عذابًا يحل بهم إذا أصروا على عنادهم وكفرهم، ووعد بأن ينصر رسوله عليهم، وقد استعجلوا النبي ﷺ ذلك؛ فكان عدم وقوعه شبهة لهم على عدم صدق القرآن؛ إذ هم يجهلون سنة الله في شؤون الإنسان، فأمر الله نبيه أن يقول لهم:
٥٨ - ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ أي: ليس الأمر الذي تستعجلون بوقوعه من نقم الله وعذابه بيدي، ولا أنا على ذلك بقادر، ولم أقل لكم: إن الله فوض أمره إلي حتى تطالبوني به، وتعدون عدم إيقاعه عليهم حجة على تكذيبه. وقيل (١): سبب نزول هذه الآية: أن النبي ﷺ كان يخوفهم بنزول العذاب عليهم بسبب هذا الشرك، وكان النضر بن الحارث وأصحابه يستعجلونه بقولهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ بطريق الاستهزاء، أو بطريق الإلزام على زعمهم، فقال تعالى: قل لهم يا محمد: ليس ما تستعجلون به من العذاب الموعود في القرآن، وتجعلون تأخره ذريعة إلى تكذيبه في حكمي وقدرتي حتى أجيء به وأظهر لكم صدقه.
ثم أكد ما سبق بقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ما الحكم والتصرف في هذا الذي تستعجلونه من العذاب، وفي غيره من شؤون الخلق إلا لله وحده ، وله في ذلك سنن حكيمة تجري عليها أفعاله وأحكامه، فلا يتقدم شيء منها على ميقاته ولا يتأخر عنه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾. ثم بين أن كل ما قصه على رسوله أو قضاه فهو حق لا شبهة فيه، فقال: ﴿يَقُصُّ﴾ بالصاد المهملة المشددة؛ أي: يقص الله على رسوله ﷺ ، ويخبر له القصص ﴿الْحَقَّ﴾ والخبر الصادق في وعده ووعيده وجميع أخباره.
وقرىء بسكون القاف وكسر الضاد المعجمة - كما سيأتي - بغير ياء؛ لسقوطها في اللفظ؛ أي: يقضي الله سبحانه ويحكم بين عباده القضاء الحق، أو يصنع الحق؛ لأن كل شيء صنعه الله تعالى فهو حق. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾؛ أي: أفضل الفاصلين الذين يفصلون بين الحق والباطل، أو هو أعدل الحاكمين في كل أمر، فهو لا يقع في حكمه وقضائه حيف وميل إلى أحد المتخاصمين، وهو النافذ حكمه في كل شيء، والمحيط علمه بكل شيء، وفي
стр. 3607
مصحف عبد الله: ﴿وهو أسرع الفاصلين﴾.
وقرأ (١) ابن عباس وابن كثير ونافع وعاصم: ﴿يقص الحق﴾ بالصاد المشددة من القصص، والمعنى: إن كل ما أخبر به فهو حق. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿يقض الحق﴾ من القضاء، والمعنى: يقضي القضاء الحق. ولم (٢) يُرسم ﴿يقض﴾ إلا بضاد؛ كأن الياء حذفت خطًّا كما حذفت لفظًا لالتقاء الساكنين، كما حذفت في قوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾، وكما حذفت الواو من قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾ ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ لما تقدم.
﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب بقولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿لَّوْ أَنَّ عِندِى﴾ وبيدي وقدرتي ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ أي: أمر ما تطلبون عجلته ووقوعه حالًا من نزول العذاب الموعود بكم؛ بأن يكون أمره مفوضًا إليَّ من الله تعالى: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: لانفصل وانقطع النزاع بيني وبينكم، ولأتاكم ما تستعجلون به من العذاب، فأهلكتكم عاجلًا غضبًا لربي، واقتصاصًا من تكذيبكم، ولتخلصت منكم سريعًا لصدكم عن تبليغ دعوة ربي وصدكم الناس عني، وقد وعدني ربي بنصر المؤمنين المصلحين، وخذلان الكافرين المفسدين، ولم أمهلكم ساعة، ولكن الله حليم ذو أناةٍ، لا يعجل بالعقوبة.
فائدة: والفرق بين الاستعجال والإسراع: أن الاستعجال: المطالبة بالشيء قبل وقته، فلذلك كان العجلة مذمومة. والإسراع، تقديم الشيء، في وقته، فلذلك كانت السرعة محمودة.
والخلاصة: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المستعجلين لنزول العذاب: لو أن عندي ما تستعجلون به .. لم أمهلكم ساعة، ولكن الله حليم لا يعجل بالعقوبة. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ الذين لا رجاء في رجوعهم
стр. 3608
عن الظلم إلى الإيمان والحق والعدل، ومن ثمَّ لم يجعل أمر عقابهم إليَّ، بل جعله عنده، ووقت له ميقاتًا هو أعلم به ترونه بعيدًا ويراه قريبًا: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾. وقيل: أعلم بما يستحقون به من العذاب، والوقت الذي يستحقونه فيه، وبما تقتضيه مشيئته من تأخيره استدراجًا لهم وإعذارًا إليهم.
الإعراب
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قل﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أقول﴾، وجملة ﴿لَا أَقُولُ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: مقول محكي لـ ﴿أَقُولُ﴾، وإن شئت قلت: ﴿عِنْدِي﴾: ظرف ومضاف إليه، خبر مقدم. ﴿خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿أقول﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿الْغَيْبَ﴾: مفعول به؛ لأن علم هنا بمعنى: عرف يتعدى إلى مفعول واحد، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على الجملة الإسمية على كونها مقولًا لـ ﴿أَقُولُ﴾.
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَقُولُ﴾: فعل مضارع. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمد، وجملة ﴿لَا أَقُولُ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قل﴾. ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿أَقُولُ﴾ ﴿إن﴾: نافية. ﴿أَتَّبِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء
стр. 3609
مفرغ. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿أَتَّبِعُ﴾. ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿إِلَيَّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُوحَى﴾، وجملة ﴿يُوحَى﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالْبَصِيرُ﴾: معطوف عليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾: الهمزة: للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف تقديره: ألا تسمعون. الفاء: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.
﴿وَأَنْذِرْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿أنذر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنذر﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب مفعول به ﴿يَخَافُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿أَنْ يُحْشَرُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: يخافون حشرهم إلى ربهم.
﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿وَلِيٌّ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾: معطوف عليه، ﴿ولا﴾: زائدة لتأكيد نفي ما قبلها، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب حال من ضمير ﴿يُحْشَرُوا﴾ تقديره: يخافون حشرهم حال كونهم عادمين وليًّا يواليهم، وشفيعًا
стр. 3610
يشفع لهم من دون الله تعالى. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل: حرف ترجٍ ونصب بمعنى كي التعليلية، والهاء: اسمها، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المتعلقة بـ ﴿أنذر﴾؛ أي: وأنذرهم به لكي يتقوا الشرك والمعاصي.
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لا﴾: ناهية جازمة ﴿تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه. ﴿بِالْغَدَاةِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿وَالْعَشِيِّ﴾: معطوف على ﴿الغداة﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾ تقديره: يدعونه تعالى مخلصين له فيه.
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿مَا﴾: نافية. ﴿عَلَيْكَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه في محل النصب حال من ﴿شَيْءٍ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها فانتصب حالًا منها، فصاحب الحال من ﴿شَيْءٍ﴾، والعامل فيها الاستقرار في عليك. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿شَيْءٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والمعنى: ما شيء من حسابهم كائن عليك، والجملة من المبتدأ والخبر معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين النهي في قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ وبين جوابه الآتي في قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿مِنْ حِسَابِكَ﴾: جار ومجرور بيان مقدم لشيء، فهو صفة له لا حال منه؛ لما يلزم عليه من تقدم الحال على عاملها وصاحبها، وهو ممتنع على الأصح، أو حال منه على القول الضعيف نظير ما تقدم. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها
стр. 3611
معترضة، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾: الفاء: عاطفة سببية. ﴿تطردهم﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة من الفعل والفاعل صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: لم يكن شيء من حسابهم عليك، ولا شيء من حسابك عليهم فطردك إياهم. ﴿فَتَكُونَ﴾: الفاء: عاطفة سببية. ﴿تكون﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بأن المضمرة وجوبًا الواقعة في جواب النهي، واسمها ضمير يعود على محمد. ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿تكون﴾، وجملة ﴿تكون﴾ من اسمها وخبرها صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك؛ لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن طردك الذين يدعون ربهم، فكونك من الظالمين.
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كذلك﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿فَتَنَّا﴾: فعل وفاعل. ﴿بَعْضَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿بِبَعْضٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَتَنَّا﴾، والتقدير: وفتنا بعضهم ببعض فتونًا مثل ذلك الفتون المذكور، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿لِيَقُولُوا﴾: اللام: لام كي وجر. ﴿يَقُولُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾: مقول محكي لـ ﴿يقولوا﴾، وجملة القول من الفعل والفاعل صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لقولهم أهؤلاء إلخ، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿فَتَنَّا﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري. ﴿هؤلاء﴾ في محل النصب مفعول لفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده تقديره: أفضل الله هؤلاء من بيننا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول لـ ﴿يقولوا﴾. ﴿مَنَّ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به.
