لعلهم يتقون الوعيد بتذكيركم إياهم.
فصل
قال (١) سعيد بن المسيب وابن جريج ومقاتل: هذه الآية منسوخة بالآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾، وذهب الجمهور إلى أنها محكمة لا نسخ فيها؛ لأنها خبر، والخبر لا يدخله النسخ؛ لأنها إنما دلت على أن كل إنسان إنما يختص بحساب نفسه لا بحساب غيره. وقيل: إنما أباح لهم القعود معهم بشرط التذكير والموعظة، فلا تكون منسوخة.
٧٠ - وبعد أن أمر رسوله بالإعراض عمن اتخذ آيات الله هزوا .. أمره بترك المستهزئين بدينهم، الذين غرتهم الحياة الدنيا فقال: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾؛ أي (٢): واترك يا محمَّد هؤلاء المشركين الذين اتخذوا وجعلوا دينهم الذي أمروا به ودعوا إليه - وهو دين الإِسلام - لعبًا ولهوًا، وذلك حيث سَخِروا به واستهزؤوا به. وقيل: إنهم اتخذوا عبادة الأصنام لعبًا ولهوًا. وقيل: إن الكفار إذا سمعوا القرآن لعبوا ولهوا عند سماعه. وقيل: إن الله جعل لكل قوم عيدًا، فاتخذ كل قوم دينهم - يعني: عيدهم - لعبًا ولهوًا، يلعبون ويلهون فيه إلا المسلمين، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة وتكبيرًا وفعل الخير فيه، مثل عيد الفطر، وعيد النحر، ويوم الجمعة. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ يعني: أنهم اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا لأجل أنهم غرتهم الحياة الدنيا، وغلب حبها على قلوبهم، فأعرضوا عن دين الحق، واتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا. وقال الرازي: لأجل استيلاء حب الدنيا أعرضوا عن حقيقة الدين، واقتصروا على تزيين الظواهر ليتوصلوا بها إلى حطام الدنيا. انتهى. ومعنى الآية: وذر يا محمَّد الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، واتركهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم. والمراد بتركهم: ترك معاشرتهم ومخالطتهم، لا ترك الإنذار والتخويف.
стр. 3642
وعبارة "المراغي" هنا (١) أي: ودَعْ أيها الرسول ومن تبعك من المؤمنين هؤلاء المشركين، الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، وغرتهم الحياة الدنيا الفانية، فآثروها على الحياة الباقية، واشتغلوا بلذاتها الحقيرة الفانية المشوبة بالمنغصات عما جاءهم من الحق مؤيدًا بالحجج والآيات، فاستبدلوا الخوض فيها بما كان يجب من فقهها وتدبرها، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾. واتخاذهم دينهم لعبًا ولهوًا؛ أنهم لما عملوا ما لا يزكي نفوسهم، ولا يطهر قلوبهم، ولا يهذب أخلاقهم، ولا يقع على وجه يرضي الله سبحانه، ولا يعد للقائه في دار الكرامة .. أضاعوا الوقت فيما لا يفيد، وهذا هو اللعب، أو شغلوا عن شؤونهم وهمومهم الأخروية وهذا هو اللهو.
وبعد أن أمره بترك المستهزئين بدينهم أمره بالتذكير بالقرآن، وتبليغ الرسالة، فقال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أي: وذكر يا محمَّد بالقرآن وعظ به هؤلاء المشركين وغيرهم مخافة ﴿أَنْ تُبْسَلَ﴾ وتحبس ﴿نَفْسٌ﴾ في جهنم وتهلك فيها ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: بسبب ما كسبت وعملت من الشرك والمعاصي، والضمير في قوله: ﴿بِهِ﴾ يعود على القرآن المعلوم من السياق؛ لأنه هو الذكر، بُعث به الرسول المذكر.
والمعنى (٢): وذكرهم بالقرآن ومواعظه، وعرفهم الشرائع لكي لا تهلك نفس وترتهن في جهنم بسبب الجنايات التي اكتسبت في الدنيا، وتحرم الثواب في الآخرة ثم وصف النفس المبسلة، وعلل إبسالها، فقال: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: ليس لتلك النفس التي هلكت من دون الله ﴿وَلِيٌّ﴾؛ أي: ليس لها ولي يلي أمرها، وناصر ينصرها غير الله تعالى ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ يشفع لها في الآخرة عند الله إلا بإذنه، كما قال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، وقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.
стр. 3643
ثم أرشد إلى أنه لا ينفع في الآخرة إلا صالح العمل لا الشفعاء والوسطاء، فقال: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾؛ أي: وإن تفد تلك النفس المبسلة كل نوع من أنواع الفداء وتعطه ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾؛ أي: لا يقبل ذلك العدل والفداء منها، والمراد: أنه لا يقع الأخذ ولا يحصل، وهذا كقوله في سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.
والخلاصة (١): أن النفس المبسلة تمنع في ذلك اليوم من أي وسيلة من وسائل النجاة، فلا ولي ولا حميم ولا شفيع ولا فداء إلى نحو أولئك، مما ربما نفع في مقاصد الدنيا وأنجز بعض المنافع. وفي هذا إبطال لأصل من أصول الوثنية، وهو رجاء النجاة في الآخرة، كما هو الحال في الدنيا بتقديم الفدية لله تعالى، أو بشفاعة الشافعين ووساطة الوسطاء عنده تعالى، وتقرير لأصل ديني، وهو أن لا نجاة في الآخرة ولا رضوان من الله ولا قرب منه إلا بالعمل بما شرعه على ألسنة رسله من إيمان به، وعمل صالح يزكي النفس ويطهرها؛ أما من دس نفسه، وأبسله كسبه للسيئات والخطايا، واتخذ دين الله هزوًا ولعبًا، وغرته الحياة الدنيا، فلا تنفعه شفاعة، ولا تقبل منه فدية.
ثم بيَّن أن هذا الإبسال كان بسوء صنيعهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ المتخذون دينهم لعبًا ولهوًا المغترون بالحياة الدنيا هم ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ وحرموا الثواب، وأسلموا للعذاب، وحبسوا عن دار السعادة ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: بسبب ما كسبوا من الأوزار والآثام حتى أحاطت بهم خطاياهم، ولم يكن لهم من دينهم الذي اتخذوه زاجر ولا مانع يرشدهم إلى التحول عن تلك الأعمال القبيحة، ويصدهم عن العقائد الزائغة.
ثم بين سبحانه ما يكون من الجزاء حين أُبسلوا، فقال: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المتخذين دينهم لعبًا ولهوًا ﴿شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ أي: من ماء حار مغلي
стр. 3644
بالغ النهاية في شدة الحرارة، يستردد ويتجرجر في بطونهم، وتتقطع به أمعائهم ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: شديد الألم بنار تشتعل بأبدانهم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بسبب كفرهم المستمر في الدنيا الذي ظلوا عليه طول حياتهم حتى صرفوا عما جعل وسيلة للنجاة لو اتبعوه، وهذه الجملة تأكيد وتفصيل لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾.
والخلاصة (١): أن رسوخهم في الكفر أفسد فطرتهم حتى لم يبق فيهم استعداد للحق والخير. وفي ذلك عبرة لمن يفقه القرآن، ولا يغتر بلقب الإِسلام، ويعلم أنَّ المسلم من اتخذ القرآن إمامه، وسنة الرسول طريقه، لا من اغتر بالأماني والأوهام، ولا من ركن إلى شفاعة الشافعين والأولياء والناصرين.
الإعراب
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
﴿وَعِنْدَهُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَعِنْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَعْلَمُهَا﴾: فعل ومفعول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، والعامل فيها الاستقرار الذي تضمنه الظرف؛ لوقوعه خبرًا. ﴿وَيَعْلَمُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الإسمية التي قبلها، مسوقة لبيان تعلق علمه تعالى بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات ﴿فِي الْبَرِّ﴾: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة ما. ﴿وَالْبَحْرِ﴾: عطف على البر.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ
стр. 3645
إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿تَسْقُطُ﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿وَرَقَةٍ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿يَعْلَمُهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿وَرَقَةٍ﴾، وجاءت (١) الحال من النكرة لاعتمادها على النفي، والتقدير: وما تسقط من ورقة إلا عالمًا بها؛ لأنه مسقطها بإرادته. ﴿وَلَا﴾: (الواو): عاطفة، ﴿لَا﴾: نافية. ﴿حَبَّةٍ﴾: معطوف على ﴿وَرَقَةٍ﴾. ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة لـ ﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ معطوفان أيضًا على ﴿وَرَقَةٍ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: جار ومجرور وصفة، متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: إلا هو كائن في كتاب مبين، وجملة الاستثناء في محل النصب بدل من جملة الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ بدل كل من كل؛ أي: وما تسقط من ورقة، ولا توجد حبَّة وما بعدها إلا هو في كتاب مبين.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿بِاللَّيْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾. ﴿وَيَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة الصلة. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿جَرَحْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما جرحتموه. ﴿بِالنَّهَارِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَرَحْتُمْ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب وتراخ. ﴿يَبْعَثُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ على كونها صلة الموصول
стр. 3646
لا محل لها من الإعراب.
