← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

لأنه العضو الذي يعرف به الشخص، أو لأنه يطلق على الشخص كله ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: للإله الذي خلق السموات والأرض، وأكمل خلقهن أطوارًا في ستة أيام، فهو خالق هذه الكواكب النيرات، وخالقكم وما تصنعون منه هذه الأصنام من المعادن والنباتات حالة كوني ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلًا عن الأديان الباطلة التي هي الشرك والخرافات إلى الدين الحق الذي هو التوحيد والإخلاص لله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بالله شيئًا من المخلوقات، وفي معنى الآية قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. وإسلام (١) الوجه له تعالى: توجه القلب إليه، وعبر عنه به؛ لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال أو الإعراض، والسرور أو الكآبة إلى نحو أولئك، وتوجيهه له: جعله يتوجه إليه وحده في طلب حاجته، وإخلاص عبوديته إذ هو المستحق للعبادة القادر على الأجر والثواب. ومراد إبراهيم أنه مائل عن معبوداتهم الباطلة وغيرها، فتوجهه وإسلامه خالص لا يشوبه شرك ولا رياء، وما هو من المشركين به، الذين يتوجهون إلى غيره من المخلوقات كالكواكب أو الملائكة أو الملوك أو ما يتخذ لهم من الأصنام والتماثيل. وظاهر ما حكاه الله عن إبراهيم ﵇ أن قومه يتخذون الأصنام آلهة لا أربابًا، ويتخذون الكواكب أربابًا آلهة، والإله هو المعبود، وكل من عبد شيئًا .. فقد اتخذه إلهًا، والرب هو السيد المالك المربي المدبر المتصرف، وليس للخلق رب ولا إله إلا الله الذي خلقهم، فهو المالك لكل شيء، وفي كل زمن، وعلى كل حال، وملك غيره ناقص موقوت، فهو المعبود بحق، والعبادة: هي التوجه بالدعاء والتعظيم القولي أو الفعلي إلى ذي السلطان الأعلى، خالق الخلق والموجد له والمتصرف فيه. والأصل (٢) في اختراع عبادة غير الله تعالى من حجر أو شجر أو شمس أو

стр. 3677

قمر أمران: ١ - أن بعض ضعاف الأحلام رأوا بعض مظاهر قدرته تعالى في بعض خلقه، فتوهموا أن ذلك ذاتي لهذا المخلوق، ليس خاضعًا لسنن الله في الأسباب والمسببات. ٢ - اتخاذ بعض المخلوقات ذات الخصوصية في مظاهر النفع والضر وسيلة إلى الإله الحق، تشفع عنده، وتقرب إليه كل من توجه إليها، فيتوسل ذو الحاجة إليها بدعائها وتعظيمها بالقول أو الفعل؛ لحمله تعالى بتأثيرها على قبوله وإعطائه سؤاله، وقد أقاموا مقام هذه المخلوقات التماثيل والأصنام والقبور وغيرها مما يذكّر بها، وهذه هي الوثنية الراقية التي كانت عليها العرب زمن البعثة، ومن ثمَّ كانوا يقولون في طوافهم بالبيت الحرام: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما مَلك. وكان قوم إبراهيم ﵇ قد ارتقوا في وثنيتهم إلى هذه المرتبة، إذ إنهم عقلوا أن الأصنام لا تسمع دعاءهم، ولا تبصر عبادتهم، ولا تقدر على نفعهم وضرهم، وإنما قلدوا فيها آباءهم كما سيأتي في حججهم في سورة الشعراء، ومن ثَمَّ اتخذوا الأصنام آلهة معبودين لا أربابًا مدبرين، لكنهم اتخذوا (١) الكواكب أربابًا لما لها من التأثير السببي في الأرض، فكانوا يعتقدون أن الشمس رب الناس، والقمر يدبر الملوك ويفيض عليهم روح الشجاعة والإقدام، وينصر جندهم ويخذل عدوهم، ويعتقدون أنَّ مرداخ - وهو المشتري - شيخ الأرباب، ورب العدل والأحكام، وحافظ الأبواب التي يدخلها الخصوم لفصل الخصومات، وأن رنكال - وهو المريخ - رب الصيد وسلطان الحرب، وأن عشتار - وهو الزهرة - ربة الغبطة والسرور والسعادة، وتمثل بصورة امرأة عارية، وأن - نيو - وهو عطارد - رب العلم والحكمة. وجاء إبراهيم بحجته البالغة، فحصر العبادة في فاطر السموات والأرض

стр. 3678

وحده دون غيره من الوسائل، فقال في تماثيلهم: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. ٨٠ - ﴿وَحَاجَّهُ﴾؛ أي: حاج إبراهيم ﵇ وجادله ﴿قَوْمُهُ﴾ وخاصموه ونازعوه في أمر التوحيد، فهو إذ أبان لهم بطلان عبادة الأصنام، وربوبية الكواكب، وأثبت لهم وحدانية الله تعالى ووجوب عبادته وحده، حاجوه وخاصموه ببيان أوهامهم في شركهم، إذ قالوا: إن اتخاذ الآلهة لا ينافي الإيمان بالله الفاطر للسموات والأرض؛ لأنهم شفعاء عنده، ولما لم يجد ذلك معه .. خوفوه أن تمسه آلهتهم بسوء، وانتهت بهم خاتمة المطاف أن قالوا: إنهم ساروا على ما وجدوا عليه آباءهم، وليس للمقلد أن يحتج، ولكنه يجادل ويحاج مع كونه لا يخضع للحجة إذا قامت عليه، وكثيرًا ما يضطرب المقلد لسماع الحجة؛ إذ يومض في قلبه نورها، ثم يعود إلى سابق وهمه خائفًا مما لا يخاف، راجيًا ما لا يرجى. ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ وتجادلوني ﴿في﴾ شأن ﴿اللهِ﴾ وما يجب في الإيمان به؛ أي: أتخاصمونني في كونه لا شريك له ولا ند ولا ضد، والاستفهام فيه للإنكار؛ أي: لا تخاصموني ولا ينبغي لكم ذلك ﴿و﴾ الحال أنه ﴿قد هداني﴾ وأرشدني إلى توحيده، وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلالة والجهالة وعدم الهداية، والمعنى: وقد فضلني عليكم بما هداني إلى التوحيد الخالص، وبما بصرني به من الحجة التي أقمتها عليكم، وأنتم الضالون بإصراركم على شرككم وتقليدكم فيه من قبلكم. وقرأ (١) نافع وابن عامر بخلاف عن هشام: ﴿أَتُحَاجُّوني﴾ بتخفيف النون، وأصله بنونين الأولى علامة الرفع، والثانية نون الوقاية، والخلاف في المحذوف منهما مذكور في علم النحو. وقرأ باقي السبعة: بتشديد النون أصله: أتحاجونني، فأدغم فرارًا من ثقل توالي مثلين متحركين.

стр. 3679

﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾؛ أي: ولا أرهب من آلهتكم التي تدعونها من دون الله سوءًا ينالني في نفسي، ذلك أني أعتقد أنها لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تقرب ولا تشفع. قال هذا الكلام لهم لما خوفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه؛ أي: إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضر ولا ينفع. والضمير في: ﴿بِهِ﴾ يجوز أن يعود على الله؛ أي: الذي تشركونه بالله، وأن يعود على ﴿مَا﴾ الموصولة؛ أي: الذي تشركون به الله تعالى ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾؛ أي: لا (١) أخاف ما تشركون به في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئته تعالى إصابة مكروه لي من جهتها، فإنه لا محالة كما شاء ربي، فإن شاء أن يسقط عليَّ صنم يشجُّني، أو كسف من شهب الكواكب يقتلني، فإن ذلك يقع بقدرة ربي ومشيئته، لا بمشيئة الصنم أو الكواكب، ولا بقدرته ولا بتأثيره في قدرته تعالى وإرادته، ولا بجاهه عنده وشفاعته، إذ لا تأثير لشيء من المخلوقات في مشيئة الله الجارية إلا بما يثبت في علمه الأزلي. وحاصل المعنى (٢): وحاجه قومه في توحيد الله ونفي الشركاء عنه منكرين لذلك، ومحاجة مثل هؤلاء إنما هي بالتمسك باقتفاء آبائهم تقليدًا، وبالتخويف مما يعبدونه من الأصنام، كقول قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ فأجابهم بأن الله قد هداه بالبرهان القاطع على توحيده، ورفض ما سواه، وأنه لا يخاف من آلهتهم. ثم أتى بما هو كالعلة لما قبله، فقال: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾؛ أي: أحاط ربي بكل شيء علمًا، فلا يبعد أن يكون في علمه سبحانه إنزال المكروه بي من جهتها بسبب من الأسباب. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ داخلة على محذوف وهي للاستفهام التقريري والتوبيخي، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: أتعرضون بعد ما أوضحته لكم عن التأمل في أن آلهتكم ليس بيدها نفع ولا ضر، فلا تتذكرون أيها الغافلون أنها غير قادرة على ضري ولا

