← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره جملة كبرى في ضمنها جملة صغرى مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ في اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾. ﴿وَلَهُ﴾ الواو: استئنافية. ﴿له﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة وفي (١) "السمين ": قوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾ جملة اسمية فيها قولان: أظهرهما: أنها مستأنفة إخبارًا بذلك، والثاني: أنها في محل النصب معطوفة على قوله: ﴿لله﴾؛ أي: على الجملة المحكية بـ ﴿قل﴾؛ أي: قل: هو لله، وقيل: له ما سكن. ﴿سَكَنَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿في اللَّيْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَكَنَ﴾. ﴿وَالنَّهَارِ﴾: معطوف على الليل، ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ. ﴿السَّمِيعُ﴾ خبر أول. ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثانٍ، أو صفة لـ ﴿السَّمِيعُ﴾، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، أو مستأنفة. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قل﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَغَيْرَ اللهِ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري حقها أن تدخل على اتخذ، ولكن (٢) لما كان الإنكار لاتخاذ غير الله وليًّا، لا لاتخاذ الولي مطلقًا .. دخلت الهمزة على المفعول لا على الفعل، والمراد بالولي هنا: المعبود؛ أي: كيف اتخذ غير الله معبودًا. ﴿غير الله﴾: مفعول أول ومضاف إليه. ﴿أَتَّخِذُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول ثانٍ له، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ويجوز (٣) أن يكون اتخذ متعديًا إلى واحد، وهو: وليًّا، و ﴿غير الله﴾ صفة له قدمت عليه فصارت حالًا، ولا يجوز

стр. 3502

أن تكون غير هنا استثناء. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾: بدل من الجلالة ومضاف إليه، أو صفة له، وقد تعرف بالإضافة؛ لأنه بمعنى الماضي. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَهُوَ﴾ مبتدأ. ﴿يُطْعِمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في مجل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُطْعِمُ﴾. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت ﴿إِنِّي﴾: حرف نصب، والياء اسمها. ﴿أُمِرْتُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾ تقديره: إني مأمور بأن أكون، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿أنْ أَكُونَ﴾: ناصب وفعل مضارع، واسمه ضمير يعود على محمد. ﴿أَوَّلَ مَنْ﴾: خبر ﴿أَكُونَ﴾، ومضاف إليه، وجملة ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء المقدرة تقديره: قل إني أمرت بكوني أول من أسلم. ﴿أَسْلَمَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على محمد. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿تَكُونَنَّ﴾، وجملة ﴿تَكُونَنَّ﴾ في محل الجر معطوفة على جملة قوله: ﴿أَنْ أَكُونَ﴾، والتقدير: إني مأمور بكوني أول من أسلم، وبعدم كوني من المشركين. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ معطوف على ﴿أُمِرْتُ﴾ بتقدير عامل؛ أي: وقيل لي: ولا تكونن من المشركين، والمعني: إني أمرت بما ذكر، ونهيت عن الإشراك. اهـ شيخنا. ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي

стр. 3503

أَخَافُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت ﴿إنّ﴾: حرف نصب، والياء اسمها. ﴿أَخَافُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنْ﴾ وجملة ﴿إِنْ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط. ﴿عَصَيْتُ رَبِّي﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن عصيت ربي .. أخاف عذاب يوم عظيم، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين الفعل الذي هو أخاف ومفعوله الذي هو عذاب يوم عظيم. ﴿عَذَابَ﴾ مفعول ﴿أَخَافُ﴾، وهو مضاف. و ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾. ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما ﴿يُصْرَفْ﴾: فعل مضارع مجهول أو معلوم، مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ونائب فاعله ضمير يعود على العذاب، أو فاعله ضمير يعود على الله؛ أي: أيُّ شخص يصرف العذاب عنه، أو: أيَّ شخص يصرف الله العذاب عنه ﴿عَنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُصْرَفْ﴾. وكذا الظرف في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ متعلق به. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكونه مقرونًا بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿رَحِمَهُ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الْفَوْزُ﴾: خبره. ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة لـ ﴿الْفَوْزُ﴾، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة ﴿من﴾ الشرطية على كونها مستأنفة. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿يَمْسَسْكَ الله﴾: فعل ومفعول وفاعل، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿بِضُرٍّ﴾:

стр. 3504

جار ومجرور متعلق به. ﴿فَلَا﴾: الفاء رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل إن. ﴿كَاشِفَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾ تقديره: فلا كاشف له موجود. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة والغيبة في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لا﴾ تقديره: فلا كاشف له موجود هو إلا هو . وفي "الفتوحات": قوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من محل ﴿لا كاشف﴾، فإن محله الرفع على الابتداء. والثاني: أنه بدل من الضمير المستكن في الخبر اهـ "كرخي". وجملة ﴿لا﴾ النافية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾: الواو: عاطفة ﴿يَمْسَسْكَ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بِخَيْرٍ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿فَهُوَ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿هو﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾. ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ جوابه محذوف تقديره: فلا راد له غيره كما في آية يونس: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، وقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تعليل لكل من الجوابين المذكور في الشرطية الأولى، والمحذوف في الثانية. اهـ. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف إما متعلق بـ ﴿الْقَاهِرُ﴾، أو متعلق بمحذوف خبر ثانٍ لـ ﴿وَهُوَ﴾، أو حال من الضمير في ﴿الْقَاهِرُ﴾، والتقدير: وهو القاهر حالة كونه مستعليًا أو غالبًا فوق عباده ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾: مبتدأ وخبر أول ﴿الْخَبِيرُ﴾ خبر ثانٍ، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها.

стр. 3505

﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة مستأنفة. ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَيُّ﴾: اسم استفهام مبتدأ مرفوع. و ﴿شَيْءٍ﴾: مضاف إليه لـ ﴿أَيُّ﴾ ﴿أَكْبَرُ﴾: خبر المبتدأ. ﴿شَهَادَةً﴾: تمييز محول عن المبتدأ، والأصل: شهادة أي شيء أكبر، أو: أي شيء شهادته أكبر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: الله أكبر شهادة، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلِ﴾. ﴿شَهِيدٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو شهيد، والجملة في محل النصب مقول لي ﴿قُلِ﴾. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾. ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾: معطوف على ﴿بَيْنِي﴾. ﴿وَأُوحِيَ﴾: الواو: عاطفة ﴿أوحي﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿إِلَيَّ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿هَذَا الْقُرْآنُ﴾: نائب فاعل لـ ﴿أوحي﴾ وبدل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الإسمية على كونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾: اللام: لام كي. ﴿أنذركم﴾ فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنذر﴾. ﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿من﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على الكاف في ﴿أنذركم﴾. ﴿بَلَغَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على القرآن، والعائد محذوف تقديره: ومن بلغه القرآن، وجملة ﴿بَلَغَ﴾ صلة ﴿من﴾ الموصولة، وجملة ﴿أنذر﴾ من الفعل والفاعل صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي تقديره: لإنذاري إياكم به، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿أوحى﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه في محل نصب عطفًا على المنصوب في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾ وتكون ﴿من﴾ موصولة، والعائد عليها من صلتها محذوف؛ أي: ولأنذر الذي بلغه القرآن.

стр. 3506

والثاني: أن في ﴿بَلَغَ﴾ ضميرًا مرفوعًا يعود على ﴿من﴾، ويكون المفعول محذوفًا وهو منصوب المحل أيضًا عطفًا على مفعول ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾، والتقدير: ولأنذر الذي بلغ الحلم، والعائد هنا مستقر في الفعل. والثالث: أن ﴿من﴾ مرفوعة المحل عطفًا على الضمير المرفوع في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾، وجاز ذلك؛ لأن الفصل بالمفعول، والجار والمجرور أغنى عن تأكيده، والتقدير: لأنذركم به ولينذركم الذي بلغه القرآن. اهـ "سمين". ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)﴾. ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري كما سبق في بحث التفسير. ﴿إنكم﴾: ناصب ومنصوب. ﴿لَتَشْهَدُونَ﴾: اللام: لام الابتداء المؤكدة زحلقت إلى خبر ﴿إن﴾ ﴿تشهدون﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ التقدير: أئنكم لشاهدون، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿مَعَ اللهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، خبر مقدم لـ ﴿أن﴾. ﴿آلِهَةً﴾: اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر عن الخبر. ﴿أُخْرَى﴾: صفة لـ ﴿آلِهَةً﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿لَتَشْهَدُونَ﴾؛ أي: لتشهدون كون آلهة أخرى مع الله. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لا أَشْهَدُ﴾: مقول محكي لـ ﴿قل﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَشْهَدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿قُل﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قل﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَهٌ﴾: خبره. ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة لـ ﴿إله﴾، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿وَإِنَّنِي﴾: الواو: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف نصب، والنون للوقاية، والياء ضمير المتكلم في محل النصب اسمها. ﴿بَرِيءٌ﴾: خبر ﴿إن﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَرِيءٌ﴾. ﴿تُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية أو الموصولة، والعائد حينئذ

стр. 3507

محذوف تقديره: مما تشركونه، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قل﴾. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان؛ لأن آتى بمعنى: أعطى، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿كَمَا﴾: الكاف: حرف جر وتنبيه. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿يَعْرِفُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿أَبْنَاءَهُمُ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف تقديره: كمعرفتهم أبناءهم، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: معرفة كائنة كمعرفتهم أبناءهم. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿فَهُمْ﴾: الفاء: رابطة الخبر لشبه المبتدأ بالشرط. ﴿هم﴾: مبتدأ ثان. وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبره، وجملة المبتدأ الثاني مع خبره خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿من﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾. ﴿افْتَرَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿عَلَى اللهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿افْتَرَى﴾. ﴿كَذِبًا﴾: مفعول ﴿افْتَرَى﴾. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿كَذَّب﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿افْتَرَى﴾. ﴿بِآيَاتِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب ومنصوب. ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