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿مُسَمًّى﴾: صفة له، والفعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وجملة أن المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام كي، واللام متعلقة بـ ﴿يَبْعَثُكُمْ﴾، والتقدير: ثم يبعثكم فيه لقضاء أجل مسمى. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على الجملة الإسمية التي قبلها. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿الْقَاهِرُ﴾، أو حال من الضمير المستتر في ﴿الْقَاهِرُ﴾ تقديره: حال كونه مستعليًا فوق عباده. ﴿وَيُرْسِلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿حَفَظَةً﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على اسم الفاعل على كونها صلة لأل الموصولة، والتقدير: وهو الذي يقهر فوق عباده، ويرسل عليكم حفظة.
وفي "الفتوحات": قوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ فيه ثلاثة أوجه (١):
أحدها: أنه عطف على اسم الفاعل الواقع صلة لـ ﴿أل﴾؛ لأنه في معنى
стр. 3647
يفعل، والتقدير: وهو الذي يقهر عباده، ويرسل، فعطف الفعل على الاسم؛ لأنه في تأويله.
والثاني: أنها جملة فعلية عطفت على جملة اسمية، وهي قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾.
الثالث: أنها معطوفة على الصلة، و ﴿مَا﴾ عطف عليها، وهو قوله: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ و ﴿يَعْلَمُ﴾، وما بعده؛ أي: وهو الذي يتوفاكم، ويرسل عليكم حفظة. اهـ "سمين". ﴿حَتَّى﴾: ابتدائية لدخولها على الجملة، غائية لكون ما بعدها غاية لما قبلها. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُفَرِّطُونَ﴾: خبره، والجملة الإسمية في محل النصب حال من ﴿رُسُلُنَا﴾؛ أو مستأنفة مسوقة للإخبار عنهم بهذه الصفة. اهـ "كرخي". وفي "الفتوحات": قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ﴾ حتى (١) هذه هي التي يبتدأ بها الكلام، وهي مع ذلك تجعل ما بعدها من الجملة الشرطية غاية لما قبلها، كأنه قيل: ويرسل عليكم حفظة تحفظ أعمالكم مدة حياتكم، حتى إذا انتهت مدة حياة أحدكم كائنًا ما كان، وجاءه أسباب الموت ومباديه .. توفته رسلنا. اهـ "أبو السعود".
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿رُدُّوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ على كونها جواب ﴿إِذَا﴾. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مَوْلَاهُمُ﴾: صفة أولى للجلالة. ﴿الْحَقِّ﴾: صفة ثانية له. ﴿أَلَا﴾: حرف استفتاح. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الْحُكْمُ﴾: مبتدأ مؤخر،
стр. 3648
والجملة مستأنفة. ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من الضمير المجرور باللام، والعامل في الحال الاستقرار الذي تعلق به الظرف.
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مِنْ﴾، والجملة الإسمية في محل النصب مقول القول. ﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾. ﴿وَالْبَحْرِ﴾: معطوف على ﴿الْبَرِّ﴾. ﴿تَدْعُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾. ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾: حالان من فاعل ﴿تَدْعُونَهُ﴾. ولكن بعد تأويلهما بالمشتق؛ أي: تدعونه حال كونكم متضرعين ومخفين. ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾: اللام موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿أَنْجَانَا﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مِنْ هَذِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْجَانَا﴾. ﴿لَنَكُونَنَّ﴾ اللام: رابطة لجواب القسم. ﴿نَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير يعود على المتكلمين. ﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿نكون﴾، وجملة ﴿نكون﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه تقديره: إن أنجانا .. نكون من الشاكرين، وقد اجتمع هنا شرط وقسم، فحذف جواب المؤخر منهما، وهو الشرط على القاعدة، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب مقول لقول محذوف منصوب على الحال من فاعل ﴿تَدْعُونَهُ﴾ تقديره: تدعونه قائلين: لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين.
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.
стр. 3649
﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ﴾: إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلِ﴾، وإن شئت قلت: ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿مِنْهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾. ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ. وجملة ﴿تُشْرِكُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قُلِ﴾.
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿هُوَ الْقَادِرُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿الْقَادِرُ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول القول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَبْعَثَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَبْعَثَ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾ تقديره: على بعثه عليكم عذابًا من فوقكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿الْقَادِرُ﴾. ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به. ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿عَذَابًا﴾. ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿يَبْعَثَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿شِيَعًا﴾: حال من مفعول ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾، ولكن في تأويل متفرقين. ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ﴾: فعل ومفعول أول معطوف على ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿بَأْسَ بَعْضٍ﴾: مفعول ثانٍ ومضاف إليه. ﴿انْظُرْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم للاستفهام التعجبي في محل النصب على التشبيه بالمفعول به، والعامل فيه
стр. 3650
﴿نُصَرِّفُ﴾، ولا يجوز أن يكون معمولًا لما قبله؛ لأن اسم الاستفهام له صدر الكلام. ﴿نُصَرِّفُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿الْآيَاتِ﴾: مفعول به، وهذه الجملة الاستفهامية في محل النصب مفعول لـ ﴿انْظُرْ﴾، و ﴿كَيْفَ﴾ معلقة له عن العمل في لفظه. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترجٍ وتعليل ونصب، والهاء: اسمها، وجملة ﴿يَفْقَهُونَ﴾ في محل الرفع خبر لعل، وجملة لعل في محل الجر بلام التعليل المقدرة مسوقة لتعليل ما قبلها، والمعنى: انظر يا محمَّد كيف نصرف لهم الآيات لكي يفقهوا ويفهموا ويتدبروا تلك الآيات.
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَكَذَّبَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَذَّبَ﴾: فعل ماض. ﴿بِهِ﴾: متعلق به. ﴿قَوْمُكَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ضمير به؛ أي: كذبوا به حال كونه حقًّا، وهو أعظم في القبح، أو الجملة مستأنفة. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَسْتُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿وَكِيلٍ﴾. ﴿بِوَكِيلٍ﴾: خبر ﴿ليس﴾، والباء زائدة، وجملة ﴿ليس﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾. ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل وحرف تنفيس، والجملة معطوفة على الجملة الإسمية التي قبلها.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿رَأَيْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الخفض بـ ﴿إِذَا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر
стр. 3651
في محل النصب مفعول به لـ ﴿رأى﴾؛ لأن رأى بصرية يتعدى لمفعول واحد. ﴿يَخُوضُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿فِي آيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَخُوضُونَ﴾. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إِذَا﴾ وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية. ﴿أَعْرِضْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿إِذَا﴾ مع جوابها مستأنفة. ﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾: فعل وفاعل وناصب، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى: إلى تقديره: إلى خوضهم في حديث غيره، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَعْرِضْ﴾. ﴿فِي حَدِيثٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَخُوضُوا﴾. ﴿غَيْرِهِ﴾: صفة ومضاف إليه مجرور؛ لأنه بمعنى مغاير. ﴿وَإِمَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِمَّا﴾: حرف شرط، وما: زائدة. ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾: ينسين: فعل مضارع في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة، حرف لا محل لها من الإعراب، والكاف: ضمير المخاطب في محل النصب مفعول به. ﴿الشَّيْطَانُ﴾: فاعل. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية؛ لكون الجواب جملة طلبية. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَقْعُدْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿بَعْدَ الذِّكْرَى﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَقْعُدْ﴾. ﴿مَعَ الْقَوْمِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَقْعُدْ﴾ أيضًا. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾، وجملة ﴿تَقْعُدْ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ الشرطية.
﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿يَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من شيء؛ لأنه صفة نكرة قَدمت عليها. ﴿مِنْ
стр. 3652
شَيْءٍ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿وَلَكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكن﴾: حرف استدراك. ﴿ذِكْرَى﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: ولكن ذكروهم ذكرى، والجملة الاستدراكية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل: حرف نصب وتعليل، والهاء: اسمها، وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾.
﴿وَذَرِ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ذَرِ﴾: فعل أمر مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل النصب على المفعولية. ﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿دِينَهُمْ﴾: مفعول أول لها. ﴿لَعِبًا﴾: مفعول ثان. ﴿وَلَهْوًا﴾: معطوف عليه، والجملة صلة الموصول. ﴿وَغَرَّتْهُمُ﴾: فعل ومفعول. ﴿اتَّخَذُوا﴾: فاعل. ﴿دِينَهُمْ﴾: صفة لها، والجملة معطوفة على جملة الصلة. ﴿وَذَكِّرْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿ذكر﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر المنصوب على كونه مفعولا لأجله، تقديره: وذكر به مخافة إبسال نفس. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُبْسَلَ﴾. ﴿كَسَبَتْ﴾: فعل ماض، وتاء تأنيث، وفاعله ضمير يعود على ﴿نَفْسٌ﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كسبته. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من ﴿وَلِيٌّ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿وَلِيٌّ﴾: اسم ليس مؤخر. ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ مستأنفة، أو حال من ﴿نَفْسٌ﴾ أو صفة لها، كما
стр. 3653
ذكره "أبو السعود".
﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿تَعْدِلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿نَفْسٌ﴾. ﴿كُلَّ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿عَدْلٍ﴾: مضاف إليه. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُؤْخَذْ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق به، وجملة ﴿لَا يُؤْخَذْ﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿أُبْسِلُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُبْسِلُوا﴾. ﴿كَسَبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كسبوه. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿شَرَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿شَرَابٌ﴾، والجملة الإسمية في محل الرفع خبر ثان لأولئك، أو في محل النصب حال من ضمير ﴿أُبْسِلُوا﴾، أو من الموصول، أو مستأنفة. ﴿وَعَذَابٌ﴾: معطوف على ﴿شَرَابٌ﴾. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾. ﴿بِمَا كَانُوا﴾: الباء: حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْفُرُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بسبب كفرهم، الجار والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر في قوله: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ المفاتح: جمع مفتح - بفتح الميم وكسر التاء - بمعنى: المخزن، فيكون اسم مكان، والمخزن - بفتح الميم وكسر الزاي -: المكان الذي يخزن فيه الجواهر النفيسة وغيرها، أو جمع مفتح بكسر الميم وفتح التاء، والمفتح: هو المفتاح الذي تفتح به الأقفال، فيكون اسم الآلة، ففي
стр. 3654
الكلام استعارة كما سيأتي في مبحثها.
