صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك؛ لإصلاح المعنى تقديره: لا يكن سبكم آلهتهم، فسبهم الله عدوًا بغير علم.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف منصوب بـ ﴿زَيَّنَّا﴾. ﴿زَيَّنَّا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿زَيَّنَّا﴾. ﴿عَمَلَهُمْ﴾: مفعول ﴿زَيَّنَّا﴾ والتقدير: زينا لكل أمة من الأمم عملهم تزيينا مثل تزيينا لهؤلاء المشكرين شركهم، والجملة مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخٍ. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿زَيَّنَّا﴾. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾: ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر كان، وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كانوا يعملونه.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾.
﴿وَأَقْسَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: مفعول مطلق ومضاف إليه. ﴿لَئِنْ﴾: اللام: موطئة للقسم. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ﴾ اللام واقعة في جواب القسم مؤكدة للأولى. ﴿يُؤْمِنُنَّ﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿بِهَا﴾: جار ومجرور متعلق به، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم من جواب القسم تقديره: إن جاءتهم آية يؤمنون بها، وإنما جعلنا المذكور جواب القسم لسبقه على الشرط كما هو القاعدة المقررة عندهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة لا محل لها من
стр. 3782
الإعراب لاعتراضها بين القسم وجوابه، وجملة القسم مع جوابه مستأنفة.
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿الْآيَاتُ﴾: مبتدأ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: استفهامية للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ. ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿ما﴾ الاستفهامية، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ﴾. ﴿أَنَّهَا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، الهاء: اسمها. ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْآيَات﴾، والجملة في محل الخفض بـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ هو من فعل شرطها وجوابها في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد المفعول الثاني لـ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾، والتقدير: وما يشعركم إيمانهم وعدم إيمانهم وقت مجيء تلك الآيات؛ أي: لا تدرون ذلك، هذا على قراءة الفتح لـ ﴿أن﴾، وأما على قراءة الكسر: فهي مستأنفة، وفي المقام أوجه من الإعراب لا نطيل الكلام بذكرها.
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾.
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿وَأَبْصَارَهُمْ﴾: معطوف على ﴿أَفْئِدَتَهُمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا يُؤمِنُون﴾ على كونها معمولة لـ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾؛ أي: وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم أو مستأنفة. ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا﴾: الكاف: حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿لَمْ﴾ حرف جزم. ﴿يُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق
стр. 3783
بـ ﴿يُؤْمِنُوا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم تقليبًا مثل عدم إيمانهم به أول مرة. ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾. ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نذرهم﴾، أو متعلق بـ ﴿يعمهون﴾. وجملة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محل النصب حال من مفعول ﴿نذرهم﴾ أو من ضمير ﴿طُغْيَانِهِمْ﴾، أو في محل النصب مفعول ثانٍ لـ ﴿نذر﴾؛ لأن الترك بمعنى التصيير، فيتعدى إلى مفعولين، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ يجوز أن تكون الإضافة محضة على أنه اسم فاعل بمعنى الماضي؛ لأن ذلك قد كان، ويدل عليه قراءة عبد الله ﴿إن الله فلق الحب والنوى﴾ فعلًا ماضيًا. ويجوز أن تكون الإضافة غير محضة على أنه بمعنى الحال أو الاستقبال، وذلك على حكاية الحال، فيكون الحب مجرور اللفظ منصوب المحل، والفلق، وكذا الفرق والفتق: هو شق الشيء، وقيده الراغب بإبانة بعضه عن بعض. والحب: هو الذي ليس له نوى كالحنطة والشعير. والنوى: واحدها نواة، وهي ما يكون في داخل التمر والزبيب.
﴿والإصباح﴾ - بكسر الهمزة -: مصدر أصبح الرجل إصباحًا إذا دخل في الصباح، وفي "المصباح": الصبح: الفجر، والصباح مثله، وهو أول النهار، والصباح أيضًا خلاف المساء، وأصبحنا: دخلنا في الصباح اهـ. وفي "السمين": الجمهور على كسر الهمزة، وهو المصدر، يقال: أصبح يصبح إصباحًا. وقال الليث والزجاج: إن الصبح والصباح والإصباح واحد، وهو أول النهار. وقيل: الإصباح: ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل. رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هو إضاءة الفجر، نقل ذلك عن مجاهد. والظاهر أن الإصباح في الأصل مصدر سمي به الصبح. وقرأ الحسن وأبو رجاء وعيسى بن عمر:
стр. 3784
﴿الأصباح﴾ بفتح الهمزة، وهو جمع: صبح نحو: قفل وأقفال، وبرد وأبراد. اهـ.
﴿سَكَنًا﴾ السكن: السكون وما يسكن فيه من مكان كالبيت، وزمان كالليل، وما يسكن الإنسان ويطمئن إليه استئناسًا به من زوج أو حبيب. وفي "المصباح": والسكن: ما يسكن إليه من أهل ومال وغير ذلك، وهو مصدر سكنت إلى الشيء من باب طلب.
