وتكريرها عليهم ﴿يَصْدِفُونَ﴾ ويعرضون عن تلك الآيات، ويتجنبون عن التأمل والتفكر فيها، ويلقونها وراء ظهورهم، و ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد إعراضهم عنها بعد ذكرها على الوجوه المختلفة، والغرض من هذه الجملة: تعجيب رسول الله ﷺ من عدم تأثرهم بما عاينوا من الآيات الباهرة.
وروى أبو قرة إسحاق بن محمد المسيبي عن نافع (١): ﴿به انظر﴾ بضم الهاء، وهي قراءة الأعرج. وقرأ الجمهور بكسر هاء ﴿بِهِ﴾ في ﴿بِهِ انْظُرْ﴾. وقرأ بعض القراء: ﴿كيف نصرف﴾ من صرف الثلاثي.
٤٧ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾؛ أي: أخبروني يا أهل مكة عن شأنكم ﴿إِنْ أَتَاكُمْ﴾ وجاءكم ﴿عَذَابُ اللَّهِ﴾ الذي مضت سنة الله في الأولين بإنزاله بأمثالكم من المكذبين المعاندين ﴿بَغْتَةً﴾ وفجأة؛ أي: مباغتًا ومفاجئًا لكم، فأخذكم على غرة لم تتقدمه أمارات تشعركم بقرب نزوله بكم ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾؛ أي: أو أتاكم مجاهرًا ومعاينًا لكم وأنتم تعاينونه وتنظرون إليه بحيث ترون مبادئه ومقدماته بأبصاركم ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ حينئذ ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: هل يهلك الله به إلا القوم الظالمين منكم، الذين أصروا على الشرك والعناد والجحود، إذ قد مضت سنته تعالى في مثل هذا العذاب أن ينجي منه الرسل ومن اتبعهم من المؤمنين. والاستفهام هنا إنكاري.
والخلاصة: أنه لا يهلك بهذا العذاب غيركم لظلمكم أنفسكم وجنايتكم عليها بما اخترتم لها من الشرك والفجور، وعبادة من لا يستحق العبادة، وترك عبادة من هو بها حقيق وجدير. فإن قلت: إن المصيبة إذا وقعت تعم الصالح والطالح، فلِمَ خص الكافر هنا بالهلاك؟
قلتُ: الجواب: إن هلاك الكفار سخط وغضب، وهلاك المؤمن إثابة ورفع درجات، فلا يسمى في الحقيقة هلاكًا.
وقرأ ابن محيصن (٢): ﴿هل يهلك﴾ مبنيًّا للفاعل.
стр. 3572
٤٨ - ثم بين وظيفة الرسل، فقال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا﴾ حالة كونهم ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ من آمن بهم بالجنة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ من كفر بالعذاب، ولا قدرة لهم على إظهار المعجزات، بل ذلك مفوض إلى مشيئة الله تعالى؛ أي: وما نرسل المرسلين إلا ببشارة أهل الطاعة بالفوز بالجنة جزاء وفاقًا على طاعتهم، وبإنذار من أصر على الشرك والإفساد في الأرض بالعذاب؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حييَّ عن بينة. ﴿فَمَنْ آمَنَ﴾ وصدق من أرسلناه إليه من رسلنا ﴿وَأَصْلَحَ﴾؛ أي: أصلح اعتقاده وعمله بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من عذاب الدنيا الذي ينزل بالمكذبين الجاحدين، ولا من عذاب الآخرة الذي أعده الله تعالى للكافرين ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات ما بشروا به من الثواب العاجل والآجل؛ لأن الله يحفظهم من كل فزع وهول، كما قال سبحانه: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾، وكذلك هم لا يحزنون في الدنيا كحزن المشركين في شدته وطول مدته، فإذا عرض لهم الحزن بسبب صحيح؛ لموت ولد أو قريب، أو فقد مال أو قلة نصير، يكون حزنهم مقرونًا بالصبر وحسن الأسوة، فلا يضرهم في أنفسهم ولا في أبدانهم، ولا يغير شيئًا من أخلاقهم وعاداتهم، فالإيمان يعصمهم من عنت البأساء وبطر النعماء، مسترشدين بنحو قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾.
٤٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ التي أرسلنا بها رسلنا، ويبلغونها إلى الأمم ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يصيبهم العذاب في الدنيا أحيانًا عند الجحود والعناد، وفي الآخرة على سبيل الدوام والاطراد ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أي: بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعتنا جزاء كفرهم وإفسادهم وخروجهم عن أمر الله وطاعته، وارتكابهم مناهيه ومحارمه، وهذه الجملة مقابل لقوله: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ فكأنه قال: ومن لم يؤمن يمسهم العذاب.
стр. 3573
وقرأ علقمة (١): ﴿نمسهم العذاب﴾ بالنون المضمومة من أمس الرباعي، وأدغم الأعمش: ﴿العذاب بما﴾ كأبي عمرو. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش: ﴿يفسقون﴾ بكسر السين.
الإعراب
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.
﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. ﴿يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَسْمَعُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالْمَوْتَى﴾: مبتدأ ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ﴾ على كونها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُرْجَعُونَ﴾. ﴿يُرْجَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ على كونها خبر المبتدأ. وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب تركتها خوف الإطالة.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ الواو: استئنافية. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض. ﴿نُزِّلَ﴾: فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿آيَةٌ﴾: نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة لـ ﴿آيَةٌ﴾، أو متعلق بـ ﴿نُزِّلَ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب.
стр. 3574
﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿قَادِرٌ﴾: خبرها، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿عَلَى﴾ حرف جر. ﴿أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾ تقديره: على تنزيله آية، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿قَادِرٌ﴾. ﴿وَلَكِنَّ﴾ الواو: استئنافية. ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسمها ومضاف إليه. وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ مستأنفة.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
﴿وَمَا﴾ الواو: استئنافية. ما: نافية. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿دَابَّةٍ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة دخول ﴿مِنْ﴾ الاستغراقية عليه، أو وصفه بما بعده. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿دَابَّةٍ﴾. ﴿وَلَا طَائِر﴾: معطوف على ﴿دَابَّةٍ﴾ تابع للفظه، وقرىء بالرفع تبعًا لمحله. ﴿يَطِيرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿طَائِرٍ﴾، والجملة صلة له. ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَطِيرُ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أُمَمٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾: صفة لـ ﴿أُمَمٌ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة.
﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.
﴿مَا﴾: نافية. ﴿فَرَّطْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿فِي الْكِتَابِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرَّطْنَا﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿فَرَّطْنَا﴾ على تضمينه معنى ما أغفلنا، وما تركنا في الكتاب شيئًا يحتاج إليه من دلائل الإلهية؛ لأن فرطنا لا يتعدى إلا بواسطة حرف الجر إذا كان على معناه الأصلي، كما ذكره أبو حيان في "البحر". ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾. ﴿يُحْشَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ الواو: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق
стр. 3575
بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿صُمٌّ﴾: خبر المبتدأ. ﴿وَبُكْمٌ﴾: معطوف عليه، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثانٍ للمبتدأ تقديره: ضالون في الظلمات، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم كائنون في الظلمات. ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يَشَإِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: إضلاله. ﴿يُضْلِلْهُ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة.
﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
﴿وَمَن﴾ الواو: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يَشَأْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: هدايته. ﴿يَجْعَلْهُ﴾: فعل ومفعول أول مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿صِرَاطٍ﴾، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الهمزة للاستفهام التعجبي. ﴿رأيت﴾: فعل وفاعل، وحد الفعل رأى، والتاء ضمير المخاطبين في محل الرفع فاعل مبني على الفتح، والكاف: حرف قال على خطاب الجماعة مبني على الضم، والميم علامة الجمع، والمفعول (١)
стр. 3576
الأول لـ ﴿رأيت﴾، والجملة الاستفهامية التي سدت مسد المفعول الثاني لها محذوفان، والتقدير: أرأيتكم عبادتكم الأصنام، هل تنفعكم؟ أو: اتخاذكم غير الله إلهًا هل يكشف ضركم؟ ونحو ذلك، فعبادتكم أو اتخاذكم مفعول أول، والجملة الاستفهامية سادة مسد الثاني، والمعنى: أخبروني عن حال عبادتكم الأصنام، هل تنفعكم إن أتاكم عذاب الله أم لا؟ وجملة ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية معطوف على ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾، وجواب الشرط محذوف دل عليه الاستفهام في قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، والتقدير: إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة .. دعوتم الله تعالى لا غيره، والجملة الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري. ﴿غَيْرَ اللَّهِ﴾: مفعول مقدم لـ ﴿تَدْعُونَ﴾. ولفظ الجلالة مضاف إليه. ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾؛ أي: قل لهم: لا تدعون غير الله حينئذ. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص، واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿صَادِقِينَ﴾: خبر كان، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينفع .. فادعوه، والجملة الشرطية في محل النصب مقول القول.
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾.