стр. 3680

على إيصال النفع إليكم، فالسلطة العليا له تعالى وحده ليس لغيره تأثير فيها ولا تدبير، فإذا أعطى بعض المخلوقات شيئًا من النفع أو التفسير .. فلا يكون ذلك داعيًا لرفعها عن رتبة المخلوقات، وجعلها أربابًا ومعبودات، وكان يجب أن يفطن لذلك العقلاء ويتذكروه؛ لأنه تذكير بما يدركه العقل بالبرهان، ويهدي إليه الوجدان. ٨١ - وبعد أن أبان لهم أنه لا يخاف شركاءهم، بل يخاف الله وحده .. تعجب من تخويفهم إياه ما لا يخاف، وعدم خوفهم مما يجب أن يخاف منه، وقال ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ﴾ وأرهب ﴿مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ ـوه بربكم من خلقه، فجعلتموه ندًّا له ينفع ويضر ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾؛ أي: والحال أنكم لا تخافون إشراككم بالله خالقكم ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾؛ أي: حجة بينة بوحي ولا نظر عقل تثبت لكم جعله شريكًا في الخلق والتدبير، أو في الوساطة والشفاعة، فافتياتكم على خالقكم بهذه الدعوى هو الذي يجب أن يخاف ويتقى. والمعنى (١): وكيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق، والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله، وهو الضار النافع الخالق الرازق، أورد عليهم هذا الكلام الإلزامي الذي لا يجدون عنه مخلصًا ولا متحولًا، والاستفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم والتعجب من فساد عقولهم، حيث خوفوه خشبًا وحجرًا لا ينفع ولا يضر، وهم لا يخافون عقبى شركهم بالله، وهو الذي بيده النفع والضر والأمر كله. و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ مفعول أشركتم؛ أي: ولا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بعبادتها عليكم سلطانًا شركاء لله، أو المعنى: إن الله سبحانه لم يأذن بجعلها شركاء له، ولا أنزل عليهم بإشراكها حجة يحتجون بها، فكيف عبدوها واتخذوها آلهة، وجعلوها شركاء لله ؟! والخلاصة (٢): أن ما يدعى لصحة هذا الخوف باطل، وأنه ﵇ لم

стр. 3681

يجد لهذا الخوف وجهًا، فلا يخاف الشركاء لذواتهم، ولا لما يزعمون من وساطتهم عند الله وشفاعتهم، ولا لقدرة على الضر والنفع قد تدعى لهما. وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ مذكور على طريق التهكم مع الإعلام بأن الدين لا يقبل إلا بالحجة والبرهان، والتقليد ليس بعذر، ولا سيما تقليد من ليس على هداية ولا علم ولا بصيرة، والله لم ينزل بما ادعيتموه سلطانًا؛ لأنه باطل، فلا سلطان عليه ولا دليل. والاستفهام في قوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ استفهام استخبار وتقرير؛ أي: فأي هذين الفريقين أحق وأجدر بالأمن على نفسه من عاقبة عقيدته وعبادته. والمراد بالفريقين: فريق الموحدين: الذين يعبدون الله وحده ويخافونه ويرجونه دون غيره، وفريق المشركين: الذين استكبروا تأثير بعض الأسباب، فاتخذوا ما اتخذوا من الآلهة والأرباب، ونسبوا إلى بعضها النفع والضر؛ كالشمس والقمر والكواكب والملائكة، ونكتة التعبير بـ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ دون أن يقول: فأينا أحق بالأمن: الإشارة إلى أن هذه المقابلة عامة لكل موحد ومشرك، لا خاصة به وبهم، والبعد عن التصريح بخطئهم الذي ربما يدعو إلى اللجاج والعناد والاحتراس من تنفيرهم من الإصغاء إلى قوله، وإن كان قد علم قطعًا أنه هو الآمن لا هم، كما قال الشاعر: فَلَئِنْ لَقِيْتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعْلَمَنْ ... أَيِّيْ وَأَيُّكَ فَارِسُ الأَحْزَابِ أي: أينا، ومعلوم عنده أنه هو فارس الأحزاب لا المخاطب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إن كنتم من أهل العلم والبصيرة في هذا الأمر .. فأخبروني بذاك وبيِّنوه بالأدلة. وفي هذا إلجاء لهم إلى الاعتراف بالحق، أو السكوت على الحمق والجهل. والمعنى: أي (١) إذا كان الأمر على ما تقدم من أن معبودي هو الله المتصف بتلك الصفات، ومعبودكم هي تلك المخلوقات .. فكيف تخوفوني بها، وكيف

стр. 3682

أخافها، وهي بهذه المنزلة، ولا تخافون من إشراككم بالله سبحانه؟ وبعد هذا فأخبروني؛ أي: الفريقين أحق بالأمن وعدم الخوف إن كنتم تعلمون بحقيقة الحال، وتعرفون البراهين الصحيحة وتميزونها عن الشبه الباطلة؟ ٨٢ - ثم بين الحقيق بالأمن على سبيل التفصيل، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾؛ أي: إن الذين آمنوا بالله وحده ولم يشركوا به شيئًا ولم يلبسوا؛ أي: لم يخلطوا إيمانهم بظلم؛ أي: بشرك، ولم ينافقوا في إيمانهم ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ يوم القيامة من عذاب النار دون غيرهم ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ في الدنيا إلى سبيل الرشاد والصواب ثابتون عليه، وغيرهم على ضلال وجهل. والمراد (١) بالظلم الذي يلبس به المرء إيمانه بالله ويخلطه به: هو الشرك في العقيدة أو العبادة، كاتخاذ ولي من دون الله يدعى معه، أو من دونه، فيعظم كتعظيمه، ويحبه كحبه للاعتقاد أنَّ له نفعًا أو ضرًّا بذاته أو بتأثيره في مشيئة الله وقدرته، لا ظلم الإنسان نفسه بفعل بعض المضار أو ترك بعض المنافع عن جهل أو إهمال، ولا ظلمه لغيره ببعض التصرفات والأحكام. يدل على هذا التفسير ما رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من حديث ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية .. شق ذلك على المسلمين، وقالوا: يا رسول الله، وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنه ليس ذلك الذي تعنون، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. والمراد بالأمن: الأمن من عذاب الله الذي يحل بمن لا يرضى إيمانه ولا عبادته. وقرأ مجاهد (٢): ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بشرك﴾، ولعل ذلك تفسير معنى؛ إذ هي قراءة تخالف السواد. وقرأ عكرمة: ﴿ولم يلبسوا﴾ بضم الياء. ٨٣ - ﴿وَتِلْكَ﴾ الحجة الدامغة التي تضمنها البيان السالف التي أوردها إبراهيم عليهم من قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ...﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ المثبتة للحق، المزيفة

стр. 3683

للباطل، هي ﴿حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: هي الحجة التي أرشدنا إليها إبراهيم وأعطيناه إياها؛ إما بوحي، أو إلهام حجة. ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ ليلزمهم ويقنعهم بها ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالهداية والإرشاد إلى الحق وتلقين الحجة، أو بما هو أعم من ذلك؛ أي: إننا نرفع من شئنا من عبادنا درجات بعد أن لم يكونوا على درجة منها، فالعلم درجة كمال، والحكمة درجة كمال، وقوة المعارضة في الحجاج درجة كمال، والسيادة والحكم بالحق كذلك، والنبوة والرسالة أعلى كل هذه الدرجات؛ لأنها تشمل عليها وتزيد. والله يرفع درجات من يؤتيهم ذلك بتوفيق صاحب الدرجة الكسبية إلى ما به ترتقي درجته، ويصرف موانع هذا الارتقاء عنه، ويؤتي صاحب الدرجة الوهبية: النبوة ما لم يؤتِ غيره من أهل المناقب: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمَّد الذي رباك وعلمك وهداك وجعلك خاتم رسله لجميع خلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبره لعباده من الرفع والخفض ﴿عَلِيمٌ﴾ بشؤونهم من استحقاق الرفع وعدمه وسيريك ذلك عيانًا في سيرتك مع قومك، كما أراكه بيانًا فيما حدث عن إبراهيم مع قومه، وتأس في نفسك وقومك المكذبين بأبيك، واصبر على ما ينوبك منهم كما صبر. ويحتمل (١) أن يكون المراد بالخطاب إبراهيم، فيكون من باب الالتفات والخروج من ضمير الغيبة إلى ضمير الخطاب على سبيل التشريف بالخطاب. الإعراب ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ في الْأَرْضِ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت الهمزة للاستفهام الإنكاري. ﴿نَدْعُو﴾: فعل وفاعل، والجملة في

стр. 3684

محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نَدْعُو﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿نَدْعُو﴾. ﴿لَا﴾ نافية ﴿يَنْفَعُنَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة صلة ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَنْفَعُنَا﴾. ﴿وَنُرَدُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود علي المتكلمين، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿نَدْعُو﴾. ﴿عَلَى أَعْقَابِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نُرَدُّ﴾، أو حال من ضمير ﴿نُرَدُّ﴾؛ أي: منقلبين على أعقابنا. ﴿بَعْدَ﴾: منصوب على الظرفية. ﴿إِذْ﴾: حرف بمعنى أن المصدرية لا محل لها من الإعراب. ﴿هَدَانَا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة ﴿بَعْدَ﴾ إليه تقديره: بعد هداية الله إيانا، والظرف متعلق بـ ﴿نُرَدُّ﴾. وعبارة "الجمل" هنا: قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله﴾ (١) ﴿إِذْ﴾: ظرفية؛ أي: بعد وقت هدانا الله؛ أي: بعد وقت هداية الله لنا، أو بمعنى أن المصدرية، وهو ظاهر اهـ شيخنا. ﴿كَالَّذِي﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿نُرَدُّ﴾؛ أي: نرد على أعقابنا مشبهين بالذي استهوته الشياطين، أو نعت لمصدر محذوف تقديره: نرد ردًّا، مثل: رد الذي استهوته الشياطين. ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿في الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾. ﴿حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾. ﴿حَيْرَانَ﴾: حال من ضمير ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾. وعبارة "الجمل" هنا قوله: ﴿في الْأَرْضِ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه متعلق بقوله ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾. الثاني: أنه حال من مفعول ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾.