стр. 3612
﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مِنْ﴾، ويجوز أن يكون حالًا من ضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾، وجملة ﴿من﴾ من الفعل والفاعل جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، ويجوز أن يكون ﴿هؤلاء﴾ مبتدأ، وجملة ﴿مَنَّ اللَّهُ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يقولوا﴾: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ﴾: الهمزة: للاستفهام التقريري. ﴿لَيْسَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِأَعْلَمَ﴾: خبر ﴿لَيسَ﴾، والباء: زائدة في خبرها. ﴿بِالشَّاكِرِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أعلم﴾، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَكَ الَّذِينَ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية. ﴿قل﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة. ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قل﴾، وإن شئت قلت: ﴿سَلَامٌ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة كونه دعاء. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول القول لـ ﴿قل﴾. ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَتَبَ﴾. ﴿الرَّحْمَةَ﴾: مفعول به لـ ﴿كَتبَ﴾.
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿أَنَّهُ﴾: حرف نصب، والهاء: ضمير الشأن اسمها ﴿مَنْ﴾: اسم شرط أو موصولة في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما.
стр. 3613
﴿عَمِلَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم بـ ﴿من﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿عَمِلَ﴾. ﴿سُوءًا﴾: مفعول به. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾: جار ومجرور حال ثانية من فاعل ﴿عَمِلَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿تَابَ﴾: فعل ماض في محل الجزم معطوف على عمل، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تاب﴾. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ في محل الجزم معطوف على ﴿تَابَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿فَأَنَّهُ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية. ﴿أن﴾: حرف نصب، والهاء: اسمها ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لها ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثانٍ لها، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: فالغفران والرحمة حاصلان له، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ المفتوحة، وجملة ﴿أن﴾ المفتوحة في محل النصب بدل من ﴿الرَّحْمَةَ﴾ بدل الشيء من الشيء، والتقدير: كتب ربكم على نفسه الرحمة كتب حصول الغفران والرحمة لمن عمل سوءًا بجهالة إلخ. هذا على قراءة الفتح في الهمزتين، وأما على قراءة الكسر في الهمزتين فكسر الأولى على الاستئناف على أن الكلام تم قبلها، وكسر الثانية أيضًا على الاستئناف بمعنى أنها في صدر جملة وقعت خبرًا لـ ﴿من﴾ الموصولة، أو جوابًا لها إن كانت شرطًا. قال أبو علي (١): من كسر ألف ﴿أَنَّهُ﴾ جعله تفسيرًا للرحمة، ومن كسر ألف ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ﴾، فلأن ما بعد الفاء حكمه للابتداء، ومن فتح ألف ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ﴾ جعل أنَّ بدلًا من الرحمة، والمعنى: كتب ربكم أنه من عمل، ومن فتحها بعد الفاء .. أضمر خبرًا تقديره: فله أنه غفور رحيم، والمعنى: فله غفرانه انتهى. وهنا أوجه كثيرة من الإعراب لا نطيل الكلام بذكرها، ومن أرادها .. فليراجع كتب القوم.
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾.
стр. 3614
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كذلك﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والتقدير: ونفصل الآيات تفصيلًا مثل التفصيل السابق من أول السورة إلى هنا، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة على محذوف تقديره: ونفصل الآيات كذلك ليظهر الحق. ﴿تستبين﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإظهار الحق، ولإبانة سبيل المجرمين، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نفصل﴾.
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي نُهِيتُ﴾ إلى ﴿قُل﴾ الآتي مقول محكي لـ ﴿قل﴾ منصوب به، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿نُهِيتُ﴾: فعل مغير، ونائب فاعله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: قل لهم: إني نهيت عن عبادة الأصنام الذين تدعونهم من دون الله تعالى: ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: تدعونهم. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من فاعل ﴿تَدْعُونَ﴾ تقديره: حال كونكم مجاوزين الله تعالى، أو من الضمير المحذوف من ﴿تَدْعُونَ﴾.
﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ نافٍ وفعل ومفعول ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة على كونها مقول القول. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء، ملغاة لا عمل لها؛ لعدم
стр. 3615
الفعل بعدها. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة: ﴿ضَلَلْتُ﴾ على كونها مقول القول.
﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إن﴾: حرف نصب، والياء ضمير المتكلم في محل النصب اسمها. ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿مِنْ رَبِّي﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بَيِّنَةٍ﴾. ﴿وَكَذَّبْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة مستأنفة على كونها مقول القول، أو في محل النصب حال من ﴿بَيِّنَةٍ﴾، ولكن بتقدير: قد. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿عِنْدِي﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول. ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾.
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.
﴿إِنِ﴾: نافية. ﴿الْحُكْمُ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول القول، وفي قراءة ﴿يقض﴾ بالضاد المعجمة تقول في إعرابه ﴿يقض﴾: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لفظًا للتخلص من التقاء الساكنين المحذوفة خطًّا تبعًا للخط لما في اللفظ، منع من ظهورها الثقل؛ لأنه فعل معتل بالياء. ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ. ﴿خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على كونها مقولًا لـ ﴿قل﴾.
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 3616
بِالظَّالِمِينَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قل﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿عِنْدِى﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم لـ ﴿أن﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب اسم ﴿أَنَّ﴾ مؤخر، وجملة ﴿تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف تقديره: لو ثبت كون ما تستعجلون به عندي، والجملة من الفعل المقدر وفاعله فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَقُضِيَ﴾: اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾. ﴿قضى الأمر﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قضي﴾. ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾: معطوف على ﴿بَيْنِي﴾، والجملة من الفعل المغير ونائب فاعله جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِالظَّالِمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أَعلَمُ﴾، والجملة الإسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ والخزائن جمع: خزانة أو خزينة، والخزانة ما يحفظ فيها الشيء الذي يراد حفظه، ومنع التصرف فيه مخافة أن ينال، ومنه (١) حديث: "فإنما يتخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته"، وهي بفتح الخاء. قال الشاعر:
إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَخْزِنْ عَلَيْهِ لِسَانَهُ ... فَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ سوَاهُ بِخَزَّانِ
وفي "المختار": يقال: خزن المال إذا جعله في الخزانة واختزنه أيضًا، وخزن السر: إذا كتمه واختزنه أيضًا، وبابهما نصر، والمخزن أيضًا ما يخزن فيه
стр. 3617
الشيء انتهى.
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ والغيب: ما غيب علمه عن الناس بعدم تمكينهم من أسباب علمه كما مرَّ.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ والأعمى والبصير هنا الضال والمهتدي: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾: والإنذار: العظة والتخويف. ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الطرد (١): الإبعاد بإهانة، وبابه: نصر، والطريد المطرود، وبنو مطرود وبنو طرَّاد فخذان من إياد. ﴿بِالْغَدَاةِ﴾ الغداة والغدوة، كالبكرة: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، أصلها: غدوة، فقلبت الواو ألفًا لتحركها بحسب الأصل، وانفتاح ما قبلها بحسب الآن، وهي نكرة، ويقرأ: ﴿بالغدوة﴾ بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها، وأكثر ما تستعمل معرفة علمًا، وقد عرفها هنا بالألف واللام.
﴿وَالْعَشِيِّ﴾ آخر النهار، أو من (٢) المغرب إلى العشاء، فقيل: هو مفرد، وقيل: هو جمع عشية. ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا﴾ يقال: فتن الذهب يفتن - من باب ضرب - فتنة ومفتونًا: إذا أدخله النار لينظر ما جودته، والفتنة: الاختبار والامتحان، والمعنى هنا: ابتلينا واختبرنا ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ﴿مَنَّ﴾ - مِن باب شد - أي: أنعم الله عليهم بنعم كثيرة.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ السلام والسلامة: البراءة والعافية من الآفات والعيوب، والسلام من أسمائه تعالى، يدل على تنزيهه عن كل ما لا يليق به من عجز ونقص وفناء، واستعمل السلام في التحية بمعنى السلامة من كل ما يسوء، وبمعنى: تأمين المسلم عليه من كل أذى يناله من المسلم، فهو دليل المودة والصفاء، وهو تحية أهل الجنة يحييهم بها ربهم جلَّ وعلا وملائكته الكرام، ويحيي بها بعضهم بعضًا. ﴿كَتَبَ﴾؛ أي: أوجب وفرض وألزم. ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ والجهالة: السفه والخفة التي تقابل الحكمة والروية. ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾؛ أي: تتضح وتظهر يقال: استبنت الشيء وتبينته؛ أي: عرفته بينًا واضحًا. ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ النهي: الزجر
стр. 3618
عن الشيء بالقول نحو: اجتنب قول الزور، والكف عنه بالفعل، كما قال تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾.
﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الدعاء: النداء لطلب إيصال الخير أو دفع الضر، ولا يكون عبادةً إلا إذا كان فيما وراء الأسباب العادية التي سخرها الله للعباد، وينالونها بكسبهم واجتهادهم وتعاونهم عليها. ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ ضللت بفتح اللام، وهي لغة أهل الحجاز، وهي الفصحى، وهي قراءة الجمهور. وقرىء بكسرها، وهي لغة تميم، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة بن مصرف كما مر، قال الجوهري: والضلال والضلالة ضد الرشاد، وقد ضللت أضل، قال الله: ﴿إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ قال: فهذه - يعني المفتوحة - لغة نجد، وهي الفصيحة، وأهل العالية يقول: ضللت أضل انتهى.
﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ والبينة: كل ما يتبين به الحق من الحجج العقلية أو الآيات الحسية، ومن ذلك تسمية الشهادة بيّنة، ويجوز أن تكون التاء في بينة للمبالغة كما مر، والمعنى: على أمر بيِّن، فلما نفى أن يكون متبعًا للهوى .. نبه على ما يجب اتباعه وهو الأمر الواضح من الله تعالى: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ والقصص: ذكر الخبر أو تتبع الأثر، من قص الحديث، أو من قص الأثر؛ أي: تتبعه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، وعلى هذه القراءة، فالحق مفعول به اهـ "سمين".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرار في قوله: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، وفي قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، وفي قوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾، وقوله: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾؛ لأنه استعارة عن الكافر والمؤمن.
стр. 3619
ومنها: التتميم في قوله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأنه إنما ذكر لمجرد تتميم الفائدة وتأكيدها، وإلا فالكلام قد تمَّ بدونه.
ومنها: ما يسميه أهل البديع ردَّ الصدر على العجز في قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كقولهم عادات السادات، سادات العادات.
وقال الزمخشري (١) بعد كلام قدمه في معنى التفسير: فإن قلت: أما كفى قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ حتى ضم إليه قوله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؟
قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة، ومؤداهما واحد، وهو المعنى بقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ولا يستقبل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعًا، كأنه قيل: لا يؤاخذ كل واحد لا أنت ولا هم بحساب صاحبه. انتهى.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾؛ لأنها مؤكدة لقوله: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ واختار في التأكيد بالإسمية لتدل على الدوام والاستمرار.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ إشعارًا بوصفهم بالظلم، وحق الكلام أن يقال: والله أعلم بكم.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 3620
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أمر (١) رسوله ﷺ أن يبين للمشركين أنه على بينة من ربه فيما بلغهم إياه من رسالته، وأن ما يستعجلونه من عذاب الله تعجيزًا أو تهكمًا ليس عنده، وإنما هو عند الله تعالى، وقد قضت سنته أن يجعل لكل شيء أجلًا وموعدًا لا يتقدم ولا يتأخر، وأن الله تعالى هو الذي يقضي الحق ويقصه على رسوله .. ذكر هنا أن مفاتح الغيب عنده، وأن التصرف في الخلق بيده، وأنه
стр. 3621
هو القاهر فوق عباده لا يشاركه أحد من رسله، ولا من سواهم في ذلك.
وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها: أن الله (١) لما قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، وقال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ بعد قوله: ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ .. انتقل من خاص إلى عام، وهو علم الله بجميع الأمور الغيبية.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَار ...﴾ الآية، مناسبة (٢) هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر استئثاره بالعلم التام للكليات والجزئيات .. ذكر استئثاره بالقدرة التامة تنبيهًا على ما تختص به الإلهية، وذكر شيئًا محسوسًا قاهرًا للأنام، وهو التوفي بالليل والبعث بالنهار، وكلاهما ليس للإنسان فيه قدرة، بل هو أمر يوقعه الله تعالى بالإنسان.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...﴾ الآية، مناسبة (٣) هذه الآية لما قبلها: لما أبان الله لعباده إحاطة علمه، وشمول قدرته، واستعلاءه عليهم بالقهر، وحفظه أعمالهم عليهم .. ذكرهم هنا بالدلائل الدالة على كمال القدرة الإلهية، ونهاية الرحمة والفضل والإحسان.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٤): أن الله لما ذكَّر المشركين ببعض آياته في أنفسهم، وبمننه عليهم بإنجائهم من الأهوال والكروب التي يشعر بها كل من وقعت له منهم؛ إما بتسخير الأسباب، وإما بدقائق اللطف والإلهام .. ذكر هنا قدرته على تعذيبهم، وأبان أنَّ عاقبة كفران النعم أن تزول وتحل محلها النقم، وأنه يمهل ولا يهمل، بل يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر في الآيات السابقة تكذيب قريش بالقرآن، وكون الرسول مبلِّغًا لا خالقًا للإيمان، وأحالهم في ظهور
стр. 3622
صدق أنبائه وأخباره على الزمان .. بين في هذه الآيات السبيل في معاملة من يخوض في آيات الله بالباطل، ومن يتخذ دين الله هزوًا ولعبًا من الكفار الذين لم يجيبوا الدعوة.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ ...﴾ الآيات، سبب نزولها (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: لما نزلت: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ...﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف"، قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال بعض الناس: "لا يكون هذا أبدًا أن يقتل بعضنا بعضًا، ونحن مسلمون"، فنزلت: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٥٩ - ﴿وَعِنْدَهُ﴾ خاصة ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾؛ أي: مخازن الغيب أو المفاتح التي يتوصل بها إلى المخازن؛ أي: له علم الأمور المغيبة المخفية عن غيره، من الأرزاق والأمطار والآجال والعذاب والثواب والحساب والجزاء وغيرها.
وقرىء: ﴿مفاتيح﴾ بالياء. ﴿لَا يَعْلَمُهَا﴾؛ أي: لا يعلم تلك الأمور المغيبة ولا يحيط بها ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ، وهذه الجملة الفعلية مؤكدة لمضمون الجملة التي قبلها، ويندرج تحت مضمون هذه الآية علم ما يستعجله الكفار من العذاب اندراجًا أوليًّا، كما يدل عليه السياق، فهو الذي يحيط بها، وسواه جاهل بذاته، لا يعلم منها شيئًا إلا بإعلامه ، فعلينا أن نفوِّض إليه إنجازه وعده لرسله بالنصر، ووعيده لأعدائه بالعذاب والقهر، وأن نجزم بأنه لا يُخلف وعده رسله، وإنما يؤخر تنفيذه إلى الأجل الذي اقتضته حكمته.
стр. 3623
روى البخاري (١) عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ ".
وما حكاه الله تعالى عن عيسى ﵇ من قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾، وما قاله يوسف ﵇ لصاحبي السجن: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ﴾ داخل فيما يظهر الله عليه رسله من علم الغيب، كما قال تعالى في سورة الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، وجاء في معنى الآية: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾.
وروى البخاري عن عمران بن حصين مرفوعًا: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض".
وفي (٢) هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من المدعين ما ليس من شأنهم، ولا يدخل تحت قدرتهم، ولا يحيط به علمهم، ولقد ابتلي الإِسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة، ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق ﷺ : "من أتى كاهنًا أو منجمًا .. فقد كفر بما أنزل الله على محمد".
﴿وَيَعْلَمُ﴾ ﴿مَا فِي الْبَرِّ﴾ من النبات والدواب ﴿و﴾ ما في ﴿البحر﴾ من الحيوان والجواهر وغيرهما. وإنما (٣) قدم ذكر البر؛ لأن الإنسان قد شاهد أحوال البر، وكثرة ما فيه من المدن والقرى والمفاوز والجبال والتلال والحيوان والنبات والمعادن. وإنما أخر البحر في الذكر؛ لأن إحاطة العقل بأحواله أقل، لكن الحس يدل على أن عجائب البحر أكثر، وأجناس المخلوقات فيه أعجب، وأن طول البحر وعرضه أعظم.
стр. 3624
وقال مجاهد (١): البر: المفاوز والقفار، والبحر: المدن والقرى فيه والأمصار، لا يحدث فيها شيء إلا وهو يعلمه. وقال جمهور المفسرين: هما البر والبحر المعروفان؛ لأن جميع الأرض إما بر، وإما بحر، وفي كل واحد منهما من عجائب مصنوعاته وغرائب مبتدعاته ما يدل على عظيم قدرته وسعة علمه. والمعنى: أي: وعنده علم ما لم يغب عنكم؛ لأن ما فيهما ظاهر للعين، يعلمه العباد، وعلمه تعالى بما فيهما علم مشاهدة مقابل لعلم الغيب.
والخلاصة: أن عنده تعالى علم ما غاب عنكم مما لا تعلمونه ولن تعلموه مما استأثر بعلمه، وعنده علم ما يعلمه جميعكم لا يخفى عليه شيء منه، فعنده علم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾؛ أي: وما تسقط ورقة واحدة من أوراق الشجر أو النجم، ولا تبقى عليه في الصحارى والبراري، أو في الأمصار والقرى ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾؛ أي: إلا والحال أنه عليم بالساقطة منها والباقية، ويعلم زمان سقوطها، ومكانه، وعدد الساقطة والباقية وأحوالها قبل السقوط وبعده.
