ومجاهد وعائشة، والمعنى عليها: هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك؟ ولا إشكال على هذه القراءة.
﴿قَالَ﴾ لهم عيسى ابن مريم ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أن تسألوه شيئًا لم تسأله الأمم من قبلكم، وقيل: المعنى: خافوا عقاب الله في أن تقترحوا عليه أمثال هذه المقترحات التي كان سلفكم يقترحها على موسى؛ لئلا تكود فتنة لكم، فإنَّ من شأن المؤمن الصادق أن لا يجرب ربه باقتراح الآيات. وقيل: المعنى: اتقوا الله، وقوموا بما يوجبه الإيمان من العمل والتوكل عليه تعالى عسى أن يوفقكم إلى ذلك. وقيل: المعنى: اتقوا الله في اقتراح معجزة لم يسبق لها مثال بعد تقدم معجزات كثيرة ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بكمال قدرته تعالى، وبصحة نبوتي، أو إن صدقتم في ادعاء الإيمان والإِسلام .. فإن ذلك مما يوجب التقوى والاجتناب عن أمثال هذه الاقتراحات. وقيل: أمرهم بالتقوى؛ ليصير ذلك ذريعة لحصول المسؤول، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ انتهى "أبو السعود".
١١٣ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال الحواريون ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأكُلَ مِنْهَا﴾ هذا بيان للمسبب الحامل لهم على السؤال؛ أي: لسنا نريد بسؤال المائدة إزالة شبهتنا في قدرته تعالى على تنزيلها، أو في صحة نبوتك حتى يقدح ذلك في الإيمان والتقوى، بل سبب سؤالنا أنا نريد أن نأكل من تلك المائدة أكل تبرك. وقيل: أكل حاجة وتمتع. ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾؛ أي: تسكن قلوبنا، وتستيقن بكمال قدرة الله تعالى؛ لأنا - وإن علمنا قدرة الله بالدليل - إذا شاهدنا نزول المائدة .. ازداد اليقين، وقويت الطمأنينة بأنك مرسل إلينا من عنده تعالى، أو بأن الله قد أجابنا إلى ما سألناه. وقال (١) ابن عباس: قال لهم عيسى: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا، ثم لا تسألونه شيئًا إلا أعطاكم إياه، فصاموا، ثم سألوا المائدة. ﴿وَنَعْلَمَ﴾ علمًا يقينيًّا ﴿أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾؛ أي: نعلم أنك قد صدقتنا في دعوى النبوة، وفي أن الله يجيب دعوتنا، وفي قولك (٢): أنا إذا صمنا ثلاثين يومًا .. لا نسأل الله
стр. 3397
تعالى شيئًا إلا أعطانا إياه. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ عند من لم يحضرها من بني إسرائيل، أو من سائر الناس، وهذه المعجزة سماوية، وهي أعظم وأعجب، فإذا شاهدناها .. كنا عليها من الشاهدين، نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل؛ ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينًا، ويؤمن بسببها كفارهم، أو نكون من الشاهدين لله بكمال القدرة، ولك بالنبوة بسبب مشاهدتها.
والحاصل: أنهم قالوا: نطلبها لفوائد:
١ - أننا نريد أن نأكل منها؛ لأننا محتاجون إلى الطعام، فإن الجوع قد غلبنا، ولا نجد طعامًا آخر.
٢ - أننا إذا شاهدنا نزولها .. ازداد اليقين وقويت الطمأنينة؛ إذ ينضم علم المشاهدة باللمس والذوق والشم إلى علم السمع منك، وعلم النظر والاستدلال.
٣ - أن نكون من الشاهدين على هذه الآية عند بني إسرائيل الذين لم يحضروها، أو من الشاهدين لله بكمال القدرة، ولك بالرسالة، وبذا يؤمن المستعد للإيمان، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا.
وقرأ ابن جبير (١): ﴿وَنَعْلَمَ﴾ بضم النون مبنيًّا للمفعول، وهكذا في كتاب "التحرير والتحبير"، وفي كتاب "ابن عطية" وقرأ سعيد بن جبير: ﴿ويُعلَم﴾ بالياء المضمومة، والضمير عائد على القلوب، وفي كتاب الزمخشري: ﴿ويعلم﴾ بالياء على البناء للمفعول. وقرأ الأعمش: ﴿وتعلم﴾ بالتاء؛ أي: وتعلمه قلوبنا. وقرأ الجمهور ﴿وَنَكُونَ﴾ بالنون، وفي كتاب "التحرير والتحبير" وقرأ سنان وعيسى: ﴿وتكون عليها﴾ بالتاء الفوقانية.
١١٤ - ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ أي: لما رأى عيسى ابن مريم أن لهم غرضًا صحيحًا في ذلك السؤال .. قام واغتسل ولبس المسح (٢) وصلى ركعتين، فطأطأ رأسه
стр. 3398
وغض بصره، وقال: ﴿اللَّهُمَّ﴾ يا ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا﴾ معشر المؤمنين ﴿مَائِدَةً﴾؛ أي: خوانًا عليه طعام ﴿مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾؛ أي: نتخذ يوم نزولها عيدًا نعظمه ونصلي فيه، وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ بدل من ﴿لَنَا﴾ بإعادة الجار؛ أي: يكون يوم نزولها عيدًا لأهل زماننا، ولمن يجيء بعدنا لكي نعبدك فيه، فنزلت في يوم الأحد، فاتخذه النصارى عيدًا لهم ﴿و﴾ هو تكون ﴿آيَةً﴾ صادرة ﴿مِنْكَ﴾ لنا دالة على وحدانيتك وكمال قدرتك، وصحة نبوة رسولك عيسى ﵇ ﴿وَارْزُقْنَا﴾؛ أي: وأعطنا هذه المائدة المطلوبة لنا، أو ارزقنا رزقًا نستعين به على عبادتك. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وأفضل المعطين، بل لا رازق في الحقيقة غيرك، ولا معطي سواك. والمعنى: أن (١) عيسى ﵇ لما علم صحة قصدهم، وأنهم لا يريدون تعجيزه، ولا اقتراح آية .. دعا الله بهذا الدعاء، وناداه بالاسم الكريم الدال على الألوهية والقدرة والحكمة إلى نحو ذلك من صفات الكمال، ثم باسم الرب الجامع لمعنى الملك والتدبير والتربية والإنعام؛ أي: يا الله، يا مالك أمرنا، ومتولي تربيتنا أنزل علينا مائدة سماوية يراها هؤلاء المقترحون بأبصارهم، وتتغذى بها أبدانهم، وتكون عيدًا خاصًّا بنا معشر المؤمنين دون غيرنا، بأول من آمن منا، وآخر من آمن، واجعلها علامة من لدنك ترشد القوم إلى صحة دعوتي وصدق نبوتي، وارزقنا منها ومن غيرها ما به تتغذى أجسامنا، فأنت خير الرازقين، ترزق من تشاء بغير حساب، ومن محاسن هذا الدعاء: أنه أخَّر ذكر الفائدة المادية للمائدة عن ذكر فائدتها الدينية الروحية بعكس ما فعله الحواريون؛ إذ قدموا الأكل على غيره من الفوائد الأخرى.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَكُونُ لَنَا﴾ على أن الجملة صفة لـ ﴿مَائِدَةً﴾. وقرأ عبد الله والأعمش: ﴿يكن﴾ بالجزم على جواب الأمر، والمعنى: يكن يوم نزولها عيدًا وهو يوم الأحد، ومن أجل ذلك اتخذه النصارى عيدًا كما مرَّ. وقيل: العيد: السرور والفرح، ولذلك يقال: يوم عيد، فالمعنى: يكون لنا سرورًا وفرحًا. وقرأ زيد بن ثابت وابن محيصن والجحدري: ﴿لأُولانا وأُخرانا﴾ أنَّثوا
стр. 3399
على معنى الأمة والجماعة. وقرأ ابن السميقع وابن محيصن والضحاك: ﴿وأنه منك﴾ بفتح الهمزة وبنون مشددة، والضمير في ﴿وأنه﴾ إما للعيد أو الإنزال.
١١٥ - فأجاب الله دعاء عيسى ﵇ فـ ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا﴾؛ أي: المائدة المطلوبة لكم ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها الحواريون، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم: ﴿مُنَزِّلُهَا﴾ مشددأ، وقرأ باقي السبعة مخففًا، والأعمش وطلحة بن مصرف: ﴿إني سأنزلها﴾ بسين الاستقبال؛ أي: وعد الله تعالى عيسى ﵇ بإنزال المائدة مرة أو مرارًا، لكنه رتب شرطًا على هذا الوعد فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ﴾؛ أي: بعد نزولها ﴿مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا﴾؛ أي: تعذيبًا، كالسلام بمعنى التسليم، والضمير (١) في ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾، للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به .. لم يكن بد من الباء؛ أي: إني أعذب من يكفر تعذيبًا لا أعذب مثل ذلك التعذيب ﴿أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: من عالمي زمانهم، أو العالمين مطلقًا، فجحدوا وكفروا بعد نزول المائدة، فمسخوا خنازير، فلم يعذب بمثل ذلك غيرهم، وفي هذا من التهديد والترهيب ما لا يقادر قدره.
