُوْرٍ تُثَنِّي اجْعَلْهُ يَا ... إِنْ كَانَ عَنْ ثَلاَثَةٍ مُرْتَقِيَا البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التكرار في قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا﴾ ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا﴾، وفي: ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾. ومنها: الاستخدام في قوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾ وهو ذكر الشيء بمعنى وإعادة الضمير إليه بمعنى آخر، وهو من المحسنات البديعية؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾ عائد إلى الأشياء التي مست الحاجة إلى السؤال عنها، والمراد بالأشياء المنهي عن السؤال عنها: الأشياء التي لم يكن لهم حاجة إلى السؤال عنها؛ كقول بعضهم: من أبي؟ أين ضالتي؟ ومنها: التفنن في قوله: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ حيث قال هنا: ﴿مَا وَجَدْنَا﴾، وفي البقرة: ﴿مَا أَلْفَيْنَا﴾، وقال هنا: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهناك ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ للتفنن: وهو ذكر نوعين من الكلام؛ لثقل تكرار أحدهما على اللسان، وهو من المحسنات البديعية أيضًا.

стр. 3386

ومنها: الاستفهام الإنكاري التعجبي في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. ومنها: إطلاق الجملة الخبرية مرادًا بها معنى الطلبية في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾؛ لأنها بمعنى: فليشهد اثنان منكم. ومنها: التجوز بإضافة ﴿شَهَادَةُ﴾ إلى ﴿بَيْنِكُمْ﴾؛ لأن حق الشهادة أن تضاف إلى المشهود به، كأن يقال: شهادة الحقوق؛ أي: الشهادة بها، فاتسع فيها، وأضيفت إلى البين؛ إما باعتبار جريانها بينهم، أو باعتبار تعلقها بما يجري بينهم من الخصومات. ومنها: الاعتراض بـ ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ بين المبتدأ والخبر. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ لأنه مجاز عن حضور أسبابه ومقدماته. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الغيبة إلى الخطاب؛ لأنه لو جرى على لفظ: إذا حضر أحدكم الموت .. لكان الترتيب هكذا: إن هو ضرب في الأرض .. فأصابته. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. ومنها: التجوز بالجمع عن المثنى في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا﴾؛ لأن المقام لتثنية الضمير، وإنما جمع؛ لأن المراد ما يعمُّ الشاهدين المذكورين وغيرهما من بقية الناس كما مر. ومنها: الزيادة والحذف في مواضع. والله أعلم * * *

стр. 3387

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ...﴾ هو مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله لما أخبر بالحكم في شاهدي الوصية، وأمر بتقوى الله والسمع والطاعة .. ذكَّر بهذا اليوم المهول المخوف، وهو يوم القيامة، فجمع بذلك بين فضيحة الدنيا وعقوبة الآخرة لمن حرّف الشهادة، ولمن لم يتقِ الله ولم يسمع. التفسير وأوجه القراءة ١٠٩ - ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّد لأمتك قصة يومٍ يجمعُ الله المرلسلين والمرسل إليهم في صعيد واحد، وهو يوم القيامة. ﴿فَيَقُولُ﴾ الله للرسل؛ مشيرًا إلى خروجهم من عهدة الرسالة