стр. 3685

الثالث: أنه حال من ﴿حَيْرَانَ﴾. الرابع: أنه حال من الضمير المستكن في ﴿حَيْرَانَ﴾، و ﴿حَيْرَانَ﴾ إما حال من هاء ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾، وإما من ﴿الذي﴾، وإما من الضمير المستكن في الظرف. انتهت ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿أَصْحَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿حَيْرَانَ﴾. ﴿يَدْعُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿إِلَى الْهُدَى﴾: متعلق به، والجملة صفة لـ ﴿أَصْحَابٌ﴾. ﴿ائْتِنَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف حال من فاعل ﴿يَدْعُونَهُ﴾؛ أي: يدعونه قائلين ائتنا. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ هُدَى اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿هُدَى اللهِ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾: ومضاف إليه. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْهُدَى﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَأُمِرْنَا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لِنُسْلِمَ﴾: اللام: حرف جر بمعنى الباء. ﴿نُسْلِمَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين. ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نُسْلِمَ﴾، وجملة ﴿نُسْلِمَ﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام التي بمعنى الباء المتعلقة بـ ﴿أُمِرْنَا﴾، والتقدير: وأمرنا بالإِسلام لرب العالمين. ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿نُسْلِمَ﴾؛ أي: وأمرنا بالإِسلام وبإقامة الصلاة. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: وأمرنا بالإِسلام لرب العالمين. وبإقامة الصلاة، وبتقوى الله تعالى. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُحْشَرُونَ﴾. وجملة ﴿تُحْشَرُونَ﴾ صلة الموصول، والجملة الإسمية مستأنفة موجبة لامتثال ما أمر به من الأمور الثلاثة، كما ذكره "أبو السعود".

стр. 3686

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل ومفعول. ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿خَلَقَ﴾ تقديره: حالة كونه ملتبسًا بالحق والحكمة. ﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿الْحَقُّ﴾ الآتي. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿كُنْ﴾: مقول محكي لـ ﴿يَقُولُ﴾، وإن شئت قلت: ﴿كُنْ﴾: فعل أمر من كان التامة، وفاعله ضمير يعود على شيء مخلوق، والجملة في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿فَيَكُونُ﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب. ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع من كان التامة، وفاعله ضمير يعود على شيء مخلوق، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَقُولُ﴾ على كونها مضافًا إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، والتقدير: قوله الحق يوم يقول كن فيكون؛ أي: واقع لا محالة. ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾: خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿يَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿الْمُلْكُ﴾؛ أي: يملك الأمور يوم. ﴿يُنْفَخُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿في الصُّورِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يُنْفَخُ﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿عَالِمُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو عالم، والجملة مستأنفة ﴿عَالِمُ﴾: مضاف. ﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوف على ﴿الْغَيْبِ﴾. ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ. ﴿الْحَكِيمُ﴾: خبر أول. ﴿الْخَبِيرُ﴾: خبر ثانٍ، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾.

стр. 3687

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ في ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾. ﴿وَإِذْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمَّد لقومك قصة إذ قال إبراهيم، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿لِأَبِيهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿آزَرَ﴾: بدل من أبيه، أو عطف بيان له، مجرور وعلامة جره الفتحة، والمانع له من الصرف العلمية والعجمية. ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام التوبيخي. ﴿تَتَّخِذُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿آزَرَ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَصْنَامًا﴾: مفعول أول لـ ﴿تَتَّخِذُ﴾. ﴿آلِهَةً﴾: مفعول ثانٍ له. ﴿إِنِّي﴾: حرف نصب، والياء اسمها. ﴿أَرَاكَ﴾ أرى: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، والكاف: ضمير المخاطب في محل النصب مفعول أرى إن قلنا: إنها بصرية، ومفعول أول لها إن قلنا: إنها علمية. ﴿وَقَوْمَكَ﴾: معطوف على الكاف. ﴿في ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: جار ومجرور وصفة متعلق بـ ﴿أرى﴾ إن قلنا: إنها بصرية، أو في محل المفعول الثاني إن قلنا: إنها علمية، وجملة ﴿أرى﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة للإنكار والتوبيخ قبلها. ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: إراءة مثل إراءته ضلال أبيه وقومه. ﴿نُرِي﴾: فعل مضارع لأرى الرباعي، من رأى البصرية تتعدى بالهمزة إلى مفعولين، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: مفعول أول. ﴿مَلَكُوتَ﴾: مفعول ثانٍ، وهو مضاف. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف عليه. ﴿وَلِيَكُونَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة على محذوف تقديره: ليستدل به على قومه. ﴿ليكون﴾: اللام لام كي ﴿يكون﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، واسمه

стр. 3688

ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: خبر ﴿يَكُونَ﴾، وجملة ﴿يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولكونه من الموقنين، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور المحذوف تقديره: ونرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، إراءة مثل ذلك لاستدلاله على قومه، ولكونه من الموقنين. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء: عاطفة تفصيلية. ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿جَنَّ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿اللَّيْلُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿ما﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿رَأَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿كَوْكَبًا﴾: مفعول به لرأى لأنها بصرية، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ من فعل شرطها وجوابها معطوفة على جملة قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ﴾ عطف مفصل على مجمل. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة معطوفة على جملة رأى كوكبًا بعاطف مقدر أو مستأنفة. ﴿هَذَا رَبِّي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط. ﴿أَفَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿كوكب﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة ﴿لَمَّا﴾ الأولى. ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أُحِبُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿الْآفِلِينَ﴾: مفعول به منصوب بالياء، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط. ﴿رَأَى الْقَمَرَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على إبراهيم. ﴿بَازِغًا﴾: حال من ﴿الْقَمَرَ﴾؛ لأن رأى

стр. 3689

بصرية، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة ﴿لَمَّا﴾ الأولى. ﴿هَذَا رَبِّي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط. ﴿أَفَلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْقَمَرَ﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾. ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَئِنْ لَمْ﴾ اللام: موطئة للقسم. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَهْدِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة. ﴿فِي﴾: النون نون الوقاية، والياء: مفعول به. ﴿رَبِّي﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿لَأَكُونَنَّ﴾: اللام: رابطة لجواب القسم. ﴿أَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع ناقص مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، الثقيلة، واسمها ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾: جار ومجرور خبر ﴿أكُونَنَّ﴾. ﴿الضَّالِّينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾، وجملة ﴿أكُونَنَّ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف دل عليه جواب القسم على القاعدة المطردة من أن المذكور يكون جواب ما قدم من الشرط والقسم، تقديره: إن لم يهدني ربي أكن من القوم الضالين، وجملة القسم وجوابه في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ الفاء: عاطفة، ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط. ﴿رَأَى الشَّمْسَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿بَازِغَةً﴾ حال من ﴿الشَّمْسَ﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على

стр. 3690

﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة ﴿لَمَّا﴾ الأولى. ﴿هَذَا رَبِّي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. وكذا جملة قوله: ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: عاطفة، ﴿لَمَّا﴾: حرف شرط. ﴿أَفَلَتْ﴾: فعل ماضٍ، والتاء علامة التأنيث، وفاعله ضمير ﴿الشَّمْسَ﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى آخره مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾: ﴿يَا﴾: حرف نداء. ﴿قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ﴿إن﴾ حرف نصب، والياء اسمها. ﴿بَرِيءٌ﴾: خبرها، وجملة ﴿إن﴾ جواب النداء على كونها مقول القول لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَرِيءٌ﴾، وجملة ﴿تُشْرِكُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما تشركونه بالله. ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ﴿إِنِّي﴾ إنّ: حرف نصب، والياء اسمها. ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لِلَّذِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَجَّهْتُ﴾. ﴿فَطَرَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل ومفعول. ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف عليه، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿حَنِيفًا﴾: حال من فاعل ﴿وَجَّهْتُ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: خبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَجَّهْتُ﴾. ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي في اللهِ﴾. ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿قَالَ﴾: فعل

стр. 3691

ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ إلى آخره مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: الهمزة: للاستفهام التوبيخي. ﴿تُحَاجُّونِّي﴾: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبات النون المدغمة في نون الوقاية على قراءة التشديد، أو المحذوفة على قراءة التخفيف، والواو فاعل، والنون نون الوقاية، والياء ضمير المتكلم في محل النصب مفعول به. ﴿في اللهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول. ﴿وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾. ﴿وَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: واو الحال. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿هَدَانِ﴾: هدى: فعل ماضٍ، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزىء عنها بالكسرة في محل النصب مفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب حال من ياء ﴿تُحَاجُّونِّي﴾؛ أي: أتجادلوني في الله حال كوني مهتديًا من عنده، أو حال من لفظ الجلالة؛ أي: أتخاصموني فيه حال كونه هاديًا لي، فحجتكم داحضة لا تجدي شيئًا. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَخَافُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ على كونها حالًا من الياء، أو مستأنفة. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول به. ﴿تُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما تشركونه به. ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿يَشَاءَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾. ﴿رَبِّي﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة المستثنى المحذوف، والمستثنى منه محذوف أيضًا تقديره: ولا أخاف ما تشركون به في وقت من الأوقات؛ لأنها لا تضر ولا تنفع إلا وقت مشيئة ربي إصابةً لي بشيء من المكروه أو المحبوب، فيصيبني من جهتها، فيكون الاستثناء من عموم الأزمان، ويصح أن يكون من

