← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

الإنسان، وأنه لا تبديل لخلق الله .. فلا تكونن من الجاهلين لسننه في ذلك، فتتمنى ما تراه حسنًا نافعًا، وإن كان حصوله ممتنعًا؛ لكونه مخالفًا لتلك السنن التي اقتضتها الحكمة الإلهية. فإن شدة الحرص والحزن لإعراض الكفار عن الإجابة قبل أن يأذن الله بذلك، هو صنيع أهل الجهل، ولست منهم، فدع الأمور مفوضة إلى عالم الغيب والشهادة، فهو أعلم بما فيه المصلحة، ولا تحزن لعدم حصول ما يطلبونه من الآيات التي لو بدا لهم بعضها .. لكان إيمانهم بها اضطرارًا، أو المعنى: ولا تجزع على إعراضهم عنك، ولا يشتد تحزنك على تكذيبهم بك، فإن فعلت ذلك .. فتقارب حالك من حال الجاهلين الذين لا صبر لهم. وخلاصة ذلك: لا تكونن بالحرص على إسلامهم والميل إلى الإتيان بمقترحاتهم من الجاهلين بدقائق شؤونه تعالى في خلقه. الإعراب ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. ﴿وَمِنْهُمْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿منهم﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿يَسْتَمِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ووحد الضمير في الفعل حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾ وما جاء منه على لفظ الجمع فعلى معنى ﴿مَنْ﴾ نحو: ﴿مَّن يَسْتَمِعُونَ﴾ و ﴿مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿وَجَعَلْنَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿جعلنا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الإسمية المذكورة قبلها، أو مستأنفة مسوقة للإخبار بما تضمنته من الختم على قلوبهم وسمعهم، وجعلنا بمعنى: صيرنا يتعدى إلى مفعولين. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف مفعول ثانٍ لـ ﴿جعلنا﴾. ﴿أَكِنَّةً﴾: مفعول أول لـ ﴿جعلنا﴾، والتقدير: وجعلنا أكنة مستقرة على قلوبهم. ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر المنصوب على كونه

стр. 3537

مفعولًا لأجله تقديره: وجعلنا على قلوبهم أكنة كراهية فقههم إياه. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على قوله: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿جعلنا﴾. ﴿وَقْرًا﴾: معطوف على ﴿أَكِنَّةً﴾ على كونه مفعولًا أولًا لـ ﴿جعلنا﴾، ولا يعد الفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف فصلًا، والتقدير: وجعلنا وقرًا مستقرًا في آذانهم. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط. (يَرَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ورأى بصرية تتعدى لمفعول واحد ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿بِهَا﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿يُؤْمِنُوا﴾ ﴿حَتَّى﴾: ابتدائية تبتدأ بعدها الجمل، أو غائية لا عمل لها. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿جَاءُوكَ﴾. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿يقول﴾، وإن شئت قلت: ﴿إنْ﴾ نافية لا عمل لها لانتقاض نفيها بـ ﴿إلا﴾. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر واستثناء لا عمل لها. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَهُمْ﴾ الواو: حالية. ﴿هم﴾: مبتدأ. ﴿يَنهَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف تقديره: ينهون الناس. ﴿عَنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من الفاعل

стр. 3538

في قوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَنْهَوْنَ﴾. ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ﴾: الواو: عاطفة على محذوف. ﴿إن﴾: نافية لا عمل لها. ﴿يُهْلِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: وهم ينهون عنه وينأون عنه؛ أي: عن الرسول، أو القرآن قاصدين تخلي الناس عن الرسول فيلهلكونه، وهم في الحقيقة يهلكون أنفسهم، ذكره أبو حيان. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: الواو: حالية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَشْعُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يُهْلِكُونَ﴾. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَلَوْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿لو﴾ حرف شرط غير جازم. ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع، وهي بصرية، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أيِّ مخاطب، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، ومفعول ترى محذوف تقديره: ولو ترى حالهم إذ وقفوا على النار، وجواب ﴿لو﴾ محذوف أيضًا تقديره: ولو ترى حالهم إذ وقفوا على النار .. لرأيت أمرًا عجيبًا، وشأنًا فظيعًا، وجملة ﴿لو﴾ من فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، وعبر بـ ﴿إذ﴾ عما في المستقبل إشعارًا بتحقق وقوعه، والظرف متعلق بـ ﴿ترى﴾. ﴿وُقِفُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿عَلَى النَّارِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿فَقَالُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وُقِفُوا﴾: ﴿يَا لَيْتَنَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: يا قومنا ليتنا، أو ﴿يا﴾: حرف تنبيه، فلا حذف. ﴿ليتنا﴾: ﴿ليت﴾: حرف تمنٍ ونصب، ونا: ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها. ﴿نُرَدُّ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير المتكلمين، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿ليت﴾، وجملة ﴿ليت﴾ في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نُكَذِّبَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة وجوبًا بعد الواو العاطفة، وفاعله ضمير المتكلمين.

стр. 3539

﴿بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نكذب﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيَّد من الجملة التي قبلها من غير سابك؛ لإصلاح المعنى تقديره: يا قومنا نتمنى ردنا إلى الدنيا، وعدم تكذيبنا بآيات ربنا. ﴿وَنَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص معطوف على ﴿نُكَذِّبَ﴾ منصوب بأن مضمرة، واسمها ضمير المتكلمين. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿نكون﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿نُكَذِبَ﴾ على كونها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد تقديره: يا قومنا نتمنى ردنا إلى الدنيا، وعدم تكذيبنا بآيات ربنا، وكوننا من المؤمنين. هذا على قراءة النصب في الفعلين، وأما على قراءة رفعهما ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾: الواو: حالية، وجملة ﴿نكذِّبُ﴾ في محل الرفع خبر مبتدأ محذوف تقديره: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا، والجملة الإسمية في محل النصب حال من نائب فاعل ﴿نُرَدُّ﴾، وجملة ﴿نكون﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿نكذِّبُ﴾ على كونها خبر المبتدأ المحذوف، والجملة الإسمية في محل النصب حال من نائب فاعل ﴿نُرَدُّ﴾، والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذبين، وكائنين من المؤمنين، فيكون تمني الرد مقيدًا بهاتين الحالتين، فيكون الفعلان داخلين في المتمنى، ويحتمل كون الرفع في الفعلين بالعطف على الفعل قبلهما، وهو ﴿نُرَدُّ﴾، ويكونون قد تمنوا ثلاثة أشياء: الرد إلى دار الدنيا، وعدم تكذيبهم بآيات ربهم، وكونهم من المؤمنين. ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب عما يدل عليه التمني من رغبتهم في الإيمان؛ أي: ليس الأمر كما يدل عليه تمنيهم من خلوص رغبتهم في الإيمان، بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون من قبل من الشرك؛ لأنهم قالوا أولًا: والله ربنا ما كنا مشركين. ﴿بَدَا﴾: فعل ماضٍ. ﴿لهَمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل ﴿بَدَا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة التي قدرناها سابقًا بقولنا: ليس الأمر كما يدل عليه تمنيهم على كونها مستأنفة. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿يُخْفُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿يُخْفُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾،

стр. 3540

وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يخفونه من قبل. ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾: الواو: عاطفة. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿رُدُّوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَعَادُوا﴾: اللام: رابطة لجواب ﴿لو﴾. ﴿عادوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ من فعل شرطها وجوابها معطوفة على جملة قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ على كونها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عادوا﴾. ﴿نُهُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿عَنْهُ﴾. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: الواو: استئنافية أو اعتراضية. ﴿إنّ﴾: حرف نصب، والهاء في محل النصب اسمها. ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: اللام: حرف ابتداء زحلقت عن محلها. ﴿كاذبون﴾: خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، أو معترضة لاعتراضها بين المعطوف الذي هو ﴿وَقَالُوا﴾، والمعطوف عليه الذي هو، قوله: ﴿لَعَادُوا﴾. ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ الواو: استئنافية أو عاطفة. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة قوله: ﴿لَعَادُوا﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿لو﴾. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هِىَ﴾: مبتدأ. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿حَيَاتُنَا﴾: خبر ومضاف إليه. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿حياتنا﴾، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية حجازية تعمل عمل ليس. ﴿نَحْنُ﴾ في محل الرفع اسمها. ﴿بِمَبْعُوثِينَ﴾: الباء: زائدة في خبر ﴿ما﴾. ﴿مبعوثين﴾: خبرها منصوب، وعلامة نصبه الياء المقدرة الممنوع ظهورها بالياء المجلوبة لأجل حرف جر زائد، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قالوا﴾. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ

стр. 3541

بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾. ﴿وَلَوْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع، وهي بصرية تتعدى إلى مفعول واحد وهو محذوف تقديره: ولو ترى حالهم إذ وقفوا، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أيِّ مخاطب، وجواب ﴿لو﴾ محذوف تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجملة ﴿لو﴾ مع جوابها المحذوف مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿إذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان بحسب الأصل، ولكنها مضمنة هنا معنى الاستقبال في محل النصب على الظرفية، مبنية على السكون، والظرف متعلق بـ ﴿ترى﴾. ﴿وُقِفُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿وقفوا﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، أو حال من ربهم. وفي "الفتوحات": في (١) هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها استئنافية في جواب سؤال مقدر تقديره: ماذا قال لهم ربهم إذ وقفوا عليه؟ قال: قال لهم: أليس هذا بالحق؟ والثاني: أن تكون الجملة حالية، وصاحب الحال ربهم، كأنه قيل: وقفوا عليه قائلًا لهم أليس هذا بالحق؟ اهـ "سمين". ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت: الهمزة: للاستفهام التوبيخي. ﴿ليس﴾ هو: فعل ماض ناقص. ﴿هَذَا﴾ في محل الرفع اسمها. ﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء: زائدة في خبر ﴿ليس﴾. ﴿الحق﴾: خبرها، وجملة ﴿ليس﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالوُا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾ مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿بَلَى﴾: حرف جواب لإثبات النفي المفهوم من السؤال. ﴿وَرَبِّنَا﴾: الواو: حرف جر وقسم. ﴿ربنا﴾: مقسم به ومضاف إليه مجرور بواو القسم، الجار والمجرور