стр. 3388

وتوبيخًا لأممهم: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾؛ أي: أيَّ إجابة أجابكم بها أممكم حين دعوتموهم في دار الدنيا إلى توحيدي وطاعتي، أهي إجابة قبول وإذعان، أو إجابة رد وإنكار؟ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال الرسل تفويضًا للأمر إلى العدل الحكيم العالم، وعلمًا منهم أن الأدب في السكوت والتفويض، وأنَّ قولهم لا يفيد خيرًا ولا يدفع شرًّا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾؛ أي؛ لا علم لنا كعلمك فيهم؛ لأنك تعلم ما أضمروا وما أظهروا، ونحن لا نعلم إلا ما أظهروا لنا، فعلمك فيهم أنفذ من علمنا وأبلغ، ولأن الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن، وهو معتبر في الدنيا؛ لأن الأحكام في الدنيا مبنية على الظن، وأما الأحكام في الآخرة: فهي مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور، ولا عبرة بالظن في القيامة، فلهذا السبب قالوا: لا علم لنا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ يا إلهنا ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾؛ أي: عالم الغيب والشهادة؛ أي: فإنك تعلم ما أجابوا وأظهروا لنا، وما لم نعلمه مما أضمروه في قلوبهم، وقيل: معناه: إنك لا يخفى عليك ما عندنا من العلوم، وإن الذي سألتنا عنه ليس بخاف عليك؛ لأنك أنت علام الغيوب؛ أي: العالم بأصناف المعلومات على تفاوتها بالنسبة إلى غيرك، ليس يخفى عليك خافية. وقيل: المعنى: لا علم لنا إلى جنب علمك، أو لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا، وإنما الحكم للخاتمة. وقيل: المعنى: لا علم لنا إلا علم ما أنت أعلم به منا. وقيل: إنهم ذهلوا عما أجاب به قومهم لهول المحشر. وقرأ ابن عباس وأبو حيوة (١): ﴿ماذا أجبتم﴾ مبنيًّا للفاعل. وقرأ: ﴿عَلَّامُ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ بتقدير الخبر لـ ﴿إنَّ﴾؛ أي: إنك أنت الموصوف بصفاتك المعروفة من العلم وغيره، ونصب ﴿عَلَّامُ﴾؛ إما على الاختصاص، أو على النداء. وقرأ حمزة وأبو بكر: ﴿الغيوب﴾ بكسر الغين حيث وقع، كأن من قال ذلك من العرب .. قد استثقل توالي ضمتين مع الياء، ففر إلى حركة مغايرة للضمة، مناسبة لمجاورة الياء وهي الكسرة. ١١٠ - و ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾، وهو

стр. 3389

تخصيص (١) بعد التعميم، وتخصيص عيسى من بين الرسل؛ لاختلاف طائفتي اليهود والنصارى فيه إفراطًا وتفريطًا؛ هذه تجعله إلهًا، وهذه تجعله كاذبًا. وقيل: هو منصوب باذكر. و ﴿قَالَ﴾ (٢) هنا بمعنى المضارع؛ لأن هذا القول يقع يوم القيامة مقدمة لقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. وعبارة (٣) "البيضاوي" هنا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾، والماضي بمعنى الآتي على حد، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ في أن الماضي أقيم مقام المضارع، وفي أن إذ واقعة موقع إذا التي للمستقبل لتحقق الوقوع، فكأنه واقع، أو نصب بإضمار اذكر. انتهت؛ أي: اذكر يا محمد لأمتك قصة إذ يقول الله لعيسى ابن مريم يوم القيامة ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾؛ أي: تذكر إنعامي عليك بما سيأتي ﴿و﴾ إنعامي ﴿عَلَى وَالِدَتِكَ﴾ وأمك مريم إذ أنبتها نباتًا حسنًا، وطهرتها واصطفيتها على نساء العالمين، ورزقتها من حيث لا تحتسب. ذكَّره (٤) نعمتهُ عليه وعلى أمه مع كونه ذاكرًا لها عالمًا بتفضل الله سبحانه بها؛ لقصد تعريف الأمم بما خصهما الله تعالى به من الكرامة، وميزهما به من علو المقام، أو لتأكيد الحجة وتبكيت الجاحد بأن منزلتهما عند الله هذه المنزلة، وتوبيخ من اتخذهما إلهين ببيان أن ذلك الإنعام عليهما كله من عند الله تعالى، وأنهما عبدان من جملة عباده منعم عليهما بنعم الله سبحانه، ليس لهما من الأمر شيء، وليس المراد بأمره بالذكر يومئذ - أي: يوم القيامة - تكليفه شكرها، والقيام بواجبها؛ إذ ليس هناك تكليف، بل المراد توبيخ الكفرة المختلفين في شأنه وشأن أمه إفراطًا وتفريطًا. انتهى "أبو السعود". وقوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: ظرف للنعمة؛ لأنها بمعنى المصدر؛ أي: اذكر إنعامي عليك وقت تأييدي إياك بروح القدس؛ أي: بجبريل الأمين؛ أي: إذ قويتك وأعنتك بروح القدس؛ أي: بجبريل المطهر من أوصام الآثام حين لقنك وأعانك في تكليم الناس في المهد، وثبتك في إقامة الحجة عليهم في