стр. 3692

عموم الأحوال، والتقدير: ولا أخاف ما تشركون به في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة الله تعالى. ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾. ﴿وَسِعَ رَبِّي﴾: فعل وفاعل. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مفعول به ومضاف إليه. ﴿عِلْمًا﴾: تمييز محول عن الفاعل؛ أي: وسع علمه كل شيء كـ ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لتعليل الاستثناء؛ أي: لأنه أحاط بكل شيء علمًا. ﴿أَفَلَا﴾: الهمزة للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة على كونها إنشائية لا محل لها من الإعراب، ولكنها في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، والتقدير: أتعرضون عن التأمل في أن آلهتكم جمادات لا تضر ولا تنفع، فلا تتذكرون أنها غير قادرة على شيء ما. ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾. ﴿وَكَيْفَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَيْفَ﴾: اسم للاستفهام التعجبي في محل النصب على الحال مبني على الفتح، والعامل فيه ﴿أَخَافُ﴾. ﴿أَخَافُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة مستأنفة على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿أَشْرَكْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما أشركتموه بالله. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَخَافُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿أَخَافُ﴾، والتقدير: وكيف أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين عاقبة إشراككم، وهذه الجملة وإن لم يكن فيها رابط يعود على ذي الحال. لا يضر ذلك؛ لأن الواو نفسها رابطة. اهـ "سمين". ﴿أَنَّكُمْ﴾ ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر، والكاف اسمها. ﴿أَشْرَكْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ تقديره: أنكم مشركون بالله، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في

стр. 3693

تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: ولا تخافون إشراككم بالله. ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ﴾: ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول به. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يُنَزِّلْ﴾: مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُنَزِّلْ﴾، وكذا ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿سُلْطَانًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿يُنَزِّلْ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿فَأَيُّ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم معبودي ومعبودكم، وأردتم بيان حالي وحالكم .. فأقول لكم ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾: ﴿أَيُّ﴾ اسم استفهام مبتدأ مرفوع. ﴿الْفَرِيقَيْنِ﴾: مضاف إليه. ﴿أَحَقُّ﴾: خبر. ﴿بِالْأَمْنِ﴾: متعلق به، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ خبر كان وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم من ذوي العلم والاستبصار .. فأخبروني أيُّ هذين الفريقين أحق بالأمن؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿إِيمَانَهُمْ﴾: مفعول به، ومضاف إليه. ﴿بِظُلْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَلْبِسُوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثانٍ. ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿الْأَمْنُ﴾ مبتدأ ثالث، والجملة من المبتدأ الثالث وخبره خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره مستأنفة. ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: مبتدأ وخبر، معطوف على جملة قوله: ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ على كونه خبرًا للمبتدأ الثاني. ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾.

стр. 3694

﴿وَتِلْكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ. ﴿حُجَّتُنَا﴾: خبر المبتدأ. وجملة ﴿آتَيْنَاهَا﴾ خبر ثانٍ، أو في محل النصب حال من ﴿حُجَّتُنَا﴾، والعامل فيها معنى الإشارة، والجملة الإسمية مستأنفة. ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿آتَيْنَا﴾؛ لأنه بمعنى: أعطينا. ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حُجَّتُنَا﴾. ﴿نَرْفَعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿آتَيْنَاهَا﴾. ﴿دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ - بالإضافة -: مفعول به، وهو مضاف، و ﴿مَنْ﴾ الموصولة: في محل الجر مضاف إليه. وبالتنوين: ﴿دَرَجَاتٍ﴾: مفعول فيه، أو مفعول ثانٍ على تضمين نرفع بمعنى: نعطي، و ﴿مَنْ﴾ الموصولة: مفعول به. ﴿نَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: نشاءه. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿رَبَّكَ﴾: اسمها ومضاف إليه. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر أول؛ لأن ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ثانٍ لها، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ الأعقاب جمع: عقب، وهو مؤخر الرجل، وتقول العرب فيمن عجز بعد قدرة، أو سفل بعد رفعة، أو أحجم بعد إقدام على محمدة: نكص على عقبيه، وارتد على عقبيه، ورجع القهقرى، ثم صار يطلق على كل تحول مذموم. ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾؛ أي: ذهبت بعقله وهواه، وكانت العرب في الجاهلية تزعم أن الجنون كله من تأثير الجن، ومنه قولهم: حسن فلان؛ أي: مسته الجن، فذهبت بعقله، وكانوا يقولون: إن الجن تظهر لهم في المهامه، وتتلون لهم بألوان مختلفة، فتذهب بلب من يراها، فيهيم على وجهه لا يدري أين يذهب حتى يهلك، وهذه الشياطين التي تتلون هي التي يسمونها: الغيلان والأغوال والسعالي. وقوله: ﴿حَيْرَانَ﴾؛ أي: تائهًا ضالًا عن الجادة، لا يدري ما يصنع؟ وهو وصف مذكر مؤنثه حيرى؛ كسكران وسكرى، فلذلك منع من الصرف، ويقال: حار يحار حيرة وحيرورة إذا تردد.

стр. 3695

﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ والصور في اللغة: القرن، وهو هنا شيء من خلق الله على صورة القرن المستطيل، وفيه جميع الأرواح، وفيه ثقب بعددها، فإذا نفخ خرجت كل روح من ثقبة، ووصلت لجسدها، فتحله الحياة. اهـ "سمين". وقد ثقب الناس قرون الوعول والظباء وغيرها، فجعلوا منها أبواقًا ينفخون فيها، لها صوت شديد يدعى به الناس إلى الاجتماع، ويعزفون بها كغيرها من آلات الطرب. ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ والأصنام: جمع صنم، وهو والتمثال والوثن بمعنى واحد، وهو الذي يتخذ من خشب أو حجارة أو حديد أو ذهب أو فضة على صورة الإنسان. اهـ "خازن". ﴿في ضَلَالٍ﴾ والضلال: العدول عن الطريق الموصل إلى الغاية التي يطلبها العاقل من سيره الحسي والمعنوي. ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ﴾ وملك الله وملكوته: سلطانه وعظمته، والملكوت: الملك، زيدت فيه التاء للمبالغة كالرهبوت والرغبوت والرحموت من الرهبة والرغبة والرحمة، كما مرَّ. ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ يقال (١): جن عليه الليل وأجن بمعنى: أظلم، فيستعمل قاصرًا، وجنه وأجنه الليل، فيستعمل متعديًا، فهذا مما اتفق فعل وأفعل لزومًا وتعديًا إلا أن الأجود في الاستعمال: جن عليه الليل وأجنه الليل، فيكون الثلاثي لازمًا، والرباعي متعديًا. اهـ "سمين". ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ والكوكب والكوكبة واحد الكواكب، وهي: النجوم ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ في "المصباح": أفل (٢) الشيء أفلًا وأفولًا من بأبي ضرب وقعد: غاب، ومنه: أفل فلان عن البلد إذا غاب عنها، والأفيل: الفصيل وزنًا ومعنى، والجمع: إفال بالكسر. وقال الفارابي: الإفال: بنات المخاض فما فوقها، وقال أبو زيد: الأفيل: الفتى من الإبل. وقال الأصمعي: ابن تسعة أشهر أو ثمانية. وقال ابن فارس: جمع الأفيل: إفال، والإفال: صغار الغنم، والأفول: غيبوبة الشيء بعد ظهوره.

стр. 3696

قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ القمر معروف، سمي بذلك لبياضه، والأقمر: الأبيض، وليلة قمراء: مضيئة، قاله ابن قتيبة. وبزوغ القمر: ابتداء طلوعه، يقال: بزغ بفتح الزاي يبزغ بضمها، واستعمل قاصرًا ومتعديًا يقال: بزغ البيطار الدابة؛ أي: أسال دمها، فبزغ هو؛ أي: سال، ثم قيل لكل طلوع: بزوغ، ومنه: بزغ ناب الصبي والبعير تشبيهًا بذلك اهـ "سمين". وفي "المصباح": بزغ البيطار والحاجم بزغًا من باب قتل: شرط، وأسال الدم، وبزغ ناب البعير بزوغًا: إذا طلع، وبزغت الشمس: طلعت فهي بازغة. اهـ. ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ وجه من باب فعل المضعف، وتوجيه الوجه لله تعالى تركه يتوجه إليه وحده في طلب حاجته وإخلاص عبوديته. ﴿فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أخرجهما إلى الوجود لا على مثال سابق ﴿حَنِيفًا﴾ الحنيف: المائل عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق الذي هو التوحيد. ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ حاج من باب فاعل الرباعي المزيد بالألف بين الفاء والعين، يدل على المفاعلة، والمحاجة المجادلة والمغالبة في إقامة الحجة، والحجة تطلق تارة على الدلالة المبينة للمقصد، وتارةً على ما يدلي به أحد الخصمين في إثبات دعواه، أو ردِّ دعوى خصمه، وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى قسمين: إلى حجة دامغة يثبت بها الحق، وإلى حجة داحضة يموه بها الباطل، وقد اصطلحوا على تسمية مثل هذه شبهةً. ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ بتشديد الجيم والنون أصله: أتحاججونني بوزن تضاربونني بجيمين، فأدغمت الجيم الأولى في الثانية، وكذا النون: أدغمت الأولى في الثانية على قراءة التشديد، وأما على قراءة التخفيف، فاختلفوا في المحذوفة من النونين، فقال سيبويه وغيره من البصريين: المحذوفة الأولى التي هي نون الرفع؛ لأنها نائبة عن الضمة، وهي قد تحذف تخفيفًا كما في قراءة أبي عمرو: ﴿ينصركم﴾ و ﴿يأمركم﴾ و ﴿يشعركم﴾ فكذا ما ناب عنها. وقال الفراء ومن وافقه: المحذوفة هي الثانية التي هي نون الوقاية؛ لأن الثقل إنما حصل بها، ولأن الأولى دالة على الإعراب، فبقاؤها أولى، وبرهن كل على مختاره بما