﴿وَلَا﴾ من ﴿حَبَّةٍ﴾ ملقاة ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ وبطونها لتنبت، قيل: هي الحبة المعروفة تلقى في بطن الأرض قبل أن تنبت، وقيل: هي الحبة التي في الصخرة التي تحت الأرضين السبع. ﴿وَلَا﴾ من ﴿رَطْبٍ﴾، وهو كل ما ينبت، وقيل: الحي ﴿وَلَا﴾ من ﴿يَابِسٍ﴾ وهو كل ما لا ينبت، وقيل: الميت، وقيل: هما عبارة عن كل شيء؛ لأن جميع الأشياء إما رطبة أو يابسة ﴿إِلَّا﴾ هو ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: إلا كان كل ما ذكر ثابتًا مكتوبًا في كتاب مبين؛ أي: موضح مبين مقدارها ووقتها ومكانها، وهو اللوح المحفوظ.
فإن قلت (٢): إن جميع هذه المذكورات داخلة تحت قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ فلِمَ أفردها بالذكر؟
قلتُ: ذكرها من قبيل التفصيل بعد الإجمال، وقد ذكر البر والبحر لما فيهما
стр. 3625
من العجائب، ثم الورقة؛ لأنها يراها كل أحد، لكن لا يعلم عددها إلا الله، ثم ذكر ما هو أضعف من الورقة، وهو الحبة، ثم ذكر مثالًا يجمع الكل، وهو الرطب واليابس، فذكر هذه الأشياء، وأنه لا يخرج شيء منها عن علمه ، فصارت الأمثال منبهة على عظمة عظيمة، وقدرة عالية، وعلم واسع، فسبحان العلم الخبير.
وعبارة "المراغي" هنا: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: وما (١) تسقط من حبَّة بفعل الإنسان باختياره، كالحب الذي يلقيه الزراع في بطون الأرض يسترونه بالتراب، فيحجب عن ضوء النهار، أو تذهب به النمل في قراها وحجورها، أو بغير فعل الإنسان؛ كالذي يسقط من النبات في الشقوق والأخاديد، وما يسقط من الثمار رطبًا ويابسًا إلا وهو في كتاب مبين، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب ذلك فيه، وكتب عدده، والوقت الذي يوجد فيه، والذي يفنى فيه، وجعل الكتاب مبينًا؛ لأنه يبين عن صحة ما هو فيه بوجود ما رسم فيه على ما رسم عليه، هذا هو الذي اختاره الزجاج لقوله في الآية الأخرى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، واختار الرازي أن الكتاب المبين: علم الله تعالى الذي يشبه المكتوب في الصحف بثباته وعدم تغيره.
واتفق (٢) علماء التفسير بالمأثور على تفسير الكتاب المبين وأم الكتاب والذكر في نحو ما تقدم من الآيات والأحاديث باللوح المحفوظ، وهو شيء أخبر الله به، وأنه أودعه كتابه ولم يعرفنا حقيقته، فعلينا أن نؤمن بأنه شيء موجود، وأن الله قد حفظ كتابه فيه، وأما دعوى أنه جرم مخصوص في سماء معينة .. فمما لم يثبت عن المعصوم ﷺ بالتواتر، فلا ينبغي أن يدخل في باب العقائد لدى المؤمنين.
وروي عن الحسن: أن حكمة كتابة الله لمقادير الخلق تنبيه المكلفين إلى عدم إهمال أحوالهم المشتملة على الثواب والعقاب. وزاد بعضهم حكمتين أخريين:
стр. 3626
١ - اعتبار الملائكة ﵈ بموافقة المحدثات للمعلومات الإلهية.
٢ - عدم تغيير الموجودات عن الترتيب السابق في الكتاب، ويؤيده ما روى البخاري عن أبي هريرة "جف القلم بما أنت لاق".
وقرأ (١) ابن السميقع: ﴿مفاتيح﴾ بالياء، وروي عن بعضهم: ﴿مفتاح الغيب﴾ على الإفراد. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن السميقع: ﴿ولا رطبٌ ولا يابسٌ﴾ بالرفع فيهما، والأولى أن يكونا معطوفين على موضع ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾، ويحتمل الرفع على الابتداء، وخبره ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
٦٠ - ﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ وينيمكم ﴿بِاللَّيْلِ﴾ ويراقبكم فيه، استعير (٢) التوفي من الموت للنوم؛ لما بينهما من المشاركة في إزالة الإحساس والتمييز، فإن أصل التوفي: قبض الشيء بتمامه.
وعبارة "زادة على البيضاوي" نصها: وعلى (٣) ما ذكره المصنف ليس في ابن آدم إلا روح واحدة، يكون لابن آدم بحسبها ثلاثة أحوال: حالة يقظة، وحالة نوم، وحالة موت، فباعتبار تعلقها بظاهر الإنسان وباطنه تعلقًا كاملًا تثبت له حالة اليقظة، وباعتبار تعلقها بظاهر الإنسان فقط تثبت له حالة النوم، وباعتبار انقطاع تعلقها عن الظاهر والباطن تثبت له حالة الموت.
فعلى هذا: معنى ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾؛ أي: يقطع أرواحكم عن التعلق ببواطنكم؛ أي: يقطع تعلقها بالباطن، ومعنى ﴿يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: يرد تعلقها بالباطن. وقيل: معنى ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾؛ أي: يقبض أرواحكم عند النوم، وهذا مبني على أن في الجسد روحين: روح الحياة: وهي لا تخرج إلا بالموت، وروح التمييز: وهي تخرج بالنوم، فتفارق الجسد، فتطوف بالعالم وترى المنامات، ثم ترجع إلى الجسد عند تيقظه، وسيأتي بسط هذه المسألة وإيضاحها في سورة الزمر إن شاء الله تعالى. واقتصر هنا على الليل، وإن كان ذلك يقع في النهار؛ لأن الغالب أن يكون النوم فيه. ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾؛ أي: ويعلم
стр. 3627
جميع ما كسبتم وعملتم في النهار؛ أي: يعلم جميع ما كسبتم حين اليقظة، ويكون معظم ذلك في النهار سواء أكان خيرًا أم شرًّا.
وفي "الفتوحات": والتقييد (١) بالظرفين جري على الغالب، إذ الغالب أن النوم في الليل والكسب في النهار، وخصَّ النهار بالذكر دون الليل؛ لأن الكسب فيه أكثر؛ لأنه زمن حركة الإنسان، والليل زمن سكونه. اهـ "كرخي".
﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: يوقظكم في النهار، عطف على ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾، وتوسيط (٢) الفعل بينهما لبيان ما في بعثهم من عظم الإحسان إليهم بالتنبيه على ما يكسبونه من السيئات. قال البيضاوي: أطلق البعث ترشيحًا للتوفي؛ أي: لما استعير التوفي من الموت للنوم .. كان البعث الذي هو في الحقيقة الإحياء بعد الموت ترشيحًا؛ لأنه أمر يلائم المستعار منه. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير هو الذي يتوفاكم بالليل، ثم يبعثكم بالنهار، ويعلم ما جرحتم فيه. ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ أي: يوقظكم ويرسلكم لكسب أرزاقكم وأقواتكم ومناجاة إلهكم وخالقكم؛ لأجل أن يقضي أجلًا مسمى؛ أي: لأجل أن يستوفي ويستكمل المتيقظ آخر أجله وعمره المعين له في علمه تعالى، فإن لأعماركم آجالًا مقدرة مكتوبة لا بد من قضائها وإتمامها. ومعنى الآية: أن إمهاله تعالى للكفار ليس للغفلة عن كفرهم، فإنه عالم بذلك، ولكن ليقضى أجل مسمى؛ أي: معين لكل فرد من أفراد العباد من حياة ورزق ﴿ثُمَّ﴾ بعد انقضاء آجالكم وموتكم ﴿إِلَيْهِ﴾ ، لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: رجوعكم بالبعث بعد الموت ﴿ثُمَّ﴾ بعد بعثكم وحشركم ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: يخبركم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في حياتكم الدنيا، ويجازيكم بذلك إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. والقادر (٣) على البعث مِن تَوفي النوم قادرٌ على البعث من توفي الموت، وفي ذكر الأجل المسمى والرجوع إلى الله تعالى لأجل الحساب والجزاء إيماء إلى تأييد ما تقدم من حكمة تأخير ما كان يستعجله مشركوا مكة من وعيد الله لهم، ووعده لرسله
стр. 3628
بالنصر عليهم، وبيان عذاب الآخرة فوق ما أنذروا به من عذاب الدنيا، فمن لم يدركه العذاب الأول .. لم يفلت من الثاني.
وقال أبو حيان (١): ولما ذكر تعالى النوم واليقظة .. كان ذلك تنبيهًا على الموت والبعث، وأن حكمهما بالنسبة إليه تعالى واحد، فكما أنام وأيقظ يميت ويحيي.