стр. 3390

الكهولة، فكان جبريل يسير معه حيث سار، يعينه على الحوادث التي تقع، ويلهمه المعارف والعلوم. وعبارة "الخازن" هنا: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني: بجبريل ﵇؛ لأن القدس هو الله تعالى؛ لأنه مصدر بمعنى: المقدس؛ أي: المطهر عن النقائص، وأضافه إليه على سبيل التشريف والتعظيم، كإضافة بيت الله وناقة الله. وقيل: أراد بروح القدس الروح المطهرة؛ لأن الأرواح تختلف باختلاف الماهية، فمنها روح طاهرة مقدسة نورانية، ومنها روح خبيثة كدرة ظلمانية، فخصَّ الله عيسى بالروح المقدسة الطاهرة النورانية المشرقة، وقد عدد عليه من النعم سبعًا: إذ أيدتك، وإذ علمتك، وإذ تخلق، وإذ تبرىء، وإذ تخرج الموتى، وإذ كففت، وإذ أوحيت. وقرأ الجمهور: ﴿أَيَّدْتُكَ﴾ بتشديد الياء من باب فعَّل المضعف. وقرأ مجاهد وابن محيصن: ﴿آيدتك﴾ فوزن هذه القراءة يحتاج في معرفته إلى نقل مضارعه من كلام العرب، فإن كان يؤايد .. فوزنه: فاعل، وإن كان يؤيد .. فهو أفعل، وجملة قوله: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ﴾ مبينة لمعنى التأييد، و ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ في محل النصب على الحال؛ أي: تكلم الناس حالة كونك طفلًا صغيرًا في الحجر والسرير بقولك: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، الآية ﴿و﴾ حالة كونك ﴿كَهْلًا﴾؛ أي: في زمن الكهولة؛ الزمن بين الثلاثين والأربعين؛ أي: تكلم الناس حال كونك صبيًّا وكهلًا، لا يتفاوت كلامك في الحالتين، مع أن غيرك يتفاوت كلامه فيهما تفاوتًا بينًا، وهذه معجزة عظيمة، وخاصة شريفة ليست لأحد قبله. قال ابن عباس ﵄ (١): أرسل الله عيسى ﵇ وهو ابن ثلاثين سنة، فمكث في رسالته ثلاثين شهرًا، ثم رفعه الله إليه، فذكر تكليمه في حال الكهولة لبيان أن كلامه في تينك الحالين كان على نسق واحد بديع، صادر عن كمال العقل والتدبير، ذكره "أبو السعود". والمعنى: اذكر يا محمد لأمتك

стр. 3391

قصة إذ يقول الله سبحانه يوم القيامة لعيسى ابن مريم: اذكر (١) بقلبك أو بلسانك إنعامي عليك وعلى والدتك حين تأييدي إياك بروح القدس، وتكليمك الناس في المهد بما يبرِّىء أمك من قول الآثمين الذين أنكروا عليها أن يكون لها غلام من غير زوج يكون أبًا له، وذلك قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾، وكهلًا حين بعثت فيهم رسولًا؛ تقيم عليهم الحجة في ما ضلوا به عن الصراط المستقيم. وفائدة هذا القصص: تنبيه النصارى الذين كانوا عمر التنزيل إلى قبح مقالتهم، وسوء معتقدهم؛ لأن طعن سائر الأمم كان مقصورًا على الأنبياء، وطعن هؤلاء تعدى إلى جلال الله وكبريائه؛ إذ وصفوه بما لا يليق به من اتخاذ الزوجة والولد. وقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ معطوف على قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾؛ أي: واذكر نعمتي عليك وقت تعليمي إياك ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: الكتابة والخط، أو المراد (٢): جنس الكتاب، فيكون ذكر التوراة والإنجيل من ذكر الخاص بعد العام، وتخصيصهما بالذكر؛ لمزيد اختصاصه بهما، أما التوراة: فقد كان يحتج بها على اليهود في غالب ما يدور بينه وبينهم من الجدال، كما هو مصرَّح بذلك في الإنجيل، وأما الإنجيل: فلكونه نازلًا عليه من عند الله ﴿و﴾ علمتك ﴿الْحِكْمَةَ﴾؛ أي: الفهم والاطلاع على أسرار العلوم النظرية والعملية ﴿و﴾ علمتك ﴿التَّوْرَاةَ﴾ التي أنزلتها على موسى ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ الذي أنزلته عليك. وذِكر الكِتابين (٣)؛ إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء ﵈، فإن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية لا يحصل إلا لمن صار ربانيًّا في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء. ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾؛ أي: واذكر نعمتي عليك؛ إذ