﴿بَلْ﴾: حرف للإضراب الانتقالي عن النفي الذي علم من الاستفهام. ﴿إِيَّاهُ﴾: ضمير نصب في محل النصب مفعول مقدم. ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿فَيَكْشِفُ﴾: الفاء: حرف عطف وسبب. ﴿يكشف﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَدْعُونَ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿يكشف﴾. ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿إِلَيْهِ﴾. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿شَاءَ﴾: فعل شرط في محل الجزم بـ ﴿إن﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، وجواب الشرط
стр. 3577
محذوف تقديره: إن شاء يكشف، والجملة الشرطية في محل النصب مقول القول ﴿وَتَنْسَوْنَ﴾: فعل وفاعل ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول. ﴿تُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما تشركونه، وجملة ﴿تنسون﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قل﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لقد﴾ اللام موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب لقسم محذوف تقديره: وأقسم والله لقد أرسلنا، وجملة القسم المحذوف مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَى أُمَمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أخذناهم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾ على كونها جواب القسم. ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أخذنا﴾. ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: معطوف على ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل: حرف ترج ونصب، والهاء: اسمها، وجملة ﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾ خبر لعل، وجملة لعل مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾.
﴿فَلَوْلَا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿لو﴾: حرف تحضيض. ﴿إذْ﴾ ظرف لما مضى. ﴿جَاءَهُم﴾: فعل ومفعول. ﴿بَأْسُنَا﴾: فاعل ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿تَضَرَّعُوا﴾ فصل به بين حرف التحضيض وما دخل عليه، وهو جائز. ﴿تَضَرَّعُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، والتقدير: فلولا تضرعوا إذ جاءهم بأسنا. ﴿وَلَكِنْ﴾ الواو: عاطفة ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾. ﴿وَزَيَّنَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به. ﴿الشَّيْطَانُ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَسَتْ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول
стр. 3578
به لـ ﴿زين﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر ﴿كَانُوا﴾، وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾، أو صف لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يعملونه.
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿نَسُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول به. ﴿ذُكِّرُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾، وجملة ﴿نَسُوا﴾ فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿فَتَحْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه، وجملة ﴿فَتَحْنَا﴾ جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ مستأنفة.
﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.
﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء لدخولها على الجملة، وحرف غاية؛ لكون ما بعدها غاية لما قبلها. ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمَّن معنى الشرط في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿فَرِحُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿إذا﴾ في محل الخفض بها. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿أُوتُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما أوتوه. ﴿أَخَذْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿بَغْتَةً﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: أخذ بغتة، أو حال من الفاعل؛ أي: أخذناهم باغتين، أو من المفعول؛ أي: مبغوتين، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ على كونها غاية لما قبلها، والتقدير: فتحنا عليهم أبواب كل شيء إلى أخذنا إياهم وقت فرحهم بما أوتوا. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿إذا﴾: حرف فجأة. ﴿هُم﴾: مبتدأ. ﴿مُبْلِسُونَ﴾: خبره، والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿أَخَذْنَاهُمْ﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب وقال أبو البقاء: ﴿إذا﴾ هنا
стр. 3579
للمفاجأة، وهي ظرف مكان، وهي مبتدأ ﴿مُبْلِسُونَ﴾: خبره، وهو العامل في ﴿إذا﴾.
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾.
﴿فَقُطِعَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قطع دابر﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿الْقَوْمِ﴾: مضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿أخذنا﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: صفة للجلالة، والجملة الإسمية مستأنفة.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قل﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والميم علامة جمع المخاطبين، والمفعول الأول محذوف تقديره: أرأيتم سمعكم وأبصاركم إن أخذهما الله، والجملة الاستفهامية الآتية في موضع المفعول الثاني، والجملة الفعلية، في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾، ولم يؤتَ (١) هنا بكاف الخطاب وأتى به هناك؛ لأن التهديد هناك أعظم، فناسب التأكيد بالإتيان بكاف الخطاب، ولما لم يؤت بالكاف .. وجب ثبوت علامة الجمع في التاء؛ لئلا يلتبس، ولو جيء معها بالكاف لاستغني بها. ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾: حرف شرط وفعل وفاعل ومفعول. ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾: معطوف على ﴿سَمْعَكُمْ﴾. ﴿وَخَتَمَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم معطوف على ﴿أَخَذَ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: متعلق به، وجواب الشرط محذوف تقديره: أغير الله يأتيكم به، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿إِلَهٌ﴾: خبره. ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفة أولى لـ ﴿إِلَهٌ﴾. ﴿يَأْتِيكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِلَهٌ﴾،
стр. 3580
والجملة صفة ثانية لـ ﴿إِلَهٌ﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يأتي﴾، والجملة الاستفهامية في محل النصب واقعة موضع المفعول الثاني لرأيت، كما مرَّ. ﴿انْظُرْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الحال، والعامل فيه ﴿نُصَرِّفُ﴾ أو منصوب على التشبيه بالظرف، وهي معلقة لـ ﴿انْظُرْ﴾ فهي في محل نصب بإسقاط حرف الجر. ﴿نُصَرِّفُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الْآيَاتِ﴾: مفعول به، وجملة ﴿نُصَرِّفُ﴾ في محل النصب مفعول ﴿انْظُرْ﴾ معلقة عنها باسم الاستفهام. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَصْدِفُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿نُصَرِّفُ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾: الهمزة للاستفهام التعجبي. ﴿رأيت﴾: فعل وفاعل، والكاف: حرف خطاب، والميم: علامة الجمع، والمفعول الأول لها محذوف تقديره: أخبروني حالكم وشأنكم إن أتاكم عذاب الله، والمفعول الثاني جملة الاستفهام الآتية، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿أَتَاكُمْ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾. ﴿عَذَابُ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه. ﴿بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾: حالان من ﴿عَذَابُ اللَّهِ﴾؛ أي: مباغتًا أو مجاهرًا، أو منصوبان على المفعولية المطلقة، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب الله ما يهلك إلا القوم الظالمون، وجملة الشرط في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري. ﴿يُهْلَكُ﴾: فعل مضارع مغيَّر الصيغة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الْقَوْمُ﴾: فاعل. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: صفته، وجملة الاستفهام في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾.
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾.
стр. 3581
﴿وَمَا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿نُرْسِلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿مُبَشِّرِينَ﴾: حال من ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾: معطوف عليه ﴿فَمَنْ آمَنَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ثمرة إرسال المرسلين، وأردت بيان حال من آمن بهم أو كفر .. فأقول لك: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾: ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿ءَامَنَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿وَأَصْلَحَ﴾: في محل الجزم معطوف على ﴿آمَنَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿فَلَا﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية. ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ليس. ﴿خَوْفٌ﴾: اسمها مرفوع. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾ تقديره: فلا خوف كائنًا عليهم، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿لا﴾: زائدة زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَحْزَنُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿الذين﴾: مبتدأ. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿بِمَا﴾: الباء: حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْسُقُونَ﴾ خبر كان، وجملة كان صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها ذهب تأويل مصدر
стр. 3582
مجرور بالباء تقديره: بسبب فسقهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يمسهم﴾. وعبارة "الجمل" هنا: قوله: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ يجوز في ﴿من﴾ أن تكون شرطية، وأن تكون موصولة، وعلى كلا التقديرين فمحلها رفع بالابتداء، والخبر: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، فإن كانت شرطية .. فالفاء في جواب الشرط، وإن كانت موصولة .. فالفاء زائدة لشبه الموصول بالشرط، وعلى الأول يكون محل الجملتين الجزم، وعلى الثاني لا محل للأولى؛ لأنها صلة الموصول، ومحل الثانية الرفع على الخبرية، وحمل على اللفظ فأفرد في: ﴿ءَامَنَ﴾، وعلى المعنى فجمع في: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ويقوي كونها موصولة مقابلتها بالموصول بعدها في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ اهـ "سمين" انتهت.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ يستجيب من استجاب، من باب استفعل، فالسين والتاء فيه زائدتان ليستا للطلب، فهو بمعنى: يجيب، يقال: أجاب (١) الدعوة إذا أتى ما دعى إليه من قول أو عمل، وأجاب الداعي، واستجاب له واستجاب دعاءه إذا لباه، وقام بما دعاه إليه. والقرآن الكريم استعمل أفعال الإجابة في المواضع التي تدل على حصول المسؤول كله بالفعل دفعة واحدة، واستعمل أفعال الاستجابة في المواضع المفيدة لحصول المسؤول بالتهيؤ والاستعداد، كقوله ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ إذ الآية نزلت في وقعة حمراء الأسد بعد وقعة أحد، فالمراد: أنهم تهيؤوا للقتال، أو الأفعال المفيدة للدلالة على حدوث الفعل بالتدريج، كاستجابة دعوة الدين التي تبدأ بالنطق بالشهادتين، ثم بباقي أعماله بالتدريج. والاستجابة من الله يعبَّر بها في الأمور التي تقع في المستقبل، ويكون من شأنها أن تقع بالتدريج، كاستجابة الدعاء بالوقاية من النار بالمغفرة، وتكفير السيئات، وإيتاء ما وعد المؤمنين في الآخرة كما قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ
стр. 3583
مِنْكُمْ﴾ الآية.
والسمع والسماع يطلق على إدراك الصوت، وعلى فهم ما يسمع من الكلام - وهو ثمرة السمع - وعلى قَبول ما يفهم والعمل به، وهذا ثمرة الثمرة. والموتى: جمع ميت كقتيل جمع قتلى، والمراد بالموتى هنا: الكفار الراسخون في الكفر، المطبوع على قلوبهم، الميؤوس من سماعهم سماع تدبر تتبعه الاستجابة للداعي.
﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ من بعث يبعث من باب فتح، والبعث لغة: إثارة الشيء وتوجيهه، يقال: بعثت البعير؛ أي: أثرته من مبركه وسيرته إلى المرعى ونحوه.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ لولا: كلمة تحضيض تفيد الحث على حصول ما بعدها؛ لأن التحضيض معناه الطلب بحث وإزعاج، والآية المعجزة المخالفة لسنن الله في خلقه.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ والدابة: كل ما يدب على الأرض من الحيوان، مأخوذة من دب يدب بالكسر - من باب ضرب - دبًّا ودبيبًا إذا مشى مشيًا فيه تقارب خطو، والدبيب: المشي الخفيف، وكل ماشٍ على الأرض دابة، وقولهم: أكذب من دب ودرج؛ أي: أكذب الأحياء والأموات. والطائر: كل ذي جناح يسبح في الهواء، وجمعه: طير، كراكبٍ وركب.
والجناح (١): أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء، وأصله: الميل إلى ناحية من النواحي، وإنما قيد بجناحيه لدفع الإيهام؛ لأن العرب تستعمل الطيران لغير الطير، كقولهم: طر في حاجتي؛ أي: أسرع فيها، وقيل: إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران، ومع عدم الاعتدال يميل، فأعلمنا سبحانه أن الطيران بالجناحين. وقيل: ذكر الجناحين. للتأكيد كضرب بيده، وأبصر بعينه، ونحو ذلك. والأمم: جمع أمة، وهي كل
стр. 3584
جماعة يجمعهم أمر واحد، كدين واحد أو زمان واحد، أو مكان واحد، أو صفات وأفعال واحدة أمثالكم جمع مثل، كأحمال وحمل، والمثل بمعنى: المثيل؛ أي: الشبيه.
﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ فرط من باب فعَّل المضعف، والتفريط في الأمر: التقصير فيه وتضييعه حتى يفوت يقال: فرطه وفرط فيه إذا ضيعه وقصر فيه.
﴿فِي الْكِتَابِ﴾ الكتاب هنا: هو اللوح المحفوظ، وقيل: القرآن. والحشر: هو الجمع والسوق.
﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ جمع: أصم وأبكم، كغر وأغر، وحمر وأحمر.
﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾: هو عبارة عن العمى، كما في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾، والمراد (١) به: بيان كمال عراقتهم في الجهل بسوء الحال، فإن الأصم الأبكم إذا كان بصيرًا ربما يفهم شيئًا بإشارة غيره، وإن لم يفهمه بعبارته، وكذا ربما يفهم ما في ضميره بإشارته وإن كان عاجزًا عن العبارة، وأما إذا كان مع ذلك أعمى، أو كان في الظلمات، فينسد عليه باب الفهم والتفهيم بالكلية. اهـ "أبو السعود".
﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ بمعنى: أخبروني، وهو أسلوب يذكر للتعجيب والتنبيه إلى أن ما يذكر بعده غريب عجيب، تقوم به الحجة على المخالف. ﴿فَيَكْشِفُ﴾؛ أي: فيزيل ما تدعونه إلى كشفه إن شاء، من كشف الشيء عن الشيء يكشف - من باب ضرب - إذا أزاله عنه ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾؛ أي: عاقبناهم بالبأساء والضراء. وفي "المصباح": يقال: أخذه الله إذا أهلكه وأخذه بذنبه: عاقبه عليه، وآخذه بالمد كذلك انتهى.
﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ صيغتا تأنيث لا مذكر لهما على أفعل، كأحمر وحمراء، كما هو القياس، فإنه لا يقال: أضرر ولا: أبأس صفةً، بل للتفضيل. والبأساء: تطلق على الحرب والمشقة، والبأس: الشدة في الحرب، والعذاب الشديد،
стр. 3585
والقوة والشجاعة، والضراء: من الضر ضد النفع. ﴿تَضَرَّعُوا﴾ من باب تفعل الخماسي يقال: تضرع إليه إذا أظهر الضراعة والخضوع له بتكلف، والتضرع تفعل من الضراعة، وهي الذلة والهيئة المنبئة عن الانقياد إلى الطاعة، يقال: ضرع يضرع ضراعة من باب فتح، فهو ضارع وضرع، قال الشاعر:
لِيُبْكَ يَزِيْدٌ ضَارعٌ لِخُصُوْمَةٍ ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيْحُ الطَّوَائِحُ
أي: ذليل ضعيف، وللسهولة والتذلل المفهومة من هذه المادة اشتقوا منها للثدي اسمًا، فقالوا له: ضرع.
﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: صلبت وغلظت عن قبول الحق من القسوة؛ لأنه من قسا يقسو من باب دعا يدعو، فهو ناقص واوي أصله: قسوت، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف، فصار: قست بوزن فَعَت ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ والأخذ بالبأساء والضراء: إنزالهما بهم فجأة. ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ جمع: مبلس، وهو اليائس المنقطع رجاؤه من الإبلاس، وهو الحزن الحاصل من شدة اليأس، ومنه اشتق إبليس، لشدة يأسه من رحمة الله.
وفي "المختار": أبلس من رحمة الله؛ أي: يئس، والإبلاس أيضًا الانكسار والحزن، يقال: أبلس فلان إذا سكت غمًّا. اهـ. فمبلسون بمعنى: متحسرون يائسون من النجاة.
﴿دَابِرُ الْقَوْمِ﴾؛ أي: آخرهم الذي يكون في أدبارهم، وقطع دابرهم؛ أي: هلكوا واستئصلوا بالعقاب، ولم يبق منهم أحد. ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ يقال: صرف الشيء إذا كرره على وجوه مختلفة، ومنه تصريف الرياح ﴿يَصْدِفُونَ﴾؛ أي: يعرضون عن ذلك، يقال: صدف عن الشيء إذا أعرض عنه صدفًا وصدوفًا، وصادفته: لقيته عن إعراض عن جهته. وفي "المختار": صدف عنه: أعرض عنه، وبابه: ضرب وجلس، وأصدفه عن كذا: إذا أماله عنه. اهـ.
стр. 3586
﴿بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ والمراد (١) بالبغتة: العذاب الذي يأتيهم فجأة من غير سبق علامة، والمراد بالجهر: العذاب الذي يأتيهم مع سبق علامة تدل عليه.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: بلحوق العذاب.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: بفوات الثواب.
﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ والمس: اللمس باليد، ويطلق على ما يصيب المدرك مما يسوء غالبًا، من ضر وشر وكبر ونصب وعذاب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾؛ لأنه شبه الكفار بالموتى بجامع عدم العقل في كلٍ، واستعير اسم المشبه به وهو الموتى للمشبه وهو الكفار، على طريقة الاستعارة التصريحية.
وقال أبو حيان (٢): وتشبيه الكافر بالميت من حيث إن الميت جسده خالٍ من الروح، فيظهر منه النتن والصديد والقيح وأنواع العفونات، وأصلح أحواله دفنه تحت التراب، والكافر روحه خالية عن العقل، فيظهر منه جهله بالله تعالى ومخالفته لأمره، وعدم قبوله لمعجزات الرسل، وإذا كانت روحه خالية من العقل .. كان مجنونًا، فأحسن أحواله أن يقيد؛ أي: يحبس، فالعقل بالنسبة إلى الروح، كالروح بالنسبة إلى الجسد. انتهى.
ومنها: التجريد في قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾؛ لأن الطائر يندرج في الدابة.
فذكر (٣) الطائر بعد ذكر الدابة تخصيص بعد تعميم، وذكر بعض من كل، فصار من باب التجريد.
ومنها: التأكيد بقوله: ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ لدفع توهم المجاز في طائر مع كون
стр. 3587
جناحيه ترشيحًا له؛ لأن الطائر قد يستعمل مجازًا للعمل، كما في قوله تعالى: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾؛ أي: كالصم البكم في عدم السماع وعدم الكلام، فحذفت منه الأداة ووجهه الشبه.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾؛ لأنه شبه كفرهم وجهلهم وضلالتهم بالظلمات الحسية، بجامع عدم الاهتداء في كل إلى المقصود، وفي قوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ لأنه شبه الأسباب التي هيأها الله لهم، المقتضية لبسط الرزق عليهم بالأبواب، بجامع الوصول إلى المقصود في كل على طريقة الاستعارة التصريحية.
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ لتهويل ما فتح عليهم وتعظيمه.
ومنها: القصر في قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾؛ أي: لا تدعون غيره لكشف الضر، فهو قصر صفة على موصوف.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وفي قوله: ﴿تَضَرَّعُوا﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ﴾؛ لأنه كناية عن إهلاكهم بعذاب الاستئصال.