стр. 3697

يطول بنا الكلام في ذكره، أفاده في "الفتوحات" وإنما اختاروا (١) التخفيف في قراءة من خففها فرارًا من اجتماع مشددين في كلمة واحدة، وهما: الجيم والنون. وقال أبو عبيدة (٢): وإنما كره التثقيل من كرهه للجمع بين ساكنين، وهما: الواو والنون، فحذفوها. قال أبو جعفر: والقول في هذا قول سيبويه، ولا ينكر الجمع بين ساكنين إذا كان الأول حرف مد ولين، والثاني مدغمًا كما هنا. ﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ بحذف الياء؛ لأن الكسرة تدل عليها، والنون عوض منها إذا حذفتها، وإثباتها حسن. ﴿سُلْطَانًا﴾ السلطان: الحجة والبرهان. ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ لم يلبسوا: لم يخلطوا، والظلم هنا: هو الشرك في العقيدة أو العبادة؛ كاتخاذ ولي من دون الله يدعى معه، أو من دونه، والله أعلم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الطباق في قوله: ﴿يَنْفَعُنَا﴾ و ﴿يَضُرُّنَا﴾، و ﴿الْغَيْبِ﴾ و ﴿الشَّهَادَةِ﴾. ومنها: التقبيح والتشنيع في قوله: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ عبر بالرد على الأعقاب عن الشرك لزيادة تقبيح الأمر وتشنيعه؛ لأنها المشية الدنية. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى﴾ مع ما قبله. ومنها: التخصيص بعد التعميم في قوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بعد قوله: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اهتمامًا بشأن الصلاة. ومنها: التكرار في قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى﴾، وفي قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾، وفي قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾، وفي قوله: ﴿بَازِغًا﴾.

стр. 3698

ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿أَفَلَ﴾ و ﴿الْآفِلِينَ﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، وبين الكوكب والقمر والشمس. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾. ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: أريناه. ومنها: التعريض في قوله: ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾؛ لأن فيه تعريضًا بضلال قومه. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي﴾، وفي قوله: ﴿أَشْرَكْتُمْ﴾ و ﴿تُشْرِكُونَ﴾، وفي ﴿أَخَافُ﴾ و ﴿وَلَا تَخَافُونَ﴾. والتكرار في: ﴿أَشْرَكْتُمْ﴾. ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾. ومنها: الإشارة في قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾؛ لأنه استعارة عن الرجوع إلى الشرك. ومنها: الحصر في قوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 3699

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله (١) لما حكى عن إبراهيم ﵇ أنه أظهر حجة الله في التوحيد، وعدَّد وجوه نعمه وإحسانه إليه .. ذكر هنا أنه جعله عزيزًا في

стр. 3700

الدنيا؛ إذ جعل أشرف الناس وهم الأنبياء والرسل من ذريته، وأبقى هذه الكرامة له إلى يوم القيامة. وعبارة أبي حيان: مناسبتها لما قبلها: أن الله لما (١) عدد نعمه على إبراهيم، فذكر إيتاءه الحجة على قومه، وأشار إلى رفع درجاته .. ذكر هنا ما مَنَّ به عليه من هبته له هذا النبي الذي تفرعت منه أنبياء بني إسرائيل، ومن أعظم المنن أن يكون من نسل الرجل الأنبياء والرسل، ولم يذكر إسماعيل مع إسحاق، قيل: لأن المقصود بالذكر هنا أنبياء بني إسرائيل، وهم بأسرهم أولاد إسحاق ويعقوب، ولم يخرج من صلب إسماعيل نبي إلا محمَّد ﷺ ، ولم يذكره في هذا المقام؛ لأنه أمره ﵇ أن يحتج على العرب في نفي الشرك بالله، بأن جدهم إبراهيم لما كان موحدًا لله متبرئًا من الشرك .. رزقه الله تعالى أولادًا ملوكًا وأنبياء انتهت. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أن الله لما ذكر أنه فضلهم واجتباهم وهداهم .. ذكر هنا ما فضلوا به. قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما (٣) ذكر وقرَّر أن إنكار من أنكر أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا، وحاجهم بما لا يقدرون على إنكاره .. أخبر أن هذا الكتاب الذي أنزل على الرسول مبارك كثير النفع والفائدة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (٤) بين أن القرآن كتاب من عند الله تعالى، وردَّ على الذين أنكروا إنزاله على محمَّد ﷺ لأنه بشر - بأن مثله مثل التوراة التي يعترفون بإنزالها على موسى - وهو بشر - .. أردف ذلك بوعيد من كذب على الله وادَّعى النبوة والرسالة، أو ادَّعى أنه قادر

стр. 3701

على الإتيان بمثل هذا القرآن، وهذا الوعيد يتضمن الشهادة بصدق النبي ﷺ . ذلك أن من كان يؤمن باللهِ واليوم الآخر إذا لم يكن له بد من الإيمان بأنَّ القرآن من عند الله، ومن الاهتداء به .. فأكمل الناس إيمانًا بالدار الآخرة وما فيها من الجزاء - وهو محمَّد ﷺ لا يمكن أن يعرض نفسه لمنتهى الظلم الذي يستحق عليه أشد العذاب. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...﴾ الآية سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف، فخاصم النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين" - وكان حبرًا سمينًا - فغضب وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال له أصحابه: ويحك، ولا على موسى؟ فقال: واللهِ ما أنزل الله على بشر من شيء، فلما سمع قومه تلك المقالة .. قالوا: ويلك! ما هذا الذي بلغنا عنك، أليس الله أنزل التوراة على موسى؟ فلِمَ قلت هذا؟! قال: أغضبني محمَّد فقلته، فقالوا: وأنت إذا غضبت تقول على الله غير الحق، فعزلوه من الحبرية وعن رياستهم لأجل هذا الكلام، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...﴾ الآية، مرسل. وأخرج ابن جرير من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قالت اليهود: ما أنزل الله من السماء كتابًا، فأنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة قال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ نزل في مسيلمة. ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: نزل في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان يكتب للنبي ﷺ ، فيملي عليه عزيز حكيم،

стр. 3702

فيكتب غفور رحيم، ثم يقرأ عليه فيقول: نعم، سواء، فرجع عن الإِسلام ولحق بقريش، ثم رجع بعد ذلك إلى الإِسلام، فأسلم قبل فتح مكة حين نزول رسول الله ﷺ بمر الظهران. وأخرج عن السدي نحوه، وزاد: قال: إن كان محمَّد يوحى إليه .. فقد أوحي إلي، وإن كان الله ينزله على محمَّد .. فقد أنزلت مثل ما أنزل الله، قال محمَّد: سميعًا عليمًا، فقلت أنا: عليمًا حكيمًا. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن جرير وغيره عن عكرمة قال: قال النضر بن الحارث: سوف تشفع لي اللات والعزى، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ إلى قوله: ﴿شُرَكَاءُ﴾. التفسير وأوجه القراءة ٨٤ - قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ عطف فعلية على اسمية؛ أي: ووهبنا لإبراهيم إسحاق ابنه لصلبه من سارة نبيًّا من الصالحين، وجعلنا من ذريته يعقوب بن إسحاق نبيًّا منجبًا للأنبياء والمرسلين، جزاءًا على الاحتجاج في الدين، وبذل النفس فيه. ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾؛ أي: وهدينا كلًّا من إسحاق ويعقوب ووفقناه طريق الحق والرشاد، كما هدينا إبراهيم بما آتيناه من النبوة والحكمة وقوة المعارضة والحجة. وإنما (٢) ذكر إسحاق دون إسماعيل؛ لأنه هو الذي وهبه الله تعالى بآية منه بعد كبر سنه وعقم امرأته سارة، جزاء إيمانه وإحسانه وكمال إسلامه وإخلاصه بعد ابتلائه بذبح ولده إسماعيل، ولم يكن له ولد سواه على كبر سنه، ويقول المؤرخون: إنَّ معنى ﴿إِسْحَاقَ﴾: الضحاك، وأنه ولد وكانت سن أبيه مئة واثنتي عشرة سنة، وسن أمه تسعًا وتسعين سنة، وأنه عاش ثمانين ومئة سنة. ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل إبراهيم؛ أي: وهدينا جده نوحًا الذي هو آدم الثاني إلى مثل ما هدينا له إبراهيم وذريته، فآتيناه النبوة والحكمة وهداية الخلق

стр. 3703

إلى طريق الرشاد، وقال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تنبيهًا على قدمه، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس. والمراد بذلك أن نسب إبراهيم من أشرف الأنساب؛ إذ قد رزقه الله أولادًا مثل إسحاق ويعقوب، وجعل أنبياء بني إسرائيل من نسلهما، وأخرجه من أصلاب آباء طاهرين، كنوح وإدريس وشيث، فهو كريم الآباء شريف الأبناء، والمقصود من تلاوة هذه النعم على محمَّد ﷺ تشريفه؛ لأن شرف الوالد يسري إلى الولد. وفي ذكر نوح (١) لطيفة، وهي أن نوحًا ﵇ عُبدت الأصنام في زمانه، وقومه أول قوم عبدوا الأصنام، ووحد هو الله تعالى ودعا إلى عبادته، ورفض تلك الأصنام، وحكى الله عنه مناجاته لربه في قومه حيث قالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾، وكان إبراهيم عُبدت الأصنام في زمانه، ووحد هو الله تعالى ودعا إلى رفضها، فذكر الله تعالى نوحًا وأنه هداه كما هدى إبراهيم. والضمير في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ اختلفوا في مرجعه، قيل: يرجع إلى نوح؛ لأنه أقرب مذكور، وهو اختيار جمهور المفسرين؛ لأن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، ولأن الله ذكر في جملة هذه الذرية لوطًا وهو ابن أخي إبراهيم، ولم يكن من ذريته، فثبت بهذا أن الضمير يرجع إلى نوح، وقيل: يعود إلى إبراهيم؛ لأن الكلام في شأنه بذكر ما أنعم الله عليه من الفضائل، وإنما ذكر نوحًا؛ لأنه جده، فهو كما قدمنا يرشد إلى فضل الله عليه في أصوله وفروعه. قال ابن عباس: هؤلاء الأنبياء كلهم مضافون إلى ذرية إبراهيم، وإن كان فيهم من لا يلحقه بولادة من قبل أم ولا أب؛ لأن لوطًا ابن أخِ إبراهيم، والعرب تجعل العم أبًا، فكأنه من ذريته. وقال أبو سليمان الدمشقي: ووهبنا له لوطًا في المعاضدة والنصرة انتهى. وقال الزجاج: كلا القولين جائز؛ لأن ذكرهما جميعًا قد جرى؛ أي: وهدينا من ذرية إبراهيم ﴿دَاوُودَ﴾ بن إيشا، وكان ممن أتاه الله الملك والنبوة. ﴿و﴾ هدينا ﴿سُلَيْمَانَ﴾ بن داود، وكان أيضًا ممن أوتي الملك والنبوة وقرنهما؛ لأنهما أبٌ وابن، ولأنهما ملكان نبيان، وقدم داود لتقدمه في

стр. 3704

الزمان، ولكونه صاحب كتاب، ولكونه أصلًا لسليمان وهو فرعه ﴿و﴾ هدينا ﴿أَيُّوبَ﴾ بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﴿و﴾ هدينا ﴿يوسف﴾ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وكان ممن أوتي الملك والنبوة، وقرن (١) بينه وبين أيوب؛ لاشتراكهما في الامتحان: أيوب بالبلاء في جسده، ونبذ قومه له، ويوسف بالبلاء بالسجن، وبغربته، وفي مآلهما بالسلامة والعاقبة، وقدم أيوب؛ لأنه أعظم في الامتحان. قال الفراء: يوسف - بضم السين من غير همز - لغة أهل الحجاز، وبعض بني أسد يقول: يؤسف بالهمز، وبعض العرب يقول: يوسف - بكسر السين -، وبعض بني عقيل: يوسَف بفتح السين، ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير". ﴿و﴾ هدينا ﴿مُوسَى﴾ بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ﴿و﴾ هدينا ﴿هَارُونَ﴾ بن عمران أخا موسى، وكان أكبر منه بسنة ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: وكما جزينا إبراهيم على توحيده وصبره على أذى قومه بإيتائه الحجة الدامغة، وهبة الأولاد الأخيار .. نجزي من كان محسنًا في عبادتنا، مراقبًا في أعماله لنا على إحسانه، وقد فسر النبي ﷺ الإحسان بقوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه .. فإنه يراك". ٨٥ - ﴿و﴾ هدينا ﴿زَكَرِيَّا﴾ بن آذن بن بركيا ﴿و﴾ هدينا ﴿يَحْيَى﴾ بن زكريا ﴿و﴾ هدينا ﴿عِيسَى﴾ بن مريم بنت عمران ﴿و﴾ هدينا ﴿إِلْيَاسَ﴾ بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران. وهذا هو الصحيح في نسبه، وقرن بين (٢) هؤلاء الأربعة لاشتراكهم في الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا، وبدأ بزكريا ويحيى؛ لسبقهما في الزمان، وقدم زكريا، لأنه والد يحيى، فهو أصل ويحيى فرع. وقرن عيسى وإلياس؛ لاشتراكهما في كونهما لم يموتا بعد على ما قيل في إلياس، وقدم عيسى؛ لأنه صاحب كتاب ودائرة متسعة ﴿كُلٌّ﴾ من هؤلاء الأنبياء المذكورين سابقًا من إبراهيم إلى هنا ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: من الكاملين في الصلاح، وهو الإتيان بما ينبغي، والتحرز عما لا ينبغي.

стр. 3705

وتقدم خلاف القراء في زكريا مدًّا وقصرًا. وقرأ ابن عباس باختلاف عنه والحسن وقتادة بتسهيل همزة ﴿إِلْيَاسَ﴾. ٨٦ - ﴿و﴾ هدينا ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ بن إبراهيم الخليل من هاجر، وهو أكبر ولده، وقيل: هو نبي من بني إسرائيل، كان زمان طالوت، وهو المعني بقوله إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله، والقول الأول هو المشهور الصحيح، وإنما أخر ذكره إلى هنا؛ لأنه ذكر إسحاق وذكر أولاده من بعده على نسق واحد، فلهذا السبب أخر إسماعيل إلى هنا ﴿و﴾ هدينا ﴿الْيَسَعَ﴾ بن أخطوب بن العجوز، وقال زيد بن أسلم: هو يوشع بن نون. وجمهور القراء يقرؤون: ﴿الْيَسَعَ﴾ بلام واحدة مخففًا، كأن أل أدخلت على مضارع: وسع، منهم ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر. وقرأ حمزة والكسائي هاهنا، وفي ص: ﴿والليسع﴾ على وزن فيعل نحو الضيغم. ﴿و﴾ هدينا ﴿يُونُسَ﴾ بن متى، وهي أمه، ويقال فيه: يونس بضم النون، وفتحها، وكسرها، وكذلك سين يوسف بالتثليث كما تقدم. وبفتح نون: ﴿يونَس﴾، وسين ﴿يوسَف﴾ قرأ الحسن وطلحة ويحيى والأعمش وعيسى بن عمر في جميع القرآن، ذكره أبو حيان في "البحر". ﴿و﴾ هدينا ﴿لُوطًا﴾ بن هاران أخي إبراهيم ﴿وَكُلًّا﴾ من هؤلاء الأنبياء المذكورين ﴿فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ بالنبوة والرسالة، فهم يفضلون على الملائكة والأولياء وجميع الصالحين. وفيه دلالة على أن الأنبياء أفضل من الملائكة، لعموم لفظ العالمين ما سوى الله تعالى، فيندرج في العموم الملائكة. وإنما جمع هؤلاء الأربعة؛ لأنه لم يبق لهم من الخلق أتباع ولا أشياع. واعلم (١) أن الله تعالى خص كل طائفة من الأنبياء بنوع من الكرامة والفضل، فمنهم أصول الأنبياء، وإليهم يرجع حسبهم جميعًا، وهم: نوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب. ثم المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق بعد النبوة ستة: الأولى: مرتبة الملك والسلطان والقدرة، ذكر فيها: داود وسليمان.

стр. 3706

والثانية: مرتبة البلاء الشديد والمحنة العظيمة، وذكر فيها: أيوب. والثالثة: مرتبة الجمع بين البلاء والوصول إلى الملك، وذكر فيها: يوسف. والرابعة: مرتبة قوة البراهين وكثرة المعجزات والقتال والصولة، وذكر فيها: موسى وهارون. والخامسة: مرتبة الزهد الشديد، والانقطاع عن الناس للعبادة، وترك مخالطتهم، وذكر فيها: زكريا ويحيى وعيسى وإلياس. والسادسة: مرتبة عدم الاتباع، وذكر فيها: إسماعيل واليسع ويونس ولوطًا. وقد ذكر الله في هذه الآيات ثمانية عشر نبيًّا لم يرتبهم بحسب أزمانهم، ولا بحسب فضلهم؛ لأن الكتاب أنزل ذكرى وموعظة للناس، لا تاريخا تفصل وقائعه مرتبة بحسب وجودها. فائدة في أعمار الأنبياء وعاش آدم (١) تسع مئة وستين سنة. ومكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين سنة. وعاش إبراهيم مئة وخمسًا وسبعين سنة. وعاش ولده إسماعيل مئة وثلاثين سنة، وكان له حين مات أبوه تسع وثمانون سنة. وعاش أخوه إسحاق مئة وثمانين سنة، وولد بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة. وعاش يعقوب بن إسحاق مئة وسبعًا وأربعين سنة. وعاش يوسف بن يعقوب مئة وعشرين سنة. وعاش موسى مئة وعشرين سنة. وعاش داود مئة سنة. وعاش ولده سليمان نيفًا وخمسين سنة. وعاش أيوب ثلاثًا وستين سنة، وكانت مدة بلائه سبع سنين. انتهى من "التحبير في علم التفسير" للجلال السيوطي: بتصرف. ٨٧ - وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ إما عطف (٢) على ﴿كُلًّا﴾ فالعامل فيه ﴿فَضَّلْنَا﴾، و ﴿مِنْ﴾ تبعضية؛ أي: وفضلنا بعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم،