стр. 3392

تجعل قطعة من الطين والتراب المندّى مثل هيئة الطير وصورتها في شكلها، ومقادير أعضائها بإذني وأمري وتيسيري لك ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾؛ أي: في تلك القطعة المصورة من ريح فمك، فتكون تلك القطعة المصورة ﴿طَيْرًا﴾؛ أي: حيوانًا طائرًا مثل الخفاش ﴿بِإِذْنِي﴾؛ أي: بتكويني وتخليقي. وإنما قال (١) هنا: ﴿فِيهَا﴾، وفي سورة آل عمران: ﴿فيه﴾؛ لأن الضمير في قوله: ﴿فِيهَا﴾ يعود إلى الهيئة المصورة بجعلها مصدرًا بمعنى اسم المفعول؛ كالخلق؛ وذلك لأن النفخ لا يكون في الهيئة، إنما يكون في المهيأ ذي الهيئة، ويجوز أن يعود الضمير إلى الطير؛ لأنها مؤنثة قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات﴾ وأما الضمير المذكور في آل عمران في قوله: ﴿فيه﴾، فيعود إلى الكاف يعني: في ذلك الشيء المماثل لهيئة الطير، وإنما كرر قوله: ﴿بِإِذْنِي﴾؛ تأكيدًا لكون ذلك الخلق واقعًا بقدرة الله تعالى وتخليقه، لا بقدرة عيسى ﵇ وتخليقه؛ لأن المخلوق لا يخلق شيئًا، إنما خالق الأشياء كلها هو الله تعالى لا خالق لها سواه، وإنما كان الخلق لهذا الطير معجزة لعيسى ﵇ أكرمه الله تعالى بها. وقرأ ابن عباس (٢): ﴿فتنفخها فتكون﴾، وقرأ الجمهور: ﴿فَتكُونُ﴾ بالتاء من فوق، وقرأ عيسى ابن عمر: ﴿فيها فيكون﴾ بالياء من تحت. وقرأ (٣) نافع ويعقوب: ﴿طائرًا﴾، ويحتمل الإفراد والجمع كالباقر. ﴿و﴾ اذكر نعمتي عليك إذ ﴿تُبْرِئُ﴾ وتشفي ﴿الْأَكْمَهَ﴾، أي: الأعمى المطموس البصر الذي ولد كذلك ﴿و﴾ تبرىء ﴿الْأَبْرَصَ﴾؛ أي: صاحب البرص، وهو داء معروف يبيض منه الجلد. ﴿بِإِذْنِي﴾ لك، وتسهيله عليك، وتيسيره لك ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ من قبورهم أحياء ﴿بِإِذْنِي﴾؛ أي: بفعلي ذلك عند دعائك وقولك للميت: أخرج بإذن الله من قبرك، فيكون ذلك آية لك عظيمة. وتكرير ﴿بِإِذْنِي﴾ في المواضع الأربعة؛ للاعتناء بأن ذلك كله من جهة الله،

стр. 3393

ليس لعيسى ﵇ فيه فعل إلا مجرد امتثاله لأمر الله سبحانه كما مرَّ. وإنما قال في آل عمران (١): ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ مرتين، وقال هنا: ﴿بِإِذْنِي﴾ أربع مرات عقيب أربع جمل؛ لأن ما هنا موضع ذكر النعمة والامتنان بها، فناسب الإسهاب والإطناب، وما هناك موضع إخبار لبني إسرائيل، فناسب الإيجاز. وقوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ﴾ معطوف على ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ﴾؛ أي: واذكر نعمتي عليك حين كففت ودفعت وصرفت ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾؛ أي: اليهود حين أرادوا قتلك، فلم يتمكنوا منه، وقوله: ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ظرف لـ ﴿كَفَفْتُ﴾؛ أي: إذ جئتهم بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقك؛ أي: بما ذكر هنا، وما لم يذكر؛ كالإخبار بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وغير ذلك من معجزاته، فـ (ال) فيه للجنس، وذلك أن عيسى ﵇ لما أتى بهذه المعجزات العجيبة الباهرة .. قصد اليهود قتله، فخلصه منهم ورفعه إلى السماء. ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: فقال الذين استمروا على كفرهم من اليهود، ولم يؤمنوا بهذه المعجزات: ﴿إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا الذي جاء به عيسى من المعجزات ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: بين واضح. وقرأ حمزة والكسائي هنا، وفي هود، والصف، ويونس (٢): ﴿ساحر﴾ بالألف، والإشارة حينئذ إلى عيسى؛ أي: ما هذا الرجل وهو عيسى ﵇ إلا ساحر ظاهر. وقرأ ابن عامر وعاصم في يونس فقط بالألف. وقرأ باقي السبعة: ﴿سِحْر﴾ بكسر السين وسكون الحاء؛ أي: ما هذا الذي جاء به عيسى من الخوارق إلا سحر مبين، أو ما هذا؛ أي: عيسى إلا سحر مبين، وهذا على سبيل المبالغة؛ أو على حذف مضاف. والخلاصة (٣): أنهم لا يعتدون بما جاء على يديه من الآيات وخوارق