وقرأ طلحة وأبو رجاء: ﴿ليقضي أجلًا مسمى﴾ ببناء الفعل للفاعل، ونصب ﴿أجلًا﴾؛ أي: ليتم الله تعالى آجالهم، كقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾. وفي قراءة الجمهور يحتمل أن يكون الفاعل المحذوف ضميره تعالى أو ضميرهم.
٦١ - وبعد أن أبان الله أمر الموت والرجوع إلى الله للحساب والجزاء .. ذكر قهره لعباده، وإرسال الحفظة بإحصاء أعمالهم وكتابتها عليهم، فقال: ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْقَاهِرُ﴾؛ أي: الغالب المتصرف في خلقه بما يشاء في أمورهم إيجادًا وإعدامًا وإحياءً وإماتةً وإثابةً وتعذيبًا إلى غير ذلك، العالي بقدرته وسلطانه ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ فوقية تليق بجلاله لا نكيفها ولا نمثلها، بل نؤمن بها, ولا نعطلها ولا نؤولها، بل نمرها على ظاهرها كما جاءت، كما هو مذهب السلف الأسلم الأعلم في آيات الصفات وأحاديثها؛ أي: وهو القاهر المستحق منكم العبادة، لا المقهورون من الأوثان والأصنام المغلوبون على أمرهم. ومعنى القاهر: الغالب لغيره المذلل له، والله تعالى هو القاهر لخلقه، وقهر كل شيء بضده، فقهر الحياة بالموت، والإيجاد بالإعدام، والغنى بالفقر، والنور بالظلمة.
﴿وَيُرْسِلُ﴾ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها العباد ويوكل بكم ﴿حَفَظَةً﴾؛ أي: ملائكة يحفظون أعمالكم ويكتبونها في صحائف تقرأ عليكم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد. يعني: أن من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم لمراقبتهم، وإحصاء أعمالهم وكتابتها، وحفظها في الصحف التي تنشر يوم الحساب، وهي المرادة
стр. 3629
بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾، وهؤلاء الحفظة هم الملائكة الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾، ونحن نؤمن بهذه الكتابة ولا نعرف صفتها, ولا نتحكم فيها بآرائنا.
وما (١) مثل مراقبة أولئك الحفظة إلا مثل مراقبة رجال البوليس السري في حكومات العصر الحديث.
وروى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الآية: الملوك يتخذون الحرس يحفظونهم من أمامهم ومن خلفهم وعن يمينهم وعن شمالهم، يحفظونهم من القتل، ألم تسمع أن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ لم يغنِ الحرس عنهم شيئًا، وفي معنى الآية قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون".
والحكمة في كتابة الأعمال وحفظها على العاملين أن المكلف إذا علم أن أعماله تحفظ عليه، وتعرض على رؤوس الأشهاد .. كان ذلك أزجر له عن الفواحش والمنكرات، وأبعث له على عمل الصالحات، فإن لم يصل إلى مقام العلم الراسخ الذي يثمر الخشية لله والمعرفة الكاملة التي تثمر الحياء .. ربما غلب عليه الغرور بالكرم الإلهي والرجاء في المغفرة والرحمة، فلا يكون لديه من الخشية والحياء ما يزجره عن المعصية، كما يزجره توقع الفضيحة في موقف الحساب على أعين الخلائق وأسماعهم، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً
стр. 3630
إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾.
وقوله: ﴿إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ غاية لمحذوف تقديره: وهو الذي يرسل عليكم حفظة من الملائكة يراقبونكم ويحصون عليكم أعمالكم مدة حياتكم حتى إذا جاء أحدكم أسباب الموت ومقدماته، وانتهى عمله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾؛ أي: قبضت روحه رسلنا الموكلون بذلك من الملائكة، وهؤلاء الرسل هم أعوان ملك الموت الذين يتولون ذلك بأمره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾.
روى ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس: أنه سُئل عن ملك الموت، أهو وحده الذي يقبض الأرواح؟ قال: هو الذي يلي أمر الأرواح، وله أعوان على ذلك، وقرأ هذه الآية، ثم قال: غير أن ملك الموت هو الرئيس.
وروي عن إبراهيم النخعي ومجاهد وقتادة: أن الأعوان يقبضون الأرواح من الأبدان، ثم يدفعونها إلى ملك الموت. وعن الكلبي: أن ملك الموت هو الذي يتولى القبض بنفسه، ويدفعها إلى الأعوان، فإن كان الميت مؤمنًا .. دفعها إلى ملائكة الرحمة، وإن كان كافرًا .. دفعها إلى ملائكة العذاب؛ أي: وهم يتوجهون بالأرواح إلى حيث يوجههم الله بأمره، وعلينا أن نؤمن بذلك ولا نبحث عن كيفيته.
فإن قلت: جاء إسناد التوفي إلى الله تعالى في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وإسناده إلى ملك الموت في قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وإسناده إلى الرسل في قوله هنا: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾، فكيف الجمع بين هذه الآيات؟.
قلتُ: وجه الجمع بين هذه الآيات: أن المتوفي في الحقيقة هو الله تعالى، فإذا حضر أجل العبد .. أمر الله ملك الموت بقبض روحه، ولملك الموت أعوان من الملائكة، فيأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده، فإذا وصلت إلى الحلقوم .. تولى قبضها ملك الموت بنفسه، فحصل الجمع بين الآيات. وقيل: المراد من قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾: ملك الموت وحده، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيمًا له.
стр. 3631
وقرأ حمزة (١): ﴿توفاه﴾ بألف ممالة، وظاهره أنه فعل ماض كتوفته إلا أنه ذكر على معنى الجمع، ومن قرأ: ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ أنث على معنى الجماعة. ويحتمل أن يكون مضارعًا، وأصله: تتوفاه، فحذفت إحدى التاءين على الخلاف في تعيين المحذوفة.
وقرأ الأعمش: ﴿يتوفاه﴾ بزيادة ياء المضارعة على التذكير.
﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن هؤلاء الرسل ﴿لَا يُفَرِّطُونَ﴾؛ أي: لا يقصرون فيما أمروا به من قبض روح الميت، ولا يؤخرونه طرفة عين. وقرأ الأعرج وعمرو بن عبيد: ﴿لا يُفْرِطون﴾ بالتخفيف؛ أي: لا يجاوزون الحد فيما أمروا به بزيادة أو نقصان.
٦٢ - وقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ معطوف على ﴿تَوَفَّتْهُ﴾. وقرىء: ﴿رِدوا﴾ بكسر الراء بنقل حركة الدال المدغمة إلى الراء؛ أي: ثم بعد قبض الملائكة أرواحهم يرد أولئك الذين تتوفاهم الرسل بالبعث من القبور والحشر إلى موقف الحساب إلى حكم الله وقضائه وجزائه الذي هو ﴿مَوْلَاهُمُ﴾ ومالك أمورهم، الذي هو ﴿الْحَقِّ﴾ الذي لا يقضي إلا بالعدل ليحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم. وفي الآية (٢) إيماء إلى أن ردهم إليه حتم؛ لأنه سيدهم الذي يتولى أمورهم، ويحكم بينهم بالحق وأما تولي بعض العباد أمورَ بعضٍ بملك الرقبه أو ملك التصرف والسياسة، فمنه ما هو باطل من كل وجه، ومنه ما هو باطل من حيث إنه موقوف لا ثبات له ولا بقاء، وحق من حيث إن مولاهم الحق أقره في سننه الاجتماعية أو شرائعه المنزلة لمصلحة العباد العارضة مدة حياتهم الدنيا، وقد زال كل ذلك بزوال عالم الدنيا، وبقي المولى الحق وحده.
فإن قلت: ما الحكمة في إفراد الضمير في قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ العائد إلى ﴿أَحَدَكُمُ﴾ الذي هو بمعنى: البشر والخلق، وفي جمعه في قوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ بواو الجمع؟
стр. 3632
قلتُ: السر في الإفراد أولًا، والجمع ثانيًا: وقوع التوفي على الانفراد، والرد على الاجتماع، ذكره "أبو السعود".
وكلمة ﴿أَلَا﴾ في قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ حرف تنبيه واستفتاح؛ أي: انتبهوا أيها العباد واعلموا أن له وحده القضاء الحق في ذلك اليوم لا لغيره، لا بحسب الظاهر ولا بحسب الحقيقة، بخلاف الدنيا؛ فإنه وإن لم يكن حاكم في الحقيقة غيره تعالى، لكن فيها بحسب الظاهر حكام متعددة. ﴿وَهُوَ﴾ ﴿أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾؛ أي: أسرع من يحاسب؛ لأنه لا يحتاج إلى فكر وروية وعقد يد، وسرعة حسابه أنه يحاسب العباد كلهم في أسرع زمن وأقصره، لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره، ولا يشغله شأن عن شأن.
