الشمس والقمر كما مر في حلنا. وقرأ أبو حيوة بجر ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ عطفًا على الليل على قراءة من قرأ: ﴿وجاعل الليل﴾ وقرىء (١) شاذًا: ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ برفعهما على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: مجعولان حسبانًا، أو محسوبان حسبانًا. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى (٢) جعلهما حسبانًا؛ أي: ذلك التسيير بالحساب المعلوم ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾؛ أي: تدبير الإله الذي قهرهما وسيرهما على الوجه المخصوص ﴿الْعَلِيمِ﴾ بتدبيرهما، والأنفع من التداوير الممكنة لهما. وعبارة أبي حيان: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك الجعل أو ذلك الفلق والجعل، أو ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى جميع الأخبار من قوله: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ إلى آخرها ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾؛ أي: الغالب الذي كل شيء من هذه في تسخيره وقهره. ﴿الْعَلِيمِ﴾ الذي لا يعزب عنه شيء من هذه الأحوال، ولا من غيرها؛ أي (٣): حصول هذه الأحوال لا يمكن إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات، وبعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات، فليس حصول حركات أجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة بالطبع، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار.
٩٧ - ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وخلق ﴿لَكُمُ﴾ أيها الناس ﴿النُّجُومَ﴾ والكواكب ﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾؛ أي: للاهتداء بها ﴿فِي ظُلُمَاتِ﴾ الليل عند المسير في ﴿الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ إذا ضللتم الطريق وتحيرتم فيه، فامتن الله على عباده بأن جعل لهم النجوم ليهتدوا بها في المسالك والطرق، والجهات التي تقصد، والقبلة في البر والبحر؛ إذ حركات الكواكب في الليل يستدل بها على القبلة، كما يستدل بحركة الشمس في النهار عليها، والمعنى: وهو الذي خلق لكم النجوم لاهتدائكم بها في مشتبهات الطرق إذا سافرتم في بر أو بحر، ولاستدلالكم بها على معرفة القبلة، وعلى معرفة أوقات الصلاة. والمراد بالنجوم هنا: ما عدا الشمس والقمر
стр. 3747
من النيرات؛ لأنه الظاهر من سياق الكلام، ولأنه المعهود في الاهتداء، وهذه إحدى منافع النجوم التي خلقها الله لها.
ومنها: ما ذكره الله في قوله: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾.
ومنها: جَعْلها زينة للسماء، ومن زعم غير هذه الفوائد .. فقد أعظم على الله الفرية. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: قد بينا العلامات الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا لقوم يعلمون؛ أي: يتأملون فيستدلون بالمحسوس على المعقول وينتقلون من الشاهد إلى الغائب؛ أي: فإن هذه النجوم كما يستدل بها على الطرقات في ظلمات البر والبحر، فكذلك يستدل بها على معرفة الصانع الحكيم، وكمال قدرته وعلمه.
وكانت العرب في أيام بداوتها تؤقت بطلوع النجوم، فتحفظ أوقات السنة بالأنواء، وهي نجوم منازل القمر في مطالعها ومغاربها، وكان اهتداؤهم بالنجوم على ضربين:
١ - معرفة الوقت من الليل، أو من السنة.
٢ - معرفة المسالك والطرق والجهات.
والمراد بالظلمات: ظلمة الليل، وظلمة الأرض، أو الماء، وظلمة الخطأ والضلال.
وحاصل المعنى: والله هو الذي جعل لكم النجوم أدلة في البر والبحر إذا ضللتم الطريق، أو تحيرتم فلم تهتدوا فيها ليلًا، فيها تستدلون على الطرق فتسلكونها، وتنجون من الخطأ والضلال في البر والبحر.
٩٨ - ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ وأوجدكم وخلقكم مع كثرتكم واختلاف ألسنتكم وألوانكم ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي الإنسان الأول الذي تسلسل منه سائر الناس بالتوالد، وهو آدم ﵇، وفي إنشاء البشر من نفس واحدة آيات بينات على قدرة الله وعلمه وحكمته ووحدانيته، وفي التذكير بذلك إيماء إلى ما يجب من شكر نعمته، وإرشاد إلى ما يجب من التعارف والتعاون بين البشر، وأن يكون هذا التفرق إلى
стр. 3748
شعوب وقبائل مدعاةً إلى التآلف، لا إلى التعادي والتقاتل وبث روح العداوة والبغضاء بين الناس ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾؛ أي: ولكم موضع استقرار في الأصلاب، وموضع استيداع في الأرحام، وإنما جعل الصلب مقر النطفة، والرحم مستودعها؛ لأن النطفة تتوالد في الصلب ابتداء، والرحم شبيهة بالمستودع، كما قال الشاعر:
وَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ ... مُسْتَوْدَعَاتٌ وَللآبَاءِ أَبْنَاءُ
فالمستقر على هذا التفسير: صلب الأب، والمستودع: رحم الأم, لأن (١) النطفة حصلت في صلب الأب قبل حصولها في رحم الأم، فحصول النطفة في الرحم من فعل الرجل مشبه بالوديعة، وحصولها في الصلب لا من جهة الغير. وقال أبو مسلم الأصبهاني: إن تقدير الآية: هو الذي أنشأكم من نفس واحدة، فمنكم ذكر ومنكم أنثى، وإنما عبر عن الذكر بالمستقر؛ لأن النطفة إنما تنشأ في صلبه وتستقر فيه، وإنما عبر عن الأنثى بالمستودع؛ لأن رحمها شبيه بالمستودع لتلك النطفة.
وقرأ (٢) ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وأبو عمرو وعيسى والأعرج والنخعي: بكسر القاف على صيغة اسم الفاعل، والباقون: بفتحها. وأما ﴿مستودع﴾ فهو بفتح الدال لا غير، وهما مرفوعان على أنهما مبتدان، وخبرهما محذوف، والتقدير على القراءة الأولى - أعني قراءة الكسر -: فمنكم مستقر على ظهر الأرض، وعلى القراءة الثانية - أعني قراءة الفتح -: فلكم مستقر على ظهرها؛ أي: موضع قرار، ومنكم مستودع في الرحم، أو في باطن الأرض، أو في الصلب. وقيل: المستقر في الرحم، والمستودع في الأرض. وقيل: المستقر في القبر. وأكثر أهل التفسير يقولون: المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب. وقيل: المستقر من خلق، والمستودع من لم يخلق. وقيل: الاستيداع إشارة إلى كونهم في القبور إلى المبعث، ومما يدل على تفسير المستقر
стр. 3749
بالكون على الأرض قول الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾؛ أي: قد بينا العلامات الدالة على قدرتنا من تفاصيل خلق البشر ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: يدققون النظر ويتأملون فيها، فإن إنشاء البشر من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف صنعة، وإن الاستدلال بالأنفس أدق من الاستدلال بالنجوم في الآفاق لظهورها. وعبارة "المراغي" هنا: قوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾؛ أي (١): إننا جعلنا الآيات المبينة لسنننا في الخلق مفصلة وموضحة لقدرتنا وإرادتنا، وعلمنا وحكمتنا، وفضلنا ورحمتنا لقوم يفقهون ما يتلى عليهم، ويفهمون المراد منه، ويفطنون لدقائقه وخفاياه.
وعبر هنا بالفقه، وفيما قبلها بالعلم؛ لأن استخراج الحكم من خلق البشر يتوقف على غوص في أعماق الآيات، وفطنة في استخراج دقائق الحكم. أما العلم بمواقع النجوم والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، فهو من الأمور الظاهرة التي لا تتوقف على دقة النظر، ولا غوص الفكر والتأمل في العبرة منها، وكذلك جميع المظاهر الفلكية. ثم ذكر بعد ذلك آية أخرى من آيات التكوين، وهي إنزال الماء من السماء، وجعله سببًا للنبات، فقال:
٩٩ - ﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السحاب ﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا؛ أي: وهو الله الذي خلق هذه الأجسام في السماء، ثم ينزلها إلى السحاب، ثم من السحاب إلى الأرض ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾؛ أي: بسبب هذا الماء ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: نبات كل صنف من أصناف النبات المختلف في شكله وخواصه وآثاره اختلافًا متفاوتًا في مراتب الزيادة والنقصان، سواء كان من النجم، أو من الشجر، كما قال تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.
﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾؛ أي: من النبات ﴿خَضِرًا﴾؛ أي: زرعًا، والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولًا في القمح والشعير والذرة والأرز، ويكون السنبل في أعلاه؛ أي: فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئًا غضًّا أخضر،
стр. 3750
وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة، كساق النجم وأغصان الشجر. ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الخضر؛ أي: من هذا الأخضر المتشعب النبات آنًا بعد آن. ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ بعضه فوق بعض في سنبلة واحدة، وهذا الخارج هو السنبل، مثل سنبل الشعير والقمح والذرة وسائر الحبوب.
وقرأ الأعمش وابن محيصن: ﴿يخرج منه حب متراكب﴾ على أنه مرفوع بـ ﴿ـيخرج﴾، و ﴿متراكب﴾ في رفعه ونصبه صفة له. وهذا تفصيل لنماء النجم الذي لا ساق له، وهو ما عدا الشجر. وفي تقديم الزرع على النخل دليل على أفضلية الزرع على الشجر، ولأن حاجة الناس إليه أكثر؛ لأنه القوت المألوف. ثم عطف عليه حال نظيره من الشجر، فقال: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ خبر مقدم ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾ بدل منه ﴿قِنْوَانٌ﴾ مبتدأ مؤخر ﴿دَانِيَةٌ﴾ صفة له؛ أي: وأخرجنا من النخل نخلًا من طلعها قنوان دانية؛ أي: عنقود وعذوق قريبة يناله القاعد والقائم؛ لانحنائها بثقل حملها، أو لقصر ساقها، وفيه اكتفاء؛ أي: وغير دانية لطولها، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وإنما اقتصر على ذكرها دون مقابلها لدلالتها عليه، وزيادة النعمة فيها بقربها إلى المجتني، ففيها سهولة التناول دون البعيدة لاحتياجها إلى كلفة. والطلع: أول ما يبدو ويطلع ويظهر من زهر النخل قبل أن ينشق عنه غلافه. والقنوان: واحدها: قنو، والقنو: العذق الذي يكون فيه التمر، وهو من النخل كالعنقود من العنب، والسنبلة من القمح. وذكر الطلع مع النخل؛ لأنه طعام وإدام دون سائر الأكمام.
وقرأ الجمهور (١): ﴿قِنْوَانٌ﴾ بكسر القاف. وقرأ الأعمش والخفاف عن أبي عمر والأعرج في رواية: بضمها، ورواه السلمي عن علي بن أبي طالب. وقرأ الأعرج في رواية, وهارون عن أبي عمر: ﴿وقنوان﴾ بفتح القاف. وخرجه أبو الفتح على أنه اسم جمع على فعلان؛ لأن فعلانًا ليس من أبنية جمع التكسير.
وقوله: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ بالنصب بكسر التاء على قراءة الجمهور معطوف
стр. 3751
على ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من عطف الخاص على العام لشرفه، ولما جرد النخل .. جردت جنات الأعناب لشرفهما؛ أي: وأخرجنا بالماء بساتين كائنة من أعناب. وقرأ محمد بن أبي ليلى والأعمش وأبو بكر في رواية عنه عن عاصم: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ بالرفع، وهي قراءة علي بن أبي طالب. وقدره أبو البقاء: ومن الكرم ﴿جَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ نظرًا لقوله أولًا: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾.
وقوله: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ معطوفان على نبات كل شيء؛ أي: وأخرجنا بذلك الماء شجر الزيتون وشجر الرمان حالة كون كل واحد منهما ﴿مُشْتَبِهًا﴾؛ أي: يشبه (١) بعضه بعضًا في بعض أوصافه ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾؛ أي: ولا يشبه بعضه بعضًا في البعض الآخر. وقيل: إن أحدهما يشبه الآخر في الورق باعتبار اشتماله على جميع الغصن، وباعتبار حجمه، ولا يشبه أحدهما الآخر في الطعم. وقال قتادة: مشتبهًا ورقها مختلفًا ثمرها؛ لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان.
وقيل: هما منصوبان على الاختصاص، وإنما خصهما بالذكر لقرب منابتهما من العرب؛ أي (٢): وأخص من نبات كل شيء: الزيتون والرمان حال كون الرمان مشتبهًا في بعض الصفات وغير مشتبه في بعض آخر، فإنها أنواع تشتبه في شكل الورق والثمر، وتختلف في لون الثمر وطعمه، فمنها الحلو، والحامض، والمرُّ، وكل ذلك دال على قدرة الصانع وحكمة المبدع جلَّ شأنه.
واعلم (٣): أن الله ذكر في هذه الآية أربعة أنواع من الشجر بعد ذكر الزرع، وإنما قدم الزرع على سائر الأشجار؛ لأن الزرع غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفواكه؛ وإنما قدم النخلة على غيرها؛ لأن ثمرتها تجري مجرى الغذاء، وفيها من المنافع والخواص ما ليس في غيرها من الأشجار، وإنما ذكر العنب عقب النخلة؛ لأنها من أشرف أنواع الفواكه، ثم ذكر عقبه الزيتون لما فيه من البركة والمنافع الكثيرة في الأكل وسائر وجوه الاستعمال، ثم ذكر عقبه الرمان لما فيه من المنافع أيضًا؛ لأنه فاكهة ودواء. وقرأ الجمهور: ﴿مُشْتَبِهًا﴾، وقرىء شاذًا: ﴿مُشْتَبِهًا﴾، وهما بمعنى واحد،
стр. 3752
كاختصم وتخاصم، واشترك وتشارك، واستوى وتساوى، ونحوها مما اشترك فيه باب الافتعال والتفاعل.
﴿انْظُرُوا﴾ أيها المخاطبون نظر اعتبار واستبصار ﴿إِلَى ثَمَرِهِ﴾؛ أي: إلى ثمر كل واحد مما ذكر ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾؛ أي: إذا أخرج ثمره أول ظهوره، وكيف يخرج ضئيلًا لا يكاد ينتفع به ﴿وَ﴾ انظروا إلى ﴿يَنْعِهِ﴾؛ أي: وإلى نضجه وإدراكه، وكيف أنه يصير ضخمًا ذا نفع عظيم ولذة كاملة، ثم وازنوا بين صفاته في كل من الحالين يستبين لكم لطف الله وتدبيره وحكمته في تقديره، وغير ذلك مما يدل على وجوب توحيده؛ أي: انظروا أيها المخاطبون إلى حال هذه الثمار من ابتداء خروجها وظهورها إلى انتهاء كبرها ونضجها، كيف تتنقل من حال إلى حال في اللون والرائحة، والصغر والكبر، وتأملوا ابتداء الثمر حيث يكون بعضه مرًّا وبعضه مالحًا لا ينتفع بشيء منه، ثم إذا انتهى ونضج فإنه يعود حلوًا طيبًا نافعًا مستساغ المذاق، فسبحان القادر الخلاق.
والحاصل: انظروا نظر استدلال واعتبار كيف أخرج الله تعالى هذه الثمرة الرطبة اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة اليابسة، فإنه مما يدل على قدرته الباهرة وحكمته الظاهرة.
وقرأ ابن وثاب ومجاهد وحمزة والكسائي (١): ﴿إلى ثُمره﴾ بضم الثاء والميم، جمع ثمرة كخشبة وخشب، وأكمة وأكم. وقرأت فرقة بضم الثاء وإسكان الميم طلبًا للخفة، كما تقول في الكتب: كتب. وقرأ باقي السبعة بفتح الثاء والميم، وهو اسم جنس، كشجرة وشجر. والثمر جنى الشجر وما يطلع منه. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَيَنْعِهِ﴾ بفتح الياء وسكون النون. وقرأ قتادة والضحاك وابن محيصن بضم الياء وسكون النون. وقرأ ابن أبي عبلة واليماني ﴿ويانعه﴾ اسم فاعل من ينع، ونسبها الزمخشري إلى ابن محيصن.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ﴾؛ أي: إن في خلق هذه الثمار والزروع مع اختلاف الأجناس
стр. 3753
والأشكال والألوان ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لدلائل باهرة على قدرة الله تعالى ووحدانيته ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون بوجود الله تعالى ووحدانيته، وإن الذي أخرج هذا النبات وهذه الثمار قادر على أن يحيى الموتى ويبعثهم، وناسب ختم هذه الآية بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ كون ما تقدم دالًّا على وحدانيته وإيجاده المصنوعات المختلفة، فلا بدَّ لها من مدبر مع أنها نابتة من أرض واحدة، وتسقى بماء واحد ذكره في "الجمل".
والمعنى (١): إن في ذلكم الذي أمرتم بالنظر إليه لدلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم ووحدانيته لمن هو مؤمن بالفعل، ولمن هو مستعد للإيمان. أما غيرهم .. فإن نظرهم لا يتجاوز الظواهر، ولا يعدوها إلى ما تدل عليه من وجود الخالق ووحدانيته التي إليها ينتهي النظام، فهم لا يغوصون ليصلوا إلى أسرار عالم النبات، ولا يبحثون عن كون انتقاله من حال إلى حال على ذلك النمط البديع دالًّا على كمال الحكمة، وعلى أن وحدة النظام في الأشياء المختلفة لا يمكن أن تصدر من إرادات متعددة.
١٠٠ - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ هذا الكلام يتضمن ذكر نوع آخر من جهالاتهم وضلالتهم؛ أي: وجعل هؤلاء المشركون الجن شركاء لله ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن الله قد خلق الجن، أو قد خلق الشركاء المجعولين، كما خلق غيرهم من العالمين، فنسبة الجميع إليه واحدة، وامتياز بعض المخلوقين عن بعض في صفاته وخصائصه لا يخرجه عن كونه مخلوقًا، ولا يصل به إلى درجة أن يكون إلهًا وربًّا.
وفي المراد (٢) من الجن هنا أقوال، فقال قتادة: إنهم الملائكة، فقد عبدوهم، وقال الحسن: إنهم الشياطين، فقد أطاعوهم في أمور الشرك والمعاصي. وقيل: إبليس، فقد عبده أقوام وسموه ربًّا، ومنهم من سماه إله الشر والظلمة، وخص الباري سبحانه بألوهية الخير والنور.
стр. 3754
وروي عن ابن عباس أنه قال: إنها نزلت في الزنادقة الذين يقولون: إن الله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والحيوان، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور، رجح الرازي هذا الرأي قال: إن المراد من الزنادقة: المجوس الذين قالوا: إن كل خير في العالم، فهو من يزدان - النور - وكل شر فهو من أهرمن؛ أي: إبليس. وقرأ (١) الجمهور: بنصب ﴿الْجِنَّ﴾، وأعربه الزمخشري وابن عطية مفعولاً أول لـ ﴿جَعَلُوا﴾، وجعلوا بمعنى: صيروا، و ﴿شُرَكَاءَ﴾: مفعول ثانٍ، و ﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿شُرَكَاءَ﴾.
وقرأ أبو حيوة ويزيد بن قطيب: ﴿الْجِنَّ﴾ بالرفع على تقدير: هم الجن، جواباً لمن قال: من الذي جعلوه شركاء؟ فقيل لهم: هم الجن، ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه، والانتقاص جعلوه شريكًا لله. وقرأ شعيب بن أبي حمزة: ﴿الْجِنَّ﴾ بخفض النون، ورويت هذه عن أبي حيوة وابن قطيب أيضًا، وحمل على الإضافة التي للتبيين، ولا يتضح معنى هذه القراءة إذ التقدير: وجعلوا شركاء الجن لله، وهذا معنى لا يظهر. وقرأ (٢) يحيى بن يعمر ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ بإسكان اللام، وكذا في مصحف عبد الله، والظاهر أنه عطف على الجن؛ أي: وجعلوا الذي ينحتونه أصنافًا شركاء لله، كما قال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ فالخلق هنا واقع على المعمول المصنوع بمعنى: المخلوق، قاله ابن عطية. وقال الزمخشري: وقرىء: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؛ أي: اختلاقهم الإفك يعني: وجعلوا لله خلقهم؛ حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم: والله أمرنا بها. انتهى. والخلق هنا: مصدر بمعنى: الاختلاق. ﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾؛ أي: خرق هؤلاء المشركون واختلقوا وكذبوا، وجعلوا لله ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: حالة كونهم ملتبسين بغير علم؛ أي: بجهل وضلالة؛ أي: واختلقوا له تعالى بحمقهم وجهلهم بنين وبنات بغير علم؛ أي: من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب، ولكن رميًا بقول عن جهالة وغباوة من غير فكر وروية، ومن غير معرفة لمكانه من الشناعة والازدراء
стр. 3755
بمقام الألوهية؛ حيث قال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فلو عرفوا أن الإله يجب أن يكون واجب الوجود لذاته .. لامتنعوا أن يثبتوا له تعالى البنين والبنات؛ فإن الولد قال على كونه منفصلًا من جزء من أجزاء الوالد، وذلك إنما يكون في مركب يمكن انفصال بعض أجزائه، وذلك في حق الفرد الواجب الوجود لذاته محال، فمن عرف حقيقة الإله استحال أن يقول: له تعالى ولد. وقرأ (١) نافع: ﴿وخرقوا﴾ بتشديد الراء وبالقاف، وباقي السبعة بتخفيفها، وقرأ ابن عمر وابن عباس ﴿وحرفوا﴾ بالحاء المهملة والفاء، وشدد ابن عمر الراء وخففها ابن عباس بمعنى؛ وزوروا له أولادًا؛ لأن المزور محرف مغير للحق إلى الباطل.
﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزيهًا له تعالى عن كل ما لا يليق به من سمات الحدوث، ونزه الله تعالى ذاته بنفسه عن كل ما لا يليق به ﴿وَتَعَالَى﴾؛ أي: تقدس وترفع ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ أي: عن الباطل الذي يصفونه به، وعما يقوله المشركون في حقه من أن له شريكًا وولدًا. فالتسبيح (٢) يرجع إلى ذات المسبح، والتعالي يرجع إلى صفته الذاتية التي حصلت له تعالى، سواء سبحه تعالى مسبح أم لا، فكأنه قال هنا: نزهت ذاتي عن كل ما لا يليق بي، وترفعت صفاتي عن ما لا يليق بها، وهو
١٠١ - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: خالق السموات والأرض وموجدهما ومبدعهما على غير مثال سبق، فهو الخالق المبدع. وقرأ المنصور ﴿بَدِيعُ﴾ بالجر، ردًّا على قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ﴾، أو على ﴿سُبْحَانَهُ﴾. وقرأ صالح الشامي ﴿بَدِيعُ﴾ بالنصب على المدح، ذكره أبو حيان. والاستفهام في قوله ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ للإنكار والاستبعاد، وجملة قوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ حالية؛ أي: كيف يكون له ولد، والحال أنه لم يكن له زوج ينشأ الولد من ازدواجه بها، والولد لا يوجد إلا كذلك؛ لأنه إذا لم تكن صاحبه .. استحال وجود الولد، ولكن جميع الكائنات السماوية والأرضية صدرت عنه تعالى صدور إبداع وإيجاد من العدم لأصولها، وصدور تسبب
стр. 3756
كالتوالد ونحوه بحسب سننه في الخلق. وقرأ النخعي: ﴿ولم يكن﴾ بالياء، ووجه على أن فيه ضميرًا يعود على الله، أو على أن فيه ضمير الشأن، وجملة: ﴿لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ على هذين الوجهين في موضع نصب خبر يكن، أو على ارتفاع ﴿صاحبة﴾ بـ ﴿يكن﴾، وذُكِّر للفصل بين الفعل والفاعل كقوله:
وَلَدَ الأُخَيِطلَ أُمُّ سُوْءْ
وحضر للقاضي امرأة ذكره أبو حيان في "البحر".
وجملة قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مقررة لإنكار نفي الولد، ودليل بعد دليل على ذلك؛ أي: وهو خلق كل شيء من الكائنات خلقًا وأوجده إيجادًا، ولم يلده ولادة كما زعمتم، فما افتريتم واخترعتم من الولد، فإنما هو مخلوق له لا مولود منه. يعني (١): إن الصاحبة والولد في جملة من خلق؛ لأنه خالق كل شيء، وليس كمثله شيء، فكيف يكون الولد لمن لا مثل له؟ وإذا نسب الولد والصاحبة إليه .. فقد جعل له مثل، والله تعالى منزه عن المثلية، وهذه الآية حجة قاطعة على فساد قول النصارى.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من المعلومات ﴿عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه من مخلوقاته شيء؛ أي: إن علمه بكل شيء ذاتي له، ولا يعلم كل شيء إلا الخالق لكل شيء، ولو كان له ولد .. لكان هو أعلم به، ولهدى العقول إليه بآيات الوحي ودلائله، لكنه كذب الذين افتروا عليه ذلك كذبًا بلا علم مؤيد بوحي ولا دليل عقلي.
والخلاصة (٢): أنه تعالى نفى عن نفسه الولد بوجوه:
١ - أن من مبدعاته السموات والأرضين، وهي مبرأة من الولادة لاستمرارها وطول مدتها.
٢ - أن العادة قد جرت بأن الولد يتوالد من ذكر وأنثى متجانسين، والله تعالى منزه عن المجانسة لشيء.
стр. 3757
٣ - أن الولد كفء للوالد، والله لا كفء له؛ لأن كل ما عداه فهو مخلوق له لا يكافئه، ولأن علمه ذاتي ولا كذلك غيره.
والإشارة في قوله:
١٠٢ - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ إلى الموصوف بما تقدم من خلق السموات والأرض وإبداعهما، ومن أنه بكل شيء عليم، ومن أنه خلق كل شيء، فإذا (١) كانت هذه الصفات ملاحظة في اسم الإشارة .. حصل التكرار في قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إذ يصير المعنى: الذي خلق كل شيء، خالق كل شيء ويجاب بأن قوله فيما سبق، وخلق كل شيء؛ أي: في الماضي، كما تنبىء عنه صيغة الماضي، وبأن قوله هنا: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: مما سيكون، فلا تكرار، وهكذا أجاب أبو السعود، فاسم الإشارة: مبتدأ، واسم الجلالة: خبر أول، وربكم: خبر ثانٍ، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر ثالث، و ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خبر رابع، والخطاب في قوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ موجه إلى المشركين الذين أقيمت عليهم الحجة؛ أي: ذلكم الموصوف بالصفات السابقة أيها المشركون من أنه خلق السموات والأرض وأبدعهما على غير مثال سبق، وأنه بكل شيء عليم هو المعبود بحق في الوجود، ربكم ومالككم، المستحق منكم العبادة، لا من تدعون من دونه من الأصنام؛ لأنها جمادات لا تخلق ولا تضر ولا تنفع ولا تعلم، والله تعالى هو الخالق الضار النافع، لا معبود بحق في الوجود إلا هو ، خالق كل شيء ما كان وما يكون، وما عداه مخلوق له يجب أن يعبد خالقه، فكيف يعبد من هو مثله ويتخذه إلهًا. والفاء (٢) في قوله: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ لمجرد السببية من غير عطف، إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر، وعكسه؛ أي: هو حكم ترتب على تلك الأوصاف، وهي علل مناسبة، فحيث وجدت وجد، وحيث فقدت فقد، وبما تقرر علم أنَّ فائدة ذكر خالق كل شيء في الآية بعد قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ جعله توطئة لقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾، وأما قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فإنما ذكر استدلالًا على نفي الولد اهـ "كرخي".
стр. 3758
أي: فبسبب كونه موصوفًا بالأوصاف السابقة ومستجمعا لها، وحدوه بالعبادة، ولا تشركوا به شيئًا من مخلوقاته، يعني: من كانت هذه صفاته .. فهو الحقيق بالعبادة فاعبدوه، ولا تعبدوا غيره ممن ليس له من هذه الصفات العظيمة شيء ﴿وَهُوَ﴾ مع تلك الصفات الجليلة الشأن ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من المخلوقات ﴿وَكِيلٌ﴾؛ أي: رقيب على أعمالهم حافظ لها، فيجازيهم عليها، فيجب على كل مكلف أن يعلم أنه لا حافظ إلا الله، ولا مصلح للمهمات إلا الله، فحينئذ ينقطع طمعه عن كل ما سواه، ولا يرجع في مهم من المهمات إلا إليه تعالى، ويقال: أي: كفيل بأرزاق خلقه. وقيل: معناه موكول إليه جميع الأمور، متول عليها، يدبر ملكه بعلمه وحكمته، فيرزق عباده ويكلؤهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية.
والخلاصة (١): أنه لا حافظ إلا الله، ولا قاضي للحاجات إلا هو، فعلينا أن نقطع أطماعنا عن كل ما سواه، ولا نلجأ في المهمات إلا إليه .
١٠٣ - ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ ولا تراه ﴿الْأَبْصَارُ﴾ جمع بصر، وهو حاسة النظر، أي القوة الباصرة، وقد يقال: للعين من حيث إنها محلها، أي محلُّ الحاسة، أي لا تراه أبصار الخلائق في الدنيا، وبهذا يعلم أنه لا تنافي بين هذه الآية وبين الأحاديث الصحيحة الدالة على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة. فقد روي أنه ﷺ قال: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب" فالمؤمنون يرونه في الآخرة لهذه الأحاديث، ولقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾. وأما الكافرون .. فهم يومئذ محجوبون عن ربهم، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.
وقيل: معناه لا تراه الأبصار رؤية إحاطة تعرف بها كنهه وحقيقته ، وعلى هذا القول يكون نفي الإدراك على عمومه، فلا يحيط به بصر أحد لا في
стр. 3759
الدنيا ولا في الآخرة، لعدم انحصاره في بصرهم: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
فصل في البحث عن رؤية الله
وفي "الخازن" قال (١): جمهور المفسرين معنى الإدراك: الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته، والأبصار ترى الباري ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به. وقال سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لا تحيط به الأبصار. وقال ابن عباس: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به، وقد تمسك بظاهر هذه الآية قوم من أهل البدع، وهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة، وقالوا: إن الله ﵎ لا يراه أحد من خلقه، وإن رؤيته مستحيلة عقلًا؛ لأن الله أخبر أن الأبصار لا تدركه، إدراك البصر عبارة عن الرؤية، إذ لا فرق بين قولك أدركته ببصري، ورأيته ببصري، فثبت بذلك أن قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ بمعنى: لا تراه الأبصار، وهذا يفيد العموم. ومذهب أهل السنة: أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات القيامة، وفي الجنة، وإن رؤيته غير مستحيلة عقلًا. واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتاب والسنة والإجماع من الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله ﵎ للمؤمنين في الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ إلى ربها ناظرة﴾ ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه في الآخرة إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ أي: يرى الأبصار ويحيط بها، ويبلغ كنهها, لا تخفى عليه منها خافية، وخص (٢) الأبصار بالذكر ليجانس ما قبله، وإلا فهو يدرك الأبصار وغيرها من الأشياء.
وقال الزجاج: في هذا دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار؛ أي: لا يعرفون كيفية حقيقة البصر، وما السبب الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون
стр. 3760
أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه. انتهى. فاعلم أن خلقًا من خلقه لا يدرك المخلوقون كنهه، ولا يحيطون بعلمه، فكيف به تعالى والأبصار لا تحيط به، وهو اللطيف الخبير.
﴿وَهُوَ﴾ ﴿اللَّطِيفُ﴾؛ أي: الخفي عن إدراك الأبصار له من اللطف بمعنى خفاء الإدراك، فيكون راجعًا لقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ أي: فيلطف عن أن تدركه الأبصار بحيث تخسأ الأبصار دون إدراك حقيقته. ﴿الْخَبِيرُ﴾؛ أي: العالم بدقائق الأشياء ولطائفها، فلا يعزب عن إدراكه شيء، فيكون راجعًا لقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.
والخلاصة: أنه يلطف عن أن تدركه الأبصار، ولكنه خبير بكل لطيف، وهو يدرك الأبصار، ولا تدركه الأبصار.
١٠٤ - ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هذا الكلام وارد على لسان رسول الله ﷺ لقوله آخره: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾؛ أي: قد جاءكم وأتاكم أيها الناس في هذه الآيات البينات بصائر كائنات من ربكم وخالقكم؛ أي: قد جاءتكم الحجج الكونية والبراهين العقلية في هذا القرآن، تثبت لكم عقائد الحق اليقينية التي عليها مدار سعادتكم في دنياكم وآخرتكم، تفضل بها عليكم ربكم الذي خلقكم وسواكم، وربى أجسادكم، وأكمل مشاعركم، وقواكم، كما ربى أرواحكم وهذب نفوسكم، ومحص بها عقولكم حتى تصل إلى منتهى ما تسموا إليه النفوس البشرية من الكمال. والمراد بالبصائر هنا: الآيات الواردة في هذه السورة، أو القرآن بجملته، فلما كانت هذه الآيات والحجج والبراهين أسبابًا لحصول البصائر .. سميت بصائر. ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾؛ أي: فمن عرف تلك الآيات وأبصر بها الحق وآمن وعمل صالحًا، ثم اهتدى ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أي: فلنفسه أبصر واهتدى، وقدم الخير، وبلغ السعادة؛ أي: فمنفعة إبصاره لنفسه؛ لأنه ينجو بهذا الإبصار من عذاب النار. ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ عن تلك البصائر وكفر بها، وضل عن الحق وأعرض عن سبيله، وأصر على ضلاله تقليدًا لآبائه وأجداده ﴿فَعَلَيْهَا﴾؛ أي: فعلى نفسه عمي وجنى وأضر بها؛ أي: فمضرة ضلاله وكفره على نفسه، وكان وبال ذلك
стр. 3761
العمى عليه؛ لأن الله تعالى غنى عن خلقه. ونحو الآية قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾.
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾؛ أي: وما أنا عليكم برقيب أحصي عليكم أعمالكم وأفعالكم، وإنما أنا رسول أبلغكم من أرسلت به إليكم، والله هو الحفيظ عليكم، ولا يخفى عليه شيء ما أعمالكم، فهو يعلم ما تسرون وما تعلنون، ويجزيكم عليه بما تستحقون، فعليه وحده الحساب، وما علي إلا البلاغ. وقيل: معناه: لا أقدر أن أدفع عنكم ما يريده الله بكم. وقيل: معناه: لست آخذكم بالإيمان أخذ الحفيظ الوكيل، وهذا كان قبل الأمر بقتال المشركين، فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة بآية السيف، وعلى القولين الأولين ليست منسوخة، والله أعلم بمراده.
١٠٥ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومثل تصريفنا الآيات في غير هذه السورة ﴿نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ في هذه السورة؛ أي: ونبين دلائل قدرتنا ووحدانيتنا من الآيات التكوينية والبراهين العقلية في هذه السورة تبيينًا مثل تبييننا إياها في غير هذه السورة. وقوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ معطوف على محذوف تقديره: وكذلك نصرف الآيات ونبينها ليهتدي بها المستعدون للإيمان على اختلاف العقول والأفهام، وليقول الجاحدون المعاندون من المشركين في عاقبة أمرهم قد درست هذا القرآن من قبل، وتعلمت من أهل الكتاب، وليس هذا بوحي منزل كما زعمت، وقد قالوا هذا إفكًا وزورًا، فزعموا أنه تعلَّم من غلام رومي كان يصنع السيوف بمكة، وكان يختلف إليه كثيرًا، وذلك ما عناه بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾. وقال ابن الأنباري: معنى الآية: وكذلك نصرف الآيات لنلزمهم الحجة، وليقولوا درست، وإنما صرف الآيات ليسعد قوم بفهمها والعمل بها، ويشقى قوم آخرون بالإعراض عنها، فمن عمل بها .. سعد، ومن قال: درست .. شقي، ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير". واللام في قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ لام العاقبة، وضابطها هي التي تدخل على شيء ليس مقصودًا من أصل الفعل، ولا حاملًا عليه، وفي قوله:
стр. 3762
﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لام كي، وهي لام العلة، وضابطها: هي التي كان ما بعدها علة لما قبلها، والضمير فيه للآيات بتأويلها بالقرآن؛ أي: وكذلك نصرف الآيات ليهتدوا بها, وليقولوا درست، ولنبين تلك الآيات التي هي القرآن لقوم لديهم الاستعداد للعلم بما تدل عليه الآيات من الحقائق، وما يترتب على الاهتداء بها من السعادة دون أن يكون لديهم معارض من تقليد أو عناد.
والحاصل: أن لتصريف الآيات ثلاث فوائد:
١ - أن يهتدي بها المستعدون للإيمان.
٢ - وأن يقول الجاحدون: درست.
٣ - وأن نبينها لقوم يعلمون.
والحاصل: أنه علل تبيين الآيات بعلل ثلاث: أولاها محذوفة، واللام في الأولى والأخيرة لام العلة حقيقة بخلافها في الثانية، فهي لام العاقبة كما مرَّ آنفًا.
والخلاصة: أن الذين يقولون للرسول إنك درست هم الجاهلون الذين لم يفهموا تلك الآيات التي صرفها الله تعالى على ضروب مختلفة، ولم يفقهوا سرها وما يجب من إيثارها على منافع الدنيا، وأما الذين يعلمون مدلولاتها وحسن عاقبة الاهتداء بها .. فهم الذين يتبين لهم بتأملها حقيقة القرآن، وما اشتمل عليه من حسن التصرف المؤيد بالحجة والبرهان.
فصل
وفي ﴿دَرَسْتَ﴾ قراءات (١)، قرأ أبو عمرو وابن كثير: ﴿دَارَسْتَ﴾ بألف بين الدال والراء وسكون السين وفتح التاء، كفاعلت، وهي قراءة علي وابن عباس وسعيد ابن جبير ومجاهد وعكرمة وأهل مكة، والمعنى عليها: دارست يا محمد أهل الكتاب ودارسوك؛ أي: ذاكرتهم وذاكروك. وقرأ ابن عامر ويعقوب وجماعة من غير السبعة: ﴿دَرَسْتَ﴾ بفتح السين وإسكان التاء من غير ألف، كخرجت
стр. 3763
مسندًا إلى ضمير الغائبة، وهي قراءة الحسن، والمعنى عليها: قدمت هذه الآيات وعفت وانقطعت وتكررت على أسماعهم حتى بليت وقدمت في نفوسهم. وقرأ باقي السبعة، وهم عاصم وحمزة والكسائي: ﴿دَرَسْتَ﴾ كضربت، والمعنى عليها: درست يا محمد في الكتب القديمة، وتعلمت من أبي فكيهة وجبر ويسار، وسنبين هذا إن شاء الله تعالى عند قوله: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ في سورة النحل، وجميع من ذكرنا فتح الدال في قراءته. وقد روي عن نافع أنه قال: ﴿دُرِست﴾ بضم الدال وكسر الراء وتخفيف التاء، وهي قراءة ابن يسر، ومعناها قرئت. وقرأ أبي بن كعب: ﴿دَرُسَتْ﴾ بفتح الدال والسين وضم الراء وتسكين التاء.
قال الزجاج: وهي بمعنى: درست بفتحات؛ أي: انمحت ومضت، إلا أن المضمومة الراء أشد مبالغة. وقرأ معاذ القارئ وأبو العالية ومورق: ﴿دُرِّسْت﴾ بضم الدال وكسر الراء وتشديدها ساكنة السين. وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن عباس وأبي والأعمش: ﴿دَرَس﴾ بفتح الراء والسين بلا ألف ولا تاء؛ أي: قرأ محمد. وروى عصمة عن الأعمش: ﴿دارس﴾ بألف. وروي عن الحسن: ﴿درسن﴾ مبنيًّا إلى المفعول، مسندًا إلى النون؛ أي: درست الآيات، وكذا هي في مصاحف عبد الله. وقرأت فرقة: ﴿درسن﴾ بتشديد الراء مبالغة في درسن. وقرىء: ﴿دارسات﴾؛ أي: هي قديمات، أو ذات درس كعيشة راضية. وقرىء: ﴿درست﴾ بالتشديد والخطاب؛ أي: درست الكتب القديمة. وقرىء: ﴿درست﴾ مشددًا مبنيًّا للمفعول المخاطب. وقرىء: ﴿دورست﴾ بالتخفيف والواو مبنيًّا للمفعول، والواو مبدلة من الألف في دارست. وقرأت فرقة: ﴿دارست﴾؛ أي: دارستك الجماعة الذين تتعلم منهم، وجاز الإضمار لأن الشهرة بالدراسة كانت لليهود عندهم، ويجوز أن يكون الفعل للآيات وهو لأهلها؛ أي: دارس أهل الآيات، فهذه خمس عشرة قراءة في هذه الكلمة. وقرأت طائفة منهم المبرد: ﴿وليقولوا﴾ بسكون اللام على جهة الأمر المتضمن للتوبيخ والتهديد؛ أي: وليقولوا ما شاءوا، فإن الحق بين. وقرأ الجمهور بكسرها، وقالوا: هذه اللام هي التي تضمر أن بعدها، والفعل منصوب بأن المضمرة، وهي لام كي.
стр. 3764
تتمة: في معنى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ أي (١): وليقول بعضهم: ذاكرت يا محمد أهل الأخبار الماضية، فيزداد كفرًا على كفر. وذلك لأن النبي ﷺ كان يظهر آيات القرآن نجمًا نجمًا، والكفار كانوا يقولون: إن محمدًا يضم هذه الآيات بعضها إلى بعض يتفكر فيها، ويصلحها آية فآية، ثم يظهرها, ولو كان هذا بوحي نازل إليه من السماء .. فلم لم يأت بهذا القرآن دفعة واحدة، كما أن موسى ﵇ أتى بالتوراة دفعة واحدة؛ أي: فإن تكرير هذه الآيات حالًا بعد حال هي التي أوقعت الشك للقوم في أن محمدًا ﷺ إنما يأتي بهذا القرآن على سبيل المدارسة مع التفكر والمذاكرة مع أقوام آخرين.
وبعد أن بين سبحانه لرسوله أن الناس في شأن القرآن فريقان: فريق فسدت فطرتهم، ولم يبقَ لديهم استعداد لهديه، ولا للعلم بما فيه من تصريف الآيات، ومن ثم كان نصيبهم منه الجحود والإنكار، وفريق آخر اهتدى به، وعمل بما فيه .. أمره أن يتبع ما أوحي إليه من ربه بالبيان له، والعمل به، فقال:
١٠٦ - ﴿اتَّبِعْ﴾ يا محمد ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: ما أنزل إليك من ربك؛ أي: ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك، وهو القرآن، فاعمل به وبلغه إلى عبادي، ولا تلتفت إلى قول من يقول: دارست أو درست، ولا تتبع أهوائهم. وفي قوله: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ تعزية لقلب النبي ﷺ ، وإزالة الحزن الذي حصل له بسبب قولهم: درست. ونبه (٢) بقوله سبحانه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ على أنه واحد فرد صمد لا شريك له، وإذا كان كذلك .. فإنه تجب طاعته ولا يجوز تركها بسبب جهل الجاهلين، وزيغ الزائعين. وهذه الجملة معترضة لا محل لها من الإعراب، أكد بها إيجاب اتباع الوحي، أو حال مؤكدة من ﴿رَبِّكَ﴾. ﴿وَأَعْرِضْ﴾ يا محمد ﴿عَنِ﴾ استهزاء ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ وشركهم الذين يستهزئون بك، ولا تبال بهم واتركهم ولا تقاتلهم في الحال حتى يأتيك الأمر بقتالهم، فيكون الأمر بالإعراض منسوخًا بآية السيف على هذا المعنى، أو
стр. 3765
المعنى: اتركهم في الحال لا على الدوام، فيكون غير منسوخ.
وحاصل معنى الآية: أي (١) اتبع ما أوحي إليك لتزكي نفسك، وتكون إمامًا لأبناء جنسك، فإن الاقتداء لا يتم إلا بمن يعمل بما يعلمه ويأتمر بما يُؤمر به، ثم قرن ذلك باعتقاد توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فالخالق المربي للأشباح بما أنزل من الرزق، وللأرواح بما أنزل من الوحي، هو المعبود الواحد الذي لا شريك له، المجازي على الأعمال التي لا تقبل شفاعة ولا فداء. ثم أمره بعدئذ بالإعراض عن المشركين بأن لا يبالي بإصرارهم على الشرك ولا مثل قولهم: درست؛ لأن الحق يعلو متى ظهر بالقول والعمل مع الإخلاص، ولا يضره الباطل بتزيينه بزخارف الأقوال، ولا بالانكباب على خرافات الأعمال، ثم هون عليه أمر الإعراض عنهم فقال:
١٠٧ - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ توحيدهم وعدم إشراكهم لـ ﴿مَا أَشْرَكُوا﴾ بأن يخلق البشر كلهم مؤمنين طائعين بالفطرة كالملائكة، لكنه خلقهم مستعدين للإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والطاعة والفسق، مضت سنته بأن يكونوا مختارين في أعمالهم وفي كسبهم لعلومهم وأعمالهم، وجعل منها الخير والشر، وإن كانت غرائزهم وفطرهم كلها خيرًا.
والمعنى (٢): لا تلتفت يا محمد إلى سفاهات هؤلاء المشركين الذين قالوا لك: إنما جمعت هذا القرآن من مذاكرة الناس، ولا يثقلن عليك شركهم، فإنا لو أردنا إزالة الشرك عنهم .. لقدرنا, ولكنا تركناهم مع كفرهم، فلا ينبغي أن تشغل قلبك بكلماتهم.
﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ﴾ يا محمَّد ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على هؤلاء المشركين ﴿حَفِيظًا﴾؛ أي: رقيبًا، ولا حافظًا من جهتنا تحفظ عليهم أعمالهم لتحاسبهم عليها وتجازيهم بها ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: وما أنت بحافظ ولا قيم عليهم من جهتم تقوم
стр. 3766
بأرزاقهم وتتولى أمورهم وتتصرف فيها. والمعنى (١): أنك لم تبعث لتحفظ المشركين من العذاب، وإنما بعثت مبلغًا، فلا تهتم بشركهم، فإن ذلك بمشيئة الله .
والخلاصة (٢): أنه ليس لك ما ذكر من الوصفين كما يكون ذلك لبعض الملوك بالقهر أو التراضي، بل أنت بشير ونذير، والله هو الذي يتولى جزاءهم وحسابهم.
١٠٨ - ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: ولا تشتموا أيها المؤمنون الأصنام التي كان المشركون يعبدونها ويدعونها من دون الله تعالى لجلب نفع لهم، أو دفع ضر عنهم بوساطتها وشفاعتها لهم عند الله تعالى ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾؛ أي: فيتسبب عن ذلك سب المشركين لله تعالى ﴿عَدْوًا﴾؛ أي: ظلمًا ملتبسًا ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: بجهل بالله تعالى ليغيظوا المؤمنين، ولينتصروا لآلهتهم لشدة غيظهم لأجلها، فيخرجوا عن حال الاعتدال إلى ما ينافي العقل، كما يقع من بعض المسلمين إذا اشتد غضبه وانحرف، فإنه قد يلفظ بما يؤدي إلى الكفر نعوذ بالله من ذلك.
والمعنى: ولا تسبوا الأصنام التي كان المشركون يدعونها من دون الله، فيسبوا الله للظلم بغير علم بما يجب في حقه عليهم؛ لأنهم جهلة بالله تعالى؛ لأن بعضم كان يقول بالدهر ونفي الصانع. قال (٣) قتادة: كان المؤمنون يسبون أوثان الكفار، فيردون ذلك عليهم، فنهاهم الله عن ذلك لئلا يسبوا الله، فإنهم قوم جهلة لا علم لهم بالله انتهى. وإنما نهوا عن سب الأصنام وإن كان مباحًا لما ينشأ عن ذلك من المفاسد، وهو سب الله وسب رسوله، فظاهر الآية كان نهيًا عن سب الأصنام، وحقيقتها النهي عن سب الله تعالى؛ لأنه سبب لذلك، وفي ذلك دلالة على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة .. وجب تركها، فإن ما يؤدي إلى الشر شر.
стр. 3767
وقيل معنى الآية (١): ولا تسبوا أيها المؤمنون من يعبدون الأصنام من حيث عبادتهم لآلهتهم، كأن تقولوا: تبًّا لكم ولما تعبدون من الأصنام مثلًا، فيسبوا رسول الله ﷺ تجاوزًا عن الحق إلى الباطل بجهالة منهم بما يجب عليهم، فإن الصحابة متى شتموهم .. كانوا يشتمون رسول الله ﷺ ، فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى شتم الله تعالى؛ لأن الكفار كانوا مقرين بالله تعالى، وكانوا يقولون: إنما حسنت عبادة الأصنام لتصير شفعاء لهم عند الله تعالى.
تنبيه: وفي هذه الآية دليل (٢) على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد، كان الترك أولى به، بل كان واجبًا عليه، وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف، وإذا نهاهم عن منكر فعلوه، وفعلوا غيره من المنكرات عنادًا للحق، وبغضًا لأتباع المحقين، وجرأة على الله ، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة، وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه وهجيراه كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق .. وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة .. قابلوها بما لديهم من البدعة، فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين، المتهاونون بالشرائع، وهم شر من الزنادقة؛ لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع، ويتظاهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين، والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإِسلام وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم ويتم باطلهم وكفرهم نادرًا على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه.
وقرأ (٣) الحسن وأبو رجاء وقتادة ويعقوب وسلام وعبد الله بن يزيد:
стр. 3768
﴿عُدُوًّا﴾ بضم العين والدال وتشديد الواو، وهو مصدر لعدا؛ لأنه يقال: عدا يعدو وعَدْوًا وعدوانًا وعُدُوًا، وهي قراءة أهل مكة. وقرأ غيرهم بفتح العين وسكون الدال وتخفيف الواو. ومعنى القراءتين واحد؛ أي: ظلمًا وعدوانًا. وقرأ بعض المكيين - وعينه الزمخشري، فقال: عن ابن كثير -: بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو؛ أي: أعداء، وهو منصوب على الحال المؤكدة، وعدو يخبر به عن الجمع كما قال تعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ ومعنى بغير علم: على جهالة بما يجب لله تعالى أن يذكر به، وهو بيان لمعنى الاعتداء.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل تزيين عبادة الأصنام للمشركين ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم كافرهم ومؤمنهم ﴿عَمَلَهُمْ﴾ من كفر وإيمان وشر وخير ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وتزيينه هو ما يخلقه ويخترعه في النفوس من المحبة للخير أو الشر، والاتباع لطرقه، وتزيين الشيطان: هو ما يقذفه في النفوس من الوسوسة وخطرات السوء ﴿ثُمّ﴾ بعد موتهم ﴿إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ بالبعث للمجازاة ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾؛ أي: يخبرهم ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الطاعات والمعاصي التي لم ينتهوا عنها، ولا قبلوا من المرسلين ما أرسلهم الله به إليهم، وما تضمنته كتبه المنزلة عليهم.
والخلاصة (١): أن سننا في أخلاق البشر قد جرت بأن يستحسنوا ما يجرون عليه ويتعودونه، سواء كان مما عليه أباؤهم، أو مما استحدثوه بأنفسهم إذا صار ينسب إليهم، وسواء أكان ذلك عن تقليد وجهل، أم عن بينة وعلم.
ومن هذا يعلم أن التزيين أثر لأعمالهم الاختيارية بدون جبر ولا إكراه، لا أن الله خلق في قلوب بعض الأمم تزيينًا للكفر والشر، وفي قلوب بعضها تزيينًا للإيمان والخير من غير أن يكون لهم عمل اختياري نشأ عنه ذلك، وإلا كان الإيمان والكفر، والخير والشر من الغرائر الخلقية التي تعد الدعوة إليها من العبث الذي يتنزه الله تعالى عن إرسال الرسل، وإنزال الكتب لأجله، وكان عمل الرسل
стр. 3769
والحكماء والمؤدبين الذين يؤدبون الناس عملًا لا فائدة فيه.
والخلاصة: أن تزيين الأعمال للأمم سنة من سنن الله جل شأنه، سواء في ذلك أعمالها وعاداتها وأخلاقها الموروثة والمكتسبة. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: ثم إلى ربهم ومالك أمرهم رجوعهم ومصيرهم بعد الموت وحين البعث لا إلى غيره؛ إذ لا رب سواه، فينبئهم بما كانوا يعملون في الدنيا من خير أو شر، ويجزيهم عليه ما يستحقون، وهو تعالى بهم عليم.
١٠٩ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: وأقسم هؤلاء المشركون المعاندون بأوكد الإيمان وأشدها مبالغة، وكان إقسامهم بالله غاية في الحلف، وكانوا يقسمون بآبائهم وآلهتهم، فإذا كان الأمر عظيمًا ... أقسموا بالله تعالى، والمعنى: حلفوا غاية حلفهم وأوكده ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ من الآيات الكونية مما اقترحوه كقلب الصفا ذهبًا. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾؛ أي: بتلك الآية بأنها من عند الله تعالى، وأنك رسول من لدنه. وفي هذا إيماء إلى أنهم بلغوا غاية العتو والعناد؛ إذ هم لم يعدوا ما يشاهدونه من المعجزات من نوع الآيات، ومن ثم اقترحوا غيرها، وما كان غرضهم من ذلك إلا التحكم في طلب المعجزات وعدم الاعتداد بما شاهدوا من البينات.
وقرأ طلحة بن مصرف: ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ مبنيًّا للمفعول وبالنون الخفيفة.
﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ﴾ والمعجزات التي من جنسها ما اقترحتموه ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وحده، فهو القادر عليها والمتصرف فيها، يعطيها في يشاء ويمنعها في يشاء بحكمته وقضائه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فلا يمكنني أن أتصدى لإنزالها بالاستدعاء والطلب. روي أن قريشًا اقترحوا بعض آيات، فقال رسول الله ﷺ : "فإن فعلت بعض ما تقولون .. أتصدقونني"؟ فقالوا: نعم، وأقسموا لئن فعلت لنؤمنن، فسأل المسلمون رسول الله ﷺ أن ينزلها طمعًا في إيمانهم، فهم رسول الله ﷺ بالدعاء، فنزلت الآية: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾؛ أي: وما يعلمكم أيها المؤمنون الذين تمنوا مجيء الآية ليؤمنوا، والنبي ﷺ منهم بدليل همه بالدعاء ورغبته في ذلك. والاستفهام فيه إنكاري
стр. 3770
بمعنى النفي، وفي الكلام حذف أيضًا؛ أي: وأي شيء يدريكم ويعلمكم أيها المؤمنون أنها إذا جاءت لا يؤمنون، والمعنى: أنه ليس لكم شيء من أسباب الشعور بهذا الأمر الغيبي الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب، وهو أنهم لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية.
وقرأ قوم بسكون ضمة الراء في (١): ﴿يُشْعِرْكُمْ﴾، وقرىء باختلاسها. وأما الخطاب، فقال مجاهد وابن زيد: هو للكفار. وقال الفراء وغيره: المخاطب بها المؤمنون. وقرأ أبو عمرو وابن كثير والعليمي والأعشى عن أبي بكر وعاصم في رواية داود الإيادي: أنها بكسر الهمزة. وقرأ باقي السبعة بفتحها. وقرأ ابن عامر وحمزة: ﴿لا تؤمنون﴾ بتاء الخطاب. وقرأ باقي السبعة بياء الغيبة. فيتحصل من هذا المذكور أربع قراءات:
الأولى: كسر الهمزة والياء، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي بكر - بخلاف عنه في كسر الهمزة - وهذه قراءة واضحة، أخبر تعالى أنهم لا يؤمنون ألبتة على تقدير مجيء الآية، وتم الكلام عند قوله: ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾، ومتعلق ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ محذوف؛ أي: وما يشعركم ما يكون، فإن كان الخطاب للكفار .. كان التقدير: وما يشعركم ما يكون منكم، ثم أخبر على جهة الالتفات بما علمه من حالهم لو جاءتهم الآيات. وإن كان الخطاب للمؤمنين .. كان التقدير: وما يشعركم أيها المؤمنون ما يكون منهم، ثم أخبر المؤمنين بعلمه فيهم.
القراءة الثانية: كسر الهمزة والتاء، وهي رواية العليمي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم، والمناسب أن يكون الخطاب في هذه القراءة للكفار، كأنه قيل: وما يدريكم أيها الكفار ما يكون منكم، ثم أخبرهم على جهة الجزم أنهم لا يؤمنون على تقدير مجيئها، ويبعد جدًّا أن يكون الخطاب في: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ للمؤمنين، وفي: ﴿لا تؤمنون﴾ للكفار.
والقراءة الثالثة: فتح الهمزة والياء، وهي قراءة نافع والكسائي وحفص
стр. 3771
فالظاهر أنَّ الخطاب للمؤمنين، والمعنى: وما يدريكم، أيها المؤمنون أن الآية التي تقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بها، يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون، وأنتم لا تدرون ذلك، وكان المؤمنون يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية، ويتمنون مجيئها، فقال: وما يدريكم أنهم لا يؤمنون، على معنى: إنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون.
القراءة الرابعة: فتح الهمزة والتاء، وهي قراءة ابن عامر وحمزة، والظاهر أنه خطاب للكفار، ويتضح معنى هذه القراءة على زيادة ﴿لاَ﴾؛ أي: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت، كما أقسمتم عليه انتهى. من "البحر المحيط" بالتقاط واختصار.
١١٠ - وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ في هذه (١) الجملة وجهان:
أحدهما: أنها وما عطف عليها من قوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ عطف على ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ داخل في حكم ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾؛ أي: وما يشعركم أيها المؤمنون أنا نقلب أفئدتهم وقلوبهم ونحولها ونصرفها عن إدراك الحق، فلا يفهمونه ﴿و﴾ أنا نقلب ﴿أَبْصَارَهُمْ﴾ عن اجتلاء الحق ورؤيته، فلا يبصرونه، فلا يؤمنون بالآية التي اقترحوها إذا جاءت ﴿كمَا لَمْ يُؤمِنُوا بِهِ﴾ أي: كما لم يؤمنوا بما جاء به محمد ﷺ من الآيات ﴿أول مرة﴾؛ أي: قبل نزول مقترحهم من الآيات السابقة على اقتراحهم، كانشقاق القمر؛ أي: كما لم يؤمنوا بما قبل ذلك من الآيات التي جاء بها رسول الله ﷺ مثل انشقاق القمر وغير ذلك من الآيات الباهرات، وتكون حالهم حينئذ كحالهم الأولى في عدم إيمانهم بما جاءهم أول مرة من الآيات، وقيل: في الكلام حذف تقديره: فلا يؤمنون به ثاني مرة، كما لم يؤمنوا به أول مرة، وتقليب الأفئدة والأبصار الطبع والختم عليها. ﴿و﴾ ما يشعركم أنَّا ﴿نَذَرُهُمْ﴾ ونتركهم ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ وضلالهم حالة كونهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ ويترددون في الطغيان متحيرين، والعمه: التردد في الأمر من الحيرة فيه، والطغيان: تجاوز
стр. 3772
الحد؛ أي: إنا ندعهم يتجاوزون الحد في الكفر والعصيان، ويترددون متحيرين فيما سمعوا ورأوا من الآيات محدثين أنفسهم: أهذا هو الحق المبين، أم السحر الذي يخدع عيون الناظرين؟ وهل الأرجح اتباع الحق بعد ما تبين، أو المكابرة والجدل كبرًا وأنفة من الخضوع لمن يرونه دونهم؟ وإنما أسنده الخالق إلى نفسه لبيان سننه الحكيمة في ربط المسببات بأسبابها، فرسوخهم في الطغيان الذي هو غاية الكفر والعصيان، هو سبب تقليب القلوب والأبصار؛ أي: الختم عليها، فلا تفقه ولا تبصر.
والوجه الثاني من الوجهين: أن جملة قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها. قال الصاوي: قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ استئناف مسوق لبيان أن خالق الهدى والضلال هو الله لا غيره، فمن أراد له الهدى حوّل قلبه له، ومن أراد شقاوته حول قلبه لها انتهى. وفي الآية (١) دليل على أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأن القلوب والأبصار بيده وفي تصريفه، فيقيم ما شاء منها ويزيغ ما أراد منها، ومنه قوله ﷺ : "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". فمعنى قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ نزيغها عن الإيمان, ونقلب أبصارهم عن رؤية الحق ومعرفة الصواب، وإن جاءتهم الآية التي سألوها فلا يؤمنون بها، كما لم يؤمنوا بالله ورسوله وبما جاء من عند الله، فعلى هذا يكون الضمير في: ﴿بِهِ﴾ عائدًا على الإيمان بالقرآن، وبما جاء به رسول الله ﷺ قبل سؤالهم الآيات التي اقترحوها. قوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: ونترك هؤلاء المشركين الذين سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون في تمردهم على الله واعتدائهم عليه يترددون لا يهتدون إلى الحق.
وقرأ (٢) النخعي: ﴿ويقلب﴾ و ﴿يذرهم﴾ بالياء فيهما، والفاعل ضمير الله. وقرأ أيضًا فيما روي عنه مغير الصيغة: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ بالرفع فيهما على البناء للمفعول، ﴿ويذرهم﴾ بالياء وسكون الراء، وافقه على ﴿ويذرهم﴾
стр. 3773
الأعمش والهمداني. وقال الزمخشري: وقرأ الأعمش: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ على البناء للمفعول.
الإعراب
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَالنَّوَى﴾: معطوف على ﴿الْحَبِّ﴾. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾: فعل ومفعول. ﴿مِنَ الْمَيِّتِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿إن﴾ أو مستأنفة. ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾: معطوف على ﴿يُخْرِجُ﴾ إن قلنا: إن جملته خبر ثان لـ ﴿إن﴾، ومعطوف على ﴿فَالِقُ﴾ إن قلنا: إن جملة ﴿يُخْرِجُ﴾ مستأنفة، فهي معترضة حينئذ. ﴿مِنَ الْحَيِّ﴾ متعلق بـ ﴿مُخْرِجُ﴾. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أن ذلك الصانع هو المستحق بالعبادة والألوهية، وأردتم بيان ما يستحقه حالكم من التعجب .. فأقول لكم: ﴿أنى﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجبي في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿تُؤْفَكُونَ﴾. ﴿تُؤْفَكُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ويصح أن تكون الفاء استئنافية.
﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾.
﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: خبر رابع لـ ﴿أن﴾، ومضاف إليه. ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الرفع معطوفة على ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ على كونها خبر لـ ﴿أن﴾. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: معطوفان على ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿حُسْبَانًا﴾: معطوف على ﴿سَكَنًا﴾، ففيه العطف على معمولي عامل
стр. 3774
واحد. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿تَقْدِيرُ﴾: خبر. ﴿الْعَزِيزِ﴾: مضاف إليه ﴿الْعَلِيمِ﴾: صفة له، والجملة مستأنفة.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة الموصول. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾؛ لأن ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: خلق يتعدى لمفعول واحد. ﴿لِتَهْتَدُوا﴾: اللام: لام كي. ﴿تَهْتَدُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿بِهَا﴾: متعلق به. ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تهتدوا﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لاهتدائكم بها في ظلمات البر والبحر، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، فإن قيل: كيف يتعلق حرفا جر متحدان في اللفظ والمعنى بعامل واحد فالجواب: أن الثاني بدل من الأول بدل اشتمال بإعادة العامل. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنافة. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿فَصَّلْنَا﴾، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: جار ومجرور وصفة متعلق بـ ﴿أنشأ﴾. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾: الفاء: عاطفة تفصيلية. ﴿مستقر﴾: مبتدأ خبره محذوف تقديره: فمستقر كائن لكم على قراءة فتح القاف، وعلى قراءة كسرها: فمنكم مستقر، والجملة معطوفة على الجملة الإسمية، أعني: جملة قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ على كونها تفصيلًا لها. ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: مبتدأ خبره محذوف أيضًا تقديره: ومستودع لكم، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة.
стр. 3775
﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلق به. ﴿يَفْقَهُونَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿مَاءً﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾: الفاء: حرف عطف وترتيب. ﴿أَخْرَجْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَخْرَجْنَا﴾. ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾: الفاء: حرف عطف وترتيب. ﴿أخرجنا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أخرجنا﴾؛ لأن العاطف هنا مرتب. ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿أخرجنا﴾. ﴿خَضِرًا﴾ مفعول ﴿أخرجنا﴾. ﴿نُخْرِجُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مِنْهُ﴾: متعلق به. ﴿حَبًّا﴾ مفعول به لـ ﴿نُخْرِجُ﴾. ﴿مُتَرَاكِبًا﴾: صفة ﴿حَبًّا﴾، وجملة ﴿نُخْرِجُ﴾ في محل النصب صفة ﴿خَضِرًا﴾، ولكنها سببية.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾: جار ومجرور بدل من الجار والمجرور قبله بدل بعض من كل. ﴿قِنْوَانٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿دَانِيَةٌ﴾: صفة له، والجملة الإسمية معترضة لاعتراضها بين المعطوف الذي هو جنات، والمعطوف عليه الذي هو نبات كل شيء. ﴿وَجَنَّاتٍ﴾: معطوف على ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ منصوب بالكسرة. ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ معطوفان على ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جريًا على القاعدة المشهورة عندهم، من أنه إذا تكررت المعطوفات، وكان العطف بالواو .. يكون على الأول، ولو كثرت المعطوفات، وإن كان العطف بمرتب .. يكون الكل معطوفًا على ما قبله كما مر قريبًا في ﴿أخرجنا﴾، كما ذكرناه في "الباكورة الجنية على متن الأجرومية" نقلًا
стр. 3776
عن الحامدي. ﴿مُشْتَبِهًا﴾: حال من ﴿الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾؛ أي: حالة كونهما مشتبهًا ورقهما، وقيل: حال من ﴿الرُّمَّانَ﴾ فقط. ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾: معطوف على مشتبهًا؛ أي: حالة كونهما غير متشابه ثمرهما.
﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿انْظُرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة متسأنفة. ﴿إِلَى ثَمَرِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿انْظُرُوا﴾. ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط. ﴿أَثْمَرَ﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على كل ما ذكر من الأشجار، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿انْظُرُوا﴾، والتقدير: انظروا إلى ثمره وقت إثماره. ﴿وَيَنْعِهِ﴾: معطوف على ﴿ثَمَرِهِ﴾ مجرور بـ ﴿إِلَى﴾؛ أي: وانظروا إلى ينعه إذا أدرك .. تروا أمرًا عجيبًا دالًّا على باهر قدرته. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إن﴾. ﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: حرف ابتداء. ﴿آيَاتٍ﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر: ﴿لِقَوْمٍ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿آيات﴾، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صفة لـ ﴿لِقَوْمٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾.
﴿وَجَعَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿شُرَكَاءَ﴾. ﴿شُرَكَاءَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾. ﴿الْجِنَّ﴾: مفعول أول، والتقدير: وجعلوا الجن شركاء لله. ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب حال من الجلالة على تقدير: قد. ﴿وَخَرَقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَجَعَلُوا﴾. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خرقوا﴾. ﴿بَنِينَ﴾: مفعول به. ﴿وَبَنَاتٍ﴾: معطوف عليه. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿وَخَرَقُوا﴾؛ أي: حالة كونهم ملتبسين بجهالة وغير علم. ﴿سُبْحَانَهُ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا تقديره: سبح نفسه بذاته تسبيحًا، ونزهه تنزيهًا من كل ما لا يليق به، والجملة
стр. 3777
مستأنفة. ﴿وَتَعَالَى﴾: فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿سُبْحَانَهُ﴾. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تعالى﴾. ﴿يَصِفُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: عما يصفونه به.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾.
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: وهو تعالى بديع السموات. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام بمعنى: كيف، في محل النصب على التشبيه بالحال، أو بالظرف، والعامل فيه ﴿يَكُونُ﴾. ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع تام. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿وَلَدٌ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة، وفي المقام أوجه كثيرة من الإعراب، فلا نطيل الكلام بإيرادها. ﴿وَلَمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَكُنْ﴾: فعل مضارع تام مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق به ﴿صَاحِبَةٌ﴾: فاعل، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿لَهُ﴾. ﴿وَخَلَقَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿خَلَقَ﴾ فعل ماضٍ، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقَ﴾.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾: مبتدأ وخبر أول، والجملة مستأنفة. ﴿رَبُّكُمْ﴾: خبر ثانٍ ﴿لَا﴾: نافية. ﴿إِلَهَ﴾ في محل النصب اسم ﴿لَا﴾، وخبر ﴿لا﴾ محذوف تقديره: موجود، وجملة ﴿لَا﴾ في محل الرفع خبر ثالث. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُوَ﴾ في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لا﴾ المحذوف. ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: خبر رابع ومضاف إليه. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء:
стр. 3778
سببية كما في "الجمل". ﴿اعْبُدُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، وإن شئت قلت: الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم كونه خالق كل شيء، وأردتم بيان ما يلزمكم .. فأقول لكم: اعبدوه، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿هو﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿وَكِيلٌ﴾. ﴿وَكِيلٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ كما في "الجمل".
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾.
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ. ﴿يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ. ﴿اللَّطِيفُ﴾: خبر أول. ﴿الْخَبِيرُ﴾: خبر ثانٍ، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جاء﴾، أو صفة لـ ﴿بَصَائِرُ﴾. ﴿فَمَن﴾: الفاء: عاطفة تفصيلة. ﴿من﴾: اسم شرط، أو اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿أَبْصَرَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية. ﴿لنفسه﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فإبصاره كائن لنفسه، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ على كونها مفصلة لها ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط في
стр. 3779
محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب. ﴿عَمِيَ﴾: فعل ماضٍ في محل الجزم على كونها فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿فَعَلَيْهَا﴾: الفاء: رابطة الجواب. ﴿عَلَيْهَا﴾: جار ومجزور خبر مبتدأ محذوف تقديره: فعماه عليها، والجملة الإسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿وَمَا أَنَا﴾: ﴿ما﴾: حجازية. ﴿أنَا﴾: في محل الرفع اسمها ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿حَفِيظٍ﴾. ﴿بِحَفِيظٍ﴾: خبر ﴿ما﴾ الحجازية، وجملة ﴿ما﴾ الحجازية معطوفة على جملة ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كذلك﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف منصوب بـ ﴿نُصَرِّفُ﴾. ﴿نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، والتقدير: ونصرف الآيات في غير هذه السورة تصريفًا مثل تصريفنا في هذه السورة. ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ الواو: عاطفة. اللام: حرف جر وعاقبة. ﴿يقولوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة. ﴿دَرَسْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول، وجملة ﴿يقولوا﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولقولهم درست، الجار والمجرور معطوف على جار ومجرور محذوف تقديره: وكذلك نصرف الآيات لاهتداء المهتدين، ولقوله الجاحدين بها في عاقبة أمرهم: درست. ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿لنبينه﴾ اللام لام كي. ﴿نبينه﴾ فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلق به. وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾: صفة لـ ﴿قوم﴾، وجملة ﴿نبين﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل تقديره: ولتبييننا إياه لقوم يعلمون، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾.
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾.
﴿اتَّبِعْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة.
стр. 3780
﴿مَا﴾؛ موصولة أو موصوفة، في محل النصب مفعول به ﴿أُوحِيَ﴾: فعل ماض مغيَّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أوحي﴾ أيضًا، وجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَأَعْرِضْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ﴾. ﴿عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أعرض﴾.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: عدم إشراكهم، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾: نافية ﴿أَشْرَكُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لو﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ﴾: نافٍ وفعل وفاعل ومفعول أول. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿حَفِيظًا﴾. ﴿حَفِيظًا﴾: مفعول ثانٍ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿لو﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿وكيل﴾. ﴿بِوَكِيلٍ﴾: خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ ...﴾ إلخ مؤكدة لها؛ لأنها عينها.
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: يدعونهم: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من ضمير العائد المحذوف، أو من الموصول. ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾: الفاء: عاطفة سببية. ﴿يسبوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي. ﴿عَدْوًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، والتقدير: سبًّا عدوًا، أو على الحالية، أو على كونه مفعولًا لأجله. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جار ومجرور حال مؤكدة من فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: حالة كونهم متعادين ملتبسين بغير علم، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع
стр. 3781
صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك؛ لإصلاح المعنى تقديره: لا يكن سبكم آلهتهم، فسبهم الله عدوًا بغير علم.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف منصوب بـ ﴿زَيَّنَّا﴾. ﴿زَيَّنَّا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿زَيَّنَّا﴾. ﴿عَمَلَهُمْ﴾: مفعول ﴿زَيَّنَّا﴾ والتقدير: زينا لكل أمة من الأمم عملهم تزيينا مثل تزيينا لهؤلاء المشكرين شركهم، والجملة مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخٍ. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿زَيَّنَّا﴾. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾: ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر كان، وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كانوا يعملونه.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾.
﴿وَأَقْسَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: مفعول مطلق ومضاف إليه. ﴿لَئِنْ﴾: اللام: موطئة للقسم. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم مؤكدة للأولى. ﴿يُؤْمِنُنَّ﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿بِهَا﴾: جار ومجرور متعلق به، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم من جواب القسم تقديره: إن جاءتهم آية يؤمنون بها، وإنما جعلنا المذكور جواب القسم لسبقه على الشرط كما هو القاعدة المقررة عندهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة لا محل لها من
стр. 3782
الإعراب لاعتراضها بين القسم وجوابه، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة.
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿الْآيَاتُ﴾: مبتدأ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: استفهامية للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ. ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿ما﴾ الاستفهامية، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ﴾. ﴿أَنَّهَا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، الهاء: اسمها. ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْآيَات﴾، والجملة في محل الخفض بـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ هو من فعل شرطها وجوابها في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد المفعول الثاني لـ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾، والتقدير: وما يشعركم إيمانهم وعدم إيمانهم وقت مجيء تلك الآيات؛ أي: لا تدرون ذلك، هذا على قراءة الفتح لـ ﴿أن﴾، وأما على قراءة الكسر: فهي مستأنفة، وفي المقام أوجه من الإعراب لا نطيل الكلام بذكرها.
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾.
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿وَأَبْصَارَهُمْ﴾: معطوف على ﴿أَفْئِدَتَهُمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا يُؤمِنُون﴾ على كونها معمولة لـ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾؛ أي: وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم أو مستأنفة. ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا﴾: الكاف: حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿لَمْ﴾ حرف جزم. ﴿يُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق
стр. 3783
بـ ﴿يُؤْمِنُوا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم تقليبًا مثل عدم إيمانهم به أول مرة. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾. ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نذرهم﴾، أو متعلق بـ ﴿يعمهون﴾. وجملة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محل النصب حال من مفعول ﴿نذرهم﴾ أو من ضمير ﴿طُغْيَانِهِمْ﴾، أو في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿نذر﴾؛ لأن الترك بمعنى التصيير، فيتعدى إلى مفعولين، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ يجوز أن تكون الإضافة محضة على أنه اسم فاعل بمعنى الماضي؛ لأن ذلك قد كان، ويدل عليه قراءة عبد الله ﴿إن الله فلق الحب والنوى﴾ فعلًا ماضيًا. ويجوز أن تكون الإضافة غير محضة على أنه بمعنى الحال أو الاستقبال، وذلك على حكاية الحال، فيكون الحب مجرور اللفظ منصوب المحل، والفلق، وكذا الفرق والفتق: هو شق الشيء، وقيده الراغب بإبانة بعضه عن بعض. والحب: هو الذي ليس له نوى كالحنطة والشعير. والنوى: واحدها نواة، وهي ما يكون في داخل التمر والزبيب.
﴿والإصباح﴾ - بكسر الهمزة -: مصدر أصبح الرجل إصباحًا إذا دخل في الصباح، وفي "المصباح": الصبح: الفجر، والصباح مثله، وهو أول النهار، والصباح أيضًا خلاف المساء، وأصبحنا: دخلنا في الصباح اهـ. وفي "السمين": الجمهور على كسر الهمزة، وهو المصدر، يقال: أصبح يصبح إصباحًا. وقال الليث والزجاج: إن الصبح والصباح والإصباح واحد، وهو أول النهار. وقيل: الإصباح: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هو إضاءة الفجر، نقل ذلك عن مجاهد. والظاهر أن الإصباح في الأصل مصدر سمي به الصبح. وقرأ الحسن وأبو رجاء وعيسى بن عمر:
стр. 3784
﴿الأصباح﴾ بفتح الهمزة، وهو جمع: صبح نحو: قفل وأقفال، وبرد وأبراد. اهـ.
﴿سَكَنًا﴾ السكن: السكون وما يسكن فيه من مكان كالبيت، وزمان كالليل، وما يسكن الإنسان ويطمئن إليه استئناسًا به من زوج أو حبيب. وفي "المصباح": والسكن: ما يسكن إليه من أهل ومال وغير ذلك، وهو مصدر سكنت إلى الشيء من باب طلب.
﴿حُسْبَانًا﴾ والحسبان - بضم الحاء -: مصدر حسب كالحسبان بالكسر، فكل من مضموم الحاء ومكسورها مصدر حسب كالحساب، فلهذا الفعل ثلاثة مصادر. وفي "المصباح": حسبت المال حسبًا من باب قتل أحصيته عددًا، وفي المصدر أيضًا حسبة بالكسر، وحسبانًا بالضم، وحسبت زيدًا قائمًا أحسبه من باب تعب في لغة جميع العرب إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس حسبانًا بالكسر بمعنى ظننت اهـ. والحساب: استعمال العدد في الأشياء والأوقات.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ والمستقر: موضع القرار والإقامة، يقال: قر في مكانه واستقر، فمن كسر القاف .. قال: المستقر بمعنى القار، ومن فتحها .. جعله مكان استقرار. وأما المستودع: فيجوز أن يكون اسمًا للإنسان استودع ذلك المكان، وذلك على قراءة الكسر، ويجوز أن يكون المكان نفسه؛ أي: المستودع فيه؛ أي: موضع الوديعة، والوديعة: هي ما يتركه المرء عند غيره ليأخذه بعد، ولكن المستودع هنا بفتح الدال لا غير، لكن على قراءة الكسر في مستقر يكون معنى مستودع شيء مودوع، وهو النطفة في الصلب. وعلى قراءة الفتح يكون معنى مستودع مكان استيداع، وهو الصلب نفسه ذكره في "الفتوحات".
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وأصل ماء: ماه، والهاء خفية، والألف كذلك، فأبدل من الهاء همزة؛ لأن الهمزة جلدة، فأصله: موه، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها .. قلبت ألفًا، فصار: ماء، ذكره العلامة النحاس في "إعراب القرآن".
стр. 3785
﴿خَضِرًا﴾: اسم فاعل من خضر من باب فعل المكسور العين، يقال: خضر الشيء فهو خضر وأخضر كعور فهو عور وأعور، فخضر وأخضر بمعنى، والخضر من النبات: الغض الناضر الطري.
﴿مُتَرَاكِبًا﴾ المتراكب: ما تراكب حبه بعضه فوق بعض.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ والنخل والنخيل: واحدهما نخلة، والنخل: شجر التمر، وفي "الفتوحات": النخل: اسم جنس جمعي يذكر ويؤنث، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾، وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ والطلع: أول ما يخرج منها قبل انشقاق الكيزان، فيقال له في هذه الحالة طلع، فإذا انشقت عنه الكيزان سمي عذقًا، وهو القنو. والقنوان: جمع تكسير، مفرده: قنو كصنو وصنوان، وهذا الجمع يلتبس بالمثنى حالة الوقف، فإذا قلت: عندي قنوان، وسكنت النون .. لا يدرى أنه مثنى أو جمع، ويمتازان بتحريك النون، فنون المثنى مكسورة دائمًا، ونون هذا الجمع تتوارد عليها الحركات الثلاث بحسب الإعراب، ويمتازان أيضًا في النسب، فإذا نسبت إلى المثنى رددته إلى المفرد، فقلت: قنوي، وإذا نسبت إلى الجمع .. أبقيته على حاله؛ لأنه جمع تكسير فقلت: قنواني، ويمتازان أيضًا في الإضافة، فنون المثنى تسقط لها بخلاف نون الجمع التكسير، فتقول في المثنى: هذان قنواك، وفي الجمع: هذه قنوانك، ويقال مثل هذا في صنوان مثنى وجمعًا.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ وقال الزجاج: قرن الزيتون بالرمان؛ لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من أوله إلى آخره. قال الشاعر:
بُوْرِكَ الْمَيْتُ الْغَرِيْبُ كَمَا بُوْ ... رِكَ نَضْجُ الرُّمَّانِ وَالزَّيْتُوْنْ
﴿وَيَنْعِهِ﴾ والينع: مصدر ينع بكسر النون يينع بفتحها، فهي مكسورة في الماضي مفتوحة في المضارع، ويصح العكس، والمصدر على كل حال: ينع بوزن منع، والينع بالفتح والضم مصدر ينعت الثمرة إذا نضجت، والفتح لغة أهل الحجاز، والضم لغة أهل نجد، ويقال؛ والمعنى؛ انظروا إلى ثمره إذا أثمر رقيقًا مستدقًا، وإلى ينعه ونضجه حين يينع ويبدو صلاحه وينضج .. وفي "المختار":