стр. 3394

العادات، ولا يؤمنون به، وإن جاء بآيات أخرى؛ إذ لم يكن طعنهم لشبهات تتصل بها، بل كان عنادًا ومكابرةً، ومن ثَمَّ ادعوا أن السحر صنعته، والتمويه وقلب الحقائق دأبه وعادته. ١١١ - وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ معطوف على ما قبله؛ أي: واذكر نعمتي عليك حين أوحيت إلى الحواريين وألهمتهم، وقذفت في قلوبهم، وقد كذبك جمهور بني إسرائيل، وجعلتهم أنصارًا لك يؤيدون دعوتك وينشرون شريعتك. فالوحي بمعنى الإلهام، وقيل: أمرتهم على ألسنة الرسل من قبلك ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾؛ أي: أن صدقوا بوحدانيتي في الألوهية، وصدقوا برسالة رسولي عيسى ﵇، والحواريون: هم أصحاب عيسى وخواصه ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾: جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، كأنه قيل: ماذا قالوا؟ فقال: قالوا آمنا؛ أي: قال الحواريون للرب ﷻ ، أو لعيسى: آمنا وصدقنا بوحدانيته تعالى، وبرسالة رسوله عيسى ﵇ ﴿وَاشْهَدْ﴾ أنت يا رب أو يا عيسى ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: مخلصون في إيماننا، فأشهدوا الله على أنفسهم أنهم مسلمون؛ أي: مخلصون في إيمانهم، مذعنون لأوامره وتاركون لنواهيه، وإنما قدم (١) ذكر الإيمان على الإِسلام؛ لأن الإيمان من أعمال القلوب، والإِسلام والانقياد والخضوع في الظاهر، والمعنى: أنهم آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم. قال أبو حيان في "البحر": وتقدم نظير هذه الجملة في آل عمران إلا أنه هناك قال: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ لأنه تقدم ذكر الله فقط في قوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ وهنا قال: ﴿آمَنَّا﴾، فلم يقيد بلفظ الجلالة؛ إذ قد تقدم ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ وقال هناك: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا﴾، وهنا قال: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا﴾، وهذا هو الأصل؛ إذ ﴿أن﴾ محذوف منه النون لاجتماع الأمثال انتهى. ١١٢ - ثم ذكر الله كلامًا منقطعًا عما قبله؛ ليبين ما جرى بينه ﵇ وبين قومه عقب حكاية ما صدر من الحواريين من المقالة المعدودة من

