الثالث: أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها، والعائد محذوف؛ أي: شيئًا لم نمكنه لكم، ذكره أبو البقاء أيضًا. قال الشيخ: وهذا أقرب إلى الصواب اهـ "سمين".
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿مِدْرَارًا﴾: حال من ﴿السَّمَاءَ﴾، والجملة في محل النصب أو الجر معطوفة على جملة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْأَنْهَارَ﴾. ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، والجملة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿جعلنا﴾ إن جعلنا (١) جعل تصييرية، وإن جعلناها اتخاذية .. كانت حالًا من ﴿الْأَنْهَارَ﴾. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿أهلكنا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾: عطف مسبب على سبب. ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أهلكنا﴾. ﴿وَأَنْشَأنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أنشأنا﴾. ﴿قَرْنًا﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْشَأنَا﴾. ﴿آخَرِينَ﴾ صفة لـ ﴿قَرْنًا﴾؛ لأنه اسم جمع كقوم ورهط، فلذلك اعتبر معناه في صفته.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿نَزَّلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿كِتَابًا﴾ مفعول ﴿نَزَّلْنَا﴾. ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾: متعلق بـ ﴿كِتَابًا﴾؛ لأنه مصدر
стр. 3467
بمعنى اسم المفعول أو نعت له. ﴿فَلَمَسُوهُ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿لمسوه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَزَّلْنَا﴾. ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿لمسوه﴾. ﴿لَقَالَ﴾ اللام رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿قال﴾: فعل ماض. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿إنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنْ﴾ نافية. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿سِحْرٌ﴾ خبر. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة له، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ الواو: استئنافية. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة سيقت للإخبار عنهم بفرط تعنتهم وتصلبهم في كفرهم. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض. ﴿أُنزِلَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿مَلَكٌ﴾: نائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿وَلَو﴾: الواو: عاطفة أو استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَقُضِيَ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾. ﴿قضي الأمر﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿قالوا﴾ أو مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُنْظَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿قُضِيَ﴾.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ الواو: عاطفة أو استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾. ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾: لـ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾. ﴿جعلناه رجلًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة جواب ﴿لو﴾، وجملة ﴿لو﴾ معطوفة على الجملة التي قبلها، أو مستأنفة. ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾:
стр. 3468
الواو: عاطفة، واللام: رابطة لجواب ﴿لو﴾ مؤكدة للام الأولى، وقرىء بحذف لام الجواب اكتفاء بما في المعطوف عليه. ﴿لبسنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة الجواب. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول "لبسنا". ﴿يَلْبِسُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يلبسونه. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿مَا يَلْبِسُونَ﴾ في ﴿مَا﴾ هذه قولان:
أحدهما: أنها موصولة بمعنى: الذي؛ أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم، أو على غيرهم، قاله أبو البقاء، وتكون ﴿مَا﴾ حينئذ مفعولًا بها.
الثاني: أنها مصدرية؛ أي: وللبسنا عليهم مثل ما يلبسون على غيرهم ويشكلونهم.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾.
﴿وَلَقَدِ﴾: الواو: استئنافية، اللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿اسْتُهْزِئَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿بِرُسُلٍ﴾: جار ومجرور نائب فاعل ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: جار ومجرور صفة ﴿رسل﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، والجملة القسمية مع جوابها مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب. ﴿فَحَاقَ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿حاق﴾: فعل ماض. ﴿بِالَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿سَخِرُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق به، وجملة ﴿سَخِرُوا﴾ صلة الموصول. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل ﴿حاق﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضميره ﴿بِهِ﴾.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت:
стр. 3469
﴿سِيرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿انْظُرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿سِيرُوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام في محل النصب خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾. ﴿كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: فعل ناقص واسمه ومضاف إليه، ولم يؤنث ﴿كَانَ﴾ مع كون اسمها مؤنثًا؛ لأن تأنيثه غير حقيقي، أو لأنه بمعنى: المآل والمنتهى، فهو في معنى المذكر، وجملة ﴿كَانَ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مفعول ﴿انْظُرُوا﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمد لغة: الوصف بالجميل الاختياري على جهة التعظيم والتبجيل ظاهرًا وباطنًا، فخرج بقولهم على جهة التعظيم نحو قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ فإنه كان على جهة التهكم، لا على جهة التعظيم. واصطلاحًا: فعل ينبىء عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا.
﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ والجعل: هو الإنشاء والإبداع كالخلق، وذكره بعد الخلق للتفنن؛ لأنه هنا بمعنى: خلق. و ﴿الظُّلُمَاتِ﴾: جمع ظلمة، والظلمة: هي الحال التي يكون عليها مكان لا نور فيه، والنور ضدها، وهو قسمان: حسي: وهو ما يدرك بالبصر كنور الشمس والقمر، ومعنوي: وهو ما يدرك بالبصيرة كنور الإيمان والعلم.
﴿يَعْدِلُونَ﴾: يقال: عدل به غيره إذا جعله مساويًا له في العبادة والدعوة لكشف الضر وجلب النفع، فهو من العدل بمعنى التسوية بين الشيئين، ويصح أن يكون من العدول بمعنى: الميل، بمعنى: يميلون عن عبادته إلى عبادة غيره.
﴿مِنْ طِينٍ﴾: والطين: التراب المندى يقال (١) منه: طان الكتان يطينه وطنه يا هذا، فهو من باب باع.
стр. 3470
﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: قضى بمعنى: كتب وقدر كما مر، والأجل: هو المدة المضروبة للشيء؛ أي: المقدار المحدود له من الزمان.
﴿تَمْتَرُونَ﴾ من الامتراء بمعنى: الشك، لا من المماراة بمعنى الجدال.
﴿وَمَا تَأتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: الآيات (١) هنا: آيات القرآن المرشدة إلى آيات الأكوان، والمثبتة لنبوة محمد ﷺ .
﴿مُعْرِضِينَ﴾: اسم فاعل من الإعراض وهو التولي عن الشيء والإدبار عنه.
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾: والحق هو دين الله الذي جاء به خاتم رسله محمد ﷺ من عقائد صحيحة ومعاملات شرعية وآداب كريمة.
﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: الأنباء: المراد بها (٢) في القرآن: وعد الله بنصر رسله وإظهار دينه ووعيده لأعدائه بخذلانهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة، وهو جمع: نبأ؛ كأسباب جمع سبب، والنبأ: ما يعظم وقعه من الأخبار.
﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: والقرن من الناس: القوم المقترنون في زمن واحد، وجمعه: قرون، وقد جاء في القرآن مفردًا وجمعًا. وقيل: القرن: القوم المجتمعون في زمن قلت السنون أو كثرت، لقوله ﵇: "خير القرون قرني" يعني: أصحابه، وقال قس بن ساعدة:
في الذَّاهِبِيْنِ الأوَّليْنَ ... مِنَ الْقُرُوْنِ لَنَا بَصَائِرْ
وقال آخر:
إِذَا ذَهَبَ الْقَوْمُ الَّذِيْ كُنْتَ فِيْهِمُ ... وَخُلِّفْتَ فِي قَوْمٍ فَأَنْتَ غَرِيْبُ
سموا بذلك لكون بعضهم يقرن ببعض، فهو من قرنت الشيء بالشيء جعلته بجانبه أو مواجهًا له.
стр. 3471
﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يقال: مكنه في الأرض أو في الشيء جعله متمكنًا من التصرف فيه، ومكن له: أعطاه أسباب التمكن في الأرض، وقال أبو عبيدة: مكناهم ومكنا لهم لغتان فصيحتان بمعنىً، نحو نصحته ونصحت له كذا قاله أبو علي والجرجاني.
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾: السماء: المطر، والمدرار: الغزير. وقال أبو حيان: المدرار (١): المتتابع، يقال: مطر مدرار وعطاء مدرار، وهو في المطر أكثر، ومدرار مفعال من الدر للمبالغة، كمذكار ومئناث ومهذار للكثير ذلك منه.
﴿وَأَنْشَأنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: الإنشاء: الخلق والإحداث من غير سبب، وكل من ابتدأ شيئًا فقد أنشأه، والنشء: الأحداث واحدهم ناشئ كخادم وخدم.
﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾: صفة لقرنًا؛ لأنه اسم جمع كقوم ورهط فجمع الصفة اعتبارًا لمعناه. ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾: الكتاب: الصحيفة المكتوبة ومجموعة الصحف في غرض واحد، والقرطاس - مثلث القاف -: اسم (٢) لما يكتب عليه من رق أو ورق أو غير ذلك قال زهير:
لَهَا أَخَادِيْدُ مِنْ آثَارِ سَاكِنِهَا ... كَمَا تَرَدَّدَ فِيْ قِرْطَاسِهِ الْقَلَمُ
ولا يسمى قرطاسًا إلا إذا كان مكتوبًا، وإن لم يكن مكتوبًا فهو طرس وكاغد وورق، وكسر القاف أكثر استعمالًا وأشهر من ضمها، وهو اسمٌ أعجمي يجمع على قراطيس.
﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ اللمس كالمس: إدراك الشيء بظاهر البشرة، وقد يستعمل بمعنى طلب الشيء والبحث عنه، ويقال: لمسه والتمسه وتلمسه، ومنه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾.
﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: خداع وتمويه يُري ما لا حقيقة له في صورة
стр. 3472
الحقائق. ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: لتم أمر هلاكهم ﴿لَا يُنْظَرُونَ﴾ من الإنظار بمعنى: الإمهال؛ أي: لا يمهلون. ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ﴾: اللبس: الستر والتغطية، يقال: لبس الثوب يلبسه بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المضارع من باب سمع إذا استتر به، ولبسه في عنقه، ولبَس الحق بالباطل يلبِسه بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المضارع من باب ضرب إذا ستره به؛ أي: جعله مكانه ليظن أنه الحق، ولبست عليه أمره؛ أي: جعلته بحيث يلتبس عليه فلا يعرفه، ولبست الأمر على القوم ألبسه من باب ضرب إذا شبهته وجعلته مشكلًا عليهم، وأصله: الستر بالثوب.
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾: من الهزؤ - بضمتين أو بضم وسكون، والاستهزاء (١): السخرية، والاستهزاء بالشخص: احتقاره وعدم الاهتمام بأمره.
﴿فَحَاقَ﴾: يقال: حاق به المكروه يحيق من باب باع حيقً وحيوقًا وحيقانًا إذا نزل به وأحاط عليه فلم يكن له منه مخلص.
وفي "الفتوحات": ﴿فَحَاقَ﴾ ألفه منقلبة عن ياء، بدليل قولهم، في المضارع: يحيق كباع يبيع، والمصدر: حيق وحوق وحيقان كالغليان والنزوان. انتهت.
﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ يقال: سخر منه إذا هَزَأ به، والسخري (٢) والاستهزاء والتهكم معناها متقارب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الحصر في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ لأن لام الجنس (٣) إذا دخلت على المبتدأ تفيد حصره في الخبر كما قال علي الأجهوري:
стр. 3473
مُبَتَدَأٌ بِلاَمِ جِنْسٍ عُرِّفَا ... مُنْحَصِرٌ فِيْ مُخْبَرٍ بِهِ وَفَا
وَإِنْ عَرَا عَنْهَا وَعُرِّفَ الْخَبَرْ ... بِاللَّامِ مُطْلَقًا فَبِالْعَكْس اسْتَقَرّ
والمعنى: لا يستحق الحمد والثناء إلا الله تعالى.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، وفي قوله: ﴿سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾.
ومنها: رعاية الفاصلة بتقديم الجار والمجرور على متعلقه في قوله: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَمَا تَأتِيهِمْ﴾؛ لأن الإتيان بصيغة المضارع دون الماضي لحكاية الحال الماضية، أو للدلالة على الاستمرار التجددي.
ومنها: التفخيم في قوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؛ لأن في إضافة آيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضمير: ﴿هم﴾ تفخيمًا لشأنها المستتبع لتهويل ما اجترؤوا عليه في حقها.
ومنها: الالتفات من خطابهم بقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿وَمَا تَأتِيهِمْ﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾؛ لأنه خطاب لأهل مكة؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: ما لم نمكن لهم.
فائدة: والالتفات (١) له فوائد، منها تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، وهذه فائدته العامة، ويختص كل موقع بنكت ولطائف باختلاف محله كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه هنا حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأعطاه فضل عنايته، وخصصه بالمواجهة. اهـ "كرخي".
стр. 3474
ومنها: إقامة الظاهر مقام المضمر في قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾؛ إذ الأصل: فقد كذبوا بها؛ أي: بالآية؛ لأن المراد بالحق نفس الآية، وفي قوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لأن فيه إظهارًا في مقام الإضمار شهادة عليهم بالكفر؛ لأن مقتضى السياق أن يقال: لقالوا.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾؛ أي: أهل قرن، وفي قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾؛ أي: المطر، عبر عنه بالسماء؛ لأنه ينزل من السماء فهو مجاز.
ومنها: تنكير رسل في قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ﴾ للتفخيم والتكثير.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
فائدة: ومن الأمور الاتفاقية في القرآن خمس سور منه بدئت بالحمد لله، وخمس منها ختمت به، فالخمس التي بدئت بالحمدلة: سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾، وسورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وسورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وسورة سبأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وسورة فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
والخمس التي ختمت بها سورة الإسراء: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، وسورة النمل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾، وسورة الصافات: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾، وسورة الزمر: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وسورة الجاثية: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾.
والله أعلم
* * *
стр. 3475
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿قُلْ لِمَنْ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ في اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ الله شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه (١) الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر تصرفه فيمن أهلكهم بذنوبهم .. أمر نبيه ﷺ بسؤالهم ذلك، فإنه لا يمكنهم أن يقولوا إلا أن ذلك لله تعالى، فيلزمهم بذلك أنه تعالى هو المالك المهلك لهم، وهذا السؤال سؤال تبكيت وتقرير، ثم أمره تعالى بنسبة ذلك لله تعالى ليكون أول من بادر إلى الاعتراف بذلك.
قوله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أن الله
стр. 3476
سبحانه وتعالى لما ذكر أنه موجد العالم، المتصرف فيهم بما يريد، ودل ذلك على نفاذ قدرته .. أردفه بذكر رحمته وإحسانه إلى الخلق.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر أن له ملك ما حوى المكان من السموات والأرض .. ذكر ما حواه الزمان من الليل والنهار، وأن كان كل واحد من الزمان والمكان يستلزم الآخر، لكن النص عليهما أبلغ في الملكية، وقدم المكان؛ لأنه أقرب إلى العقول والأفكار من الزمان.
قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما قدم أنه خلق السموات والأرض، وأنه مالك لما تضمنه المكان والزمان .. أمر تعالى نبيه أن يقول لهم ذلك على سبيل التوبيخ لهم؛ أي: من هذه صفاته هو الذي يتخذ وليًّا وناصرًا ومعينًا، لا الآلهة التي لكم؛ إذ هي لا تنفع ولا تضر؛ لأنها بين جماد أو حيوان مقهور.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر تعالى انفراده بتصرفه بما يريده من ضر وخير وقدرته على الأشياء .. ذكر قهره وغلبته، وأن العالم مقهورون ممنوعون من بلوغ مرادهم، بل يقسرهم ويجبرهم على ما يريده هو تعالى.
وعبارة "المراغي " هنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: لما ذكر (١) في الآيات السابقة أصول الدين الثلاثة: التوحيد، والبعث والجزاء، ورسالة محمد ﷺ ، ثم ذكر شبهات الكافرين على الرسالة، وبين ما يدحضها، ثم أرشد إلى سننه تعالى في أقوام الرسل المكذبين، وأن عاقبتهم الهلاك والاستئصال والخزي والنكال تسليةً لرسوله ﷺ وتثبيتًا لقلبه، وإعانةً له على المضي في تبليغ رسالته .. ذكر هنا هذه الأصول الثلاثة بأسلوب آخر - أسلوب
стр. 3477
السؤال والجواب - بهرهم فيه بالحجة، ودلهم على واضح المحجة تفننًا في الحجاج في المواضع الهامة، فإن الأدلة إذا تضافرت على مطلوب واحد .. كان لها في النفس قبول أيما قبول، وكذلك أساليب الحجاج إذا تنوعت دفعت عن السامع السأم، وجعلته ينشط لسماع ما يلقى إليه، فهو إذا لم يعقل الدليل الأول أو عمي عليه أسلوبه .. رأى في الدليل الثاني ما ينير له طريق المطلوب، أو رأى في الأسلوب الثاني ما يكفيه مؤنة البحث في الدليل الأول، فهو في غنى بما يكون أمامه عن أن يبحث عن فائت، أو يلجأ إلى غائب، ومن ثم نرى الخطباء المفلقين، والعلماء المبرزين ينوعون أساليب حجاجهم، ويكثرون البراهين على المطلوب الواحد، ليكون ذلك أدعى إلى الإقناع، وأقرب إلى الاقتناع انتهت.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ...﴾ مناسبتها لما قبلها: أن الله (١) لما بيَّن في الآية السابقة أن شهادة الله على صحة نبوة رسوله ﷺ كافية في تحققها .. ذكر هنا كذبهم في ادعائهم أنهم لا يعرفون محمدًا ﷺ ، فهم يعرفون نبوته ورسالته كما يعرفون أبنائهم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (٢) ابن إسحاق وابن جرير من طريق سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال: جاء النحام بن زيد، وقردم بن كعب، ومجزىء بن عمرو، فقالوا: يا محمد، ما تعلم مع الله إلهًا غيره؟ فقال: "لا إله إلا الله، بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعو" فأنزل الله في قولهم: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١٢ - ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء المكذبين لرسالتك العادلين بربهم المعرضين عن دعوتك، يعني: كفار مكة ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ملكًا وخلقًا وعبيدًا
стр. 3478
وتصرفًا؛ أي: من الذي كانت له هذه المخلوقات علويها وسفليها، وقد كانت العرب تؤمن بأن الله خالق السموات والأرض، وأن كل ما فيهما ملك وعبيد له كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ الله﴾، والمقصود من السؤال: التبكيت والتوبيخ، فإن أجابوك .. فذاك وإلا فـ ﴿قُل﴾ لهم يا محمد إن ذلك كله ﴿لِلَّهِ﴾ فإنه لا جواب غيره؛ أي: فأخبرهم أن ذلك لله الذي قهر كل شيء، وملك كل شيء، واستعبد كل شيء، لا للأصنام التي تعبدونها أنتم، فإنها أموات لا تملك شيئًا ولا تملك لنفسها ضرًّا ولا نفعًا، وإنما أمره بالجواب عقب السؤال .. ليكون أبلغ في التأكيد، وآكد في الحجة.