والخلاصة؛ أنه تعالى أسرع الحاسبين إحصاء للأعمال ومحاسبة عليها. وقرأ الحسن والأعمش: ﴿الحقَ﴾ بالنصب في قوله: ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ على إضمار فعل؛ أي: أعني أو أمدح، أو على أنه صفة مصدر محذوف تقديره: ثم ردوا إلى الله مولاهم الردَّ الحق.
٦٣ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء المشركين الغافلين عن أنفسهم وعما أودع في الآفاق من آيات التوحيد توبيخًا وتقريرًا لهم بانحطاط شركائهم عن رتبة الإلهية: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ﴾؛ أي: من (١) ذا الذي ينجيكم من ظلمات البر إذا ضللتم فيه فتحيرتم وأظلمت عليكم الطرق ﴿وَ﴾ من ذا الذي ينجيكم من ظلمات ﴿الْبَحْرِ﴾ إذا ركبتم فيه، فأخطأتم الطريق، وأظلمت عليكم السبل، فلم تهتدوا. وقيل: ظلمات البر والبحر: مجاز عما فيهما من الشدائد والأهوال. وقيل: العمل على الحقيقة أولى، فظلمات البر: هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح، فيحصل من ذلك الخوف الشديد؛ لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب، وظلمات البحر: ما اجتمع فيه من ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة الرياح العاصفة، والأمواج الهائلة، فيحصل من ذلك أيضًا
стр. 3633
الخوف الشديد من الوقوع في الهلاك. والاستفهام هنا للتقريع والتوبيخ، كما مرت الإشارة إليه، فالمقصود: أنه عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيها إلا إلى الله ؛ لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد، وهو المراد من قوله: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾؛ أي: من إله غير الله ينجيكم ويكشف عنكم تلك الكروب حالة كونكم تدعونه عند نزولها بكم تضرعًا وجهرًا، وتدعونه خفية وسرًّا، وتخلصون له الدعاء في الحالتين، وتنسون ما تشركون، يعني: إذا اشتد بكم الأمر .. تخلصون له الدعاء تضرعًا منكم إليه واستكانة جهرًا وخفية، يعني: جهرًا حالًا، وسرًّا حالًا، حالة كونكم قائلين في الدعاء ومقسمين له فيه، والله ربنا ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ الله من هذه الظلمات، وخلصنا من الهلاك ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ له على هذه النعمة، نعمة الإنجاء؛ أي: لنكونن من المتصفين بالشكر، المخلصين له بالعبادة دون من نشركه معه في عبادته، والشكر: هو معرفة النعمة مع القيام بحقها لمن أنعم بها.
وقرأ (١) الكوفيون: ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ﴾ بالتشديد فيهما. وقرأ حميد بن قيس ويعقوب وعلي بن نصر عن أبي عمرو بالتخفيف فيهما. وقرأ الحرميان - نافع وابن كثير - والعربيان - أبو عمرو وابن عامر - بالتشديد في ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ والتخفيف في ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ﴾ جمعوا بين التعدية بالهمزة والتضعيف كقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾. وقرأ (٢) أبو بكر عن عاصم: ﴿خفية﴾ بكسر الخاء وسكون الفاء. وقرأ الباقون بضمها وسكون الفاء، وهما لغتان، وعلى هذا الاختلاف في سورة الأعراف. وقرأ الأعمش: ﴿وخيفة﴾ بكسر الخاء فبعده الياء الساكنة من الخوف؛ أي: مستكينًا أو دعاء خوف. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ بالغيبة. وقرأ الباقون: ﴿لئن أنجيتنا﴾ بالخطاب. والآية تدل (٣) على أن الإنسان يأتي عند حصول الشدائد بأمور.
أحدها: الدعاء.
стр. 3634
وثانيها: التضرع.
وثالثها: الإخلاص بالقلب، وهو المراد من قوله: ﴿وَخُفْيَةً﴾.
ورابعها: الالتزام عند الشدائد بالشكر، وهو المراد من قوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
٦٤ - ثم بين أنهم يحنثون في أيمانهم بعد النجاة، ويشركون بربهم سواه، فقال: ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمَّد ﴿اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: إن الله وحده ينجيكم من ظلمات البر والبحر وشدائدهما المرة بعد المرة، ويكشفها عنكم ﴿وَ﴾ ينجيكم ﴿مِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ وغمٍّ سوى ذلك ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة بعدما تشاهدون هذه النعم الجليلة ﴿تُشْرِكُونَ﴾ بعبادته تعالى غيره الذي عرفتم أنه لا يضر ولا ينفع ولا تفون بعهدكم.
والخلاصة (١)؛ أنه إذا شهدت الفطرة السليمة بأنه لا ملجأ في هذه الحالة إلا إلى الله، ولا تعويل إلا على فضله، فالواجب أن يبقى هذا الإخلاص في جميع الأحوال والأوقات، لكن الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة يحيل ذلك إلى الأعمال الجسمانية أو إلى نحو ذلك من الأسباب، ويعود إلى الشرك في العبادة، ولا يوفي بالعهد. وفي الآية تنبيه إلى أن من أشرك في عبادته تعالى غيره، فكأنه لم يعبده رأسًا، فالتوحيد ملاك الأمر وأساس العبادة
٦٥ - ﴿قُلِ﴾ هو يا محمَّد لقومك الذين يشركون مع الله سواه، ولا يشكرون نعمه التي أسداها إليهم: إن الله ﴿هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ﴾ ويرسل ﴿عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ تجهلون حقيقته، فيصب عليكم ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ كالمطر كما فعل بقوم نوح، والحجارة كما رمي أصحاب اللَّيل وقوم لوط، والصيحة؛ أي: الصرخة التي صرخها جبريل على ثمود قوم صالح، والربح كما في قوم هود. ﴿أَوْ﴾ يثيره ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ كالرجفة، وغرق فرعون، وخسف قارون ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ ويخلط أمركم خلط اضطراب واختلاف لا خلط اتفاق، فيجعلكم ﴿شِيَعًا﴾ وفرقًا مختلفين على أهواء
стр. 3635
شتى، كل فرقة تشايع وتتبع إمامًا في الدين، أو تتعصب لملك أو رئيس، فإذا كنتم مختلفين .. قاتل بعضكم بعضًا ﴿وَيُذِيقَ﴾ الله ﴿بَعْضَكُمْ﴾ بسبب تلك المخالفة ﴿بَأْسَ بَعْضٍ﴾ آخر وضرره، فيقتل بعضكم بيد بعض.
وقرأ أبو عبد الله المدني: ﴿يلبسكم﴾ بضم الياء من اللبس، استعارة من اللباس؛ أي: يلبسكم الفتنة حالة كونكم شيعًا. وقرأ الأعمش: ﴿ونذيق﴾ بالنون، وهي نون عظمة الواحد، وهي التفات فائدته نسبة ذلك إلى الله على سبيل العظمة والقدرة القاهرة.
فصل في الأحاديث المناسبة للآية
وعن جابر ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ .. قال رسول الله ﷺ : "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ .. قال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ .. قال: "هذا أهون - أو - هذا أيسر" أخرجه البخاري، وإنما كان هذا أهون؛ لأن المستعاذ مما قبله هو عذاب الاستئصال بإحدى الخصلتين الأوليين حتى لا يبقى من الأمة أحد.
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنه أقبل مع النبي ﷺ ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية .. دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربه طويلًا، ثم انصرف إلينا فقال: "سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألت ربي: أن لا يهلك أمتي بالسنة، فأعطانيها، وسألت ربي: أن لا يهلك أمتي بالغرق، فأعطانيها، وسألت ربي: أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها" أخرجه مسلم.
وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: صلَّى رسول الله ﷺ صلاة، فأطالها، فقالوا: يا رسول الله، صليت صلاة لم تكن تصليها، قال: "أجل، إنها صلاة رغبة ورغبة، إني سألت الله فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته: أن لا يهلك أمتي بسَنَة، فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوًا من
стр. 3636
غيرهم، فأعطانيها، وسألته: أن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعنيها" أخرجه الترمذي.
ثم طلب منه النظر فيما لديه من الحجج والبينات، فقال: ﴿انْظُرْ﴾ يا محمَّد وتأمل بعين بصيرتك ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: كيف نبين دلائلنا وحججنا لهؤلاء المكذبين ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: يفهمون ويعتبرون فينزجروا ويرجعوا عماهم عليه من الكفر والتكذيب؛ أي: انظر كيف نصرف الآيات ونكررها مغيَّرة من حال إلى حال، لكي يقفوا على جلية الأمر، فيرجعوا عما هم عليه من العناد.
والمعني (١): تأمل بعين بصيرتك أيها الرسول، كيف نصرف الآيات والدلائل ونتابعها على أنحاء شتَّى، منها ما طريقه الحس، ومنها ما طريقه العقل، ومنها ما سبيله علم الغيب، لعلهم يفقهون الحق، ويدركون الحقائق بأسبابها وعللها التي تفضي إلى الاعتبار والعمل بها. وأقرب الوسائل إلى تحصيل ذلك: تصريف الآيات، واختلاف الحجج والبينات. وبذا يتذكرون ويزدجرون عما هم عليه مقيمون من التكذيب بكتابنا ورسولنا، وانكبابهم على عبادة الأوثان والأصنام.
٦٦ - ثم ذكر أن قومه قد كذبوا به على وضوح حجته، فقال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾؛ أي: وكذب بالقرآن قومك يا محمَّد على ما صرفنا فيه من الآيات الجاذبة إلى فقه الإيمان؛ إذ يثبتها الحس والعقل والوجدان. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: والحال أنه كتاب حق صادق فيما نطق به، ثابت لا شك فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿وكذبت به قومك﴾ بالتاء، كما قال ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. وقيل (٢): الضمير في: ﴿بِهِ﴾ يرجع إلى العذاب، وهو الحق، يعني: أنه نازل بهم إن أقاموا على كفرهم وتكذيبهم. وقيل: الضمير يرجع إلى تصريف الآيات، وهو الحق؛ لأنهم كذبوا كونها من عند الله.
ثم أمر رسوله بأن يبلغهم بأن لا سبيل له في جبرهم على الإيمان به،
стр. 3637
فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: إنني لست عليكم بحفيظ ولا رقيب، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم، أبشركم وأنذركم، ولم أعط القدرة على التصرف في عباده حتى أجبركم على الإيمان جبرًا، وأكرهكم عليه إكراهًا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾. وقيل (١): المعنى: قل يا محمَّد لهؤلاء المكذبين: لست عليكم بحافظ حتى أجازيكم على تكذيبكم وإعراضكم عن قبول الحق، بل إنما أنا منذر، والله هو المجازي لكم على أعمالكم، وقيل: معناه: إني إنما أدعوكم إلى الله وإلى الإيمان به، ولم أومر بحربكم؛ فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بآية السيف.
٦٧ - ثم هددهم وتوعدهم على التكذيب به فقال: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾؛ أي: لكل شيء ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: وقت يقع فيه، والنبأ الشيء الذي ينبأ عنه ويخبر به. وقيل: المعنى: لكل عمل جزاء. وقيل (٢): المعنى: لكل خبر يخبره الله مستقر؛ أي: وقت ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير، وكان ما وعدهم به من العذاب في الدنيا وقع يوم بدر ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ صحة هذا الخبر عند وقوعه؛ إما في الدنيا، وإما في الآخرة، والمعنى: لكل شيء ينبأ عنه ويخبر به مستقر؛ أي: وقت تستقر وتظهر فيه حقيقته، ويتميز حقه من باطله، فلا يبقى مجال للاختلاف فيه، وسوف تعلمون مستقر ما أنبأكم به كتابي من وعد ووعيد، ومن ذلك: ما وعد به الرسول من نصره عليهم، وما أوعد به أعدائه من الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾.
٦٨ - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ﴾ هو يا محمَّد أو أيها المخاطب هؤلاء المشركين ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ ويشرعون وينهمكون ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ القرآنية بالكفر والتكذيب والاستهزاء ﴿فَأَعْرِضْ
стр. 3638
عَنْهُمْ﴾؛ أي: فصد عنهم بوجهك، وقم ولا تقعد معهم ﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾ ويشرعوا ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾؛ أي: حديث غير التكذيب والاستهزاء بآياتنا، ويصح عود الضمير على الآيات نظرًا لمعناها؛ لأنها بمعنى الحديث والقول، ذكره أبو البقاء. قال المراغي: والمخاطب (١) بالآية الرسول ﷺ ، ومن كان معه من المؤمنين، ثم المؤمنون في كل زمان؛ أي: وإذا رأيت أيها الرسول، أو أيها المؤمن، الذين يخوضون في آياتنا المنزلة من الكفار المكذبين، أو من أهل الأهواء المفرقين .. فصد عنهم بوجهك، وقم ولا تجلس معهم حتى يخوضوا في حديث غير الكفر بآيات الله، والاستهزاء بها من جانب الكفار، أو تأويلها بالباطل من جانب أهل الأهواء؛ وتأييدًا لما استحدثوا من مذاهب وأراء، وتفنيدًا لأقوال خصومهم بالشغب والجدل والمراء، وإذا خاضوا في غير ذلك .. فلا ضير في القعود معهم.
وسِرُّ (٢) هذا النهي: أن الإقبال على الخائضين والقعود معهم يغريهم في التمادي فيما هم فيه، ويدل على الرضا به والمشاركة فيه، والمشاركة في ذلك كفر ظاهر لا يرتكبه إلا كافر مجاهر، أو منافق مراء، كما أنَّ في التأويل لنصر البدع والآراء الفاسدة فتنةً في الدين، لا تنقص عن الأولى ضررًا، فإن أربابها تغشهم أنفسهم بأنهم ينصرون الحق ويخدمون الشرع، ومن ثم حذر السلف من مجالسة أهل الأهواء أشد مما حذروا من مجالسة الكفار؛ إذ لا يخشى على المؤمن من فتنة الكافر مقدار ما يخشى من فتنة المبتدع. ومن الناس من يحرفون آيات الله على مواضعها بهواهم؛ ليكفروا بها مسلمًا، أو يضلِّلوا بها مهتديًا، بغيًا عليه وحسدًا له.
وفي (٣) هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله ﷺ ، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة، فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه، فأقل الأحوال
стр. 3639
أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير عسير، وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها على العامة، فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر. وقد شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر، وقمنا في نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه، وبلغت إليه طاقتنا، ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها .. علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من المفسدة أضعاف ما في مجالسة من يعصي الله بفعل شيء من المحرمات، ولا سيما لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة، فإنه ربما ينفق عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان، فينقدح في قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه، فيعمل بذلك مدة عمره، ويلقى الله به معتقدًا أنه من الحق، وهو من أبطل الباطل، وأنكر المنكر. ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: وإن أنساك الشيطان بوسوسته نهينا إياك عن مجالسة الخائضين في آيات الله بعد تذكرك أولًا، وقعدت معهم وهم على تلك الحال، ثم ذكرت بعد ذلك .. ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾؛ أي: بعد تذكرك النهي ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بتكذيب آيات ربهم والاستهزاء بها بدلًا من الإيمان بها والاهتداء بهديها؛ أي: فقم عنهم ولا تجلس معهم بعد ذلك. وإنما (١) أبرزهم ظاهرين تسجيلًا عليهم بصفة الظلم، وإلا فحق العبارة أن يقال: فلا تقعد معهم. وجاء في الشرط الأول بـ ﴿إِذَا﴾؛ لأن خوضهم في الآيات محقق، وفي الشرط الثاني بـ ﴿إن﴾؛ لأن إنساء الشيطان له ليس أمرًا محققًا، بل قد يقع وقد لا يقع، وهو معصوم منه، ولم يجىء مصدر على فعلى إلا ذكرى اهـ "سمين".
والخطاب (٢) في قوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ للرسول ﷺ ، والمراد غيره، أو هو للرسول ﷺ بالذات، ولغيره بالتبع، كما هو الشأن في أحكام التشريع غير الخاصة به ﷺ . ووقوع النسيان من الأنبياء بغير وسوسة من الشيطان لا خلاف في جوازه، قال تعالى لخاتم أنبيائه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ وثبت وقوعه من موسى ﵇: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾، ولكن الله عصمهم من نسيان
стр. 3640
شيء مما أمرهم بتبليغه.
وثبت في "الصحيحين" و"السنن" أن النبي ﷺ سها في الصلاة، وقال: "إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت .. فذكِّروني". وإنساء الشيطان للإنسان بعض الأمور ليس من قبيل التصرف والسلطان حتى يدخل في مفهوم قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾. ومن هذا تعلم أن نسيان الشيء الحسن الذي يسند إلى الشيطان؛ لكونه ضارًا ومفوتًا لبعض المنافع، أو لكونه حصل بوسوسته، ولو بشغل القلب ببعض المباحات، فلا يعد من سلطان الشيطان على الناس، واستحواذه عليهم بالإغواء والإضلال الذي نفاه الله تعالى عن عباده المخلصين بقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾.
وقرأ (١) ابن عامر: ﴿ينسينك﴾ مشددًا عدّاه بالتضعيف، وعدّاه غيره بالهمزة.
٦٩ - وروي عن ابن عباس: أنه لما قال المسلمون: إن قمنا كلما خاضوا لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، وأن نطوف بالبيت .. نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الشرك والمعاصي ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾؛ أي: من حساب الخائضين وعقوبتهم ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾، فـ ﴿مِنْ﴾ زائدة؛ أي: ليس على الذين آمنوا واتقوا شيء من حساب الخائضين في آيات الله، فلا يحاسبون على خوضهم فيها، وعلى غيره من أعمالهم السيئة التي يحاسبهم الله تعالى عليها إذا هم تجنبوهم، وأعرضوا عنهم كما أمروا. ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾؛ أي: ولكن عليكم أيها المتقون أن تذكروهم ذكرى، وتعظوهم عظة إذا سمعتموهم يخوضون، بأن تقوموا عنهم، وتظهروا كراهة فعلهم وتعظوهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: لعلهم يتجنبون الخوض في الآيات حياءً منكم، ورغبة في مجالستكم، قاله مقاتل. أو
стр. 3641
لعلهم يتقون الوعيد بتذكيركم إياهم.