стр. 3395

نعم الله عليه، فقال: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لأمتك قصة حين قال الحواريون لعيسى ﵇. ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾؛ أي: هل يرضى ربك ويختار ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: أن يهبط لنا من السماء خوانًا وطبقًا عليها طعام، فنأكل منه إذا نحن سألناه، أو سألته لنا ذلك؟ قرأ الجمهور: ﴿يَسْتَطِيعُ﴾ بالياء على الغيبة، ورفع ﴿رَبُّكَ﴾؛ أي: هل يفعل ربك ذلك إن سألته لنا أو سألناه نحن؟ قال ابن الأنباري: ولا (١) يجوز لأحد أن يتوهم أن الحواريين شكُّوا في قدرة الله، وإنما هذا كما يقول الإنسان لصاحبه: هل تستطيع أن تقوم معي؟ وهو يعلم أنه مستطيع، ولكنه يريد: هل يسهل عليك ذلك؟ وقال أبو علي: المعنى: هل يفعل ذلك بمسألتك إياه، وزعم بعضهم أنهم قالوا ذلك قبل استحكام إيمانهم ومعرفتهم، فرد عليهم عيسى بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أن تنسبوه إلى عجز، والأول أصح. وفسر (٢) بعضهم الاستطاعة بمعنى: القدرة، وقالوا: إن هذا السؤال لا يصدر عن مؤمن صحيح الإيمان، وأجابوا عن ذلك بعدة أجوبة: الأول: أن هذا السؤال لأجل اطمئنان القلب بإيمان العيان، لا للشك في قدرة الله على ذلك؛ كما سأل إبراهيم ﵇ رؤية كيفية إحياء الموتى ليطمئن قلبه بإيمان الشهادة والمعاينة مع إقراره بإيمانه بذلك الغيب. الثاني: أنه سؤال عن الاستطاعة بحسب الحكمة الإلهية؛ أي: هل ينافي الحكمة الإلهية أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ فإن ما ينافي الحكمة لا يقع، وإن كان مما تتعلق به القدرة؛ كعقاب المحسن على إحسانه، وإثابة الظالم على ظلمه. الثالث: أن المراد: هل تستطيع سؤال ربك؟ وقرأ الكسائي (٣): ﴿تستطيع﴾ بتاء الخطاب لعيسى، و ﴿رَبُّكَ﴾ بالنصب على التعظيم، بإدغام اللام في التاء، وبه قرأ علي وابن عباس، وسعيد بن جبير،

стр. 3396

ومجاهد وعائشة، والمعنى عليها: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك؟ ولا إشكال على هذه القراءة. ﴿قَالَ﴾ لهم عيسى ابن مريم ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أن تسألوه شيئًا لم تسأله الأمم من قبلكم، وقيل: المعنى: خافوا عقاب الله في أن تقترحوا عليه أمثال هذه المقترحات التي كان سلفكم يقترحها على موسى؛ لئلا تكود فتنة لكم، فإنَّ من شأن المؤمن الصادق أن لا يجرب ربه باقتراح الآيات. وقيل: المعنى: اتقوا الله، وقوموا بما يوجبه الإيمان من العمل والتوكل عليه تعالى عسى أن يوفقكم إلى ذلك. وقيل: المعنى: اتقوا الله في اقتراح معجزة لم يسبق لها مثال بعد تقدم معجزات كثيرة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بكمال قدرته تعالى، وبصحة نبوتي، أو إن صدقتم في ادعاء الإيمان والإِسلام .. فإن ذلك مما يوجب التقوى والاجتناب عن أمثال هذه الاقتراحات. وقيل: أمرهم بالتقوى؛ ليصير ذلك ذريعة لحصول المسؤول، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ انتهى "أبو السعود". ١١٣ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال الحواريون ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأكُلَ مِنْهَا﴾ هذا بيان للمسبب الحامل لهم على السؤال؛ أي: لسنا نريد بسؤال المائدة إزالة شبهتنا في قدرته تعالى على تنزيلها، أو في صحة نبوتك حتى يقدح ذلك في الإيمان والتقوى، بل سبب سؤالنا أنا نريد أن نأكل من تلك المائدة أكل تبرك. وقيل: أكل حاجة وتمتع. ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾؛ أي: تسكن قلوبنا، وتستيقن بكمال قدرة الله تعالى؛ لأنا - وإن علمنا قدرة الله بالدليل - إذا شاهدنا نزول المائدة .. ازداد اليقين، وقويت الطمأنينة بأنك مرسل إلينا من عنده تعالى، أو بأن الله قد أجابنا إلى ما سألناه. وقال (١) ابن عباس: قال لهم عيسى: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا، ثم لا تسألونه شيئًا إلا أعطاكم إياه، فصاموا، ثم سألوا المائدة. ﴿وَنَعْلَمَ﴾ علمًا يقينيًّا ﴿أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾؛ أي: نعلم أنك قد صدقتنا في دعوى النبوة، وفي أن الله يجيب دعوتنا، وفي قولك (٢): أنا إذا صمنا ثلاثين يومًا .. لا نسأل الله