وعبارة "المراغي" هنا قوله: ﴿قُلِ لِلَّهِ﴾ هذا تقرير للجواب نيابة عنهم، أو إلجاء لهم إلى الإقرار بأن الكل له ، ولا خلاف بيني وبينكم في ذلك، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئًا آخر إليه. وإتيان السائل بالجواب يحسن إذا كان ما يأتي به هو عين ما يعتقده المسؤول أو يغفل عنه أو ينكره لجهله أو غفلته عن كونه لازمًا لما يعرفه ويعتقده انتهت.
ولما بين الله تعالى كمال قدرته وتصرفه في سائر مخلوقاته .. أردفه بكمال رحمته وإحسانه إليهم، فقال تعالى: ﴿كَتَبَ﴾ الله وأوجب ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾؛ أي: على ذاته العلية إيجاب الفضل والكرم، وإيجاب إنجاز الوعد ﴿الرَّحْمَةَ﴾ والإحسان إلى خلقه؛ إذ أفاض عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن لا يعجل بالعقوبة لمن استحقها، بل يقبل التوبة والإنابة ممن تاب وأناب إليه، فالمراد بإيجابها على نفسه أنه وعد ذلك وعدًا مؤكدًا منجزًا لا محالة؛ إذ لا يجب على الله شيء لعباده، والمراد بالرحمة: ما يعم الدارين، ومن ذلك: الهداية إلى معرفته، والعلم بتوحيده، والإمهال على الكفار.
فصل في ذكر الأحاديث المناسبة للآية
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "لما خلق الله الخلق .. كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي". متفق عليه.
стр. 3479
وفي "البخاري": "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش". وفي رواية لهما: "إن الله لما خلق الخلق - وعند مسلم: لما قضى الله الخلق - كتب في كتاب كتبه على نفسه، فهو موضوع عنده - زاد البخاري: على العرش، ثم اتفقا -: إن رحمتي تغلب غضبي".
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "جعل الله الرحمة مئه جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" متفق عليه. زاد البخاري في رواية له: "ولو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة .. لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب .. لم يأمن من العذاب"، ولمسلم "إن لله مئه رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة".
وعن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مئه رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فيها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة .. أكملها بهذه الرحمة" رواه مسلم.
وعن عمر ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي إذ وجدت صبيًّا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ : "أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ " قلنا: لا واللهِ، وهي تقدر أن لا تطرحه، فقال ﷺ : "لله أرحم بعباده من هذه المرأة بولدها". متفق عليه.
و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لام قسم، وجملة القسم مستأنفة مسوقة للوعيد على إشراكهم وإغفالهم النظر، فلا تعلق لها بما قبلها من حيث الإعراب، وإن تعلقت به من حيث المعنى؛ أي: وعزتي وجلالي ليجمعنكم الله في القبور محشورين إلى يوم القيامة الذي لا شك في مجيئه لوضوح أدلته وسطوع براهينه، فيجازيكم على شرككم وسائر
стр. 3480
معاصيكم، أو المعنى: ليجمعنكم إلى المحشر في يوم القيامة؛ لأن الجمع إنما يكون إلى المكان لا إلى الزمان.
والحاصل: أن الله (١) الذي تقرون معنى بأنه مالك السموات والأرض قد أوجب على ذاته العلية الرحمة بخلقه؛ إذ أفاض عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ومن مقتضى هذه الرحمة أن يجمعكم إلى يوم القيامة، ذلك اليوم الذي لا شك في مجيئه لوضوح أدلته وسطوع براهينه للحساب والجزاء على الأعمال، إذ إنه وازع نفسي لا يتم تهذيب النفوس إلا به، فهو يمنع الظلم وهضم الحقوق وإيذاء الناس وارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن خوفًا من هول ذلك اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها.
ولما كان مقتضى الرحمة والفضل أعم وأسبق من مقتضى العدل .. كان جزاء الظالمين المسيئين على قدر استحقاقهم، ومنهم من يعفو الله عنه، فالجزاء على الإساءة قد ينقص منه بالعفو والمغفرة ولا يزاد فيه، وإنما الزيادة في الجزاء على الإحسان ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾.
وبيان الدين لهذا النوع من الجزاء رحمة أيضًا، فما مثله إلا مثل الحكومة العادلة تبيِّن للأمة ما تؤاخذ عليه من الأعمال الضارة، وما تكافىء به من يصدق في خدمتها ويرقى إلى سماء العزة والكرامة. وقد سبق حديث الشيخين وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن الله لما خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي" والمراد بالسبق هنا: كثرة الرحمة وشمولها، كما يقال: غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثرا فيه.
والخلاصة: أنه لما قال: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ فكأنه قيل: وما تلك الرحمة؟ فقيل: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ذلك أنه لولا خوف العذاب يوم القيامة لحصل الفساد في الأرض، واختلت نظم الاجتماع، وأكل القوي
стр. 3481
الضعيف، ولا وازع ولا زاجر، فصار التهديد بهذا اليوم من أسباب الرحمة.
وقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في محل النصب على الذم، أو في محل الرفع على الابتداء، والخبر قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ والفاء (١) فيه للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم، فإن إبطال العقل وإتباع الحواس والوهم، والانهماك في التقليد، وإغفال النظر .. أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع من الإيمان.
فإن قيل (٢): ظاهر اللفظ يدل على أن خسرانهم سبب لعدم إيمانهم، والأمر بالعكس.
أجيب: بأن سبق القضاء بالخسران والخذلان هو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان بحيث لا سبيل لهم أصلًا. اهـ "كرخي"؛ أي: فمعنى ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: قضى عليهم بالخسران، فصح السبب في قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
ومعنى خسران الأنفس: إفساد فطرتها، وعدم اهتدائها بما منحها الله تعالى من أسباب الهدايات، فالمقلدون خسروا أنفسهم باتخاذهم الأصنام، وعرضوها لسخط الله تعالى وأليم عذابه؛ لأنهم حرموها استعمال نعمتي العقل والعلم، فكانوا كمن خسر شيئًا من متاع الدنيا، وأصل الخسار: الغبن، يقال: خسر الرجل إذا غبن في بيعه.
والمعنى على النصب؛ أي: أخص هؤلاء الذين خسروا أنفسهم بالتذكير والذم والتوبيخ من بين من يجمعون إلى يوم القيامة؛ إذ هم لخسرانهم أنفسهم في الدنيا لا يؤمنون بالآخرة، فهم قلما ينظرون ويستدلون، وإن هم فعلوا ذلك .. قعد بهم ضعف الإرادة عن احتمال لوم اللائمين واحتقار الأهل والمعاشرين.
والمعنى على الرفع: الذين سبق عليهم خسران أنفسهم في علم الله تعالى، فهم لا يؤمنون في الدنيا لسبق الخسران عليهم في علمه.
стр. 3482
والخلاصة (١): أن الفوز والفلاح في الدين والدنيا لا يتم إلا بالعلم الصحيح والعزيمة الحافزة إلى العمل بالعلم، فمن خسر إحدى الفضيلتين .. فقد خسر نفسه، فردًا كان أو أمة، فما بال من خسرهما معًا؟
١٣ - ﴿وَلَهُ﴾ لا لغيره ﴿مَا سَكَنَ﴾؛ أي: حل واستقر ووجد ﴿في اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إن قلنا: إنه من السكنى بمعنى: الحلول والاستقرار في المكان، أو: له ما سكن وتحرك في جميع الأزمان، إن قلنا: إنه من السكون ضد الحركة، وقال مقاتل: من المخلوقات ما يستقر بالنهار وينتشر بالليل، ومنها ما يستقر بالليل وينتشر بالنهار.
فإن قيل (٢): لِمَ خصَّ السكون بالذِّكر دون الحركة؟
فعن ابن العربي ثلاثة أوجه:
أحدها: أن السكون أعم وجودًا من الحركة؛ لأن الساكن من المخلوقات أكثر عددًا من المتحرك.
والثاني: أن كل متحرك قد يسكن وليس كل ساكن يتحرك.
والثالث: أن في الآية إضمارًا، والمعنى: وله ما سكن وتحرك كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾؛ أي: والبرد، فيكون من باب الاكتفاء.
والمعنى: لله ما في السموات وما في الأرض، وله ما سكن في الليل والنهار، وخص هذا بالذكر وإن كان داخلًا في عموم ما في السموات والأرض تنبيهًا إلى تصرفه تعالى بهذه الخفايا، ولا سيما إذا حسن الليل وهدأ الخلق.