ومنها: الحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 3588
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما (١) كان الكلام في الآيات السالفة في بيان أركان الدين، وأصول العقائد، وهي توحيد الله ، ووظيفة الرسل ﵈، والجزاء على الأعمال يوم الحساب .. ذكر هنا وظيفة الرسل العامة بتطبيقها على خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه، وأزال أوهام الناس فيها، وأرشد إلى أمر الجزاء في الآخرة، وكون الأمر فيه لله تعالى وحده على وجه يزيد عقيدة التوحيد تقريرًا وتأكيدًا وبيانًا وتفصيلًا.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا ...﴾ الآية، مناسبة هذه
стр. 3589
الآية لما قبلها: أن الله لما نهى نبيه عن طرد المستضعفين من حضرته استمالةً لكبراء المتكبرين من قومه، وطمعًا في إقبالهم عليه وسماعهم لدعوته، كما اقترحه بعض المشركين .. أمر بأن يلقى الذين يدخلون في الإِسلام آنًا بعد آنٍ عن بينة وبرهان بالتحية والسلام والتبشير برحمة الله ومغفرته، فقد كان السواد الأعظم من الناس كافرين؛ إما كفر جحود وعناد، وإما كفر جهل وتقليد للآباء والأجداد، وكان يدخل في الإِسلام الأفراد بعد الأفراد، وكان أكثر السابقين من المستضعفين والفقراء، وكان النبي ﷺ يكون تارة معهم يعلمهم ويرشدهم، وتارة يتوجه إلى أولئك الكافرين يدعوهم وينذرهم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...﴾ الآية مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله لما ذكر فيما سلف أنه يفصِّل الآيات ليظهر الحق، وليستبين سبيل المجرمين .. ذكر هنا أنه نهى عن سلوك سبيلهم، وهو عبادة غير الله، وأن هذه العبادة إنما هي بمحض الهوى والتقليد، لا بسبيل الحجة والبرهان، فهي جمادات وأحجار ينحتونها بأيديهم، ويركبونها، ثم يعبدونها.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...﴾ سبب نزولها: ما (٢) رواه ابن حبان والحاكم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة: أنا، وعبد الله بن مسعود، وأربعة، قالوا لرسول الله ﷺ : اطردهم، فإنا نستحيي أن نكون تبعًا لك كهؤلاء، فوقع في نفس النبي ﷺ ما شاء الله، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا ...﴾ إلى قوله: ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ سبب نزولها: ما روى أحمد والطبراني وابن أبي حاتم عن ابن مسعود
стр. 3590
قال: مرَّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ ، وعنده خباب بن الأرت، وصهيب، وبلال، وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك، وهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟ لو طردت هؤلاء .. تبعناك، فأنزل الله فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: جاء عنبسة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا: لو أن ابن أخيك يطرد عنه هؤلاء العبيد .. كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه، فكلم أبو طالب النبي ﷺ ، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، وكانوا بلالًا، وعمار بن ياسر، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وصالحًا مولى أسيد، وابن مسعود، والمقداد بن عبد الله، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وأشباههم، فأقبل عمر، فاعتذر من مقالته، فنزل: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما عن خباب قال: جاء الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فوجدا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم، فأتوه فخلوا به، فقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك .. فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا .. فاقعد معهم إن شئت، قال: "نعم"، فنزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...﴾ الآية، ثم ذكر الأقرع وصاحبه فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية، وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فنزلت: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية. قال ابن كثير: هذا حديث غريب، فإن الآية مكية، والأقرع وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ماهان قال: جاء ناس إلى النبي ﷺ ، فقالوا: إنا أصبنا ذنوبًا عظامًا، فما رد عليهم شيئًا، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ
стр. 3591
يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٥٠ - ﴿قُلْ﴾ يا أيها الرسول الذي بعث، كما بعث غيره من الرسل مبشرًا من أجاب دعوته بحسن الثواب، ومنذرًا من لم يقبلها بسوء العقاب لهؤلاء المكذبين لك بغير علم، يميزون به بين شؤون الألوهية وحقيقة النبوة، فيقترحون عليك من الآيات الكونية ما يعلمون أنه ليس في مقدور البشر، فهم إما أن يقولوه تعجيزًا، وإما أن يظنوا أن الإنسان لا يكون رسولًا إلا إذا خرج من حقيقة البشرية، وصار قادرًا على ما لا يقدر عليه البشر، وعالمًا بكل ما يعجز عنه علم البشر. ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أيها المشركون من أهل مكة ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾؛ أي: مفاتيح الأمكنة التي يحفظ فيها أرزاق الله، أتصرف في ما خزنه وحفظه فيها من أرزاق العباد وشؤون المخلوقات، فكل هذا لله وحده، يتصرف فيه بما يشاء، فيعطي لعباده من خزائنه بحسب ما أوتي كل منهم من الاستعداد في دائرة ارتباط الأسباب بالمسببات، ولا يقدر أحد أن يتجاوز ذلك إلى ما لم يؤته، ولم يصل إليه استعداده، والمعنى: ليس عندي خزائن الرزق فأعطيكم منها ما تريدون؛ لأنهم كانوا يقولون للنبي ﷺ : إن كنت رسولًا من الله تعالى، فاطلب لنا منه أن يوسع عيشنا، ويغني فقرنا، فأخبر أن ذلك بيد الله تعالى لا بيدي.
فالتصرف المطلق إنما هو لله القادر على كل شيء، وليس من موضوع الرسالة أن يكون الرسول المبلغ عنه أمر الدين قادرًا على ما لا يقدر عليه البشر من التصرف في المخلوقات بالأسباب، فضلًا عن التصرف بغير سبب مما طلبه المشركون منه، وجعلوه شرطًا للإيمان به، كتفجير الينابيع والأنهار في أرض مكة، وإيجاد الجنات والبساتين فيها، وإسقاط السماء عليهم كسفًا، والإتيان بالله والملائكة قبيلًا. ﴿وَلَا﴾ أقول لكم: إني ﴿أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فأخبركم بما مضى وما سيقع في المستقبل، وذلك أنهم قالوا له: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعد لتحصيل المصالح ودفع المضار، فأجابهم بقوله: ﴿ولا أعلم الغيب﴾ فأخبركم بما تريدون.
стр. 3592
فصل في بحث الغيب
والغيب (١) ما غيب علمه عن الناس بعدم تمكينهم من أسباب العلم به، وهو قسمان:
١ - غيب حقيقي، وهو ما غاب عن جميع الخلق حتى الملائكة، وهو المعنيّ بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
٢ - غيب إضافي، وهو ما غاب علمه عن بعض المخلوقين دون بعض، كالذي يعلمه الملائكة من أمر عالمهم وغيره لا يعلمه البشر.
أمّا يعلمه بعض البشر بتمكينهم من أسبابه واستعمالهم لها، ولا يعلمه غيرهم لجهلهم بتلك الأسباب أو عجزهم عن استعمالها، فليس بداخل في عموم الغيب الوارد في كتاب الله، وهذه الأسباب ضروب:
١ - ما هو علمي كالدلائل العقلية والعلمية، فعلماء الرياضة يستخرجون من دقائق المجهولات ما يعجز عنه أكثر الناس، ويضبطون ما يقع من الخسوف والكسوف بالدقائق والثواني قبل وقوعه بألوف الأعوام.
٢ - ما هو عملي كالبرق الأثيري [التلغراف اللاسلكي] الذي يعلم به المرء ما يقع في أقاصي البلاد من وراء البحار، وبينه وبينها ألوف الأميال.
٣ - ما هو إدراكات نفسية خفية تصل إلى مرتبة العلم، كالفراسة والإلهام، وأكثر هذا النوع هواجس تلوح للنفس، ولا يجزم بها الإنسان إلا بعد وقوعها.
فإن قلت (٢): إن الله تعالى أثبت علم الغيب المتعلق بالرسالة للرسل ﵈، كقوله في سورة الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، فكيف أمره هنا أن يتنصل من ادعاء علم الغيب؟
قلتُ: إن إظهار شيء خاص من عالم الغيب على يدي الرسل، لا يجعل ذلك داخلًا في علومهم الكسبية، فإن الوحي ضرب من العلم الضروري، يجده النبي في نفسه حينما يظهره الله عليه، فهذا حبس عنه .. لم يكن له قدرة ولا وسيلة
стр. 3593
كسبية للوصول إليه. يؤيد ذلك ما جاء في فترات الوحي في السيرة النبوية، وقد يكون توجّه قلب الرسول إلى الله تعالى في بعض الحوادث مقدمة لنزول الوحي في الحكم الذي طلب من ربه بيانه. يرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.
والخلاصة: أن الأنبياء لم يعطوا علم الغيب بحيث يكون إدراكه من علومهم المكتسبة، كذلك لم يعطوا التصرف في خزائن ملك الله تعالى، فلم يمكّنهم ما لم يمكِّن من أسبابه حتى يكون من كسبهم وعملهم، ولا هو أعطاهم ذلك على سبيل الخصوصية.