стр. 3397

تعالى شيئًا إلا أعطانا إياه. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ عند من لم يحضرها من بني إسرائيل، أو من سائر الناس، وهذه المعجزة سماوية، وهي أعظم وأعجب، فإذا شاهدناها .. كنا عليها من الشاهدين، نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل؛ ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينًا، ويؤمن بسببها كفارهم، أو نكون من الشاهدين لله بكمال القدرة، ولك بالنبوة بسبب مشاهدتها. والحاصل: أنهم قالوا: نطلبها لفوائد: ١ - أننا نريد أن نأكل منها؛ لأننا محتاجون إلى الطعام، فإن الجوع قد غلبنا، ولا نجد طعامًا آخر. ٢ - أننا إذا شاهدنا نزولها .. ازداد اليقين وقويت الطمأنينة؛ إذ ينضم علم المشاهدة باللمس والذوق والشم إلى علم السمع منك، وعلم النظر والاستدلال. ٣ - أن نكون من الشاهدين على هذه الآية عند بني إسرائيل الذين لم يحضروها، أو من الشاهدين لله بكمال القدرة، ولك بالرسالة، وبذا يؤمن المستعد للإيمان، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا. وقرأ ابن جبير (١): ﴿وَنَعْلَمَ﴾ بضم النون مبنيًّا للمفعول، وهكذا في كتاب "التحرير والتحبير"، وفي كتاب "ابن عطية" وقرأ سعيد بن جبير: ﴿ويُعلَم﴾ بالياء المضمومة، والضمير عائد على القلوب، وفي كتاب الزمخشري: ﴿ويعلم﴾ بالياء على البناء للمفعول. وقرأ الأعمش: ﴿وتعلم﴾ بالتاء؛ أي: وتعلمه قلوبنا. وقرأ الجمهور ﴿وَنَكُونَ﴾ بالنون، وفي كتاب "التحرير والتحبير" وقرأ سنان وعيسى: ﴿وتكون عليها﴾ بالتاء الفوقانية. ١١٤ - ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ أي: لما رأى عيسى ابن مريم أن لهم غرضًا صحيحًا في ذلك السؤال .. قام واغتسل ولبس المسح (٢) وصلى ركعتين، فطأطأ رأسه

стр. 3398

وغض بصره، وقال: ﴿اللَّهُمَّ﴾ يا ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا﴾ معشر المؤمنين ﴿مَائِدَةً﴾؛ أي: خوانًا عليه طعام ﴿مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾؛ أي: نتخذ يوم نزولها عيدًا نعظمه ونصلي فيه، وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ بدل من ﴿لَنَا﴾ بإعادة الجار؛ أي: يكون يوم نزولها عيدًا لأهل زماننا، ولمن يجيء بعدنا لكي نعبدك فيه، فنزلت في يوم الأحد، فاتخذه النصارى عيدًا لهم ﴿و﴾ هو تكون ﴿آيَةً﴾ صادرة ﴿مِنْكَ﴾ لنا دالة على وحدانيتك وكمال قدرتك، وصحة نبوة رسولك عيسى ﵇ ﴿وَارْزُقْنَا﴾؛ أي: وأعطنا هذه المائدة المطلوبة لنا، أو ارزقنا رزقًا نستعين به على عبادتك. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وأفضل المعطين، بل لا رازق في الحقيقة غيرك، ولا معطي سواك. والمعنى: أن (١) عيسى ﵇ لما علم صحة قصدهم، وأنهم لا يريدون تعجيزه، ولا اقتراح آية .. دعا الله بهذا الدعاء، وناداه بالاسم الكريم الدال على الألوهية والقدرة والحكمة إلى نحو ذلك من صفات الكمال، ثم باسم الرب الجامع لمعنى الملك والتدبير والتربية والإنعام؛ أي: يا الله، يا مالك أمرنا، ومتولي تربيتنا أنزل علينا مائدة سماوية يراها هؤلاء المقترحون بأبصارهم، وتتغذى بها أبدانهم، وتكون عيدًا خاصًّا بنا معشر المؤمنين دون غيرنا، بأول من آمن منا، وآخر من آمن، واجعلها علامة من لدنك ترشد القوم إلى صحة دعوتي وصدق نبوتي، وارزقنا منها ومن غيرها ما به تتغذى أجسامنا، فأنت خير الرازقين، ترزق من تشاء بغير حساب، ومن محاسن هذا الدعاء: أنه أخَّر ذكر الفائدة المادية للمائدة عن ذكر فائدتها الدينية الروحية بعكس ما فعله الحواريون؛ إذ قدموا الأكل على غيره من الفوائد الأخرى. وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَكُونُ لَنَا﴾ على أن الجملة صفة لـ ﴿مَائِدَةً﴾. وقرأ عبد الله والأعمش: ﴿يكن﴾ بالجزم على جواب الأمر، والمعنى: يكن يوم نزولها عيدًا وهو يوم الأحد، ومن أجل ذلك اتخذه النصارى عيدًا كما مرَّ. وقيل: العيد: السرور والفرح، ولذلك يقال: يوم عيد، فالمعنى: يكون لنا سرورًا وفرحًا. وقرأ زيد بن ثابت وابن محيصن والجحدري: ﴿لأُولانا وأُخرانا﴾ أنَّثوا

