﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿جَنَّاتٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا مسوقة لبيان النفع المذكور، كأنه قيل: ما لهم من النعيم؟ فقال: لهم جنات. ﴿تَجري﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿جَنَّات﴾، ولكنها سببية. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿أَبَدًا﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾.
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَرَضُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿رَضِيَ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ﴾: خبر. ﴿الْعَظِيمُ﴾: صفة لـ ﴿فوز﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾.
﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الجر معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهو مبتدأ ﴿فِيهِنَّ﴾: جار ومجرور متعلقان بخبر محذوف تقديره: كائن ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ﴾: اتخذ (١) من باب افتعل ثلاثيه: تُخِذ يتخذ من باب علم يعلم بمعنى: أخذ، فأدغمت إحدى التائين في الأخرى. قال ابن الأثير: وليس من الأخذ في شيء، فإن الافتعال من الأخذ ائتخذ؛ لأن فاءه همزة، والهمزة لا تدغم في التاء خلافًا لقول الجوهري: الاتخاذ افتعال من الأخذ إلا
стр. 3432
أنه أُدغم بعد تليين الهمزة وإبدال الياء تاء، ثم لما كثر استعماله بلفظ الأفتعال .. توهموا أصالة التاء، فبنوا منه فعل يفعل، وأهل العربية على خلافه.
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ وسبحان مصدر لسبح سبحانًا كغفر غفرانًا، ولا يكاد يستعمل إلا مضافًا منصوبًا بإضمار فعله كمعاذ الله، وتصدير الكلام به اعتذار عما نسبت النصارى إليه، والمعنى: تنزيهًا لك عن أن يكون معك إله سواك.
﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾: دمت بوزن قلت؛ لأنه من دام يدوم، فهو أجوف واوي كقال، أصله: دوم من باب فعل المفتوح تحركت (١) الواو وانفتح ما قبلها فقلت ألفًا، فصار: دام كقال، فلما اتصل بتاء الضمير .. سكن آخر الفعل، فالتقى ساكنان؛ وهما الألف المنقلبة عن عين الكلمة وآخر الفعل، فحذفت الألف للتخلص من التقاء الساكنين، فصار: دمت، فجهل وزنه هل هو من باب فعل المفتوح أو المكسور أو المضموم؟ وجهل عينه هل هي واو أو ياء قبل انقلابها ألفًا؟ فروعي جانب التنبيه على العين المحذوفة، فأعطي حركة مجانسة لعينه، فصار: دمت بضم الدال، فعرف أن عينه واو من هذا الضم؛ لأنه حركة مجانسة للواو ويعرف كونه من باب فعل المفتوح من مصدره واسم فاعله؛ لأنه يقال فيه: دوام ودائم كما قال ابن مالك في لامية الأفعال:
وَانْقُلْ لِفَاءِ الثلاَثِيِّ شَكْلَ عَيْنٍ إِذَا اعـ ... ـتلَّتْ وَكَانَ بِتَا الإِضْمَارِ مُتَّصِلًا
أَوْ نُوْنِهِ وإِذَا فَتْحًا يَكُوْنُ فَعَنْـ ... ـهُ اعْتَضْ مُجَانِسَ تِلْكَ الْعَيْنِ مُنْتَقِلاَ
ويقال فيه: دام يدام كخاف يخاف، فحينئذ يقرأ بكسر الدال؛ لأنه من باب فعِل المكسور، فتكون حركته حركة نقل كخفت لا حركة مجانسة كقلت.
﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ توفي من باب تفعل الخماسي، ويستعمل التوفي في أخذ الشيء وافيًا؛ أي: كاملًا، والموت نوع منه قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ وليس المراد هنا الموت، بل المراد الرفع إلى السماء.
﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾ والرقيب فعيل بمعنى فاعل؛ أي: المراقب الحافظ
стр. 3433
لهم، وكذا ﴿شَهِيدٌ﴾ بمعنى شاهد.
﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هما (١) فعيل بمعنى فاعل، وفيهما من المبالغة ما ليس فيه، والحكمة لغة: الإتقان والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه: حكمة الدابة، والحكيم: صفة ذات إن فسر بذي الحكمة، وصفة فعل إن فسر بأنه المحكم لصنعته اهـ "سمين".
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: ﴿رَضِيَ﴾ من باب فعل المكسور رضًا بكسر أوله مصدر سماعي له، والقياس فتح أوله، ولكنه لم يسمع كما قال ابن مالك في خلاصته:
وَمَا أَتَى مُخَالِفًا لِمَا مَضَى ... فَبَابُهُ النَّقْلُ كَسُخْطٍ وَرِضَا
والاسم منه: الرضاء ممدودًا، وأصل رضوا: رضيوا استثقلت الضمة على الياء، ثم نقلت إلى ما قبلها بعد سلب حركته فالتقى ساكنان وهما: الياء والواو، ثم حذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين، فصار: رضوا بوزن فعوا.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التجوز في استعمال: ﴿إذ﴾ بمعنى: إذا، والماضي بعده بمعنى المستقبل في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾؛ لأن هذا القول إنما يقع في يوم القيامة.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾؛ لأنه توبيخ لقومه وتبكيت لهم على رؤس الأشهاد.
ومنها: المشاكلة والمقابلة في قوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾؛ لأنه أتى بقوله: ﴿مَا فِي نَفْسِكَ﴾ على جهة المقابلة والمشاكلة لقوله: ﴿مَا فِي نَفْسِي﴾ فهو كقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ وكقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
ومنها: جمع المؤكَّدات في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾؛ لأنه أكد هذه
стр. 3434
الجملة بـ ﴿إنّ﴾، والضمير المنفصل، وصيغة المبالغة، والجمع مع أل الاستغراقية.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، وفي قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾. وفي قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، وفي قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ومنها: المجاز اللغوي في قوله: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ لما فيه من الإسناد إلى السبب.
ومنها: الحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
стр. 3435
سورة الأنعام
سورة الأنعام مكية إلا ست آيات أو ثماني آيات أو تسع آيات، فإنها مدنيات: ٢٠/ ٢٣/ ٩١/ ٩٣/ ١١٤/ ١٤١/ ١٥١/ ١٥٢/ ١٥٣/، وهي وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الثلاث آيات. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ إلى آخر الآيتين، وذكر مقاتل نحو هذا، وزاد آيتين وهما: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ الآية، فجملتها ثمان آيات. وقد روى كثير من المحدثين من غير واحد من الصحابة والتابعين أن هذه السورة نزلت جملة واحدة إلا هذه الآيات.
وهي مئة وخمس وستون آية: (١٦٥)، وعدد كلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة: (٣٠٥٢)، وعدد حروفها اثنا عشر ألفًا وأربع مئة واثنان وعشرون حرفًا: (١٢٤٢٢). وقال القرطبي: هي مكية إلا آيتين هما ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ نزلت في ثابت بن قيس بن شماس.
مناسبة هذه السورة لما قبلها: الناظر (١) في ترتيب السور كلها في المصحف يرى أنه قد روعي في ترتيبها الطول والتوسط والقصر في الجملة؛ ليكون ذلك أعون على التلاوة، وأسهل في الحفظ، فالناس يبدؤون بقراءته من أوله، فيكون الانتقال من السبع الطوال إلى المئتين، فالمثاني، فالمفصل أنفى للمَلَل، وأدعى للنشاط، ويبدؤون بحفظه من آخره؛ لأنه أسهل على الأطفال، ولأنه قد روعي
стр. 3436
التناسب في معاني السور مع التناسب في مقدار الطول والقصر.
ووجه مناسبتها لآخر سورة المائدة من وجوه عدة:
١ - أن معظم سورة المائدة في محاجة أهل الكتاب، ومعظم سورة الأنعام في محاجة المشركين والملحدة.
٢ - أن سورة الأنعام قد ذكرت فيها أحكام الأطعمة المحرمة والذبائح بالإجمال، وذكرت في المائدة بالتفصيل وهي قد نزلت أخيرًا.
٣ - أن هذه افتتحت بالحمد، وتلك اختتمت بفصل القضاء، وبينهما تلازم كما قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
التسمية: وسميت سورة الأنعام؛ لورود ذكر الأنعام فيها: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾، ولأن أكثر أحكامها الموضحة لجهالات المشركين تقربًا بها إلى أصنامهم مذكورة فيها.
ومن خصائصها: ما أخرجه (١) أبو عبيد وابن المنذر والطبري وابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة، وحولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفًا من الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن أسماء: نزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا ما بين السماء والأرض. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزلت عليَّ سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح والتحميد".
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو الشيخ والبيهقي في "الشعب" عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "نزلت سورة الأنعام ومعها موكب من الملائكة يسد ما
стр. 3437
بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، والأرض ترتج، ورسول الله ﷺ يقول: سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم".
وأخرج الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، والإسماعيلي في "معجمه" والبيهقي عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام .. سبح رسول الله ﷺ ثم قال: لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق.
وأخرج البيهقي وضعفه والخطيب في "تاريخه" عن علي بن أبي طالب قال: أنزل القرآن خمسًا خمسًا، ومن حفظه خمسًا خمسًا لم ينسه إلا سورة الأنعام فإنها نزلت جملة يشيعها من كل سماء سبعون ملكًا حتى أدوها إلى النبي ﷺ ، ما قرئت على عليل إلا شفاه الله.