والخلاصة (٢): أن من يكفر منكم بعد نزول هذه الآية التي اقترحتموها، وجاءت بطريق لا لبس فيه ولا شك .. فإني أعذبه عذابًا شديدًا لا أعذب مثله أحدًا من سائر كفار العالمين؛ لأن عقاب المخطىء أو الكافر يكون بقدر تأثير الخطيئة أو الكفر في نفسه، والبعد فيه عن الشبهة والعذر، وأيُّ شبهة أو عذر لمن يرى الآيات من رسوله تترى، ثم يقترح آية خاصة تشترك في العلم بها حواسه جميعًا ويتنفع بها في دنياه قبل آخرته، فيعطى ما طلب، ثم ينكص بعد ذلك كله على عقبيه، ويكون من الكافرين؟!
وللعلماء في الطعام الذي نزل في المائدة آراء، فقيل: هو خبز وسمك، وقيل: خبز ولحم، وقيل: كان ينزل عليهم طعامًا أينما ذهبوا؛ كما كان ينزل المن على بني إسرائيل، كما رواه ابن جرير عن ابن عباس.
стр. 3400
فائدة في المائدة: وروي عن سلمان (١) الفارسي: أنَّ عيسى ﵇ لما أراد الدعاء .. لبس صوفًا، ثم قال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا﴾ الخ، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها، وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها، حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى ﵇، وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، وقال لهم: ليقم أحسنكم عملًا يكشف عنها، ويذكر اسم الله عليها، ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنتَ أولى بذلك، فقام عيسى، وتوضأ، وصلى، وبكى، ثم كشف المنديل، وقال: باسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسمًا، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من الألوان ما خلا الكرَّاث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون: يا روح الله من طعام الدنيا هذا، أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس منهما، ولكنه شيء خلقه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا .. يمددكم الله ويزدكم من فضله، فقال الحواريون: لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة احيي بإذن الله، فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية، ثم طارت المائدة، ثم عصوا وقالوا بعد النزول والأكل: هذا سحر مبين، فمسخ الله منهم ثلاث مئة وثلاثين رجلًا، باتوا ليلتهم مع نسائهم، ثم أصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة في الحشوش، ولما أبصرت الخنازير عيسى ﵇ .. بكت وجعلت تطيف به، وجعل يدعوهم بأسمائهم واحدًا بعد واحد، فيبكون ويشيرون برؤوسهم، ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام، ثم هلكوا. والله أعلم.
الإعراب
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾.
стр. 3401
﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف جوازًا تقديره: اذكر، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿فَيَقُولُ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿يقول﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يَجْمَعُ﴾. ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ مقول محكي لـ ﴿يقول﴾، وإن شئت قلت: ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أُجِبْتُمْ﴾ مقدم عليه وجوبًا؛ لكونه مما يلزم الصدارة. ﴿أُجِبْتُمْ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿يقول﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ آخر الآية: مقول لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿عِلْمَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لَا﴾ تقديره: لا علم موجود لنا، وجملة ﴿لَا﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّكَ﴾: وإن: حرف نصب، والكاف: في محل النصب اسمها. ﴿أَنْتَ﴾: ضمير رفع منفصل مستعار لضمير النصب في محل النصب توكيد لاسم ﴿إن﴾. ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: خبر ﴿إن﴾، ومضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، مسوقة لتعليل ما قبلها، وفي "الفتوحات" (١): قوله: ﴿إنَّكَ أَنْتَ﴾: ﴿أَنْتَ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أن يكون توكيدًا لاسم ﴿إن﴾، فيكون منصوب المحل، وأن يكون مبتدأ خبره ما بعده، والجملة خبر ﴿إن﴾، وأن يكون فصلًا، وفيه الخلاف المشهور؛ هل له محل من الإعراب، أم لا؟ وإذا قيل: إن له محلًا من الإعراب، فهل يعرف بإعراب ما قبله كقول الفراء، فيكون في محل نصب، أو بإعراب ما بعده، فيكون في محل رفع، كقول الكسائي؟
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، ولكن بمعنى إذا التي للاستقبال متعلق بمحذوف تقديره: اذكر. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ بمعنى المضارع؛ لأن هذا القول
стр. 3402
يقع يوم القيامة مقدمة لقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا﴾ حرف نداء. ﴿عِيسَى﴾: منادى مفرد العلم في محل النصب مبني بضم مقدر منع من ظهوره التعذر. ﴿ابْنَ﴾: صفة له تابع لمحله منصوب. ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه. وإذا كان (١) المنادى علمًا مفردًا ظاهر الضم موصوفًا بابن متصلٍ مضافٍ إلى عَلَمٍ .. جاز فتحه إتباعًا لفتحة ابن، وضمه على البناء الأصلي فيه، هذا على مذهب الجمهور. وأجاز الفراء، وتبعه أبو البقاء فيما لا يظهر فيه الضم - كما هنا - تقدير ضم البناء، وفتح الإتباع لابن، كما قال ابن مالك:
وَنَحْوِ زَيْدٍ ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ ... نَحْوِ أَزَيْدُ بْنَ سَعِيْدٍ لاَتَهِنْ
ويجوز أن يكون المنادى في هذا التركيب منصوبًا؛ لأنه في نية الإضافة، ويكون الابن مقحمًا للتوكيد. قال التبريزي: الأظهر عندي أن موضع عيسى نصب؛ لأنك تجعل الاسم مع نعته إذا أضفته إلى العلم كالشيء الواحد المضاف انتهى. وكل ما كان مثل هذا التركيب .. جاز فيه الوجهان: نحو يا زيد بن عمرو، وأنشد النحويون:
يَا حَكَمُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُوْدْ ... أَنْتَ الْجَوادَ بْنُ الْجَوَادِ بْنِ الْجُوْد
وإذا فتحت آخر المنادى في هذا التركيب .. تكون الفتحة حركة إتباع لحركة نون ابن، ولم يعتد بسكون باء ابن؛ لأن الساكن حاجز غير حصين، وسيأتي إن شاء الله تعالى في مبحث الصرف قاعدة مفيدة في مثل هذا المنادى على سبيل الاستطراد، وجملة النداء في الآية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾: فعل ومفعول ومضاف إليه وفاعله ضمير يعود على ﴿عِيسَى﴾، والجملة الفعلية جواب النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿عَلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نِعْمَتِي﴾؛ لأنه مصدر بمعنى إنعامي. ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾: معطوف على ﴿عَلَيْكَ﴾.
стр. 3403
﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.
﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿نِعْمَتِي﴾. ﴿أَيَّدْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الجر بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَيَّدْتُكَ﴾. ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿عِيسَى﴾، والجملة في محل النصب حال من الكاف في ﴿أَيَّدْتُكَ﴾. ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿تُكَلِّمُ﴾. ﴿وَكَهْلًا﴾: الواو: عاطفة. ﴿كَهْلًا﴾: معطوف على محل الجار والمجرور قبله على كونه حالًا من فاعل ﴿تُكَلِّمُ﴾، والتقدير: تكلم الناس حالة كونك صغيرًا في زمن المهد، وكبيرًا في زمن الكهولة. ﴿وَإِذْ﴾: والظرف معطوف على الظرف في قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ هو على كونه متعلقًا بـ ﴿نِعْمَتِي﴾. ﴿عَلَّمْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿عَلَّمْتُكَ﴾. ﴿وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: معطوفات على ﴿الْكِتَابَ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر بإضافة ﴿إذ﴾ إليها.
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى معطوف على ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾. ﴿تَخْلُقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿عِيسَى﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذ﴾. ﴿مِنَ الطِّينِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَخْلُقُ﴾، أو حال من هيئة الطير على قول من أجاز تقديم حال المجرور عليه، كما ذكره أبو البقاء. ﴿كَهَيْئَةِ﴾: الكاف: اسم بمعنى مثل في محل النصب مفعول ﴿تَخْلُقُ﴾ مبني على الفتح، وهو مضاف. ﴿هيئة﴾: مضاف إليه، وهو مضاف. ﴿الطَّيْرِ﴾: مضاف إليه. ﴿بِإِذْنِي﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَخْلُقُ﴾.
﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾.
﴿فَتَنْفُخُ﴾ هو الفاء: عاطفة. ﴿تنفخ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على
стр. 3404
عيسى. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تنفخ﴾، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿تَخْلُقُ﴾. ﴿فَتَكُونُ﴾: الفاء: عاطفة. وتكون: فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على الهيئة. ﴿طَيْرًا﴾: خبرها. ﴿بِإِذْنِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، تنازع فيه كل من ﴿تنفخ﴾ و ﴿تَكُونُ﴾. ﴿وَتُبْرِئُ﴾: الواو: عاطفة ﴿تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾: فعل ومفعول. ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾: معطوف عليه، وفاعله ضمير يعود على ﴿عيسى﴾. ﴿بِإِذْنِي﴾: متعلق بـ ﴿تُبْرِئُ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿تَخْلُقُ﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى معطوف على قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾. ﴿تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿عِيسَى﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿بِإِذْنِي﴾: متعلق بـ ﴿تُخْرِجُ﴾.
﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى معطوف على قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾. ﴿كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجر مضاف إليه. لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿عَنْكَ﴾: متعلق بـ ﴿كَفَفْتُ﴾. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى متعلق بـ ﴿كَفَفْتُ﴾. ﴿جِئْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: متعلق بـ ﴿جِئْتَهُمْ﴾. ﴿فَقَالَ﴾: الفاء: عاطفة ﴿قال الذين﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة قوله: ﴿جِئْتَهُمْ﴾. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِن﴾ نافية تعمل عمل ليس، ولكن بطل عملها لانتقاض نفيها بـ ﴿إِلَّا﴾. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿سِحْرٌ﴾: خبر. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة له، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قالوا﴾.