وقال ابن جرير (٣): كل ما طلعت عليه الشمس وغربت، فهو من ساكن الليل والنهار، فيكون المراد منه: جميع ما حصل في الأرض من الدواب والحيوانات والطير وغير ذلك مما في البر والبحر، وهذا يفيد الحصر، والمعنى: إن جميع الموجودات ملك لله تعالى لا لغيره.
стр. 3483
وبعد أن ذكر سبحانه تصرفه في الخلق دقيقه وجليله كما هو شأن الربوبية الكاملة .. ذكر أنه هو السميع العلم، فقال: ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه تعالى ﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم وأصواتهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بسرائرهم وأحوالهم؛ أي: وهو سبحانه وتعالي المحيط سمعه بكل ما من شأنه أن يسمع، فمهما يكن خفيًّا عن غيره .. فهو يسمع دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، والمحيط علمه بكل شيء ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾.
والخلاصة: أنه تعالى لا تدق عن سمعه دعوة داعٍ، ولا يعزب عن علمه حاجة محتاجٍ حتى يخبره بها الأولياء، أو يقنعه بها الشفعاء؟!
١٤ - وبعد هذا القول الذي أمر فيه رسوله للتذكير بأنه المالك لكل شيء والمدبر لكل شيء إذ هو سميع لكل شيء، ولا يعزب عن علمه شيء أمره هنا بقول آخر لازم لما سبق، وهو وجوب ولايته تعالى وحده والتوجه إليه دون سواه في كل ما هو فوق كسب البشر، والاعتماد على توفيقه فيما هو من كسبهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿أَغَيْرَ اللهِ﴾ ﴿أَتَّخِذُ﴾ وأجعل ﴿وَلِيًّا﴾ ومعبودًا لنفسي ومتوليًا لأموري؛ أي: لا أتخذ غير الله تعالى وليًّا لنفسي كما اتخذتموهم أولياء لأنفسكم. والاستفهام فيه إنكاري بمعنى النفي، قال لهم ذلك لما دعوه إلى عباده الأصنام، ولما كان الإنكار لاتخاذ غير الله وليًّا لا لاتخاذ الولي مطلقًا .. دخلت الهمزة على المفعول لا على الفعل، والمراد بالولي هنا: المعبود؛ أي: كيف اتخذ غير الله معبودًا؟ ذكره "الشوكاني".
والمعنى (١): قل لهم: لا أطلب من غيره تعالى نفعًا ولا ضرًّا، لا فعلًا ولا منعًا، فيما هو فوق كسبه وتصرفه الذي منحه الله لأبناء جنسه، أما تناصر المخلوقين وتولي بعضهم بعضًا فيما هو من كسبهم العادي: فلا يدخل في عموم الإنكار الذي يفهم من الآية، فقد أثنى الله على المؤمنين بأن بعضهم أولياء بعض. وقد كان المشركون من الوثنيين ومن طرأ عليهم الشرك من أهل الكتاب يتخذون
стр. 3484
معبوداتهم وأنبياءهم وصلحاءهم أولياء من دون الله يتوجهون إليهم بالدعاء، ويستغيثون بهم، ويستشفعون بهم عند الله في قضاء حاجاتهم من نصر على عدو، وشفاء من مرض وسعة في رزق إلى نحو ذلك. وهذا بلا شك عبادة لغير الله وشرك بالله؟ لاعتقادهم أن حصول المطلوب من غير أسبابه العادية قد كان بمجموع إرادة هؤلاء الأولياء وإرادة الله، ويلزم هذا أن إرادة الله ما تعلقت بفعل ذلك المطلب إلا تبعًا لإرادة الولي الشافع أو المتخذ وليًّا وشفيعًا.
وقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بدل من (١) الله أو صفة له، وقد تعرف بالإضافة؛ لأنه بمعنى الماضي بدليل قراءة ﴿فطر﴾ بصيغة الفعل الماضي فاتفقت الصفة والموصوف في التعريف؛ أي: موجد السموات والأرض ومنشئهما على غير مثال سبق.
وقد روى عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما عرفت ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي: ابتدعتها. وقد كانت المادة التي خلقت منها السموات والأرض كتلة واحدة دخانية، ففتق رتقها، وفصل منها أجرام السموات والأرض، وهذا ولا شك ضرب من الفطر والشق قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ وفي ذلك تعريض بأن من فطر السموات والأرض بمحض إرادته بدون تأثير مؤثر ولا شفاعة شافع ينبغي أن لا يتوجه إلى غيره بالدعاء، ولا يستعان بسواه في كل ما وراء الأسباب.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَاطِرِ﴾ بالجر على أنه بدل من الجلالة، أو صفة له كما مر. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على إضمار: هو. وقرىء شاذًا بالنصب، والأحسن أن يكون نصبه على المدح. وقرأ الزهري: ﴿فطر﴾ على صيغة الفعل الماضي. وقد أكد ما تقدم وزاده تثبيتًا بقوله: ﴿وَهُوَ﴾ ﴿يُطْعِمُ﴾ ويرزق ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ ولا يُرزق كقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾
стр. 3485
والمعنى (١): إن المنافع كلها من عند الله تعالى، وخص الإطعام من بين أنواع الانتفاعات؛ لأن الحاجة إليه أمس، كما خص الربا بالأكل، وإن كان المقصود الانتفاع بالربا.
والحاصل: أنه (٢) يرزق الناس الطعام وليس هو بحاجة إلى من يرزقه ويطعمه؛ لأنه منزه عن الحاجة إلى كل ما سواه أيًّا كان نوعها. وفي هذا إيماء إلى أن من اتخذوا أولياء من دونه من البشر محتاجون إلى الطعام، ولا حياة لهم بدونه، وأن الله هو الذي خلق لهم الطعام، فهم عاجزون عن خلقه وعاجزون عن البقاء بدونه، فأحرى بهم؛ أي: لا يتخذوا أولياء مع الغني الرزاق الفعال لما يريد. وإذا كان الإنكار توجه إلى البشر فأولى به أن يتوجه إلى الأصنام والأوثان؛ لأنها أضعف من البشر؛ إذ قد اتفق العقلاء على تفضيل الحيوان على الجماد، والإنسان على جميع أنواع الحيوان.
وقرأ الجمهور بضم الياء وكسر العين في الأول، وضمها وفتح العين في الثاني؛ أي: يرزق ولا يرزق كما فسرناه كذلك أولًا. وقرأ (٣) مجاهد وابن جبير والأعمش وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وأبو عمرو في رواية عنه: ﴿ولا يطعم﴾ بفتح الياء والعين في الثاني، والمعنى: أنه تعالى منزه عن الأكل، ولا يشبه المخلوقين. وقرأ يمان العماني وابن أبي عبلة: ﴿ولا يطعم﴾ بضم الياء وكسر العين مثل الأول، فالضمير في ﴿وهو يطعم﴾ عائد على الله، وفي ﴿ولا يطعم﴾ عائد على ﴿الولي﴾. وروى ابن المأمون عن يعقوب: ﴿وهو يطعم ولا يطعم﴾ علي بناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل، فالضمير لغير الله. وقرأ الأشهب، ﴿وهو يطعم ولا يطعم﴾ علي بنائهما للفاعل، وفسر بأن معناه: وهو يطعم غيره ولا يستطعم لنفسه، وحكى الأزهري: أطعمت بمعنى: استطعمت. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون المعنى على هذه القراءة: ﴿وهو يطعم﴾ تارة ﴿ولا يطعم﴾ أخرى على حسب المصالح. وقرىء (٤) بفتح الياء والعين في الأول
стр. 3486
وضمها وكسر العين في الثاني على أن الضمير يعود إلى الولي المذكور.
وفي قراءة من قرأ باختلاف الفعلين تجنيس التشكيل، وهو أن يكون الشكل فرقًا بين الكلمتين، وسماه أسامة بن منقذ في بديعته: تجنيس التحريف، وهو بتجنيس التشكيل أولى كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مبحث البلاغة، ذكره أبو حيان في "البحر".
﴿قُلْ﴾ يا محمد لكفار قومك ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ من جناب الله تعالى ﴿أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ من هذه الأمة؛ أي: استسلم لأمر الله وانقاد إلى طاعته ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: وقيل لي: ولا تكونن يا محمد من المشركين بالله تعالى في أمر من الأمور، والمعنى: أمرت بالإسلام، ونهيت عن الإشراك؛ أي: قل (١) لهم بعد أن استبانت لديكم الأدلة على وجوب عبادة الله وحده، وعدم اتخاذ غيره وليًّا: إني أمرت من ربي الموصوف بجليل الصفات أن أكون أول من أسلم إليه، وانقاد لديه من هذه الأمة التي بعثت فيها، فلا أدعو إلى شيء إلا كنت أول مؤمن به سائر على نهجه. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: وقيل لي بعد إسلام الوجه له: لا تكونن من المشركين الذين اتخذوا من دونه أولياء ليقربوهم إليه زلفى.