وأخرج السلفي بسند واهٍ عن ابن عباس مرفوعًا: من قرأ إذا صلى الغداة ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ .. نزل إليه أربعون ألف ملك يكتب له مثل أعمالهم، ونزل إليه ملك من فوق سبع سموات ومعه مرزبة من حديد، فإن أوحى الشيطان في قلبه شيئًا من الشر .. ضربه ضربة حتى يكون بينه وبينه سبعون حجابًا، فإذا كان يوم القيامة .. قال الله تعالى: "أنا ربك وأنت عبدي، امش في ظلي، واشرب من الكوثر، واغتسل من السلسلبيل، وادخل الجنة بغير حساب ولا عذاب".
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى الفجر في جماعة وقعد في مصلاه وقرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام .. وكل الله به سبعين ملكًا يسبحون الله ويستغفرون له إلى يوم القيامة".
وفي فضائل هذه السورة: روايات عن جماعة من التابعين مرفوعة وغير مرفوعة:
قال القرطبي: قال العلماء: هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين، ومن كذب بالبعث والنشور، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة؛ لأنها في معنى واحد من الحجة، وإن تصرّف ذلك بوجوه كثيرة، وعليها بنى
стр. 3438
المتكلمون أصول الدين. انتهى من "الشوكاني".
تنبيه (١): قال بعض العلماء: اختصت هذه السورة بنوعين من الفضيلة:
أحدهما: أنها نزلت دفعة واحدة.
والثاني: أنه شيعها سبعون ألفًا من الملائكة، والسبب في ذلك: أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد، وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين.
الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه "الناسخ والمنسوخ من القرآن": سورة الأنعام تحتوي على أربع عشرة آية منسوخة:
أولاهن: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ الآية (١٥) مكية فهي منسوخة، وناسخها قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية (٢) مدنية من سورة الفتح.
والثانية والثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (٦٨/ ٨٩) مكية نسخت بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ الآية (١٤٠) مدنية.
والرابعة: قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ الآية (٧٠) مكية يعني به اليهود والنصارى، نسخت بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (٢٩) من سورة التوبة.
والخامسة: قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ الآية (٩١) مكية نسخت بآية السيف.
والسادسة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) وَمَا تَأتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.
المناسبة
مناسبة افتتاح هذه السورة لآخر المائدة (١): أنه تعالى لما ذكر ما قالته النصارى في عيسى وأمه من كونهما إلهين من دون الله، وجرت تلك المحاورة، وذكر ثواب ما للصادقين، وأعقب ذلك بأن له ملك السموات والأرض وما فيهن، وأنه قادر على كل شيء .. ذكر بأن الحمد المستغرق جميع المحامد له، فلا يمكن أن يوجد معه شريك في الإلهية فيحمد، ثم نبه على العلة المقتضية لجميع المحامد والمقتضية كون ملك السموات والأرض وما فيهن له بوصف خلق السموات والأرض؛ لأن الموجد للشيء المنفرد باختراعه له الاستيلاء والسلطنة عليه، ولما قدم قولهم في عيسى وكفرهم بذلك، وذَكَر الصادقين وجزاءهم .. أعقب خلق السموات والأرض بجعل الظلمات والنور، فكان ذلك مناسبًا للكافر والصادق.
стр. 3441
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله لما أرشد في الآيات السالفة إلى دلائل وحدانيته، ودل على أنها مع ظهورها لم تمنع الكافرين من الشك، وإلى دلائل البعث، وأنها على شدة وضوحها لم تمنع المشركين من الشك والريب، وإلى أن الله المتصف بتلك الصفات التي تعرفونها هو الله المحيط علمه بما في السموات والأرض، فلا ينبغي أن يشرك به غيره فيهما، ولكن المشركين جهلوا ذلك، وجوزوا أن يكون غير الرب إلهًا، بل عبدوا معه آلهة أخرى. ذكر هنا سبب عدم اهتدائهم بالوحي، وأنذرهم عاقبة التكذيب بالحق، ولفت - صرف ووجَّه - أنظارهم إلى ما حل بالأمم قبلهم حين كذبوا رسلهم لعلهم يرعوون عن غيهم، ويثوبون إلى رشدهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أن الله لما أرشد في الآيات المتقدمة إلى ما دعا إليه الرسول ﷺ من التوحيد والبعث، ثم ذكر بعدها الأسباب التي دعت قريشًا إلى التكذيب، وأنذرهم عاقبة هذا التكذيب بما يحل بهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة، وأنه لا يحول دونه ما هم فيه من قوة وضعف الرسول ﷺ ، وتمكنهم في مكة وهي أم القرى، وأهلها القدوة والسادة بين العرب .. ذكر هنا شبهات أولئك الجاحدين المعاندين على الوحي وبعثة الرسول، وبها تم بيان أسباب جحودهم وإنكارهم لأصول الدين الثلاثة: التوحيد، والبعث، ونبوة محمد ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٣): أن الله لما ذكر فيما سلف مقترحاتهم على النبي ﷺ ، وأنهم تارة يطلبون إنزال ملك مع الرسول ﷺ ، وأخرى يطلبون إنزال ملك بالرسالة، وكان مبنى هذه المقالة الاستهزاء، وكان قلب الرسول يضيق بها ذرعًا
стр. 3442
عند سماعه إياها .. ذكر هنا ما يخفف عنه ما يلاقيه منهم من سوء الأدب ومن الهزء والسخرية، فأبان له أنك لست ببدع من الرسول، فإن كثيرًا منهم لاقوا من أقوامهم مثل ما لاقيت، بل أشد من ذلك وأنكى، فأنزل الله بهم من العذاب ما يستحقونه كفاء أفعالهم الشنيعة، وجرأتهم على من اصطفاهم ربهم من خلقه، ثم أمر هؤلاء المكذبين بأن يسيروا في الأرض ليروا كيف كان عاقبة المكذبين لأنبيائه.
أسباب النزول
وأما الأسباب: فلم يكن لهذه الآيات سبب لنزولها؛ لأنها إنما نزلت لتعليم العباد كيف يحمدونه فكأنه قال: قولوا يا عبادي عند حمدي وثنائي: الحمد لله. وقال أهل المعاني: لفظه خبر، ومعناه أمر، والمعنى: احمدوا الله لذاته، وعلى نعمه.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي: جنس الحمد بأنواعه، وكل الشكر على نعمه مستحق لله ﴿الَّذِي﴾ خلقكم أيها الناس من نفس واحدة و ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: أوجد وأبدع السموات السبع والأرضين السبعة على غير مثال، فهو هو المستحق عليكم الحمد والشكر على نعمه، لا ما تعبدون من دونه وتجعلونه شريكًا له من خلقه. والمراد بالسموات والأرض: العوالم العلوية التي يرى كثير منها فوقنا، وهذا العالم السفلي الذي نعيش فيه.
وإنما قدم (١) السموات على الأرض لشرفها؛ لأنها متعبد الملائكة، ولم تقع فيها معصية، والأرض وإن كان فيها الأنبياء، لكنها احتوت على الأشرار والمفسدين، ولتقدم وجودها على وجود الأرض كما قاله القاضي. ومراده أن السموات على هذه الهيئة مقدمة على الأرض الكائنة على هذه الهيئة الموجودة؛ لأنه تعالى قال في سورة النازعات: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾، فإنه صريح في أن بسط الأرض
стр. 3443
مؤخر عن تسوية السماء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى إيضاحه في تلك السورة. اهـ "كرخي". ولا منافاة بين آية فُصِّلَت وبين آية النازعات فإن الأرض خلقت أولًا كرة ثم خلقت السموات من دخان كما دلت عليه آية فُصلت، ثم بنى السماء ورفعها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها. وإنما جمع السموات وأفرد الأرض؛ لاختلاف أجناسها، فإن الأولى على ما قيل من موج مكفوف، والثانية من مرمرة بيضاء، والثالثة من حديد، والرابعة من نحاس، والخامسة من فضة، والسادسة من ذهب، والسابعة من ياقوتة حمراء، والأرض وإن كانت سبعًا أيضًا إلا أنها من جنس واحد، واختلف هل الأرض واحدة؟ وهو الصحيح، فالتعدد باعتبار أقطارها، وقيل: طباق كالسماء، وأما السماء: فهي طباق باتفاق ذكره "الصاوي"، ولكن هذا كله إسرائيليات لا مستند له.
والحاصل: أن الله بدأ هذه السورة بالحمد لنفسه تعليمًا لعباده أن يحمدوه بهذه الصيغة الجامعة لصنوف التعظيم والتبجيل والكمال، وإعلامًا بأنه المستحق لجميع المحامد، فلا ندّ له ولا شريك ولا نظير ولا مثيل. ومعنى الآية: احمدوا الله ربكم المفضل عليكم بصنوف الإنعام والإكرام، الذي أوجد وأنشأ وأبدع خلق السموات والأرض بما فيهما من أنواع البدائع وأصناف الروائع، وبما اشتملا عليه من عجائب الصنعة وبدائع الحكمة بما يدهش العقول والأفكار تذكرة وذكرى لأولي الأبصار. والحمد (١): هو الثناء الحسن والذكر الجميل، والفرق بينه وبين المدح: أن المدح أعم من الحمد؛ لأن المدح يكون للعاقل ولغير العاقل، فكما يمدح العاقل على أنواع فضائله كذلك يمدح اللؤلؤ لحسن شكله، والياقوت على نهاية صفائه وصقالته. والحمد لا يكون إلا للفاعل المختار على ما يصدر منه من الإحسان، والحمد أعم من الشكر؛ لأن الحمد تعظيم المنعم لأجل ما صدر عنه من الإنعام واصلًا إليك أو إلى غيرك، والشكر: تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحصل عندك، والمقصود من الآية: ذكر الدلالة على وجود الصانع.