ونفي ادعاء الرسول من الأمرين يتضمن التبرؤ من ادعاء الألوهية، أو ادعاء شيء من صفات الإله القادر على كل شيء، العلم بكل شيء، ويتضمن جهل المشركين حقيقةَ الألوهية وحقيقة الرسالة، فقد اقترحوا عليه من الأعمال ما لا يقدر عليه إلا من له التصرف فيما وراء الأسباب، وطلبوا منه الإخبار بما يكون في الزمان المستقبل ولا يعلمه إلا من كان علم الغيب صفةً له كسائر الصفات، فقد سألوه عن وقت الساعة، وعن وقت نزول العذاب بهم، وعن وقت نصر الله تعالى له عليهم. وإذا علمت أن الأنبياء لم يؤتوا ذلك .. فأحر بمن دونهم منزلة عند الله تعالى من القديسين والأولياء المقربين أن لا يكون لهم ذلك، فادعاؤه لهم جهل عظيم وإثم كبير، ولا ينبغي التحدث به لا بين العامة ولا بين الخاصة، كما يجب محوه من الأذهان لدى الجاهلين سنن الله في الأكوان. ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أشاهد من أمر الله ما لا يشاهده البشر، وأقدر على ترك الأكل والشرب والنكاح، وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتزوج النساء؟ ثم أمره أن يبيِّن وظيفة الرسول، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾؛ أي: ما أَتبع فيما أقول لكم وأدعوكم إليه ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾؛ أي: إلا وحي الله الذي يوحيه إليَّ، وتنزيله الذي ينزله عليَّ، فامضي لوحيه وأعمل بأمره، وقد أتيتكم بالحجج القاطعة على صحة ما أقول، وليس ذلك بالمنكر في عقولكم، ولا بالمستحيل وجوده، فما وجه إنكاركم لذلك؟
ثم وبخهم على ضلالهم وعنادهم، فأمر رسوله أن يبيِّن لهم أن الضال
стр. 3594
والمهتدي لا يستويان، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾؛ أي: هل يستوي أعمى البصيرة الضال عن الصراط المستقيم - الذي دعوتكم إليه - فلم يميز بين التوحيد والشرك، ولا بين صفات الله وصفات البشر، وذو البصيرة المهتدي إليه، المستقيم في سيره عليه بالحجة والبرهان، حتى صار ذلك في مرآة قلبه أوضح مما ترى العينان وتسمع الآذان؟.
والخلاصة: أنهما لا يستويان، كما أن أعمى العينين وبصيرهما لا يستويان.
﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ الهمزة فيه داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تسمعون الحق فلا تتفكرون فيما أذكر لكم من الحجج، وتتأملون فيه، فتعلموا صحة ما أقول لكم وأدعوكم إليه، وتميزوا بين ضلال الشرك وهداية الإِسلام، وتعقلوا ما في القرآن من ضروب الهداية والعرفان بذلك الأسلوب الرائع الذي لم تعهدوه من قبل، فهل يكون ذلك في مقدوري، وقد لبثت فيكم عمرًا من قبل عاطلًا من هذه المعرفة، وتلك البلاغة الساحرة، وذلك البيان الخلاب؟
٥١ - وبعد أن أمره بتبليغ الناس حقيقة رسالته أمره بإنذار من يخشون الحساب والجزاء، فقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾؛ أي: وخوف يا محمد بما يوحى إليك من القرآن وغيره المؤمنين بالله تعالى ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ ويخشون ﴿أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ ويرجعوا إليه للمحاسبة والمجازاة، ويخافون أهوال الحشر وشدة الحساب، وما يتبع ذلك من الجزاء على الأعمال عند القدوم على الله في ذلك اليوم الذي لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾ يوم لا ولي ينصر، ولا شفيع يدفع العذاب إن أريد النجاة منه، بل أمر ذلك متوقف على مرضاة الله تعالى.
قال (١) ابن عباس: المراد بـ ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾: المؤمنون؛ لأنهم يخافون يوم القيامة وما فيه من شدة الأهوال، وقيل معنى: ﴿يَخَافُونَ﴾: يعلمون، والمراد
стр. 3595
بهم: كل معترف بالبعث من مسلم وكتابي، وإنما خص الذين يخافون الحشر بالذكر دون غيرهم، وإن كان إنذاره ﷺ لجميع الخلائق؛ لأن الحجة عليهم أوكد من غيرهم لاعترافهم بصحة المعاد والحشر. وقيل: المراد بهم: الكفار؛ لأنهم لا يعتقدون صحته، ولذلك قال: يخافون أن يحشروا إلى ربهم، وجملة قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون الله تعالى ﴿وَلِيٌّ﴾؛ أي: قريب ينفعهم ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يشفع لهم، في محل النصب حال من ضمير ﴿يُحْشَرُوا﴾؛ أي (١): أنذر به هؤلاء الذين يخافون الحشر حال كونهم لا ولي لهم يواليهم، ولا ناصر يناصرهم، ولا شفيع يشفع لهم من دون الله تعالى، وفيه ردٌّ على من زعم من الكفار المعترفين بالحشر أن آباءهم يشفعون لهم، وهم أهل الكتاب، أو أن أصنامهم تشفع لهم، وهم المشركون.
ثم إن (٢) فسرنا ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أن المراد بهم: الكفار، فلا إشكال عليه، لقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، وإن فسرناهم بالمؤمنين .. ففيه إشكال؛ لأنه قد ثبت بصحيح النقل شفاعة نبينا محمد ﷺ للمذنبين من أمته، وكذلك تشفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون بعضهم لبعض. والجواب عن هذا الإشكال أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله، لقوله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وإذا كانت الشفاعة بإذن الله .. صح قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ يعني: حتى يأذن الله لهم في الشفاعة، فإذا أذن فيها كان للمؤمنين ولي وشفيع.
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: بإقلاعهم عما هم فيه، وعمل الطاعات متعلق بأنذر؛ أي: خوفهم لكي يتقوا المعاصي، ويكون لهم عونًا في الطاعة، فهؤلاء المؤمنون هم الذين يرجى أن يتقوا الله اهتداءً بهديك، وخوفًا من إنذارك، ويتحروا ما يؤدِّي إلى مرضاته ولا يصدهم عن ذلك إتكال على الأولياء، ولا اعتماد على الشفعاء علمًا منهم أن الشفاعة لله جميعًا: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ كما أنهم يستيقنون أن نجاتهم إنما تكون بإيمانهم وأعمالهم وتزكيتهم
стр. 3596
لأنفسهم، لا بانتفاعهم بصلاح غيرهم، أو شفاعة الشافعين لهم، كما هو حال المشركين الذين جهلوا أن مدار السعادة في الدنيا والآخرة مرتبط بتزكية النفس وطهارتها بالإيمان الصحيح، والأخلاق الكريمة، والأعمال الصالحة، لا على أمر خارج عن النفس لا تأثير له فيها.
والآية بمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾.
٥٢ - ثم نهى رسوله أن يطيع المترفين من كفار قريش في شأن المؤمنين المستضعفين، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾؛ أي: ولا تبعد يا محمد عن حضرتك هؤلاء المؤمنين الموحدين، ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ ويعبدون ﴿رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾؛ أي: أول النهار وآخره، أو المراد: عامة الأوقات، إذ يقال: هو يفعل كذا صباحًا ومساء إذا كان مداومًا عليه، والدعاء إما العبادة مطلقًا، وقيل: المحافظة على صلاة الجماعة، وقيل: الذكر وقراءة القرآن، وقيل: المراد الدعاء لله بجلب النفع ودفع الضرر. والمعنى: ولا تطرد يا محمد الذين يعبدون ربهم بالصلوات الخمس، أو يذكرون ربهم طرفي النهار حالة كونهم ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾؛ أي: يقصدون بذلك محبة الله تعالى ورضاه؛ أي: مخلصين في ذلك، وقيد الدعاء بالإخلاص تنبيهًا على أنه ملاك الأمر.
وقال أبو حيان: معنى ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾: يخلصون نياتهم له في عبادتهم، ويعبر عن ذات الشيء وحقيقته بالوجه انتهى. والمذهب الأسلم الذي عليه السلف: ترك الوجه على ظاهره بلا تأويل؛ لأن الوجه صفة ثابتة لله تعالى نعتقدها ونثبتها لله تعالى بلا تكيف ولا تمثيل ولا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السميع البصير﴾.
وقرأ الجمهور (١): ﴿بالغداوة﴾، وقرأ ابن عامر وأبو عبد الرحمن ومالك بن
стр. 3597
دينار والحسن ونصر بن عاصم وأبو رجاء العطاردي: ﴿بالغدوة﴾. وروي عن أبي عبد الرحمن أيضًا: ﴿بالغدو﴾ بغير هاء. وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿بالغدوات والعشيات﴾ بالألف فيهما على الجمع.
وقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾؛ أي: من أمر حساب هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب منك ذلك ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾، بل حسابهم على أنفسهم، ما عليك منه شيء ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على هؤلاء الذين قصدت طردهم ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾، بل حساب أعمالك على نفسك لا عليهم، فعلام تطردهم؟ كلام معترض بين النهي وجوابه الآتي بقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب النفي في قوله: ﴿مَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وهو من تمام الاعتراض؛ أي (١): إذا كان الأمر كذلك .. فأقبل عليهم، وجالسهم، ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل، و ﴿من﴾ في قوله. ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ للبيان، والثانية للتأكيد، وكذا في قوله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
والمعنى (٢): أي ما عليك يا محمد شيء من أمر حساب هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، كما أنه ليس عليهم شيء من أمر حسابك على أعمالك، حتى يكون هذا أو ذاك في طردك إياهم بإساءتهم في عملهم، أو في محاسبتك على عملك، فإن الطرد جزاء، والجزاء إنما يكون على سيىء الأعمال، ولا يثبت ذلك إلا بالحساب، والمؤمنون ليسوا بعبيد للرسل، ولا أعمالهم الدينية لهم، بل هي لله تعالى، يريدون بها وجهه لا وجوه الرسل، وحسابهم عليه تعالى لا عليهم، والرسل هداة مرشدون لا أرباب مسيطرون: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾.