وفي "السمين": في المفاتح ثلاثة أقوال (١):
أحدها: أنه جمع مفتح بكسر الميم، والقصر مع فتح التاء، وهو الآلة التي يفتح بها، كمنبر ومنابر.
والثاني: أنه جمع مفتح بفتح الميم وكسر التاء، كمسجد، وهو المكان، ويؤيده تفسير ابن عباس بقوله: هي خزائن المطر.
والثالث: أنه جمع مفتاح بكسر الميم والألف، وهو الآلة أيضًا إلا أن هذا فيه ضعف من حيث إنه كان ينبغي أن تقلب ألف المفرد ياء، فيقال: مفاتيح كدنانير، ولكنه قد نقل في جمع مصباح مصابيح، وفي جمع محراب محاريب، وهذا كما أتوا في جمع ما لا مدّ في مفرده، كقولهم: دراهم وصياريف في جمع: درهم وصيرف، فزادوا في هذا ونقصوا في ذلك. وقد قرئ ﴿مفاتيح﴾ كما مرَّ، وهي تؤيِّد أن مفاتح جمع: مفتاح، وإنما حذفت مدته، وجوز الواحدي أن يكون مفاتح جمع: مفتح - بفتح الميم والتاء - كمذهب على أنه مصدر، فعلى هذا مفاتح جمع: مفتح بمعنى: الفتح، ويكون المعنى: وعنده فتوح الغيب؛ أي: هو يفتح الغيب على من يشاء من عباده. اهـ.
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ والبحر (٢): كل مكان واسعٍ حاوٍ للكثير من الماء، والبر: ما يقابله.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ والسقوط: الوقوع من علو، والورقة واحدة الورق من النبات والكاغد، وهي معروفة، والرطب واليابس معروفان، يقال: رطب فهو رطيب، ورطب ويبس فهو يابس ويبيس، وشذ فيه يبس بحذف الياء وكسر الباء.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ التوفي: أخذ الشيء وافيًا؛ أي: تامًّا كاملًا، ويقابله التوفية وهو إعطاء الشيء تامًّا كاملًا، ويقال: وفاه حقه فتوفاه منه، قال تعالى:
стр. 3655
﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾، ويقال: توفاه واستوفاه: أحصى عدده، ثم أطلق التوفي على الموت؛ لأن الأرواح تقبض وتؤخذ أخذًا تامًّا، وأطلق على النوم كما في الآية، وفي آية الزمر.
﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ والجرح: يطلق على العمل والكسب بالجوارح، وعلى التأثير الدامي من السلاح، وما في معناه كالبراثن والأظفار والأنياب من سباع الطير والوحش، وتسمى الخيل والأنعام المنتجة جوارح أيضًا؛ لأن نتاجها كسبها، والجرح كالكسب، يطلق على الخير والشر، والاجتراح فعل الشر خاصة في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. وفي "المصباح": وجرح من باب نفع، واجترح عمل بيده واكتسب، ومنه قيل لكواسب الطير والسباع: جوارح جمع: جارحة؛ لأنها تكسب بيدها.
﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾؛ أي: يوقظكم من النوم، وعرَّفوا النوم: بأنه فترة طبيعية تهجم على الشخص قهرًا عليه، تمنع حواسه الحركة، وعقله الإدراك.
﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ والحفظة: جمع: حافظ، مثل: كتبة وكاتب، وهو جمع (١) منقاس لفاعل وصفًا مذكرًا صحيح اللام عاقلًا، وقلَّ فيما لا يعقل، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَلَهْ
والمراد بالحفظة هنا: الكرام الكاتبون من الملائكة: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾.
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ والظلمات جمع: ظلمة، وهي عدم الضوء، وهي (٢) ضربان: ظلمات حسية؛ كظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر، وظلمات معنوية؛ كظلمة الجهل بالمسالك والطرق، وظلمة فقد الأعلام والمنار، وظلمة الشدائد والأخطار؛ كالعواصف والأعاصير وهياج البحار إلى نحو ذلك من الشدائد التي تبطل الحواس، وتدهش العقول. قال الزجاج: تقول
стр. 3656
العرب لليوم الذي فيه شدة: يوم مظلم، ويوم ذو كواكب؛ أي: أنه قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وفي المثل؛ أي: رأى الكواكب ظهرًا؛ أي: أظلم عليه يومه لاشتداد الأمر فيه حتى كأنه أبصر النجم نهارًا.
﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ التضرع: تفعل من الضراعة، وهو المبالغة في الضراعة، وهي الذل والخضوع، والمراد منه هنا: ما كان صادرًا عن الإخلاص الذي يثيره الإيمان الفطري المطوي في أنفس البشر. والخفية - بضم الخاء وكسرها -: الخفاء والاستتار. والدعاء قد يكون بالجهر ورفع الصوت مع البكاء، وقد يكون بالإسرار هربًا من الرياء، فتارة يجأر المرء بالدعاء رافعًا صوته متضرعًا مبتهلًا، وأخرى يسر الدعاء ويخفيه مخلصًا ومحتسبًا، ويتحرى أن لا تسمعه أذن، ولا يعلم به أحد، ويرى أنه يكون بذلك أجدر بالقبول، وأرجى لنيل المسؤول. والخفية - بضم الخاء وكسرها - كما مرَّ: اسم مصدر من أخفى الشيء يخفي إخفاء وخفية إذا ستره.
وقرأ الأعمش: ﴿خِيفة﴾ كما مرَّ بكسر الخاء وتقديم الياء الساكنة على الفاء، وهي من الخوف، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وسكونها.
﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ والكرب: الغم الشديد، يأخذ بالنفس، ومنه رجل مكروب قال عنترة:
وَمَكْرُوْبٍ كَشَفْتُ الْكَرْبَ عَنْهُ ... بِطَعْنَةِ فَيْصَلٍ لَمَّا دَعَانِي
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾؛ أي: يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط إتفاق، فيجعلكم فرقًا مختلفة لا فرقة واحدة. ومعنى خلطهم (١): إنشاب القتال بينهم، فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال، كقول الشاعر:
وَكَتِيْبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتِيْبَةٍ ... حَتَّى إِذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدِيْ
فَتَرَكْتُهُمْ تَقِصُ الرِّمَاحُ ظُهُوْرَهُمْ ... مَا بَيْنَ مُنْعَفِرٍ وَآخَرَ مُسْنَدِ
والشيع جمع: شيعة، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر واحد.
стр. 3657
وفي "الفتوحات" (١): والشيع جمع: شيعة، كسدرة وسدر، والشيعة من يتقوَّى به الإنسان، والجمع: شيع كما تقدم وأشياع، كذا قاله الراغب، والظاهر أن أشياعًا جمع: شيع كعنب وأعناب وضلع وأضلاع، وشيع جمع: شيعة، فهو جمع الجمع اهـ "سمين". وفي "القاموس": وشيعة (٢) الرجل - بالكسر -: أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، وتقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولَّى عليًّا وأهل بيته، حتى صار اسمًا لهم خاصَّةً، والجمع: أشياع وشيع؛ كعنب. انتهى.
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ وهذا هو ما عليه الناس اليوم من الاختلافات وسفك بعضهم دماء بعض، والبأس: العذاب الشديد، كما في "المصباح".
﴿نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نحولها من نوع إلى آخر من فنون الكلام تقريرًا للمعنى: وتقريبًا إلى الفهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ الفقه: فهم الشيء بدليله وعلته المفضي إلى الاعتبار والعمل به.
﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ والوكيل: هو الذي توكل إليه الأمور. ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ والنبأ: الشيء الذي ينبأ عنه، والمستقر: يصح كونه مصدرًا، واسم مكان أو زمان؛ أي: استقرار أو مكانه أو زمانه.
﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ الخوض (٣)، في اللغة: هو الشروع في الماء والعبور فيه، ويستعار للأخذ في الحديث والشروع فيه، يقال: تخاوضوا في الحديث وتفاوضوا فيه، لكن أكثر ما يستعمل الخوض في الحديث على وجه اللعب والعبث.
﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ والذكرى مصدر: ذكر يذكر ذكرى، جاء على وزن: فعلى، وألفه للتأنيث، ولم يجىء مصدر على فعلى غيره. ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ أصل (٤) البسل في اللغة: التحريم والمنع، ومنه: هذا عليك بسل؛ أي: حرام
стр. 3658
ممنوع اهـ "خازن".
وعبارة "أبي السعود": وأصل البسل والإبسال: المن, ومنه: أسد باسل؛ لأن فريسته لا تفلت منه، أو لأنه ممتنع، والباسل: الشجاع؛ لامتناعه من قرنه، وهذا بسيل عليك؛ أي: حرام ممنوع اهـ.