стр. 3444
﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾؛ أي: والذي أوجد وأنشأ الظلمات والنور الحسيين والمعنويين، كظلمة الليل ونور النهار وظلمة الكفر ونور الإيمان. واختلف (١) العلماء في المراد منهما: فمن قائل: إن المقصود منهما ظلمة الليل ونور النهار، وإلى هذا جنح ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي، وفي ذلك ردٌّ على المجوس - الثنوية - الذين زعموا أن للعالم ربين، أحدهما: النور، وهو الخالق للخير، والثاني: الظلمة، وهو الخالق للشر. ومن قائل: إن المراد منهما الكفر والإيمان، وروي هذا عن ابن عباس.
والفرق (٢) بين الخلق والجعل: أن كلًّا منهما هو الإنشاء والإبداع إلا أن الخلق مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية، والجعل عام له، كما في هذه الآية الكريمة، وللتشريعي أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ الآية. وإنما جمع الظلمات دون النور؛ لكثرة محالها؛ إذ ما من جرم إلا وله ظل، والظل هو الظلمة بخلاف النور فإنه من جنس واحد وهو النار، وهذا إذا حملا على الكيفيتين المحسوستين بحاسة البصر وإن حمل النور على الإِسلام والإيمان واليقين والنبوة، والظلمات على ظلمة الشرك والكفر والنفاق .. فنقول: لأن الحق واحد والباطل كثير. وفي "البيضاوي" (٣): وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها، وفي "شيخ الإِسلام " قوله: لكثرة أسبابها؛ إذ ما من جرم إلا وله ظل، والظل هو الظلمة بخلاف النور، فإنه من جنس واحد وهو النار، ولا ترد الأجرام النيرة كالكواكب؛ لأن مرجع كل نير إلى النار على ما قيل: إن الكواكب أجرام نورية نارية، وإن الشهب تنفصل من نار الكواكب، فصح أن النور من جنس النار. اهـ.
وإنما قدم الظلمات على النور؛ لأن الظلمة عدم النور عن الجسم الذي يقبله وعدم المحدثات متقدم على وجودها. ﴿ثُمَّ﴾ بعد قيام هذه الأدلة ﴿الَّذِينَ
стр. 3445
كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ وجحدوا به ﴿يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: يميلون عن عبادته إلى عبادة غيره من الأصنام والأحجار، فهو من العدول (١) بمعنى الميل، ولا مفعول له حينئذ. والجار والمجرور في قوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾، ويجوز أن يتعلق بـ ﴿يَعْدِلُونَ﴾، وقدم عليه للفاصلة، وفي ﴿الباء﴾ حينئذ احتمالان:
أحدهما: أن تكون بمعنى: ﴿عن﴾ وبعدلون من العدول أيضًا؛ أي: يعدلون عن ربهم إلى غيره.
والثاني: أنها للتعدية، ويعدلون من العدل بمعنى التسوية بين الشيئين، والمعنى: ثم الذين كفروا يسوون بربهم غيره من المخلوقين، فيكون المفعول محذوفًا. اهـ "سمين".
وعبارة "المراح" هنا: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾؛ أي (٢): يشركون به غيره، وهذه الجملة إما معطوفة على قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، والباء متعلقة بـ ﴿كَفَرُوا﴾، فيكون ﴿يَعْدِلُونَ﴾ من العدول بمعنى الميل، ولا مفعول له، والمعنى: إن الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلقه؛ لأنه تعالى ما خلقه إلا نعمة، ثم الذين كفروا بربهم يميلون عنه فيكفرون نعمته، أو متعلقة بـ ﴿يَعْدِلُونَ﴾، وهو من العدل، ويوضع الرب موضع الضمير العائد إليه تعالى، والمعنى: إنه مختص باستحقاق الحمد والعبادة باعتبار ذاته، وباعتبار شؤونه العظيمة الخاصة، ثم هؤلاء الكفرة يسوون به غيره في العبادة التي هي أقصى غايات الشكر الذي رأسه الحمد، وإما معطوفة على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾، والباء متعلقة بـ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ وقدمت لأجل الفاصلة، وهي إما بمعنى: عن، ويعدلون من العدول، والمعنى: إن الله تعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم الذين كفروا يعدلون عن ربهم إلى غيره، أو للتعدية و ﴿يَعْدِلُونَ﴾ من العدل، وهو التسوية، والمعنى: أنه تعالى خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه، ثم إنهم يعدلون به جمادًا لا يقدر على شيء أصلًا، فيكون المفعول
стр. 3446
محذوفًا، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الشرك بعد وضوح آيات قدرته تعالى.
والمعنى: ثم بعد تلك الدلائل الباهرة والبراهين القاطعة على وجود الله ووحدانيته يشرك الكافرون بربهم، فيساوون به أصنامًا نحتوها بأيديهم، وأوهامًا ولدوها بخيالهم، ففي ذلك تعجيب من فعلهم وتوبيخ لهم. قال (١) ابن عطية: والآية دالة على قبح فعل الكافرين؛ لأن المعنى أن خلقه السموات والأرض والظلمات والنور وغيرها قد تقرر، وآياته قد سطعت وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد هذا كله قد عدلوا بربهم؟ فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك، ثم تشتمني؟ أي: بعد وضوح هذا كله، ولو وقع العطف في هذا ونحوه بالواو .. لم يلزم التوبيخ كلزومه بـ ﴿ثُمَّ﴾ انتهى.
وعبارة "الفتوحات" هنا: و ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليست للترتيب الزماني، وإنما هي للتراخي بين الرتبتين، والمراد: استبعاد أن يعدلوا به غيره مع ما أوضح من الدلالات.
وقال الزمخشري: فإن قلتَ: فما معنى: ﴿ثُمَّ﴾ هنا؟
قلت: استبعاد أن يعدلوا به مع وضوح آيات قدرته، وكذلك: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ استبعاد أن يمتروا بعد ما ثبت أنه يحييهم ويميتهم ويبعثهم اهـ "سمين" انتهت.
٢ - وبعد أن وصف الخالق نفسه بما دل على توحيده واستحقاقه .. انتقل إلى خطاب المشركين الذين عدلوا به غيره في العبادة، مذكرًا لهم بدلائل التوحيد والبعث فقال و ﴿هُوَ﴾؛ أي: المعبود الذي يستحق منكم العبادة أيها المشركون، الإله ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾؛ أي: خلق آباكم آدم من طين؛ أي: من تراب مخلوط بالماء؛ أي: من جميع أنواعه الأحمر والأبيض والأسود فلذلك اختلفت ألوان بني آدم، وعجن طينته بالماء العذب والملح والمر، فلذلك اختلفت أخلاقهم؛ أي: أخذ قبضة من جميع أنواع التراب وعجنها
стр. 3447
بجميع أنواع المياه، فاختلاف الألوان لاختلاف ألوان تلك القبضة، واختلاف الأخلاق لاختلاف أنواع تلك المياه، وعلى هذا فالكلام على حذف مضاف كما قدرنا. وقيل: لا حذف، بل (١) كل فرد من أفراد البشر من سلالة من طين، فإنَّ بنيته مكونة من الغذاء، ومن ذلك البويضات التي في الأنثى، والحيوان المنوي الذي في الذكر، فكلها مكونة من الدم، والدم من الغذاء، والغذاء من نبات الأرض أو من لحوم الحيوان المتولدة من النبات، فالمرجع إلى النبات، والنبات إلى الطين، فثبت (٢) أن الإنسان مخلوق من الأغذية النباتية، ولا شك أنها متولدة من الطين، فثبت أن كل إنسان متولد من طين. وقال المهدوي: إن الإنسان مخلوق ابتداءً من طين؛ لخبر: "ما من مولود يولد إلا ويُذَرُّ على النطفة من تراب حفرته". وأيًّا ما كان الإنسان ففيه من وضوح الدلالة على كمال قدرته تعالى على البعث ما لا يخفى، فإن من قدر على إحياء ما لم يشم رائحة الحياة قط، كما على إحياء ما قارنها مدةً أظهرُ قدرة.