стр. 3508

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: الواو: استئنافية. ﴿يوم﴾: منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف جوازًا تقديره: واذكر لهم يا محمد قصة يوم نحشرهم. ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من ضمير ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾، أو توكيد له عند من يقول التأكيد، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾؛ ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿نَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة نحشرهم. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نَقُولُ﴾، ﴿أَشْرَكُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿نقول﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَيْنَ﴾: اسم استفهام في محل الرفع خبر مقدم. ﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿نَقُولُ﴾. ﴿لِلَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿تَزْعُمُونَ﴾: فعل، وفاعله ومفعولاه محذوفان تقديرهما: تزعمونهم شركائكم، وجملة ﴿تَزْعُمُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول، والعائد الضمير المحذوف من ﴿تَزْعُمُونَ﴾. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَكُنْ﴾: فعل ناقص مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾: اسمها ومضاف إليه. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْ قَالُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه اسمًا لـ ﴿تَكُنْ﴾ تقديره: ثم لم تكن عاقبة فتنتهم وشركهم إلا قولهم: واللهِ ربنا، وجملة ﴿لَمْ تَكُنْ﴾ معطوفة على جملة قوله ﴿ثم نقول﴾، ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿وَاللهِ﴾: الواو: حرف جر وقسم. ﴿اللهِ﴾: مقسم به مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: نقسم والله، وجملة القسم المحذوف في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿رَبِّنَا﴾: بدل من الجلالة أو عطف بيان منه. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مُشْرِكِينَ﴾: خبر كان،

стр. 3509

وجملة كان في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب القسم. ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾. ﴿انْظُرْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الحال من فاعل ﴿كَذَبُوا﴾ والعامل فيه ﴿كَذَبُوا﴾ وصاحب الحال الواو في ﴿كَذَبُوا﴾ أي: جاحدين كذبوا على أنفسهم ﴿كَذَبُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَبُوا﴾، وجملة ﴿كَذَبُوا﴾ في محل النصب على أنها مفعول لـ ﴿انْظُرْ﴾، وكيف علقته عن العمل في لفظه. ﴿وَضَلَّ﴾: فعل ماضٍ. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة أو مصدرية في محل الرفع فاعل لـ ﴿ضل﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْتَرُونَ﴾ خبره، وجملة كان من اسمها وخبرها صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما كانوا يفترونه، أو صلة لما المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر على الفاعلية تقديره: وضل عنهم افتراؤهم، وجملة ﴿ضل﴾ معطوفة على جملة ﴿كَذَبُوا﴾. وفي "الفتوحات": قوله: ﴿وَضَلَّ﴾ يجوز أن يكون نسقًا على كذبوا، فيكون داخلًا في حيز النظر، ويجوز أن يكون استئناف إخبار، فلا يدخل في حيز المنظور إليه، وقوله: ﴿مَا كَانُوا﴾ يجوز في ﴿مَا﴾ أن تكون مصدرية؛ أي: وضل عنهم افتراؤهم، وهو قول ابن عطية، ويجوز أن تكون موصولة اسمية؛ أي: وضل عنهم الذي كانوا يفترونه اهـ "سمين". التصريف ومفردات اللغة ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾: يقال: كتب على نفسه يكتب من باب نصر؛ أي: أوجب إيجاب فضل وكرم، لا إيجاب لزوم، وقيل: كتب هنا بمعنى: وعد فضلًا وكرمًا، وقيل: بمعنى: سطر وخط؛ أي: أمر بالكتب في اللوح المحفوظ. وقال الزجاج: الرحمة: إمهال الكفار وتعميرهم ليتوبوا، فلم يعاجلهم على كفرهم، وقيل: الرحمة لمن آمن وصدق الرسل. ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ في اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال السدي: سكن هنا من السكنى يقال: سكن في المكان يسكن من باب دخل سكنى إذا حل واستقر فيه، ولم يذكر الزمخشري

стр. 3510

غيره، قال: وتعديه بفي كما في قوله: ﴿وَسَكَنْتُمْ في مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم﴾ وقيل: هو من السكون المقابل للحركة، وعلى هذا ففي المقام حذف؛ أي: وله ما سكن وتحرك، وحذف مقابله للاكتفاء كما في قوله: ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾؛ أي: والبرد، واقتصر على ذكر السكون؛ لأن كل متحرك قد يسكن، ولأنه أكثر وجودًا. ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾: الولي: الناصر ومتولي الأمر المتصرف فيه. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وفي "المصباح" (١): فطر الله الخلق فطرًا من باب قتل: خلقهم، والاسم: الفطرة اهـ. وفي "السمين": والفطر: الإبداع والإيجاد من غير سبق مثال، ومنه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: موجدهما على غير مثال يحتذى. وعن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى فطر وفاطر حتى اختصم إليَّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي: أنشأتها وابتدأتها، ويقال: فطرت كذا وفطر هو فطورًا، وانفطر انفطارًا، وفطرت الشاة: حلبتها بإصبعين، وفطرت العجين: خبزته من وقته. وفي "الكرخي": والفطير ضد الخمر، وهو العجين الذي لم يختمر، وكل شيء أعجلته عن إدراكه فهو فطير، ويقال: إياك والرأي الفطير، ويقال: عندي خبز خمير وخبز فطير. اهـ. وأصل الفطر: الشق، ومنه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾، ويقال: فطر ناب البعير، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، وقوله: ﴿يتفطرن منه﴾. ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾؛ أي: هو الرازق لغيره ولا يرزقه أحد. ﴿يُصْرَفْ عَنْهُ﴾: يبعد عنه، ويقال: صرف الله عنه الأذى من باب ضرب إذا أبعده ونجاه عنه. ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾؛ أي: بإنجائه من الهول الأكبر. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ﴾: المس أعم من اللمس، وحقيقة المس تلاقي جسمين يقال: مسه السوء والكبر والعذاب والتعب إذا أصابه ونزل به، والضر: الألم والحزن والخوف وما يفضي إليها أو إلى أحدها. ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ يقال: كشف التفسير إذا أزاله، وكشفَتْ عن ساقيها:

стр. 3511

أزالت ما يسترهما. والخير (١): ما كان فيه منفعة حاضرة أو مستقبلة، والنفع: اللذة والسرور وما يفضي إليهما أو إلى أحدهما، والشر: ما لا منفعة فيه ألبتة، أو ما كان ضره أكبر من نفعه، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ من القهر، والقهر: الغلبة والحمل على الشيء من غير اختيار؛ أي: فالقهر؛ إما أن يراد به الغلبة، أو التذليل، وما هنا من الأول، وكذا قوله: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ ومن الثاني قوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩)﴾. ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ وشهادة الشيء حضوره ومشاهدته، والشهادة به: الإخبار به عن علم ومعرفة واعتقاد مبني على المشاهدة بالبصر أو بالعقل والوجدان. ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾: مأخوذ من الإنذار، والإنذار: التخويف، واكتفى به عن ذكر البشارة لمناسبته للمقام؛ أي: لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه القرآن، ووصل إليه من الأسود والأحمر، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن سيوجد إلى يوم القيامة مما تشركون به؛ أي: من الأصنام. ﴿آلِهَةً أُخْرَى﴾ ﴿أُخْرَى﴾ صفة لآلهة، وصفه بالصفة المفردة. ولم يقل: آلهة أُخر بالجمع ليطابق الوصف موصوفه في الجمعية؛ لأن الآلهة مما لا يعقل يعامل جمعه معاملة المؤنثة الواحدة كما سبق، ولما كانت الآلهة حجارةً وخشبًا .. أجريت هذا المجرى. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ من آتى الرباعي فهو بمعنى: أعطى، فيتعدى إلى مفعولين. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ قرأ الجمهور بضم الشين من ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾، وأبو هريرة بكسرها، وهما لغتان في المضارع من بابي: ضرب وقتل.

стр. 3512

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التكرار في قوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾، وفي قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ الله شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ إذا قلنا كتب بمعنى: أوجب؛ لأنه استعار الكتابة بمعنى: الخط والتسطير للكتابة بمعنى: الإلزام والإيجاب بجامع الإثبات في كل. ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ في اللَّيْلِ﴾ إذا قلنا من السكون ضد التحرك، والاكتفاء: ذكر أحد متقابلين وحذف الآخر لعلمه من المذكور، وهو من المحسنات البديعية. ومنها: المبالغة في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ لأنه بمعنى: أهلكوا، فالخسران حقيقة في البيوع. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾؛ أي: لا ينبغي لي ولا يمكن مني أن أعبد غيره. ومنها: تجنيس (١) التشكيل في قوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾، وضابطه: أن يكون الشكل فرقًا بين الكلمتين، وسماه أسامة بن منقذ في بديعته: تجنيس التحريف، وهو بتجنيس التشكيل أولى. ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لاعتراض الجملة الشرطية بين الفعل ومفعوله اللذين هما: ﴿أَخَافُ﴾ و ﴿عَذَابَ﴾. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ

стр. 3513

يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿بِضُرٍّ﴾. وفي قوله: ﴿بِخَيْرٍ﴾. ومنها: التعليق بأمر مستحيل في قوله: ﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾؛ لأن العصيان ممتنع في حقه ﷺ لعصمته. وقال (١) أبو عبد الله الرازي: نظير هذه الآية قولك: إن كانت الخمسة زوجًا كانت منقسمة إلى متساويتين. ومنها: الحصر في قوله: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، وفيه الحذف أيضًا تقديره: فلا كاشف له عنك إلا هو. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾. ومنها: الجناس المغاير والمماثل في قوله: ﴿أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾، وفي قوله: ﴿قُلِ الله شَهِيدٌ﴾، وفي قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾، وفي قوله: ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾، وفيه أيضًا الجمع بين الأسئلة والأجوبة، والجناس المغاير في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ﴾، وفي قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾. ومنها: الحصر في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾. ومنها: القسم في قوله: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ومنها: الاستفهام التعجيبي في قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. ومنها: الحذف في مواضع. والله أعلم * * *

стр. 3514

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ...﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) بين أحوال الكفار في الآخرة، وذكر ما يكون منهم من تلجلج واضطراب، فتارة ينكرون شركهم بالله، وأخرى يعترفون بها، وذكر ما يواجهون به من اللوم والتقريع على الشركاء الذين اتخذوهم أولياء وشفعاء .. ذكر هنا ما يوجب اليأس من إيمان بعض منهم لوجود الموانع الصادة عنه، فمهما توالت الآيات والنذر لا تجدي معهم شيئًا؛ إذ الحجب كثيفة، والأغطية سميكة، فاختراقها عسير، والوصول إليها في حكم المستحيل.