стр. 3542

متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم وربنا، والجملة القسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿فَذُوقُوا﴾: الفاء: حرف موضوع للدلالة (١) على ترتيب التعذيب على اعترافهم بحقية ما كفروا به في الدنيا. ﴿ذوقوا﴾: فعل وفاعل. ﴿الْعَذَابَ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿بِمَا﴾ الباء: حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَكفُرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: فذوقوا العذاب بسبب كفركم في الدنيا، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿ذوقوا﴾، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ موصولًا اسميًّا عائده محذوف تقديره: فذوقوا العذاب بسبب شرككم الذي كنتم تكفرون به في بعض المواقف بقولكم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿خَسِرَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿بَغْتَةً﴾: منصوب على الحالية من الساعة، ولكن على تأويله بالمشتق تقديره: مباغتة ومفاجئة لهم. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ في نصبها أربعة أوجه: أحدها: أنها مصدر في موضع الحال من فاعل ﴿جَاءَتْهُمُ﴾؛ أي: مباغتة، أو من مفعوله؛ أي: مبغوتين.

стр. 3543

الثاني: أنها مصدر معنوي لـ ﴿جَاءَتْهُمُ﴾؛ لأن معنى جاءتهم: بغتتهم بغتة، فهو كقولهم: أتيته ركضًا. الثالث: أنها منصوبة بفعل محذوف من لفظها؛ أي: تبغتهم بغتة. الرابع: بفعل من غير لفظها؛ أي: أتتهم بغتة انتهى. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾، وجملة ﴿إِذَا﴾ من فعل شرطها وجوابها في محل الجر بـ ﴿حتى﴾ الغائية تقديره: استمروا على التكذيب إلى قولهم: يا حسرتنا على ما فرطنا في الساعة وقت مجيئها إياهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿كذبوا﴾. ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾: مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿حسرتنا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾: ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿فَرَّطْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرَّطْنَا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿على﴾ تقديره: على تفريطنا فيها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿حسرتنا﴾؛ لأنه في الأصل مصدر لفرَّط المضعف، والتفريط: التقصير مع القدرة على تركه. ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. ﴿وَهُمْ﴾: الواو: حالية. ﴿هم﴾: مبتدأ. ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالوا يا حسرتنا في حالة حملهم أوزارهم. ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَحْمِلُونَ﴾. ﴿أَلَا﴾: حرف استفتاح وتنبيه. ﴿سَاءَ﴾: فعل ماض من أفعال الذم. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل، وجملة ﴿يَزِرُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ساء الذي يزرونه، أو ساء شيء يزرونه، ويصح أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، وهي مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية تقديره؛ ألا ساء وزرهم، والمخصوص بالذم حملهم ذلك.

стр. 3544

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿الْحَيَاةُ﴾: مبتدأ. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لها. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿لَعِبٌ﴾: خبر المبتدأ ﴿وَلَهْوٌ﴾: معطوف عليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَلَلدَّارُ﴾: الواو: استئنافية. اللام: موطئة لقسم محذوف. ﴿الدار﴾: مبتدأ. ﴿الْآخِرَةُ﴾: صفة الدار؛ لأنه في الأصل صفة بمعنى المتأخرة. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿لِلَّذِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿يَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، و ﴿خَيْرٌ﴾ أفعل التفضيل، وحسن حذف المفضل عليه لوقوعه خبرًا، والتقدير: خير من الحياة الدنيا. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة، للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف تقديره: أتغفلون عن خيرية الدار الآخرة من الدنيا، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على الجملة المحذوفة، والمحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿نَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّهُ﴾: ﴿إنّ﴾ حرف نصب وتوكيد، وكسرت همزتها لدخول اللام المعلقة لنعلم عن العمل في خبرها قال ابن مالك: وَكَسَرُوْا مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ عُلِّقَا ... بِاللَّامِ كَاعْلَمْ إِنَهُ لَذُوْ تُقَى والهاء ضمير الشأن في محل النصب اسمها. ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء زحلقت للخبر؛ لئلا يتوالى حرفا تأكيد. ﴿يحزنك﴾: فعل ومفعول. ﴿الَّذِي﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ من اسمها وخبرها سادة مسد مفعولي ﴿نَعْلَمُ﴾. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: يقولونه. ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ الفاء: تعليلية. ﴿إنّ﴾: حرف نصب، والهاء: اسمها ﴿لَا﴾:

стр. 3545

نافية. ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة مسوقة لتعليل محذوف معلوم من السياق تقديره: لا تحزن لتكذيبهم إياك في الظاهر؛ لأنهم لا يكذبونك في السر. ﴿وَلَكِنَّ﴾: الواو: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: اسمها منصوب بالياء. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يجحدون﴾، وجملة ﴿يَجْحَدُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية. اللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كذبت﴾، ولا يجوز أن يكون صفة لـ ﴿رُسُلٌ﴾؛ لأنه زمان، والجثة لا توصف بالزمان ذكره أبو البقاء، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مستأنفة. ﴿فَصَبَرُوا﴾: الفاء: عاطفة. ﴿صبروا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿كُذِّبَتْ﴾ على كونها جواب قسم لا محل لها من الإعراب. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿كُذِّبُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿على﴾، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿صبروا﴾، والتقدير: فصبروا على تكذيب الكافرين إياهم. ﴿وَأُوذُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ﴾؛ أي: كذبت الرسل وأوذوا فصبروا على كل ذلك. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿صبروا﴾؛ أي: فصبروا إلى إتيان نصرنا إياهم. ﴿وَلَا مُبَدِّلَ﴾: الواو: استئنافية. ﴿لا﴾: نافية. ﴿مُبَدِّلَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مُبَدِّلَ﴾، وخبر ﴿لا﴾ محذوف تقديره: ولا مبدل لكلمات الله موجود، وجملة ﴿لا﴾ مستأنفة. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية،

стр. 3546

واللام موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿جَاءَكَ﴾: فعل ومفعول. ﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جاء﴾، وفاعل ﴿جاء﴾ محذوف تقديره: ولقد جاءك من نبأ المرسلين ما فيه كفاية، كما سبق في مبحث التفسير، ويحتمل كون الفاعل من نبأ المرسلين على جعل ﴿مِن﴾ زائدة، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كاَنَ﴾: فعل ماضٍ، شأنية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها، واسمها ضمير الشأن. ﴿كَبُرَ﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾: فاعل، ومضاف إليه وجملة ﴿كَبُرَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كاَنَ﴾ مفسرة لاسمها الذي هو ضمير الشأن، ولا حاجة إلى تقدير: قد، وقيل: اسم كان ﴿إِعْرَاضُهُمْ﴾، و ﴿كَبُرَ﴾ جملة فعلية في محل النصب على أنها خبر لـ ﴿كان﴾ مقدم على اسمها؛ لأنها فعل رافع لضمير مستتر كما هو المشهور. اهـ "أبو السعود"، والإتيان بلفظ ﴿كاَنَ﴾ مع استقامة المعنى بدونها ليبقى الشرط على مضيه، ولا تقلبه إن للاستقبال؛ لأن ﴿كَانَ﴾ لقوة دلالتها على المضي لا تقلبها كلمة ﴿إن﴾ إلى الاستقبال بخلاف سائر الأفعال. اهـ "كرخي". ﴿فَإِنِ﴾: الفاء: رابطة الجواب جوازًا. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿اسْتَطَعْتَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ الثانية محذوف تقديره: فافعل ذلك، وجملة ﴿إن﴾ الثانية مع جوابها المحذوف جواب لـ ﴿إن﴾ الأولى وجملة ﴿إن﴾ الأولى مستأنفة استئنافًا نحويًّا. ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ﴾: ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَبْتَغِيَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿نَفَقًا﴾: مفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نَفَقًا﴾، أو متعلق بـ ﴿تَبْتَغِيَ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: فإن استطعت ابتغاء نفق في الأرض أو سلم في السماء. ﴿أَوْ سُلَّمًا﴾: معطوف على نفقًا. ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: صفة لـ ﴿سُلَّمًا﴾، أو متعلق بـ ﴿تَبْتَغِيَ﴾.