﴿ثُمَّ﴾ بعد خلقكم من طين ﴿قَضَى﴾؛ أي: كتب وقدر وحدد لكم ﴿أَجَلًا﴾؛ أي: مدة معينة من وقت الولادة إلى وقت الموت لجلوسكم في الدنيا، وتسمى تلك المدة العمر؛ أي: خصص الله موت كل أحد بوقت معين، وذلك التخصيص تعلق مشيئته تعالى بإيقاع ذلك الموت في ذلك الوقت ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ أي: حد معين ووقت معلوم من موتكم إلى بعثكم، وتسمى تلك المدة مدة البرزخ مكتوبة ﴿عِنْدَهُ﴾ (٣). ويروى عن ابن عباس أنه قال: لكل أحد أجلان: أجل من وقت الولادة إلى وقت الموت، وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان الإنسان تقيًّا وَصُولًا للرحم .. زيد له من أَجل البعث في أجل العمر، وإن كان فاجرًا قاطعًا للرحم .. نقص من أجل العمر، وزِيد في أجل البعث، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
والآية (٤) ترشد إلى أنه تعالى قضى لعباده أجلين: أجلًا لحياة كل فرد منهم
стр. 3448
ينتهي بموته، وأجلًا لإعادتهم وبعثهم بعد موت الجميع وانقضاء مدة الدنيا. ومعنى كونه مسمى عنده: أنه لا يعلمه غيره؛ لأنه لم يُطلع أحدًا على يوم القيامة لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، والمراد بقوله: ﴿عِنْدَهُ﴾: في اللوح المحفوظ الذي لا يطلع عليه غيره ﴿ثُمَّ﴾ بعد ظهور مثل هذه الحجة الباهرة ﴿أَنْتُمْ﴾ أيها المشركون ﴿تَمْتَرُونَ﴾؛ أي: تشكون في البعث، وتكذبون به بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم من طين، ومن قدر على الابتداء .. فهو أقدر على الإعادة، وهذا (١) استبعاد لامترائهم بعد ما ثبت أنه خالقهم وخالق أصولهم، ومحييهم إلى آجالهم، فإن من قدر على خلق المواد وجمعها، وإيداع الحياة فيها وإبقائها ما يشاء .. كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيًا، فالآية الأولى دليل التوحيد، والثانية دليل البعث، ويؤخذ منه صحة الحشر والنشر.
٣ - والضمير في قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ مبتدأ، ولفظ الجلالة خبره، والجار والمجرور متعلق بلفظ الجلالة؛ لأنه بمعنى المعبود، والضمير عائد الإله الموصوف بالصفات السابقة، وهي: خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وخلق الناس من طين إلى آخرها، فكان في الإخبار بذلك فائدة، وهذا ما عليه الجمهور.
والمعنى: ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: خالق السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور إلخ ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود المستحق للعبادة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾، والمتصرف فيهما لا غير، وقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ في القلوب من الدواعي والصوارف ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾ في الجوارح من الأعمال، خبر بعد خبر جيء به تقريرًا وتوكيدًا لما قبله؛ لأن الذي يستوي في علمه السر والجهر هو الله وحده، والمراد بالسر: ما يخفيه الإنسان في ضميره، فهو من أعمال القلوب وبالجهر ما يظهره الإنسان فهو من أعمال الجوارح. والمعنى: إن الله لا يخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾؛ أي: مكتسبكم؛ أي: ما تستحقون على فعلكم من الثواب والعقاب.
بقي في الآية سؤال (٢)، وهو أن الكسب، إما أن يكون من أعمال القلوب،
стр. 3449
وهو المسمى بالسر، أو من أعمال الجوارح، وهو المسمى بالجهر، فالأفعال لا تخرج عن هذين النوعين يعني: السر والجهر، فقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ يقتضي عطف الشيء على نفسه، وذلك غير جائز، فما معنى ذلك؟ وأجيب عنه: بأنه يجب حمل قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ على ما يستحقه الإنسان على فعله وكسبه من الثواب والعقاب.
والحاصل فيه: أنه محمول على المكتسب كما فسرناه آنفًا، كذلك فهو نظير قولهم: هذا المال كسب فلان؛ أي: مكتسبه، ولا يجوز حمله على نفس الكسب وإلا لزم عطف الشيء على نفسه، ذكره الإِمام فخر الدين الرازي.
٤ - قوله: ﴿وَمَا تَأتِيهِمْ﴾ يعني: أهل مكة، كلام مستأنف وارد لبيان كفرهم بآيات الله تعالى، وإعراضهم عنها بالكلية بعد ما بين في الآية الأولى إشراكهم بالله تعالى وإعراضهم عن بعض آيات التوحيد، وفي الآية الثانية امتراءهم في البعث، وإعراضهم عن بعض آياته، و ﴿ما﴾: نافية، وصيغة المضارع لحكاية الماضية، أو للدلالة على الاستمرار التجددي. و ﴿من﴾ في قوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ زائدة في الفاعل؛ لاستغراق الجنس، ومعنى زيادتها: أن ما بعدها معمول لما قبلها فاعل لقوله: ﴿تَأتِيهِمْ﴾، وفي قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ تبعيضية صفة لـ ﴿آيَةٍ﴾؛ أي: وما يظهر لأهل مكة دليل من الأدلة التي يجب النظر فيها، والاستدلال والاعتبار بها من الآيات التكوينية كالسموات والأرض والظلمات والنور، أو ما يظهر لهم معجزة من المعجزات الباهرات التي جاء بها رسول الله ﷺ كانشقاق القمر، أو ما تنزل عليهم آية من آيات القرآن ﴿إِلَّا كَانُوا﴾؛ أي: كان أهل مكة ﴿عَنْهَا﴾؛ أي: عن النظر فيها أو عن تصديقها أو عن سماعها وقبولها ﴿مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: تاركين للنظر فيها ومكذبين بها، لا يلتفتون إليها ولا يرفعون بها رأسًا لقلة خوفهم وتدبرهم للعواقب. قيل: الآية هنا: العلامة على وحدانية الله وانفراده بالألوهية. وقيل: الرسالة. وقيل: المعجز الخارق. وقيل: القرآن، ومعنى: ﴿عَنْهَا﴾؛ أي: عن قبولها أو سماعها والإعراض ضد الإقبال كما أشرنا إلى هذه الأقوال في الحل.
стр. 3450
وتضمنت (١) هذه الآية مذمة هؤلاء الذين كفروا بأنهم يعرضون عن كل آية ترد عليهم،
٥ - ولما تقدم الكلام أولًا في التوحيد، وثانيًا في المعاد، وثالثًا في تقرير هذين المطلوبين .. ذكر بعد ذلك ما يتعلق بتقرير النبوة، وبيَّن فيه أنهم أعرضوا عن تأمل الدلائل، ويدل ذلك على أن التقليد باطل، وأن التأمل في الدلائل واجب، ولذلك ذموا بإعراضهم عن "الدلائل" فقال: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾؛ أي: فقد كذب أهل مكة ﴿بِالْحَقِّ﴾ الذي هو تلك الآية السابقة بتفصيلها ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: حين جاءهم وأتاهم ذلك الحق؛ أي: فقد كذب أهل مكة بالمعجزات كانشقاق القمر بمكة وانفلاقه فلقتين، فذهبت فلقة وبقيت فلقة، أو بالقرآن، أو بمحمد ﷺ . وظاهر (٢) قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أن الفاء للتعقيب، وأن إعراضهم عن الآية أعقبه التكذيب ﴿فَسَوْفَ يَأتِيهِمْ﴾؛ أي: يأتي أهل مكة ﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: أخبار (٣) عاقبة الشيء الذي كانوا به يستسخرون، وهو القرآن، أو محمد ﷺ على أن ﴿مَا﴾ عبارة عن ذلك الشيء، أبهمه تهويلًا للأمر وتعظيمًا له؛ أي: سيعرفون أن هذا الشيء الذي استهزؤوا به ليس بموضع للاستهزاء، وذلك عند إرسال عذاب الله عليهم، أو المعنى: سوف يأتيهم أخبار عاقبة كونهم مستهزئين بذلك الحق يوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب على أن ﴿مَا﴾ مصدرية. والأنباء (٤): جمع نبأ، وهو الخبر العظيم المزعج، وجمعه إشارة إلى تكرر الجزاء لهم في الدنيا ويوم القيامة.
والخلاصة: فسوف يأتيهم جزاء استهزاء الذي كانوا يستهزئون به في العاجل بالقتل والأسر، والآجل بالعذاب الدائم في النار، وهذه الجملة معطوفة على محذوف تقديره: فقد كذبوا بالحق لما جاءهم واستهزئوا به، فسوف يأتيهم إلخ.
ولما هددهم وأوعدهم على إعراضهم وتكذيبهم واستهزائهم .. أتبع ذلك بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة، وحض على الاعتبار بالقرون الماضية،
стр. 3451
٦ - فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ويروا هنا بمعنى: يعلموا؛ لأنهم لم يبصروا هلاك القرون السالفة، والهمزة فيه للاستفهام التقريري، لا للإنكار كما قاله الشوكاني؛ لأن الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، فلا يدخل على حرف النفي، ونظير ما هنا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، وكم خبرية بمعنى: عدد كثير؛ أي: ألم يعلم هؤلاء الكفار المعرضون عن آياتنا المكذبون لرسولنا محمد ﷺ يعني: أهل مكة؛ أي: لم يعلموا بسماع الأخبار ومعاينة الآثار في أسفارهم للتجارة إلى الشام في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء، كم من قرن أهلكنا من قبلهم؛ أي: أهلكنا من قبل زمان أهل مكة كثيرًا من الأمم السالفة قرنًا بعد قرن؛ بسبب تكذيبهم الرسل، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم.