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.
стр. 3405
﴿وَإِذْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى معطوف على ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾. ﴿أَوْحَيْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَوْحَيْتُ﴾. ﴿أَن﴾: مفسرة بمعنى أي التفسيرية؛ لوقوعها بعد ما في معنى القول دون حروفه، ويصح كونها مصدرية بتكلف، وتكون في موضع نصب بـ ﴿أَوْحَيْتُ﴾؛ أي: أوحيت إليهم الأمر بالإيمان، كما ذكره أبو البقاء. ﴿آمِنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مفسرة لـ ﴿أَوْحَيْتُ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿بِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمِنُوا﴾. ﴿وَبِرَسُولِي﴾: معطوف عليه. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَاشْهَدْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿اشْهَدْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على الرب، أو على ﴿عِيسَى﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿آمَنَّا﴾. ﴿بِأَنَّنَا﴾: الباء: حرف جر، ﴿أن﴾: حرف نصب، ونا: اسمها. ﴿مُسْلِمُونَ﴾: خبرها، والجملة في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بكوننا مسلمين، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿اشْهَدْ﴾.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق باذكر المحذوف، والجملة المحذوفة مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿يَا عِيسَى﴾ إلى آخره مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلتَ: ﴿يَا عِيسَى﴾: منادى مفرد علم. ﴿ابْنَ﴾: صفة له، أو عطف بيان، أو بدل منه. ﴿مَرْيَمَ﴾ مضاف إليه لـ ﴿ابْنَ﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿هَلْ﴾ للاستفهام الاستخباري. ﴿يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة الاستفهامية جواب النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب. ﴿يُنَزِّلَ﴾: منصوب به، وفاعله ضمير يعود على الرب. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به. ﴿مَائِدَةً﴾: مفعول به. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ صفة لها، أو متعلق بـ ﴿يُنَزِّلَ﴾، وجملة
стр. 3406
﴿يُنَزِّلَ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يستطيع﴾ تقديره: هل يستطيع ربك تنزيل مائدة من السماء علينا.
﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل، وفاعله ضمير يعود على ﴿عِيسَى﴾، والجملة مستأنفة. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلتَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم مؤمنين .. فاتقوا الله، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأكُلَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿نُرِيدُ﴾ فعل، والفاعل ضمير مستتر يعود على الحواريين ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿نَأكُلَ﴾ فعل مضارع منصوب بها، وفاعله ضمير يعود على الحواريين، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: نريد أكلنا منها، وجملة ﴿نُرِيدُ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مِنْهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نَأكُلَ﴾. ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿نَأكُلَ مِنْهَا﴾. ﴿وَنَعْلَمَ﴾ معطوف أيضًا على ﴿نَأكُلَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْحَوَارِيُّونَ﴾ ﴿أَن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن تقديره: أنه. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿صَدَقْتَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر لـ ﴿أن﴾ المخففة، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم؛ تقديره: ونعلم صدقك إيانا حقًّا.
فائدة: وإذا ولي أن المخففة من الثقيلة فعل متصرف؛ فإن كان ماضيًا .. فصل بينهما بـ ﴿قَدْ﴾ نحو قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، وإن كان
стр. 3407
مضارعًا .. فصل بينهما بحرت تنفيس كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾، ولا يقع بغير فصل، قيل: إلا قليلًا، وقيل: إلا ضرورة، ذكره أبو حيان. ﴿وَنَكُونَ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿نَأكُلَ﴾، واسمها ضمير مستتر فيه يعود على الحواريين ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق بـ ﴿الشَّاهِدِينَ﴾. ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿نكون﴾.
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
﴿قَالَ عِيسَى﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صفة لـ ﴿عِيسَى﴾، أو عطف بيان ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُمَّ﴾: منادى مفرد علم في محل النصب على النداء مبني على الضم لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا لتضمنه معنى حرف الخطاب، وإنما حرك؛ ليعلم أن له أصلًا في الإعراب، وكانت الحركة ضمة جبرًا لما فاته من الإعراب، والميم المشددة عوض عن حرف النداء مبني على الفتح، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿رَبَّنَا﴾ نداء ثانٍ. ﴿أَنْزِلْ﴾: فعل دعاء سلوكًا مسلك الأدب، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿عَلَيْنَا﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مَائِدَةً﴾: مفعول به. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: صفة أولى لـ ﴿مَائِدَةً﴾، أو متعلق بـ ﴿أَنْزِلْ﴾، وجملة ﴿أَنْزِلْ﴾ من الفعل والفاعل جواب النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿تَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَائِدَةً﴾. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿عِيدًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿عِيدًا﴾: خبر ﴿تَكُونُ﴾. ﴿لِأَوَّلِنَا﴾: جار ومجرور بدل من ﴿لَنَا﴾ بدل تفصيل من مجمل. ﴿وَآخِرِنَا﴾ معطوف على ﴿أولنا﴾، وجملة ﴿تَكُونُ﴾ من اسمها وخبرها، في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿مَائِدَةً﴾. ﴿وآيةً﴾: معطوف على ﴿عِيدًا﴾. ﴿مِنْكَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آية﴾. ﴿وَارْزُقْنَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْزِلْ﴾ على كونها جواب النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَنتَ﴾: مبتدأ ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ خبر مضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا
стр. 3408
مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿قَالَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا لا محل لها من الإعراب. ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إنّ﴾ حرف نصب، والياء ضمير المتكلم في محل النصب اسمها. ﴿مُنَزِّلُهَا﴾ خبر ﴿إنّ﴾ ومضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو جملة الشرط، أو هما. ﴿يَكْفُرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود ﴿من﴾. ﴿بَعْدُ﴾: ظرف زمان في محل النصب على الظرفية مبني على الضم لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًّا؛ لافتقاره إلى المضاف إليه المحذوف تقديره: بعد تنزيلها، وإنما حرك؛ ليعلم أن له أصلًا في الإعراب، وكانت الحركة ضمة ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَكْفُرْ﴾. ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إن﴾: حرف نصب، والياء اسمها. ﴿أُعَذِّبُهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَذَابًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة إن في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أُعَذِّبُهُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهُ﴾، والهاء: ضمير عائد على المصدر في محل النصب على المفعولية المطلقة. ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به. ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَحَدًا﴾، وجملة: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿عَذَابًا﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ قال الخطابي (١): العلَّام بمنزلة العلم، وبناء فعَّال بناء التكثير. فأما الغيوب: فجمع غيب: وهو ما غاب عنك.
стр. 3409
﴿نِعْمَتِي﴾ وقال الحسن: المراد بذكر النعمة الشكر، فأما النعمة: فلفظها لفظ الواحد، ومعناها الجمع، ولكن هنا مصدر بمعنى الإنعام. ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾: قويتك، مأخوذ من الأيد، وهو القوة، يقال: آد يئيد أيدًا وآدًا إذا اشتد وقوي وصلب، وأيد تأييدًا - من باب فعَّل المضعف - فهو مؤيد، وذاك مؤيد، وآيَد مؤايدة، فهو مؤيد وذاك مؤيد - من باب أفعل الرباعي - إذا قواه وأثبته، وتأيد - من باب تفعل - إذا تقوى، والإياد: ما أيد به الشيء ويقال: إيادا الجيش: جناحاه؛ أي: ميمنته وميسرته، والجبل الحصين، والأيد: القوي.
﴿فِي الْمَهْدِ﴾: والمهد: الموضع يهيأ ويوطأ للصبي، يجمع على مهود كفلس وفلوس، ومعنى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾؛ أي: صغيرًا في المهد ﴿وَكَهْلًا﴾؛ أي: كبيرًا في زمن الكهولة. وحكى (١) ثابت بن أبي ثابت: أن الكهل ابن أربعين إلى الخمسين، وقال غيره: ابن ثلاث وثلاثين.
﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الطير: اسم جنس لطائر، وقال الخليل: الأكمهُ الذي يولد أعمى، وقد يقال لمن تذهب عينه بعد ما كان يبصر.
﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ تقدم (٢) الكلام في اشتقاق هذه المفردات ومعانيها، وابن: صفة لعيسى، نصب لأنه مضاف، وهنا قاعدة كلية مفيدة؛ وذلك أن المنادى المفرد المعرفة الظاهر الضمة إذا وصف بابن أو ابنة، ووقع الابن أو الابنة بين علمين، أو اسمين متفقين في اللفظ، ولم يفصل بين الابن وبين موصوفه بشيء .. تثبت له أحكام، منها: أنه يجوز إتباع المنادى المضموم لحركة نون ابن، فيفتح نحو: يا زيد ابن عمر، ويا هندَ ابنة بكر. بفتح الدال من: زيد وهند، وضمها، فلو كانت الضمة مقدرة مثل ما نحن فيه .. فإن الضمة مقدرة على ألف عيسى، فهل يقدر بنائها على الفتح إتباعًا كما في الضمة الظاهرة؟ فيه خلاف، والجمهور على عدم جوازه؛ إذ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للإتباع، وهذا المعنى مفقود في الضمة المقتدرة، وأجاز الفراء ذلك؛ إجراءً للمقدر مجرى
стр. 3410
الظاهر، وتبعه أبو البقاء، فإنه قال: يجوز أن تكون على الألف من عيسى فتحة؛ لأنه قد وصف بابن، وهو بين علمين، وأن تكون فيها ضمة، وهو مثل قولك: يا زيد بن عمرو، بفتح الدال وضمها، وهذا الذي قاله غير بعيد. اهـ "سمين".