стр. 3515

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما (١) بيَّن في الآيات السابقة حال طائفة من المشركين تلقي السمع مصغية للقرآن، لكن لا يدخل القلب شيء مما تسمع؛ لما عليه من أكنة التقليد والاستنكار لكل شيء جديد، فهم يستمعون ولا يسمعون .. بين في هاتين الآيتين بعض ما يكون من أمرهم يوم القيامة، وتمنيهم العودة إلى الدنيا ليعملوا صالح العمل، ويكونوا من المؤمنين حقًّا، ثم كذبهم فيما يقولون، وأنهم لو ردوا .. لعادوا لما كانوا فيه؛ لفقد استعدادهم للإيمان، وأن حالهم بلغ مبلغًا لا يؤثر فيه كشف الغطاء ورؤية الأهوال. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا ...﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (٢) ذكر في الآيات السالفة إنكارهم في الدنيا للبعث والجزاء .. بين هنا حالهم في الآخرة يوم يكشف عنهم الغطاء، فيتحسرون ويندمون على تفريطهم السابق، وغرورهم بذلك المتاع الزائل، ثم أردفه ذكر حقيقة الدنيا مقابلًا بينها وبين الآخرة، وموازنًا بين حاليهما لدى المتقين والعاصين. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أنزل هذه السورة في دعوة مشركي مكة إلى الإسلام ومحاجتهم في التوحيد والنبوة والبعث، وكثر فيها حكاية أقوالهم بلفظ: وقالوا، نحو: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ إلى نحو ذلك، وتلقين الرسول ﷺ الرد عليهم مع إقامة الحجة والبرهان بلفظ: قل، نحو: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بعد هذا الحجاج كله ذكر في هذه الآيات تأثير كفرهم في نفس النبي ﷺ ، وحزنه مما يقولون في نبوته، وما يراه منهم من الإعراض عن دعوته، وسلاه على ذلك ببيان سنته سبحانه في الرسل مع أقوامهم، وأن كثيرًا منهم كذبوا

стр. 3516

فصبروا حتى جاءهم النصر المبين، وخذل الله أعداءهم الكافرين. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ...﴾ الآية، سبب (١) نزولها: ما رواه أبو صالح عن ابن عباس ﵄ قال: حضر عند النبي ﷺ أبو سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، والحارث بن عامر، وأبو جهل في جمع كثير من قريش، واستمعوا إلى النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن، فقالوا للنضر: يا أبا قتيبة، ما يقول محمد، فقال: والذي جعلها - الكعبة - بيته ما أدري ما يقول إلا أني أراه يحرك شفتيه، ويتكلم بأساطير الأولين مثل ما كنت أحدثكم به عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الأولى، يحدث قريشًا بما يستملحونه، قال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقًّا، فقال أبو جهل: كلا لا تقر بشيء من هذا وقال: الموت أهون من هذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ الآيات. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ...﴾ الآية، سبب (٢) نزولها: ما رواه الحاكم وغيره عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أبي طالب، كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله ﷺ ، ويتباعد عما جاء به، وكان يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش بأبي طالب يريدون أن يفعلوا السوء برسول الله ﷺ فقال أبو طالب شعرًا: وَاللهِ لَنْ يَصِلُوْا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ... حَتَّى أُوَسَّدَ فِيْ التُّرَابِ دَفِيْنَا فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ... وَابْشِرْ وَقَرَّ بِذَاكَ مِنْكَ عُيُوْنَا وَدَعَوْتَنِيْ وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحِيْ ... وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِيْنَا وَعَرَضْتَ دِيْنًا لاَ مَحَالَةَ أَنَّهُ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِيْنَا

стр. 3517

لَوْلا الْمَلاَمَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتَنِيْ سَمْحًا بِذَاكَ مُبِيْنَا وأخرج (١) ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال قال: نزلت في عمومة النبي ﷺ ، وكانوا عشرة، فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشد الناس عليه في السر. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ...﴾ الآية، روى الترمذي والحاكم عن علي أن أبا جهل قال للنبي ﷺ : وإنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾. وروى ابن جرير عن السدي أن الأخنس بن شريق، وأبا جهل التقيا، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، فإنه ليس ها هنا أحد يسمع كلامك غيري، قال أبو جهل: واللهِ إن محمدًا لصادق، وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ...﴾ الآية، سبب (٢) نزولها: ما رواه أبو صالح عن ابن عباس ﵁: أن الحارث بن عامر أتى النبي ﷺ في نفر من قريش، فقال: يا محمد، ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي قومها بالآيات، فإن فعلت آمنا بك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ...﴾. التفسير وأوجه القراءة ٢٥ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن أولئك الكافرين من أهل مكة ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾؛ أي: فريق يستمع إليك يا محمد إذا أنت تلوت القرآن داعيًا إلى توحيد الله مبشرًا ومنذرًا ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أي: والحال أنا قد جعلنا على قلوب هؤلاء المستمعين أغطية تمنعهم عن أن يفقهوه ويفهموه؛ أي: تحولهم دون فقهه وفهمه. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾؛ أي: وقد جعلنا أيضًا في آذانهم وأسماعهم وقرًا؛ أي:

стр. 3518

ثقلًا وصممًا يمنعهم عن سماعه، ويحولهم دون سماعه بقصد التدبر والوصول إلى ما فيه من الهداية والرشد، وذلك كما مرَّ في أسباب النزول: أنه اجتمع أبو سفيان صخر بن حرب، وأبو جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأمية وأبي ابنا خلف، والحارث بن عامر يستمعون القرآن، فقالوا للنضر: يا أبا قتيبة، ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول، إلا أني أراه يحرك ويقول أساطير الأولين. وفي هذا (١) الكلام تشبيه للحجب والموانع المعنوية بالحجب والموانع الحسية، فالقلب الذي لا يفقه الحديث ولا يتدبره، كالوعاء الذي وضع عليه الغطاء، فلا يدخل فيه شيء، والآذان التي لا تسمع الكلام سماع فهمٍ وتدبر كالآذان المصابة بالثقل أو بالصمم، فسمعها وعدمه سواء. بيان هذا: أن الله جعل التقليد الذي يختاره الإنسان لنفسه مانعًا من النظر والاستدلال والبحث عن الحقائق، فالمقلد لا يستمع إلى متكلم ليميز الحق من الباطل، وإذا وصل إلى سمعه ما هو مخالف لما يدين به لا يتدبره، ولا يراه جديرًا بالموازنة بينه وبين ما عنده من عقيدةٍ أو رأي ليختار أقربهما إلى الصحة، وأجدرهما بالصدق، وأكثرهما هداية ورشادًا، وأبعثهما إلى اطمئنان النفس الموصل لها إلى السعادة في الدنيا والآخرة. وقال (٢) ابن عطية: وهذه عبارة عن ما جعل الله في نفوس هؤلاء القوم من الغلظ والبعد عن قبول الخير، كأنهم لم يكونوا سامعين لأقواله. وقرأ الجمهور: ﴿وَقْرًا﴾ بفتح الواو وسكون القاف. وقرأ طلحة بن مصرف: ﴿وقرًا﴾ بكسر الواو وسكون القاف، كأنه ذهب إلى أن آذانهم وقِّرت بالصمم، كما تُوقَّر الدابة من الحمل. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾؛ أي: وإن يرى هؤلاء المشركون كل آية من الآيات، وعلامة من العلامات الدالة على صحة نبوتك وصدق دعوتك، كانشقاق القمر،

стр. 3519

ونبع الماء من بين أصابعك، وحنين الجذع، وتصيير الطعام القليل كثيرًا ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾؛ أي: لا يصدقوا بتلك الآيات أنها من الله تعالى، بل يقولون: إنها سحر ولا يفعلون بموجبها من الإيمان بك؛ إذ هم لا يفقهونها ولا يدركون المراد منها؛ لوقوف أسماعهم عند ظواهر الألفاظ، فحظهم كحظ الصم من سماع أصوات البشر، وكلمة: ﴿حَتَّى﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ﴾ ابتدائية بمعنى الفاء، وإن لم يقع بعدها مبتدأ؛ لأن حتى الابتدائية هي الداخلة على الجمل التي يبتدأ بها، وإن لم يقع بعدها مبتدأ في الظاهر. وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ حال من الواو في ﴿جَاءُوكَ﴾، وقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جواب إذا، وهو العامل فيها؛ أي: فإذا جاءك يا محمد هؤلاء المشركون من أهل مكة حال كونهم مجادلين ومنازعين ومنكرين لك في دعوتك إلى التوحيد .. قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: ما هذا الذي يقرؤه محمد ويتلوه إلا أكاذيب الأولين وخرافاتهم، فليست من عند الله تعالى. والمعنى (١): أنهم بلغوا من الكفر والعناد، أنهم إذا جاؤوك مجادلين لم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان، بل يقولون: إن هذا إلا أساطير الأولين. وقال أبو (٢) حيان: وحتى إذا وقعت بعدها إذا يحتمل أن تكون بمعنى الفاء، ويحتمل أن تكون بمعنى: إلى أن، فيكون التقدير: فإذا جاءوك يجادلونك .. يقول الذين كفروا، أو يكون التقدير: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرًا؛ أي: منعناهم من فهم القرآن وتدبره إلى أن يقولوا: إن هذا إلا أساطير الأولين في وقت مجيئهم مجادليك؛ لأن الغاية لا تؤخذ إلا من جواب الشرط لا من الشرط، وعلى هذين المعنيين يستخرج جميع ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا﴾ انتهى.