وفي "المختار": وأبسله: أسلمه، فهو بسيل، وقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ قال أبو عبيدة: أن تسلم، والمستبسل: الذي يوطّن نفسه على الموت أو الضرب، وقد استبسل؛ أي: استقتل، وهو أن يطرح نفسه في الحرب ويريد أن يقتل أو يقتل لا محالة، وفسر هنا: بالحبس في النار، وبالحرمان من الثواب وبالفضيحة.
قال أبو حيان: الإبسال: تسليم المرء نفسه للهلاك، ويقال: أبسلت ولدي: أرهنته قال الشاعر:
وَإِبْسَالي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ... بَعُوْنَاه وَلاَ بِدَمٍ مُرَاقِ
بعوناه: جنيناه، والبعو: الجناية. انتهى.
﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾؛ أي: تفتد بكل فداء كما عبر به "الخازن"، وعدل بهذا المعنى من باب ضرب.
وفي "المصباح": يقال: عدلت هذا بهذا عدلًا من باب ضرب إذا جعلته مثله قائمًا مقامه، والعدل أيضًا: الفدية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾. اهـ.
وفي "البيضاوي": والعدل: الفدية؛ لأنها تعادل المفدى، و ﴿كُلَّ﴾ نصب على المصدر.
﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ وشراب (١): فعال بمعنى: مفعول، وفعال بمعنى: مفعول؛ كطعام بمعنى: مطعوم لا ينقاس، لا يقال: أكال بمعنى مأكول، وضراب
стр. 3659
بمعنى: مضروب، والحميم: الماء الشديد الحرارة، وأليم: شديد الألم، فكلاهما صيغة مبالغة على وزن فعيل.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾؛ لأنه استعار المفاتح للأمور الغيبية، كأنها مخازن خزنت فيها المغيبات، قال الزمخشري: جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة؛ لأن المفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن المغلقة بالأقفال، فهو سبحانه العالم بالمغيبات وحده، وفي قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾، فإنه استعار التوفي من الموت للنوم؛ لأن التوفي حقيقة في الموت لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس والتمييز.
ومنها: الترشيح في قوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ وهو ذكر ما يلائم المستعار منه. قال القاضي: أطلق البعث ترشيحًا للتوفي؛ أي: لما استعير التوفي من الموت للنوم .. كان البعث - الذي هو في الحقيقة الإحياء بعد الموت - ترشيحًا؛ لأنه أمر يلائم المستعار منه اهـ "كرخي".
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾؛ لأنه استعار الظلمات المعطلة لحاسة البصر للشدائد الهائلة التي تبطل الحواس وتدهش العقول، وفي قوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾؛ لأن الذوق حقيقة في المذوقات.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾؛ لأن الخوض حقيقة في الانغماس في الماء، فاستعير للأخذ في الحديث والشروع فيه على وجه اللعب واللهو، وقيل: الخوض كناية عن الاستهزاء بها والطعن فيها.
ومنها: الحصر في مواضع، كقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾؛ لأن تقديم الخبر على المبتدأ يفيد حصره في الخبر، وكقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، وقوله:
стр. 3660
﴿ألَا لَهُ الْحُكْمُ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾، وقوله: ﴿رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾، وقوله: ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وقوله: ﴿فوق وتحت﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ للتسجيل عليهم بقبح ما ارتكبوا؛ حيث وضعوا التكذيب والاستهزاء مكان التصديق والتعظيم، وحق العبارة أن يقال: فلا تقعد معهم كما مر.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ من إسناد ما للسبب إلى المسبب؛ لأن المراد بالإسناد أسباب الموت ومقدماته.
ومنها: الاستفتاح والتنبيه في قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾.
ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 3661
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر جزاء الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، بأنه لا ولي لهم ولا شفيع من دون الله، وأنهم مبسلون في عذاب جهنم، ولهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون .. أمر نبيه ﷺ بأن يقول لهم هذه المقالة؛ أي: كيف ندعوا من دون الله أصنامًا لا تنفعنا بوجه من وجوه النفع إن أردنا منها نفعًا، ولا نخشى ضرها بوجه من الوجوه،
стр. 3662
ومن كان هكذا .. فلا يستحق العبادة توبيخًا لهم وإنكارًا عليهم عبادتها.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ...﴾ الآية، مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر أنه يحشر إلى جزائه العالم، وهو منتهى ما يؤول إليه أمرهم .. ذكر مبتدأ وجود العالم وخلقه له بالحق؛ أي: بما هو حق لا عبث فيه ولا هو باطل؛ أي: لم يخلقهما باطلًا ولا عبثًا، بل صدرا عن حكمة وصواب، وليستدل بهما على وجود الصانع؛ إذ هذه المخلوقات العظيمة الظاهر عليها سمات الحدوث، لا بد لها من محدث واحد عالم قادر مريد سبحانه جلَّ وعلا.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الجملة لما قبلها: أن الله لما ذكر خلق الخلق وسرعة إيجاده لما يشاء، وتضمن البعث إفنائهم قبل ذلك .. ناسب ذكر الوصف بالحكيم، ولما ذكر أنه عالم الغيب والشهادة .. ناسب ذكر الوصف بالخبير، إذ هي صفة تدل على علم ما لطف إدراكه من الأشياء.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أن الله لما ذكر قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ .. ناسب ذكر هذه الآية هنا، وكان التذكار بقصة إبراهيم ﵇ مع أبيه وقومه أنسب لرجوع العرب إليه؛ إذ هو جدهم الأعلى، فذكِّروا بأن إنكار هذا النبي محمَّد ﷺ عليكم عبادة الأصنام هو مثل إنكار جدكم إبراهيم على أبيه وقومه عبادتها، وفي ذلك التنبيه على اقتفاء من سلف من صالحي الآباء والأجداد، وهم وسائر الطوائف معظمون لإبراهيم ﵇.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ...﴾ الآية، سبب
стр. 3663
نزولها: ما أخرجه (١) ابن أبي حاتم عن عبيد الله بن زجر عن بكر بن سوادة قال: حمل رجل من العدو على المسلمين، فقتل رجلًا، ثم حمل، فقتل رجلًا آخر، ثم حمل فقتل آخر، ثم قال: أينفعني الإِسلام بعد هذا، فقال رسول الله ﷺ : "نعم"، فضرب فرسه فدخل فيهم، ثم حمل على أصحابه، فقتل رجلًا ثم آخر، ثم قتل. قال فيرون: إن هذه الآية نزلت فيه. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٧١ - ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء المشركين الذين يدعونك إلى دين آبائهم ﴿أَنَدْعُو﴾؛ أي: نعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: متجاوزين عبادة الله الضار النافع ﴿مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾؛ أي: الأصنام التي لا تنفعنا في الدنيا والآخرة إن عبدناها, ولا تضرنا إن تركنا عبادتها، وأدنى مراتب المعبودية: القدرة على ذلك؛ أي: لا ينبغي لنا ولا يمكن منا أن نعبد غير الله بعد أن هدانا الله تعالى إلى الإِسلام والتوحيد، والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ ﴿و﴾ هل ﴿نُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾؛ أي: وهل نرجع وراءنا وخلفنا إلى الشرك ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ وأرشدنا إلى دينه وأكرمنا به، لا نرجع إلى الشرك، ويقال لكل (٢) من أعرض عن الحق إلى الباطل: أنه رجع إلى خلف، ورجع على عقيبه؛ لأن الأصل في الإنسان هو الجهل، ثم إذا تكامل حصل له العلم، فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى .. فكأنه رجع إلى أول مرة. والمعنى (٣): قل يا محمَّد للآمرين لك باتباع دينهم وعبادة الأصنام معهم: أندعوا من دون الله تعالى حجرًا أو شجرًا لا يقدر على نفعنا أو ضرنا، فنخصه بالعبادة دون الله، وندع عبادة الذي بيده التفسير والنفع، والحياة والموت؟ إن كنتم تعقلون .. فتميزون بين الخير والشر، ولا شك أن خدمة من يرتجى نفعه ويرهب ضره أحق وأولى من خدمة ما لا يرجى منه شيء منهما، وهل نرد على أعقابنا بالعودة إلى الضلال والشرك بعد إذ هدانا الله
стр. 3664
إلى الإِسلام والتوحيد؟
والخلاصة: أن ذلك لا ينبغي لنا ولا يقع منا للأسباب الآتية:
١ - أن هذا تحول وارتداد عن دعاء القادر الذي يكشف الضر إن شاء، ويمنح الخير إن شاء إلى دعاء العاجز الذي لا يقدر على نفع ولا ضر.
٢ - أنه رد على الأعقاب، وتقهقر إلى الوراء.
٣ - أن من أنقذه الله القدير الرحيم من الضلالة بما أراه من آياته في الأنفس والآفاق لا يقدر أحد أن يضله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧)﴾.
ثم ضرب مثلًا يصوِّر المرتد في أقبح حالة كانت تتخيلها العرب، فقال: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أنرد على أعقابنا ونرجع إلى الشرك حالة كوننا مشبهين بالشخص الذي استهوته واختطفته وأضلته الشياطين والغيلان ومردة الجن عن الطريق الموصل إلى المقصد، واستتبعته وألقته في الهوية والبراري والصحارى من الأرض حالة كونه ﴿حَيْرَانَ﴾؛ أي: متحيرًا في شأنه لا يدري أين يذهب، لضلاله عن الطريق ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك المستهوى الضال عن الطريق ﴿أَصْحَابٌ﴾ ورفقة ﴿يَدْعُونَهُ﴾ وينادونه ليردوه ﴿إِلَى الْهُدَى﴾؛ أي: إلى الطريق الذي أخطأ عنه قائلين في ندائهم: ﴿ائْتِنَا﴾ وجئنا وأقبل إلينا، فإن الطريق ها هنا، فلا يسمعهم ولا يجيبهم، فيهلك في الصحارى؛ أي: لا ينبغي لنا أن نكون مثل ذلك المستهوى الضال عن الطريق. والمعنى؛ أي: أنرد على أعقابنا، فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي استتبعه الشيطان يهوى ويضل في الأرض حيران تائهًا، له أصحاب على المحجة واستقامة السبيل يدعونه إلى طريق الهدى الذي هم عليه، ويقولون له: ائتنا.