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ الوحي في اللغة: الإشارة السريعة الخفية، والإعلام بالشيء بسرعة وخفاء، والمراد به (١) هنا: ما يلقيه الله في نفوس الأحياء من الإلهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾، وهكذا ألقى الله في قلوب الحواريين الإيمان به وبرسوله عيسى ﵇.
﴿مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ المائدة (٢): الخوان عليه طعام، فإن لم يكن عليه طعام .. فليس بمائدة، هذا هو المشهور، إلا أن الراكب قال: المائدة: الطبق الذي عليه الطعام، وتقال أيضًا للطعام، إلا أن هذا مخالف لما عليه المعظم، وهذه المسألة لها نظائر في اللغة، لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه الطعام، وإلا فهو خوان، ولا يقال: جراب إلا وهو مدبوغ، وإلا فهو إهاب، ولا يقال: قلم إلا وهو مبري، وإلا فهو أنبوب.
واختلف اللغويون في اشتقاقها، فقال الزجاج: هو من ماد يميد - من باب باع - إذا تحرك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، ومنه: ميد البحر، وهو ما يصيب راكبه، فكأنها تميد بما عليها من طعام، قال: وهي فاعلة على الأصل.
وقال أبو عبيد: هي فاعلة بمعنى مفعولة، مشتقة من ماده بمعنى: أعطاه، وامتاده بمعنى: استعطاه، فهي بمعنى: مفعولة كعيشة راضية، وأصلها أنها ميد بها صاحبها؛ أي: أعطيها. والعرب تقول: مادني فلان يميدني: أحسن إلي وأعطاني، وقال أبو بكر الأنباري: سميت مائدة؛ لأنها غياث وعطاء، من قول العرب: ماد فلان فلانًا إذا أحسن إليه اهـ "سمين".
стр. 3411
﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ والعيد (١) مشتق من العود؛ لأنه يعود كل سنة، قاله ثعلب عن ابن الأعرابي، وقال ابن الأنباري: النحويون يقولون: يوم العيد؛ لأنه يعود بالفرح والسرور، وعيد الفرح لا يعود بالفرح والحزن، وكل ما عاد إليك في وقت فهو عيد. وقال الراغب: العيد حالة تعاود الإنسان، والعائدة كل نفع يرجع إلى الإنسان بشيء، ومنه: العود للبعير المسن؛ إما لمعاودة السير والعمل، فهو بمعنى فاعل، وإما لمعاودة السنين إياه ومرورها عليه، فهو بمعنى: مفعول، وصغّروه على: عييد، وكسروه على: أعياد، وكان القياس: عويد؛ لزوال موجب قلب الواو ياء؛ لأنها إنما قلبت لسكونها بعد كسرة؛ كميزان، وإنما فعلوا ذلك فرقًا بينه وبين عود الخشب. اهـ "سمين". ﴿عَذَابًا﴾ في "السمين" (٢): عذابًا: اسم مصدر بمعنى التعذيب، أو مصدر على حذف الزوائد، نحو: عطاء ونبات لأعطى وأنبت، وانتصابه على المصدرية بالتقديرين المذكورين، والهاء في لا أعذبه عائدة على عذاب الذي تقدم أنه بمعنى التعذيب، والتقدير: فإني أعذبه تعذيبًا لا أعذب مثل ذلك التعذيب أحدًا. انتهى.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾؛ لأن فيه توبيخًا للكفار.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
ومنها: التجوز في التعبير عما في المستقبل بلفظ الماضي في قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾؛ لأن هذا القول يقع يوم القيامة إشعارًا بتحقق الوقوع، فأقام الماضي مقام المضارع، و ﴿إذ﴾ مقام إذا التي للمستقبل، فأصل العبارة: إذ يقول الله.
ومنها: التخصيص في قوله: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ بعد التعميم في قوله: ﴿فيقول مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فتخصيص عيسى من بين الرسل لاختلاف طائفتي اليهود
стр. 3412
والنصارى فيه إفراطًا وتفريطًا، هذه تجعله إلهًا، وهذه تجعله كاذبًا كما سبق.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، وفي قوله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ﴾، وقوله: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
ومنها: التفصيل بعد الإجمال في قوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾، وما عطف عليه؛ لأنه تفصيل لقوله: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾، وفي قوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾؛ لأنه تفصيل لقوله: ﴿لَنَا﴾.
ومنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ إشعارًا بمزيد اختصاصه بهما.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ﴾؛ لأنه بمعنى تصور، وفي قوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾؛ لأنه بمعنى تحيي.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿بِإِذْنِي﴾؛ حيث كرره في أربعة مواضع للإشعار بأن ذلك كله من جهة الله تعالى ليس لعيسى ﵇ فيه فعل إلا مجرد امتثاله لأمر الله تعالى.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾؛ لأن حق المقام أن يقول: إذ قالوا، لتقدم المرجع.
ومنها: الحذف في مواضع.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿بِإِذْنِي﴾؛ لأنه جاء به أربع مرات عقيب أربع جمل؛ لأن المقام مقام ذكر النعمة والامتنان بها، فناسبه الإسهاب، بخلاف ما مرَّ في آل عمران؛ لأن ما هناك موضع إخبار لبني إسرائيل، فناسبه الإيجاز.
والله أعلم
* * *
стр. 3413
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠).
المناسبة
مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه كان الكلام (١) قبل هذه الآيات في تعداد النعم التي أنعم الله بها سبحانه على عيسى، وفي إلهامه للحواريين الإيمان به وبرسوله، وفي طلب الحواريين من عيسى إنزال مائدة من السماء، ثم طلب عيسى من ربه إجابة مطلبهم، وإخبار الله تعالى بأنه أجابهم، ثم لم يزل الكلام في هذه الآيات مع عيسى أيضًا، ففيها سؤال من الله على مرأى من قومه توبيخًا وتقريعًا لهم على افترائهم، وإجابة من عيسى عن ذلك فيها تنصل من ذلك الذنب العظيم الذي اقترفوه بعده، وهو القول بالتثليث، ثم إخبار من الله تعالى بما ينجي الإنسان من عذاب يوم القيامة مع بيان أن ما في السموات والأرض كله مملوك له، وفي قبضته يتصرف فيه بعدله وحكمته، وهو القادر على كل شيء لا شريك له يمنعه إن أعطى، أو يلزمه بالإعطاء إن منع.
التفسير وأوجه القراءة
١١٦ - ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾: معطوف على قوله: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ عطف قصة على قصة، ﴿وَإِذْ﴾ هو بمعنى: إذا التي للمستقبل؛ لأن ﴿إِذْ﴾ قد تجيء بمعنى: إذا، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ يعني: إذا فزعوا، وقول أبي النجم:
стр. 3414
ثُمَّ جَزَاكَ اللهُ عَنِّي إِذْ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ في السَّمَوَاتِ الْعُلَى
و ﴿قال﴾ بمعنى: يقول؛ لأن هذا القول إنما يكون في يوم القيامة، وإنما عبر بالماضي لما مر من الدلالة على التحقيق والوقوع، والظرف متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد لأمتك قصة إذ يقول الله يوم القيامة لعيسى ابن مريم - توبيخًا للكفرة وتبكيتًا لهم بإقراره ﵇ بالعبودية على رؤوس الأشهاد، وأمره لهم بعبادة الله : ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: هل قلت للناس في الدنيا. ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾، والله ثالثهما؛ أي: اجعلوني وأمي مريم معبودين لكم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: متجاوزين عبادة الله تعالى، وتاركين عبادته، والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ لمن ادعى ذلك على عيسى ﵇ من النصارى؛ لأن عيسى ﵇ لم يقل هذه المقالة.
فإن قلتَ (١): إذا كان عيسى ﵇ لم يقلها، فما وجه هذا السؤال مع علم الله بأنه لم يقله؟
قلتُ: وجه هذا السؤال: إثبات الحجة على قومه، وإكذاب لهم في ادعائهم ذلك عليه، وأنه أمرهم به، فهو كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا، وهو يعلم أنه لم يفعله، وإنما أراد تعظيم ذلك الفعل، فنفى عيسى ﵇ عن نفسه هذه المقالة، وقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، فاعترف بالعبودية، وأنه ليس بإله كما زعمت وادعت النصارى فيه.
فإن قلتَ: إن النصارى لم يقولوا بإلهيَّة مريم، فكيف يقول اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟
قلت: إن النصارى لما ادعت في عيسى ﵇ أنه إله، ورأوا أن مريم ولدته .. لزمهم بهذه المقالة على سبيل التبعية.
ومعنى قوله (٢): ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: متجاوزين بذلك توحيد الله وإفراده بالعبادة، وذلك يكون؛ إما باتخاذ إله أو أكثر مع الله تعالى، وهو الشرك؛ إذ
стр. 3415
عبادة الشريك المتخذ هي غير عبادة الله تعالى خالق السموات والأرض، سواء اعتقد أن هذا الشريك ينفع ويضر استقلالًا، أو اعتقد أنه ينفع ويضر بإقدار الله إياه وتفويضه بعض الأمر إليه فيما وراء الأسباب، أو بالوساطة عند الله؛ أي: بِمَالَه من التأثير والكرامة على النفع والضر، وهذا هو الأكثر الذي كان عليه مشركو العرب عند البعثة، كما حكاه الله عنهم في قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.