فصل
قال (١) سعيد بن المسيب وابن جريج ومقاتل: هذه الآية منسوخة بالآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾، وذهب الجمهور إلى أنها محكمة لا نسخ فيها؛ لأنها خبر، والخبر لا يدخله النسخ؛ لأنها إنما دلت على أن كل إنسان إنما يختص بحساب نفسه لا بحساب غيره. وقيل: إنما أباح لهم القعود معهم بشرط التذكير والموعظة، فلا تكون منسوخة.
٧٠ - وبعد أن أمر رسوله بالإعراض عمن اتخذ آيات الله هزوا .. أمره بترك المستهزئين بدينهم، الذين غرتهم الحياة الدنيا فقال: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾؛ أي (٢): واترك يا محمَّد هؤلاء المشركين الذين اتخذوا وجعلوا دينهم الذي أمروا به ودعوا إليه - وهو دين الإِسلام - لعبًا ولهوًا، وذلك حيث سَخِروا به واستهزؤوا به. وقيل: إنهم اتخذوا عبادة الأصنام لعبًا ولهوًا. وقيل: إن الكفار إذا سمعوا القرآن لعبوا ولهوا عند سماعه. وقيل: إن الله جعل لكل قوم عيدًا، فاتخذ كل قوم دينهم - يعني: عيدهم - لعبًا ولهوًا، يلعبون ويلهون فيه إلا المسلمين، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة وتكبيرًا وفعل الخير فيه، مثل عيد الفطر، وعيد النحر، ويوم الجمعة. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ يعني: أنهم اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا، وغلب حبها على قلوبهم، فأعرضوا عن دين الحق، واتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا. وقال الرازي: لأجل استيلاء حب الدنيا أعرضوا عن حقيقة الدين، واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوصلوا بها إلى حطام الدنيا. انتهى. ومعنى الآية: وذر يا محمَّد الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، واتركهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم. والمراد بتركهم: ترك معاشرتهم ومخالطتهم، لا ترك الإنذار والتخويف.
стр. 3642
وعبارة "المراغي" هنا (١) أي: ودَعْ أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين هؤلاء المشركين، الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، وغرتهم الحياة الدنيا الفانية، فآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذاتها الحقيرة الفانية المشوبة بالمنغصات عما جاءهم من الحق مؤيدًا بالحجج والآيات، فاستبدلوا الخوض فيها بما كان يجب من فقهها وتدبرها، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾. واتخاذهم دينهم لعبًا ولهوًا؛ أنهم لما عملوا ما لا يزكي نفوسهم، ولا يطهر قلوبهم، ولا يهذب أخلاقهم، ولا يقع على وجه يرضي الله سبحانه، ولا يعد للقائه في دار الكرامة .. أضاعوا الوقت فيما لا يفيد، وهذا هو اللعب، أو شغلوا عن شؤونهم وهمومهم الأخروية وهذا هو اللهو.
وبعد أن أمره بترك المستهزئين بدينهم أمره بالتذكير بالقرآن، وتبليغ الرسالة، فقال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أي: وذكر يا محمَّد بالقرآن وعظ به هؤلاء المشركين وغيرهم مخافة ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ وتحبس ﴿نَفْسٌ﴾ في جهنم وتهلك فيها ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: بسبب ما كسبت وعملت من الشرك والمعاصي، والضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ يعود على القرآن المعلوم من السياق؛ لأنه هو الذكر، بُعث به الرسول المذكر.
والمعنى (٢): وذكرهم بالقرآن ومواعظه، وعرفهم الشرائع لكي لا تهلك نفس وترتهن في جهنم بسبب الجنايات التي اكتسبت في الدنيا، وتحرم الثواب في الآخرة ثم وصف النفس المبسلة، وعلل إبسالها، فقال: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: ليس لتلك النفس التي هلكت من دون الله ﴿وَلِيٌّ﴾؛ أي: ليس لها ولي يلي أمرها، وناصر ينصرها غير الله تعالى ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يشفع لها في الآخرة عند الله إلا بإذنه، كما قال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.
стр. 3643
ثم أرشد إلى أنه لا ينفع في الآخرة إلا صالح العمل لا الشفعاء والوسطاء، فقال: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾؛ أي: وإن تفد تلك النفس المبسلة كل نوع من أنواع الفداء وتعطه ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾؛ أي: لا يقبل ذلك العدل والفداء منها، والمراد: أنه لا يقع الأخذ ولا يحصل، وهذا كقوله في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.
والخلاصة (١): أن النفس المبسلة تمنع في ذلك اليوم من أي وسيلة من وسائل النجاة، فلا ولي ولا حميم ولا شفيع ولا فداء إلى نحو أولئك، مما ربما نفع في مقاصد الدنيا وأنجز بعض المنافع. وفي هذا إبطال لأصل من أصول الوثنية، وهو رجاء النجاة في الآخرة، كما هو الحال في الدنيا بتقديم الفدية لله تعالى، أو بشفاعة الشافعين ووساطة الوسطاء عنده تعالى، وتقرير لأصل ديني، وهو أن لا نجاة في الآخرة ولا رضوان من الله ولا قرب منه إلا بالعمل بما شرعه على ألسنة رسله من إيمان به، وعمل صالح يزكي النفس ويطهرها؛ أما من دس نفسه، وأبسله كسبه للسيئات والخطايا، واتخذ دين الله هزوًا ولعبًا، وغرته الحياة الدنيا، فلا تنفعه شفاعة، ولا تقبل منه فدية.
ثم بيَّن أن هذا الإبسال كان بسوء صنيعهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ المتخذون دينهم لعبًا ولهوًا المغترون بالحياة الدنيا هم ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ وحرموا الثواب، وأسلموا للعذاب، وحبسوا عن دار السعادة ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: بسبب ما كسبوا من الأوزار والآثام حتى أحاطت بهم خطاياهم، ولم يكن لهم من دينهم الذي اتخذوه زاجر ولا مانع يرشدهم إلى التحول عن تلك الأعمال القبيحة، ويصدهم عن العقائد الزائغة.
ثم بين سبحانه ما يكون من الجزاء حين أُبسلوا، فقال: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المتخذين دينهم لعبًا ولهوًا ﴿شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ أي: من ماء حار مغلي
стр. 3644
بالغ النهاية في شدة الحرارة، يستردد ويتجرجر في بطونهم، وتتقطع به أمعائهم ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: شديد الألم بنار تشتعل بأبدانهم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بسبب كفرهم المستمر في الدنيا الذي ظلوا عليه طول حياتهم حتى صرفوا عما جعل وسيلة للنجاة لو اتبعوه، وهذه الجملة تأكيد وتفصيل لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾.
والخلاصة (١): أن رسوخهم في الكفر أفسد فطرتهم حتى لم يبق فيهم استعداد للحق والخير. وفي ذلك عبرة لمن يفقه القرآن، ولا يغتر بلقب الإِسلام، ويعلم أنَّ المسلم من اتخذ القرآن إمامه، وسنة الرسول طريقه، لا من اغتر بالأماني والأوهام، ولا من ركن إلى شفاعة الشافعين والأولياء والناصرين.
الإعراب
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
﴿وَعِنْدَهُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَعِنْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَعْلَمُهَا﴾: فعل ومفعول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، والعامل فيها الاستقرار الذي تضمنه الظرف؛ لوقوعه خبرًا. ﴿وَيَعْلَمُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الإسمية التي قبلها، مسوقة لبيان تعلق علمه تعالى بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات ﴿فِي الْبَرِّ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة ما. ﴿وَالْبَحْرِ﴾: عطف على البر.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ
стр. 3645
إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَسْقُطُ﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿وَرَقَةٍ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿يَعْلَمُهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿وَرَقَةٍ﴾، وجاءت (١) الحال من النكرة لاعتمادها على النفي، والتقدير: وما تسقط من ورقة إلا عالمًا بها؛ لأنه مسقطها بإرادته. ﴿وَلَا﴾: (الواو): عاطفة، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿حَبَّةٍ﴾: معطوف على ﴿وَرَقَةٍ﴾. ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة لـ ﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ معطوفان أيضًا على ﴿وَرَقَةٍ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: جار ومجرور وصفة، متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: إلا هو كائن في كتاب مبين، وجملة الاستثناء في محل النصب بدل من جملة الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ بدل كل من كل؛ أي: وما تسقط من ورقة، ولا توجد حبَّة وما بعدها إلا هو في كتاب مبين.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿بِاللَّيْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾. ﴿وَيَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة الصلة. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿جَرَحْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما جرحتموه. ﴿بِالنَّهَارِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَرَحْتُمْ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب وتراخ. ﴿يَبْعَثُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ على كونها صلة الموصول