стр. 3520

ذاك (١) أنهم لم يعقلوا مما في القرآن من أنباء الغيب إلا أنها حكايات وخرافات تسطر وتكتب كغيرها من الأنباء والخرافات، فلا علم فيها، ولا فائدة منها، وهذه حال من يسمع جرس الكلام ولا يتدبره ولا يفقه أسراره، أو من ينظر إلى الشيء نظرة جميلة لا يستنبط منها علمًا، ولا يستفيد منها عقيدة ولا رأيًا، وما مثلهما إلا مثل من يشاهد ألعاب الصور المتحركة - السينما - مفسرة بلغةٍ هو لا يعرفها، فكل همه مما يرى من المناظر والكتابة لا يعدو التسلية وشغل الوقت. فلو عقل هؤلاء قصص القرآن وتدبروا معانيها .. لكان لهم من ذلك آيات بينات تدل على صدق الرسول ﷺ ، وعبر ومواعظ ونذر تبيِّن سنن الله تعالى في خلقه مع الأقوام الذين كذبوا وكان عاقبة أمرهم الدمار والنكال، ٢٦ - ثم بين أن أمرهم لم يقتصر على حد الضلال، بل تعدوه إلى الإضلال، وساروا قدمًا، فقال: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: وأولئك المشركون المعاندون للنبي ﷺ الجاحدون لنبوته لا يقنعون بتكذيبهم له، وعده حديث خرافة، بل ينهون الناس عن استماعه؛ لئلا يقفوا على حقيقته فيؤمنوا به ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: ويتباعدون عنه بأنفسهم إظهارًا لاشمئزازهم ونفورهم منه، وتأكيدًا لنهيهم فيكونون ناهين منتهين، يعني: أن كفار مكة كانوا يمنعون الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ ، وعن الاجتماع به وينهونهم عن استماع القرآن، وكانوا هم كذلك، أو المعنى: ينهون عن التعرض لرسول الله ﷺ وينأون عنه، فلا يؤمنون به كأبي طالب. ثم ذكر أن عاقبة ذلك الوبال والنكال لهم، فقال: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ﴾؛ أي: وما يهلكون بما فعلوا من النهي والنأي ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بإقبالها لأشد العذاب ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: وما يعلمون أنهم يهلكون أنفسهم ويذهبونها إلى النار بما يفعلون من الكفر والمعصية. والخلاصة (٢): وما يهلكون إلا أنفسهم بتعريضها لأشد العذاب وأفظعه، وهو عذاب الضلال والإضلال، وما يشعرون بذلك، بل يظنون أنهم يبغون الغوائل لرسول الله ﷺ ، وهذا من معجزات القرآن وإخباره بالغيب، فقد هلك جميع الذين أصروا على عداوته ﷺ بعضهم في نِقمَ خاصة، وبعضهم في وقعة

стр. 3521

بدر وغيرها من الغزوات، ويتبع هذا الهلاك الدنيوي هلاك الآخرة، واللفظ يشملهما معًا. وقرأ (١) الحسن: ﴿وينون﴾ بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على النون، وهو تسهيل قياسي. ٢٧ - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾؛ أي: ولو تبصر يا محمد أو أيها السامع ما يحل بهؤلاء الكفار الذين ينهون عنك وينأون عنك من الفزع والهول والشدة والندم على كفرهم، والحسرة على ما فرط منهم في جنب الله حين وقفوا وعرضوا على النار الأخروي؛ أي: حين تعرضهم ملائكة العذاب من أرض الموقف على النار .. لرأيت أمرًا عجيبًا، وموقفًا فظيعًا، فجواب لو محذوف كما قدرنا، و ﴿تَرَى﴾ بصرية تتعدى إلى مفعول واحد كما قدرنا أيضًا؛ أي: لو رأيت ما يحل بهم في تلك الحالة .. لرأيت ما لا يحيط به الوصف، ولا يقدر على التعبير عنه اللسان، ولا يبلغ تصويره البيان، ولو أؤتِيَ المتكلم بلاغة سحبان. ثم ذكر ما يحدث منهم حينئذ، فقال: ﴿فَقَالُوا﴾ معطوف على ﴿وُقِفُوا﴾؛ أي: فيقول هؤلاء المشركون بربهم إذا حبسوا على النار ﴿يَا لَيْتَنَا﴾؛ أي: يا قومنا نتمنى أن ﴿نُرَدُّ﴾ ونرجع إلى الدنيا حتى نتوب إلى الله، ونعمل صالحًا، ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ وحججه التي نصبها دلالة على وحدانيته، وصدق رسله ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المصدقين به وبرسله، ومن المتبعين لأمره ونهيه. والخلاصة: أنهم حين عاينوا الشدائد والأهوال بسبب تقصيرهم .. تمنوا الردَّ إلى الدنيا ليسعوا في إزالة ذلك التقصير، ويتركوا التكذيب بالآيات، ويعملوا صالح العمل، وتمني هذا الرد إلى الدنيا بناء على جهلهم أنه محال، أو أنهم مع علمهم باستحالته لا مانع من تمنيه على سبيل التحسر؛ لأنه يصح أن يتمنى ما لا يكون. وقرأ (٢) الجمهور: ﴿وُقِفُوا﴾ مبنيًّا للمفعول، ومعناه عند الجمهور: حبسوا

стр. 3522

على النار، ووقف في هذه القراءة متعد، ومصدره: الوقف، وقد سمع في المتعدي: أوقف، وهي لغة قليلة، وقرأ ابن السميقع وزيد بن علي ﴿وُقِفُوا﴾ مبنيًّا للفاعل من وقف اللازم، ومصدره: الوقوف، والمعنى (١): على هذه القراءة؛ أي: ولو تراهم حين يكونون في جوف النار، وتكون النار محيطةً بهم ويكونون غائصين فيها مقدار عذابها .. لرأيت منظرًا هائلًا، وحالًا فظيعًا، وإنما صح على هذا التقدير أن يقال: وقفوا على النار؛ لأنها دركات وطبقات بعضها فوق بعض، فيصح هناك معنى الاستعلاء. وقرأ (٢) الكسائي وابن كثير وأبو عمرو وشعبة وأهل المدينة برفع الأفعال الثلاثة: ﴿نُرَدُّ﴾، ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ و ﴿نكونُ﴾. والأفعال الثلاثة داخلة تحت التمني؛ أي: تمنوا الرد وأن لا يكذبوا، وأن يكونوا من المؤمنين. وقرأ حفص وحمزة بنصب: ﴿نُكَذِّبَ﴾ ﴿وَنَكُونَ﴾ بإضمار: أن بعد الواو على جواب التمني. واختار سيبويه الأقطع في ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ ويكون غير داخل في التمني، والتقدير: ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب؛ أي: لا نكذب رددنا أو لم نرد، قال: وهو مثل دعني ولا أعود؛ أي: لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني، واستدل أبو عمرو بن العلاء على خروجه من التمني بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾؛ لأن الكذب لا يكون في التمني. وقرأ ابن عامر: ﴿ونكونَ﴾ بالنصب، وأدخل الفعلين الأولين في التمني. وقرأ أبي: ﴿ولا نكذب بآيات ربنا أبدا﴾. وقرأ هو وابن مسعود: ﴿ياليتنا نرد فلا نكذب﴾ بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في جواب التمني كما ينصب بالواو. ٢٨ - ثم بيَّن أن (٣) هذا التمني لم يكن لتغيير حالهم، بل لأنه بدا لهم ما كان خفيًّا عنهم، فقال: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: بدا لهم سوء عاقبة ما كانوا يخفونه من الكفر والسيئات، ونزل بهم عقابه، فتبرموا وتضجروا وتمنوا