стр. 3547

﴿فَتَأتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾: الفاء: عاطفة ﴿تأتي﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿تَبْتَغِيَ﴾ والهاء: مفعول به، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿بِآيَةٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تأتي﴾. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. ﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾، ﴿لَجَمَعَهُمْ﴾: اللام رابطة لجواب ﴿لو﴾. ﴿جمعهم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ من فعل شرطها وجوابها مستأنفة. ﴿عَلَى الْهُدَى﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جمع﴾. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾: الفاء فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت سننه تعالى في خلق الإنسان، وأنه لا تبديل لخلق الله، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك ﴿لا تكونن﴾ ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع ناقص في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير مستتر فيها تقديره: أنت يعود على محمد ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: جار ومجرور، وخبر ﴿تَكُونَنَّ﴾، وجملة ﴿تَكُونَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، لا محل لها من الإعراب. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ جمع كنان، كأزمة جمع زمام، وأعنة جمع عنان، وفي "المصباح": كننته أكنه من باب ردَّ سترته في كنه بالكسر، وهو: السترة، وأكننته: أخفيته. وقال أبو زيد: الثلاثي والرباعي لغتان في الستر، وفي الإخفاء جميعًا واكتن الشيء واستكن: استتر، والكنان: الغطاء وزنًا، ومعنى، والجمع: أكنة مثل: أغطية انتهى. وقال بعضهم: الكنُّ بالكسر ما يحفظ فيه الشيء، وبالفتح: المصدر، يقال: كننته كنًّا؛ أي: جعلته في كن، ويجمع على أكنان، قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾، والكنان: الغطاء الساتر والوعاء الجامع قال الشاعر:

стр. 3548

إِذَا مَا انْتَضَوْهَا في الْوَغَى مِنْ أَكِنَّةٍ ... حَسِبْتَ بُرُوْقَ الْغَيْثِ هَاجَتْ غُيُوْمُهَا والفعل من هذه المادة يستعمل ثلاثيًّا ورباعيًّا يقال: كننت الشيء كنًّا وأكننته إكنانًا إلا أن الراغب فرَّق بين فعل وأفعل، فقال: وخصَّ كننت بما يستر من بيت أو ثوب أو غير ذلك من الأجسام قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ وأكننت بما يستر في النفس قال تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ قلت: ويشهد لما قاله قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وكنا يجمع على أكنة في القلة والكثرة لتضعيفه اهـ "سمين". ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ في "المصباح": الوقر بالكسر: حمل البغل والحمار، ويستعمل في البعير، وأوقر بعيره بالألف، وقرت الأذن توقر من باب تعب ووقرت تقر من باب وعد: ثقل سمعها، ووقرها الله وقرًا من باب وعد، يستعمل لازمًا ومتعديًا، والوقار: الحمل والرزانة، وهو مصدر وقر بالضم مثل: جمل جمالًا، ويقال أيضًا: وقر يقر من باب وعد فهو وقور مثل رسول، والمرأة وقور أيضًا فعول بمعنى فاعل، مثل صبور وشكور، والوقار: العظمة أيضًا والوقر بالفتح الثقل في السمع. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ والآية: العلامة الدالة على صدق الرسول ﷺ ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وفي "المختار": والأساطير: الأباطيل، والواحد: أسطورة بالضم وإسطارة بالكسر انتهى. وفي "السمين": وأساطير فيه أقوال: أحدها: أنه جمع لواحد مقدر، واختلف في ذلك المقدر فقيل: أسطورة، وقيل: أسطور، وقيل: أسطار، وقيل: أسطير، وقال بعضهم: بل لُفظ بهذه المفردات. والثاني: أنه جمع جمع، فأساطير جمع: أسطار، وأسطار جمع: سطر بفتح الطاء، وأما سطر بسكونها فجمعه في القلة على أسطر، وفي الكثرة على سطور، كفلس وأفلس وفلوس، وبقية الأقوال ليس بشيء، فلا نطيل الكلام بذكرها، فراجعها في "الفتوحات".

стр. 3549

ومعنى الأساطير: الأحاديث الباطلة والخرافات والترهات. ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أصله: ينهيون، استثقلت الضمة على الياء، ثم حذفت فالتقى ساكنان وهما: الياء والواو، ثم حذفت الياء فصار: ينهون. ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ وفي "المصباح": نأى نأيًا من باب سعى يتعدى بنفسه وبالحرف، وهو الأكثر، فيقال: نأيته ونأيت عنه، ويتعدى بالهمزة إلى الثاني فيقال: أنأيته عنه انتهى. والنأي عنه يشمل الإعراض عن سماعه، والإعراض عن هدايته، وأصله: ينأيون كينهيون فعل به ما فيه فعل آنفًا. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ ووقف يتعدى، ولا يتعدى، وفرقت العرب بينهما بالمصدر، فمصدر اللازم على فعول، ومصدر المتعدي على فعل، ولا يقال: أوقفت، قال أبو عمرو بن العلاء: لم أسمع في شيء من كلام العرب: أوقفت فلانًا إلا أني لو رأيت رجلًا واقفًا فقلت له: ما أوقفك هاهنا لكان عندي حسنًا، وإنما كان حسنًا؛ لأن تعدي الفعل بالهمزة مقيس نحو: ضحك وأضحكته أنا، ولكن سمع غيره في وقف المتعدي أوقفته اهـ "سمين". ويقال: وقف الرجل على الأرض وقوفًا إذا قام، ووقف المال على كذا وقفًا إذا حبسه عليه، وجعل منفعته له، كوقف العقار على الفقراء. ﴿إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾: والساعة في اللغة: الزمن القصير المعين، ثم أطلق على الوقت الذي ينقضي به أجل هذه الحياة، ويخرب العالم وما يتبع ذلك من البعث والحساب، سُمي بذلك لسرعة الحساب فيه، كأنه ساعة، والألف واللام في الساعة للغلبة كالنجم والثريا؛ لأنها غلبت على يوم القيامة. والبغتة: الفجأة، يقال: بغته بغتة إذا هجم عليه من غير شعور، والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من غير اعتدادٍ له، وجعل بال منه، حتى لو استشعر الإنسان به، ثم جاءه بسرعة لا يقال فيه: بغتة. ﴿يَا حَسْرَتَنَا﴾ والحسرة: الغم على ما فات، والندم عليه، وشدة التلهف والتألم عليه، كأن المتحسر قد انحسر وانكشف عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكب.

стр. 3550

﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾ التفريط: التقصير في الشيء مع القدرة على فعله، والتقصير ممن قدر على الجد والتشمير من الفرط، وهو السبق، ومنه الفارط والفرط، وهو الذي يسبق المسافرين لإعداد الماء لهم ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾ جمع وزر بكسر أوله كحمل وأحمال وعدل وأعدال، والوزر في الأصل: الحمل الثقيل، ومنه وزره بزنة وعده: حمله على ظهره ووزرته حملته شيئًا ثقيلًا ووزير الملك من هذا؛ لأنه يتحمل أعباء ما قلده الملك من مؤونة رعيته وحشمه، ومنه: أوزار الحرب لسلاحها وآلها، ثم أطلق في الدين على الإثم والذنب، كأنه لثقله على صاحبه كالحمل الذي يثقل الظهر. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ واللعب: الفعل الذي لا يقصد به فاعله مقصدًا صحيحًا من تحصيل منفعة، أو دفع مضرة، كأفعال الصبيان التي يتلذذون بها، واللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، وقد يسمى كل ما به استمتاع لهوًا، ويقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوًا وتلهيت به إذا تشاغلت وغفلت به عن غيره. ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ الحزن: ألم يحل بالنفس عند فقد محبوب، أو امتناع مرغوب، أو حدوث مكروه، ولا سبيل لعلاجه إلا التسلي والتأسي كما قالت الخنساء: وَلَوْلاَ كَثْرَةُ البَاكِيْنَ حَوْلِيْ ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِيْ وَمَا يَبْكُوْنَ مِثْلَ أَخِيْ وَلَكِنْ ... أُسَلِّيْ النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّيْ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يقال: كذبه إذا رماه بالكذب والجحود، والجحد: نفي ما في القلب إثباته، أو إثبات ما في القلب نفيه، ويقال: جحده حقه وبحقه. ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ وكلمات الله هي وعده ووعيده، ومن ذلك وعده للرسل بالنصر، ووعيده لأعدائهم بالغلب والخذلان، كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. ﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ النبأ: الخبر ذو الشأن العظيم يجمع على: أنباء كسبب وأسباب. ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ يقال: كبر على فلان الأمر إذا عظم عنده وشق

стр. 3551

عليه وقعه، والإعراض: التولي والانصراف عن الشيء رغبة عنه أو احتقارًا له. ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ استطاع من باب استغفل السداسي كاستعان واستقام يقال: استطعت الشيء إذا صار في طوعك منقادًا لك باستيفاء الأسباب التي تمكنك من فعله. ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ﴾ ابتغى من باب افتعل الخماسي، والابتغاء: طلب ما في طلبه كلفة ومشقة من البغي، وهو تجاوز الحد، ويكون في الخير كابتغاء رضوان الله تعالى، وهو غاية الكمال، وفي الشر كابتغاء الفتنة، وهو غاية الضلال. ﴿نَفَقًا﴾ والنفق: السرب في الأرض، وهو حفرة نافذة لها مدخل ومخرج، وفي "السمين" النفق: السرب النافذ في الأرض، وأصله في حجرة اليربوع، ومنه: النافقاء والقاصعاء انتهى. ﴿أَوْ سُلَّمًا﴾ والسلم: المصعد والمرقاة، وقيل: الدرج، وقيل: السبب تقول العرب: اتخذني سلمًا لحاجتك؛ أي: سببًا، وهو مشتق من السلامة؛ لأنه هو الذي يسلمك إلى مصعدك وتذكيره أفصح من تأنيثه. ﴿بِآيَةٍ﴾ الآية: المعجزة ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ جمع: جاهل من الجهل، والجهل هنا ضد العلم، وليس كل جهل عيبًا؛ لأن المخلوق لا يحيط بكل شيء علمًا، وإنما يذم الإنسان بجهل ما يجب عليه، ثم بجهل ما ينبغي له، ويعدله كمالًا إذا لم يكن معذورًا في جهله. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة التصريحية أو التمثيلية في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾؛ لأن الظاهر أن الغطاء والصمم هنا ليسا حقيقة؛ بل ذلك من باب استعارة المحسوس للمعقول حتى يستقر في النفس، استعار الأكنة لصرف قلوبهم عن تدبر آيات الله، والثقل في الأذن لتركهم الإصغاء إلى سماعها. ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لتسجيل الكفر عليهم، وفي قوله: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ لتسجيل الظلم عليهم.