وإذا لم يكن للرسل حق السيطرة على الناس ومحاسبتهم على أعمالهم الدينية .. فأجدر بالناس أن لا يكون لهم هذا الحق على أنبيائهم. والظاهر أن
стр. 3598
الضمائر كلها عائدة على ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ كما بينا في الحل، وقيل: الضمائر في ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾، وفي ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عائدة على المشركين. قال الزمخشري: والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك، ولا أنت بحسابهم حتى يهمَّك إيمانهم، ويحركك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين، ذكره أبو حيان.
وقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جواب للنهي كما مرَّ أعني: قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ أي: لا تطرد هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي .. فتكون بطردك إياهم في زمرة الظالمين؛ أي: من الذين يضعون الشيء في غير مواضعه معدودًا من جنسهم؛ لأن الطرد لا يكون حقًّا إلا على الإساءة في الأعمال التي يعملونها لمن له حق حسابهم وجزائهم عليها, ولست أنت بصاحب هذا الحق حتى تجري فيه على صراط العدل، فإن عملهم هو عبادة الله وحده، فحسابهم وجزاؤهم عليه كما قال نوح ﵇: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾.
والخلاصة (١): أن هذه الآية الكريمة أفادت أربعة أشياء:
١ - أن الرسول لا يملك التصرف في الكون.
٢ - أنه لا يعلم الغيب.
٣ - أنه ليس بملك.
٤ - أنه لا يملك حساب المؤمنين ولا جزاءهم.
وعبارة "المراح" هنا: قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: الآية، معناه (٢): ما عليك من حساب رزق هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي شيء، فتملهم وتبعدهم، ولا من حساب رزقك عليهم شيء، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى، فدعهم يكونوا عندك، ولا تطردهم فتكون من الظالمين لنفسك بهذا الطرد، ولهم لأنهم استحقوا مزيد التقريب، وقيل: إن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء، وقالوا: يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك، وقبلوا
стр. 3599
دينك؛ لأنهم يجدون عندك بهذا السبب مأكولًا وملبوسًا، وإلا فهم فارغون عن دينك، فقال الله تعالى: إن كان الأمر كما يقولون .. فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله .. فحسابهم عليه لازم لهم لا يتعدى إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم.
فائدة: واحتج (١) الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية، فقالوا: إن النبي ﷺ لما همَّ بطرد الفقراء عن مجلسه لأجل الأشراف .. عاتبه الله تعالى على ذلك ونهاه عن طردهم، وذلك يقدح في العصمة لقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. والجواب عن هذا الاحتجاج أن يقال: إن النبي ﷺ ما طردهم ولا هم بطردهم لأجل الاستخفاف بهم، والاستنكاف من فقرهم، وإنما كان هذا الهم لمصلحة، وهي التلطف بهؤلاء الأشراف في إدخالهم في الإِسلام، فكان ترجيح هذا الجانب أولى عنده، وهو اجتهاد منه، فأعلمه الله تعالى أن إدناء هؤلاء الفقراء أولى من الهمِّ بطردهم، فقربهم وأدناهم منه. وأما قوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإن الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، فيكون المعنى: إن أولئك الفقراء الضعفاء يستحقون التعظيم والتقريب، فلاتهم بطردهم عنك، فتضع الشيء في غير موضعه، فهو من باب ترك الأفضل والأولى، لا من باب ترك الواجبات، والله أعلم.
٥٣ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومثل ذلك الفتون المتقدم ﴿فَتَنَّا﴾؛ أي: ابتلينا ﴿بَعْضَهُمْ﴾؛ أي: بعض الناس؛ أي: الأغنياء الكفار ﴿بِبَعْضٍ﴾ منهم؛ أي: بالفقراء المسلمين؛ أي: ابتلينا الغني بالفقير، والفقير بالغني، والشريف بالوضيع، والوضيع بالشريف، فكل أحد مبتلى بضده، فأولئك الكفار الرؤساء والأغنياء كانوا يحسدون فقراء الصحابة على كونهم سابقين إلى الإِسلام مسارعين إلى قبوله، فقالوا: لو دخلنا في الإِسلام لوجب علينا أن ننقاد لهؤلاء الفقراء المساكين، وأن نعترف لهم بالتبعية، فامتنعوا من الدخول في الإِسلام لذلك، واعترضوا على الله في جعل أولئك الفقراء رؤساء في الدين، وأما فقراء
стр. 3600
الصحابة .. فكانوا يرون أولئك الكفار في الراحات والمسرات والطيبات والخصب والسعة، فكانوا يقولون: كيف حصلت هذه الأحوال لهؤلاء الكفار؟ وبالجملة فصفات الكمال مختلفة متفاوتة محبوبة لذاتها موزعة على الخلق، فلا تجتمع في إنسان واحد ألبتة، فكل أحد يحسد صاحبه على ما آتاه الله تعالى من صفات الكمال. ﴿لِيَقُولُوا﴾؛ أي: لتكون عاقبة أمرهم أن يقول المفتونون من الأقوياء والأغنياء والشرفاء في شأن الضعفاء والفقراء من المؤمنين ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ الصعاليك من العبيد والموالي والفقراء والمساكين ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أنعم الله عليهم بهذه النعمة العظيمة التي هي نعمة الإِسلام ومتابعة الرسول ﷺ وخصهم بها ﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾؛ أي: دوننا، أو من جملتنا، أو مجموعنا، ونحن الأكابر والرؤساء، وهم المساكين والضعفاء؟ والاستفهام فيه للإنكار بأن يخص الله تعالى هؤلاء الفقراء من بينهم بإصابة الحق، والسبق إلى الخير، فكأنهم أنكروا أن يكونوا سبقوهم بفضيلة.
والخلاصة (١): أن ذلك لن يكون لأنهم هم المفضلون عند الله تعالى بما آتاهم من غنى وثروة وجاه وقوة، فلو كان هذا الدين خيرًا .. لمنحهم إياه دون هؤلاء الضعفاء كما أعطاهم من قبل الجاه والثروة. وقد حكى الله عنهم مثل هذا بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. ثم رد الله عليهم مقالتهم الدالة على العتو والاستكبار بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ﴾ ﴿بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ لنعمه - فيوفقهم ويهديهم - من الكافرين لها، فيخذلهم ويحرمهم منها حتى تستبعدوا إنعامه عليهم؛ أي: إن المستحق لمن الله وزيادة نعمه إنما هو من يقدِّرها قدرها، ويعرف حق المنعم بها، فيشكره عليها، لا من سبق الإنعام عليه فكفر وبطر وعتا واستكبر. والاستفهام في ﴿أَلَيْسَ﴾ للتقرير؛ أي: إنه تعالى كذلك، وبهذا مضت سنة الله في عباده، ولولا هذا لكانت النعم خالدة لا تنزع ممن أوتيها - وإن كفر بها - وهل فتن أولئك الكبراء إلا بما حصل لهم من الغنى والقوة، فظنوا جهلًا منهم بسنة الله في أمثالهم أنه تعالى ما
стр. 3601
أعطاهم ذلك إلا تكريمًا لذواتهم، وتفضيلًا لهم على غيرهم.
وفي (١) هذا الاستفهام التقريري إشارة إلى أن الضعفاء عارفون بحق نعم الله تعالى في تنزيل القرآن، وفي التوفيق للإيمان، شاكرون له تعالى على ذلك، وتعريض بأن القائلين بتلك المقالة بمعزل من ذلك كله. وفي الآية إيماء إلى أن ما اغتروا به من النعم لن يدوم، ولا يبقى المؤمنون على الضعف الذي صبروا عليه، بل لا بد أن تنعكس الحال، فيُسلب الأقوياء ما أعطوا من قوة ومال، وتدول الدولة لهؤلاء الضعفاء من المؤمنين، فيكونوا هم الأئمة الوارثين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾.
وكذلك (٢) فيها إشارة إلى أن تركهم للإيمان لم يكن إلا جحودًا ناشئًا عن الكبر والعلو في الأرض، لا عن حجة ولا عن شبهة، وإلى أن ضعفاء المؤمنين السابقين لم يفتنوا بغنى كبراء المشركين وقوتهم.
٥٤ - ﴿وَإِذَا جَاءَكَ﴾ يا محمد القوم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: يصدقون بكتابنا وحججنا، ويقرون بذلك قولًا وعملًا سائلين عن ذنوبهم التي فرطت منهم، هل لهم منها توبة ﴿فـ﴾ ـلا تؤيسهم منها و ﴿قل سلام عليكم﴾؛ أي: أمان الله تعالى لكم من ذنوبكم أن يعاقبكم عليها بعد توبتكم منها، وهؤلاء هم القوم الذين نهاه الله عن طردهم، وهم المستضعفون من المؤمنين.