стр. 3523

الخلاص منه بالرد إلى الدنيا، وترك ما أفضى إليه من التكذيب بالآيات وعدم الإيمان، كما يتمنى الموت من أنهكه المرض وأضناه الداء العضال؛ لأنه ينقذه من الآلام، لا لأنه محبوب في نفسه، ولا مرجو لذاته؛ بيان هذا: أنه إذا جاء ذلك اليوم الذي تبتلى فيه السرائر، وتنكشف فيه جميع الحقائق، وتشهد على الناس الأعضاء والجوارح، وتتمثل لكل فرد أعماله النفسية والبدنية في كتابه الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، كما تتمثل الوقائع مصورة في آلة الصور المتحركة - فلم السينما - فكل أحد يظهر له في الآخرة ما كان خافيًا عليه من خير في نفسه وشر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾؛ أي: فهي لا تخفى على أنفسكم فضلًا عن خفائها على ربكم. والخلاصة: أنه تعالى بين لنا أن تمني أولئك الكفار لما تمنوا به، لا يدل على تبدل حقيقتهم، بل بدا لهم ما كان خافيًا عليهم من أحوالهم بإخفائهم إياه على الناس أو عليهم: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾ فتمنوا الخروج مما حاق بهم، ولكن الحقيقة لا تتغير، وإنما يكون للنفوس أطوار وأحوال. وعبارة "الشوكاني" هنا: قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ هذا (١) إضراب عما يدل عليه التمني من الوعد بالإيمان والتصديق؛ أي: لم يكن ذلك التمني منهم عن صدق نية وخلوص اعتقاد، بل هو لسبب آخر: وهو أنه بدا لهم ما كانوا يخفون؛ أي: يجحدون من الشرك، وعرفوا أنهم هالكون بشركهم، فعدلوا إلى التمني والمواعيد الكاذبة، وقيل: بدا لهم ما كانوا يخفون من النفاق والكفر بشهادة جوارحهم عليهم، وقيل: بدا لهم ما كانوا يكتمون من أعمالهم القبيحة، كما قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، وقال المبرد: ﴿وَبَدَا لَهُمْ﴾ هو جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه، وهو مثل القول الأول، وقيل: المعنى: أنه ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث

стр. 3524

والقيامة. ثم بيَّن أنهم كاذبون في هذا الندم، فقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ إلى الدنيا حسبما تمنوا ﴿لَعَادُوا﴾؛ أي: لرجعوا ﴿لـ﴾ فعل ﴿ما نهوا عنه﴾ من الكفر والنفاق والكيد والمكر والمعاصي، فإن ذلك من أنفسهم ثابت فيها؛ لخبث طينتهم وسوء استعدادهم، ومن ثم لا ينفعهم مشاهدة ما شاهدوا، ولا سوء ما رأوا، كما عاين إبليس ما عاين من آيات الله تعالى ثم عاند ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: متصفون بهذه الصفة لا ينفكون عنها بحال من الأحوال، ولو شاهدوا ما شاهدوا؛ أي: لأن دينهم الكذب؛ لأن قضاء الله جرى عليهم في الأزل بالشرك، وقيل: المعنى: وإنهم لكاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من الصدق والإيمان؛ أي: لكاذبون فيما تضمنه تمنيهم من الوعد بترك التكذيب بآيات الله، وبالكون من المؤمنين بالله ورسوله، فلو ردوا إلى الدنيا لرُد المعاند المستكبر منهم مشتملًا بكبره وعناده، والمنافق مرتدًا بمكره ونفاقه، والشهواني ملوثًا بشهواته القابضة على زمامه. وأما ما ظهر لهم إذ وقفوا على النار من حقيقة ما جاء به الرسول، فما مثله إلا مثل ما يلوح لهم في الدنيا من الآيات والعبر، فهم يكابرون فيها أنفسهم، ويغالطون عقولهم ووجداناتهم، ألا ترى شارب الخمر والمقامر يريان ما حل بغيرهما من الشقاء، فيظهران الندم على ما فرط منهما، ويتوبان ويعزمان على أن لا يعود إلى مثل ما عملا، ثم لا يلبثان أن يرجعا سيرتهما الأولى خضوعًا لما اعتادا وألفا، وترجيحًا للذة العاجلة على المنفعة الآجلة؟ وقرأ إبراهيم ويحيى بن وثاب والأعمش: ﴿ولو ردوا﴾ بكسر على نقل حركة الدال من ردد إلى الراء؛ لأن الأصل: رددوا فنقلت كسرة الدال إلى الراء. وجملة قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ معترضة (١) بين المعطوف وهو: ﴿وَقَالُوا﴾ وبين المعطوف عليه، وهو ﴿لَعَادُوا﴾؛ أي: لعادوا إلى ما نهوا عنه. ٢٩ - ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾؛ أي: ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت، وهذا من شدة تمردهم وعنادهم؛ حيث يقولون هذه المقالة

стр. 3525

على تقدير أنهم رجعوا إلى الدنيا بعد مشاهدتهم للبعث، ويجوز أن تكون جملة ﴿وَقَالُوا﴾ مستأنفة؛ أي: وقال كفار مكة ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾؛ أي: ما حياتنا إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد أن فارقنا هذه الحياة، وليس لنا بعد هذه الحياة ثواب ولا عقاب. ٣٠ - ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ وتبصر يا محمَّد ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ وحبسوا ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: عند ربهم لأجل السؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي سيده للعقاب .. لرأيت أمرًا فظيعًا، أو المعنى: وقفوا على جزاء ربهم؛ أي: على ما وعدهم ربهم من عذاب الكافرين وثواب المؤمنين، وعلى ما أخبرهم به من أمر الآخرة، والمعنى: ولو ترى هؤلاء الضالين المكذبين حين تقفهم الملائكة في الموقف الذي يحاسبهم فيه ربهم، ويمسكونهم إلى أن يحكم الله فيهم بما يشاء .. لأفظعك أمرهم، واستبشعت منظرهم، ورأيت ما لا يحيط به وصف، وجعلهم موقوفين على ربهم؛ لأن من تقفهم الملائكة وتحبسهم في موقف الحساب إمتثالًا لأمر الله فيهم، كما قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ يكون أمرهم مقصورًا عليه تعالى، لا يتصرف فيهم غيره، كما قال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾. ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: يقول لهم ربهم حينئذ: أليس هذا الذي أنتم فيه من البعث هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب لا باطل كما تزعمون، والاستفهام فيه للتقريع والتوبيخ. ﴿قَالُوا﴾ جوابًا للرب ﷻ ﴿بَلَى﴾ هو حق لا يحوم حوله الباطل، أقسمنا لك ﴿وَرَبِّنَا﴾ وهذا إقرار مؤكد باليمين؛ لانجلاء الأمر غاية الانجلاء، وهم يطمعون في نفع ذلك الإقرار، وينكرون الإشراك فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين. ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾؛ أي: يقول لهم الرب : إذا كان الأمر كما اعترفتم .. فذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بسبب كفركم وجحدكم في الدنيا بالبعث بعد الموت الذي دأبتم عليه، واتخذتموه شعارًا لكم لا تتركونه. وعبَّر بالذوق عن ألم العذاب للإشارة إلى أنهم يجدونه وجدان الذائق في قوة الإحساس به. ٣١ - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾؛ أي: قد خسر أولئك الكفار الذين كذبوا

стр. 3526

بما وعد الله به من البعث والقيامة ولقاء الله كلَّ ما ربحه وفاز به المؤمنون من ثمرات الإيمان في الدنيا، كرضا الله وشكره حين النعمة والعزاء وقت المصيبة، ومن ثمرات الإيمان في الآخرة من الحساب اليسير والثواب الجسيم، والرضوان الأكبر، والنعيم المقيم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب. وما سبب هذا إلا أن إنكار البعث والجزاء يفسد الفطرة البشرية، ويفضي إلى الشرور والآثام، فإن الاعتقاد بأن لا حياة بعد هذه الحياة .. يجعل همَّ الكافرين محصورًا في الاستمتاع بلذات الدنيا وشهواتها البدنية والنفسية، كالجاه والرياسة والعلو في الأرض - ولو بالباطل - ومن كانوا كذلك .. كانوا شرًّا من الشياطين، يكيد بعضهم لبعض، ويفترس بعضهم بعضًا، لا يصدهم عن الشر إلا العجز، ولا تحكم بينهم إلا القوة. وشاهِدنا على ذلك أنَّ أرقى أهل الأرض في الحضارة والعلوم والفلسفة هم الذين يقوضون صروح المدنية بمدافعهم ودباباتهم وطياراتهم، وبكل ما أوتوا من فن واختراع، ويهلكون الحرث والنسل، ويخربون العامر من المدن ودور الصناعات بمنتهى القسوة والشدة، ويهلكون ملايين الأنفس ما بين قتيل وجريح دون أن تستشعر قلوبهم عاطفة رحمة ولا رحمة، ولو كانوا يؤمنون بالله واليوم الاخر وما فيه من الحساب والجزاء .. لما انتهوا في الطغيان إلى هذا الحد الذي نراه الآن. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾؛ أي: كذبوا بلقاء الله إلى أن جاءتهم الساعة والقيامة مباغتةً مفاجئةً لهم من غير شعور منهم لها، وقد ورد في الكتاب والسنة أنَّ الله تعالى أخفى علمها على كل أحد حتى الرسل والملائكة، فلا يعلم أحد متى يكون مجيئها، وفي أي وقت يكون حصولها. ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾؛ أي: قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله، وأصروا على هذا التكذيب حتى إذا جاءتهم منيتهم - وهي بالنسبة إليهم مبدأ الساعة، ومقدمات القيامة - مفاجئةً لهم من حيث لم يكونوا ينظرونها، ولا يعدون العدة لمجيئها .. قالوا: يا حسرتنا على تفريطنا في الحياة الدنيا التي كنا نزعم أن لا حياة بعدها؛ أي: أصروا على التكذيب حتى قالوا وقت مجيء الساعة لهم بغتةً: يا ندامتنا على تفريطنا وتقصيرنا في تحصيل الزاد للساعة في الدنيا، هذا أوانك فاحضري إلينا لنتعجب منك. ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ﴾؛