والقرن (١): يطلق على أهل كل عصر سموا بذلك؛ لاقترانهم، وقيل: القرن مدة من الزمان، وهي: ستون عامًا أو سبعون أو ثمانون أو مئة على اختلاف الأقوال، فيكون ما في الآية على تقدير مضاف محذوف؛ أي: من أهل قرن. وقوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾؛ أي: القرن، وجمع الضمير باعتبار كون القرن جمعًا في المعنى، وجملة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾، والجملتان بعدها نعوت لـ ﴿قَرْنٍ﴾؛ أي: قرنًا موصوفًا بالصفات الثلاث، وقيل: مستأنفة؛ أي: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من القرون الموصوفين بكونهم ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ يا أهل مكة؛ أي: أعطينا أولئك القرون والجماعة من البسطة في الأجساد والامتداد في الأعمار والسعة في الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا ما لم نعطكم يا أهل مكة، ومع ذلك فقد أهلكناهم بذنوبهم، ولم ينفعهم ولم يدفع عنهم التمكين وما بعده من الصفات عذاب الله حين جاءهم، فيخاف على أهل مكة أن ينزل بهم الهلاك مثل ما نزل بمن قبلهم مع أن من قبلهم كانوا أعظم شأنًا منهم، لكن لما كذبوا الرسل .. استحقوا الهلاك، فكذلك أهل مكة، إن استمروا على تكذيب محمد ﷺ يخشى عليهم الهلاك مثلهم. وفي قوله: ﴿لَكُمْ﴾ التفات إلى الخطاب عن الغيبة التي في
стр. 3452
قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ والمعنى: ألم يعلم هؤلاء الكفار المكذبون بالحق أنا أهلكنا كثيرًا من الأقوام الذين كذبوا الرسل قبلهم بعد أن أعطيناهم من التمكين والاستقلال في الأرض وأسباب التصرف فيها ما لم نعطهم مثله، ثم لم تكن تلك النعم بمانعة لهم من عذابنا لما استحقوه بذنوبهم وعتوهم واستكبارهم.
ثم ذكر بعد هذا ما امتازت به تلك القرون عن كفار قريش من النعم الإلهية التي اقتضتها طبيعة بلادهم، وخصب تربتها، فقال: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ﴾؛ أي: أنزلنا المطر ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أولئك القرون حالة كونه ﴿مِدْرَارًا﴾؛ أي: كثيرًا متتابعًا كلما احتاجوا إليه، وهذه الجملة والتي بعدها معطوفتان على جملة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ كما مرَّ؛ أي: ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من القرون الموصوفين بكونهم مكناهم في الأرض، وبكونهم أرسلنا السماء عليهم مدرارًا ﴿و﴾ بكونهم ﴿جَعَلْنَا الْأَنْهَارَ﴾ والمياه ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾؛ أي: تسيل من تحت بساتينهم وزروعهم فعاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار وسقيا الغيث المدرار ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ أي: فأهلكنا أولئك القرون ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: بتكذيبهم الأنبياء، وبكونهم باعوا الدين بالدنيا؛ أي: أهلكنا (١) كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب، فما أغنت عنهم تلك العدد والأسياب، فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب.
والخلاصة: أن من مضى من قبلكم من الأمم أعطيناهم القوة الشديدة في الجسم، والسعة في الأموال والأولاد، ومع ذلك فلم ينفعهم من ذلك شيء، فلا تأمنوا سطوتي بالأولى منهم، قال الشاعر:
لاَ يَأمَنُ الدَّهْرَ ذُو بَغْيٍ وَلَوْ مَلِكَا ... جُنُوْدُهُ ضَاقَ عَنْهُ السَّهْلُ وَالْجَبَلُ
وهذا كما ترى آخر ما به الاستشهاد والاعتبار.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْشَأنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾؛ أي: قومًا آخرين بدلًا من الهالكين يعمرون البلاد، ويكونون أجدر
стр. 3453
بشكران النعمة، فلبيان كمال قدرته تعالى وسعة سلطانه، وأن ما ذكر من إهلاك الأمم الكثيرة، فلم ينقص من ملكه شيئًا، بل كلما أهلك أمة .. أنشأ بدلها أخرى، فإنه تعالى يهلك من يشاء، ويوجد من يشاء. وإنما قال هنا: قرنًا بالإفراد، وفي موضع آخر قرونًا بالجمع، للتفنن؛ لأن المعنى واحد؛ لأنه أفرد هنا نظرًا للجنس، وجمع في موضع آخر نظرًا للمعنى. اهـ "أبو السعود".
وفي هذه (١) الآية ما يوجب الاعتبار والموعظة بحال من مضى من الأمم السالفة والقرون الخالية، فإنهم مع ما كانوا فيه من القوة وسعة الرزق وكثرة الأتباع .. أهلكناهم لما كفروا وطغوا وظلموا، فكيف حال من هو أضعف منهم وأقل عددًا وعددًا؟ وهذا يوجب الاعتبار والانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة، فكأنه قال: فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه، ذكره الحافظ ابن كثير.
والذنوب (٢) التي تدعو إلى الهلاك ضربان:
١ - معاندة الرسل والاستكبار، والعتو والتكذيب.
٢ - كفران النعم بالبطر وغمط الحق، وظلم الضعفاء ومحاباة الأقوياء، والإسراف في الفسق والفجور، والغرور بالغنى والثروة، كما جاء في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾. وفي هذه الآية ردٌّ على كفار مكة، وهدم لغرورهم بقوتهم وثروتهم بإزاء ضعف أصحاب النبي ﷺ وفقرهم، كما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ وهؤلاء القوم الذين يخلفون من نزل بهم عذاب الله لا بد أن يخلفوا عنهم في صفاتهم، وإن كانوا من أبناء جنسهم، فالعبر والحوادث واختلاف الزمن لها تأثير كبير في النفوس تخفف من غلواء الناس، وتقلل من
стр. 3454
بطشهم وعتوهم، وفي المشاهدة أكبر دليل على صحة ذلك.
ولما كان الرسول ﷺ يَعْجب مِن كُفْر قومه به، وبما أنزل عليه مع وضوح برهانه وإظهار إعجازه، وكان يضيق صدره لذلك، ويبلغ منه الحزن والأسف كل مبلغ كما قال في سورة هود ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ .. بيَّن الله أسباب ذلك ومناشئه من طباع البشر وأخلاقهم؛ ليعلم أن الحجة مهما تكن ناهضة .. فإنها لا تجدي إلا عند من كان مستعدًا لها، وزالت عنه موانع الكبر والعناد،
فقال:
٧ - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿كِتَابًا﴾ من السماء دفعة واحدة مجموعًا ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾؛ أي: في أوراق مجمعة ﴿فَـ﴾ ـرأوه نازلًا فيها بأعينهم و ﴿لَمَسُوهُ﴾؛ أي: لمسوا ذلك الكتاب والقرطاس عند وصوله إلى الأرض ﴿بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: ما هذا الذي رأيناه ولمسناه إلا سحر بيّن في نفسه، وإنما خيل إلينا أننا رأينا كتابًا ولمسناه بأيدينا، وما ثَمَّ كتاب نزل، ولا قرطاس رُئي، ولا لُمس، وتلك مقالة أمثالهم في آيات الأنبياء من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. والمعنى (١): لم يعملوا بما شاهدوا ولمسوا، وإذا كان هذا حالهم في المرئي المحسوس، فكيف فيما هو مجرد وحي إلى رسول الله ﷺ بواسطة ملك لا يرونه ولا يحسونه، وإنما قال: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾؛ لأن اللمس أقوى اليقينيات الحسية وأبعدها من الخداع؛ لأن البصر يخدع بالتخيل، وقال في سورة الحجر: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ - حبست ومنعت - أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾.
والحاصل: أن (٢) علة تكذيبهم بالحق هي إعراضهم عن الآيات، وإقفال باب النظر والاستدلال - لإخفاء الآيات في أنفسها وقوة الشبهات التي تحوم حولها.