стр. 3552

ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ لأن فيه التفاتًا من الخطاب إلى الغيبة، فإن قوله: ﴿جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ خطاب للرسول ﷺ . ومنها: جناس التصريف في قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ وهو (١) أن تنفرد كل كلمة عن الأخرى بحرف، ﴿فينهون﴾ انفردت بالهاء، ﴿وينأون﴾ انفردت بالهمزة، ومنه: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ و ﴿يفرحون﴾ و ﴿يمرحون﴾، "والخيل معقود في نواصيها الخير"، وفي كتاب "التحبير" سماه تجنيس التحريف، وهو أن يكون الحرف فرقًا بين الكلمتين، وأنشد عليه قوله: إِنْ لَمْ أَشِنَّ عَلَى ابْنِ هِنْدٍ غَارَةً ... لَهَّابَ مَالٍ أَوَ ذَهَّابَ نُفُوْسِ وذكر غيره أن تجنيس التحريف هو أن يكون الشكل فرقًا بين الكلمتين، كقول بعض العرب وقد مات له ولد: اللهم إني مسلم ومسلم. ومنها: إبراز الآتي بصورة الماضي في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ إشعارًا بتحقق الوقوع. ومنها: الإتيان بضمير مبهم يفسره خبره في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾؛ إذ لا يعلم ما يراد به إلا بذكر خبره، وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظًا ورتبة اهـ "سمين". ومنها: تأكيد الجواب بالقسم في قوله: ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾؛ أكدوا اعترافهم باليمين إظهارًا لكمال يقينهم بحقيته، وإيذانًا بصدور ذلك عنهم للرغبة والنشاط .. ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾؛ لأنه شبه من استعاض الكفر عن الإيمان بمن خسر في صفقته العادم الربح ورأس ماله. ومنها: الإضافة للتفخيم والتعظيم لشأن المضاف في قوله: ﴿بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾؛

стр. 3553

أي: جزائه تعظيمًا لشأن الجزاء، وهو نظير قوله ﷺ : "لقى الله وهو عليه غضبان"؛ أي: لقي جزاءه. ومنها: تعريف العهد في قوله: ﴿إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ بدون تقدم ذكر لها لشهرتها واستقرارها في النفوس. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿يَا حَسْرَتَنَا﴾ تنزيلًا لها منزلة العاقل؛ لأنه لا ينادى حقيقة إلا العاقل. ومنها: تصدير الجملة الحالية بالضمير في قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾؛ لأنه أبلغ في النسبة؛ إذ صار صاحب الحال مذكورًا مرتين من حيث المعنى. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ﴾؛ لأنه شبه ما يجدونه من المشقة والآلام بسبب ذنوبهم يحمل الوزر الثقيل؛ أي: الحمل الثقيل. ومنها: الجناس المغاير بين قوله: ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾، وقوله: ﴿يَزِرُونَ﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، وقوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾. ومنها: القصر في مواضع كقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾، وقوله: ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾. ومنها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾؛ إذ قبله بآيات الله، فلو جاء على طبق ذلك لقيل: حتى أتاهم نصره. وفائدة هذا الالتفات: إسناد النصر إلى ضمير المتكلم المشعر بالعظمة. ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾؛ حيث أكدت الصيغة بإن وباللام وباسمية الجملة، للتنبيه على أن الكذب كان طبيعتهم. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ حيث جعل الدنيا نفس اللعب واللهو مبالغة، كقول الخنساء:

стр. 3554

فَإِنَّمَا هِي إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. ومنها: التفخيم والتكثير بتنوين رسل في قوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾. ومنها: تصدير الجملة بالقسم لتأكيد التسلية في قوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾؛ لأن عموم البلوى مما يهون أمرها بعض تهوين. ومنها: الحذف في عدة مواضع. فائدة: قال الإِمام فخر الدين الرازي: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ يقتضي (١) له جوابًا، وقد حذف تفخيمًا للأمر وتعظيمًا للشأن، وأشباهه كثير في القرآن والشعر، وحذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى أنك لو قلت لغلامك: واللهِ لئن قمت إليك، وسكت عن الجواب ذهب فكره إلى أنواع المكروه من الضرب والقتل والكسر، وعظم خوفه؛ لأنه لم يدر أيَّ الأقسام تبغي، ولو قلت: والله لئن قمت إليك لأضربنك، فأتيت بالجواب لعلم أنك لم تبلغ شيئًا غير الضرب، فثبت أن حذف الجواب أقوى تأثيرًا في حصول الخوف. وقال (٢) أبو حيان: وجواب ﴿لو﴾ محذوف لدلالة المعنى عليه تقديره: لرأيت أمرًا شنيعًا وهولًا عظيمًا، وحذف جواب ﴿لو﴾ لدلالة الكلام عليه جائز، فيصح، ومنه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية، وقول الشاعر: وَجَدَّكَ لَوْ شَيْءٌ أَتَانَا رَسُوْلُهُ ... سِوَاكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا أي: لو شيء أتانا رسوله سواك لدفعناه. والله أعلم * * *

стр. 3555

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ .....﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله (١) لما بين في الآية السابقة أنه لو شاء لجمع الناس على الهدى، ولكنه لم يشأ أن يجعل البشر مفطورين على ذلك، ولا أن يلجئهم إلجاءً بالآيات التي تقسرهم على ذلك، بل اقتضت حكمته أن يكون البشر متفاوتين في الاستعداد، مختارين في تصرفاتهم وأعمالهم، ومنهم من يختار الهدى على الضلال، ومنهم من يستحب العمى على الهدى .. ذكر هنا أن

стр. 3556

الأولين هم الذين ينظرون في الآيات، ويفقهون ما يسمعون من الحجج والبينات، وأن الآخرين لا يفقهون ولا يسمعون، فهم والأموات سواء. قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين فيما سلف أنه قادر على أن ينزل الآيات إذا رأى من الحكمة والمصلحة إنزالها، ولا ينزلها للتشهي والهوى كما يراه المقترحون من أولئك الظالمين المكذبين .. ذكر هنا ما هو كالدليل على ذلك، فأرشد إلى عموم قدرته تعالى وشمول علمه وتدبيره، وأن كل ما يدب على وجه الأرض أو يطير في الهواء فهو مشمول بفضله ورحمته، فلو كان في إظهار هذه المعجزات مصلحة للمكلفين .. لفعلها، ولامتنع أن يبخل بها، إذ أنكم ترون أنه لم يبخل على شيء من الحيوان بمنافعها ومصالحها. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (١) بيَّن فيما سلف للمشركين أن علمه محيط بحسب في الأرض والسماء، وأن عنايته تعم كل ما درج على الأرض أو طار في الهواء، وأن أمم الحيوان مشابهة لأمم الإنسان، وقد أوتيت من الإلهام والمعرفة ما تميِّز به بين ما ينفعها ويضرها .. أمر نبيه ﷺ أن يوجه إليهم هذا السؤال، مذكرًا لهم بما أودع في فطرتهم من توحيده عزَّ اسمه، ليعلموا أن ما تقلدوه من الشرك عارض شاغل يفسد أذهانهم وقت الرخاء وارتفاع اللأواء، حتى إذا جد الجد ونزل بهم ما لا يطاق حمله من الشدائد .. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، وضل عنهم ما كانوا يعبدون من الأصنام والأوثان، وما وضعوا رمزًا له من ملك أو إنسان. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة (٢) هذه الآية لما قبلها: أن الله لما هددهم في الآيات السالفة بإتيان

стр. 3557

العذاب أو الساعة .. هددهم هنا بأخذ سمعهم وأبصارهم، والختم على قلوبهم، ولما كان هذا التهديد أخف من التهديد السابق .. لم يؤكد هنا بحرف الخطاب، واكتفى بخطاب الضمير فقال: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بلا كاف، ولما كان السابق أعظم من هذا .. أكد خطاب الضمير بحرف الخطاب فقال: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾، وفي تلك وهذه الاستدلال على توحيد الله تعالى، وأنه المتصرف في العالم، الكاشف للعذاب والراد لما شاء بعد الذهاب، وأن آلهتهم لا تغني عنهم شيئًا. التفسير وأوجه القراءة ٣٦ - ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ﴾ لله ولرسوله ﷺ دعوته إلى الإيمان والتوحيد ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: المؤمنون الذين يسمعون كلام الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ سماع تفهم وتدبر، فيعقلون الآيات، ويذعنون لما عرفوا بها من الحق، لسلامة فطرتهم، وصفاء نفوسهم، وطهارة قلوبهم دون الذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، كالمقلدين الذين لا يفكرون في الأشياء بعقولهم، ودون الذين قالوا: سمعنا وعصينا من المستكبرين الجاحدين، فهؤلاء من موتى القلوب، وأبعد الناس عن الانتفاع بما يسمعون، لما جعلنا على قلوبهم من الأكنة، وفي آذانهم من الوقر. ﴿وَالْمَوْتَى﴾؛ أي: الكفار الذين هم كموتى الأجساد الذين لا يسمعون صوتًا، ولا يعقلون دعاءً، ولا يفقهون قولًا؛ إذ كانوا لا يتدبرون حجج الله تعالى، ولا يعتبرون بآياته، ولا يتذكرون فينزجرون عن تكذيب رسل الله ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يترك أمرهم في الدنيا إلى أن يبعثهم الله تعالى من قبورهم مع سائر الناس ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾؛ أي: ثم إلى موقف حسابه يرجعون، ويحشرون إليه للمجازاة، فحينئذ يسمعون فينالون ما يستحقون على كفرهم وسيىء أعمالهم، وأما قبل ذلك .. فلا يسمعون فلا تبخع نفسك عليهم حسرات، إذ ليس في استطاعتك هدايتهم ولا إرجاعهم إلى محجة الرشاد. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿وَالْمَوْتَى﴾ إلخ مقابل لقوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ﴾ إلخ كأنه قال: والذين لا يستجيبون ولا يسمعون يبعثهم الله اهـ "خازن".