وخلاصة المثل (١): أن من يرتد مشركًا بعد الإيمان .. كمن جعله العشق أو
стр. 3665
الجنون هائمًا على وجهه ضالًا في الفلوات حيران لا يهتدي، تاركًا رفاقه على الطريق المستقيم ينادونه: عد إلينا وارجع، فلا يستجيب لهم لانجذابه وراء ما تراءى له بغير عقل ولا بصيرة. قال صاحب "الكشاف": وهذا مبني على ما كانت تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن تستهوي الإنسان وتختطفه، والغيلان تستولي عليه، كما قال تعالى: ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. قال ابن عباس (١): مثل عابد الصنم مثل من دعاه الغول فيتبعه، فيصبح وقد ألقته في مهمهٍ ومهلكة، فهو حائر في تلك المهامه. وحمل الزمخشري ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ على أنه من الهوى الذي هو المودة والميل؛ كأنه قيل: كالذي أمالته الشيطان عن الطريق الواضح إلى المهمه القفر، وحمله غيره كأبي عليّ على أنه من الهُويُّ بمعنى: السقوط؛ أي: ألقته في هوة ووهدة، ويكون استفعل بمعنى: أفعل، نحو استزل وأزل.
وقرأ السلمي والأعمش وطلحة (٢): ﴿استهوته الشيطان﴾ بالتاء، وإفراد الشيطان. وقال الكسائي: إنها كذلك في مصحف ابن مسعود انتهى. والذي نقلوا لنا القراءة عن ابن مسعود إنما نقلوه الشياطين جمعًا. وقرأ الحسن: ﴿الشياطون﴾، وتقدم، وقد لحن في ذلك، وقد قيل: هو شاذ قبيح، وفي مصحف عبد الله: ﴿أتينا﴾ فعلًا ماضيًا لا أمرًا، فـ ﴿إِلَى الْهُدَى﴾ متعلق به.
ثم أمره أن يرغب المشركين فيما يدعو إليه، لا فيما يدعونه إليه، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمَّد ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: إن (٣) طريق الله الذي أوضحه لعباده ودينه الذي شرعه لهم ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ والنور والاستقامة لا عبادة الأصنام؛ لأن ما وراءه ضلال، ففيه زجر عن عبادتها، كأنه يقول: لا نفعل ذلك، فإن هدى الله هو الهدى، لا هدى غيره، والمعنى: قل لهم يا محمَّد: إن هدى الله الذي أنزل به آياته، وأقام عليه حججه وبيناته هو الهدى الحق، لا يأتيه الباطل من بين يديه
стр. 3666
ولا من خلفه، لا ما تدعون إليه من أهوائكم اتباعًا لما ألفيتم عليه آبائكم. ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: وقيل لهم يا محمَّد: وأمرنا بأن نسلم ونخلص العبادة لله مالك العالمين، فأسلمنا لأنه هو الذي يستحق العبادة منا لا غيره،
٧٢ - والآمر هو الله ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾؛ أي: واتقوا رب العالمين؛ أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقوى الله؛ لأن فيهما ما يقرب إليه، والمعنى: وأمرنا بالإِسلام وبإقامة الصلاة وبالتقوى. وإقامة (١) الصلاة: الإتيان بها على الوجه الذي شرعت لأجله، وهي: أن تزكِّي النفس بمناجاة الله وذكره، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، والتقوى: اتقاء ما يترتب عليه مخالفة دين الله وشرعه.
﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى لقائه ﴿تُحْشَرُونَ﴾ وتجمعون؛ أي: وهو الذي تجمعون وتساقون إلى لقائه يوم القيامة دون غيره، فيحاسبكم على أعمالكم ويجازيكم عليها، فليس من العقل ولا من الحكمة أن يعبد أو يخاف أو يرجى غيره تعالى.
٧٣ - ﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وأوجد على غير مثال سابق ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ السبع وما فيها ﴿وَالْأَرْضَ﴾ وما فيها خلقًا ملتبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾ والحكمة، وهو أنه على وفق سننه المطردة المشتملة على الحكم البالغة الدالة على وجوده تعالى ووحدانيته وقدرته البالغة، ولم يخلقهما باطلًا ولا عبثًا، فهو لا يترك الناس سدى، بل يجزي كل نفس بما كسبت، ونحو هذه الآية قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ظرف لقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾؛ أي: وقوله هو الحق الواقع الذي لا شك فيه حين يقول للشيء الذي أراد إيجاده: كن؛ أي: اخرج من العدم، فيكون؛ أي: فيوجد ذلك الشيء الذي
стр. 3667
تعلقت إرادته بإيجاده، وهو وقت إيجاد العالم وتكوينه، فلا مرد لأمره، ولا تخلف لقضائه وحكمه، ومن كان أمره التكويني مطاعًا .. يكون أمره التكليفي كذلك واجب الطاعة بلا حرج في النفس ولا ضيق منه، فالخلق حق، والأمر حق: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
والمراد من هذا الأمر (١): التنبيه على نفاذ قدرته ومشيئته في تكوين الكائنات، وهذا بيان أن خلقه تعالى للسموات والأرض ليس مما يتوقف على مادة ولا مدة، بل يتم بمحض الأمر التكويني من غير توقف على شيء آخر أصلًا. والمراد بالقول كلمة: ﴿كُنْ﴾ تمثيل؛ لأن سرعة قدرته تعالى أقل زمنًا من زمن النطق بـ ﴿كُنْ﴾.
﴿وَلَهُ﴾ خاصة ﴿الْمُلْكُ﴾ والسلطنة ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ وينادى ﴿فِي الصُّورِ﴾ لبعث الخلائق، وهو يوم القيامة؛ أي: وله الملك يوم الحشر يوم يبعث من في القبور، وينفخ في الصور، والأمر حينئذ لله وحده، ولا تملك نفس لنفس شيئًا من خير أو شر، أو نفع أو ضر، فكيف يرضى لنفسه من يعرف هذه الحقائق أن يدعو سواه، ويتخذ له إلهًا غير الله، ويرد على عقبيه ويرجع إلى أسوأ حاليه؟! وإنما أخبر (٢) عن ملكه يومئذ، وإن كان الملك له تعالى خالصًا في كل وقت في الدنيا والآخرة؛ لأنه لا منازع له يومئذ يدِّعي الملك، وأنه المنفرد بالملك يومئذ، وأن من كان يدعي الملك بالباطل من الجبابرة والفراعنة وسائر الملوك الذين كانوا في الدنيا قد زال ملكهم، واعترفوا بأن الملك لله الواحد القهار، وأنه لا منازع له فيه، وعلموا أن الذي كانوا يدعونه من الملك في الدنيا باطل وغرور.
واختلفت (٣) العلماء في ﴿الصُّورِ﴾ المذكور في الآية، فقال قوم: هو قرن ينفخ فيه، وهو لغة أهل اليمن. قال مجاهد: الصور قرن كهيئة البوق، ويدل على
стр. 3668
صحة هذا القول: ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه". أخرجه أبو داود والترمذي.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنعم، وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر فينفخ"، فكأن ذلك ثقل على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: كيف نفعل يا رسول الله؟ وكيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا"، وربما قال: "توكلنا على الله" أخرجه الترمذي. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعنى النفخ فيها إحياؤها بنفخ الروح فيها، وهذا قول الحسن ومقاتل. والقول الأول أصح؛ لما تقدم في الحديث، ولقوله تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾، ولإجماع أهل السنة على أن المراد بالصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل نفختين: نفخة الصعق، ونفخة البعث للحساب.
وقرأ الحسن (١): ﴿الصور﴾ بتحريك الواو، وحكاها عمرو بن عبيد عن عياض، ويؤيد تأويل من تأوله أن الصور جمع صورة؛ كثومة وثوم. وروي عن عبد الوارث عن أبي عمرو: ﴿ننفخ﴾ بنون العظمة.
وهو : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: عالم ما غاب عن عباده وما يشاهدونه ويعلمونه، فلا يغيب عن علمه شيء. قال الحسن: الغيب: ما غاب عنكم مما لم تروه، والشهادة: ما قد رأيتم من خلقه. وقال ابن عباس: الغيب والشهادة: السر والعلانية: ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ في جميع أفعاله وتدبير خلقه ﴿الْخَبِيرُ﴾ بكل ما يفعلونه من خير وشر.
والمعنى (٢): أن الذي خلق السموات والأرض وما بينهما بالحق، والذي قوله الحق تكوينًا وتكليفًا، والذي له الملك وحده يوم يحشر الخلائق: هو عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها، وهو الخبير بدقائقها
стр. 3669
وخفاياها, ولا يشذ عن علمه شيء منها، فلا ينبغي لعاقل أن يدعو غيره معه كما قال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وقال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾.
وقرأ الأعمش (١): ﴿عالمِ﴾ بالخفض، ووُجِّه على أنه بدل من الضمير في: ﴿له﴾، أو من ﴿رب العالمين﴾ أو نعت للضمير في ﴿له﴾، والأجود الأول؛ لبعد المبدل منه في الثاني، وكون الضمير الغائب يوصف إنما أجازه الكسائي وحده، وليس مذهب الجمهور.
٧٤ - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّد لهؤلاء المشركين الذين لقناك فيما سبق الحجج على بطلان شركهم وضلالهم - إذ عبدوا ما لا ينفعهم ولا يضرهم - قصص جدهم إبراهيم الخليل الذي يعظمونه ويدَّعون اتباع ملته، حين جادل قومه وراجعهم في بطلان ما كانوا يعملون؛ إذ قال لأبيه آزر منكرًا عليه وعلي قومه، وعائبًا عليه عبادته الأصنام دون بارئه وخالقه: يا أبتِ ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ تعبدها وتجعلها معبودًا لك من دون الله الذي خلقك وخلقها، فهو المستحق للعبادة دونها والأصنام: جمع صنم، وهو ما صوِّر على هيئة الإنسان، وعبد من دون الله، سواء كان من خشب أو حجر أو ذهب أو فضة أو غير ذلك، ذكره "الصاوي". ﴿إِنِّي أَرَاكَ﴾ يا أبتِ ﴿وَقَوْمَكَ﴾ الذين يعبدون هذه الأصنام مثلك ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ وخطأ عن الصراط المستقيم. ﴿مُبِينٍ﴾؛ أي: واضح ذلك الضلال لا شبهة فيه للهدى، فإن هذه الأصنام تماثيل تنحتونها بأيديكم من الحجارة، أو تقطعونها من الخشب، أو تصنعونها من المعادن، فأنتم أرفع منها قدرًا وأعز جانبًا، ولم تكن آلهة بذاتها، بل باتخاذكم إياها آلهة، ولا يليق بالعاقل أن يعبد ما هو مساوٍ له في الخلق، ولا ما هو مقهور بتصرف الخالق فيه، ومحتاج إلى الغني القادر، ولا يقدر على شيء لا نفع ولا ضر، ولا إعطاء ولا منع.
стр. 3670
وقرأ الجمهور: ﴿ءَازَرَ﴾ بفتح الراء. وقرأ أبي وابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم بضم الراء على النداء، وكونه علمًا، ولا يصح أن يكون صفة لحذف حرف النداء، وهو لا يحذف من الصفة إلا شذوذًا. وفي مصحف أبي: ﴿يا آزر﴾ - بحرف النداء - ﴿اتخذت أصنامًا﴾ بالفعل الماضي. فيحتمل العلمية والصفة. وقرأ ابن عباس أيضًا: ﴿أأزرًا تتخذ أصنامًا﴾ بهمزة استفهام وفتح الهمزة بعدها وسكون الزاي ونصب الراء منونة، وحذف همزة الاستفهام من ﴿أتتخذ﴾. قال ابن عطية: المعنى: أعضدًا وقوة ومظاهرة على الله تتخذ، وهو من قوله: ﴿اشدد به أزرى﴾. وقال الزمخشري: هو اسم صنم، ومعناه: أتعبد أزرًا على الإنكار، ثم قال: أتتخذ أصنامًا آلهةً؛ تبيينًا لذلك وتقريرًا، وهو داخل في حكم الإنكار؛ لأنه كالبيان له. وقرأ ابن عباس أيضًا وأبو إسماعيل الشامي: ﴿أإزرًا﴾ بكسر الهمزة بعد همزة الاستفهام ﴿تتخذ﴾. قال ابن عطية: ومعناها: إنها مبدلة من واو، كوسادة وإسادة، كأنه قال: أوزرًا ومأثمًا تتخذ أصنامًا، ونصبه على هذا بفعل محذوف. وقرأ الأعمش: ﴿إزرا تتخذ﴾ بكسر الهمزة وسكون الزاي ونصب الراء وتنوينها، وبغير همزة استفهام في ﴿تتخذ﴾ , وذكره أبو حيان في "البحر".
واختلف (١) العلماء في لفظ ﴿ءَازَرَ﴾ فقال محمَّد بن إسحاق والكلبي والضحاك: آزر: اسم أبي إبراهيم، وهو تارح، ضبطه بعضهم بالحاء المهملة، وبعضهم بالخاء المعجمة، فعلى هذا يكون لأبي إبراهيم اسمان: آزر وتارح، مثل يعقوب وإسرائيل: اسمان لرجل واحد، فيحتمل أن يكون اسمه الأصلي: آزر، وتارح لقب له، أو بالعكس، والله سماه آزر، وإن كان عند النسابين والمؤرخين اسمه تارح؛ ليعرف بذلك، وكان آزر أبو إبراهيم من كوثى، وهي قرية من سواد الكوفة. وقال سليمان التيمي: آزر: سب وعيب، ومعناه في كلامهم المعوج. وقيل: الشيخ الهرم، وهو بالفارسية، وهذا على مذهب من يجوز أن في القرآن ألفاظًا قليلة فارسية، وقيل: هو المخطىء، فكأن إبراهيم عابه وذمه بسبب كفره وزيغه عن الحق. وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر: اسم صنم كان والد
стр. 3671
إبراهيم يعبده، وإنما سماه بهذا الاسم؛ لأن من عبد شيئًا أو أحبه .. جعل اسم ذلك المعبود أو المحبوب اسمًا له، فهو كقوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾. وقيل: معناه: وإذ قال إبراهيم لأبيه يا عابد آزر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والصحيح هو الأول: أن آزر اسم لأبي إبراهيم؛ لأن الله تعالى سماه به، وما نقل عن النسابين والمؤرخين أن اسمه تارح، ففيه نظر؛ لأنهم إنما نقلوه عن أصحاب الأخبار وأهل السير من أهل الكتاب ولا عبرة بنقلهم.
وقد أخرج البخاري في "أفراده" من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يلقى إبراهيم ﵇ أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة .. " الحديث، فسماه النبي ﷺ : آزر أيضًا، ولم يقل: أباه تارح، فثبت بهذا أن اسمه الأصلي آزر لا تارح، والله أعلم. وقيل: كان آزر من أهل حران، وهو تارخ بن ناحور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇، ذكره أبو حيان في "البحر". وإبراهيم اسم خليل الرحمن أبي الأنبياء الأكبر من بعد نوح، وهو العاشر من أولاد سام كما في سفر التكوين من التوراة، ولد في بلدة: أور؛ أي: النور، من بلاد الكلدان، وهي المعروفة الآن باسم: أورفا في ولاية حلب كما يرجح ذلك المؤرخون. ومعنى إبراهيم: أبو الجمهور العظيم؛ أي: أبو الأمة، وهو تبشير من الله له بتكثير نسله من ولديه إسماعيل وإسحاق ﵉.
وقد أثبت علماء الآثار (١) أن عرب الجزيرة سكنوا منذ فجر التاريخ بلاد الكلدان ومصر، وغلبت لغتهم فيهما، ونقل بعض المؤرخين أن الملك حمورابي الذي كان معاصرًا لإبراهيم ﵇ عربي، وقد أسكن إبراهيم ابنه إسماعيل مع أمه هاجر المصرية في الوادي الذي بنيت فيه مكة، وأن الله سخر لهما جماعة من جرهم سكنوا معهما هناك، والله أعلم.
٧٥ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: وكما أرينا إبراهيم الحق في أمر أبيه وقومه، وهو أنهم
стр. 3672
كانوا في ضلال مبين في عبادتهم للأصنام والأوثان ﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: أريناه مرة بعد مرة ملكوت السموات والأرض؛ أي: خلقهما بما فيهما من بديع النظام وغريب الصنع، فأريناه تلك الكواكب التي تدور في أفلاكها على وضع لا تعدوه، وأريناه الأرض وما في طبقاتها المختلفة من أصناف المعادن النافعة للإنسان في معاشه إذا هو استخدمها على الوجه الصحيح الذي أرشدناه إليه، وجلينا له بواطن أمورها وظواهرها، مما يدل على وحدانيتنا وعظيم قدرتنا وإحاطة علمنا بكل شيء. والمعنى (١): وكما أرينا إبراهيم البصيرة في دينه، والحق في خلاف قومه، وما كانوا عليه من الضلال في عبادة الأصنام .. نريه ملكوت السموات والأرض، فلهذا السبب عبر عن هذه الرؤية بلفظ المستقبل في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾؛ لأنه كان أراه بعين البصيرة أن أباه وقومه على غير الحق فخالفهم، فجزاه الله بأن أراه بعد ذلك ملكوت السموات والأرض، فحسنت هذه العبارة لهذا المعنى، والملكوت: الملك، زيدت فيه التاء للمبالغة، كالرهبوت والرغبوت والرحموت: من الرهبة والرغبة والرحمة. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السموات والأرض، وذلك أنه أقيم على صخرة، وكشف له عن السموات حتى رأى العرش والكرسي وما في السموات من العجائب، وحتى رأى مكانه في الجنة، فذلك قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: أريناه مكانه في الجنة، وكشف له عن الأرض حتى نظر إلى أسفل الأرضين، ورأى ما فيها من العجائب. وقرأ (٢) أبو السمال: ﴿مَلْكُوتَ﴾ - بسكون اللام -: وهي لغة بمعنى: الملك. وقرأ عكرمة: ﴿ملكوث﴾ بالثاء المثلثة. وقال: ﴿ملكوثا﴾ باليونانية والقبطية. وقال النخعي: هي ﴿ملكوثا﴾ بالعبرانية. وقرىء: ﴿وكذلك ترى﴾ التاء من فوق ﴿إبراهيم ملكوت﴾ - برفع التاء -؛ أي: تبصره دلائل الربوبية.
وقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ معطوف على محذوف معلوم من السياق تقديره: وكذلك أرينا إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليقيم بها الحجة على
стр. 3673
المشركين الضالين، وليكون في خاصة نفسه من الموقنين؛ أي: من زمرة الراسخين في الإيقان، البالغين عين اليقين. وقيل: الواو زائدة، ومتعلق ﴿الْمُوقِنِينَ﴾ محذوف تقديره: من الموقنين بوحدانية الله وقدرته، وقيل: بنبوته ورسالته. واليقين وكذا الإيقان: عبارة (١) عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة؛ لأن الإنسان في أول الحال لا ينفك عن شبهة وشك، فإذا كثرت الدلائل وتوافقت .. صارت سببًا لحصول اليقين والطمأنينة في القلب، وزالت الشبهة عند ذلك.
٧٦ - ثم فصل سبحانه ما أجمله من رؤية ملكوت السموات والأرض، فقال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾؛ أي: إنه لما بدأ يريه ملكوت السموات والأرض .. كان من أول أمره في ذلك أنه لما جن وأظلم عليه الليل وستر عنه ما حوله من عالم الأرض .. نظر في ملكوت السموات فـ ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ عظيمًا ممتازًا عن سائر الكواكب بإشراقه وبريقه ولمعانه، وهو كوكب: المشتري الذي هو أعظم آلهة بعض عباد الكواكب من قدماء اليونان والرومان، وهو في السماء السادسة. وقيل: هو الزهرة، وهي في السماء الثالثة، وبالجملة فالكوكب من السبعة السيارة
المجموعة في قول بعضهم:
زُحَلٌ شَرَى مَرِّيْخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ... فَتَزَاهَرَتْ لِعُطَارِدَ الأَقْمَارَا
وكان قوم إبراهيم أئمتهم في هذه العبادة، وهم لهم مقتدون، فلما رآه ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿هَذَا﴾ الكوكب ﴿رَبِّي﴾ ومعبودي في زعمكم؛ أي: قال هذا في مقام المناظرة والحجاج لقومه تمهيدًا للإنكار عليهم، فحكى مقالتهم أولًا ليستدرجهم إلى سماع حجته على بطلانها، فأوهمهم أولًا أنه موافق لهم على زعمهم ثم كر عليه بالنقض بانيًا دليله على الحس والعقل ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ وغاب وغرب هذا الكوكب واحتجب عنه ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾؛ أي: لا أحب الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان، المتغيرين من حال إلى حال، المحتجبين
стр. 3674
بالأستار؛ أي: لا أحب (١) ربًّا يغيب ويحتجب؛ إذ من كان سليم الفطرة لا يختار لنفسه حب شيء يغيب عنه ويوحشه فقده، فما بالك بحب العبادة له الذي هو أعلى أنواع الحب وأكمله؛ لأنه قد هدت إليه الفطرة، وأرشد إليه العقل السليم، فلا ينبغي أن يكون إلا للرب الحاضر القريب السميع البصير الرقيب، الذي لا يغيب ولا يغفل ولا ينسى ولا يذهل، الظاهر في كل شيء بآياته:
وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ
والباطن في كل شيء بحكمته ولطفه الخفي: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾، وقد جاء في الحديث في وصف الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
والخلاصة: أن في هذا تعريضًا بجهل قومه في عبادة الكواكب، إذ يعبدون ما يحتجب عنهم ولا يدري شيئًا من أمر عبادتهم، وهذا قريب من قوله لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾. وإنما احتج (٢) إبراهيم بالأفول دون البزوغ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال؛ لأن الاحتجاج بالأفول أظهر؛ لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب، وجاء بلفظ ﴿الْآفِلِينَ﴾؛ ليدل على أن ثَمَّ آفلين كثيرين ساواهم هذا الكوكب في الأفول، فلا مزية له عليهم في أن يعبد للاشتراك في الصفة الدالة على الحدوث.
٧٧ - ﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ إبراهيم ﴿الْقَمَرَ﴾ حال كونه ﴿بَازِغًا﴾؛ أي: طالعًا من وراء الأفق أول طلوعه ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿هَذَا﴾ القمر الطالع ﴿رَبِّي﴾؛ أي: معبودي على طريق الحكاية لما كانوا يقولون؛ تمهيدًا لإبطاله كما علمت فيما سلف، والمتبادر من سياق الكلام أن إبراهيم رأى الكوكب في ليلة، ورأى القمر في الليلة التالية ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ القمر وغاب، كما أفل الكوكب وهو أكبر منه منظرًا وأسطع نورًا وأقوى منه ضياء ﴿قَالَ﴾ إبراهيم مسمعًا من حوله من قومه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾؛ أي: لئن لم يثبتني ربي على الهداية ويوفقني للحجة، وليس المراد
стр. 3675
أنه لم يكن مهتديًا؛ لأن الأنبياء لم يزالوا على الهداية من أول الفطرة. وفي الآية دليل على أن الهداية من الله تعالى. ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ الذين أخطؤوا الحق في ذلك، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله، واتبعوا أهواءهم، ولم يعملوا بما يرضيه .
وفي هذا تعريض يقرب من التصريح بضلال قومه، وإرشاد إلى توقف الهداية على الوحي الإلهي،
٧٨ - وقد انتقل في المرة الثالثة من التعريض إلى التصريح بالبراءة منهم، والتصريح بأنهم على شرك بيِّن بعد أن تبلج الحق وظهر غاية الظهور، وذلك قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ﴾ حالة كونها ﴿بَازِغَةً﴾؛ أي: طالعة من وراء الأفق ﴿قَالَ﴾ إبراهيم مشيرًا إليها ﴿هَذَا﴾ الطالع، أو هذا الذي أرى الآن هو ﴿رَبِّي﴾؛ أي: معبودي، وإنما قال هذا ولم يقل هذه مع كون الشمس مؤنثة، قيل: نظرًا لكونها بمعنى: الطالع كما أشرنا إليه في الحل، أو نظرًا لكون الخبر مذكرًا، أو لأن تأنيثها غير حقيقي ﴿هَذَا﴾ الطالع الآن ﴿أَكْبَرُ﴾ من الكوكب والقمر قدرًا، وأعظم ضياء ونورًا، فهو أجدر منهما بالربوبية، وفي هذا مبالغة في المجاراة لهم، وتمهيد لإقامة الحجة عليهم، واستدراج لهم إلى التمادي في الاستماع بعد ذلك التعريض الذي كان يخشى أن يصدهم عنه.
﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ الشمس وغابت كما أفل غيرها من الكوكب والقمر، واحتجب ضوؤها المشرق، وكانت الوحشة بذلك أشدَّ من الوحشة باحتجاب الكوكب والقمر .. صرح بما أراد بعد ذلك التعريض الذي تقدم، و ﴿قَالَ﴾ متبرئًا من شرك قومه ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ بالله من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث.
والخلاصة: أنه حاور وداور وتلطف في القول، وأرخى لخصمه العنان حتى وصل إلى ما أراد بألطف وجهٍ وأحسن طريق متبرئًا من تلك المعبودات التي جعلوها أربابًا وآلهةً مع الله،
٧٩ - وبعد أن تبرأ من شركهم .. قفى تلك البراءة ببيان عقيدته عقيدة التوحيد الخالص، فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾؛ أي: إني جعلت توجهي في عبادتي، أو قصدت بعبادتي وتوحيدي الله ، وذكر الوجه؛
стр. 3676
لأنه العضو الذي يعرف به الشخص، أو لأنه يطلق على الشخص كله ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: للإله الذي خلق السموات والأرض، وأكمل خلقهن أطوارًا في ستة أيام، فهو خالق هذه الكواكب النيرات، وخالقكم وما تصنعون منه هذه الأصنام من المعادن والنباتات حالة كوني ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلًا عن الأديان الباطلة التي هي الشرك والخرافات إلى الدين الحق الذي هو التوحيد والإخلاص لله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بالله شيئًا من المخلوقات، وفي معنى الآية قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.
وإسلام (١) الوجه له تعالى: توجه القلب إليه، وعبر عنه به؛ لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال أو الإعراض، والسرور أو الكآبة إلى نحو أولئك، وتوجيهه له: جعله يتوجه إليه وحده في طلب حاجته، وإخلاص عبوديته إذ هو المستحق للعبادة القادر على الأجر والثواب. ومراد إبراهيم أنه مائل عن معبوداتهم الباطلة وغيرها، فتوجهه وإسلامه خالص لا يشوبه شرك ولا رياء، وما هو من المشركين به، الذين يتوجهون إلى غيره من المخلوقات كالكواكب أو الملائكة أو الملوك أو ما يتخذ لهم من الأصنام والتماثيل. وظاهر ما حكاه الله عن إبراهيم ﵇ أن قومه يتخذون الأصنام آلهة لا أربابًا، ويتخذون الكواكب أربابًا آلهة، والإله هو المعبود، وكل من عبد شيئًا .. فقد اتخذه إلهًا، والرب هو السيد المالك المربي المدبر المتصرف، وليس للخلق رب ولا إله إلا الله الذي خلقهم، فهو المالك لكل شيء، وفي كل زمن، وعلى كل حال، وملك غيره ناقص موقوت، فهو المعبود بحق، والعبادة: هي التوجه بالدعاء والتعظيم القولي أو الفعلي إلى ذي السلطان الأعلى، خالق الخلق والموجد له والمتصرف فيه.
والأصل (٢) في اختراع عبادة غير الله تعالى من حجر أو شجر أو شمس أو
стр. 3677
قمر أمران:
١ - أن بعض ضعاف الأحلام رأوا بعض مظاهر قدرته تعالى في بعض خلقه، فتوهموا أن ذلك ذاتي لهذا المخلوق، ليس خاضعًا لسنن الله في الأسباب والمسببات.
٢ - اتخاذ بعض المخلوقات ذات الخصوصية في مظاهر النفع والضر وسيلة إلى الإله الحق، تشفع عنده، وتقرب إليه كل من توجه إليها، فيتوسل ذو الحاجة إليها بدعائها وتعظيمها بالقول أو الفعل؛ لحمله تعالى بتأثيرها على قبوله وإعطائه سؤاله، وقد أقاموا مقام هذه المخلوقات التماثيل والأصنام والقبور وغيرها مما يذكّر بها، وهذه هي الوثنية الراقية التي كانت عليها العرب زمن البعثة، ومن ثمَّ كانوا يقولون في طوافهم بالبيت الحرام: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما مَلك.
وكان قوم إبراهيم ﵇ قد ارتقوا في وثنيتهم إلى هذه المرتبة، إذ إنهم عقلوا أن الأصنام لا تسمع دعاءهم، ولا تبصر عبادتهم، ولا تقدر على نفعهم وضرهم، وإنما قلدوا فيها آباءهم كما سيأتي في حججهم في سورة الشعراء، ومن ثَمَّ اتخذوا الأصنام آلهة معبودين لا أربابًا مدبرين، لكنهم اتخذوا (١) الكواكب أربابًا لما لها من التأثير السببي في الأرض، فكانوا يعتقدون أن الشمس رب الناس، والقمر يدبر الملوك ويفيض عليهم روح الشجاعة والإقدام، وينصر جندهم ويخذل عدوهم، ويعتقدون أنَّ مرداخ - وهو المشتري - شيخ الأرباب، ورب العدل والأحكام، وحافظ الأبواب التي يدخلها الخصوم لفصل الخصومات، وأن رنكال - وهو المريخ - رب الصيد وسلطان الحرب، وأن عشتار - وهو الزهرة - ربة الغبطة والسرور والسعادة، وتمثل بصورة امرأة عارية، وأن - نيو - وهو عطارد - رب العلم والحكمة.
وجاء إبراهيم بحجته البالغة، فحصر العبادة في فاطر السموات والأرض
стр. 3678
وحده دون غيره من الوسائل، فقال في تماثيلهم: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
٨٠ - ﴿وَحَاجَّهُ﴾؛ أي: حاج إبراهيم ﵇ وجادله ﴿قَوْمُهُ﴾ وخاصموه ونازعوه في أمر التوحيد، فهو إذ أبان لهم بطلان عبادة الأصنام، وربوبية الكواكب، وأثبت لهم وحدانية الله تعالى ووجوب عبادته وحده، حاجوه وخاصموه ببيان أوهامهم في شركهم، إذ قالوا: إن اتخاذ الآلهة لا ينافي الإيمان بالله الفاطر للسموات والأرض؛ لأنهم شفعاء عنده، ولما لم يجد ذلك معه .. خوفوه أن تمسه آلهتهم بسوء، وانتهت بهم خاتمة المطاف أن قالوا: إنهم ساروا على ما وجدوا عليه آباءهم، وليس للمقلد أن يحتج، ولكنه يجادل ويحاج مع كونه لا يخضع للحجة إذا قامت عليه، وكثيرًا ما يضطرب المقلد لسماع الحجة؛ إذ يومض في قلبه نورها، ثم يعود إلى سابق وهمه خائفًا مما لا يخاف، راجيًا ما لا يرجى.
﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ وتجادلوني ﴿في﴾ شأن ﴿اللهِ﴾ وما يجب في الإيمان به؛ أي: أتخاصمونني في كونه لا شريك له ولا ند ولا ضد، والاستفهام فيه للإنكار؛ أي: لا تخاصموني ولا ينبغي لكم ذلك ﴿و﴾ الحال أنه ﴿قد هداني﴾ وأرشدني إلى توحيده، وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلالة والجهالة وعدم الهداية، والمعنى: وقد فضلني عليكم بما هداني إلى التوحيد الخالص، وبما بصرني به من الحجة التي أقمتها عليكم، وأنتم الضالون بإصراركم على شرككم وتقليدكم فيه من قبلكم. وقرأ (١) نافع وابن عامر بخلاف عن هشام: ﴿أَتُحَاجُّوني﴾ بتخفيف النون، وأصله بنونين الأولى علامة الرفع، والثانية نون الوقاية، والخلاف في المحذوف منهما مذكور في علم النحو. وقرأ باقي السبعة: بتشديد النون أصله: أتحاجونني، فأدغم فرارًا من ثقل توالي مثلين متحركين.
стр. 3679
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾؛ أي: ولا أرهب من آلهتكم التي تدعونها من دون الله سوءًا ينالني في نفسي، ذلك أني أعتقد أنها لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تقرب ولا تشفع.
قال هذا الكلام لهم لما خوفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه؛ أي: إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضر ولا ينفع. والضمير في: ﴿بِهِ﴾ يجوز أن يعود على الله؛ أي: الذي تشركونه بالله، وأن يعود على ﴿مَا﴾ الموصولة؛ أي: الذي تشركون به الله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾؛ أي: لا (١) أخاف ما تشركون به في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئته تعالى إصابة مكروه لي من جهتها، فإنه لا محالة كما شاء ربي، فإن شاء أن يسقط عليَّ صنم يشجُّني، أو كسف من شهب الكواكب يقتلني، فإن ذلك يقع بقدرة ربي ومشيئته، لا بمشيئة الصنم أو الكواكب، ولا بقدرته ولا بتأثيره في قدرته تعالى وإرادته، ولا بجاهه عنده وشفاعته، إذ لا تأثير لشيء من المخلوقات في مشيئة الله الجارية إلا بما يثبت في علمه الأزلي.
وحاصل المعنى (٢): وحاجه قومه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك، ومحاجة مثل هؤلاء إنما هي بالتمسك باقتفاء آبائهم تقليدًا، وبالتخويف مما يعبدونه من الأصنام، كقول قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ فأجابهم بأن الله قد هداه بالبرهان القاطع على توحيده، ورفض ما سواه، وأنه لا يخاف من آلهتهم. ثم أتى بما هو كالعلة لما قبله، فقال: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾؛ أي: أحاط ربي بكل شيء علمًا، فلا يبعد أن يكون في علمه سبحانه إنزال المكروه بي من جهتها بسبب من الأسباب. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ داخلة على محذوف وهي للاستفهام التقريري والتوبيخي، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: أتعرضون بعد ما أوضحته لكم عن التأمل في أن آلهتكم ليس بيدها نفع ولا ضر، فلا تتذكرون أيها الغافلون أنها غير قادرة على ضري ولا
стр. 3680
على إيصال النفع إليكم، فالسلطة العليا له تعالى وحده ليس لغيره تأثير فيها ولا تدبير، فإذا أعطى بعض المخلوقات شيئًا من النفع أو التفسير .. فلا يكون ذلك داعيًا لرفعها عن رتبة المخلوقات، وجعلها أربابًا ومعبودات، وكان يجب أن يفطن لذلك العقلاء ويتذكروه؛ لأنه تذكير بما يدركه العقل بالبرهان، ويهدي إليه الوجدان.
٨١ - وبعد أن أبان لهم أنه لا يخاف شركاءهم، بل يخاف الله وحده .. تعجب من تخويفهم إياه ما لا يخاف، وعدم خوفهم مما يجب أن يخاف منه، وقال ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ﴾ وأرهب ﴿مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ ـوه بربكم من خلقه، فجعلتموه ندًّا له ينفع ويضر ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾؛ أي: والحال أنكم لا تخافون إشراككم بالله خالقكم ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾؛ أي: حجة بينة بوحي ولا نظر عقل تثبت لكم جعله شريكًا في الخلق والتدبير، أو في الوساطة والشفاعة، فافتياتكم على خالقكم بهذه الدعوى هو الذي يجب أن يخاف ويتقى.
والمعنى (١): وكيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق، والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله، وهو الضار النافع الخالق الرازق، أورد عليهم هذا الكلام الإلزامي الذي لا يجدون عنه مخلصًا ولا متحولًا، والاستفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم والتعجب من فساد عقولهم، حيث خوفوه خشبًا وحجرًا لا ينفع ولا يضر، وهم لا يخافون عقبى شركهم بالله، وهو الذي بيده النفع والضر والأمر كله. و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ مفعول أشركتم؛ أي: ولا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بعبادتها عليكم سلطانًا شركاء لله، أو المعنى: إن الله سبحانه لم يأذن بجعلها شركاء له، ولا أنزل عليهم بإشراكها حجة يحتجون بها، فكيف عبدوها واتخذوها آلهة، وجعلوها شركاء لله ؟!
والخلاصة (٢): أن ما يدعى لصحة هذا الخوف باطل، وأنه ﵇ لم