٨ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال كفار مكة ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾؛ أي: هلا أنزل على
стр. 3455
محمد ملك نراه يخبرنا بصدقه في دعوى النبوة والرسالة، ويشهد له بما يقول حتى نؤمن به ونتبعه كقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ والمعنى: إن منكري النبوات يقولون: لو بعث الله إلى الخلق رسولًا .. لوجب أن يكون ذلك الرسول واحدًا من الملائكة؛ لأن علومهم أكثر، وقدرتهم أشد، ومهابتهم أعظم، وامتيازهم عن الخلق أكمل، ووقوع الشبهات في نبوتهم أقل، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة من وجهين:
الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾؛ أي: لو أنزلنا ملكًا على الصفة التي اقترحوها بحيث يشاهدونه ويخاطبونه ويخاطبهم ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: لفرغ من إهلاكهم؛ أي: لأهلكناهم؛ إذ لم يؤمنوا عند نزوله ورؤيتهم له؛ لأن مثل هذه الآية البينة - وهي نزول الملك على تلك الصفة - إذا لم يقع الإيمان بعدها .. فقد استحقوا الإهلاك والمعاجلة بالعقوبة ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يمهلون بعد نزوله ومشاهدتهم له طرفة عين، وكلمة: ﴿ثُمَّ﴾ للتنبيه على أن عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر؛ لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة وأشق. وقيل: إن المعنى: أن الله سبحانه لو أنزل ملكًا مشاهدًا .. لم تطق قواهم البشرية أن يبقوا بعد مشاهدته أحياء، بل تزهق أرواحهم عند ذلك، فيبطل ما أرسل الله له رسله وأنزل به كتبه من هذا التكليف الذي كلف به عباده ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وذلك أن الآدمي إذا رأى الملك فإمَّا أن يراه على صورته الأصلية، أو على صورة البشر، فإن رآه على صورته الأصلية .. لم يبق الآدمي حيًّا، فإن رسول الله ﷺ لما رأى جبريل على صورته الأصلية .. غشي عليه، وإنَّ جميع الرسل عاينوا الملائكة في صورة البشر كأضياف إبراهيم وأضياف لوط وخصم داود وغير أولئك، وحيث كان شأنهم كذلك وهم مؤيدون بالقوى القدسية، فما ظنك بمن عداهم من العوام؟ وأيضًا إذا رآه .. يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف، فيجب إهلاكهم، وذلك مخل بصحة التكليف، وإن رآه على صورة البشر .. فلا يتفاوت الحال سواء كان هو في نفسه ملكًا، أو بشرًا، وأيضًا إن إنزال الملك يقوي الشبهات؛ لأن كل معجزة ظهرت عليه ردوها وقالوا: هذا فعلك فعلته باختيارك وقدرتك، ولو حصل لنا مثل ما حصل لك من القوة والعلم .. لفعلنا مثل ما فعلته.
стр. 3456
٩ - والوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: ولو جعلنا الرسول ﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: لجعلنا الملك ﴿رَجُلًا﴾؛ أي: على صورة الرجل؛ لأن البشر لا يستطيعون أن ينظروا إلى الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها، ولو نظر إلى الملك ناظر من الآدميين لصعق عند رؤيته. ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾؛ أي (١): ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدروا أملك هو أم آدمي؟ فإنما طلبوا حال لبس لا حال بيان؛ لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان .. قالوا: هذا إنسان مثلكم وليس بملك، فإن استدل لهم بأنه ملك كذبوه. قال الزجاج: المعنى: للبسنا عليهم؛ أي: على رؤوسائهم كما يلبسون على ضعفتهم، وكانوا يقولون لهم: إنما محمد بشر وليس بينكم وبينه فرق، فيلبسون عليهم بهذا، ويشككونهم، فأعلم الله أنه لو نزل ملكًا في صورة رجل .. لوجدوا سبيلًا إلى اللبس كما يفعلون. وفي "تنوير المقباس": ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الملائكة ﴿مَا يَلْبِسُونَ﴾؛ أي: مثل ﴿مَا يَلْبِسُونَ﴾؛ من الثياب، ويقال: وللبسنا عليهم؛ أي: خلطنا عليهم صورة الملك ﴿مَا يَلْبِسُونَ﴾؛ أي: كما يخلطون على أنفسهم صفة محمد ونعته انتهى.
والحاصل (٢): أنه كان لكفار مكة اقتراحان تقدموا بهما إلى النبي ﷺ في مواطن مختلفة:
١ - أن ينزل على الرسول ملك من السماء يكون معه نذيرًا يرونه ويسمعون كلامه، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾.
٢ - أن ينزل الملك عليهم بالرسالة من ربهم، والاقتراح الأول مبني على اعتقاد أنَّ أرقى البشر عقلًا وأخلاقًا وآدابًا - وهم الرسل ﵈ ليسوا بأهل لأن يكونوا رسلًا بين الله وبين عباده؛ لأنهم بشر يأكلون ويشربون كما جاء في سورة المؤمنين: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأكُلُ مِمَّا تَأكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ
стр. 3457
أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾.
وقد ردَّ الله الاقتراحين من وجهين:
١ - ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: ولو أنزلنا ملكًا كما اقترحوا .. لقضي الأمر بإهلاكهم، ثم لا يؤخرون ولا يمهلون ليؤمنوا، بل يأخذهم العذاب عاجلًا كما مضت به سنة الله فيمن قبلهم، قال ابن عباس: ولو أتاهم ملك في صورته .. لأهلكناهم، ثم لا يؤخرون.
٢ - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾؛ أي: ولو جعل الرسول ملكًا .. لجعل متمثلًا في صورة بشر ليمكنهم رؤيته وسماع كلامه الذي يبلغه عن ربه، ولو جعله ملكًا في صورة بشر .. لاعتقدوا أنه بشر؛ لأنهم لا يدركون منه إلا صورته وصفاته البشرية التي تمثل بها، وحينئذ يقعون في نفس اللبس والاشتباه الذي يلبسون على أنفسهم باستنكار جعل الرسول بشرًا، ولا ينفكون يقترحون جعله ملكًا وهم قد كانوا في غنى عن ذلك، وهذا شأن كثير من الناس يوقعون أنفسهم في المشكلات بسوء صنيعهم، ثم يحارون في المخلص منها.
وذكر البخاري (١) في تفسير قضاء الأمر عدة وجوه:
١ - أن سنة الله قد جرت بأن أقوام الرسل إذا اقترحوا آية، ثم لم يؤمنوا بها يعذبهم الله عذاب الاستئصال، والله لا يريد أن يستأصل هذه الأمة التي بعث فيها خاتم رسله نبي الرحمة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.
٢ - أنهم لو شاهدوا الملك بصورته الأصلية .. لزهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون.
٣ - أن رؤية الملك بصورته آية ملجئة، يزول بها الاختيار الذي هو قاعدة التكليف.
стр. 3458
٤ - أنهم اقترحوا ما لا يتوقف عليه الإيمان، فلو أعطوه ولم يجد ذلك معهم نفعًا .. دل ذلك على منتهى العناد الذي يستدعي الإهلاك وعدم النظرة.
وقرأ ابن محيصن (١): ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ بلام واحدة، والزهري: ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ بتشديد الباء.
١٠ - ثم قال مؤنسًا لنبيه ﷺ ومسليًا له. ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد استسخر واستحقر برسل أولي شأن خطير وذوي عدد كثير كائنين في زمان قبل زمانك؛ أي: استهزأ بهم قومهم كما استهزأ بك قومك أهل مكة. ﴿فَحَاقَ﴾؛ أي: أحاط ونزل وحل ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾؛ أي: بالكفار الذين سخروا من أولئك الرسل ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: العذاب الذي كانوا يستهزئون به وينكرونه حينما أخبرتهم به الرسل؛ لأن الكفار كانوا يستهزئون بالعذاب الذي كان يخوفهم الرسول بنزوله.
والحاصل: أن الله أخبر (٢) رسوله ﷺ بأن الكفار قد استهزؤا برسل كرام قبلك، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١)﴾ فما تراه من استهزاء كفار قريش بك ليس ببدع منهم، بل هم جروا فيه على آثار أعداء الرسل قبلك، وقد حل بأولئك الساخرين العذاب الذي أنذرهم إياه أولئك الرسل جزاء على سوء صنيعهم.
وفي الآية وجوه من العبر:
١ - تعليم النبي ﷺ سنن الله في الأمم مع رسلهم.
٢ - تسلية له عن إيذاء قومه له.
٣ - بشارة له بحسن العاقبة، وما سيكون له من الغلبة والسلطان، وما سيحل بأولئك المستهزئين من الخزي والنكال، وقد أهلكهم الله تعالى، وامتن على نبيه بذلك في سورة الحجر: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ والمشهور أنهم كانوا خمسة من رؤساء قريش هلكوا كلهم يوم أحد.
стр. 3459
وخلاصة المعنى. هوّن عليك يا محمد ما تلقى من هؤلاء المستخفين بحقك فيَّ وفي طاعتي، وامضِ لما أمرتك به من الدعاء إلى توحيدي والإذعان لطاعتي، فإنهم إن تمادوا في غيِّهم .. نسلك بهم سبيل أسلافهم من سائر الأمم، ونعجل النقمة لهم وتحل بهم المثلات.
وقال أبو حيان (١): هذه الآية تسلية لرسول الله ﷺ على ما كان يلقى من قومه، وإشارة له بالتأسي بمن سبق من الرسل، وهو نظير: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ لأن ما كان مشتركًا من الشدائد أهون على النفس مما يكون فيه الانفراد، وفي التسلية والتأسي من التخفيف ما لا يخفى. وقالت الخنساء:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِيْنَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِيْ
وَمَا يُبْكُوْنَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ... أَسُلِّيْ النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّيْ
قال بعض المولدين:
وَلاَ بُدَّ مِنْ شَكْوَى إلى ذِيْ مُرُءَةٍ ... يُوَاسِيْكَ أَوْ يُسْلِيْكَ أَوْ يَتَوَجَّعُ
ولما كان الكفار لا ينفعهم الاشتراك في العذاب، ولا يتسلون بذلك .. نفى تعالى ذلك عنهم فقال: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ انتهى بتصرف.
وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة بكسر دال (٢) ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ على أصل التقاء الساكنين، وقرأ باقي السبعة بالضم اتباعًا ومراعاة لضم التاء؛ إذ الحاجز بينهما ساكن، وهو حاجز غير حصين.