١٥ - وبعد أن أمره بهذا القول المبين لأساس الدِّين، وبين أنه مأمورًا به كغيره .. أمره بقول آخر فيه بيان لجزاء من خالف الأمر والنهي السالفين، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى عبادة غيري: إن ربي أمرني أن أكون أول من أسلم، ونهاني عن عبادة شيء سواه، و ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ﴾ وخالفت ﴿رَبِّي﴾ فيما أمرني به ونهاني عنه فعبدت شيئًا سواه ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: عذابًا عظيمًا شديدًا في يوم عظيم شديد هوله وهو يوم القيامة؛ أي: إني (٢) أخاف عذاب يوم عظيم - وهو يوم القيامة - إن عصيت ربي، فالشرط معترض بين الفاعل والمفعول به، محذوف الجواب كما سيأتي في مبحث الإعراب إن شاء الله تعالى.
стр. 3487
والخلاصة: قل لهم يا محمد: إنْ فُرض وقوع العصيان مني .. فإنني أخاف أن يصيبني عذاب ذلك اليوم العظيم - وهو يوم القيامة - الذي يتجلى فيه الرب على عباده ويحاسبهم الحساب العسير على أعمالهم ويجازيهم بما يستحقون. وفي الآية إشارة إلى أن هذا يوم لا محاباة فيه لأحد مهما كان عظيمًا، وأنه لا تنفع فيه شفاعة الشافعين، بل الأمر يومئذ لله، فلا سلطان لغيره يتكل عليه من يعصيه ظنًّا منه أنه يخفف عنه العذاب أو ينجيه، وإذا كان خوف النبي ﷺ من العذاب على المعصية منتفيًا لوجود العصمة .. فخوف الإجلال والتعظيم ثابت له في جميع الأحوال.
١٦ - ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾ العذاب ويدفع ﴿عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم العذاب العظيم، وهو يوم القيامة؛ أي: من يصرف الله عنه العذاب يومئذ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾؛ أي: قد أنجاه الله مما يخاف، وأكرمه بما يحب، وأدخله الجنة دار كرامته. والإشارة في قوله: ﴿ذلك﴾ إلى الصرف، أو إلى الرحمة؛ أي: ذلك الصرف أو الرحمة ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: الفلاح العظيم والنجاة الظاهرة، يعني: أن صرف العذاب وحصول الرحمة هو النجاة والفلاح المبين، وإنما ذكر الرحمة بعد صرف العذاب، لئلا يتوهم أن الحاصل له صرف العذاب فقط، بل حصلت له الرحمة مع صرف العذاب عنه.
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم (١): ﴿من يصرف﴾ مبنيًّا للفاعل فـ ﴿من﴾ مفعول مقدم، والضمير في ﴿يصرف﴾ عائد على الله، ويؤيده قراءة أُبي: ﴿من يصرف الله﴾. وقرأ باقي السبعة: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾ مبنيًّا للمفعول، ومعلوم أن الصارف هو الله تعالى، فحذف للعلم به أو للإيجاز. والمعنى: أنه من يدفع الله عنه العذاب في ذلك اليوم .. فقد رحمه؛ إذ أنجاه من الهول الأكبر، ومن نجا منه .. فقد دخل الجنة، والنجاة من العذاب والتمتع بالنعيم في دار البقاء هو الفوز المبين الظاهر الذي لا فوز أعظم منه.
واعلم: أن الفوز إنما ينال بحصول مطلوبين:
стр. 3488
أحدهما: سلبي، وهو النجاة من العذاب،
والثاني: إيجابي، وهو الظفر بالنعيم المقيم في الجنة.
١٧ - وبعد أن بين أن صرف العذاب والفوز بالنعيم المقيم من رحمته في الآخرة .. بيَّن أن الأمر كذلك في الدنيا، وأن التصرف فيها له تعالى وحده، فقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ﴾؛ أي: وإن يصبك الله تعالى ببلية كمرض وفقر ونحو ذلك، والضر: اسم جامع لما ينال الإنسان من ألم ومكروه وغير ذلك مما هو في معناه: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: فلا رافع له عنك إلا هو وحده؛ أي: وإن يصبك أيها الإنسان ضر كمرض وفقر وحزن وذل اقتضته سنة الله .. فلا كاشف له ولا صارف يصرفه عنك إلا هو دون الأولياء الذين يتخذون من دونه ويتوجه إليهم المشرك بكشفه، وهو ؛ إما أن يكشفه عنك بتوفيقك للأسباب الكسبية التي تزيله، وإما أن يكشفه بغير عمل منك، بل بلطفه وكرمه، فله الحمد على نعمه المتظاهرة التي لا حد لها.
فائدة: فالضر (١) إما في النفس كقلة العلم والفضل والعفة، وإما في البدن كعدم جارحة ونقص ومرض، وإما في حالة ظاهرة من قلة مال وجاه. اهـ "كرخي".
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾؛ أي: وإن يصبك الله أيها الإنسان بخير ويعطكه؛ كصحة وغنى وقوة وجاه، والخير: اسم جامع لما ينال الإنسان من لذة وفرح وسرور ونحو ذلك: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: فهو قادر على حفظه عليك كما قدر على إعطائك إياه، وهو القدير على كل شيء، أما أولئك الأولياء الذين اتخذوا من دونه فلا يقدرون على مسِّك بخير ولا ضر. وعبارة "الخازن" هنا: وهذه الآية خطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: لا تتخذ وليًّا سوى الله؛ لأنه هو القادر على أن يمسك بضر، وهو القادر على دفعه عنك، وهو القادر على إيصال الخير إليك، وأنه لا يقدر على ذلك إلا هو فاتخذه وليًّا وناصرًا
стр. 3489
ومعينًا، وهذا الخطاب وإن كان للنبي ﷺ ، فهو عام لكل أحد، والمعنى: وإن يمسسك الله بضر أيها الإنسان .. فلا كاشف لذلك الضر إلا هو، وإن يمسسك بخير أيها الإنسان .. فهو على كل شيء قدير من دفع الضر وإيصال الخير.
وعن ابن عباس ﵄ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال لي: "يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإنْ اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف" أخرجه الترمذي، زاد فيه رزين "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة"، وفيه: "وإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فاصبر، فإن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا واعلم أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، ولن يغلب عسر يسرين". قال ابن الأثير: وقد جاء نحو هذا أو مثله بطوله في "مسند" أحمد بن حنبل انتهت.
فعلى (١) المؤمن الصادق في إيمانه أن لا يطلب شيئًا من أمور الدنيا والآخرة من كشف ضر، وصرف عذاب، أو إيجاد خير، ومنح ثواب إلا من الله تعالى وحده دون غيره من الشفعاء والأولياء الذين لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا. وهذا الطلب من الله؛ إما بالعمل ومراعاة الأسباب التي اقتضتها سنته في الخلق، ودل عليها الشرع وهدى إليها العقل؛ وإما بالتوجه إليه ودعائه كما ندب إلى ذلك كتابه الكريم، وسنة نبيه ﷺ قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
١٨ - وبعد أن أثبت لنفسه كمال القدرة .. أثبت لها كمال السلطان والتسخير لجميع عباده، والاستعلاء عليهم مع كمال الحكمة والعلم المحيط بخفايا الأمور؛ ليرشدنا إلى أن من اتخذ الأولياء .. فقد ضل ضلالًا بعيدًا فقال: ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾؛ أي (٢): الغالب
стр. 3490
لعباده، العالي فوقهم، القاهر لهم وهم مقهورون تحت قدرته، والقاهر والقهار معناه: الذي يدبر خلقه بما يريد، فيقع في ذلك ما يشق عليهم ويثقل ويغم ويحزن ويفقر ويميت ويذل خلقه، فلا يستطيع أحد من خلقه ردَّ تدبيره والخروج من تحت قهره وتقديره، وهذا معنى القاهر في صفة الله تعالى؛ لأنه القادر، والقاهر: الذي لا يعجزه شيء أراده. ومعنى فوق عباده هنا: أن قهره قد استعلى على خلقه، فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم به من الاقتدار والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج منه، ولا ينفك عنه، فكل من قهر شيئًا فهو مستعلٍ عليه بالقهر والغلبة. وقال "الشوكاني": ومعنى: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، لا فوقية المكان، كما تقول: السلطان فوق رعيته؛ أي: بالمنزلة والرفعة، وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو: منع غيره عن بلوغ المراد. انتهى.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره وتدبيره عباده ﴿الْخَبِيرُ﴾؛ أي: العالم بأعمالهم وما يصلحهم.
وخلاصة المعنى: أنه تعالى هو الغالب لعباده العالي عليهم بتذليله لهم وخلقه إياهم، فهو فوقهم بالقهر وهم دونه، وهو الحكيم في تدبيره، الخبير بمصالح الأشياء ومضارها؛ ولا تخفى عليه خوافي الأمور ولا يقع في تدبيره خلل ولا في حكمته دخل.
١٩ - وقد ختم سبحانه هذه الأوامر القولية المبينة لحقيقة الدين وأدلته بشهادة الله لرسوله، وشهادة رسوله له، فقال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾.