ثم ذكر العلة في هذا، فقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾؛ أي: قل لهم تبشيرًا لهم بسعة رحمته تعالى، وبنيل المطالب: أوجب ربكم على ذاته المقدسة تفضلًا منه وإحسانًا الرحمة لخلقه والإحسان إليهم، فإن فيما سخر للبشر من أسباب المعيشة المادية، وفيما آتاهم من وسائل العلوم الكسبية لآيات بينات على سعة الرحمة الربانية، وتربية عباده بها في حياتهم الجسدية والروحية؛ لأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
ثم بيَّن أصلًا من أصول الدين في هذه الرحمة للمؤمنين، فقال: ﴿أَنَّهُ مَنْ
стр. 3602
عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾؛ أي: ومن سعة رحمته تعالى أنه - أي: إن الشأن - من عمل وارتكب منكم أيها المؤمنون سوءًا؛ أي: عملًا تسوء عاقبته للضرر الذي حرمه الله لأجله حالة كونه ملتبسًا ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ دفعته إلى ذلك السوء، كغضب شديد حمله على السب والضرب، أو شهوة مغتلمة قادته إلى انتهاك العرض ﴿ثُمَّ تَابَ﴾ ورجع عن ذلك السوء ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: بعد أن عمله شاعرًا بقبحه نادمًا عليه خائفًا من عاقبته ﴿وَأَصْلَحَ﴾ عمله بأن أتبع ذلك العمل السيء بعمل يضاده ويذهب أثره من قلبه حتى يعود إلى النفس زكاؤها وطهارتها وتصير أهلًا للقرب من ربها ﴿فَأَنَّهُ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب ﴿رَحِيمٌ﴾ بقبول توبته؛ أي: فشأنه تعالى في معاملته أنه واسع المغفرة والرحمة، فيغفر له ما تاب عنه، ويتغمده برحمته وإحسانه. وقد بيَّن سبحانه في هذه الآية من أنواع الرحمة المكتوبة لعباده ما هم أحوج إلى معرفته بنص الوحي، وهو حكم من يعمل السوء بجهالة من عباده المؤمنين، وبقية أنواعها يمكن أن يستدل عليها بالنظر في الأنفس والآفاق، وأمَر نبيه بتبليغها لمن يدخلون في الدين؛ ليهتدوا بها، حتى لا يغتروا بمغفرة الله ورحمته، فيحملهم الغرور على التفريط في جنب الله، والغفلة عن تزكية أنفسهم، وحتى يبادروا إلى تطهيرها من إفساد الذنوب خوف أن تحيط بها خطيئتها: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
وقرأ عاصم وابن عامر (١): ﴿أنه﴾ بفتح الهمزتين، فالأولى: بدل من الرحمة، والثانية: خبر مبتدأ محذوف تقديره: فأمره أنه؛ أي: إن الله غفور رحيم له. وقيل: إنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره: عليه أنه من عمل.
وقرأ ابن كثير والأخوان - الكسائي وحمزة - وأبو عمرو بكسر الهمزة فيهما، الأولى: على جهة الضر للرحمة، والثانية: في موضع الخبر أو الجواب. وقرأ نافع بفتح الأولى على الوجهين السابقين، وكسر الثانية على وجهها أيضًا. وقرأت فرقة بكسر الأولى وفتح الثانية، حكاها الزهراوي عن الأعرج، وحكى سيبويه عنه
стр. 3603
مثل قراءة نافع، وقال الداني: قراءة الأعرج ضد قراءة نافع.
٥٥ - ثم بين أنه فصل الحقائق للمؤمنين؛ ليبتعدوا عن سلوك سبيل المجرمين، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: وكما فصلنا لك يا محمد في هذه السورة دلائلنا على صحة التوحيد وإبطال ما هم عليه من الشرك. ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نميز ونبين لك أدلة حججنا وبراهيننا على تقرير كل حق ينكره أهل الباطل، وقوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ معطوف على محذوف تقديره؛ أي: وكذلك نفصل الآيات ليظهر الحق، فيعمل به، ولتستبين وتتضح سبيل المجرمين؛ أي: طريق المشركين فتجتنب، فطريق الهدى واضحة، وطريق الضلال واضحة؛ لما في الحديث "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، ونهارها كليلها, لا يضل عنها إلا هالك".
وقرأ (١) ابن كثير وحفص والعربيان - أبو عمرو وابن عامر -: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بالتاء ﴿سَبِيلُ﴾ بالرفع. وقرأ أبو بكر والأخوان - الكسائي وحمزة -: وليستبين بالياء سبيل بالرفع فاستبان في هاتين القراءتين لازم. وقرأ نافع ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ بتاء الخطاب ﴿سَبِيلَ﴾ بالنصب، فاستبان هنا متعدية. فقيل: الخطاب لرسول الله ﷺ ، وقيل له ظاهرًا، والمراد: أمته؛ لأنه ﷺ كان استبانها، والمعنى: ولتبين يا محمد، أو يا مخاطب للناس سبيل المجرمين.
فالحاصل (٢): أن القراءات ثلاث سبعية، فمتى قرئ الفعل بالفوقانية جاز في ﴿سَبِيلُ﴾ النصب والرفع، والتاء مختلفة المعنى؛ لأنها في حالة النصب حرف خطاب، وفي حالة الرفع للتأنيث، ومتى قرئ بالتحتانية .. تعين الرفع في سبيل؛ وذلك لأن السبيل يذكر ويؤنث، فتأنيث الفعل بناء على تأنيثه، وتذكيره بناء على تذكيره.
٥٦ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الداعين لك إلى الإشراك ﴿إِنِّي نُهِيتُ﴾ وزجرت وصرفت بما نصب لي ربي من الأدلة، وأنزل علي من الآيات في أمر
стр. 3604
التوحيد ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى؛ أي: عن عبادة الأصنام التي تعبدوها أنتم من دون الله، وتستغيثون بها عند الشدائد، التي لا علم لها ولا عقل؛ لأن الجمادات أخس من أن تعبد أو تدعى، وإنما كانوا يعبدونها على سبيل الهوى.
ثم أمره أن يبين لهم أن هذه العبادة مبنية على الرأي والهوى، وهي ضلال وغي فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ في عبادة الأصنام وطرد الفقراء؛ أي: ما (١) تميل إليه أنفسكم من عبادة غير الله، ولما كانت أصنامهم مختلفة .. كان لكل عابد صنم هوى يخصه، فلذلك جمع، وأهواؤكم عام، وغالب ما يستعمل في غير الخير، ويعم عبادة الأصنام وما أمروا به من طرد المؤمنين الضعفاء وغير ذلك مما ليس بحق، وهي أعم من الجملة السابقة، وأنص على مخالفتهم وفي قوله: ﴿أَهْوَاءَكُمْ﴾ تنبيه على السبب الذي حصل منه الضلال، وتنبيه لمن أراد اتباع الحق ومجانبة الباطل، كما قال ابن دريد:
وَآفَةُ الْعَقْلِ الهَوَى فَمَنْ عَلاَ ... عَلَى هَوَاهُ عَقْلُهُ فَقَد نَجَا
ذكره أبو حيان؛ أي: لا أجري على طريقتكم التي سلكتموها في دينكم من اتباع الهوى في عبادة الأحجار التي تنحتونها بأيديكم، ولا أوافقكم على ما تدعونني إليه لا في هذه العبادة، ولا في غيرها من الأعمال؛ لأنها مؤسسة على الهوى وليست على شيء من الحق والهدى. وكرر الأمر بالقول مع قرب العهد اعتناءً بالمأمور به، أو إيذانًا باختلاف القولين من حيث إن الأولى حكاية لما هو من جهته تعالى، وهي النهي، والثاني: حكاية لما هو من جهته ﵇، وهو الانتهاء عما ذكر من عبادة ما يعبدونه ذكره "أبو السعود".
﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ عن الهدى ﴿إِذًا﴾؛ أي: إن اتبعت أهواءكم ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: وما أنا في شيء من الهدى حتى أكون من عدادهم؛ أي: فإن فعلت ذلك .. فقد تركت محجة الحق، وسرت على غير هدى، فصرت ضالًا
стр. 3605
مثلكم، وخرجت عن عداد المهتدين، وفي هذا تعريض بأنهم ليسوا من الهداية في شيء.
وقرأ (١) السلمي وابن وثاب وطلحة: ﴿ضلِلت﴾ بكسر فتحة اللام، وهي لغة، وفي "التحرير": قرأ يحيى وابن أبي ليلى هنا، وفي السجدة في ﴿أئذا صللنا﴾ بالصاد غير معجمة، ويقال: صل اللحم أنتن، ويروى: ضللنا؛ أي: دفنا في الضلة، وهي الأرض الصلبة رواه أبو العباس عن مجاهد بن الفرات في كتاب "الشواذ" له، ذكره أبو حيان في "البحر".