وقَلَّ أن يوجد من المشركين من يتخذ إلهًا غير الله متجاوزًا بعبادته الإيمان بالله الذي هو خالق الكون ومدبره، فالإيمان الفطري الذي غرس في نفوس البشر يرشد إلى أن تدبير الكون كله صادر عن قوة غيبية لا يدرك كنهها أحد، فالموحدون أتباع الأنبياء يتوجهون بعباداتهم إلى رب هذه السلطة الغيبية وحده اعتقادًا منهم أنه هو الفاعل الكامل التصرف، وإن نسب الفعل إلى غيره .. فبإقدار الله إياه، وتسخيره له بمقتضى سننه في خلقه، والمشركون يتوجهون إليه تارة وإلى بعض ما يعظمون من خلقه تارة أخرى؛ كالشمس والنجوم والملائكة وبعض مخلوقات أخرى، ويتوجهون أحيانًا إليهما معًا، فيجعلون تلك المخلوقات المعظمة وسيلة إلى خالق الأكوان ومدبر الكائنات.
والخلاصة: أن اتخاذ إله من دون الله يراد به عبادة غيره، سواء أكانت خالصة لذلك الغير، أو شركة بينه وبين غيره، وقد نعى الله تعالى عليهم اتخاذ المسيح إلهًا في مواضع عديدة من هذه السورة، وعبادة أمه كانت معروفة في الكنائس الشرقية والغربية، أنكرت عبادتها فرقة إصلاح المسيحية التي جاءت بعد الإِسلام بزمن طويل. وهذه العبادة منها ما هو صلاة ذات دعاء وثناء على المعبود، ومنها ما هو استغاثة واستشفاع، ومنها ما هو صيام ينسب إليها ويسمى بصيام العذراء، وكل أولئك يقترن بخشوع وخضوع لذكرها ولصورها وتماثيلها واعتقاد السلطة الغيبية لها وأنها تنفع وتضر في الدنيا والآخرة؛ إما بنفسها أو بواسطة ابنها، ويسمونها: والدة الإله.
стр. 3416
والآية ترشد إلى أنهم اتخذوها هي وابنها إلهين - والاتخاذ غير التسمية - فيصدق بالعبادة وهي واقعة حتمًا.
﴿قَالَ﴾ عيسى ﵇، وقد ارتعدت مفاصله، وارتعش جسمه من سماع هذا الخطاب؛ أعني قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: قال مجيبًا لله هذا الخطاب ﴿سُبْحَانَكَ﴾ من أن يكون لك شريك؛ أي: تنزيهًا لك عن النقائص وبراءة لك من العيوب؛ إذ لا شبهة في ألوهيتك وأنت منزه عن الشرك فضلًا أن يتخذ إلهان دونك، والمعنى: أنزهك يا إلهي تنزيهًا لائقًا بك عن أن يكون معك إله آخر، فضلًا عن أن أقول ذلك، وبهذا أثبت له التنزيه عن المشاركة في الذات والصفات.
ثم انتقل من هذا إلى تبرئة نفسه العالمة بالحق عن قول ما ليس بحق، فقال: ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾؛ أي: ما ينبغي لي ﴿أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾؛ أي: أن أقول قولًا لا يحق لي أن أقوله؛ أي: كيف أقول هذا الكلام ولست بأهل له، ولست أستحق العبادة حتى أدعو الناس إليها؛ أي: ليس من شأني ولا مما يصح أن يقع مني أن أقول قولًا لا حق لي أن أقوله؛ لأنك أيدتني بالعصمة عن مثل هذا القول الباطل. وهو بتنزيهه الله أولًا أثبت أن ذلك القول الذي نُسب إليه قول لا شائبة فيه من الحق، وليس من شأنه ولا مما يقع من مثله، وقد أكد هذا النفي مرة أخرى بحجة أخرى ارتقى فيها من برهان راجع إلى نفسه - وهو عصمته ﵇ إلى برهان أعلى راجع إلى ربه علام الغيوب فقال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ﴾؛ أي: إن صح أني قلته لهم فيما مضى ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وهذا مبالغة في الأدب في إظهار الذل في حضرة ذي الجلال، وتفويض الأمور بالكلية إلى الكبير المتعالي. والمعنى: إني لا أحتاج إلى الاعتذار؛ لأنك تعلم أني لم أقله، ولو قلته .. لعلمته لأنك ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾؛ أي: ذاتي ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾؛ أي: ذاتك، فنفس (١) الشيء: ذاته وهويته، والمعنى: تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، وقيل: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾؛ أي: ما كان مني لهم من الأمر والنهي ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا
стр. 3417
فِي نَفْسِكَ﴾؛ أي: ما كان منك لهم من الخذلان، وقيل: تعلم حقيقة ذاتي وما انطوت عليه، ولا أعلم حقيقة ذاتك ولا ما احتوت عليه من صفات الكمال.
واعلم: أنهم اختلفوا في إطلاق النفس على الله تعالى، فقيل: لا يجوز إطلاقها عليه إلا في مقام المشاكلة، والحق أنه يجوز إطلاق النفس على الله من غير مشاكلة؛ إذ ورد إطلاقها في غير المشاكلة قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ذكره الصاوي.
والمعنى: أن ذلك القول إن كان قد صدر مني .. فقد علمته؛ إذ علمك واسع محيط بكل شيء، فأنت تعلم ما أسره وأخفيه في نفسي، فكيف لا تعلم ما أظهرته ودعوت إليه وعلمه مني غيري، كما أني لا أعلم ما تخفيه من علومك الذاتية التي لم ترشدني إليها بالكسب والاستدلال، لكني أعلم ما تظهره لي بالوحي بواسطة ملائكتك المقربين إليك ﴿إِنَّكَ﴾ يا إلهي ﴿أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾؛ أي: إنك أنت العالم بالخفايا عن العباد؛ لأنك أنت المحيط بالعلوم الغيبية وحدك، ما كان منها وما سيكون وما هو كائن، وعلم غيرك مستمد من فيضك لا من ذاته، فهو إما أن يناله بواسطة المشاعر والحواس أو العقل، وإما أن يتلقاه هبة منك بالوحي والإلهام. فقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (١) يدل بمنطوقه على أنه تعالى يعلم الغيب، فيكون مقررًا لقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾، ويدل بمفهومه على أنه لا يعلم الغيب غيره، فيكون مقررًا لقوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ودل بتصدير الجملة بـ ﴿إنّ﴾، وتوسط ضمير الفصل، وبناء المبالغة، والجمع المعرف باللام أن شيئًا لا يعزب عن علمه ألبتة كما هو مقرر في محله.
١١٧ - وبعد تنزيه ربه وتبرئة نفسه وإقامة البراهين على ذلك .. بيَّن حقيقة ما قاله لقومه؛ إذ الشهادة عليهم لا تكون تامة كاملة إلا بإثبات ما يجب أن يكونوا عليه من أمر التوحيد بعد نفي ضده، فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾؛ أي: ما قلت لهم إلا قولًا أمرتني به. وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ عطف (٢) بيان للضمير في ﴿بِهِ﴾، أو بدل منه، وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل
стр. 3418
مطلقًا، فيلزم منه بقاء الموصول بلا عائد، أو خبر محذوف، أو مفعوله، مثل: هو، أو أعني، وقيل (١): ﴿أن﴾ مفسرة للهاء الراجع للقول المأمور به، والمعنى: ما قلت لهم في الدنيا إلا قولًا أمرتني به، وذلك القول هو أن أقول لهم: اعبدوا الله ربي وربكم؛ أي: وحدوه ولا تشركوا به شيئًا.
والخلاصة: أني ما قلت لهم في شأن الإيمان وأساس الدين إلا ما أمرتني بالتزامه اعتقادًا وتبليغًا لهم بأنك ربي وربهم، وأنني عبد من عبادك مثلهم إلا أنك خصصتني بالرسالة إليهم.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: وكنت قائمًا عليهم مراقبًا لهم أراقبهم وأمنعهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه، أو مشاهدًا لأحوالهم من كفر وإيمان، أشهد على ما يقولون وما يفعلون، فأُقر الحق وأُنكر الباطل ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾؛ أي: مدة دوامي ووجودي بينهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾؛ أي: رفعتني من بينهم إلى السماء، فالمراد: وفاة الرفع لا وفاة الموت، وقال الحسن: الوفاة: وفاة الموت، ووفاة النوم، ووفاة الرفع. ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كنت أنت الحفيظ عليهم المراقب لأعمالهم وأحوالهم ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ دوني؛ لأني إنما شهدت من أعمالهم ما عملوه وأنا بين أظهرهم، وأنت تشهد على كل شيء؛ إذ لا يخفى عليك شيء، فالرقيب: الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، والشهيد: العالم الذي لا يعزب عن علمه شيء، وفي هذا إيماء إلى أن الله إنما عرّفه بقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾ أفعال القوم ومقالتهم بعد ما قبضه إليه. وقد تقدَّم في هذه السورة ما يثبت براءة عيسى ﵇ من مثل هذه المقالة، وذلك قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾.
١١٨ - ثم فوَّض ﵇ أمر الجزاء إليه تعالى فقال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾؛ أي: إن
стр. 3419
تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة وماتوا على كفرهم ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ لا يقدرون على دفع ضُر نزل بهم، ولا جلب نفع لأنفسهم، وأنت العادل فيهم؛ لأنك أوضحت لهم طريق الحق فرجعوا عنه وكفروا ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: لمن تاب عن كفره منهم، ومات على الإيمان، فإن ذلك بفضلك ورحمتك ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب الذي لا يغالب في الانتقام ممن يريد الانتقام منه، لا يمتنع عليه ما يريده ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله كلها الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب.
قيل: قاله على وجه الاستعطاف كما يُستطعف السيد لعبده، ولهذا لم يقل: إن تعذبهم فإنهم عصوك، وقيل: قاله على وجه التسليم لأمر الله والانقياد له، ولهذا عدل عن الغفور الرحيم إلى العزيز الحكيم، ذكره "الشوكاني".
والمعنى: إن تعذب من أرسلتني إليهم فبلغتُهم ما أمرتني به من توحيدك وعبادتك، فضلَّ منهم من ضل، وقالوا ما لم أقله، واهتدى منهم من اهتدى فلم يعبدوا معك سواك .. فإنهم عبادك وأنت الرحيم بهم، ولست أنا ولا غيري من الخلق بأرحم بهم منك، وإنما تجزيهم بحسب علمك بما يظهرون وما يبطنون، فأنت العلم بالمؤمن المخلص في إيمانه، وبمن أشرك بك غيرك، أو بمن أطاعك وبمن عصاك، وأنت عالم الغيب والشهادة تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، وإن تغفر .. فإنما تغفر لمن يستحق المغفرة، وإنك أنت العزيز الغالب على أمره، الحكيم في تصرفه وصنعه، فيضع كل جزاء وكل فعل في موضعه.
وخلاصة المعنى: أنك إن تعذب .. فإنما تعذب من يستحق التعذيب، وإن تغفر .. فإنما تغفر لمن هو أهل لذلك، ومهما توقعه فيهم من عذاب .. فلا دافع له من دونك، ومهما تمنحهم من مغفرة .. فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحوله وقوته؛ لأنك أنت العزيز الذي يغلب ولا يغلب، ويمنع من شاء ما شاء ولا يُمنع، وأنت الحكيم الذي يضع كل شيء موضعه، فلا يمكن أحدًا غيرك أن يرجعك عنه.
ومن هذا تعلم أن كلام عيسى ﵇ لا يتضمن شيئًا من الشفاعة
стр. 3420
لقومه، ومما يؤيد هذا ما رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ : (تلا قول الله تعالى في إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الآية، وقول عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾، فرفع يديه إلى السماء وقال: "اللهم أمتي أمتي"، وبكى، فقال الله : يا جبريل، اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل وسأله فأخبره رسول الله ﷺ بما قال - وهو أعلم - فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك).
وما رواه البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ألا وإنه يجاء برجال من أمتي يوم القيامة، فيؤخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ قال: فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم".
وما رواه أحمد والنسائي وابن مردويه: أنه ﷺ قام بهذه الآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ...﴾ الآية، حتى أصبح، يركع بها ويسجد، فسأله أبو ذر عن ذلك فقال: "إني سألت ربي الشفاعة فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئًا".
فهذه الأحاديث صريحة في أن الشفاعة لا ينالها أحد يشرك بالله شيئًا.
١١٩ - قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ ...﴾ كلام مستأنف ختم به حكاية ما حكى مما يقع يوم يسأل الله الرسل ﵈؛ أي: قال الله : هذا اليوم - يعني: يوم القيامة - هو ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾؛ أي: إن هذا اليوم هو اليوم الذي ينفع فيه الصادقين صدقهم في الدنيا في إيمانهم، وفي شهاداتهم وفي سائر أقوالهم وأحوالهم. والمعنى: إن صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة؛ لأنه يوم الإثابة والجزاء، وما تقدم من صدقهم في الدنيا يتبين نفعه يوم القيامة، والمراد بالصادقين: النبيون والمؤمنون؛ لأن الكفار لا ينفعهم صدقهم يوم القيامة.
стр. 3421
قال (١) قتادة: متكلمان لا يخطئان يوم القيامة: عيسى ﵇؛ لأنه يقوم فيقول: ما قص الله عنه ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ الآية، فكان صادقًا في الدنيا والآخرة فينفعه صدقه، وأما المتكلم الآخر فإبليس، فإنه يقوم ويقول: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية، فصدق عدو الله فيما قال، ولم ينفعه صدقه انتهى.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿هَذَا يَوْمُ﴾ بالرفع على أن ﴿هَذَا﴾ مبتدأ و ﴿يَوْمُ﴾ خبره، والجملة محكية بـ ﴿قال﴾، وهي في موضع المفعول به لـ ﴿قال﴾. وقرأ نافع: ﴿هذا يومَ﴾ - بفتح الميم - وخرجه الكوفيون على أنه مبني خبر لـ ﴿هذا﴾، وبني لإضافته إلى الجملة الفعلية، وهم لا يشترطون كون الفعل مبنيًّا في بناء الظرف المضاف إلى الجملة، فعلى قولهم تتحد القراءتان في المعنى. وعند البصريين هو معرب لا مبني، منصوب على أنه ظرف لـ ﴿قال﴾. وقرأ الأعمش: ﴿يومًا ينفع﴾ - بالتنوين - كقوله: ﴿واتقوا يوما لا تجزئ﴾. وقرأ الحسن بن عياش الشامي: ﴿هذا يومٌ﴾ بالرفع والتنوين. وقرأ الجمهور ﴿صدقُهم﴾ بالرفع فاعل ينفع وقرىء بالنصب وخرج على أنه مفعول له أي لصدقهم، ثم بين الله تعالى ذلك النفع بذكر ما لهم من الثواب على صدقهم فقال: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للصادقين في الآخرة على صدقهم في الدنيا ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أي: بساتين تسيل من تحت أشجارها الأنهار الأربعة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: حالة كونهم مقدرين الخلود والمكث الطويل في تلك الجنات ﴿أبدًا﴾؛ أي: مدة لا نهاية لها ولا انقضاء، وتقدم لك الفرق بين الخلود والأبد فلا عود ولا إعادة. ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن الصادقين في الآخرة بما عملوه في الدنيا من الطاعات الخالصة، ومعنى رضا الرب سبحانه عن عبده: قبول عمله منه وإثابته عليه. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي: ورضي الصادقون عن الله بما جازاهم به مما لا يخطر لهم على بال، ولا تتصوره عقولهم، والرضا منه سبحانه هو أرفع درجات النعيم، وأعلى منازل الكرامة، وهذا المذكور هو غاية السعادة الأبدية؛
стр. 3422
إذ لا مطلب لهم أعلى منه حتى تمتد أعناقهم إليه وتتطلع نفوسهم لبلوغه، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.
والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ إلى نيل ما نالوه من دخول الجنة والخلود فيها أبدًا ورضوان الله عنهم والفوز والظفر بالمطلوب على أتم الأحوال. وقيل (١): الإشارة إلى رضوان الله؛ أي: ذلك الرضوان هو الفوز العظيم، فالجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله كالعدم بالنسبة إلى الوجود، وكيف لا، والجنة مرغوب الشهوة، والرضوان صفة الحق، وأيُّ مناسبة بينهما؟ والمعنى: ذلك الفوز العظيم؛ أي: ذلك (٢) الذي ذكر من النعيمين الجسماني والروحاني اللذين يحصلون عليهما بعد النجاة من أهوال يوم القيامة هو الفوز البالغ النهاية؛ لأن الفوز هو الظفر بالمطلوب مع النجاة من ضده أو مما يحول دونه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.
١٢٠ - وبعد أن بيَّن ما لأهل الصدق عنده من الجزاء الحق في مقعد الصدق .. بيَّن عقبه سعة ملكه وعموم قدرته الدالين على كون ذلك الجزاء لا يقدر عليه غيره تعالى فقال: ﴿لِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: سلطنة السموات السبع والأرضين السبعة ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾؛ أي: وسلطنة ما في السموات والأرض فاحمدوا الذي خلق السموات والأرض ﴿وَهُوَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر؛ أي: أن كل ما سوى الله تعالى من الكائنات والأجساد والأرواح ممكن لذاته، موجود بإيجاده تعالى، وإذا كان الله موجودًا .. كان مالكًا له، وإذا كان مالكًا له .. كان له تعالى أن يتصرف في الكل بالأمر والنهي والثواب والعقاب كيف أراد، فصح التكليف على أي وجه أراده تعالى، وكان الله مالك الملك، فله بحكم المالكية أن ينسخ شرع موسى ويضع موضعه شرع محمد ﷺ ، فبطل قول اليهود بعدم نسخ شرع موسى، ثم إن مريم وعيسى داخلان فيما سوى الله، فهما كائنان بتكوين الله تعالى، فثبت كونهما
стр. 3423
عبدين لله مخلوقين له، فظهر بهذا التقرير: أن هذه الآية برهان قاطع في صحة جميع العلوم التي اشتملت عليها هذه السورة.
وعبارة "الفتوحات" هنا: قوله ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، هذا (١) تحقيق للحق وتنبيه على كذب النصارى وفساد ما زعموا في حق المسيح وأمه؛ أي: له تعالى خاصة ملك السموات والأرض وما فيهما من العقلاء وغيرهم، يتصرف فيها كيف يشاء إيجادًا وإعدامًا وإحياءً وإماتةً وأمرًا ونهيًا من غير أن يكون لشيء من الأشياء مدخل في ذلك. اهـ "أبو السعود". وأتى (٢) بـ ﴿ما﴾ دون ﴿من﴾ تغليبًا لغير العقلاء على العقلاء؛ لأن غير العقلاء هم الأكثر المناسب لمقام إظهار العظمة والكبرياء، وكون الكل في ملكوته وتحت قدرته لا يصلح شيء منها للألوهية سواه، فيكون تنبيهًا على قصورهم عن رتبة الربوبية انتهى "كرخي".
والحاصل (٣): أن الملك كله والقدرة كلها لله وحده، وفي قوله: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ تعريض بأن المسيح وأمه اللذين عبدا من دون الله داخلان تحت قبضته تعالى، إذ الملك والقدرة له وحده، فلا ينبغي لأحد أن يتكل على شفاعتهما. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وغاية ما أعطاهم الكرامة لديه، والمنزلة الرفيعة من بين عباده. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾.
خاتمة: في بيان بعض ما تضمنته هذه السورة من التشريع والأحكام الاعتقادية والعملية:
стр. 3424
أهم الأصول التي انفردت بها هذه السورة:
١ - بيان أن الله أكمل لعباده هذا الدين الذي ارتضى لهم، وأن دين الله واحد وإن اختلفت شرائع الأنبياء ومناهجهم، وأن هذا الدين مبني على العلم اليقيني في الاعتقاد، والهداية في الأخلاق والأعمال، وأن التقليد فيه باطل لا يقبله الله، وأن أصول الدين الإلهي على ألسنة الرسل كلهم هي الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح، فمن أقامها كما أمرت الرسل من أيِّ ملة كاليهود والنصارى، والصابئين، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
٢ - بيان عموم بعثة النبي ﷺ ، وأمره بالتبليغ العام، وأنه لا يكلف إلا التبليغ فقط، ومن حجج رسالته أنه بيَّن لأهل الكتاب كثيرًا مما كانوا يخفون من كتبهم مما ضاع قبل بعثة النبي ﷺ ، ومما كانوا يكتمونه من الأحكام اتباعًا لأهوائهم، وأن هذا الرسول قد عصمه الله وحفظه من أن يضره أحذ أو يصده عن تبليغ رسالة ربه، وأننا نهينا عن سؤاله عن أشياء من شأنها أن تسوء المؤمنين إذا أبديت لهم لما فيها من زيادة التكاليف.
٣ - بيان أن الله أوجب على المؤمنين إصلاح أنفسهم أفرادًا وجماعات، وأنه لا يضرهم من ضل إذا هم استقاموا على صراط الهداية، فهو لا يضرهم لا في دنيا ولا دين، ومن ذلك الوفاء بالعقود التي يتعاقدون عليها في جميع المعاملات الدنيوية، وتحريم الاعتداء على قوم بسبب بغضهم وعداوتهم، والتعاون على البر والتقوى كتأليف الجماعات العلمية والخيرية، وتحريم التعاون على الإثم والعدوان، وتحريم موالاة المؤمنين للكافرين، وبيان أن ذلك من آيات النفاق.
٤ - تفصيل أحكام الطعام حلالِه وحرامه، وبيان أن التحريم منه؛ إما ذاتي كالميتة وما في معناها، وإما لسبب ديني كالذي يذبح للأصنام، وبيان أن الضرورات تبيح المحظورات.
٥ - تحريم الخمر وكل مسكر، والميسر وهو القمار وما في حكمه؛
стр. 3425
كالمضاربات في البورصة (١).
٦ - وجوب الشهادة بالقسط، والحكم بالعدل، والمساواة بين غير المسلمين والمسلمين ولو للأعداء على الأصدقاء، وتأكيد وجوب ذلك في سائر الأحكام.
٧ - بيان تفويض أمر الجزاء في الآخرة إلى الله وحده، وأن النافع في ذلك اليوم هو الصدق، وكان مسك ختامها ذكر الجزاء في الآخرة بما يناسب أحكامها كلها.
وقد روى أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي عن جبير بن نفير قال: حججت، فدخلت على عائشة فقالت: يا جبير تقرأ المائدة، قلت: نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. وروى أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمر قال: آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح.
الإعراب
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو: عاطفة، أو استئنافية. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: اذكره، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾، أو مستأنفة. ﴿قَالَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا عِيسَى﴾: منادى مفرد العلم. ﴿ابْنَ﴾: صفة له. ﴿مَرْيَمَ﴾: مضاف إليه، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَأَنْتَ﴾: الهمزة للاستفهام التوبيخي. ﴿أنت﴾: مبتدأ. ﴿قُلْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل
стр. 3426
النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْتَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿اتَّخِذُونِي﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿وَأُمِّيَ﴾: معطوف على ياء المتكلم ﴿إِلَهَيْنِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتخذوا﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿اتخذوا﴾ تقديره: حال كونكم متجاوزين الله، أو بمحذوف صفة لإلهين تقديره: إلهين كائنين من دون الله، وجملة اتخذوني في محل النصب مقول ﴿قُلْتَ﴾.
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿عيسى﴾، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿سُبْحَانَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا تقديره: أسبحك سبحانًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مفعول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص. ﴿لِي﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿يَكُونُ﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أَقُولَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على عيسى، وجملة ﴿أَقُولَ﴾ صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿يَكُونُ﴾ تقديره: ما يكون قول ما ليس لي بحق كائنًا لي، وجملة ﴿يَكُونُ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿أَقُولَ﴾؛ لأنه بمعنى: اذكر. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماضٍ ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿مَا﴾ ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: أي، فاللام فيه للتبيين كـ (لام): سَقْيًا لك. ﴿بِحَقٍّ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لَيْسَ﴾، والتقدير: ما ليس كائنًا بحق لي؛ أي: بلائق بي، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ هو، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿لَيْسَ﴾. وقال أبو البقاء (١): اسم ﴿لَيْسَ﴾ ضمير مستتر فيها، وخبرها ﴿لِي﴾ وهو ﴿بِحَقٍّ﴾ في موضع الحال من الضمير في الجار، ويجوز أن يكون ﴿بِحَقٍّ﴾ مفعولًا به تقديره: ما ليس يثبت لي بسبب
стр. 3427
حق، فالباء تتعلق بالفعل المحذوف لا بنفس الجار؛ لأن المعاني لا تعمل في المفعول به، ويجوز أن يجعل ﴿بِحَقٍّ﴾ خبر ﴿لَيْسَ﴾ و ﴿لِي﴾ تبيين كما في قولهم: سقيًا لك ورعيًا، ويجوز أن يكون ﴿بِحَقٍّ﴾ خبر ﴿لَيْسَ﴾ و ﴿لِي﴾ صفة ﴿بِحَقٍّ﴾ قدِّم عليه فصار حالًا، وهذا يخرَّج على قول من أجاز تقديم حال المجرور عليه انتهى. وقيل (١): إن ﴿لِي﴾ متعلقة بنفس ﴿حق﴾؛ لأن الباء زائدة و ﴿حق﴾ بمعنى: مستحق؛ أي: ما ليس مستحقًا لي ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. ﴿قُلْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول؛ لأنه بمعنى: ذكرته، وجملة ﴿قُلْتُهُ﴾ في محل النصب خبر كان تقديره: إن كنت قائلًا إياه، أي: ذاكرًا إياه ﴿فَقَدْ﴾: الفاء رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا لاقترانها بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿عَلِمْتَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، وليست (٢) علم هنا عرفانية؛ لأن المعرفة تستدعي سبق الجهل، فهي هنا على بابها، ومفعولها الثاني محذوف تقديره: فقد علمته واقعًا مني، وجملة علمته في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
﴿تَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول أول لـ ﴿تَعْلَمُ﴾، والثاني محذوف تقديره: منطويًا وثابتًا. ﴿فِي نَفْسِي﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿لَا﴾: نافية ﴿أَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿عيسى﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تَعْلَمُ﴾. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول به لـ ﴿أَعْلَمُ﴾؛ لأن علم هنا بمعنى: عرف ﴿فِي نَفْسِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿إِنَّكَ﴾ ﴿إن﴾؛ حرف نصب، والكاف: اسمها. و ﴿أَنْتَ﴾: تأكيد. ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: خبرها ومضاف إليه، وجملة
стр. 3428
﴿إن﴾ في محل النصب مقول القول.
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾.
﴿مَا﴾: نافية. ﴿قُلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به لـ ﴿قُلْتُ﴾؛ لأنه بمعنى: ذكرت. ﴿أَمَرْتَنِي﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أمر﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾.
فائدة: حيث (١) وقعت ما قبل ليس، أو لم، أو: لا، أو: بعد إلا، فهي موصولة نحو: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، ﴿مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾، ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، وحيث وقعت بعد كاف التشبيه فهي مصدرية نحو: قل كما قال زيد، وحيث وقعت بعد الباء. فإنها تحتملهما نحو: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾، وحيث وقعت بين فعلين سابقهما علم أو دراية أو نظر .. احتملت الموصولية والاستفهامية نحو: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾، ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، وحيث وقعت في القرآن قبل إلا .. فهي نافية، إلا في ثلاثة عشر موضعًا: ﴿مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأتِينَ﴾، ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾، ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ إلا موضعي هود من قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فهي فيهما مصدرية ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأكُلُونَ﴾، ﴿يَأكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾، ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، حيث كان قاله في "الإتقان" اهـ "كرخي".
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾.
стр. 3429
﴿أَنِ﴾: مصدرية. ﴿اعْبُدُوا﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، فعل أمر مبني على حذف النون. ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به منصوب على التعظيم. ﴿رَبِّي﴾: بدل من الجلالة ومضاف إليه. ﴿وَرَبَّكُمْ﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو؛ أي: الذي أمرتني به عبادتهم الله ربي وربهم، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
﴿وَكُنْتُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾. ﴿شَهِيدًا﴾: خبر ﴿كان﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ على كونها مقول القول، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿قُلْتُ﴾. ﴿مَا﴾: مصدرية ظرفية. ﴿دُمْتُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِيهِمْ﴾: جار ومجرور خبر دام، وجملة دام صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف المقدر إليه تقديره: مدة دوامي فيهم، والظرف المقدر متعلق بـ ﴿كان﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: عاطفة. ﴿مَّا﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿تَوَفَّيْتَنِي﴾: فعل وفاعل ونون وقاية ومفعول، والجملة الفعلية فعل شرط ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿أَنْتَ﴾: تأكيد لاسم ﴿كان﴾. ﴿الرَّقِيبَ﴾: خبر ﴿كان﴾. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿الرَّقِيبَ﴾، وجملة ﴿كان﴾ جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾. ﴿وَأَنْتَ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾. ﴿شَهِيدٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من تاء ﴿كُنْتَ﴾.
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾.
﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿تُعَذِّبْهُمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية،
стр. 3430
وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إنّ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية. ﴿إنّ﴾: حرف نصب، والهاء اسمها. ﴿عِبَادُكَ﴾: خبرها ومضاف إليه، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿تَغْفِرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿فَإِنَّكَ﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إنّ﴾ الشرطية. ﴿إن﴾: حرف نصب، والكاف: اسمها. ﴿أَنْتَ﴾: تأكيد للكاف. ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر أول لـ ﴿إنّ﴾. ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم: بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إنّ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ الأولى على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.
﴿قَالَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿يَوْمُ﴾: خبر مرفوع؛ لأنه مضاف إلى معرب فبقي على حقه من الإعراب. ويقرأ بالنصب، ويقال في إعرابه: ﴿يومَ﴾: منصوب على الظرفية، والظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: هذا واقع يوم ينفع هذا على مذهب البصريين وعند الكوفيين ﴿يومَ﴾ في محل النصب على الظرفية مبني على الفتح لشبهه بالحرف شبهًا افتقاريًّا؛ لافتقاره إلى الجملة المضاف إليها، وعندهم يجوز بناؤه، وإن أضيف إلى فعل معرب، وأما عند البصريين فلا يبنى إلا إذا أضيف إلى فعل مبني. ﴿يَنْفَعُ﴾ فعل مضارع. ﴿الصَّادِقِينَ﴾: مفعول به. ﴿صِدْقُهُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
стр. 3431
﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿جَنَّاتٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا مسوقة لبيان النفع المذكور، كأنه قيل: ما لهم من النعيم؟ فقال: لهم جنات. ﴿تَجري﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿جَنَّات﴾، ولكنها سببية. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿أَبَدًا﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾.
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَرَضُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿رَضِيَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ﴾: خبر. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة لـ ﴿فوز﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾.
﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الجر معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهو مبتدأ ﴿فِيهِنَّ﴾: جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف تقديره: كائن ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾: اتخذ (١) من باب افتعل ثلاثيه: تُخِذ يتخذ من باب علم يعلم بمعنى: أخذ، فأدغمت إحدى التائين في الأخرى. قال ابن الأثير: وليس من الأخذ في شيء، فإن الافتعال من الأخذ ائتخذ؛ لأن فاءه همزة، والهمزة لا تدغم في التاء خلافًا لقول الجوهري: الاتخاذ افتعال من الأخذ إلا
стр. 3432
أنه أُدغم بعد تليين الهمزة وإبدال الياء تاء، ثم لما كثر استعماله بلفظ الأفتعال .. توهموا أصالة التاء، فبنوا منه فعل يفعل، وأهل العربية على خلافه.
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ وسبحان مصدر لسبح سبحانًا كغفر غفرانًا، ولا يكاد يستعمل إلا مضافًا منصوبًا بإضمار فعله كمعاذ الله، وتصدير الكلام به اعتذار عما نسبت النصارى إليه، والمعنى: تنزيهًا لك عن أن يكون معك إله سواك.
﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾: دمت بوزن قلت؛ لأنه من دام يدوم، فهو أجوف واوي كقال، أصله: دوم من باب فعل المفتوح تحركت (١) الواو وانفتح ما قبلها فقلت ألفًا، فصار: دام كقال، فلما اتصل بتاء الضمير .. سكن آخر الفعل، فالتقى ساكنان؛ وهما الألف المنقلبة عن عين الكلمة وآخر الفعل، فحذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين، فصار: دمت، فجهل وزنه هل هو من باب فعل المفتوح أو المكسور أو المضموم؟ وجهل عينه هل هي واو أو ياء قبل انقلابها ألفًا؟ فروعي جانب التنبيه على العين المحذوفة، فأعطي حركة مجانسة لعينه، فصار: دمت بضم الدال، فعرف أن عينه واو من هذا الضم؛ لأنه حركة مجانسة للواو ويعرف كونه من باب فعل المفتوح من مصدره واسم فاعله؛ لأنه يقال فيه: دوام ودائم كما قال ابن مالك في لامية الأفعال:
وَانْقُلْ لِفَاءِ الثلاَثِيِّ شَكْلَ عَيْنٍ إِذَا اعـ ... ـتلَّتْ وَكَانَ بِتَا الإِضْمَارِ مُتَّصِلًا
أَوْ نُوْنِهِ وإِذَا فَتْحًا يَكُوْنُ فَعَنْـ ... ـهُ اعْتَضْ مُجَانِسَ تِلْكَ الْعَيْنِ مُنْتَقِلاَ
ويقال فيه: دام يدام كخاف يخاف، فحينئذ يقرأ بكسر الدال؛ لأنه من باب فعِل المكسور، فتكون حركته حركة نقل كخفت لا حركة مجانسة كقلت.
﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ توفي من باب تفعل الخماسي، ويستعمل التوفي في أخذ الشيء وافيًا؛ أي: كاملًا، والموت نوع منه قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ وليس المراد هنا الموت، بل المراد الرفع إلى السماء.
﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ والرقيب فعيل بمعنى فاعل؛ أي: المراقب الحافظ
стр. 3433
لهم، وكذا ﴿شَهِيدٌ﴾ بمعنى شاهد.
﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هما (١) فعيل بمعنى فاعل، وفيهما من المبالغة ما ليس فيه، والحكمة لغة: الإتقان والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه: حكمة الدابة، والحكيم: صفة ذات إن فسر بذي الحكمة، وصفة فعل إن فسر بأنه المحكم لصنعته اهـ "سمين".
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: ﴿رَضِيَ﴾ من باب فعل المكسور رضًا بكسر أوله مصدر سماعي له، والقياس فتح أوله، ولكنه لم يسمع كما قال ابن مالك في خلاصته:
وَمَا أَتَى مُخَالِفًا لِمَا مَضَى ... فَبَابُهُ النَّقْلُ كَسُخْطٍ وَرِضَا
والاسم منه: الرضاء ممدودًا، وأصل رضوا: رضيوا استثقلت الضمة على الياء، ثم نقلت إلى ما قبلها بعد سلب حركته فالتقى ساكنان وهما: الياء والواو، ثم حذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين، فصار: رضوا بوزن فعوا.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التجوز في استعمال: ﴿إذ﴾ بمعنى: إذا، والماضي بعده بمعنى المستقبل في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾؛ لأن هذا القول إنما يقع في يوم القيامة.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾؛ لأنه توبيخ لقومه وتبكيت لهم على رؤس الأشهاد.
ومنها: المشاكلة والمقابلة في قوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾؛ لأنه أتى بقوله: ﴿مَا فِي نَفْسِكَ﴾ على جهة المقابلة والمشاكلة لقوله: ﴿مَا فِي نَفْسِي﴾ فهو كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ وكقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
ومنها: جمع المؤكَّدات في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾؛ لأنه أكد هذه
стр. 3434
الجملة بـ ﴿إنّ﴾، والضمير المنفصل، وصيغة المبالغة، والجمع مع أل الاستغراقية.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، وفي قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. وفي قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، وفي قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ومنها: المجاز اللغوي في قوله: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ لما فيه من الإسناد إلى السبب.
ومنها: الحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
стр. 3435
سورة الأنعام
سورة الأنعام مكية إلا ست آيات أو ثماني آيات أو تسع آيات، فإنها مدنيات: ٢٠/ ٢٣/ ٩١/ ٩٣/ ١١٤/ ١٤١/ ١٥١/ ١٥٢/ ١٥٣/، وهي وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الثلاث آيات. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ إلى آخر الآيتين، وذكر مقاتل نحو هذا، وزاد آيتين وهما: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ الآية، فجملتها ثمان آيات. وقد روى كثير من المحدثين من غير واحد من الصحابة والتابعين أن هذه السورة نزلت جملة واحدة إلا هذه الآيات.
وهي مئة وخمس وستون آية: (١٦٥)، وعدد كلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة: (٣٠٥٢)، وعدد حروفها اثنا عشر ألفًا وأربع مئة واثنان وعشرون حرفًا: (١٢٤٢٢). وقال القرطبي: هي مكية إلا آيتين هما ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ نزلت في ثابت بن قيس بن شماس.
مناسبة هذه السورة لما قبلها: الناظر (١) في ترتيب السور كلها في المصحف يرى أنه قد روعي في ترتيبها الطول والتوسط والقصر في الجملة؛ ليكون ذلك أعون على التلاوة، وأسهل في الحفظ، فالناس يبدؤون بقراءته من أوله، فيكون الانتقال من السبع الطوال إلى المئتين، فالمثاني، فالمفصل أنفى للمَلَل، وأدعى للنشاط، ويبدؤون بحفظه من آخره؛ لأنه أسهل على الأطفال، ولأنه قد روعي