روى ابن عباس: أن رؤساء أهل مكة قالوا: يا محمد، ما وجد الله غيرك رسولًا، وما ترى أحدًا يصدقك، وقد سألنا اليهود والنصارى عنك، فزعموا أنه لا ذكر لك عندهم بالنبوة، فأرنا من يشهد لك بالنبوة؟ فأنزل الله قوله هذا: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾؛ أي: قل لهؤلاء المشركين من قومك الذين يكذبونك ويجحدون نبوتك أيُّ شهيد أكبر شهادة وأعظمها وأجدر أن تكون شهادته أصحها وأصدقها؟ ثم أمره بأن يجيب عن هذا السؤال بأن أكبر الشهداء
стр. 3491
وأصدقهم وأعظمهم شهادة هو: الله ، فقال ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد إن لم يجيبوا لك ﴿الله﴾ أكبر شهادة؛ لأنه لا جواب غيره؛ أي: أحب لهم بأن أكبر الأشياء شهادة هو من لا يجوز أن يقع في شهادته كذب ولا زور ولا خطأ، وذلك هو الله ، وهو ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ يشهد لي بالحق، وعليكم بالباطل الذي تقولونه. والمراد (١) بشهادة الله: إظهار المعجزة على يد النبي ﷺ ، فإن حقيقة الشهادة ما بُيِّن به المدعى، وهو كما يكون بالقول يكون بالفعل، ولا شك أن دلالة الفعل أقوى من دلالة القول لعروض الاحتمالات في الألفاظ دون الأفعال، فإن دلالتها لا يعرض لها الاحتمال، وإن المعجزة نازلة منزلة قوله تعالى صدق عبدي في كل ما يبلغ عني انتهى "كرخي".
والحاصل (٢): أنهم طلبوا شاهدًا مقبول القول يشهد له بالنبوة، فبين الله تعالى بهذه الآية أن أكبر الأشياء شهادة هو الله تعالى، ثم بيَّن أنه يشهد له بالنبوة وهو المراد بقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ فهو بمنزلة التعليل لما قبله؛ أي: إن الله يشهد لي بالنبوة؛ لأنه أوحى إليَّ هذا القرآن، وهو معجزة لأنكم أنتم الفصحاء البلغاء وأصحاب اللسان وقد عجزتم عن معارضته، فكان معجزًا، وإذا كان معجزًا .. كان نزوله عليَّ شهادة من الله تعالى بأني رسوله، وهو المراد بقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ يعني: أوحي إليَّ هذا القرآن لأخوفكم به وأحذركم مخالفة أمر الله ولأبشركم، فحذف المعطوف لدلالة المعنى عليه، أو اقتصر على الإنذار؛ لأنه في مقام تخويف لهؤلاء المكذبين بالرسالة المتخذين غير الله إلهًا. وقوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ في محل النصب معطوف على الكاف في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾؛ أي: ولأنذر به من بلغه القرآن ممن يأتي بعدي إلى يوم القيامة من العرب والعجم وغيرهم من سائر الأمم من الإنس والجن، فكل من بلغ إليه القرآن وسمعه فالنبي ﷺ نذير له. قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ﷺ وكلمه. وقال أنس بن مالك: لما نزلت هذه الآية .. كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله . وعن
стр. 3492
عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أن النبي ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا .. فليتبوأ مقعده من النار" أخرجه البخاري.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نضر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه، فربَّ مبلغ أوعى له من سامع" أخرجه الترمذي، وله عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه".
وعن ابن عباس ﵄ قال: تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم أخرجه أبو داود موقوفًا، وقالت فرقة: الفاعل ببلغ عائد على ﴿من﴾ لا على القرآن، والمفعول محذوف والتقدير: ومن بلغ الحلم.
وشهادة (١) الله بين الرسول وقومه ضربان: شهادته برسالة الرسول، وشهادته بصدق ما جاء به.
والأول أنواع ثلاثة:
١ - إخباره بها في كتابه بنحو قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
٢ - تأييده بالآيات الكثيرة التي من أعظمها القرآن، فهو المعجزة الدائمة بما ثبت من عجز البشر عن الإتيان بسورة من مثله، وبما اشتمل عليه من أخبار الغيب ووعد الرسول والمؤمنين بنصر الله وإظهارهم على أعدائهم.
٣ - وشهادة كتبه السابقة له، وبشارة الرسل السابقين به، ولا تزال هذه الشهادة في كتب اليهود والنصارى.
والثاني ثلاثة أنواع أيضًا:
١ - شهادة كتبه بذلك كقوله: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو
стр. 3493
الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾.
٢ - ما أقامه من الآيات في الأنفس والآفاق مما يدل على توحيده واتصافه بصفات الكمال.
٣ - ما أودعه جل شأنه في الفطرة البشرية من الإيمان بإله واحد له صفات الكمال وببقاء النفس.
والخلاصة: أن شهادته تعالى هي شهادة آياته في القرآن، وآياته في الأكوان، وآياته في العقل والوجدان اللذين أودعهما في نفس الإنسان.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَأُوحِيَ﴾ مبنيًّا للمفعول، ﴿الْقُرْآنُ﴾ هو مرفوع به. وقرأ عكرمة وأبو نهيك وابن السميقع والجحدري: ﴿وأوحي﴾ مبنيًّا للفاعل، و ﴿القرآن﴾ منصوب به. والمعنى (٢): أوحى الله إليَّ هذا القرآنَ الذي تلوته عليكم لأجل أن أنذركم به وأنذر به من بلغ إليه؛ أي: كل من بلغ إليه من موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة إلى يوم القيامة.
والاستفهام في قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ للتوبيخ والتقريع لهم والإنكار عليهم على قراءة من قرأ بهمزتين على الأصل، أو بقلب الثانية؛ أي: لا تنبغي ولا تصح منكم هذه الشهادة؛ لأن المعبود واحد لا تعدد فيه. وأما من قرأ على الخبر .. فقد حقق عليهم شركهم؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جحدوا نبوتك واتخذوا آلهة غيري: هل إنكم أيها المشركون لتشهدون وتثبتون وتعتقدون وتقرون ﴿أَنَّ مَعَ﴾ ﴿آلِهَةً أُخْرَى﴾ يعني: الأصنام، إن كان الخطاب لأهل مكة، فإنهم أصحاب أوثان، وإن كان لجميع المشركين، فالآلهة كل ما عبد من دون الله تعالى من وثن أو كوكب أو نار أو آدمي، وإنما قال: ﴿أُخْرَى﴾ بتأنيث الصفة وإفرادها؛ لأن ما لا يعقل يعامل جمعه معاملة المؤنثة الواحدة، كما قال بعضهم:
وَجَمْعُ كَثْرَةٍ لِمَا لاَ يَعْقِلُ ... الأَفْصَحُ الإِفْرَادُ فِيْهِ يَا فُلُ
стр. 3494
نظير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ ولم يقل: الأول، ولا الأولين.
﴿قُل﴾ لهم يا محمد ﴿لَا أَشْهَدُ﴾ بما تشهدون به من أن مع الله آلهة أخرى، بل أجحد ذلك وأنكر ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿إِنَّمَا هُوَ﴾؛ أي: ما المستحق العبادة مني ومنكم إلا ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ومعبود منفرد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له، وبذلك أشهد لا بما شهدتم، بل أتبرأ من ذلك، وكرر: ﴿قُلْ﴾ تأكيدًا للكلام. ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ به؛ أي: وأنا بريء من كل شيء تعبدونه سوى الله تعالى، وهذه الجملة كالتوكيد لما قبلها. وفي هذه (١) الآية دليل على إثبات التوحيد لله وإبطال كل معبود سواه؛ لأن كلمة: ﴿إِنَّمَا﴾ تفيد الحصر، ولفظة الواحد صريح في التوحيد، ونفي الشريك، فثبت بذلك إيجاب التوحيد وسلب كل شريك، والتبرؤ من كل معبود سوى الله تعالى. قال العلماء: يستحب لكل من أسلم أن يأتي بالشهادتين، ويبرأ من كل دين خالف الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. ونص (٢) الشافعي على استحباب ضمِّ التبرؤ إلى الشهادة؛ لأن الله تعالى لما صرح بالتوحيد .. قال: ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
٢٠ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: الذين أعطيناهم الكتب السالفة، وهم علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾؛ أي: يعرفون محمدًا ﷺ من جهة الكتابين بصفته المذكورة فيهما ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ بصفاتهم، فإنهم كذبوا في قولهم: إنا لا نعرف محمدًا في كتابنا. وذلك أن كفار مكة لما قالوا للنبي ﷺ : إنا سألنا عنك اليهود والنصارى، فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، وأنكروا معرفته .. بين الله أن شهادته كافية على صحة نبوته، وبين في هذه الآية أنهم يعرفونه، وأنهم كذبوا في قولهم: إنهم لا يعرفونه. وروي أن النبي ﷺ لما قدم المدينة، وأسلم عبد الله بن سلام .. قال له عمر بن الخطاب: إن الله أنزل على نبيه محمد ﷺ بمكة ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا
стр. 3495
عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ولأنا أشد معرفة بمحمد ﷺ مني بابني، فقال عمر: وكيف ذاك؟ قال: أشهد أنه رسول الله حقًّا ولا أدري ما يصنع النساء.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ وغبنوا ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ وأوبقوها وأهلكوها في نار جهنم بإنكارهم نبوة محمد ﷺ من جميع المشركين وكفار أهل الكتاب، والموصول مبتدأ خبره قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ودخلت الفاء عليه لشبه المبتدأ بالشرط في العموم؛ أي: فهم يؤثرون مالهم من الجاه والمكانة والرياسة في قومهم على الإيمان بالرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم، علمًا منهم بأنهم إذا آمنوا .. سلبوا الرياسة، وجعلوا مساوين لسائر المسلمين في سائر الأحكام والمعاملات. وكذلك كان بعض رؤساء قريش يعز عليه أن يؤمن فيكون تابعًا ومرؤوسًا، ويكون مثله مثل بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وغيرهما من فقراء المسلمين. فهؤلاء الذين نزلت فيهم هذه الآية خسروا أنفسهم لضعف إرادتهم، لا لفقدان العلم والمعرفة؛ لأن الله أخبر عنهم أنهم على علم ومعرفة. ومعنى (١) هذا الخسران كما قاله جمهور المفسرين: أن الله تعالى جعل لكل إنسان منزلًا في الجنة، ومنزلًا في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة، ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار.