стр. 3558

وقرىء (١): ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يَرجعون﴾ بفتح الياء وكسر الجيم من رجع اللازم. ٣٧ - ثم ذكر شيئًا من عنادهم الدال على عظيم جحودهم، فقاِل: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال الظالمون لأنفسهم الذين يجحدون بآيات ربهم، ويعاندون رسوله إليهم، يعني: من رؤساء مكة، كالحارث بن عامر وأصحابه، وأبي جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، وأمية، وأبي بن خلف، والنضر بن الحارث. ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: هلا أنزل على محمد آية ومعجزة من ربه دالة على نبوته من الآيات التي اقترحناها عليه، وجعلناها شرطًا لإيماننا به، كجعل الصفا ذهبًا، وتوسيع أرض مكة، وتفجير الأنهار خلالها، أو من المعجزات التي أعطيها الأنبياء من قبله، كفلق البحر وإظلال الجبل، وإحياء الموتى، وإنزال الملائكة، وقلب العصا حية. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾؛ أي: على تنزيل آية مما اقترحوا؛ أي: على أن يوجد خوارق للعادة كما طلبوا إذا اقتضت الحكمة تنزيلها، لا ما تتعلق شهواتهم بتعجيز الرسول بطلبها، فقد مضت سنة الله تعالى بأن إجابة المعاندين إلى ما اقترحوا لم تكن سببًا للهداية في أمة من الأمم، بل كانت سببًا في عقاب المعاجزين للرسل بعذاب الاستئصال، وتنزيل الآية لا يكون خيرًا لهم، بل هو شر لهم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ شيئًا من حكم الله تعالى في أفعاله، ولا من سننه في خلقه؛ أي: لا يدرون (٢) أن في تنزيلها قلعًا لأساس التكليف المبنيِّ على قاعدة الاختيار، وأن الله تعالى لو أعطاهم ما طلبوه من المعجزات القاهرة، فلم يؤمنوا عند ظهورها .. لاستحقوا عذاب الاستئصال، ولم يبق لهم عذر ولا علة، كما هو سنة الله، فاقتضت رحمة الله بهم صونهم عن هذا البلاء، فما أعطاهم هذا المطلوب رحمة منه تعالى عليهم، وإن لم يعلموا كيفية هذه الرحمة. والخلاصة: أن طلبهم للآية أو الآيات مع وجود هذه الآيات البينات إنما هو محاولة تعجيز الرسول، لا أنه هو الدليل الذي يوصلهم إلى صدقه، يرشد إلى

стр. 3559

ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾. ٣٨ - وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ كلام (١) مستأنف مسوق لبيان كمال قدرته تعالى وشمول علمه وسعة تدبيره؛ ليكون كالدليل على أنه قادر على تنزيل الآية، وإنما لم ينزلها محافظة على الحكم البالغة؛ أي: وما من دابة من الدواب التي تدب في أي مكان من أمكنة الأرض ﴿وَلَا﴾ من ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ في أي ناحية من نواحي الأرض ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾؛ أي: إلا جماعات أمثالكم، خلقهم الله كما خلقكم، ورزقهم كما رزقكم، داخلة تحت علمه وتدبيره وتقديره وإحاطته بكل شيء. قال (٢) العلماء: ما خلق الله في الأرض لا يخرج عن هاتين الحالتين؛ إما أن يدب على الأرض أو يطير في الهواء، حتى ألحقوا حيوان الماء بالطير؛ لأن الحيتان تسبح في الماء كما أن الطير يسبح في الهواء، وإنما خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء، وإن كان ما في السماء مخلوقًا له؛ لأن الاحتجاج بالمشاهد أظهر وأولى مما لا يشاهد، وإنما ذكر الجناح في قوله: ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ للتوكيد كقولك: كتبت بيدي، ونظرت بعيني. ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ قال مجاهد؛ أي: إلا أصناف مصنفه تعرف بأسمائها، يريد أن كل جنس من الحيوان أمة، فالطير أمة، والدواب أمة، والسباع أمة، تعرف بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم، كما يقال: الإنس والناس، ويدل على أن كل جنس من الدواب أمة ما روي عن عبد الله بن مغفل عن النبي ﷺ قال: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم .. لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم". أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. فإن قلت: ثبت بالآية والحديث أن الدواب والطير أمم أمثالنا، وهذه المماثلة لم تحصل من كل الوجوه فيما يظهر لنا، فما وجه هذه المماثلة؟.

стр. 3560

قلتُ: اختلف العلماء في وجه هذه المماثلة، فقيل: إن هذه الحيوانات تعرف الله وتوحده وتسبحه وتصلي له، كما أنكم تعرفون الله وتوحدونه وتسبحونه وتصلون له، وقيل: إنها مخلوقة لله كما أنكم مخلوقون لله ، وقيل: إنها يفهم بعضها عن بعض، ويألف بعضها بعضًا، كما أن جنس الإنسان يألف بعضهم بعضًا ويفهم بعضهم عن بعض، وقيل: أمثالكم في طلب الرزق، وتوقي المهالك، ومعرفة الذكر والأنثى، وقيل: أمثالكم في الخلق والموت والبعث بعد الموت للحساب، حتى يقتص للجماء من القرناء، وقال سفيان بن عيينة؛ أي: ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه، فمنهم من يعدو كالأسد، ومنهم من يشره كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ومنهم من يزهو كالطاوس، والأولى أن تحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائنًا ما كان. وعبارة "المراغي" هنا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ إلخ؛ أي: لا يوجد (١) نوع من أنواع الأحياء التي تدب على الأرض، ولا نوع من أنواع الطير التي تسبح في الهواء إلا وهي أمم مماثلة لكم أيها الناس، وقد أثبت الإحصائيون الباحثون في طباع الحيوان الذين تفرغوا لدرس غرائزها وأعمالها، أن النمل مثلًا يغزو بعضه بعضًا، وأن المنتصر يسترق المنكسر ويسخره في حمل قوته وبناء قراه إلى نحو أولئك من الأعمال التي تخصه. وخص دواب الأرض بالذكر؛ لأنها هي التي يراها المخاطبون عامة ويدركون فيها معنى المماثلة دون دواب الأجرام السماوية القابلة للحياة الحيوانية التي أعلمنا بوجودها في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ وهذا من أخبار الغيب التي دل العلم الحديث على صدقها، فقد أثبت الباحثون من علماء الفلك أن بعض الكواكب كالمريخ فيه ماء ونبات، فلا بد أن يكون أنواع من الحيوان، بل فيه أمارات على وجود عالم اجتماعي صناعي كالإنسان، منها ما يرى على سطحه بالمرقب - التلسكوب - من جداول منظمة، وخلجان وجبال ووديان إلى نحو أولئك.

стр. 3561

وهذه (١) الآية الكريمة ونحوها ترشدنا إلى البحث في طباع الأحياء لنزداد علمًا بسنن الله تعالى وأسراره في خلقه، ونزداد بآياته فيها إيمانًا وحكمة وكمالًا وعلمًا، ونعتبر بحال المكذبين بها الذين لم يستفيدوا بما فضلهم الله به على الحيوان، فكانوا أضلَّ من جميع أنواعه التي لا تجني على نفسها ما يجنيه الكافر على نفسه. ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾؛ أي: ما تركنا وما أهملنا ﴿فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: في اللوح المحفوظ من الشيطان، ومن تغيير شيء منه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: شيئًا من الكائنات، ما كان منها وما سيكون بحسب السنن الإلهية، فإن الله أثبت فيه جميع الحوادث، وهو خلق من عالم الغيب، وقيل: المراد بالكتاب هنا: علم الله المحيط بكل شيء، شبه بالكتاب لكونه ثابتًا لا ينسى. قال الحافظ ابن كثير: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: الجميع علمهم عند الله تعالى لا ينسى واحدًا من جميعها من رزقه، سواء كان بريًّا أو بحريًّا، كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾؛ أي: مفصح بأسمائها وأعدادها ونظامها، وحاصر لحركاتها وسكناتها. انتهى. وقيل: هو القرآن؛ أي: ما تركنا شيئًا من ضروب الهداية التي نرسل من أجلها الرسل إلا بيناه فيه، فقد ذكرت فيه أصول الدين وأحكامه، وحكمها، والإرشاد إلى استعمال القوى البدنية والعقلية التي سخرها الله للإنسان. ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما تركنا في القرآن شيئًا من الأشياء المهمة من أمور الدين؛ إما (٢) تفصيلًا، أو إجمالًا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، ومن جملة ما أجمله في الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ فأمر في هذه الآية باتباع ما سنه رسول الله ﷺ ، وكل حكم سنه الرسول لأمته فقد ذكره الله في

стр. 3562

كتابه العزيز بهذه الآية، وبنحو قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، وبقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؛ أي (١): إن القرآن وافٍ ببيان جميع الأحكام، فليس لله على الخلق بعد ذلك تكليف آخر، وإن القرآن دلَّ على أن الإجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة، فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة. كان ذلك في الحقيقة موجودًا في القرآن. روي أن ابن مسعود كان يقول: ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه، فقرأت امرأة جميع القرآن، فأتته فقالت: يا ابن أم عبد، تلوت البارحة ما بين الدفتين، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة، فقال: لو تلوتيه لوجدتيه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وإن مما أتانا به رسول الله ﷺ أنه قال: "لعن الله الواشمة والمستوشمة". وذُكر أن الشافعي كان جالسًا في المسجد الحرام فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى، فقال رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور، فقال: لا شيء عليه، فقال: أين هذا من كتاب الله، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقال عمر ﵁ للمحرم الذي قتل الزنبور: لا شيء عليك. وروي أن أبا العسيف قال للنبي ﷺ : اقضِ بيننا بكتاب الله، فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله" ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة. وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي ﷺ هو عين كتاب الله؛ لأنه ليس في نص الكتاب ذكر الجلد والتغريب. ﴿ثُمَّ﴾ بعد انقضاء مدة الدنيا ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾؛ أي: إلى موقف حسابهم يجمعون؛ أي: يبعث الخلائق والأمم المذكورة من الإنس والدواب والطيور، ويساقون إلى موقف حسابهم حالة كونهم محشورين ومجموعين في صعيد واحد للمجازاة، وفيه

стр. 3563

دلالة على أن البهائم تحشر كما يحشر بنو آدم. وقد ذهب إلى هذا جمع من العلماء منهم: أبو ذر، وأبو هريرة، والحسن وغيرهم، وذهب ابن عباس إلى أن حشرها: موتها، وبه قال الضحاك. والأول أرجح لهذه الآية، ولما صح في السنة المطهرة من أنه "يقاد يوم القيامة للشاة الجلحاء من الشاة القرناء". رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁، ولقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ قال بعضهم: إن الله بعد توفير القصاص عليها يجعلها ترابًا، وعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا، كما رواه الحاكم عن أبي هريرة وصححه. وقرأ (١) ابن أبي عبلة ﴿وَلَا طَائِرٌ﴾ بالرفع عطفًا على موضع ﴿دَابَّةٍ﴾، وقرأ الأعرج وعلقمة: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ بتخفيف الراء، والمعنى واحد. ٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: والكافرون الذين كذبوا بآياتنا المنزلة الدالة على وحدانيتنا وصدق ما جاء به رسولنا تكذيب جحودٍ واستكبارٍ، أو تكذيب جحود على تقليد الأباء ﴿صُمٌّ﴾ آذانهم، لا يسمعون دعوة الحق والهدى سماع قبول ﴿بكم﴾؛ أي: خرس ألسنتهم، لا ينطقون بما عرفوا من الحق تائهون ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: في ظلمات الكفر والجهل والحيرة، لا يهتدون لشيء مما فيه صلاحهم، وهم يتخبطون في تلك الظلمات الحالكة: ظلمة الوثنية، وظلمة تقليد الجاهلية، وظلمة الجهل والأمية. والمعنى: هم كائنون في الظلمات التي تمنع من إبصار المبصرات، وضموا إلى الصمم والبكم عدم الانتفاع بالأبصار؛ لتراكم الظلمة عليهم، فكانت حواسهم كالمسلوبة التي لا ينتفع بها بحال. ثم بين أن الأمر بيده، ما شاء يفعل، فقال: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ ؛ أي: من تعلقت مشيئته تعالى بإضلاله ﴿يُضْلِلْهُ﴾ عن طريق الهدى، كما أضل هؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى، وإضلاله إياهم جاء على مقتضى سننه في البشر أن يُعرِض المستكبر عن دعوة من يراه دونه - وإن ظهر له أنه الحق - وأن يعرض المقلد عن النظر في الآيات والدلائل التي تنصب لبيان

стр. 3564

بطلانها وإثبات خلافها ما دام مغرورًا بها مكبرًا لمن جرى من الإباء عليها، والمعنى: ومن يشاء الله إضلاله .. يخلق الله الضلال فيه ويمته على الكفر، فيضل يوم القيامة عن طريق الجنة، وعن وجدان الثواب. ﴿وَمَنْ يَشَأْ﴾ هدايته ﴿يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طريق الحق الذي لا يضل سالكه؛ بأن يوفقه لاستعمال سمعه وبصره وعقله استعمالًا يعرف به الحق، ويعرف به الخير، ويعمل به بحسب سننه تعالى في الارتباط بين الأعمال البدنية والعقائد النفسية. والمعنى: ومن يشأ أن يجعله على طريق يرضاه وهو الإِسلام .. يجعله عليه، ويهده إليه، ويمته عليه، فلا يضل من مشى إليه، ولا يزل من ثبت قدمه عليه، ٤٠ - والاستفهام في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ استفهام (١) تعجيب، والكاف حرف خطاب أكد به الضمير للتأكيد لا محل له من الإعراب. وقال الكرماني (٢): ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ كلمة استفهام وتعجب، وليس لها نظير؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين العادلين بالله الأوثان والأصنام على سبيل التخويف والتوبيخ: أخبروني ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ في الدنيا كالذي نزل بمن قبلكم من الأمم الذين كذبوا بالرسل، فقد هلك بعضهم بريح عاتية، وبعض آخر بالصاعقة، أو بمياه الطوفان المغرقة ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ﴾ وجاءتكم ﴿السَّاعَةُ﴾ والقيامة بأهوالها وخزيها ونكالها، وبعثتم لموقف الحساب ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ في هذه الأحوال ﴿تَدْعُونَ﴾ وتستغيثون لكشف ما نزل بكم من النبلاء، أم إلى غيره من آلهتكم تفزعون لينجيكم مما نزل بكم من عظيم البلاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم ألوهية هؤلاء الشركاء الذين اتخذتموهم أولياء، وزعمتم أنهم فيكم شفعاء، فأخبروني: أغير الله تدعون إذا أتاكم أحد هذين الأمرين؟. والخلاصة: قل (٣) يا أكرم الخلق لكفار مكة: يا أهل مكة، أخبروني إن أتاكم عذاب الله في الدنيا؛ كالغرق أو الخسف أو المسخ أو نحو ذلك، أو أتاكم العذاب عند قيام الساعة، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء، أو ترجعون

стр. 3565

فيه إلى الله تعالى إن كنتم صادقين في أن أصنامكم آلهة، فأجيبوا سؤالي؟ أو المعنى: إن كنتم قومًا صادقين .. فأخبروني أإلهًا غير الله تدعون إلخ. ٤١ - ثم أجاب عن ذلك بقوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ﴾ ﴿تَدْعُونَ﴾ وتستغيثون ﴿فَيَكْشِفُ﴾ ويزيل ﴿مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾؛ أي: إنكم لا ترجعون في طلب دفع البلية إلا إلى الله ، فيكشف التفسير الذي من أجله دعوتم بمحض مشيئته ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: وتتركون الأصنام ولا تدعونهم لعلمكم أنها لا تضر ولا تنفع. أي: ما أنتم أيها المشركون بالله الآلهة والأندادَ إن أتاكم عذاب الله، أو أتتكم الساعة بمستجيرين بشيء غير الله من وثن أو صنم إذا اشتد بكم الهول، بل تدعونه وحده، وبه تستغيثون، وإليه تفزعون دون كل شيء غيره، فيفرج عنكم ويزيل البلاء عند استغاثتكم به وتضرعكم إليه إن شاء ذلك؛ لأنه وحده القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء دون ما تدعونه إلهًا من صنم أو وثن؛ لأن الفزع إليه تعالى عند الشدائد مما ركز في فطرة البشر، تنبعث إليه بذاتها، كما تنبعث إلى الماء عند العطش، فلا يذهب به ما يتلقَّى بالتعليم الباطل من مسائل الدين، فهم به يجنون على غريزة التوجه إلى خالقهم وخالق العالم كله بما يتخذونه من الأنداد والأولياء والشفعاء الذين يتوجهون إليهم، كما يتوجهون إلى الله تعالى، ويحبونهم كحب الله، وما منشأ ذلك التقديس إلا اعتقاد القدرة على النفع والضر من غير طريق الأسباب المعروفة، لكنهم عند الشدائد وتراكم الأهوال والكروب ينسونهم، ويدعون الله وحده، ولهذا الحب والتعظيم ثلاث درجات: ١ - أعرقها في الجهل: أن يعتقد المرء في شيء من المخلوقات أنه إله ينفع ويضر بذاته، فيتوجه إليه ويدعوه ويتضرع إليه. ٢ - المرتبة الوسطى: أن يعتقد أن الإله قد حل في بعض المخلوقات واتحد بها، كما تحل الروح في البدن وتدبره، فيكونان شيئًا واحدًا. ٣ - أضعف درجاته: أن يعتقد أن الله تعالى هو الخالق لكل شيء القادر على كل شيء المتصرف في كل شيء، ولكن له وسطاء بينه وبين عباده يقربونهم

стр. 3566

إليه زلفى، ويشفعون لهم عنده، فهو لأجلهم يعطي ويمنع، ويضر ينفع، وهذه هي الدرجة التي كان عليها مشركو قريش، فقد حكى الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. والتوحيد الخالص هو: الإيمان بأن الله يفعل ما يشاء، ويختار، وأن جميع الخلائق مسخرون لإرادته وتدبيره، خاضعون لسننه وتقديره، لا يملك أحد منهم لنفسه ولا لغيره شيئًا إلا في دائرة الأسباب التي شرعها لعباده، وأن الوساطة بينه وبين عباده محصورة في تبليغ الرسول رسالته إليهم دون تصرفه فيهم، وأن شفاعة الآخرة لله وحده، يأذن بها إن شاء لمن شاء ممن ارتضى، يرشد إلى ذلك قوله تعالى لخاتم رسله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾. وقد بيَّن الله أن تلك الوساطة الشركية تنسى عند اشتداد الكروب والأهوال فقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾. ٤٢ - ثم بين أن من سننه أخذ عباده بالشدائد لعلهم يرعوون عن غيهم، ويثوبون إلى رشدهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد بعثنا رسلًا إلى أمم كثيرة كائنة في زمان قبل زمانك، فدعوهم إلى توحيدنا وعبادتنا، فلم يستجيبوا لهم وخالفوهم. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ أخذ ابتلاء واختبار، وعاقبناهم ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾؛ أي: بشدة الفقر والخوف من بعضهم ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾؛ أي: بالأمراض والأوجاع ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾؛ أي: لكي يدعوا الله تعالى في كشفها بالتذلل، ويتوبوا إليه من كفرهم ومعاصيهم؛ أي: ليكون ذلك مفيدًا لهم لأن سنتنا قد جرت بأنهم في مثل هذه الحال يتضرعون ويجأرون بالدعاء إلى ربهم، فالشدائد تربي النفوس وتهذب الأخلاق، فترجع المغرورين عن غرورهم، وتكف الفجار عن فجورهم، فأخلق بها أن ترجع أهل الأوهام عن دعاء أمثالهم من البشر، بل من دونهم من الأصنام والأوثان. ولكن كثيرًا من الناس يصلون إلى حال من الشرك والفجور لا يغيرها بأس، ولا يحولها بؤس، فلا تجدي معهم

стр. 3567

العبر والمواعظ، ولا تؤثر فيهم صروف الدهر وغيره، ومنهم أولئك الأمم الذين أرسل إليهم هؤلاء الأنبياء، ٤٣ - ومن ثَمَّ قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ إلى آخر ما سيأتي. وفي هذه الآية تسلية للرسول (١) ﷺ ، وأن عادة الأمم مع رسلهم التكذيب والمبالغة في قسوة القلوب حتى هم إذا أخذوا بالبلايا .. لا يتذللون لله ولا يسألونه كشفها، وهؤلاء الأمم الذين بعث الله تعالى إليهم الرسل أبلغ انحرافًا، وأشد شكيمةً، وأجلد من الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ ، إذ خاطبهم تعالى بقوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الآية، وأخبر أنهم عند الأزمات لا يدعون لكشفها إلا الله تعالى. وكلمة ﴿لولا﴾ في قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ حرف تحضيض، وهو الطلب بحث وإزعاج؛ أي: فهلا تضرعوا وتذللوا إلينا خاشعين تائبين حين جاءهم بأسنا وعذابنا؛ أي: حين جاءتهم مقدمات العذاب وبوادره، وحذروا عواقبه وأواخره لنكشفه عنهم قبل أن يحيط بهم. ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: صلبت وصبرت على ملاقاة العذاب لما أراد الله من كفرهم وخذلانهم، فكانت الحجارة أو أشد قسوة، فلم تؤثر فيهم النذر. وعبارة "الفتوحات" هنا: قوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ استدراك وقع بين الضدين؛ أي: فلم يتضرعوا إليه تعالى برقة القلب والخضوع، ولكن ظهر منهم نقيضه، حيث قست قلوبهم؛ أي: استمرت على ما هي عليه من القساوة، أو ازدادت قساوة اهـ "أبو السعود". فهذا من أحسن مواقع الاستدراك اهـ شيخنا. انتهت. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي؛ أي: فلم يؤمنوا حين جاءهم بأسنا وعذابنا ووسوس إليهم بأن يثبتوا على ما كان عليه أباؤهم، ولا ينقادوا إلى رجال منهم ضعاف الأحلام، سفهاء العقول، لا ميزة لهم عليهم بعقل راجح ولا فكر ثاقب، وقال لهم: إن حال الدنيا هكذا تكون

стр. 3568

شدة ثم نعمة، فلم يخطروا ببالهم أن ما أصابهم من الشدائد، ما أصابهم إلا لأجل عملهم الفاسد. ٤٤ - ثم ذكر ما حل بهم من الوبال والنكال بعد أن ابتلاهم بالحسنات، فقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أي: فلما (١) أعرضوا عما أنذرهم به رسلهم، وتركوا الاهتداء به، وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم، وأصروا على كفرهم وعنادهم، وجمدوا على تقليد من قبلهم .. بلوناهم بالحسنات، و ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: بسطنا عليهم أنواع الرزق، ورخاء العيش وصحة الأجسام، والأمن على الأنفس والأرواح استدراجًا لهم، فلم تربِّهم تلك النعم، ولا شكروا الله على ما أنعم، بل أفادتهم النعمة بطرًا وكبرًا، كما أفادتهم الشدائد عتوًا وقسوة. والمعنى (٢): فلما تركوا الاتعاظ والازدجار بما ذكروا به من البأس .. استدرجناهم بتيسير مطالبهم الدنيوية وعبر عن ذلك بقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ إذ يقتضي شمول الخيرات وبلوغ الطلبات. والخلاصة (٣): أنه تعالى سلط عليهم المكاره والشدائد ليعتبروا ويتعظوا، فلما لم تجد معهم شيئًا .. نقلهم إلى حال هي ضدها، ففتح عليهم أبواب الخيرات، وسهل لهم سبل الرزق والرخاء، فلم ينتفعوا أيضًا. وما مثل هذا إلا مثل الأب المشفق على ولده، يخاشنه تارة ويلاينه أخرى طلبًا لصلاحه واستقامة حاله، وإرجاعًا له عن غيه وطغيانه. ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾؛ أي: حتى إذا اطمأنوا بما فتح لهم من الخيرات، وظنوا أن الذي أوتوا إنما هو باستحقاقهم، ولم يزدهم ذلك إلا بطرًا وغرورًا بأن ظنوا أن الذي نزل بهم من الشدائد ليس على سبيل الانتقام من الله ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: أنزلنا بهم عذابنا فجأة ليكون لهم أشد وقعًا وأكثر تحسرًا؛ أي: أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كونهم مبغوتين، إذ فاجأهم على غرة من

стр. 3569

غير سبق أمارات ولا إمهال للاستعداد أو للهرب ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾؛ أي: آيسون من النجاة، متحزنون غاية الحزن، منقطع رجاؤهم من كل خير. وفي الآية إيماء إلى أن البأساء والضراء وما يقابلها من السراء والنعماء مما يتهذَّب به من وفقهم الله للهداية، وألهمهم الرشاد والاختبار أكبر شاهد على صدق هذه القضية، فالشدائد مصلحة للفساد، مهذِّبة للنفوس، والمؤمن أجدر الناس بالاستفادة من الحوادث. روى مسلم عن صهيب مرفوعًا: "عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إنْ أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له". وروى أحمد أن النبي ﷺ قال "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب .. فإنما هو استدراج" ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية. ٤٥ - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: استؤصل آخر القوم الذين ظلموا أنفسهم بإهلاكهم بالكلية حتى لم يبق منه أحد؛ أي: فهلك أولئك القوم الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الرسل والإصرار على الشرك، وأعمالهم الخبيثة بالكلية أصلًا وفرعًا بسبب ظلمهم بإقامة المعاصي مقام الطاعات. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي: والثناء الكامل، والشكر التام لله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على إنعامه على رسله وأهل طاعته بإظهار حججهم على من خالفهم من أهل الكفر، وتحقيق ما وعدهم به من إهلاك المشركين وإراحة الأرض من شركهم وظلمهم، فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة، نعمةٌ جليلة مستحقة للحمد. قال الصاوي: هذا حمد من الله لنفسه على هلاك الكفار ونصر الرسل، وفيه تعليم المؤمنين أنهم يشكرون الله على ذلك إذ هو نعمة عظيمة انتهى. والخلاصة: أن في الضراء والسراء للمتقين عبرة ونعمة ظاهرة أو باطنة. وقرأ (١) ابن عامر: ﴿فتَّحنا﴾ بتشديد التاء والتشديد لتكثير الفعل. وقرأ عكرمة: ﴿فقَطع دابر﴾ بفتح القاف والطاء والراء؛ أي: فقطع الله، وهو التفات إذ