ولما (٣) كان ما يحل بالمستهزئين بالرسل من الهلاك بموجب سنة الله المطردة فيهم قد يكون موضعًا للريبة والشك لدى المخاطبين بذلك؛ إذ هم أمة أميّة لم تدرس الكتب والتواريخ، ولم تجالس العلماء فتعرف الأخبار بهلاك من
стр. 3460
أهلك بذنوبهم .. أمر الله تعالى نبيه بأن يرشدهم إلى الطريق الذي يوصلهم إلى علم ذلك بأنفسهم، وهو السير في الأرض، والنظر فيما حلَّ بالمكذبين ليعتبروا بذلك، فللرؤية من الاعتبار ما لا يكون في السماع كما قال بعض العصريين:
لَطَائِفُ مَعْنَىً في الْعِيَانِ وَلَمْ تَكُنْ ... لِتُدْرَكَ إلا بِالتَّزَاوُرِ وَاللِّقَا
١١ - فقال ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المستهزئين من قومك ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: قل لهم لا تغتروا بما وجدتم من الدنيا وطيباتها، ووصلتم إليه من لذاتها وشهواتها، بل سيروا في نواحي الأرض لتعرفوا صحة ما أخبرتكم به من نزول العذاب على الذين كذبوا الرسل في الأزمنة السالفة قيل: المراد بالسير: سير الأفكار، وقيل: سير الأقدام ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ فالنظر على القول الأول: نظر فكرة وعبرة، وهو بالبصيرة لا بالبصر، وعلى القول الثاني نظر العين والبصر، والمعنى على الأول: ثم تفكروا في أنهم كيف أهلكوا بعذاب الاستئصال، وعلى الثاني: ثم انظروا بأعينكم إلى آثار الأمم الخالية والقرون الماضية السالفة، فإنكم عند السير في الأرض والسفر في البلاد لا بد وأن تشاهدوا تلك الآثار، فيكمل الاعتبار ويقوى الاستبصار، والمعنى (١): قل يا محمد لهؤلاء المستهزئين سافروا في الأرض وانظروا آثار من كان قبلكم لتعرفوا ما حل بهم من العقوبات، وكيف كانت عاقبتهم بعد ما كانوا فيه من النعيم العظيم الذي يفوق ما أنتم فيه، فهذه ديارهم خاربة وجناتهم مغبرة وأراضيهم مكفهرة، فإذا كانت عاقبتهم هذه العاقبة .. فأنتم بهم لاحقون وبعد هلاكهم هالكون.
وفي "الفتوحات" (٢) قوله: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾؛ أي: تفكروا وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ إما لأن النظر في آثار الهالكين لا يتم إلا بعد انتهاء السير إلى أماكنهم، فالتراخي المفاد بـ ﴿ثُمَّ﴾ من حيث أن انتهاء السير بعيد عن ابتدائه، وإما لإظهار ما بين وجوب السير ووجوب النظر من التفاوت، فإن وجوب السير ليس إلا لكونه وسيلة
стр. 3461
إلى النظر كما يفصح عنه العطف بالفاء في قوله: (﴿فَانْظُرُوا﴾ في آية آخرى بخلاف وجوب النظر فإنه ذاتي مقصود في نفسه. انتهى.
وقال النسفي: والفرق بين (١) ﴿فَاَنظُرُوا﴾ وبين ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ أن النظر جعل مسببًا عن السير في ﴿فَانْظُرُوا﴾، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين. ومعنى ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾ إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ونبه على ذلك بـ ﴿ثُمَّ﴾ لتباعد ما بين الواجب والمباح انتهى.
قال أبو حيان (٢): والظاهر أن السير المأمور به هو الانتقال من مكان إلى مكان، وإن النظر المأمور به هو نظر العين، وإن الأرض هي ما قرب من بلادهم من ديار الهالكين بذنوبهم، كأرض عاد ومدين ومدائن قوم لوط وثمود وقال قوم الأرض هنا عام؛ لأن في كل قطر منها آثار الهالكين وعبرًا للناظرين.
والخلاصة (٣): قل يا محمد لأولئك المكذبين الجاحدين حقيقة ما جئتهم به: سيروا في الأرض كما هو دأبكم وعادتكم، وتنقلوا في ديار أولئك القرون الذين مكناهم في الأرض ومكنا لهم ما لم نمكن لكم، ثم انظروا في أثناء رحلاتكم آثار ما حل بهم من الهلاك، وتأملوا كيف كانت عاقبتهم بما تشاهدون من آثارهم وما تسمعون من أخبارهم، ثم اعتبروا إن لم تنهكم حلومكم ولم تزجركم حجج الله عليكم، واحذروا مثل مصارعهم، واتقوا أن يحل بكم مثل ما حل بهم.
الإعراب
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾.
﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ. ﴿لِلَّهِ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الجر صفة للجلالة. ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماضٍ. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: مفعول به. ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف عليه، والفاعل ضمير يعود على الموصول،
стр. 3462
والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، وهي صلة حقيقية لرفعها ضمير الموصول ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ﴾: فعل ومفعول. ﴿وَالنُّورَ﴾: معطوف عليه، وفاعله ضمير يعود على الموصول أيضًا، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ﴾ على كونها صلة الموصول.
﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ولكن المراد منها استبعاد أن يعدلوا به غيره مع ما أوضح من الدلالات؛ أي: استبعاد لما صنعوه من العدل مع ما تبين من أن الله سبحانه حقيق بالحمد على خلقه السموات والأرض والظلمات والنور، فإن هذا يقتضي الإيمان به وصرف الثناء الحسن إليه، لا الكفر واتخاذ شريك له. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل الرفع مبتدأ. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَعْدِلُونَ﴾، وتقديمه على عامله للاهتمام به ولرعاية الفواصل. ﴿يَعْدِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿خَلَقَكُمْ﴾: فعل ومفعول ﴿مِنْ طِينٍ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، وأتى بكلمة ﴿ثُمَّ﴾ لما بين خلقهم وبين موتهم من التفاوت ﴿قَضَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿أَجَلًا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿وَأَجَلٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بما بعده ﴿مُسَمًّى﴾: صفة له ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ولكن المراد منها استبعاد صدور الشك منهم مع وجود المقتضى لعدمه. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿تَمْتَرُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية معطوفة على جملة
стр. 3463
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ على كونها مستأنفة.
﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾.
﴿وَهُوَ﴾ الواو: عاطفة. ﴿هُوَ﴾ مبتدأ. ﴿اللَّهُ﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بلفظ الجلالة بتأويله؛ لأنه بمعنى المعبود. ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على الجار والمجرور ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿سِرَّكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾: معطوف على ﴿سِرَّكُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿هُوَ﴾، أو في محل النصب حال من الضمير المستتر في المعبود الذي هو بمعنى الجلالة. ﴿وَيَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل الرفع، أو في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَعْلَمُ﴾ الأول. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَعْلَمُ﴾؛ لأنه بمعنى: عرف. ﴿تَكْسِبُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تكسبونه.
﴿وَمَا تَأتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾.
﴿وَمَا﴾ الواو: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَأتِيهِمْ﴾: فعل ومفعول به. ﴿مِنْ آيَةٍ﴾: ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿آيَةٍ﴾: فاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿آيَةٍ﴾، والتقدير: وما تأتيهم آية كائنة من آيات ربهم. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ.؛ ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَنْهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُعْرِضِينَ﴾ قدم عليه لرعاية الفاصلة. ﴿مُعْرِضِينَ﴾: خبر ﴿كَانُوا﴾، وجملة كان في محل النصب حال من ضمير ﴿تَأتِيهِمْ﴾، والتقدير: وما تأتيهم آية من آيات ربهم إلا حالة كونهم معرضين عنها.
فائدة: واعلم (١) أن الفعل الماضي لا يقع بعد ﴿إِلَّا﴾ إلا بأحد شرطين: إما وقوعه بعد فعل كهذه الآية الكريمة، أو اقترانه بـ ﴿قد﴾ نحو: ما زيد إلا قد قام.
стр. 3464
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥)﴾.
﴿فَقَدْ﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى: حين في محل النصب على الظرفية مبني على السكون، والظرف متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿جَاءَهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الحق، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾، والتقدير: فقد كذبوا بالحق حين مجيئه
إياهم. ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: عاطفة على محذوف تقديره: فقد كذبوا بالحق لما جاءهم واستهزؤوا به، وذلك المحذوف معطوف على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿سوف﴾: حرف تنفيس واستقبال. ﴿يَأتِيهِمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿أَنْبَاءُ﴾ فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على ذلك المحذوف، ﴿أَنْبَاءُ﴾ مضاف. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾، ويصح أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية، والضمير حينئذ يعود على الحق لا على ﴿مَا﴾؛ لأنها حينئذ حرف، فالضمير لا يعود إليها، قاله ابن عطية بخلاف الأخفش.
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾.
﴿أَلَمْ﴾ الهمزة للاستفهام التقريري مبنية على الفتح.
فائدة: والاستفهام التقريري: هو (١) حمل المخاطب على الإقرار بما بعد حرف النفي، وهو هنا: لم، والهمزة خرجت عن الاستفهام إليه، ولا يجاب إلا
стр. 3465
ببلى نظير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ اهـ "قليوبي على الآجرومية".