стр. 3707

أو على ﴿نُوحًا﴾، فالعامل فيه ﴿هَدَيْنَا﴾، و ﴿مِنْ﴾ ابتدائية، والمفعول محذوف؛ أي: وهدينا بالنبوة والإِسلام من آبائهم جماعات كثيرة: آدم وشيثًا وإدريسَ وهودًا وصالحًا، ومن ذرياتهم جماعات كثيرة: أولاد يعقوب، ومن إخوانهم جماعات كثيرة: إخوة يوسف، لا كلهم؛ إذ أن بعض هؤلاء الأقربين لم يهتد بهدي ابنه، أو أبيه أو أخيه، ألا ترى إلى أبي إبراهيم، وابن نوح، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾. قوله: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ عطف على (١) ﴿فَضَّلْنَا﴾، وتكرير الهداية في قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ إلخ لتكرير التأكيد وتمهيدًا لبيان ما هدوا إليه، يقال (٢): اجتبى فلان فلانًا لنفسه إذا اختاره واصطفاه، ومعنى اجتباء الله العبد: تخصيصه إياه بفيض إلهي يحصل له منه أنواع من النعم بلا سعي منه، كما يحدث للأنبياء والصديقين والشهداء. والمعنى: أي وفضلنا كلًّا من الأنبياء المذكورين على العالمين واجتبيناهم؛ أي: اصطفيناهم بالنبوة والرسالة واخترناهم بالقرب إلينا وهديناهم؛ أي: أرشدناهم ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: إلى دين الحق القويم الذي لا عوج فيه، وهو توحيد الله تعالى وتنزيهه عن الشرك. ٨٨ - ﴿ذَلِكَ﴾ الهدى الذي هدي به من تقدم ذكرهم من الأنبياء والرسل، فوفقوا به لإصابة الدين الحق الذي به رضا ربهم، وشرف الدنيا وكرامة الآخرة هو ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ الخاص وتوفيقه ولطفه الذي ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ ويوفق به ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ حتى ينيب إلى طاعته، ويخلص العمل له، ويقر بالتوحيد، ويرفض الأوثان والأصنام. والهداية ضربان: ضرب ليس لصاحبه سعي فيه، ولا هو مما ينال بالكسب، وهو النبوة، وهو ما أشير إليه بقوله لنبيه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾،

стр. 3708

وضرب آخر ينال بالكسب والاستعداد مع اللطف الإلهي والتوفيق لنيل المراد. ثم ختم سبحانه الآية بنفي الشرك وتقرير التوحيد، فقال: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾؛ أي: ولو أشرك هؤلاء الأنبياء المهديون بربهم مع الله إلهًا آخر، فعبدوا معه غيره ﴿لَحَبِطَ﴾ وبطل ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: أجر أعمالهم التي كانوا يعملونها؛ أي: لبطل عنهم مع فضلهم وعلو درجاتهم أعمالهم المرضية، وعبادتهم الصالحة، فكيف بمن عداهم، والمقصود من هذا الكلام: تقرير التوحيد وإبطال طريقة الشرك إذ توحيد الله تعالى هو المزكي للأنفس، فضده وهو الشرك منتهى النقص والفساد المدنس لها، والمفسد لفطرتها، فلا يبقى معه فائدة لعمل آخر يترتب عليه نجاتها وفلاحها به. ٨٩ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الأنبياء الثمانية عشر المذكورون بأسمائهم هم ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾ وأعطيناهم ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: فهمًا تامًّا لما في الكتاب، وعلمًا محيطًا بأسراره. فالمراد بإيتاء الكتاب لكل منهم: تفهيم ما فيه أعم من أن يكون ذلك بالإنزال عليه ابتداءً، أو بوراثته ممن قبله، ذكره "أبو السعود" بالمعنى. والمراد بالكتاب: ما ذكر في القرآن من صحف إبراهيم وموسى، وزبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى ﴿و﴾ آتيناهم ﴿الْحُكْمَ﴾؛ أي: العلم والفقه في الدين، فإن الله تعالى جعلهم حكامًا على الناس نافذي الحكم فيهم بحسب الظاهر ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ فيقدرون بها على التصرف في ظواهرهم كالسلاطين، وفي بواطنهم وأرواحهم كالعلماء، وكل نبي من الأنبياء آتاه الله العلم الصحيح والفقه في أمور الدين وشؤون الإصلاح وفهم الكتاب الذي تعبده به، سواء أنزله عليه، أم أنزله على غيره، واختص بعضهم بإتائه الحكم صبيًّا؛ كيحيى وعيسى؛ أي: بإعطائه ملكة الحكم الصحيح في الأمور. وأما (١) الحكم بمعنى القضاء والفصل في الخصومات، فلم يعطه إلا بعض الأنبياء، وتكون هذه العطايا الثلاث أعني: الكتاب والحكم والنبوة مرتبة بحسب

стр. 3709

درجات الخصوصية، فبعض النبيين أعطي الثلاث؛ كإبراهيم وموسى وعيسى وداود، قال تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾، فهو قد دعا هذا الدعاء وهو رسول عليهم بعد محاجة قومه. وقال حكاية عن موسى: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقال عز اسمه: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. وقال في داود وسليمان معًا: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. ومنهم من أوتي الحكم والنبوة، كالأنبياء الذين كانوا يحكمون بالتوراة، ومنهم من لم يؤت إلا النبوة فقط. والخلاصة: أن كل من أوتي الكتاب .. أوتي الحكم والنبوة، وكل من أوتي الحكم ممن ذكر .. كان نبيًّا، وما كان نبي منهم كان حاكمًا ولا صاحب كتاب منزل. وهذه هي مراتب الفضل بينهم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم. ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾؛ أي: بهذه الثلاث: الكتاب والحكم والنبوة، أو بآيات القرآن ﴿هَؤُلَاءِ﴾ المشركون من أهل مكة وغيرهم ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾؛ أي: برعايتها؛ أي: وفقنا للإيمان بها والقيام بحقوقها، وتولي نصر الداعي إليها. ﴿قَوْمًا﴾ كرامًا ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾؛ أي: ليسوا بكافرين بها، فمنهم من آمن بها، ومنهم من سيؤمن بها عند ما يدعى إليها. فالباء (١) في قوله: ﴿لَيْسُوا بِهَا﴾ صلة وفي ﴿بِكَافِرِينَ﴾ لتأكيد النفي. وعبارة "الجمل": قوله: ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾؛ أي: في وقت من الأوقات، بل هم مستمرون على الإيمان بها، فإن الجملة الإسمية الإيجابية كما تفيد دوام الثبوت كذلك السلبية تفيد دوام النفي بمعونة المقام، لا نفي الدوام كما حقق في مقامه. اهـ "أبو السعود" انتهت. أخرج ابن (٢) جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل مكة: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ يعني: أهل المدينة والأنصار. اهـ.

стр. 3710

والذي عليه المعول أن الموكلين بها هم أصحاب رسول الله ﷺ مطلقًا، فإن المهاجرين قد كانوا أول من آمن بها، وكانوا بعد الهجرة في المقدمة في كل عمل وجهاد، ولكن الأنصار هم المقصودون بالذات؛ لأن القوة والمنعة لم تكن إلا بهم، ومن ثَمَّ قال: ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ والأنصار لم يكونوا عند نزول هذه السورة مؤمنين. وفي الآية (١) دليل على أن الله ينصر نبيه ﷺ ، ويقوي دينه، ويجعله غالبًا على الأديان كلها، وقد جعل ذلك: فهو إخبار عن الغيب. ٩٠ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرت أسماؤهم في الآيات السابقة، والذين وصفهم الله تعالى بإيتائهم الكتاب والحكم والنبوة هم ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ بالأخلاق الحسنة هداية كاملة ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾؛ أي: فبهدى هؤلاء المذكورين من الأنبياء وبأخلاقهم الشريفة دون ما يخالفه من أعمال غيرهم ﴿اقْتَدِهْ﴾؛ أي: اتبع أيها الرسول فيما يناله كسبك وعملك مما بعثت به من تبليغ الدعوة، وإقامة الدين والصبر على التكذيب والجحود، وإيذاء أهل العناد ومقلدي الآباء والأجداد، وإعطاء كل حال حقها من مكارم الأخلاق وأحاسن الأعمال؛ كالصبر والشكر والشجاعة والحلم والزهد والسخاء والحكم بالعدل. قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾. والخلاصة (٢): أن الله أمره بالاقتداء بهم في الأخلاق الحميدة والصفات الرفيعة من الصبر على أذى السفهاء، والعفو عنهم، وقد كان مهتديًا بهداهم كلهم، فكانت مناقبه وفضائله الكسبية أعلى من مناقبهم وفضائلهم؛ لأنه اقتدى بها كلها، فاجتمع له من الكمال ما كان متفرقًا فيهم مع ما أوتيه دونهم، ومن ثَمَّ شهد له ربه بما لم يشهد به لأحد منهم، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ

стр. 3711

عَظِيمٍ (٤)﴾، وكذلك فضائله الموهوبة هي فيه أظهر وأعظم، فبعثته عامة للناس أسودهم وأحمرهم، وبه ختمت النبوة والرسالة، وكمال الأشياء في خواتيمها صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. وبهذه (١) الآية استدل بعض العلماء على أن محمدًا ﷺ أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين، وذلك لأن جميع الصفات الحميدة كانت متفرقة فيهم، فيلزم أنه ﷺ حصلها ومتى كان الأمر كذلك .. وجب أن يقال: إنه ﷺ أفضل منهم بكليتهم، فكان نوح صاحب تحمل الأذى من قومه، وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل ومجاهدة في الله تعالى؛ وكان إسحاق ويعقوب صاحبي صبر على البلاء والمحن، وكان داود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة، وكان أيوب صاحب صبر على النبلاء، وكان يوسف جامعًا بين الصبر والشكر، وكان موسى صاحب الشريعة الظاهرة، وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وكان إسماعيل صاحب صدق، وكان يونس صاحب تضرع، وكان سيدنا محمَّد ﷺ جامعًا لجميع هذه الأخلاق الحميدة كلها، فكان أفضلهم ورئيسهم. تنبيه: ذكر بعض العلماء أن الأنبياء المرسلين الذين ذكروا في القرآن، ويجب الإيمان بهم تفصيلًا خمسة وعشرون، هم الثمانية عشر الذين ذكرت أسماؤهم في هذه الآيات، والسبعة الآخرون هم: آدم - أبو البشر - وإدريس وهود وصالح وشعيب وذو الكفل وخاتم الجميع محمَّد ﷺ وعليهم أجمعين. وليس (٢) في القرآن نص قطعي صريح في رسالة آدم ﵇، بل مفهوم قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أن نوحًا أول نبي مرسل أوحى إليه رسالته وشرعه، وكذلك حديث الشفاعة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله الناس يوم القيامة، فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى تريحنا من مكاننا هذا، فيقول لهم آدم: لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصابه،

стр. 3712

فيستحي من ربه ، ولكن ائتوا نوحًا أول رسول بعثه الله إلى الأرض، فيأتون نوحًا ... " إلخ. والخلاصة: أن الآية تدل على أن أول رسول شرع الله على لسانه الأحكام والحلال والحرام هو نوح ﵇، ويرى بعض العلماء أن آدم كان على هدى من ربه ربى عليه أولاده، وبشرهم بالثواب وأندرهم بالعقاب. وهذه هداية من جنس هداية الله للنبيين والمرسلين التي بلغوها أقوامهم، ولا ندري كيف هدى الله تعالى آدم إليها، فإن طرق الهداية متعددة، وقد تكون هي هداية الفطرة. ونوح ومن بعده أرسلوا إلى من فسدت فطرتهم، فأعرضوا عما دعوا إليه، وهذه هي الرسالة الشرعية التي يسمى من جاء بها: رسولًا، دون الأولى. وقرأ الحرميان - نافع وابن كثير - وأهل حرميهما وأبو عمرو (١): ﴿اقْتَدِهْ﴾ بالهاء ساكنة وصلًا ووقفًا، وهي هاء السكت أجروها وصلًا مجراها وقفًا وقرأ الأخوان حمزة والكسائي بحذفها وصلًا، وإثباتها وقفًا، وهذا هو القياس. وقرأ هشام: ﴿اقْتَدِهْ﴾ باختلاس الكسر في الهاء وصلًا وسكونها وقفًا. وقرأ ابن ذكوان: بكسرها ووصلها يياء وصلًا، وسكونها وقفًا، ويؤول على أنها ضمير المصدر لا هاء السكت، وتغليط ابن مجاهد قراءة الكسر غلط منه، وتأويلها على أنها هاء السكت ضعيف. ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لجميع من بعثت إليه من أهل مكة وغيرهم ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ ولا أطلب منكم ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على هذا القرآن الذي أمرت أن أدعوكم إليه وأذكركم به، أو على تبليغ الرسالة أو على التوحيد ﴿أَجْرًا﴾ وجعلًا من مال ولا غيره من المنافع من جهتكم، كما أن جميع من قبلي من الرسل لم يسألوا أقوامهم أجرًا على التبليغ والهدى، وقد تكرر هذا الأمر له ﷺ في سور متعددة، كقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قيل (٢): لما أمره الله تعالى بالاقتداء بالنبيين، وكان من جملة هداهم عدم طلب الأجر على إيصال الدين

стр. 3713

وإبلاغ الشريعة لا جرم اقتدى بهم، فقال: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ كافة؛ أي: ما هو إلا تذكير وموعظة وإرشاد للعالمين كافة، لا لكم خاصة. وفي هذا تصريح بعموم رسالته وبعثته ﷺ للناس جميعًا أسودهم وأحمرهم، إنسهم وجنهم. ٩١ - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي: وما عرفت الله اليهود وقومك المشركون حق معرفته، وما عظموه حق عظمته؛ أي: العظمة اللائقة به المستحقة له. قال ابن عباس ﵄: معناه: ما عظموا الله حق عظمته. وقال أبو العالية: ما وصفوا الله حق صفته. وقال الأخفش: ما عرفوا الله حق معرفته ﴿إِذْ قَالُوا﴾؛ أي: إذ قالت اليهود لك يا محمَّد حين خاصموك ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: من كتاب، وذلك أن اليهود أنكروا إنزال الله من السماء كتابًا إنكارًا للقرآن. أي: ما عرفوه (١) حق معرفته حيث أنكروا إرساله للرسل وإنزاله للكتب، فإن منكري الوحي الذين يكفرون برسل الله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا وصفوه حق صفته، ولا آمنوا بقدرته على إفاضة ما شاء من علمه بما يصلح به الناس من الهدى والشرائع على من شاء من البشر بواسطة الملائكة، أو بتكليمه إياهم بدون واسطة، وهم قد أنكروا الوحي، وجهلوا فضل البشر، وقالوا: ما أنزل الله على أحد منهم شيئًا. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي: ﴿وَمَا قَدَّرُوا﴾ بالتشديد ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ بفتح الدال. ومن عرف حكمة الله البالغة ورحمته الواسعة، وعلمه المحيط بكل شيء، ونظر في آياته في الأنفس والآفاق، وعلم أنه أحسن كل شيء خلقه، وخلق الإنسان مستعدًا للصعود إلى أعلى عليين، والهبوط إلى أسفل سافلين، وجعل كماله أثرًا لعلومه، وأعماله الكسبية التي عليها مدار حياته الدنيوية والأخروية .. علم أنَّ الإنسان مهما ارتقت معارفه لا يمكن أن يصل إلى الكمال الذي يؤهله

стр. 3714

لنيل السعادة الأبدية إلا إذا اهتدى بهدى النبيين والمرسلين، فإن إرسالهم وإنزال الوحي عليهم وإرشادهم للناس سبب لكل ارتقاء إنساني في حياته الجسمانية والروحية، فبذلك تذهب الضغائن والأحقاد من القلوب، ويزول الخلاف والشقاق بين الناس، ويعيشون في وفاق ووئام (١) علمًا منهم بأن هناك سلطة عليا ترقب أعمالهم وتحاسبهم على النقير والقطمير في ذلك اليوم العبوس القمطرير، وتجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب. ثم لقن الله رسوله ﷺ الرد على منكري الوحي والرسالة من مشركي قريش إثر بيان كون ذلك من شؤونه تعالى، ومن مقتضى نظام حياة البشر، وقد كانوا يعلمون أن اليهود هم أصحاب التوراة المنزلة على موسى ﵇، فقد أرسلوا إلى المدينة وفدًا، زعيماه: النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط؛ ليسألوا الأحبار عما يعلمون عن محمَّد وصفته؛ لأنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عند غيرهم من علم الأنبياء. فلما أتوا إلى أولئك الأحبار سألوهم عنه، فأنكروا معرفته، وبذا يكون الاحتجاج عليهم بإنزال التوراة على موسى احتجاجًا ملزمًا ودافعًا لإنكارهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء اليهود والمشركين من قومك الذين أنكروا إنزال القرآن عليك بقولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ على سبيل التوبيخ والقريع والتبكيت ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾، أي: من أنزل التوراة التي أنزلت على موسى بن عمران؟ وفي هذا الاستفهام توبيخ لليهود بسوء جهلهم وإقدامهم على إنكار الحق الذي لا ينكر حال كون ذلك الكتاب المنزل على موسى ﴿نُورًا﴾ أي: ضياء من ظلمة الضلالة ﴿وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾؛ أي: هاديًا للناس، ومفرقًا بين الحق والباطل من دينهم، وذلك قبل أن تبدل وتغير، حال كونكم ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾؛ أي: تجعلون ذلك الكتاب ﴿قَرَاطِيسَ﴾؛ أي: أوراقًا مفرقة في دفاتر كثيرة ﴿تُبْدُونَهَا﴾؛ أي: تظهرون تلك القراطيس المكتوبة؛ أي: يظهرون ما وافق هواهم منها ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ من تلك القراطيس مما لا يوافق هواهم؛ كنعت محمَّد ﷺ ،

стр. 3715

وآية الرجم. والمعنى (١): يضعون الكتاب في ورقات مفرقة، فجعلوه أجزاء نحو نيف وثمانين جزءًا، وفعلوا ذلك ليتمكنوا من إخفاء ما أرادوا إخفاءه، فيجعلون ما يريدون إخفاءه على حدة ليتمكنوا من إخفائه. قال أبو حيان: إن كان (٢) المنكرون بني إسرائيل .. فالاحتجاج عليهم واضح؛ لأنهم ملتزمون نزول الكتاب على موسى، وإن كانوا العرب .. فوجه الاحتجاج عليهم أن إنزال الكتاب على موسى أمر مشهور منقول نقل قوم لم تكن العرب مكذبة لهم، وكانوا يقولون: لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم انتهى. وقرأ الجمهور بالتاء الفوقانية في الأفعال الثلاثة: ﴿تبدون﴾، ﴿تخفون﴾، ﴿تجعلون﴾. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء على الغيبة في الأفعال الثلاثة. فأما (٣) الغيبة .. فللحمل على ما تقدم من الغيبة في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ إلخ. وعلى هذا فيكون في قوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ تأويلان: أحدهما: أنه خطاب لهم أيضًا، وإنما جاء به على طريقة الالتفات. والثاني: أنه خطاب للمؤمنين من قريش اعترض به بين الأمر بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ﴾، وبين قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾. وأما قراءة تاء الخطاب .. ففيها مناسبة لقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ ورجحها مكي وجماعة، لذلك قال: وذلك أحسن في المشاكلة والمطابقة واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار لذلك، ولأن أكثر القراء عليه. وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا مقررًا لما قبله، وأن يكون حالًا؛ أي: قل لهم: من أنزل الكتاب الذي جاء به، والحال أنكم قد علمتم أيها اليهود من ذلك الكتاب الذي أنزل على موسى من أمور دينكم ودنياكم ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ من قبل إنزال ذلك الكتاب من الأحكام والحدود،
следующие страницы →