стр. 3527

أي: والحال أنهم يحملون ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾ وذنوبهم وخطاياهم ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ وعواتقهم؛ أي: يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساة ثقل ذلك عليهم، فلا تفارقهم ذنوبهم، وخص الظهر بالذكر؛ لأنه يطيق من الحمل ما لا يطيقه غيره من الأعضاء، كالرأس والكاهل، وهذا كما تقدم في قوله: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِم﴾؛ لأن اليد أقوى في الإدراك اللمسي من غيرها، وفي ذلك إيماء إلى أن عذابهم ليس مقصورًا على الحسرة والندامة على ما فات وزال، بل يقاسون مع ذلك تحمُّل الأوزار الثقال، وإشارة إلى أن تلك الحسرة من الشدة والهول بحيث لا تزول ولا تنسى بما يكابدونه من صنوف العقوبات. وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي: أن الأعمال القبيحة تتمثل بصورة رجل قبيح، يحمله صاحبها يوم القيامة، والصالحة بصورة رجل حسن، يحمل صاحبها يوم القيامة. والخلاصة: أنهم ينادون الحسرة التي أحاطت بهم أسبابها وهم في أسوأ حال بما يحملون من أوزارهم على ظهورهم، وقد بيَّن الله تعالى سوء تلك الحال التي تلابسهم حينما يلهجون ويتكلمون بذلك المقال، فقال: ﴿أَلَا﴾؛ أي: انتبهوا واعرفوا ما سأذكره لكم وهو قوله: ﴿سَاءَ﴾ وقبح ﴿مَا يَزِرُونَ﴾ ويحملون على ظهورهم يوم القيامة؛ أي: ما أسوأ تلك الأثقال التي يحملونها وما أقبحها، والمخصوص بالذم ذنوبهم. ٣٢ - ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: وما هذه الحياة الدنيا التي قال الكفار فيها أنه لا حياة غيرها ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ فهي دائرة بين عمل لا يفيد في العاقبة، كعب الأطفال، وعمل له فائدة عاجلة سلبية؛ كفائدة اللهو وهو دفع الهموم والآلام، ومن ثمَّ قال بعض الحكماء: إن جميع لذات الدنيا سلبية إذ هي إزالة للآلام، فلذة الطعام في إزالة ألم الجوع، وبقدر هذا الألم تعظم اللذة في إزالته، ولذة شرب الماء هي إزالة العطش، وهكذا، أو المعنى: وما الأشغال التي تشغلك في الحياة الدنيا عن خدمة الله وطاعته ﴿إِلَّا لَعِبٌ﴾؛ أي: عمل لا فائدة ولا عاقبة له؛ كعب الأطفال ﴿وَلَهْوٌ﴾؛ أي: عمل فائدته عاجلة لا آجلة، وليس المراد أن

стр. 3528

مطلق الحياة لعب ولهو، بل ما قرب منها إلى الله .. فهو مزرعة للآخرة، فليست من أشغال الدنيا، وما أبعد منها عنه .. فهو حسرة وندامة، واللعب: هو كل ما يشغل النفس عما تنتفع به، واللهو: صرفها عن الجد إلى الهزل، وقيل: المعنى أي: وما اللذات والمستحسنات الحاصلة في هذه الدنيا إلا فرح يشغل النفس عما تنتفع به، وباطل يصرف النفس عن الجد في الأمور إلى الهزل. وفي الآية وجه آخر، وهو أن متاع هذه الدنيا متاع قليل قصير الأجل، لا ينبغي أن يغتر العاقل به، فما هو إلا كلعب الأطفال قصير المدة، فإن الطفل سريع الملل لكل ما يقدم إليه من أصناف اللعب، أو أن زمن الطفولة قصير، كله غفلة، أو كلهو المهموم في قصر مدته على كونه غير مقصود لذاته، والقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾. واللام في قوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ لام (١) قسم؛ أي: وعزتي وجلالي للدار التي هي محل الحياة الأخرى، وهي الجنة - جعلنا الله من أهله - ﴿خَيْرٌ﴾، وأفضل ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ويجتنبون الكفر والمعاصي لخلو لذاتها من المضار والآلام، وسلامتها من التقضِّي والانصرام من هذه الدار للمشركين المنكرين للبعث الذين لا حظَّ لهم من حياتهم إلا التمتع الذي هو من قبيل اللعب في قصر مدته وعدم فائدته، أو من قبيل اللهو في كونه دفعًا لألم الهم والكدر. والخلاصة: أن نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا، كما قال الشاعر: لِلَّهِ أَيَّامُ نَجْدٍ وَالنَّعِيْمُ بِهَا ... قَدْ كَانَ دَارًا لَنَا أَكْرِمْ بِهِ دَارَا فالبدني منه أعلى وأكمل من نعيم الدنيا في ذاته وفي دوامه وثباته، وفي كونه إيجابيًّا لا سلبيًّا، وفي كونه غير مشوب ولا منغص بشيء من الآلام، وفي كونه لا يعقبه ثقل ولا مرض ولا إزالة أقذار، بخلاف نعيم الدنيا؛ لأن لذاتها يشوبها مكدرات، وسرورها يعقبه غم وحزن كما قال الشاعر: أشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِيْ فِيْ سُرُوْرٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ زَوَالا

стр. 3529

والروحاني منه كلقاء الله ورضوانه وكمال معرفته، يجل عنه الوصف والتحديد، ولا شبيه له في نعيم الدنيا. وقرأ (١) ابن عامر وحده: ﴿ولدار الآخرة﴾ بالإضافة، فقيل: من إضافة الموصوف إلى صفته؛ كمسجد الجامع، وقيل: من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ أي: ولدار الآخرة. وقراءة ابن عامر موافقة لمصحفه، فإنها رسمت في مصاحف الشاميين بلام واحدة، واختارها بعضهم لموافقتها لما أجمع عليه في يوسف: ﴿وَلَدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾، وفي مصاحف الناس بلامين. وقرأ باقي السبعة: ﴿وللدار الآخرة﴾ بتعريف الدار بأل ورفع الآخرة نعتًا لها. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: قل لهم: أتغفلون أيها المخاطبون المنكرون للبعث عن هذا المذكور، فلا تعقلون وتفهمون أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وأنها فانية، والآخرة باقية، وأنتم ترون من يموت، ومن تنوبه النوائب وتفجعه الفواجع؟ ففي ذلك مزدجر عن الركون إليها، واستبعاد النفوس لها، ودليل على أن لها مدبِّرًا يلزم الخلق عبادته وعدم إشراك غيره معه في ذلك التدبير والنظام، وإخلاص العبادة والطاعة له. وقرأ نافع وابن عامر وحفص (٢): ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء، خطابًا لمن كان في حضرة الرسول ﷺ من منكري البعث كما فسرنا. وقرأ الباقون بالياء على الغيبة؛ أي: أيغفل الذين يتقون، فلا يعقلون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار، فيعملون لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم، فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك. ٣٣ - وقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ كلام مستأنف مسوق لتسلية رسول الله ﷺ عما ناله من الغم والحزن بتكذيب الكفار له. والضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للشأن والحال، والجملة بعده مفسرة له، وما ذكره "الشوكاني" وغيره هنا من أن

стр. 3530

﴿قَدْ﴾ للتكثير غير ظاهر كما ذكره أبو حيان؛ لأن علمه تعالى لا يمكن فيه التكثير والزيادة. والظاهر أن يقال: إنها هنا للتحقيق والتوكيد، نظير قوله تعالى: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾، وقوله الشاعر: وَقَدْ تُدْرِكُ الإِنْسَانَ رَحْمَةُ رَبِّهِ ... وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الأَرْضِ سَبْعِيْنَ وَادِيَا أي: حقًّا علمنا يا محمد أنه ليحزنك ويهمك القول الذي يقولونه لك في الظاهر في طعنك وتكذيب نبوتك، ورد دعوتك إلى التوحيد، وتنفير العرب عنك من قولهم: إنك ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون. قال ابن كثير (١): يقول تعالى مسليًّا لنبيه ﷺ في تكذيب قومه له، ومخالفتهم إياه: قد أحطنا علمًا بتكذيبهم لك وحزنك وأسفك عليهم، كما جاء في قوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وفي قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾. قرأ (٢) نافع: ﴿ليُحزنك﴾ بضم الياء وكسر الزاي من أحزن الرباعي، والباقون بفتح الياء وضم الزاي من حزن الثلاثي. ثم بين أن هذا التكذيب منشؤه العناد والجحود لإخفاء الدليل، فقال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾؛ أي: فلا تحزن لما يقولون فيك وفي دينك في الظاهر؛ لأنهم لا يكذبونك في السر، فإنهم قد علموا صدقك. ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآنية والإعجازية ﴿يَجْحَدُونَ﴾ ـها ويعاندونها، ويدفعونها بصدودهم عنها وتنفير الناس عنها بعد معرفة حقيقتها. وفي قوله: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ وضع الظاهر موضع المضمر. وقرأ علي ونافع والكسائي (٣): ﴿يكذبونك﴾ بسكون الكاف من أكذب الرباعي؛ أي: لا يجدونك كاذبًا؛ لأنهم يعرفون صدقك وأمانتك. وقرأ باقي السبعة وابن عباس: ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾ بفتح الكاف وتشديد الذال من كذب المضعف؛