٥٧ - ثم أمره أن يقول لهم: إني على هدى من ربي فيما أتبعه، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿إِنِّي﴾ فيما أخالفكم فيه من التوحيد ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾؛ أي: على بيان قد بينه لي ربي، وبرهان قد وضح لي من ربي بالوحي والعقل؛ إذ القرآن بينة مشتملة على ضروب كثيرة من البينات العقلية والكونية التي يعجز الرسول عن الإتيان بمثلها ﴿و﴾ قد ﴿كذبتم به﴾؛ أي؛ والحال أنكم قد كذبتم به؛ أي: بالقرآن الذي هو بينتي من ربي، ومن عجيب أمركم أنكم تكذبون ببينة البينات، ثم تطمعون أن أتبعكم على ضلال من أمركم لا بينة لكم عليه إلا محض التقليد، والتقليد: براءة من الاستدلال، ورضىً بجهل الآباء والأجداد. وفي هذا حجة دامغة وبينة ناصعة على ما قبله من نفي عبادته ﷺ للذين يدعونهم من دون الله تعالى.
وفي "الفتوحات": والضمير (٢) في ﴿بِهِ﴾ يجوز أن يعود على ﴿رَبِّي﴾؛ أي: وكذبتم بربي حيث أشركتم به، وهو الظاهر. وقيل: على القرآن؛ لأنه كالمذكور. وقيل: على ﴿بَيِّنَةٍ﴾؛ لأنها بمعنى البيان. وقيل: لأن التاء فيها للمبالغة لا للتأنيث، فمعناها على أمر بين من ربي، والمعنى: وكذبتم بالبيان الذي جئت به من عند ربي - وهو القرآن - والمعجزات الباهرات، والبراهين الواضحات التي تدل على صحة التوحيد وفساد الشرك. وبعد أن بين تكذيبهم به .. أردفه برد شبهة تخطر حينئذ بالبال، وهي: أن الله أنذرهم
стр. 3606
عذابًا يحل بهم إذا أصروا على عنادهم وكفرهم، ووعد بأن ينصر رسوله عليهم، وقد استعجلوا النبي ﷺ ذلك؛ فكان عدم وقوعه شبهة لهم على عدم صدق القرآن؛ إذ هم يجهلون سنة الله في شؤون الإنسان، فأمر الله نبيه أن يقول لهم:
٥٨ - ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ أي: ليس الأمر الذي تستعجلون بوقوعه من نقم الله وعذابه بيدي، ولا أنا على ذلك بقادر، ولم أقل لكم: إن الله فوض أمره إلي حتى تطالبوني به، وتعدون عدم إيقاعه عليهم حجة على تكذيبه. وقيل (١): سبب نزول هذه الآية: أن النبي ﷺ كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك، وكان النضر بن الحارث وأصحابه يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ بطريق الاستهزاء، أو بطريق الإلزام على زعمهم، فقال تعالى: قل لهم يا محمد: ليس ما تستعجلون به من العذاب الموعود في القرآن، وتجعلون تأخره ذريعة إلى تكذيبه في حكمي وقدرتي حتى أجيء به وأظهر لكم صدقه.
ثم أكد ما سبق بقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ما الحكم والتصرف في هذا الذي تستعجلونه من العذاب، وفي غيره من شؤون الخلق إلا لله وحده ، وله في ذلك سنن حكيمة تجري عليها أفعاله وأحكامه، فلا يتقدم شيء منها على ميقاته ولا يتأخر عنه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾. ثم بين أن كل ما قصه على رسوله أو قضاه فهو حق لا شبهة فيه، فقال: ﴿يَقُصُّ﴾ بالصاد المهملة المشددة؛ أي: يقص الله على رسوله ﷺ ، ويخبر له القصص ﴿الْحَقَّ﴾ والخبر الصادق في وعده ووعيده وجميع أخباره.
وقرىء بسكون القاف وكسر الضاد المعجمة - كما سيأتي - بغير ياء؛ لسقوطها في اللفظ؛ أي: يقضي الله سبحانه ويحكم بين عباده القضاء الحق، أو يصنع الحق؛ لأن كل شيء صنعه الله تعالى فهو حق. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾؛ أي: أفضل الفاصلين الذين يفصلون بين الحق والباطل، أو هو أعدل الحاكمين في كل أمر، فهو لا يقع في حكمه وقضائه حيف وميل إلى أحد المتخاصمين، وهو النافذ حكمه في كل شيء، والمحيط علمه بكل شيء، وفي
стр. 3607
مصحف عبد الله: ﴿وهو أسرع الفاصلين﴾.
وقرأ (١) ابن عباس وابن كثير ونافع وعاصم: ﴿يقص الحق﴾ بالصاد المشددة من القصص، والمعنى: إن كل ما أخبر به فهو حق. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿يقض الحق﴾ من القضاء، والمعنى: يقضي القضاء الحق. ولم (٢) يُرسم ﴿يقض﴾ إلا بضاد؛ كأن الياء حذفت خطًّا كما حذفت لفظًا لالتقاء الساكنين، كما حذفت في قوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾، وكما حذفت الواو من قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ لما تقدم.
﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب بقولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿لَّوْ أَنَّ عِندِى﴾ وبيدي وقدرتي ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ أي: أمر ما تطلبون عجلته ووقوعه حالًا من نزول العذاب الموعود بكم؛ بأن يكون أمره مفوضًا إليَّ من الله تعالى: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: لانفصل وانقطع النزاع بيني وبينكم، ولأتاكم ما تستعجلون به من العذاب، فأهلكتكم عاجلًا غضبًا لربي، واقتصاصًا من تكذيبكم، ولتخلصت منكم سريعًا لصدكم عن تبليغ دعوة ربي وصدكم الناس عني، وقد وعدني ربي بنصر المؤمنين المصلحين، وخذلان الكافرين المفسدين، ولم أمهلكم ساعة، ولكن الله حليم ذو أناةٍ، لا يعجل بالعقوبة.
فائدة: والفرق بين الاستعجال والإسراع: أن الاستعجال: المطالبة بالشيء قبل وقته، فلذلك كان العجلة مذمومة. والإسراع، تقديم الشيء، في وقته، فلذلك كانت السرعة محمودة.
والخلاصة: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المستعجلين لنزول العذاب: لو أن عندي ما تستعجلون به .. لم أمهلكم ساعة، ولكن الله حليم لا يعجل بالعقوبة. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ الذين لا رجاء في رجوعهم
стр. 3608
عن الظلم إلى الإيمان والحق والعدل، ومن ثمَّ لم يجعل أمر عقابهم إليَّ، بل جعله عنده، ووقت له ميقاتًا هو أعلم به ترونه بعيدًا ويراه قريبًا: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾. وقيل: أعلم بما يستحقون به من العذاب، والوقت الذي يستحقونه فيه، وبما تقتضيه مشيئته من تأخيره استدراجًا لهم وإعذارًا إليهم.
الإعراب
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قل﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أقول﴾، وجملة ﴿لَا أَقُولُ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: مقول محكي لـ ﴿أَقُولُ﴾، وإن شئت قلت: ﴿عِنْدِي﴾: ظرف ومضاف إليه، خبر مقدم. ﴿خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿أقول﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿الْغَيْبَ﴾: مفعول به؛ لأن علم هنا بمعنى: عرف يتعدى إلى مفعول واحد، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على الجملة الإسمية على كونها مقولًا لـ ﴿أَقُولُ﴾.
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَقُولُ﴾: فعل مضارع. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمد، وجملة ﴿لَا أَقُولُ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قل﴾. ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿أَقُولُ﴾ ﴿إن﴾: نافية. ﴿أَتَّبِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء
стр. 3609
مفرغ. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿أَتَّبِعُ﴾. ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿إِلَيَّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُوحَى﴾، وجملة ﴿يُوحَى﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالْبَصِيرُ﴾: معطوف عليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾: الهمزة: للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف تقديره: ألا تسمعون. الفاء: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.
﴿وَأَنْذِرْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿أنذر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنذر﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب مفعول به ﴿يَخَافُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿أَنْ يُحْشَرُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: يخافون حشرهم إلى ربهم.
﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿وَلِيٌّ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾: معطوف عليه، ﴿ولا﴾: زائدة لتأكيد نفي ما قبلها، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب حال من ضمير ﴿يُحْشَرُوا﴾ تقديره: يخافون حشرهم حال كونهم عادمين وليًّا يواليهم، وشفيعًا
стр. 3610
يشفع لهم من دون الله تعالى. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل: حرف ترجٍ ونصب بمعنى كي التعليلية، والهاء: اسمها، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المتعلقة بـ ﴿أنذر﴾؛ أي: وأنذرهم به لكي يتقوا الشرك والمعاصي.
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لا﴾: ناهية جازمة ﴿تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه. ﴿بِالْغَدَاةِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿وَالْعَشِيِّ﴾: معطوف على ﴿الغداة﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾ تقديره: يدعونه تعالى مخلصين له فيه.
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿مَا﴾: نافية. ﴿عَلَيْكَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه في محل النصب حال من ﴿شَيْءٍ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها فانتصب حالًا منها، فصاحب الحال من ﴿شَيْءٍ﴾، والعامل فيها الاستقرار في عليك. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿شَيْءٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والمعنى: ما شيء من حسابهم كائن عليك، والجملة من المبتدأ والخبر معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين النهي في قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ وبين جوابه الآتي في قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿مِنْ حِسَابِكَ﴾: جار ومجرور بيان مقدم لشيء، فهو صفة له لا حال منه؛ لما يلزم عليه من تقدم الحال على عاملها وصاحبها، وهو ممتنع على الأصح، أو حال منه على القول الضعيف نظير ما تقدم. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها