← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

عَظِيمٍ (٤)﴾، وكذلك فضائله الموهوبة هي فيه أظهر وأعظم، فبعثته عامة للناس أسودهم وأحمرهم، وبه ختمت النبوة والرسالة، وكمال الأشياء في خواتيمها صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. وبهذه (١) الآية استدل بعض العلماء على أن محمدًا ﷺ أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين، وذلك لأن جميع الصفات الحميدة كانت متفرقة فيهم، فيلزم أنه ﷺ حصلها ومتى كان الأمر كذلك .. وجب أن يقال: إنه ﷺ أفضل منهم بكليتهم، فكان نوح صاحب تحمل الأذى من قومه، وكان إبراهيم صاحب كرم وبذل ومجاهدة في الله تعالى؛ وكان إسحاق ويعقوب صاحبي صبر على البلاء والمحن، وكان داود وسليمان من أصحاب الشكر على النعمة، وكان أيوب صاحب صبر على النبلاء، وكان يوسف جامعًا بين الصبر والشكر، وكان موسى صاحب الشريعة الظاهرة، وكان زكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وكان إسماعيل صاحب صدق، وكان يونس صاحب تضرع، وكان سيدنا محمَّد ﷺ جامعًا لجميع هذه الأخلاق الحميدة كلها، فكان أفضلهم ورئيسهم. تنبيه: ذكر بعض العلماء أن الأنبياء المرسلين الذين ذكروا في القرآن، ويجب الإيمان بهم تفصيلًا خمسة وعشرون، هم الثمانية عشر الذين ذكرت أسماؤهم في هذه الآيات، والسبعة الآخرون هم: آدم - أبو البشر - وإدريس وهود وصالح وشعيب وذو الكفل وخاتم الجميع محمَّد ﷺ وعليهم أجمعين. وليس (٢) في القرآن نص قطعي صريح في رسالة آدم ﵇، بل مفهوم قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أن نوحًا أول نبي مرسل أوحى إليه رسالته وشرعه، وكذلك حديث الشفاعة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله الناس يوم القيامة، فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا فأراحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى تريحنا من مكاننا هذا، فيقول لهم آدم: لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصابه،

стр. 3712

فيستحي من ربه ، ولكن ائتوا نوحًا أول رسول بعثه الله إلى الأرض، فيأتون نوحًا ... " إلخ. والخلاصة: أن الآية تدل على أن أول رسول شرع الله على لسانه الأحكام والحلال والحرام هو نوح ﵇، ويرى بعض العلماء أن آدم كان على هدى من ربه ربى عليه أولاده، وبشرهم بالثواب وأندرهم بالعقاب. وهذه هداية من جنس هداية الله للنبيين والمرسلين التي بلغوها أقوامهم، ولا ندري كيف هدى الله تعالى آدم إليها، فإن طرق الهداية متعددة، وقد تكون هي هداية الفطرة. ونوح ومن بعده أرسلوا إلى من فسدت فطرتهم، فأعرضوا عما دعوا إليه، وهذه هي الرسالة الشرعية التي يسمى من جاء بها: رسولًا، دون الأولى. وقرأ الحرميان - نافع وابن كثير - وأهل حرميهما وأبو عمرو (١): ﴿اقْتَدِهْ﴾ بالهاء ساكنة وصلًا ووقفًا، وهي هاء السكت أجروها وصلًا مجراها وقفًا وقرأ الأخوان حمزة والكسائي بحذفها وصلًا، وإثباتها وقفًا، وهذا هو القياس. وقرأ هشام: ﴿اقْتَدِهْ﴾ باختلاس الكسر في الهاء وصلًا وسكونها وقفًا. وقرأ ابن ذكوان: بكسرها ووصلها يياء وصلًا، وسكونها وقفًا، ويؤول على أنها ضمير المصدر لا هاء السكت، وتغليط ابن مجاهد قراءة الكسر غلط منه، وتأويلها على أنها هاء السكت ضعيف. ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لجميع من بعثت إليه من أهل مكة وغيرهم ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ ولا أطلب منكم ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على هذا القرآن الذي أمرت أن أدعوكم إليه وأذكركم به، أو على تبليغ الرسالة أو على التوحيد ﴿أَجْرًا﴾ وجعلًا من مال ولا غيره من المنافع من جهتكم، كما أن جميع من قبلي من الرسل لم يسألوا أقوامهم أجرًا على التبليغ والهدى، وقد تكرر هذا الأمر له ﷺ في سور متعددة، كقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ قيل (٢): لما أمره الله تعالى بالاقتداء بالنبيين، وكان من جملة هداهم عدم طلب الأجر على إيصال الدين

стр. 3713

وإبلاغ الشريعة لا جرم اقتدى بهم، فقال: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾. ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ كافة؛ أي: ما هو إلا تذكير وموعظة وإرشاد للعالمين كافة، لا لكم خاصة. وفي هذا تصريح بعموم رسالته وبعثته ﷺ للناس جميعًا أسودهم وأحمرهم، إنسهم وجنهم. ٩١ - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي: وما عرفت الله اليهود وقومك المشركون حق معرفته، وما عظموه حق عظمته؛ أي: العظمة اللائقة به المستحقة له. قال ابن عباس ﵄: معناه: ما عظموا الله حق عظمته. وقال أبو العالية: ما وصفوا الله حق صفته. وقال الأخفش: ما عرفوا الله حق معرفته ﴿إِذْ قَالُوا﴾؛ أي: إذ قالت اليهود لك يا محمَّد حين خاصموك ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: من كتاب، وذلك أن اليهود أنكروا إنزال الله من السماء كتابًا إنكارًا للقرآن. أي: ما عرفوه (١) حق معرفته حيث أنكروا إرساله للرسل وإنزاله للكتب، فإن منكري الوحي الذين يكفرون برسل الله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، ولا وصفوه حق صفته، ولا آمنوا بقدرته على إفاضة ما شاء من علمه بما يصلح به الناس من الهدى والشرائع على من شاء من البشر بواسطة الملائكة، أو بتكليمه إياهم بدون واسطة، وهم قد أنكروا الوحي، وجهلوا فضل البشر، وقالوا: ما أنزل الله على أحد منهم شيئًا. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي: ﴿وَمَا قَدَّرُوا﴾ بالتشديد ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ بفتح الدال. ومن عرف حكمة الله البالغة ورحمته الواسعة، وعلمه المحيط بكل شيء، ونظر في آياته في الأنفس والآفاق، وعلم أنه أحسن كل شيء خلقه، وخلق الإنسان مستعدًا للصعود إلى أعلى عليين، والهبوط إلى أسفل سافلين، وجعل كماله أثرًا لعلومه، وأعماله الكسبية التي عليها مدار حياته الدنيوية والأخروية .. علم أنَّ الإنسان مهما ارتقت معارفه لا يمكن أن يصل إلى الكمال الذي يؤهله

стр. 3714

لنيل السعادة الأبدية إلا إذا اهتدى بهدى النبيين والمرسلين، فإن إرسالهم وإنزال الوحي عليهم وإرشادهم للناس سبب لكل ارتقاء إنساني في حياته الجسمانية والروحية، فبذلك تذهب الضغائن والأحقاد من القلوب، ويزول الخلاف والشقاق بين الناس، ويعيشون في وفاق ووئام (١) علمًا منهم بأن هناك سلطة عليا ترقب أعمالهم وتحاسبهم على النقير والقطمير في ذلك اليوم العبوس القمطرير، وتجزى كل نفس بما كسبت، لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب. ثم لقن الله رسوله ﷺ الرد على منكري الوحي والرسالة من مشركي قريش إثر بيان كون ذلك من شؤونه تعالى، ومن مقتضى نظام حياة البشر، وقد كانوا يعلمون أن اليهود هم أصحاب التوراة المنزلة على موسى ﵇، فقد أرسلوا إلى المدينة وفدًا، زعيماه: النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط؛ ليسألوا الأحبار عما يعلمون عن محمَّد وصفته؛ لأنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عند غيرهم من علم الأنبياء. فلما أتوا إلى أولئك الأحبار سألوهم عنه، فأنكروا معرفته، وبذا يكون الاحتجاج عليهم بإنزال التوراة على موسى احتجاجًا ملزمًا ودافعًا لإنكارهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء اليهود والمشركين من قومك الذين أنكروا إنزال القرآن عليك بقولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ على سبيل التوبيخ والقريع والتبكيت ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾، أي: من أنزل التوراة التي أنزلت على موسى بن عمران؟ وفي هذا الاستفهام توبيخ لليهود بسوء جهلهم وإقدامهم على إنكار الحق الذي لا ينكر حال كون ذلك الكتاب المنزل على موسى ﴿نُورًا﴾ أي: ضياء من ظلمة الضلالة ﴿وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾؛ أي: هاديًا للناس، ومفرقًا بين الحق والباطل من دينهم، وذلك قبل أن تبدل وتغير، حال كونكم ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾؛ أي: تجعلون ذلك الكتاب ﴿قَرَاطِيسَ﴾؛ أي: أوراقًا مفرقة في دفاتر كثيرة ﴿تُبْدُونَهَا﴾؛ أي: تظهرون تلك القراطيس المكتوبة؛ أي: يظهرون ما وافق هواهم منها ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ من تلك القراطيس مما لا يوافق هواهم؛ كنعت محمَّد ﷺ ،

стр. 3715

وآية الرجم. والمعنى (١): يضعون الكتاب في ورقات مفرقة، فجعلوه أجزاء نحو نيف وثمانين جزءًا، وفعلوا ذلك ليتمكنوا من إخفاء ما أرادوا إخفاءه، فيجعلون ما يريدون إخفاءه على حدة ليتمكنوا من إخفائه. قال أبو حيان: إن كان (٢) المنكرون بني إسرائيل .. فالاحتجاج عليهم واضح؛ لأنهم ملتزمون نزول الكتاب على موسى، وإن كانوا العرب .. فوجه الاحتجاج عليهم أن إنزال الكتاب على موسى أمر مشهور منقول نقل قوم لم تكن العرب مكذبة لهم، وكانوا يقولون: لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم انتهى. وقرأ الجمهور بالتاء الفوقانية في الأفعال الثلاثة: ﴿تبدون﴾، ﴿تخفون﴾، ﴿تجعلون﴾. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء على الغيبة في الأفعال الثلاثة. فأما (٣) الغيبة .. فللحمل على ما تقدم من الغيبة في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾ إلخ. وعلى هذا فيكون في قوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ تأويلان: أحدهما: أنه خطاب لهم أيضًا، وإنما جاء به على طريقة الالتفات. والثاني: أنه خطاب للمؤمنين من قريش اعترض به بين الأمر بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ﴾، وبين قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾. وأما قراءة تاء الخطاب .. ففيها مناسبة لقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ ورجحها مكي وجماعة، لذلك قال: وذلك أحسن في المشاكلة والمطابقة واتصال بعض الكلام ببعض، وهو الاختيار لذلك، ولأن أكثر القراء عليه. وقوله: ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ يحتمل أن يكون مستأنفًا مقررًا لما قبله، وأن يكون حالًا؛ أي: قل لهم: من أنزل الكتاب الذي جاء به، والحال أنكم قد علمتم أيها اليهود من ذلك الكتاب الذي أنزل على موسى من أمور دينكم ودنياكم ﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ من قبل إنزال ذلك الكتاب من الأحكام والحدود،

стр. 3716

والحلال والحرام، ونعت محمَّد ﷺ وصفته، فإن أجابوك وقالوا: الله أنزله .. فذاك، وإلا فـ ﴿قُلِ﴾ لهم ﴿اللَّهُ﴾ أنزله على موسى لا جواب غيره ﴿ثُمَّ﴾ بعد هذا الجواب ﴿ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ﴾؛ أي: اتركهم يا محمَّد في باطلهم الذي يخوضون فيه، وينهمكون فيه حال كونهم ﴿يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: يستهزئون ويسخرون من الحق الذي جئت به، ويصنعون مثل صنع الصبيان الذين يلعبون حتى يأتي أمر الله فيهم. والمعنى (١): قل لهم أيها الرسول: الله أنزله على موسى، ثم دعهم بعد هذا البيان المؤيد بالحجة والبرهان فيما يخوضون فيه من باطلهم، وكفرهم بآيات الله حال كونهم يلعبون كما يلعب الصبيان. وفي أمر الرسول بالجواب عما سئلوا عنه إيماءٌ إلى أنهم لا ينكرونه لما في ذلك من المكابرة، وما في الاعتراف من الخزي إذا هم أقروا بما يجحدون من الحق. ٩٢ - وبعد أن ذكر أنه أنزل الكتاب على موسى .. بين أنه أنزل القرآن على رسوله محمَّد ﷺ ، فقال: ﴿وَهَذَا﴾ القرآن الذي يقرؤه محمَّد ﷺ ﴿كِتَابٌ﴾ عظيم ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ على محمَّد ﷺ بالوحي على لسان جبريل، كما أنزلنا من قبله التوراة على موسى ﴿مُبَارَكٌ﴾؛ أي: كثير الخير دائم البركة والمنفعة، يبشر بالثواب والمغفرة، ويزجر عن القبيح والمعصية. وهذا من جملة الرد عليهم في قولهم (٢): ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ أخبرهم بأن الله أنزل التوراة على موسى وعقبه بقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعني: على محمَّد ﷺ ، فكيف تقولون: ما أنزل الله على بشر من شيء. ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب الإلهية؛ أي: موافق لما في التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب الإلهية في التوحيد، وتنزيه الله عما لا يليق به، وفي الدلالة على البشارة والنذارة. وقوله: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ معطوف على معنى ما قبله؛ أي: أنزلناه للبركة والتصديق، ولتنذر به أم القرى، أو على معلوم من السياق تقديره: أنزلناه لتبشر

стр. 3717

به من آمن به؛ أي: ولتخوف به عذاب الله وبأسه أهل أم القرى؛ أي: أهل مكة إن لم يؤمنوا به، وخص أم القرى وهي مكة؛ لكونها أعظم القرى والبلدان شأنًا، ولكونها أول بيت وضع للناس، ولكونها قبلة هذه الأمة ومحل حجهم، فالإنذار لأهلها مستتبع لإنذار سائر أهل الأرض. وسميت مكة أم القرى؛ لاجتماع الخلق إليها في حجهم، كما يجتمع الأولاد إلى الأم، فيحصل لهم الحج الذي هو أصول العبادة، والتجارة التي هي أصول أسباب المعيشة ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ أي: ولتنذر به من حول أم القرى من سائر أهل الأرض مشارقها ومغاربها. وقد ثبت عموم بعثة النبي ﷺ في آيات كثيرة، كقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾؛ أي: وكل من بلغه ووصلت إليه هدايته، وقوله في سورة الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، وقوله في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ ويصدقون ﴿بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بقيام الساعة والمعاد إلى الله، ويصدقون بالثواب والعقاب، والمجازاة على الأعمال ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: يؤمنون بهذا الكتاب المبارك الذي أنزلناه على محمَّد ﷺ ، ويقرون به، سواء كان من أهل الكتاب، أم من غيرهم إذا بلغتهم دعوته؛ لأنهم يجدون فيه أكمل الهداية إلى السعادة العظمى في تلك الدار، وما مثلهم إلا مثل قوم ساروا في الفيافي والقفار، وضلوا الطريق، حتى إذا كادوا يهلكون قابلهم الدليل الخرّيت العالم بخفاياها والخبير بذرعها ومسالكها، فأرشدهم إلى ما فيه نجاتهم وخلاصهم من هلاك محقق إذا هم اتبعوا مشورته وسلكوا سبيله، فقبلوا نصحه وكانوا من الفائزين، وأما الذين ينكرون البعث والجزاء .. فلا حاجة لهم إلى هدايته. وفي هذا (١) تصريح بسبب إعراض الجمهرة من أهل مكة عن هذا الكتاب الذي فيه سعادتهم، وتنبيه إلى أنهم لما لم يعتقدوا البعث والجزاء .. امتنعوا عن قبول هذا الدين، وأنكروا نبوة محمَّد ﷺ . ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾؛ أي:

стр. 3718

يؤمنون بهذا الكتاب، والحال أنهم يحافظون ويداومون على صلاتهم، فيؤدونها في أوقاتها، ويقيمون أركانها وآدابها، وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات؛ لأنها عماد الدين ورأس العبادات بعد الإيمان بالله، فلم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾؛ أي: صلاتكم، ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة. قال ﷺ : "من ترك الصلاة متعمدًا .. فقد كفر". ولأن المحافظة عليها تدعو إلى القيام بسائر العبادات المفروضة، وترك الفحشاء وجميع المحرمات، ومحاسبة النفس على لذاتها وشهواتها. وقرأ الجمهور (١): ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾ بالإفراد، والمراد به الجنس، وروى خلف عن يحيى عن أبي بكر: ﴿صلواتهم﴾ بالجمع، ذكر ذلك أبو علي الحسن بن محمَّد بن إبراهيم البغدادي في كتاب "الروضة" من تأليفه، وقال: تفرد بذلك عن جميع الناس. ٩٣ - والاستفهام في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ للإنكار بمعنى النفي. وهذه (٢) الجملة مقررة لمضمون ما تقدم من الاحتجاج عليهم بأن الله أنزل الكتاب على رسله؛ أي: كيف تقولون: ما أنزل الله على بشر من شيء، وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء ﵈، ولا أحد أشد ظلمًا، وأعظم جرمًا ممن اختلق على الله كذبًا. وكذب على الله في شيء من الأشياء، كالذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، أو جعل لله شريكًا أو ولدًا أو صاحبة. ﴿أَوْ﴾ ممن ﴿قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ من الله شيء ﴿و﴾ الحال أنه ﴿لم يوح إليه شيء﴾ من الله، كمسيلمة الكذاب الذي ادَّعى النبوة باليمامة، والأسود العنسي الذي ادَّعى النبوة باليمن، وطليحة الأسدي الذي ادَّعى النبوة في بني أسد، ونحوهم من كل من ادعى ذلك، أو يدعيه في أي زمان كان. ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إليك؛

стр. 3719

أي: ومن أظلم ممن ادَّعى أنه قادر على إنزال مثل ما أنزل الله على رسوله، كمن قال من المشركين: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، فقد أُثر عن النضر بن الحارث أنه كان يقول: إن القرآن أساطير الأولين، وإنه شعر لو نشاء لقلنا مثله. ثم ذكر وعيده للظالمين لشدة جرمهم، وعظيم ذنبهم، فقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: ولو تبصر يا محمَّد، أو أيها المخاطب، إذ يكون الظالمون سواءٌ كانوا ممن ذكر في الآية، أو من غيرهم ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ وسكراته، وما يتقدمها من شدائد وآلام تحيط بهم، كما تحيط غمرات الماء الغرقى، وجواب ﴿لو﴾ محذوف تقديره: لرأيت ما لا سبيل إلى وصفه، ولا قدرة للبيان على تجلي كنهه وحقيقته ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي والحال أن ملائكة الموت باسطوا أيديهم ومادوها إليهم؛ لقبض أرواحهم الخبيثة بالعنف والضرب، كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾. ثم حكى أمر الملائكة لهم على سبيل التهكم والتوبيخ حين بسط أيديهم لقبض أرواحهم ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾؛ أي: حالة كون الملائكة قائلين لهم: أخرجوا أنفسكم من هذه الشدائد، وخلصوها من هذه الآلام، أو أخرجوها من أبدانكم لنقبضها. قال صاحب "الكشاف": هذا (١) تمثيل لفعل الملائكة في قبض أرواح الظلمة بفعل الغريم الملح، يبسط يده إلى من له عليه الحق ليعنف عليه في المطالبة، ولا يمهله، ويقول له: أخرج ما لي عليك الساعة، ولا أريم - لا أبرح - مكاني حتى أنزعه من أحداقك. انتهى. ويرى بعضهم أنه لا داعي للعدول عن الحقيقة إلى التمثيل، فربما تمثل الملائكة للبشر بمثل صورهم، وتخاطبهم بمثل كلامهم، فهي إذًا ممكنة على الحقيقة، فلا معدل عنها. وحالة كون الملائكة قائلين لهم وقت الموت: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾؛ أي: في هذا اليوم الذي تقبض فيه أرواحكم، تجزون وتلقون عذاب الذل والخزي والإهانة جزاء ظلمكم لأنفسكم.

стр. 3720

وقرأ عبد الله وعكرمة: ﴿عذاب الهوان﴾ بالألف وفتح الهاء. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾؛ أي: بسبب قولكم مفترين على الله غير الحق، كقول بعضهم: ما أنزل الله على بشر من شيء، وقول بعض آخر: أنه أوحي إليه، ولم يوح إليه شيء، وإنكار طائفة منهم لما وصف الله به نفسه من الصفات، واتخاذ أقوام له البنين والبنات. ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: وبسبب كونكم مستكبرين عن الإيمان بآيات الله تعالى احتقارًا لمن أكرمه الله بإظهارها على يديه ولسانه. ومعنى الآية: ولو ترى (١) يا محمَّد الظالمين وقت كونهم في شدائد الموت في الدنيا، والملائكة باسطوا أيديهم لقبض أرواحهم، قائلين لهم: أخرجوا أنفسكم من هذه الشدائد، وخلصوها من هذه الآلام، هذا الوقت تجزون العذاب الذي يقع به الهوان الشديد بسبب الافتراء على الله، والتكبر عن آيات الله .. لرأيت أمرًا فظيعًا، أو المعنى: ولو ترى الظالمين إذا صاروا إلى أنواع الشدائد والتعذيبات في الآخرة، فأدخلوا جهنم، والملائكة باسطوا أيديهم عليهم بالعذاب مبكتين لهم، قائلين: أخرجوا أنفسكم من هذا العذاب الشديد، هذا الوقت تجزون العذاب المشتمل على الإهانة بسبب كونكم قائلين قولًا غير الحق، وكونكم مستكبرين عن الإيمان بآيات الله .. لرأيت أمرًا عظيمًا. ٩٤ - ثم ذكر ما يقوله لهم يوم القيامة بعد ذكر ما تقول لهم ملائكة العذاب، فقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد جئتمونا أيها الظالمون وحدانًا منفردين عن الأنداد والأوثان والأهل والإخوان، مجردين من الخدم والأملاك والأموال. وقرىء (٢): ﴿فراد﴾ بوزن ثلاث غير مصروف. وقرأ عيسى بن عمر وأبو حيوة: ﴿فرادًا﴾ بالتنوين، وأبو عمرو ونافع في حكاية خارجة عنهما: ﴿فردى﴾ مثل: سَكْرى كقوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾. ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: كما أخرجناكم أول مرة من بطون أمهاتكم

стр. 3721

حفاة عراة غلفًا، ولا منافاة بين هذه الآية وبين قوله في آية أخرى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ لأن المراد: لا يكلمهم تكليم إكرام ورضاء. ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ وأعطيناكم في الدنيا من الأهل والأولاد والأموال ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾؛ أي: في الدنيا، وما نرى معكم شيئًا منه؛ أي: إن ما كان شاغلًا لكم عن الإيمان بالرسل، والاهتداء بما جاءوا به من الأهالي والأولاد والأموال والخدم والحشم والأثاث والرياشي لا ينفعكم اليوم، كما كنتم تتوهمون، فهو لم يغن عنكم شيئًا، ولم يمكنكم الافتداء به أو ببعضه من عذاب الآخرة. ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ﴾؛ أي: وما رأينا وأبصرنا معكم ﴿شُفَعَاءَكُمُ﴾ من الملائكة والصالحين من البشر، ولا تماثيلهم، ولا قبورهم معكم ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وظننتم ﴿أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ مع الله، وقد زعمتم في الدنيا أنهم شركاء لله، تدعونهم ليشفعوا لكم عنده، ويقربونكم إليه زلفى بتأثيرهم في إرادته، وحملهم إياه على ما لم تتعلق به إرادته في الأزل. وفي هذه الجملة والتي قبلها هدم لقاعدتين من قواعد الوثنية، وهما: الفداء، والشفاعة. وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾؛ أي: لقد انقطع اليوم ما كان بينكم أنتم وشركائكم في الدنيا، من صلات النسب والملك والولاء والصداقة ﴿و﴾ لقد ﴿ضَلَّ﴾ وغاب ﴿عَنْكُمْ﴾ أيها الظالمون ﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وتظنون في الدنيا من شفاعة الشفعاء، وتقريب الأولياء، وأوهام الفداء، وقد علمتم الآن بطلان غروركم واعتمادكم على غيركم. والخلاصة: أن آمالكم قد خابت في كل ما تزعمون وتتوهمون، فلا فداء ولا شفاعة، ولا ما يغنى عنكم من عذاب الله من شيء. وقرأ جمهور السبعة (١): ﴿بَيْنَكُمْ﴾: بالرفع على أنه اتسع في الظرف، وأسند الفعل إليه، فصار اسمًا، كما استعملوه اسمًا في قوله: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾، وكما حكى سيبويه: هو أحمر بين العينين، ورجحه الفارسي، أو على

стр. 3722

أنه أريد بالبين: الوصل؛ أي: لقد تقطع وصلكم، قاله أبو الفتح والزهراوي والمهدوي. فالبين: اسم يستعمل للوصل والفراق، فهو مشترك بينهما، كالجون للأسود والأبيض. وقرأ نافع والكسائي وحفص: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ بفتح النون، وخرجه الأخفش على أنه فاعل، ولكنه مبني على الفتح حملًا على أكثر أحوال هذا الظرف، وقد يقال: لإضافته إلى مبني كقوله: ﴿ومِنَّادُونَ ذلك﴾ وخرجه غيره على أنه منصوب على الظرف، وفاعل ﴿تَقَطَّعَ﴾ التقطع. وقرأ عبد الله ومجاهد والأعمش: ﴿ما بينكم﴾، والمعنى: تلف وذهب ما بينكم وبين ما كنتم تزعمون، على إسناد الفعل إلى الذي بينكم. فصل في ذكر الأحاديث المناسبة للآية عن ابن عباس ﵄ قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: "أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلًا. ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ " متفق عليه. وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس حفاة عراة غرلًا" قالت عائشة: فقلت: الرجال والنساء جميعًا، ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: "الأمر أشد من أن يهمهم ذلك". متفق عليه. وروى الطبري بسنده عن عائشة: أنها قرأت قول الله : ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فقالت: يا رسول الله، واسوأتاه! إن الرجال والنساء يحشرون جميعًا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟! فقال رسول الله ﷺ : "لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه، لا ينظر الرجال إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن بعض". الإعراب ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤)﴾.

стр. 3723

﴿وَوَهَبْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿وَهَبْنَا﴾. ﴿إِسْحَاقَ﴾: مفعول به لـ ﴿وَهَبْنَا﴾. ﴿وَيَعْقُوبَ﴾: معطوف عليه، ولم ينونا؛ لأنهما ممنوعان من الصرف للعلمية والعجمة. فائدة: وجميع أسماء النبيين أعجمية ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة إلا سبعة مجموعة في قول بعضهم: أَلَا إِنَّ أَسْمَاءَ النَّبِيِّيْنَ سَبْعَةٌ ... لَهَا الصَّرْفُ فِيْ إِعْرَابِ مَنْ يَتَنَشَّدُ فَشِيْثٌ وَنُوْحٌ ثُمَّ هُوْدٌ وَصَالِحٌ ... شُعَيْبٌ وَلُوْطٌ وَالنَّبِيُّ مُحَمَّدُ فهذه السبعة مصروفة؛ لأن أربعة منها عربية: وهم محمد، وصالح، وشعيب، وهود. وثلاثة منها أعجمية، ولكنها صرفت لخفتها بسكون الوسط، وهم: نوح، ولوط، وشيث صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ عطف فعلية على اسمية. ﴿كُلًّا﴾: مفعول مقدم لـ ﴿هَدَيْنَا﴾. ﴿هَدَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَنُوحًا﴾: مفعول مقدم لـ ﴿هَدَيْنَا﴾. ﴿هَدَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿هَدَيْنَا﴾ الأولى. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور حال من ﴿نُوحًا﴾. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿دَاوُودَ﴾ وما بعده تقديره: حالة كونهم كائنين من ذريته. وقوله: ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ معطوفات على ﴿نُوحًا﴾، ﴿وَكَذَلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والتقدير: ونجزي المحسنين على إحسانهم جزاءًا مثل جزائنا لإبراهيم، والجملة مستأنفة. ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦)﴾. ﴿وَزَكَرِيَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿زكريا ويحيى وعيسى وإلياس﴾: معطوفات على ﴿دَاوُودَ﴾. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ،

стр. 3724

والجملة مستأنفة. ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا﴾: معطوفات أيضًا على ﴿دَاوُودَ﴾. ﴿وَكُلًّا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿كُلًّا﴾ مفعول مقدم. ﴿فَضَّلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة. ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾. ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ﴾: جار ومجرور في محل النصب معطوف على ﴿كُلًّا﴾، فالعامل فيه ﴿فَضَّلْنَا﴾، أو معطوف على ﴿نُوحًا﴾ فالعامل فيه ﴿هَدَيْنَا﴾، والتقدير: وفضلنا كلًّا منهم، وبعض أبائهم، ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾: معطوفان على ﴿آبَائِهِمْ﴾. ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَضَّلْنَا﴾، وكذلك ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ جملة معطوفة على جملة ﴿فَضَّلْنَا﴾. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: جار ومجرور وصفة، متعلق بـ ﴿هَدَيْنَاهُمْ﴾. ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾، والجملة الفعلية في محل (١) النصب حال من الهدى، والعامل فيه: الإشارة، ويجوز أن يكون حالًا من اسم الله تعالى، وبجوز أن يكون ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ بدلًا من ﴿ذَلِكَ﴾، و ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ الخبر، ذكره أبو البقاء. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَهْدِي﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّه﴾. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿مَنْ﴾، أو من العائد المحذوف، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من يشاء هدايته من عباده. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿أَشْرَكُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَحَبِطَ﴾:

стр. 3725

اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾. ﴿حَبِطَ﴾: فعل ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل الرفع فاعل. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يعملونه، وجملة ﴿حَبِطَ﴾ جواب ﴿لو﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان؛ لأن آتى بمعنى: أعطى، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾: معطوفان على ﴿الْكِتَابَ﴾. ﴿فَإِنْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن هؤلاء آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة، وأردت بيان ما إذا كفر بها .. فأقول لك: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾: ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿يَكْفُرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿بِهَا﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: فاعل. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، لاقترانه بـ ﴿قَدْ﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿وَكَّلْنَا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿وَكَّلْنَا﴾. ﴿قَوْمًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿لَيْسُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهَا﴾، متعلق بـ ﴿كَافِرِينَ﴾. ﴿بِكَافِرِينَ﴾: خبر ليس، والباء فيه زائدة، وجملة ﴿ليس﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿هَدَى اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: هداهم الله.

стр. 3726

﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن أولئك هم الذين هداهم الله، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ﴿بِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾: ﴿بِهُدَاهُمُ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اقْتَدِهْ﴾. ﴿اقْتَدِهْ﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وهي الياء، والهاء: حرف سكت مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا. بيانيًّا. ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَا﴾: نافية. ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿أَجْرًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿أَجْرًا﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿سأل﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ﴾ نافية ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿ذِكْرَى﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ذِكْرَى﴾. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿قَدَرُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿حَقَّ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿قَدْرِهِ﴾. مضاف إليه، والأصل: قدره الحق، ثم أضيفت الصفة إلى الموصوف، كما ذكره "أبو السعود". ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية مبني على السكون. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذْ﴾ إليها، والظرف متعلق بـ ﴿قَدَرُوا﴾، والتقدير: وما قدروا الله حق قدره وقت قولهم. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى بَشَرٍ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿أَنْزَلَ﴾، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.

стр. 3727

﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام للاستفهام الإخباري في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة الفعلية خبر ﴿مَنْ﴾ الاستفهامية، والجملة الإسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿الَّذِي﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿الْكِتَابَ﴾. ﴿جَاءَ﴾: فعل ماض. ﴿بِهِ﴾: متعلق به. ﴿مُوسَى﴾: فاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿نُورًا﴾: حال من ضميره ﴿بِهِ﴾، فالعامل فيه ﴿جَاءَ﴾، أو من ﴿الْكِتَابَ﴾، والعامل فيه: ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿وَهُدًى﴾: معطوف على ﴿نُورًا﴾. ﴿لِلنَّاسِ﴾ صفة لـ ﴿هُدًى﴾. ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿قَرَاطِيسَ﴾: منصوب بنزع الخافض؛ أي: في قراطيس وأوراق، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿بِهِ﴾، أو من ﴿الْكِتَابَ﴾. ﴿تُبْدُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿قَرَاطِيسَ﴾. ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تبدون﴾، والرابط محذوف تقديره: وتخفون كثيرًا منها، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿عُلِّمْتُمْ﴾، وجملة ﴿عُلِّمْتُمْ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾. ﴿لَمْ تَعْلَمُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير المفعول المحذوف تقديره: وعلمتم ما لم تعلموه. ﴿أَنْتُمْ﴾ تأكيد لضمير الفاعل، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": وَإِنْ عَلَى ضَمِيْرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ ... عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيْرِ الْمُنَفَصِلْ

стр. 3728

﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾: معطوف على ضمير الفاعل. ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: الله أنزله، أو فاعل بفعل محذوف تقديره: أنزله الله، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلِ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿ذَرْهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ذَرْهُمْ﴾. وجملة ﴿يَلْعَبُونَ﴾ في محل النصب حال من ضمير المفعول في ﴿ذَرْهُمْ﴾ وعبارة "الفتوحات": قوله: ﴿فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ يجوز أن يكون ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ متعلقًا بـ ﴿ذَرْهُمْ﴾، وأن يتعلق بـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾، وأن يكون حالًا من مفعول ﴿ذَرْهُمْ﴾، وأن يكون حالًا من فاعل ﴿يَلْعَبُونَ﴾، فهذه أربعة أوجه انتهت. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة أولى لـ ﴿كِتَابٌ﴾. ﴿مُبَارَكٌ﴾ صفة ثانية له. ﴿مُصَدِّقُ﴾: صفة ثالثة له، وهو مضاف ﴿الَّذِي﴾ مضاف إليه. ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف صلة الموصول. تنبيه: قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ ...﴾ إلخ صفات لـ ﴿كِتَابٌ﴾، وقدّم وصفه بالإنزال على وصفه بالبركة بخلاف قوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ قالوا: لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال؛ إذ جاء عقيب إنكارهم أن ينزل الله على بشر من شيء بخلافه هناك، ووقعت الصفة الأولى جملة فعلية؛ لأن الإنزال يتجدد وقتًا فوقتًا، والثانية اسمًا صريحًا؛ لأن الاسم يدل على الثبوت والاستقرار، وهو مقصود هنا؛ أي: ذو بركة ثابتة مستقرة اهـ "سمين". ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.

стр. 3729

﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لِتُنْذِرَ﴾ اللام لام كي. ﴿تُنْذِرَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولإنذارك أم القرى، الجار والمجرور معطوف على جار ومجرور معلوم من معنى ما قبله على كونه متعلقًا. بـ ﴿أنزلناه﴾ تقديره: وهذا كتاب أنزلناه للبركة، ولإنذارك أم القرى. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾. ﴿حَوْلَهَا﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق به، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُحَافِظُونَ﴾ المذكور بعده. وجملة ﴿يُحَافِظُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿من﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّنِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أظلم﴾. ﴿افْتَرَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿افْتَرَى﴾. ﴿كَذِباً﴾: مفعول به. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿افْتَرَى﴾. ﴿أُوحِيَ﴾ فعل ماضٍ مغير الصيغة. ﴿إِلَيَّ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يُوحَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿شَيْءٌ﴾: نائب فاعل لـ ﴿يُوحَ﴾، وجملة ﴿يُوحَ﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿قَالَ﴾. ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾.

стр. 3730

﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الجر معطوف على ﴿من افترى﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿سَأُنْزِلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مِثْلَ﴾: مفعول به، وهو مضاف. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل الجر مضاف إليه، ﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مثل ما أنزله الله، ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿إِذِ﴾: ظرف لما مضى من الزمان. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: مبتدأ. ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، الجار والمجرور خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذِ﴾، والظرف متعلق بـ ﴿تَرَى﴾ على كونه مفعولًا به لـ ﴿تَرَى﴾، والتقدير: ولو ترى وقت كون الظالمين في غمرات الموت، وجواب ﴿لو﴾ محذوف تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من الضمير المستكن في قوله ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾. و ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ خفض لفظًا، وموضعه نصب، وإنما سقطت النون للإضافة. ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف حال من الضمير في ﴿بَاسِطُو﴾، والتقدير: والملائكة باسطوا أيديهم حالة كونهم قائلين للظالمين: أخرجوا أنفسكم. ﴿الْيَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾ المذكور بعده. ﴿تُجْزَوْنَ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾: مفعول ثانٍ لـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾، والأول قام مقام الفاعل، والجملة الفعلية مقول للقول المحذوف. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص

стр. 3731

واسمه. ﴿تَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُولُونَ﴾. ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾: مفعول به. لـ ﴿تَقُولُونَ﴾؛ لأنه بمعنى: تذكرون، وجملة ﴿تَقُولُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بسبب كونكم قائلين غير الحق، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُجْزَوْنَ﴾. ﴿وَكُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿عَنْ آيَاتِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾. وجملة ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿كان﴾ الأولى على كونها صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية؛ أي: وبسبب كونكم مستكبرين عن الإيمان بآيات الله تعالى. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، اللام موطئة للقسم، قد: حرف تحقيق. ﴿جِئْتُمُونَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مستأنفة. ﴿فُرَادَى﴾: حال من فاعل ﴿جِئْتُمُونَا﴾، ولم ينون؛ لأنه اسم لا ينصرف لألف التأنيث المقصورة كأسارى. ﴿كَمَا﴾ الكاف: حرف جر وتشبيه، ما: مصدرية. ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف تقديره: كخلقنا إياكم أول مرة الجار والمجرور حال من فاعل جئتمونا والتقدير ولقد جئتمونا فرادى مشبهة حالكم حال خَلْقنا إياكم أول مرة. ﴿وَتَرَكْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿جِئْتُمُونَا﴾ على تقدير: قد، أو مستأنفة ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول ﴿تَرَكْتُمْ﴾. ﴿خَوَّلْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ وأو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما خولناكموه. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَرَكْتُمْ﴾. ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾.

стр. 3732

﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿نَرَى﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مَعَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿نَرَى﴾. ﴿شُفَعَاءَكُمُ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول صفة لـ ﴿شُفَعَاءَكُمُ﴾ ﴿زَعَمْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿فِيكُمْ﴾: متعلق بخبر ﴿أن﴾ المذكور بعده ﴿شُرَكَاءُ﴾: خبر ﴿أن﴾ مرفوع، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي زعم تقديره: زعمتم كونهم شركاء فيكم. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. ﴿لَقَدْ﴾ اللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿تَقَطَّعَ﴾: فعل ماضٍ. ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بفاعل محذوف تقديره: لقد تقطع الاتصال بينكم، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. وعبارة "السمين" (١) هنا: قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص عنه: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ نصبًا، والباقون: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ رفعًا. فأما القراءة الأولى ففيها ثلاثة أوجه: أحسنها: أن الفاعل مضمر يعود على الاتصال، والاتصال وإن لم يكن مذكورًا حتى يعود عليه ضمير، لكنه تقدم ما يدل عليه، وهو لفظ: شركاء، فإن الشركة تشعر بالاتصال، والمعنى: لقد تقطع الاتصال بينكم، فانتصب ﴿بَيْنَكُمْ﴾ على الظرفية. الثاني: أن الفاعل هو ﴿بَيْنَكُمْ﴾، وإنما بقي على حاله منصوبًا حملًا له على أغلب أحواله، وهو مذهب الأخفش، وقد يقال: لإضافته إلى مبنى. الثالث: قال الزمخشري: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ معناه: لقد وقع التقطع بينكم، كما تقول جمع بين الشيئين تريد أوقع الجمع بين الشيئين على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل.

стр. 3733

وأما القراءة الثانية ففيها وجهان. أحدهما: أن ﴿بين﴾ اسم غير ظرف، وإنما معناها الوصل؛ أي: لقد تقطع وصلكم. الثاني: أن هذا كلام محمول على معناه؛ إذ المعنى: لقد تفرق جمعكم وتشتت، وهذا لا يصلح أن يكون تفسير إعراب انتهت مع بعض تصرف. وقال الزجاج: والرفع أجود، والمعنى لقد تقطع وصلكم. ﴿وَضَلَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماض. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل الرفع فاعل ﴿ضَلَّ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿تَقَطَّعَ﴾ على كونها جوابًا لقسم محذوف. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿تَزْعُمُونَ﴾: فعل وفاعل، ومفعولا ﴿تَزْعُمُونَ﴾ محذوفان، التقدير: تزعمونهم شفعاء، حذفا للدلالة عليهما، كما قال الشاعر: تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبِ أي: وتحسبه عارًا، وجملة ﴿تَزْعُمُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المحذوف من ﴿تَزْعُمُونَ﴾. والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة قوله: ﴿وَالْيَسَعَ﴾ وتقدم لك أن الجمهور قرؤوا: ﴿الْيَسَعَ﴾ بلام واحدة ساكنة وفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿الليسع﴾ بلام مشددة وياء ساكنة بعدها، فقراءة الجمهور فيها تأويلان: أحدهما: أنه منقول من فعل مضارع، والأصل: يوسع بكسر السين، ثم حذفت الواو لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة، ثم فتحت السين بعد حذف الواو؛ لأجل حرف الحلق وهو العين، مثل: يهب ويقع ويدع ويلغ، ثم سمى به مجردًا عن الضمير، وزيدت فيه الألف واللام شذوذًا كاليزيد في قوله:

стр. 3734

رَأَيْتُ الْوَلِيْدَ بْنَ الْيَزِيْدِ مُبَارَكًا ... شَدِيْدًا بِأَعْبَاءِ الْخِلاَفَةِ كَاهِلُهْ ولزمت فيه كما لزمت في الآية، وقيل: الألف واللام فيه للتعريف، كأنه قدر تنكيره. والثاني: أنه اسم أعجمي لا اشتقاق له، وأما قراءة الأخوين، فأصله: ليسع كضيغم وصيرف، وهو اسم أعجمي، ودخول الألف واللام فيه على الوجهين المتقدمين، واختار أبو عبيد قراءة التخفيف، فقال: سمعنا اسم هذا النبي في جميع الأحاديث اليسع، ولم يسمّه أحد منهم الليسع، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه روي اللفظ بأحد لغتيه، وإنما آثر الرواة هذه اللفظة لخفتها, لا لعدم صحة الأخرى. وقال الفراء: قراءة التشديد أشبه بأسماء العجم. وقد تقدم أن في نون يونس ثلاث لغات، وكذلك في سين يوسف اهـ "سمين". ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ والاجتباء: الاصطفاء أو التخليص أو الاختيار، مشتق من جبيت الماء في الحوض: جمعته فيه، فالاجتباء ضم الذي تجتبيه إلى خاصيتك. ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ بها السكت، وهي حرف يجتلب للاستراحة عند الوقف، فثبوتها وقفًا لا إشكال فيه، وأما ثبوتها وصلًا فإجراء ومعاملة له مجرى الوقف، كما قال في "الخلاصة": وَقِفْ بِهَا الْسَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلّ ... بِحَذْفِ آخِرٍ كَأَعْطِ مَنْ سَأَلْ ثم قال: وَرُبَّمَا أُعْطِيَ لَفْظُ الْوَصْلِ مَا ... لِلْوَقْفِ نَثْرًا وَفَشَا مُنْتَظِمَا والاقتداء: طلب موافقة الغير في فعله، فمعنى فبهداهم اقتداه؛ أي: ائتم بهم في التوحيد والصبر، دون الفروع المختلفة باختلاف الشرائع، ودون المنسوخة، فإنها بعد النسخ لا تتبع، ويقال: اقتدى به إذا اتبعه وجعله قدوة له؛ أي: متبعًا. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى﴾ هو مصدر ذكر يذكر ذكرى على وزن فعلى بكسر الفاء،

стр. 3735

ولم يأتِ مصدر على وزن فعلى بكسر الفاء إلا ذكرى كما مرَّ. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ يقال: قدر يقدر من باب نصر ينصر، وأصل القدر: السبر والحزر، يقال: قدر الشيء إذا سبره وحزره ليعرف مقداره، ثم استعمل في معرفة الشيء، وقدر الشيء ومقداره: مقياسه الذي يعرف به، ويقال: قدره يقدره إذا قاسه، والقدر والقدرة والمقدار: القوة أيضًا، والقدر: الغنى واليسار والشرف. ﴿يَلْعَبُونَ﴾ وفي "القاموس": لعب كسمع لعبًا بكسر العين ضد جد، فاللعب يشمل الهزل والسخرية والاستهزاء. ﴿قَرَاطِيسَ﴾ جمع قرطاس، كمصابيح جمع مصباح، وهو ما يكتب فيه من ورق أو جلد أو غيرهما. ﴿مُبَارَكٌ﴾ اسم مفعول من بارك؛ لأن الله بارك فيه بما فضل به ما قبله من الكتب في النظم والمعنى ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ وأم القرى: مكة، وسميت بذلك؛ لأنها قبلة أهل القرى، أو لأنهم يعظمونها كالأم، أو لأن فيها أول بيت للناس. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ الافتراء: اختلاق الكذب، وافتراء الكذب على الله: الاختلاق عليه، والحكاية عنه ما لم يقله، أو اتخاذ الأنداد والشركاء. ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ والغمرات: جمع غمرة، وهي: الشدة الفظيعة، وأصلها: من غمره الماء إذا ستره؛ كأنها تستر بغمها من تنزل به اهـ "سمين". وفي "المختار": وقد غمره الماء؛ أي: علاه، وبابه نصر، والغمرة: الشدة، والجمع: غمر بفت الميم كنوبة ونوب، وغمرات الموت: شدائده. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ واليوم: الزمن المحدود، والمراد به هنا: يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الناس للحساب والجزاء. والهُون - بالضم - والهوان الذل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ والهون - بالفتح -:

стр. 3736

اللين والرفق، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾. وأضاف (١) العذاب إلى الهون إيذانًا بأنه متمكن فيه، وذلك لأنه ليس كل عذاب يكون فيه هون؛ لأنه قد يكون على سبيل الزجر والتأديب كضرب الوالد ولده، ويجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف إلى صفته، وذلك أن الأصل العذاب الهون، وصفه به مبالغة، ثم أضافه إليه حد الإضافة في قولهم: بقلة الحمقاء، ونحوه، ويدل على أنّ الهون بمعنى الهوان قراءة عبد الله وعكرمة له كذلك اهـ "سمين". ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ واختلف (٢) الناس في ﴿فُرَادَى﴾ هل هو جمع أم لا؟ والقائلون بأنه جمع اختلفوا في مفرده. فقال الفراء: فرادى جمع فرد بفتح الراء، وفريد وفرد بسكونها وفردان، فجوز أن يكون جمعًا لهذه الأشياء. وقال ابن قتيبة: هو جمع فردان كسكران وسكارى، وعجلان وعجالى. وقال قوم: هو جمع فريد كرديف وردافى، وأسير وأسارى، قاله الراغب. وقيل: هو اسم جمع؛ لأن فردًا لا يجمع على فرادى. وقول من قال إنه جمع له، فإنما يريد في المعنى، ومعنى فرادى: فردًا فردًا اهـ "سمين". وفي "البيضاوي": وفرادى جمع فرد، والألف للتأنيث ككسالى. وقرىء فرادًا بالتنوين، كغراب وفراد بلا تنوين، كثلاث، وفردى كسكرى اهـ. فهذه أربع قراءات: الأولى: هي المتواترة، والثلاثة بعدها شواذ، كما في "السمين". ويقال (٣): رجل أفرد وامرأة فردى إذا لم يكن لهما أخ، وفرد الرجل يفرد فرودًا إذا تفرد، فهو فارد. قوله: ﴿خَوَّلْنَاكُمْ﴾؛ أي: أعطيناكم، يقال (٤): خوله: أعطاه وملكه، وأصله: تمليك الخول كما تقول: مولته إذا ملكته المال، والترك وراء الظهر يراد

стр. 3737

به: عدم الانتفاع بالشيء. ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ البين: الفراق، قيل: يطلق على الوصل فيكون مشتركًا. قال الشاعر: فَوَاللهِ لَوْلاَ الْبَيْنُ لَمْ يَكُنِ الْهَوَى ... وَلَوْلَا الْهَوَى مَا حَنَّ للْبَيْنِ آلِفُهْ وهو هنا مصدر بأن يبين بينًا بمعنى: البعد، ويطلق على الضدين، كالبعد والقرب والوصل والانقطاع، والمراد به هنا: الوصل؛ أي: الاتصال؛ أي: العلقة والارتباط، ويضاف البين إلى المثنى كقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، وإلى الجمع كقوله: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، ولا يضاف إلى المفرد إلا إذا كرر كقوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾. قوله: ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ومرة في الأصل: مصدر لمر يمر مرة، ثم اتسع فيها، فصارت زمانًا. قال أبو البقاء: وهذا يدل على قوة شبه الزمان بالفعل. وقال الشيخ: وانتصب أول مرة على الظرف؛ أي: أول زمان. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الوصل والفصل في أسماء الأنبياء ﵈. ومنها: التكرار في قوله: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا﴾، وفي: ﴿أُنزِلَ﴾، وفي ﴿يُؤمِنونَ﴾ وفي ﴿كُنتُمْ﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾، وفي قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾، وفي قوله: ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ﴾، وفي قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، وفي قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾،

стр. 3738

وفي قوله: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. ومنها: القصر في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾؛ لأن تقديم المعمول على عامله يفيد الحصر، وفي قوله: ﴿إنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى﴾. ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿هَدَى اللَّهُ﴾. ومنها: المبالغة في النفي في قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأن فيه مبالغة في إنكار نزول شيء من الوحي على أحد من الرسل بزيادة ﴿مِنْ﴾ الاستغراقية. ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، وفي قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾؛ لأن فيه استعارة لفظ الأم لمكة المكرمة؛ حيث شبهت بالوالدة، فاستعير لها لفظ الأم على طريقة الاستعارة التصريحية الترشحية؛ لأنها أصل المدن والقرى، ولفظ القرى ترشيح، وفي قوله: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾؛ لأن الغمرة حقيقة في ستر الماء لمن دخل فيه، فاستعيرت لشدائد الموت. قال (١) الشريف الرضي: هذه استعارة عجيبة حيث شبه سبحانه ما يعتورهم من كرب الموت وغصصه بالذين تتقاذفهم غمرات الماء ولججه، وسميت غمرة؛ لأنها تغمر قلب الإنسان. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾؛ لأن الترك وراء الظهر كناية عن عدم الانتفاع بالشيء. ومنها: الزيادة والحذف في مواضع عديدة. والله أعلم * * *

стр. 3739

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما قدم الكلام (١) على تقرير التوحيد وتقرير النبوة .. أردفه بذكر الدلائل الدالة على كمال قدرته وعلمه وحكمته تنبيهًا بذلك

стр. 3740

على أن المقصود الأعظم هو معرفة الله بجميع صفاته وأفعاله، وأنه مبدع الأشياء وخالقها، ومن كان كذلك .. كان هو المستحق للعبادة، لا هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها، وتعريفًا منه خطأ ما كانوا عليه من الإشراك الذي كانوا عليه. وعبارة "المراغي" هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله بعد أن (١) أثبت أمر التوحيد، ثم أردفه بتقرير أمر النبوة والبعث، وذكر مسائل لها ملابسات لهذه الأصول .. عاد هنا وفصَّل طائفة من آيات التكوين تدل أوضح الدلالة على وحدانيته تعالى وقدرته وعلمه وحكمته، وبيان سننه في خلقه، وحكمه في الإحياء والإماتة، والأحياء والأموات، وتقديره وتدبيره لأمر النيرات في السموات، وإبداعه في شؤون النبات. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما استدل (٢) على باهر حكمته وقدرته بدلالة أحوال النبات والحيوان، وذلك من الأحوال الأرضية .. استدل أيضًا على ذلك بالأحوال الفلكية؛ لأن فلق الصبح أعظم من فلق الحب والنوى؛ لأن الأحوال الفلكية أعظم وقعًا في النفوس من الأحوال الأرضية. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (٣) ذكر البراهين الدالة على تفرده بالخلق والتدبير في عالم السموات والأرض .. ذكر هنا بعض ضروب الشرك التي قال بها بعض العرب وروى التاريخ مثلها عن كثير من الأمم، وهي اتخاذ شركاء لله من عالم الجن المستتر عن العيون، أو اختراع نسل له من البنين والبنات. وقال أبو حيان (٤): مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر ما اختص به من باهر قدرته ومتقن صنعته، وامتنانه على عالم الإنسان

стр. 3741

بما أوجد له مما يحتاج إليه في قوام حياته، وبين أن في ذلك آيات لقوم يعلمون، ولقوم يفقهون، ولقوم يؤمنون .. ذكر ما عاملوا به منشئهم من العدم وموجد أرزاقهم من إشراك غيره له في عبادته، ونسبة ما هو مستحيل عليه من وصفه بسمات الحدوث من البنين والبنات. قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أقام (١) الأدلة والبراهين الواضحة على توحيده، وكمال قدرته وعلمه .. عاد هنا إلى تقرير أمر الدعوة والرسالة، وتبليغ النبي ﷺ أوامر ربه، ومدى تلك الأوامر من الهداية والإرشاد، وما يقوله المشركون في المبلغ لها، وأعلم سبحانه سنته فيهم وفي أمثالهم، وما يجب على الرسول معهم، وما ينفى عنه. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أمر (٢) رسوله فيما سبق من الآيات بتبليغ وحيه بالقول والعمل، والإعراض عن المشركين بمقابلة جحودهم وطعنهم في الوحي بالصبر والحلم، وبيَّن أن من مقتضى سنته في البشر أن لا يتفقوا على دين واحد لاختلاف استعدادهم، وتفاوتهم في درجات الفهم والفكر، وذكر أن وظيفة الرسل أن يكونوا مبلغين لا مسيطرين، وهادين لا جبارين، فينبغي أن لا يضيقوا ذرعًا بما يرون وما يشاهدون من الإزدراء بهم، والطعن في دينهم، فإن الله هو الذي منحهم هذه الحرية، ولم يجبرهم على الإيمان .. نهى المؤمنين هنا عن سب آلهة المشركين؛ لأنهم إذا شتموا فربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول، ثم ذكر طلب بعضهم للآيات؛ لأن القرآن ليس من جنس المعجزات، ولو جاءهم بمعجزة ظاهرة لآمنوا به، وحلفوا على ذلك، وأكدوه بكل يمين محرجة.

стр. 3742

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر عن قتادة قال: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله، فأنزل الله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...﴾ الآية. وقال ابن عباس ﵄ (٢): لما نزلت ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ .. قال المشركون: يا محمد، لتنتهين عن سب آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدوًا بغير علم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما حضر أبا طالب الموت .. قالت قريش: انطلقوا، فلندخلن على هذا الرجل، فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه ويحميه، فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلًا منهم يقال له المطلب، فقالوا: استأذن لنا على أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك، يريدون الدخول عليك، فأذن لهم فدخلوا، فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدًا قد آذانا وآذى الهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا, ولندعه وإلهه، فدعا النبي ﷺ فجاءه، فقال له: هؤلاء قومك وبنو عمك، فقال رسول الله ﷺ : "ما يريدون"؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك، قال أبو طالب: قد أنصفك قومك فاقبل منهم، قال النبي ﷺ : "أرأيتم لو أعطيتكم هذا، هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها .. ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم، وأدت لكم الخراج؟ قال أبو جهل: وأبيك: لنعطينكها وعشر أمثالها، فما هي؟ قال: قولوا: لا إله إلا الله، فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب: قل غيرها، فإن قومك قد فزعوا منها، قال: "يا عم

стр. 3743

ما أنا بالذي أقول غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوني بها، فوضعوها في يدي .. ما قلت غيرها" فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ومن يأمرك، فأنزل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ...﴾ الآيات، سبب نزولها: ما أخرجه (١) ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: كلم رسول الله قريشًا، فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب به الحجر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود لهم الناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله ﷺ : "أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ " قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبًا قال: "فإن فعلت تصدقوني"؟ قالوا: نعم والله، فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاء جبريل فقال له: إن شئت أصبح ذهبًا، فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم، فأنزل الله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿يَجْهَلُونَ﴾. التفسير وأوجه القراءة ٩٥ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾؛ أي: سياق جميع الحبوب من الحنطة والشعير والذرة وغيرها، من الأورق الخضر ﴿و﴾ فالق ﴿النَّوَى﴾ وشاقها، وهي التي في داخل الثمار عن الشجر الأخضر، فإذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة، ثم مر عليها مدة .. أظهر الله تعالى في تلك الحبة أو النواة من أعلاها شقًّا، ومن أسفلها شقًّا آخر، فيخرج من الحبة ورق أخضر، ومن النواة شجرة صاعدة في الهواء، ويخرج منها عروق هابطة في الأرض، وقيل: معنى فالق الحب والنوى: شاقهما الشق الذي فيهما من أصل الخلقة، وقيل: معنى فالق الحب والنوى: خالقهما. والنوى: جمع نواة، يطلق على كل ما فيه عجم كالتمر والمشمش والخوخ والمنغا وغيرها. وهذه الجملة شروع منه في تعداد عجائب صنعه، وذكر ما تعجز آلهتهم عن أدنى شيء منه.

стр. 3744

وقرأ عبد الله (١): ﴿فلق الحب﴾ بصيغة الفعل الماضي. وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾؛ أي: الحيوان ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾؛ أي: من النطفة والبيضة وهي ميتة، في محل الرفع خبر بعد خبر، لـ ﴿إنّ﴾ و، وقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾؛ أي: مخرج النطفة والبيضة وهي ميتة ﴿مِنَ الْحَيِّ﴾؛ أي: من الحيوان، معطوف على (٢) قوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ عطف جملة اسمية على جملة فعلية، ولا مانع من ذلك. وقيل: معطوف على ﴿فَالِقُ﴾ على تقدير أن جملة ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ مفسرة لما قبلها، والأول أولى. والمعنى: أن الله يخرج من النطفة بشرًا حيًّا، ومن البيضة أفراخًا حية، ومن الحب اليابس نباتًا غضًّا، ومن الكافر مؤمنًا، ومن العاصي مطيعًا، وبالعكس. ﴿ذَلِكُمُ﴾ الصانع هذا الصنع العجيب المذكور سابقًا من شق الحب والنوى بقدرته الباهرة هو ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود الحق المستجمع لكل كمال، والمفضل بكل إفضال، والمستحق لكل حمد وإجلال. ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: فكيف تصرفون عن عبادته وتوحيده والإيمان بالبعث إلى عبادة غيره، واتخاذ شريك معه، وإنكار البعث مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته. والمعنى: ذلكم المتصف (٣) بكامل القدرة وبالغ الحكمة هو الله الخالق لكل شيء، المستحق للعبادة وحده، لا شريك له، فكيف تصرفون عن عبادته، وتشركون به من لا يقدر على شيء من ذلك؛ كفلق نواة وحبة، وإيجاد نخلة وسنبلة؟ ٩٦ - ﴿فَالِقُ﴾ ظلمة الليل وكاشفها ومزيلها بضوء ﴿الْإِصْبَاحِ﴾ ونور النهار. والمراد بظلمة الليل: الغبش الذي يلي الإصباح المستطيل الكاذب. والإصباح بمعنى: الصبح، فالصبح والإصباح والصباح بمعنى واحد، وهو أول النهار، وذلك (٤) لأن الأفق من الجانب الغربي والشمالي والجنوبي مملوء من الظلمة، ثم إنه تعالى شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولًا من النور فيه. وقيل: المعنى

стр. 3745

خالق الإصباح من الفلق بمعنى الخلق يعني: أن الله مبدي ضوء الإصباح وخالقه ومنوره. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر وأبو رجاء (١): ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ بفتح الهمزة. وقرأ الجمهور بكسرها، وهو على قراءة الفتح جمع: صبح، وعلى قراءة الكسر مصدر: أصبح. وقرأت فرقة بنصب: ﴿الإصباحَ﴾ وحذف تنوين ﴿فالق﴾، وسيبويه إنما يجوز هذا في الشعر نحو قوله: وَلاَ ذَاكِرَ الله إلا قَلِيْلًا حذف التنوين لالتقاء الساكنين، والمبرد يجوزه في الكلام. وقرأ النخعي وابن وثاب وأبو حيوة: ﴿فلق الإصباح﴾ بفعل ماضٍ، وهمزة مكسورة. ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾؛ أي: وجعل الليل وقت سكون وراحة وطمأنينة للخلق؛ لأن الناس يسكنون فيه عن الحركة في معاشهم، ويستريحون من التعب والنصب الحاصل لهم بشغل النهار. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي على صيغة الماضي، والباقون على صيغة اسم الفاعل. وقرأ يعقوب ساكنًا. ﴿و﴾ جعل ﴿الشمس والقمر﴾ جاريين بـ ﴿حُسْبَانًا﴾؛ أي: بحساب مقدر لا يزيد ولا ينقص؛ أي: قدر (٢) الله تعالى حركة الشمس بمقدار معين من السرعة والبطء، بحيث تتم الدورة في سنة، وقدَّر حركة القمر بحيث تتم الدورة في شهر، وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول الأربعة، وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار وحصول الغلات وأمور الحرث والنسل، والمعنى: جعلهما علامتي حساب وعد للأوقات، تتعلق بهما مصالح العباد، تحسب بهما الأوقات التي تتعلق بها العبادات والمعاملات، وسيَّرهما على تقدير لا يزيد ولا ينقص، ليدل عباده بذلك على عظيم قدرته وبديع صنعه. وقرأ الجمهور بنصب ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ على إضمار فعل؛ أي: وجعل

стр. 3746

الشمس والقمر كما مر في حلنا. وقرأ أبو حيوة بجر ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ عطفًا على الليل على قراءة من قرأ: ﴿وجاعل الليل﴾ وقرىء (١) شاذًا: ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ برفعهما على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: مجعولان حسبانًا، أو محسوبان حسبانًا. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى (٢) جعلهما حسبانًا؛ أي: ذلك التسيير بالحساب المعلوم ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾؛ أي: تدبير الإله الذي قهرهما وسيرهما على الوجه المخصوص ﴿الْعَلِيمِ﴾ بتدبيرهما، والأنفع من التداوير الممكنة لهما. وعبارة أبي حيان: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك الجعل أو ذلك الفلق والجعل، أو ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى جميع الأخبار من قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ إلى آخرها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾؛ أي: الغالب الذي كل شيء من هذه في تسخيره وقهره. ﴿الْعَلِيمِ﴾ الذي لا يعزب عنه شيء من هذه الأحوال، ولا من غيرها؛ أي (٣): حصول هذه الأحوال لا يمكن إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات، وبعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات، فليس حصول حركات أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة بالطبع، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار. ٩٧ - ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وخلق ﴿لَكُمُ﴾ أيها الناس ﴿النُّجُومَ﴾ والكواكب ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾؛ أي: للاهتداء بها ﴿فِي ظُلُمَاتِ﴾ الليل عند المسير في ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ إذا ضللتم الطريق وتحيرتم فيه، فامتن الله على عباده بأن جعل لهم النجوم ليهتدوا بها في المسالك والطرق، والجهات التي تقصد، والقبلة في البر والبحر؛ إذ حركات الكواكب في الليل يستدل بها على القبلة، كما يستدل بحركة الشمس في النهار عليها، والمعنى: وهو الذي خلق لكم النجوم لاهتدائكم بها في مشتبهات الطرق إذا سافرتم في بر أو بحر، ولاستدلالكم بها على معرفة القبلة، وعلى معرفة أوقات الصلاة. والمراد بالنجوم هنا: ما عدا الشمس والقمر