стр. 3531

أي: لا ينسبونك إلى الكذب بالاعتقاد واللسان. فقيل: هما بمعنى واحد نحو: كثر وأكثر، وقيل: بينهما فرق كما فسرنا. حكى الكسائي أن العرب تقول: كذَّبت الرجل إذا نسبت إليه الكذب، وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه. والمعنى (١): أنهم يقولون في كل معجزة: إنها سحر، وينكرون دلالة المعجزة على الصدق على الإطلاق، أو المعنى: أن القوم ما كذبوك، وإنما كذبوني؛ لأنك رسولي؛ كقول السيد لعبده وقد أهانه بعض الناس: أيها العبد، إنه ما أهانك، وإنما أهانني، والمقصود تعظيم الشأن لا نفي الإهانة عن العبد، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾. روى سفيان الثوري عن علي قال: قال أبو جهل للنبي ﷺ : إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. وروي أن الحارث بن عامر من قريش قال: يا محمد، واللهِ ما كذبتنا قط، ولكنا إن اتبعناك .. نتخطف من أرضنا، فنحن لا نؤمن بك لهذا السبب. والخلاصة (٢): أنهم لا ينسبون النبي ﷺ إلى افتراء الكذب، ولا يجدونه كاذبًا في خبر يخبر به؛ بأن يتبين أنه غير مطابق للواقع، وإنما يدعون أن ما جاء به من أخبار الغيب التي من أهمها البعث والجزاء كذبٌ غير مطابق للواقع، ولا يقتضي ذلك أن يكون هو الذي افتراه، فإن التكذيب قد يكون للكلام دون المتكلم الناقل له، وذكر الرازي في نفي التكذيب مع إثبات الجحود أربعة أوجه: ١ - أنهم ما كانوا يكذبونه في السر، ولكنهم كانوا يكذبونه في العلانية، ويجحدون القرآن والنبوة. ٢ - أنهم لا يقولون له: إنك كذاب؛ لأنهم جربوه الدهر الطويل، فلم يكذب فيه قط، ولكن جحدوا صحة النبوة والرسالة، واعتقدوا أنه تخيل أنه نبي، وصدق ما تخيله فدعا إليه.

стр. 3532

٣ - أنهم لما أصروا على التكذيب مع ظهور المعجزات القاهرة وفق دعواه .. كان تكذيبهم تكذيبًا لآيات الله المؤيدة له، أو تكذيبًا له ، فكأن الله قال له: إن القوم ما كذبوك، ولكن كذبوني، وذلك أن تكذيب الرسول كتكذيب المرسل المصدِّق له بتأييده على حد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾. ٤ - أن المراد أنهم لا يخصونك بالتكذيب، بل ينكرون دلالة المعجزة على الصدق مطلقًا، ويقولون في كل معجزة إنها سحر، فكأن الخلاصة أنهم لا يكذبونك على التعيين، ولكن يكذبون جميع الأنبياء والرسل. ٣٤ - ثم لفت وصرف نظر رسوله ﷺ لأن يقتدي بالرسل قبله في الصبر على التكذيب، فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد كذب الرسل الذين من قبلك - كنوح ومن بعده - قومهم، كما كذبك قومك ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾؛ أي: فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم لهم ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ بإهلاك قومهم فاصبر يا أشرف الخلق كما صبروا .. تظفر على أعدائك كما ظفروا، بل أنت أولى بالتزام الصبر؛ لأنك مبعوث إلى جميع العالمين. وقرأ (١) الجمهور: ﴿وَأُوذُوا﴾ بواو بعد الهمزة من آذى يؤذي رباعيًّا. وقرأ ابن عامر في رواية شاذة: ﴿وأذوا﴾ من غير واو بعد الهمزة، وهو من أذيت الرجل ثلاثيًّا لا من آذيت رباعيًّا. اهـ "سمين". وفي الآية تسلية للرسول ﷺ بعد تسلية، وإرشاد إلى سننه تعالى في الرسل والأمم، وقد صرح بوجوب الصبر على هذا الإيذاء في قوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، وفي قوله: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾. وقد دلت التجارب على أن التأسي يهون المصاب، ويفيد شيئًا من السلوى، ومن هذا تعلم حكمة تكرار التسلية بأمثال هذه الآية مع الأمر بالصبر المرة بعد المرة؛ لأن الحزن والأسف اللذين كانا يعرضان له ﷺ من شأنهما أن يتكررا بتكرر سببهما وبتذكره.

стр. 3533

وفي الآية بشارة للرسول ﷺ مؤكدة للتسلية بأن الله تعالى سينصره على المكذبين الظالمين من قومه، وعلى كل من يكذبه ويؤذيه من أمة الدعوة، كما أنَّ فيها إيماءً إلى حسن عاقبة الصبر، فمن كان أصبر .. كان حقيقًا بالنصر إذا تساوت بين الخصمين وسائل الغلب والقهر. والمعنى: أن (١) هذا الذي وقع من هؤلاء إليك ليس هو بأول ما صنعه الكفار مع من أرسله الله إليهم، بل وقع التكذيب لكثير من الرسل المرسلين من قبلك، فاقتد بهم، ولا تحزن، واصبر كما صبروا على ما كذبوا به وأوذوا، حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم، فإنا لا نخلف الميعاد، ولكل أجل كتاب ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا مغير ولا ناقض لحكمه وقضائه تعالى، وقد حكم الله بنصر الأنبياء في نحو قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾؛ أي: فإن وعد الله إياك بالنصر حق وصدق، ولا يمكن تطرق الخلف والتبديل إليه، بل وعده كائن، وأنت منصور على المكذبين ظاهر عليهم، وقد كان ذلك فللَّه الحمد. والحاصل: أن كلمات الله لا يمكن أن يبدلها مبدل، فنصر الرسل حتم لا بد منه، والتبديل: جعل شيء بدلًا من شيء آخر، وتبديل الكلمات والأقوال نوعان: ١ - تبديل ذاتها بجعل قول مكان قول، وكلمة مكان أخرى، ومن هذا قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. ٢ - تبديل مدلولها ومضمونها، كمنع نفاذ الوعد والوعيد، أو وقوعه على خلاف القول الذي سبق، وهذا الأخير هو المراد هنا. ثم أكد سبحانه عدم التبديل بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي قد جاءك يا محمد من خبر المرسلين الذي قصصناه عليك من قبل

стр. 3534

في القرآن ما فيه كفاية وتأس لك بهم، كيف كذبهم قومهم وكيف أنجيناهم ودمرنا قومهم. فقد روي أن سورة الأنعام نزلت بين سورة الشعراء والنمل والقصص وهود والحجر المشتملة على نبأ المرسلين بالتفصيل. وأنت ستكون عاقبة هؤلاء المكذبين لك، كعاقبة المكذبين للرسل، فيرجعون إليك، ويدخلون في الدين الذي أنت تدعوهم إليه طوعًا أو كرهًا. وكما وعد الله رسله بالنصر .. وعد المؤمنين به في نحو قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾، وفي قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فما بالنا نرى كثيرًا ممن يدَّعون الإيمان في هذا الزمان غير منصورين، فلا بد إذًا من أن يكونوا في إيمانهم غير صادقين، ولأهوائهم متبعين، ولسنته في أسباب جاهلين، فالله لا يخلف وعده ولا يبطل سننه، بل ينصر المؤمن الصادق الذي يتحرى الحق والعدل في حربه، لا الظالم الباغي من خلقه، والذي يقصد إعلاء كلمة الله ونصر دينه، كما جاء في قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾. ٣٥ - ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ الشأن ﴿كَبُرَ﴾ وشق وعظم ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾ وإبائهم عن الإيمان بما جئت به من القرآن، وأحببت أن تجيبهم إلى ما سألوه. ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ وقدرت ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ﴾ وتطلب ﴿نَفَقًا﴾ ومنفذًا وسربًا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أن تتخذ منفذًا تنفذ به إلى جوف الأرض، والنفق: سرب في الأرض تخلص منه إلى مكان آخر. وقرأ نبيح الغنوي: ﴿أن تبتغي نافقاء﴾ والنافقاء ممدودًا: هو أحد مخارج جحر اليربوع. ﴿أَوْ﴾ تبتغي ﴿سُلَّمًا﴾ ومصعدًا ترتقي به ﴿فِي السَّمَاءِ فَتَأتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ ومعجزة من جنس ما اقترحوه وطلبوه منك من تحت الأرض، أو من فوق السماء .. فأفعل ذلك، ولكنك لا تستطيع ذلك، فدع الحزن: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾.