стр. 3570

فيه الخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب. وفي هذه الجملة إرشاد من الله تعالى لعباده المؤمنين بتذكيرهم بما يجب عليهم من حمده على نصر المرسلين المصلحين، وقطع دابر الظالمين المفسدين، وإيماء إلى وجوب ذكره في عاقبة كل أمر وخاتمة كل عمل، كما قال تعالى في وصف عباده المتقين: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ٤٦ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لكفار مكة ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾؛ أي: أخبروني إن أزال الله سمعكم وأبصاركم، فأصمكم وأعماكم، وطبع على قلوبكم، وأزال عقولكم حتى لا تعرفوا شيئًا، يعني: أذهب عنكم هذه الأعضاء أصلًا ﴿مَنْ إِلَهٌ﴾؛ أي: أيُّ فرد من الآلهة الثابتة بزعمكم ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ تعالى ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾؛ أي: بما أخذ عنكم من هذه الأعضاء ويردها لكم، والاستفهام فيه إنكاري؛ أي: ليس لكم إله يردها لكم، وإنما أفرد السمع وجمع ما بعده؛ لأن السمع مصدر لا يثنى ولا يجمع، بخلاف ما بعده. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بك وبما جئت به من التوحيد والهدى: أخبروني ماذا يكون من أمركم مع آلهتكم الذين تدعونهم مع الله، وترجون شفاعتهم إن أصمكم الله تعالى، فذهب بسمعكم وأعماكم، فذهب بأبصاركم وختم على قلوبكم، وطبع عليها فأصبحتم لا تسمعون قولًا، ولا تبصرون طريقًا، ولا تعقلون نفعًا ولا ضرًّا، ولا تدركون حقًّا ولا باطلًا؛ ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ بما ذكر مما أخذه الله منكم؛ أي: لا إله غيره يقدر على إتيانكم بما سلب، ولو كان ما اتخذتم من دونه من الأنداد والأولياء آلهة لقدروا على ذلك، وإذا كنتم تعلمون أنهم لا يقدرون، فلماذا تدعونهم؟ وما الدعاء إلا عبادة، والعبادة لا تكون إلا للإله القادر. ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ﴾ لهم ونكرر عليهم ﴿الْآيَاتِ﴾ الدالة على وحدانيتنا، ونتابع عليهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال والعبر، ونجعلها على وجوه شتى متغيرة من نوع إلى نوع آخر، فتارة بترتيب المقدمات العقلية، وتارة بطريق الترغيب والترهيب، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين ليعتبروا ويتذكروا، فينيبوا ويرجعوا إلى ربهم، فكل واحد يقوي ما قبله في الإيصال إلى المطلوب ﴿ثُمَّ هُمْ﴾؛ أي: كفار مكة بعد تصريف الآيات

стр. 3571

وتكريرها عليهم ﴿يَصْدِفُونَ﴾ ويعرضون عن تلك الآيات، ويتجنبون عن التأمل والتفكر فيها، ويلقونها وراء ظهورهم، و ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد إعراضهم عنها بعد ذكرها على الوجوه المختلفة، والغرض من هذه الجملة: تعجيب رسول الله ﷺ من عدم تأثرهم بما عاينوا من الآيات الباهرة. وروى أبو قرة إسحاق بن محمد المسيبي عن نافع (١): ﴿به انظر﴾ بضم الهاء، وهي قراءة الأعرج. وقرأ الجمهور بكسر هاء ﴿بِهِ﴾ في ﴿بِهِ انْظُرْ﴾. وقرأ بعض القراء: ﴿كيف نصرف﴾ من صرف الثلاثي. ٤٧ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾؛ أي: أخبروني يا أهل مكة عن شأنكم ﴿إِنْ أَتَاكُمْ﴾ وجاءكم ﴿عَذَابُ اللَّهِ﴾ الذي مضت سنة الله في الأولين بإنزاله بأمثالكم من المكذبين المعاندين ﴿بَغْتَةً﴾ وفجأة؛ أي: مباغتًا ومفاجئًا لكم، فأخذكم على غرة لم تتقدمه أمارات تشعركم بقرب نزوله بكم ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾؛ أي: أو أتاكم مجاهرًا ومعاينًا لكم وأنتم تعاينونه وتنظرون إليه بحيث ترون مبادئه ومقدماته بأبصاركم ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ حينئذ ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: هل يهلك الله به إلا القوم الظالمين منكم، الذين أصروا على الشرك والعناد والجحود، إذ قد مضت سنته تعالى في مثل هذا العذاب أن ينجي منه الرسل ومن اتبعهم من المؤمنين. والاستفهام هنا إنكاري. والخلاصة: أنه لا يهلك بهذا العذاب غيركم لظلمكم أنفسكم وجنايتكم عليها بما اخترتم لها من الشرك والفجور، وعبادة من لا يستحق العبادة، وترك عبادة من هو بها حقيق وجدير. فإن قلت: إن المصيبة إذا وقعت تعم الصالح والطالح، فلِمَ خص الكافر هنا بالهلاك؟ قلتُ: الجواب: إن هلاك الكفار سخط وغضب، وهلاك المؤمن إثابة ورفع درجات، فلا يسمى في الحقيقة هلاكًا. وقرأ ابن محيصن (٢): ﴿هل يهلك﴾ مبنيًّا للفاعل.

стр. 3572

٤٨ - ثم بين وظيفة الرسل، فقال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا﴾ حالة كونهم ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ من آمن بهم بالجنة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ من كفر بالعذاب، ولا قدرة لهم على إظهار المعجزات، بل ذلك مفوض إلى مشيئة الله تعالى؛ أي: وما نرسل المرسلين إلا ببشارة أهل الطاعة بالفوز بالجنة جزاء وفاقًا على طاعتهم، وبإنذار من أصر على الشرك والإفساد في الأرض بالعذاب؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حييَّ عن بينة. ﴿فَمَنْ آمَنَ﴾ وصدق من أرسلناه إليه من رسلنا ﴿وَأَصْلَحَ﴾؛ أي: أصلح اعتقاده وعمله بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من عذاب الدنيا الذي ينزل بالمكذبين الجاحدين، ولا من عذاب الآخرة الذي أعده الله تعالى للكافرين ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات ما بشروا به من الثواب العاجل والآجل؛ لأن الله يحفظهم من كل فزع وهول، كما قال سبحانه: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾، وكذلك هم لا يحزنون في الدنيا كحزن المشركين في شدته وطول مدته، فإذا عرض لهم الحزن بسبب صحيح؛ لموت ولد أو قريب، أو فقد مال أو قلة نصير، يكون حزنهم مقرونًا بالصبر وحسن الأسوة، فلا يضرهم في أنفسهم ولا في أبدانهم، ولا يغير شيئًا من أخلاقهم وعاداتهم، فالإيمان يعصمهم من عنت البأساء وبطر النعماء، مسترشدين بنحو قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾. ٤٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ التي أرسلنا بها رسلنا، ويبلغونها إلى الأمم ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يصيبهم العذاب في الدنيا أحيانًا عند الجحود والعناد، وفي الآخرة على سبيل الدوام والاطراد ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أي: بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعتنا جزاء كفرهم وإفسادهم وخروجهم عن أمر الله وطاعته، وارتكابهم مناهيه ومحارمه، وهذه الجملة مقابل لقوله: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ فكأنه قال: ومن لم يؤمن يمسهم العذاب.

стр. 3573

وقرأ علقمة (١): ﴿نمسهم العذاب﴾ بالنون المضمومة من أمس الرباعي، وأدغم الأعمش: ﴿العذاب بما﴾ كأبي عمرو. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: ﴿يفسقون﴾ بكسر السين. الإعراب ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. ﴿يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَسْمَعُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالْمَوْتَى﴾: مبتدأ ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ﴾ على كونها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُرْجَعُونَ﴾. ﴿يُرْجَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ على كونها خبر المبتدأ. وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب تركتها خوف الإطالة. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ الواو: استئنافية. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض. ﴿نُزِّلَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿آيَةٌ﴾: نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة لـ ﴿آيَةٌ﴾، أو متعلق بـ ﴿نُزِّلَ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب.

стр. 3574

﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿قَادِرٌ﴾: خبرها، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿عَلَى﴾ حرف جر. ﴿أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾ تقديره: على تنزيله آية، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿قَادِرٌ﴾. ﴿وَلَكِنَّ﴾ الواو: استئنافية. ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسمها ومضاف إليه. وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ مستأنفة. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو: استئنافية. ما: نافية. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿دَابَّةٍ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة دخول ﴿مِنْ﴾ الاستغراقية عليه، أو وصفه بما بعده. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿دَابَّةٍ﴾. ﴿وَلَا طَائِر﴾: معطوف على ﴿دَابَّةٍ﴾ تابع للفظه، وقرىء بالرفع تبعًا لمحله. ﴿يَطِيرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿طَائِرٍ﴾، والجملة صلة له. ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَطِيرُ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أُمَمٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾: صفة لـ ﴿أُمَمٌ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة. ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿فَرَّطْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرَّطْنَا﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿فَرَّطْنَا﴾ على تضمينه معنى ما أغفلنا، وما تركنا في الكتاب شيئًا يحتاج إليه من دلائل الإلهية؛ لأن فرطنا لا يتعدى إلا بواسطة حرف الجر إذا كان على معناه الأصلي، كما ذكره أبو حيان في "البحر". ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾. ﴿يُحْشَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق

стр. 3575

بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿صُمٌّ﴾: خبر المبتدأ. ﴿وَبُكْمٌ﴾: معطوف عليه، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثانٍ للمبتدأ تقديره: ضالون في الظلمات، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم كائنون في الظلمات. ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يَشَإِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: إضلاله. ﴿يُضْلِلْهُ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿وَمَن﴾ الواو: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يَشَأْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: هدايته. ﴿يَجْعَلْهُ﴾: فعل ومفعول أول مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿صِرَاطٍ﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام التعجبي. ﴿رأيت﴾: فعل وفاعل، وحد الفعل رأى، والتاء ضمير المخاطبين في محل الرفع فاعل مبني على الفتح، والكاف: حرف قال على خطاب الجماعة مبني على الضم، والميم علامة الجمع، والمفعول (١)
следующие страницы →