٢١ - وبعد أن ذكر أن إنكار نبوة محمد ﷺ خسران للنفس .. ذكر أن الافتراء على الله ظلم لها ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾، والاستفهام في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ للإنكار بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أشد ظلمًا وأكثر عنادًا وأخطأ فعلًا وأعظم كفرًا ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾ واختلق ﴿عَلَى اللهِ﴾ ﴿كَذِبًا﴾ كمن زعم أن له ولدًا أو شريكًا أو أن غيره يدعى معه أو من دونه أو يتخذ وليًّا له يقربه إليه زلفى ويشفع للناس عنده، أو زاد في دينه ما ليس منه ﴿أَوْ﴾ ممن ﴿كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ المنزلة كالقرآن، أو آياته الكونية الدالة على وحدانيته أو التي يؤيد بها رسله. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا﴾ هم مشركو العرب،
стр. 3496
وقوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ هم أهل الكتابين الذين أنكروا معرفته، وكذبوا قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾. وإذا كان كل من التكذيب والكذب والافتراء قد بلغ غاية القبح، وصاحبه يعد مفتريًا ظالمًا .. فما حال من جمع بينهما فكذب على الله، وكذب بآياته المثبتة للتوحيد والمثبتة للرسالة. ثم بيَّن عاقبة الظالمين وسوء منقلبهم، فقال: ﴿إِنَّهُ﴾ أي إن الشأن والحال ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ ولا يظفر ﴿الظَّالِمُونَ﴾ عامة؛ أي: إن الظالمين عامة لا يفوزون في عاقبة أمرهم يوم الحساب والجزاء بالنجاة من عذاب الله تعالى، ولا بالفوز بنعيم الجنة بمعنى: أنهم لا ينجون من مكروه، ولا يفوزون بمطلوب، فكيف تكون عاقبة من افترى على الله الكذب وكذب بآياته، فكان أظلم الظالمين.
والخلاصة: أنه لا ينجح القائلون على الله الكذب، والمفترون على الله الباطل، كقول كفار مكة: هذه الأصنام شركاء لله، والله أمرنا بعبادتها، وقولهم: إن الملائكة بنات الله، وقولهم: أمرنا الله بتحريم البحائر والسوائب، وكقول اليهود والنصارى: حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ، ولا يجيء بعدهما نبي، وكقول المشركين: القرآن سحر، أو شعر، أو كهانة.
٢٢ - ثم بين الله أن المفترين على الله الكذب يسألون يوم القيامة سؤال توبيخ وإنكار على ما اجترحوا، فقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾؛ أي: واذكر لهم يا محمد قصة يوم نحشر ونجمع العابدين والمعبودين جميعًا وسائر الناس على اختلاف درجاتهم في ظلم أنفسهم وظلم غيرها، وهو يوم القيامة. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ خاصة على رؤوس الأشهاد للتوبيخ وهم أشدهم ظلمًا ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿تَزْعُمُونَ﴾ وتظنون أنها أولياؤكم من دون الله تعالى، تستعينون بهم كما يستعان به، ويدعون كما يدعى، وأنهم يقربونكم إليه زلفى، ويشفعون لكم عنده، فأين ضلوا عنكم، فلا يرون معكم كما جاء في آية أخرى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. ولعله (١) يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذ ليفقدوها في الساعة
стр. 3497
التي علقوا بها الرجاء فيها، ويحتمل أنهم يشاهدونهم، ولكن لما لم ينفعوهم .. فكأنهم غيب عنهم. وقال ابن (١) عباس: وكل زعم في كتاب الله، فهو كذب.
وعطف (٢) بـ ﴿ثم﴾ الدالة على التراخي نظرًا للتراخي الحاصل بين مقامات يوم القيامة في المواقف، فإن فيه مواقف بين كل موقف وموقف تراخٍ على حسب طول ذلك اليوم.
وقرأ الجمهور: ﴿نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ﴾ بالنون فيهما. وقرأ حميد ويعقوب فيهما بالياء. وقرأ أبو هريرة: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ بكسر الشين.
٢٣ - ثم أخبر بأنهم يوم القيامة ينكرون ذلك الشرك، فقال: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾، والفتنة هنا: الشرك، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: ثم لم تكن عاقبة فتنتهم وشركهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ أي: إلا أن أقسموا بالله يوم القيامة بقولهم ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وذلك إذا شاهدوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى لأهل التوحيد، فيقول بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد، فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، فيختم على أفواههم، وتشهد عليهم جوارحهم بالشرك والكفر. وظاهر (٣) الآيات يدل على أنهم كانوا ينكرون في بعض مواقف الحشر شركهم بالله توهمًا منهم أن ذلك ينفعهم كما جاء في هذه الآية، ويعترفون به في بعض آخر كما جاء في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾، وفي قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾.
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن هذه الآية وعن قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾؛ لأن معناهما متعارضان، فقال: أما قوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام قالوا: تعالوا لنجحد إشراكنا فـ ﴿قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾.
قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة العربية، لا يعرفه إلا من
стр. 3498
وقف على معاني كلام العرب، وذلك أنه تعالى بيَّن كون المشركين مفتونين بشركهم متهالكين في حبه، فذكر أن عاقبة كفرهم وشركهم الذي لزموه طول أعمارهم، وقاتلوا عليه، وافتخروا به، وقالوا: إنه دين آبائنا، لم تكن إلا جحوده، والتبرؤ منه، والحلف على عدم التدين به، ونظير هذا في اللغة أنك ترى إنسانًا يحب شخصًا غاويًا مذموم الطريقة، فإذا وقع في هلكة بسببه .. تبرأ منه فيقال له: ما كانت محبتك - عاقبة محبتك - لفلان إلا أن تبرأت منه وتركته انتهى. وعلى هذا فالفتنة: هي شركهم في الدنيا كما فسرها ابن عباس، ويكون في الكلام تقدير مضاف هو كلمة: عاقبة كما قدمنا ذلك. وقيل (١): المراد بالفتنة هنا: جوابهم؛ أي: لم يكن جوابهم إلا الجحود والتبرؤ، فكان هذا الجواب فتنة لكونه كذبًا.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بالتاء. وقرأ حمزة والكسائي بالياء: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾. وقرأ أبي وابن مسعود والأعمش: ﴿وما كان فتنتهم﴾. وقرأ طلحة وابن مطرف: ﴿ثم ما كان﴾. وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص: ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ بالرفع. وقرأت فرقة: ﴿ثم لم يكن﴾ بالياء، و ﴿فتنتهم﴾ بالرفع، وإعراب هذه القراءات واضح، والبخاري منها على الأشهر قراءة: ﴿ثم لم يكن فتنتهم﴾ بالياء بالنصب؛ لأن أن مع ما بعدها أجريت في التعريف مجرى المضمر، وإذا اجتمع الأعرف وما دونه في التعريف .. فذكروا أن الأشهر جعل الأعرف هو الاسم، وما دونه هو الخبر، ولذلك أجمعت السبعة على ذلك في قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ وفي قوله: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾. وقرأ عكرمة وسلام بن مسكين: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا﴾ برفع الاسمين، قال ابن عطية: وهذا على التقديم والتأخير؛ أي: قالوا: ما كنا مشركين، والله ربنا. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: ﴿ربَّنا﴾ بنصبه على النداء، أو المدح، والباقون بالكسر.
٢٤ - ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد؛ أي: فكر وتأمل بعين البصيرة إلى حال هؤلاء المشركين
стр. 3499
﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الكذب الصريح بإنكار صدور الإشراك منهم في الدنيا؛ حيث قالوا: والله ربنا ما كنا مشركين ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أي: وانظر أيضًا كيف ضل وغاب عنهم ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: يختلقون ويكذبون بألوهيته وشفاعته لهم من شركائهم وأصنامهم، فلم تغنِ عنهم شيئًا، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها لهم، وهذا على جعل ﴿مَا﴾ موصولًا اسميًّا واقعة على الآلهة. ويحتمل أن تكون مصدرية، والمعنى عليه: انظر يا محمد كيف كذبوا باليمين الفاجرة بإنكار صدور ما صدر منهم في الدنيا من الإشراك، وكيف ضل وذهب عنهم افتراؤهم، وتلاشى وبطل ما كانوا يظنونه من أن الشركاء يقربونهم إلى الله حتى نفوا صدوره منهم بتاتًا، وتبرؤوا منه غاية البراءة؟
وهذا تعجيب لرسول الله ﷺ من حالهم المختلفة ودعواهم المتناقضة.
وقال (١) مجاهد: إذا جمع الله الخلائق، ورأى المشركون سعة رحمة الله تعالى، وشفاعة رسوله ﷺ للمؤمنين قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد، فهذا قال الله لهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون؟ قالوا: واللهِ ربنا ما كنا مشركين، فيختم على أفواههم، فتشهد عليهم جوارحهم.
فإن قلت (٢): كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور على أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟
قلتُ: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرةً ودهشًا، ألا تراهم يقولون: ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا .. فإنا ظالمون، وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه، وقالوا: يا مالك ليقض علينا ربك، وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.
الإعراب
﴿قُلْ لِمَنْ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى
стр. 3500
يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لِمَنْ مَا في السَّمَاوَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿لِمَنْ﴾: ﴿اللام﴾ حرف جر. ﴿من﴾: اسم استفهام في محل الجر باللام، الجار والمجرور متعلق بمحذوف وجوبًا خبر مقدم لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿في السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر لمحذوف تقديره: هو الله، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿كَتَبَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كَتَبَ﴾. ﴿الرَّحْمَةَ﴾: مفعول به لـ ﴿كَتَبَ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل النصب حال من الجلالة. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿يجمعن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، والكاف: ضمير المخاطبين في محل النصب مفعول به. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بيجمع، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مستأنفة. وقيل (١): موضعه نصب بدلًا من ﴿الرَّحْمَةَ﴾. ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿رَيْبَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لَا﴾، وجملة ﴿لَا﴾ في محل النصب حال من ﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ أول. ﴿خَسِرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء: رابطة الخبر بالمبتدأ لشبه المبتدأ بالشرط، ﴿هم﴾: مبتدأ ثانٍ، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ الثاني،
стр. 3501
والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره جملة كبرى في ضمنها جملة صغرى مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ في اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾.
﴿وَلَهُ﴾ الواو: استئنافية. ﴿له﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة وفي (١) "السمين ": قوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾ جملة اسمية فيها قولان: أظهرهما: أنها مستأنفة إخبارًا بذلك، والثاني: أنها في محل النصب معطوفة على قوله: ﴿لله﴾؛ أي: على الجملة المحكية بـ ﴿قل﴾؛ أي: قل: هو لله، وقيل: له ما سكن. ﴿سَكَنَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿في اللَّيْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَكَنَ﴾. ﴿وَالنَّهَارِ﴾: معطوف على الليل، ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ. ﴿السَّمِيعُ﴾ خبر أول. ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثانٍ، أو صفة لـ ﴿السَّمِيعُ﴾، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، أو مستأنفة.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قل﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَغَيْرَ اللهِ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري حقها أن تدخل على اتخذ، ولكن (٢) لما كان الإنكار لاتخاذ غير الله وليًّا، لا لاتخاذ الولي مطلقًا .. دخلت الهمزة على المفعول لا على الفعل، والمراد بالولي هنا: المعبود؛ أي: كيف اتخذ غير الله معبودًا. ﴿غير الله﴾: مفعول أول ومضاف إليه. ﴿أَتَّخِذُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول ثانٍ له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ويجوز (٣) أن يكون اتخذ متعديًا إلى واحد، وهو: وليًّا، و ﴿غير الله﴾ صفة له قدمت عليه فصارت حالًا، ولا يجوز
стр. 3502
أن تكون غير هنا استثناء. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾: بدل من الجلالة ومضاف إليه، أو صفة له، وقد تعرف بالإضافة؛ لأنه بمعنى الماضي. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ. ﴿يُطْعِمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في مجل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُطْعِمُ﴾.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت ﴿إِنِّي﴾: حرف نصب، والياء اسمها. ﴿أُمِرْتُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾ تقديره: إني مأمور بأن أكون، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿أنْ أَكُونَ﴾: ناصب وفعل مضارع، واسمه ضمير يعود على محمد. ﴿أَوَّلَ مَنْ﴾: خبر ﴿أَكُونَ﴾، ومضاف إليه، وجملة ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء المقدرة تقديره: قل إني أمرت بكوني أول من أسلم. ﴿أَسْلَمَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على محمد. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿تَكُونَنَّ﴾، وجملة ﴿تَكُونَنَّ﴾ في محل الجر معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾، والتقدير: إني مأمور بكوني أول من أسلم، وبعدم كوني من المشركين. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ معطوف على ﴿أُمِرْتُ﴾ بتقدير عامل؛ أي: وقيل لي: ولا تكونن من المشركين، والمعني: إني أمرت بما ذكر، ونهيت عن الإشراك. اهـ شيخنا.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي
стр. 3503
أَخَافُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت ﴿إنّ﴾: حرف نصب، والياء اسمها. ﴿أَخَافُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنْ﴾ وجملة ﴿إِنْ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط. ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن عصيت ربي .. أخاف عذاب يوم عظيم، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين الفعل الذي هو أخاف ومفعوله الذي هو عذاب يوم عظيم. ﴿عَذَابَ﴾ مفعول ﴿أَخَافُ﴾، وهو مضاف. و ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾.
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾.
﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما ﴿يُصْرَفْ﴾: فعل مضارع مجهول أو معلوم، مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ونائب فاعله ضمير يعود على العذاب، أو فاعله ضمير يعود على الله؛ أي: أيُّ شخص يصرف العذاب عنه، أو: أيَّ شخص يصرف الله العذاب عنه ﴿عَنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُصْرَفْ﴾. وكذا الظرف في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ متعلق به. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكونه مقرونًا بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿رَحِمَهُ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ﴾: خبره. ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة لـ ﴿الْفَوْزُ﴾، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة ﴿من﴾ الشرطية على كونها مستأنفة.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿يَمْسَسْكَ الله﴾: فعل ومفعول وفاعل، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿بِضُرٍّ﴾:
стр. 3504
جار ومجرور متعلق به. ﴿فَلَا﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل إن. ﴿كَاشِفَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾ تقديره: فلا كاشف له موجود. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة والغيبة في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لا﴾ تقديره: فلا كاشف له موجود هو إلا هو . وفي "الفتوحات": قوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه بدل من محل ﴿لا كاشف﴾، فإن محله الرفع على الابتداء.
والثاني: أنه بدل من الضمير المستكن في الخبر اهـ "كرخي". وجملة ﴿لا﴾ النافية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾: الواو: عاطفة ﴿يَمْسَسْكَ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بِخَيْرٍ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿فَهُوَ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿هو﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ جوابه محذوف تقديره: فلا راد له غيره كما في آية يونس: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تعليل لكل من الجوابين المذكور في الشرطية الأولى، والمحذوف في الثانية. اهـ.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف إما متعلق بـ ﴿الْقَاهِرُ﴾، أو متعلق بمحذوف خبر ثانٍ لـ ﴿وَهُوَ﴾، أو حال من الضمير في ﴿الْقَاهِرُ﴾، والتقدير: وهو القاهر حالة كونه مستعليًا أو غالبًا فوق عباده ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾: مبتدأ وخبر أول ﴿الْخَبِيرُ﴾ خبر ثانٍ، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها.
стр. 3505
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة مستأنفة. ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَيُّ﴾: اسم استفهام مبتدأ مرفوع. و ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه لـ ﴿أَيُّ﴾ ﴿أَكْبَرُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿شَهَادَةً﴾: تمييز محول عن المبتدأ، والأصل: شهادة أي شيء أكبر، أو: أي شيء شهادته أكبر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: الله أكبر شهادة، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلِ﴾. ﴿شَهِيدٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو شهيد، والجملة في محل النصب مقول لي ﴿قُلِ﴾. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾. ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾: معطوف على ﴿بَيْنِي﴾. ﴿وَأُوحِيَ﴾: الواو: عاطفة ﴿أوحي﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿إِلَيَّ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿هَذَا الْقُرْآنُ﴾: نائب فاعل لـ ﴿أوحي﴾ وبدل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الإسمية على كونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾: اللام: لام كي. ﴿أنذركم﴾ فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنذر﴾. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿من﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على الكاف في ﴿أنذركم﴾. ﴿بَلَغَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على القرآن، والعائد محذوف تقديره: ومن بلغه القرآن، وجملة ﴿بَلَغَ﴾ صلة ﴿من﴾ الموصولة، وجملة ﴿أنذر﴾ من الفعل والفاعل صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي تقديره: لإنذاري إياكم به، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أوحى﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه في محل نصب عطفًا على المنصوب في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾ وتكون ﴿من﴾ موصولة، والعائد عليها من صلتها محذوف؛ أي: ولأنذر الذي بلغه القرآن.