стр. 3535

والمعنى: وإن كان إتيانك بآية مما اقترحوا يدحض حجتهم ويكشف شبهتهم، فيؤمنون عن بينة وبرهان، فإن استطعت أن تبتغي لنفسك نفقًا تطلبه في الأرض، فتذهب في أعماقها، أو سلمًا في جو السماء ترقى فيه إلى ما فوقها، فتأتيهم بآية مما اقترحوا عليك .. فأت بما يدخل تحت طوع قدرتك من ذلك، كتفجير ينبوع لهم من الأرض، أو تنزيل كتاب تحمله من السماء، وقد كانوا طلبوا ذلك كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ وقد أمره الله أن يجيبهم عن ذلك بقوله عقب هذا: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾؛ أي: وليس ذلك في قدرة البشر، وإن كان رسولًا فالرسل لا يقدرون على شيء مما يعجز عنه البشر، ولا يستطيع إيجاده غير الخالق. وخلاصة ذلك: أنك لن تستطيع الإتيان بشيء من تلك الآيات، ولا ابتغاء السبل إليها في الأرض ولا في السماء، ولا اقتضت مشيئة ربك أن يؤتيك ذلك؛ لعلمه أنه لن يكون سببًا لما تحبه من هدايتهم. والمقصود من هذا الكلام: أن يقطع الرسول طمعه عن إيمانهم، وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الإيمان وإقبالهم على الكفر، وهذا دليل على مبالغة حرصه ﷺ على إسلام قومه إلى حيث لو قدر على أن يأتي بآية من تحت الأرض، أو من فوق السماء .. لفعل رجاءً لإيمانهم. ثم أكد عدم إيمانهم، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ جمعهم على ما جئت به من الهدى ﴿لَجَمَعَهُمْ﴾؛ أي: لجمع هؤلاء المكذبين لك ﴿عَلَى الْهُدَى﴾ جمع إلجاء وقسر، ولكنه لم يشأ ذلك، ولله الحكمة البالغة؛ أي: ولو شاء الله تعالى جمعهم على ما جئت به من الهدى لجمعهم عليه؛ إما بأن يجعل الإيمان ضروريًّا لهم كالملائكة، وإما بأن يخلقهم على استعداد واحد للحق والخير، لا متفاوتي الاستعداد مختلفي الاختيار باختلاف العلوم والأفكار والأخلاق والعادات، ولكنه شاء أن يجعلهم على ما هم عليه من الاختلاف والتفاوت، وما يترتب على ذلك من أسباب الاختيار. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾ يا محمَّد ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾؛ أي: إذا عرفت سننه تعالى في خلق

стр. 3536

الإنسان، وأنه لا تبديل لخلق الله .. فلا تكونن من الجاهلين لسننه في ذلك، فتتمنى ما تراه حسنًا نافعًا، وإن كان حصوله ممتنعًا؛ لكونه مخالفًا لتلك السنن التي اقتضتها الحكمة الإلهية. فإن شدة الحرص والحزن لإعراض الكفار عن الإجابة قبل أن يأذن الله بذلك، هو صنيع أهل الجهل، ولست منهم، فدع الأمور مفوضة إلى عالم الغيب والشهادة، فهو أعلم بما فيه المصلحة، ولا تحزن لعدم حصول ما يطلبونه من الآيات التي لو بدا لهم بعضها .. لكان إيمانهم بها اضطرارًا، أو المعنى: ولا تجزع على إعراضهم عنك، ولا يشتد تحزنك على تكذيبهم بك، فإن فعلت ذلك .. فتقارب حالك من حال الجاهلين الذين لا صبر لهم. وخلاصة ذلك: لا تكونن بالحرص على إسلامهم والميل إلى الإتيان بمقترحاتهم من الجاهلين بدقائق شؤونه تعالى في خلقه. الإعراب ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. ﴿وَمِنْهُمْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿منهم﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿يَسْتَمِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ووحد الضمير في الفعل حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾ وما جاء منه على لفظ الجمع فعلى معنى ﴿مَنْ﴾ نحو: ﴿مَّن يَسْتَمِعُونَ﴾ و ﴿مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿وَجَعَلْنَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿جعلنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الإسمية المذكورة قبلها، أو مستأنفة مسوقة للإخبار بما تضمنته من الختم على قلوبهم وسمعهم، وجعلنا بمعنى: صيرنا يتعدى إلى مفعولين. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف مفعول ثانٍ لـ ﴿جعلنا﴾. ﴿أَكِنَّةً﴾: مفعول أول لـ ﴿جعلنا﴾، والتقدير: وجعلنا أكنة مستقرة على قلوبهم. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر المنصوب على كونه

стр. 3537

مفعولًا لأجله تقديره: وجعلنا على قلوبهم أكنة كراهية فقههم إياه. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على قوله: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿جعلنا﴾. ﴿وَقْرًا﴾: معطوف على ﴿أَكِنَّةً﴾ على كونه مفعولًا أولًا لـ ﴿جعلنا﴾، ولا يعد الفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف فصلًا، والتقدير: وجعلنا وقرًا مستقرًا في آذانهم. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط. (يَرَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ورأى بصرية تتعدى لمفعول واحد ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿بِهَا﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يُؤْمِنُوا﴾ ﴿حَتَّى﴾: ابتدائية تبتدأ بعدها الجمل، أو غائية لا عمل لها. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿جَاءُوكَ﴾. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿يقول﴾، وإن شئت قلت: ﴿إنْ﴾ نافية لا عمل لها لانتقاض نفيها بـ ﴿إلا﴾. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر واستثناء لا عمل لها. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَهُمْ﴾ الواو: حالية. ﴿هم﴾: مبتدأ. ﴿يَنهَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف تقديره: ينهون الناس. ﴿عَنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من الفاعل

стр. 3538

في قوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَنْهَوْنَ﴾. ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ﴾: الواو: عاطفة على محذوف. ﴿إن﴾: نافية لا عمل لها. ﴿يُهْلِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: وهم ينهون عنه وينأون عنه؛ أي: عن الرسول، أو القرآن قاصدين تخلي الناس عن الرسول فيلهلكونه، وهم في الحقيقة يهلكون أنفسهم، ذكره أبو حيان. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: الواو: حالية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَشْعُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يُهْلِكُونَ﴾. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَلَوْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿لو﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع، وهي بصرية، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أيِّ مخاطب، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، ومفعول ترى محذوف تقديره: ولو ترى حالهم إذ وقفوا على النار، وجواب ﴿لو﴾ محذوف أيضًا تقديره: ولو ترى حالهم إذ وقفوا على النار .. لرأيت أمرًا عجيبًا، وشأنًا فظيعًا، وجملة ﴿لو﴾ من فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، وعبر بـ ﴿إذ﴾ عما في المستقبل إشعارًا بتحقق وقوعه، والظرف متعلق بـ ﴿ترى﴾. ﴿وُقِفُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿عَلَى النَّارِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿فَقَالُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وُقِفُوا﴾: ﴿يَا لَيْتَنَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: يا قومنا ليتنا، أو ﴿يا﴾: حرف تنبيه، فلا حذف. ﴿ليتنا﴾: ﴿ليت﴾: حرف تمنٍ ونصب، ونا: ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها. ﴿نُرَدُّ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير المتكلمين، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿ليت﴾، وجملة ﴿ليت﴾ في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نُكَذِّبَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة وجوبًا بعد الواو العاطفة، وفاعله ضمير المتكلمين.

стр. 3539

﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نكذب﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيَّد من الجملة التي قبلها من غير سابك؛ لإصلاح المعنى تقديره: يا قومنا نتمنى ردنا إلى الدنيا، وعدم تكذيبنا بآيات ربنا. ﴿وَنَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص معطوف على ﴿نُكَذِّبَ﴾ منصوب بأن مضمرة، واسمها ضمير المتكلمين. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿نكون﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿نُكَذِبَ﴾ على كونها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد تقديره: يا قومنا نتمنى ردنا إلى الدنيا، وعدم تكذيبنا بآيات ربنا، وكوننا من المؤمنين. هذا على قراءة النصب في الفعلين، وأما على قراءة رفعهما ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾: الواو: حالية، وجملة ﴿نكذِّبُ﴾ في محل الرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا، والجملة الإسمية في محل النصب حال من نائب فاعل ﴿نُرَدُّ﴾، وجملة ﴿نكون﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿نكذِّبُ﴾ على كونها خبر المبتدأ المحذوف، والجملة الإسمية في محل النصب حال من نائب فاعل ﴿نُرَدُّ﴾، والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذبين، وكائنين من المؤمنين، فيكون تمني الرد مقيدًا بهاتين الحالتين، فيكون الفعلان داخلين في المتمنى، ويحتمل كون الرفع في الفعلين بالعطف على الفعل قبلهما، وهو ﴿نُرَدُّ﴾، ويكونون قد تمنوا ثلاثة أشياء: الرد إلى دار الدنيا، وعدم تكذيبهم بآيات ربهم، وكونهم من المؤمنين. ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب عما يدل عليه التمني من رغبتهم في الإيمان؛ أي: ليس الأمر كما يدل عليه تمنيهم من خلوص رغبتهم في الإيمان، بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون من قبل من الشرك؛ لأنهم قالوا أولًا: والله ربنا ما كنا مشركين. ﴿بَدَا﴾: فعل ماضٍ. ﴿لهَمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل ﴿بَدَا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة التي قدرناها سابقًا بقولنا: ليس الأمر كما يدل عليه تمنيهم على كونها مستأنفة. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿يُخْفُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿يُخْفُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾،

стр. 3540

وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يخفونه من قبل. ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿رُدُّوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَعَادُوا﴾: اللام: رابطة لجواب ﴿لو﴾. ﴿عادوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ من فعل شرطها وجوابها معطوفة على جملة قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ على كونها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عادوا﴾. ﴿نُهُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿عَنْهُ﴾. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: الواو: استئنافية أو اعتراضية. ﴿إنّ﴾: حرف نصب، والهاء في محل النصب اسمها. ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: اللام: حرف ابتداء زحلقت عن محلها. ﴿كاذبون﴾: خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، أو معترضة لاعتراضها بين المعطوف الذي هو ﴿وَقَالُوا﴾، والمعطوف عليه الذي هو، قوله: ﴿لَعَادُوا﴾. ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ الواو: استئنافية أو عاطفة. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة قوله: ﴿لَعَادُوا﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿لو﴾. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هِىَ﴾: مبتدأ. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿حَيَاتُنَا﴾: خبر ومضاف إليه. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿حياتنا﴾، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿نَحْنُ﴾ في محل الرفع اسمها. ﴿بِمَبْعُوثِينَ﴾: الباء: زائدة في خبر ﴿ما﴾. ﴿مبعوثين﴾: خبرها منصوب، وعلامة نصبه الياء المقدرة الممنوع ظهورها بالياء المجلوبة لأجل حرف جر زائد، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قالوا﴾. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ
следующие страницы →