وما في "الشوكاني" هنا من أن الاستفهام للإنكار غير صواب. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَرَوْا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، والواو فاعل، وهي إما بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، وهو أولى، أو علمية فتتعدى إلى مفعولين .. ﴿كَمْ﴾: خبرية بمعنى عدد كثير في محل النصب معفول مقدم وجوبًا لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، وهي معلقة ما قبلها عن العمل فيما بعدها. ﴿أَهْلَكْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿قَرْنٍ﴾ تمييز لـ ﴿كم﴾ مجرور بـ ﴿مِن﴾ الزائدة، وجملة ﴿أَهْلَكْنَا﴾ في محل النصب سادة مسد مفعول رأى البصرية، أو مسد مفعولي رأى العلمية، وجملة ﴿يَرَوْا﴾ من الفعل والفاعل جملة إنشائية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿قَرْنٍ﴾، ولكنها سببية. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مكنا﴾. ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ﴾ ﴿مَا﴾: نكرة موصوفة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾؛ لأن مكنا بمعنى: أعطينا، فيتعدى إلى مفعولين. ﴿لَمْ نُمَكِّنْ﴾: فعل وجازم، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني لـ ﴿مكنا﴾، ومفعوله الأول محذوف تقديره: ما لم نمكنه لكم، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿ما﴾ الموصوفة، والتقدير: مكناهم وأعطيناهم في الأرض شيئًا لم نمكنه ولم نعطه لكم.
وفي "الفتوحات" قوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ في (١) ﴿مَا﴾ هو هذه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موصولة بمعنى الذي، وهي حينئذ صفة لمصدر محذوف، والتقدير: التمكين الذي لم نمكن لكم، والعائد محذوف؛ أي: الذي لم نمكنه لكم.
والثاني: أن تكون مفعولًا بها، لكن على المعنى؛ لأن معنى ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾: أعطيناهم ما لم نعطكم، ذكره أبو البقاء، قال الشيخ: هذا تضمين، والتضمين لا يقاس.
стр. 3466
الثالث: أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها، والعائد محذوف؛ أي: شيئًا لم نمكنه لكم، ذكره أبو البقاء أيضًا. قال الشيخ: وهذا أقرب إلى الصواب اهـ "سمين".
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿مِدْرَارًا﴾: حال من ﴿السَّمَاءَ﴾، والجملة في محل النصب أو الجر معطوفة على جملة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْأَنْهَارَ﴾. ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، والجملة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿جعلنا﴾ إن جعلنا (١) جعل تصييرية، وإن جعلناها اتخاذية .. كانت حالًا من ﴿الْأَنْهَارَ﴾. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿أهلكنا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾: عطف مسبب على سبب. ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أهلكنا﴾. ﴿وَأَنْشَأنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أنشأنا﴾. ﴿قَرْنًا﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْشَأنَا﴾. ﴿آخَرِينَ﴾ صفة لـ ﴿قَرْنًا﴾؛ لأنه اسم جمع كقوم ورهط، فلذلك اعتبر معناه في صفته.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿نَزَّلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿كِتَابًا﴾ مفعول ﴿نَزَّلْنَا﴾. ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾: متعلق بـ ﴿كِتَابًا﴾؛ لأنه مصدر
стр. 3467
بمعنى اسم المفعول أو نعت له. ﴿فَلَمَسُوهُ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿لمسوه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَزَّلْنَا﴾. ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿لمسوه﴾. ﴿لَقَالَ﴾ اللام رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿قال﴾: فعل ماض. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنْ﴾ نافية. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿سِحْرٌ﴾ خبر. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة له، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ الواو: استئنافية. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة سيقت للإخبار عنهم بفرط تعنتهم وتصلبهم في كفرهم. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض. ﴿أُنزِلَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿مَلَكٌ﴾: نائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿وَلَو﴾: الواو: عاطفة أو استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَقُضِيَ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾. ﴿قضي الأمر﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿قالوا﴾ أو مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُنْظَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿قُضِيَ﴾.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ الواو: عاطفة أو استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾. ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾: لـ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾. ﴿جعلناه رجلًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة جواب ﴿لو﴾، وجملة ﴿لو﴾ معطوفة على الجملة التي قبلها، أو مستأنفة. ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾:
стр. 3468
الواو: عاطفة، واللام: رابطة لجواب ﴿لو﴾ مؤكدة للام الأولى، وقرىء بحذف لام الجواب اكتفاء بما في المعطوف عليه. ﴿لبسنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة الجواب. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول "لبسنا". ﴿يَلْبِسُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يلبسونه. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿مَا يَلْبِسُونَ﴾ في ﴿مَا﴾ هذه قولان:
أحدهما: أنها موصولة بمعنى: الذي؛ أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم، أو على غيرهم، قاله أبو البقاء، وتكون ﴿مَا﴾ حينئذ مفعولًا بها.
الثاني: أنها مصدرية؛ أي: وللبسنا عليهم مثل ما يلبسون على غيرهم ويشكلونهم.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾.
﴿وَلَقَدِ﴾: الواو: استئنافية، اللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿اسْتُهْزِئَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿بِرُسُلٍ﴾: جار ومجرور نائب فاعل ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: جار ومجرور صفة ﴿رسل﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والجملة القسمية مع جوابها مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب. ﴿فَحَاقَ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿حاق﴾: فعل ماض. ﴿بِالَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿سَخِرُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق به، وجملة ﴿سَخِرُوا﴾ صلة الموصول. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل ﴿حاق﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضميره ﴿بِهِ﴾.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت:
стр. 3469
﴿سِيرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿انْظُرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿سِيرُوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام في محل النصب خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾. ﴿كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: فعل ناقص واسمه ومضاف إليه، ولم يؤنث ﴿كَانَ﴾ مع كون اسمها مؤنثًا؛ لأن تأنيثه غير حقيقي، أو لأنه بمعنى: المآل والمنتهى، فهو في معنى المذكر، وجملة ﴿كَانَ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مفعول ﴿انْظُرُوا﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمد لغة: الوصف بالجميل الاختياري على جهة التعظيم والتبجيل ظاهرًا وباطنًا، فخرج بقولهم على جهة التعظيم نحو قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ فإنه كان على جهة التهكم، لا على جهة التعظيم. واصطلاحًا: فعل ينبىء عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا.
﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ والجعل: هو الإنشاء والإبداع كالخلق، وذكره بعد الخلق للتفنن؛ لأنه هنا بمعنى: خلق. و ﴿الظُّلُمَاتِ﴾: جمع ظلمة، والظلمة: هي الحال التي يكون عليها مكان لا نور فيه، والنور ضدها، وهو قسمان: حسي: وهو ما يدرك بالبصر كنور الشمس والقمر، ومعنوي: وهو ما يدرك بالبصيرة كنور الإيمان والعلم.
﴿يَعْدِلُونَ﴾: يقال: عدل به غيره إذا جعله مساويًا له في العبادة والدعوة لكشف الضر وجلب النفع، فهو من العدل بمعنى التسوية بين الشيئين، ويصح أن يكون من العدول بمعنى: الميل، بمعنى: يميلون عن عبادته إلى عبادة غيره.
﴿مِنْ طِينٍ﴾: والطين: التراب المندى يقال (١) منه: طان الكتان يطينه وطنه يا هذا، فهو من باب باع.
стр. 3470
﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: قضى بمعنى: كتب وقدر كما مر، والأجل: هو المدة المضروبة للشيء؛ أي: المقدار المحدود له من الزمان.
﴿تَمْتَرُونَ﴾ من الامتراء بمعنى: الشك، لا من المماراة بمعنى الجدال.
﴿وَمَا تَأتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: الآيات (١) هنا: آيات القرآن المرشدة إلى آيات الأكوان، والمثبتة لنبوة محمد ﷺ .
﴿مُعْرِضِينَ﴾: اسم فاعل من الإعراض وهو التولي عن الشيء والإدبار عنه.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾: والحق هو دين الله الذي جاء به خاتم رسله محمد ﷺ من عقائد صحيحة ومعاملات شرعية وآداب كريمة.
﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: الأنباء: المراد بها (٢) في القرآن: وعد الله بنصر رسله وإظهار دينه ووعيده لأعدائه بخذلانهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة، وهو جمع: نبأ؛ كأسباب جمع سبب، والنبأ: ما يعظم وقعه من الأخبار.
﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: والقرن من الناس: القوم المقترنون في زمن واحد، وجمعه: قرون، وقد جاء في القرآن مفردًا وجمعًا. وقيل: القرن: القوم المجتمعون في زمن قلت السنون أو كثرت، لقوله ﵇: "خير القرون قرني" يعني: أصحابه، وقال قس بن ساعدة:
في الذَّاهِبِيْنِ الأوَّليْنَ ... مِنَ الْقُرُوْنِ لَنَا بَصَائِرْ
وقال آخر:
إِذَا ذَهَبَ الْقَوْمُ الَّذِيْ كُنْتَ فِيْهِمُ ... وَخُلِّفْتَ فِي قَوْمٍ فَأَنْتَ غَرِيْبُ
سموا بذلك لكون بعضهم يقرن ببعض، فهو من قرنت الشيء بالشيء جعلته بجانبه أو مواجهًا له.