стр. 3747

من النيرات؛ لأنه الظاهر من سياق الكلام، ولأنه المعهود في الاهتداء، وهذه إحدى منافع النجوم التي خلقها الله لها. ومنها: ما ذكره الله في قوله: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾. ومنها: جَعْلها زينة للسماء، ومن زعم غير هذه الفوائد .. فقد أعظم على الله الفرية. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: قد بينا العلامات الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا لقوم يعلمون؛ أي: يتأملون فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب؛ أي: فإن هذه النجوم كما يستدل بها على الطرقات في ظلمات البر والبحر، فكذلك يستدل بها على معرفة الصانع الحكيم، وكمال قدرته وعلمه. وكانت العرب في أيام بداوتها تؤقت بطلوع النجوم، فتحفظ أوقات السنة بالأنواء، وهي نجوم منازل القمر في مطالعها ومغاربها، وكان اهتداؤهم بالنجوم على ضربين: ١ - معرفة الوقت من الليل، أو من السنة. ٢ - معرفة المسالك والطرق والجهات. والمراد بالظلمات: ظلمة الليل، وظلمة الأرض، أو الماء، وظلمة الخطأ والضلال. وحاصل المعنى: والله هو الذي جعل لكم النجوم أدلة في البر والبحر إذا ضللتم الطريق، أو تحيرتم فلم تهتدوا فيها ليلًا، فيها تستدلون على الطرق فتسلكونها، وتنجون من الخطأ والضلال في البر والبحر. ٩٨ - ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ وأوجدكم وخلقكم مع كثرتكم واختلاف ألسنتكم وألوانكم ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي الإنسان الأول الذي تسلسل منه سائر الناس بالتوالد، وهو آدم ﵇، وفي إنشاء البشر من نفس واحدة آيات بينات على قدرة الله وعلمه وحكمته ووحدانيته، وفي التذكير بذلك إيماء إلى ما يجب من شكر نعمته، وإرشاد إلى ما يجب من التعارف والتعاون بين البشر، وأن يكون هذا التفرق إلى

стр. 3748

شعوب وقبائل مدعاةً إلى التآلف، لا إلى التعادي والتقاتل وبث روح العداوة والبغضاء بين الناس ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾؛ أي: ولكم موضع استقرار في الأصلاب، وموضع استيداع في الأرحام، وإنما جعل الصلب مقر النطفة، والرحم مستودعها؛ لأن النطفة تتوالد في الصلب ابتداء، والرحم شبيهة بالمستودع، كما قال الشاعر: وَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وَللآبَاءِ أَبْنَاءُ فالمستقر على هذا التفسير: صلب الأب، والمستودع: رحم الأم, لأن (١) النطفة حصلت في صلب الأب قبل حصولها في رحم الأم، فحصول النطفة في الرحم من فعل الرجل مشبه بالوديعة، وحصولها في الصلب لا من جهة الغير. وقال أبو مسلم الأصبهاني: إن تقدير الآية: هو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمنكم ذكر ومنكم أنثى، وإنما عبر عن الذكر بالمستقر؛ لأن النطفة إنما تنشأ في صلبه وتستقر فيه، وإنما عبر عن الأنثى بالمستودع؛ لأن رحمها شبيه بالمستودع لتلك النطفة. وقرأ (٢) ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج والنخعي: بكسر القاف على صيغة اسم الفاعل، والباقون: بفتحها. وأما ﴿مستودع﴾ فهو بفتح الدال لا غير، وهما مرفوعان على أنهما مبتدان، وخبرهما محذوف، والتقدير على القراءة الأولى - أعني قراءة الكسر -: فمنكم مستقر على ظهر الأرض، وعلى القراءة الثانية - أعني قراءة الفتح -: فلكم مستقر على ظهرها؛ أي: موضع قرار، ومنكم مستودع في الرحم، أو في باطن الأرض، أو في الصلب. وقيل: المستقر في الرحم، والمستودع في الأرض. وقيل: المستقر في القبر. وأكثر أهل التفسير يقولون: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب. وقيل: المستقر من خلق، والمستودع من لم يخلق. وقيل: الاستيداع إشارة إلى كونهم في القبور إلى المبعث، ومما يدل على تفسير المستقر

стр. 3749

بالكون على الأرض قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾؛ أي: قد بينا العلامات الدالة على قدرتنا من تفاصيل خلق البشر ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: يدققون النظر ويتأملون فيها، فإن إنشاء البشر من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف صنعة، وإن الاستدلال بالأنفس أدق من الاستدلال بالنجوم في الآفاق لظهورها. وعبارة "المراغي" هنا: قوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾؛ أي (١): إننا جعلنا الآيات المبينة لسنننا في الخلق مفصلة وموضحة لقدرتنا وإرادتنا، وعلمنا وحكمتنا، وفضلنا ورحمتنا لقوم يفقهون ما يتلى عليهم، ويفهمون المراد منه، ويفطنون لدقائقه وخفاياه. وعبر هنا بالفقه، وفيما قبلها بالعلم؛ لأن استخراج الحكم من خلق البشر يتوقف على غوص في أعماق الآيات، وفطنة في استخراج دقائق الحكم. أما العلم بمواقع النجوم والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، فهو من الأمور الظاهرة التي لا تتوقف على دقة النظر، ولا غوص الفكر والتأمل في العبرة منها، وكذلك جميع المظاهر الفلكية. ثم ذكر بعد ذلك آية أخرى من آيات التكوين، وهي إنزال الماء من السماء، وجعله سببًا للنبات، فقال: ٩٩ - ﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السحاب ﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا؛ أي: وهو الله الذي خلق هذه الأجسام في السماء، ثم ينزلها إلى السحاب، ثم من السحاب إلى الأرض ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾؛ أي: بسبب هذا الماء ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: نبات كل صنف من أصناف النبات المختلف في شكله وخواصه وآثاره اختلافًا متفاوتًا في مراتب الزيادة والنقصان، سواء كان من النجم، أو من الشجر، كما قال تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾؛ أي: من النبات ﴿خَضِرًا﴾؛ أي: زرعًا، والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولًا في القمح والشعير والذرة والأرز، ويكون السنبل في أعلاه؛ أي: فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئًا غضًّا أخضر،

стр. 3750

وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة، كساق النجم وأغصان الشجر. ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الخضر؛ أي: من هذا الأخضر المتشعب النبات آنًا بعد آن. ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ بعضه فوق بعض في سنبلة واحدة، وهذا الخارج هو السنبل، مثل سنبل الشعير والقمح والذرة وسائر الحبوب. وقرأ الأعمش وابن محيصن: ﴿يخرج منه حب متراكب﴾ على أنه مرفوع بـ ﴿ـيخرج﴾، و ﴿متراكب﴾ في رفعه ونصبه صفة له. وهذا تفصيل لنماء النجم الذي لا ساق له، وهو ما عدا الشجر. وفي تقديم الزرع على النخل دليل على أفضلية الزرع على الشجر، ولأن حاجة الناس إليه أكثر؛ لأنه القوت المألوف. ثم عطف عليه حال نظيره من الشجر، فقال: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ خبر مقدم ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾ بدل منه ﴿قِنْوَانٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿دَانِيَةٌ﴾ صفة له؛ أي: وأخرجنا من النخل نخلًا من طلعها قنوان دانية؛ أي: عنقود وعذوق قريبة يناله القاعد والقائم؛ لانحنائها بثقل حملها، أو لقصر ساقها، وفيه اكتفاء؛ أي: وغير دانية لطولها، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وإنما اقتصر على ذكرها دون مقابلها لدلالتها عليه، وزيادة النعمة فيها بقربها إلى المجتني، ففيها سهولة التناول دون البعيدة لاحتياجها إلى كلفة. والطلع: أول ما يبدو ويطلع ويظهر من زهر النخل قبل أن ينشق عنه غلافه. والقنوان: واحدها: قنو، والقنو: العذق الذي يكون فيه التمر، وهو من النخل كالعنقود من العنب، والسنبلة من القمح. وذكر الطلع مع النخل؛ لأنه طعام وإدام دون سائر الأكمام. وقرأ الجمهور (١): ﴿قِنْوَانٌ﴾ بكسر القاف. وقرأ الأعمش والخفاف عن أبي عمر والأعرج في رواية: بضمها، ورواه السلمي عن علي بن أبي طالب. وقرأ الأعرج في رواية, وهارون عن أبي عمر: ﴿وقنوان﴾ بفتح القاف. وخرجه أبو الفتح على أنه اسم جمع على فعلان؛ لأن فعلانًا ليس من أبنية جمع التكسير. وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ بالنصب بكسر التاء على قراءة الجمهور معطوف
следующие страницы →