стр. 3399

على معنى الأمة والجماعة. وقرأ ابن السميقع وابن محيصن والضحاك: ﴿وأنه منك﴾ بفتح الهمزة وبنون مشددة، والضمير في ﴿وأنه﴾ إما للعيد أو الإنزال. ١١٥ - فأجاب الله دعاء عيسى ﵇ فـ ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا﴾؛ أي: المائدة المطلوبة لكم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها الحواريون، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم: ﴿مُنَزِّلُهَا﴾ مشددأ، وقرأ باقي السبعة مخففًا، والأعمش وطلحة بن مصرف: ﴿إني سأنزلها﴾ بسين الاستقبال؛ أي: وعد الله تعالى عيسى ﵇ بإنزال المائدة مرة أو مرارًا، لكنه رتب شرطًا على هذا الوعد فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ﴾؛ أي: بعد نزولها ﴿مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾؛ أي: تعذيبًا، كالسلام بمعنى التسليم، والضمير (١) في ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾، للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به .. لم يكن بد من الباء؛ أي: إني أعذب من يكفر تعذيبًا لا أعذب مثل ذلك التعذيب ﴿أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: من عالمي زمانهم، أو العالمين مطلقًا، فجحدوا وكفروا بعد نزول المائدة، فمسخوا خنازير، فلم يعذب بمثل ذلك غيرهم، وفي هذا من التهديد والترهيب ما لا يقادر قدره. والخلاصة (٢): أن من يكفر منكم بعد نزول هذه الآية التي اقترحتموها، وجاءت بطريق لا لبس فيه ولا شك .. فإني أعذبه عذابًا شديدًا لا أعذب مثله أحدًا من سائر كفار العالمين؛ لأن عقاب المخطىء أو الكافر يكون بقدر تأثير الخطيئة أو الكفر في نفسه، والبعد فيه عن الشبهة والعذر، وأيُّ شبهة أو عذر لمن يرى الآيات من رسوله تترى، ثم يقترح آية خاصة تشترك في العلم بها حواسه جميعًا ويتنفع بها في دنياه قبل آخرته، فيعطى ما طلب، ثم ينكص بعد ذلك كله على عقبيه، ويكون من الكافرين؟! وللعلماء في الطعام الذي نزل في المائدة آراء، فقيل: هو خبز وسمك، وقيل: خبز ولحم، وقيل: كان ينزل عليهم طعامًا أينما ذهبوا؛ كما كان ينزل المن على بني إسرائيل، كما رواه ابن جرير عن ابن عباس.

стр. 3400

فائدة في المائدة: وروي عن سلمان (١) الفارسي: أنَّ عيسى ﵇ لما أراد الدعاء .. لبس صوفًا، ثم قال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا﴾ الخ، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها، وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها، حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى ﵇، وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، وقال لهم: ليقم أحسنكم عملًا يكشف عنها، ويذكر اسم الله عليها، ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنتَ أولى بذلك، فقام عيسى، وتوضأ، وصلى، وبكى، ثم كشف المنديل، وقال: باسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسمًا، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من الألوان ما خلا الكرَّاث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون: يا روح الله من طعام الدنيا هذا، أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس منهما، ولكنه شيء خلقه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا .. يمددكم الله ويزدكم من فضله، فقال الحواريون: لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة احيي بإذن الله، فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية، ثم طارت المائدة، ثم عصوا وقالوا بعد النزول والأكل: هذا سحر مبين، فمسخ الله منهم ثلاث مئة وثلاثين رجلًا، باتوا ليلتهم مع نسائهم، ثم أصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة في الحشوش، ولما أبصرت الخنازير عيسى ﵇ .. بكت وجعلت تطيف به، وجعل يدعوهم بأسمائهم واحدًا بعد واحد، فيبكون ويشيرون برؤوسهم، ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا. والله أعلم. الإعراب ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾.
следующие страницы →