﴿حُسْبَانًا﴾ والحسبان - بضم الحاء -: مصدر حسب كالحسبان بالكسر، فكل من مضموم الحاء ومكسورها مصدر حسب كالحساب، فلهذا الفعل ثلاثة مصادر. وفي "المصباح": حسبت المال حسبًا من باب قتل أحصيته عددًا، وفي المصدر أيضًا حسبة بالكسر، وحسبانًا بالضم، وحسبت زيدًا قائمًا أحسبه من باب تعب في لغة جميع العرب إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس حسبانًا بالكسر بمعنى ظننت اهـ. والحساب: استعمال العدد في الأشياء والأوقات.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ والمستقر: موضع القرار والإقامة، يقال: قر في مكانه واستقر، فمن كسر القاف .. قال: المستقر بمعنى القار، ومن فتحها .. جعله مكان استقرار. وأما المستودع: فيجوز أن يكون اسمًا للإنسان استودع ذلك المكان، وذلك على قراءة الكسر، ويجوز أن يكون المكان نفسه؛ أي: المستودع فيه؛ أي: موضع الوديعة، والوديعة: هي ما يتركه المرء عند غيره ليأخذه بعد، ولكن المستودع هنا بفتح الدال لا غير، لكن على قراءة الكسر في مستقر يكون معنى مستودع شيء مودوع، وهو النطفة في الصلب. وعلى قراءة الفتح يكون معنى مستودع مكان استيداع، وهو الصلب نفسه ذكره في "الفتوحات".
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وأصل ماء: ماه، والهاء خفية، والألف كذلك، فأبدل من الهاء همزة؛ لأن الهمزة جلدة، فأصله: موه، فلما تحركت الواو وانفتح ما قبلها .. قلبت ألفًا، فصار: ماء، ذكره العلامة النحاس في "إعراب القرآن".
стр. 3785
﴿خَضِرًا﴾: اسم فاعل من خضر من باب فعل المكسور العين، يقال: خضر الشيء فهو خضر وأخضر كعور فهو عور وأعور، فخضر وأخضر بمعنى، والخضر من النبات: الغض الناضر الطري.
﴿مُتَرَاكِبًا﴾ المتراكب: ما تراكب حبه بعضه فوق بعض.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ والنخل والنخيل: واحدهما نخلة، والنخل: شجر التمر، وفي "الفتوحات": النخل: اسم جنس جمعي يذكر ويؤنث، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾، وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ والطلع: أول ما يخرج منها قبل انشقاق الكيزان، فيقال له في هذه الحالة طلع، فإذا انشقت عنه الكيزان سمي عذقًا، وهو القنو. والقنوان: جمع تكسير، مفرده: قنو كصنو وصنوان، وهذا الجمع يلتبس بالمثنى حالة الوقف، فإذا قلت: عندي قنوان، وسكنت النون .. لا يدرى أنه مثنى أو جمع، ويمتازان بتحريك النون، فنون المثنى مكسورة دائمًا، ونون هذا الجمع تتوارد عليها الحركات الثلاث بحسب الإعراب، ويمتازان أيضًا في النسب، فإذا نسبت إلى المثنى رددته إلى المفرد، فقلت: قنوي، وإذا نسبت إلى الجمع .. أبقيته على حاله؛ لأنه جمع تكسير فقلت: قنواني، ويمتازان أيضًا في الإضافة، فنون المثنى تسقط لها بخلاف نون الجمع التكسير، فتقول في المثنى: هذان قنواك، وفي الجمع: هذه قنوانك، ويقال مثل هذا في صنوان مثنى وجمعًا.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ وقال الزجاج: قرن الزيتون بالرمان؛ لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل على الغصن من أوله إلى آخره. قال الشاعر:
بُوْرِكَ الْمَيْتُ الْغَرِيْبُ كَمَا بُوْ ... رِكَ نَضْجُ الرُّمَّانِ وَالزَّيْتُوْنْ
﴿وَيَنْعِهِ﴾ والينع: مصدر ينع بكسر النون يينع بفتحها، فهي مكسورة في الماضي مفتوحة في المضارع، ويصح العكس، والمصدر على كل حال: ينع بوزن منع، والينع بالفتح والضم مصدر ينعت الثمرة إذا نضجت، والفتح لغة أهل الحجاز، والضم لغة أهل نجد، ويقال؛ والمعنى؛ انظروا إلى ثمره إذا أثمر رقيقًا مستدقًا، وإلى ينعه ونضجه حين يينع ويبدو صلاحه وينضج .. وفي "المختار":
стр. 3786
ينع الثمر إذا نضج، وبابه ضرب وجلس وقطع وخضع انتهى.
﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ يقال: خلق الكلمة واختلقها وخرقها واخترقها إذا ابتدعها كذبًا. وقال الراغب الخرق: قطع الشيء على سبيل الفساد، قال تعالى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ والخلق فعل الشيء بتدبير ورفق، والبدع بكسر أوله والبديع: الشيء الذي يكون أولًا، ومنه: البدعة في الدين. وقال الراغب: الإبداع: إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء، والبديع من أسمائه تعالى.
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البصائر: جمع بصيرة، ولها عدة معان: منها: عقيدة القلب، والمعرفة الثابتة باليقين، والعبرة، والشاهد المثبت للأمر، والحجة، والقوة التي تدرك بها الحقائق العلمية، ويقابلها البصر الذي تدرك به الأشياء الحسية، والمراد بها هذا: الآيات الواردة في هذه السورة، أو القرآن بجملته. وفي "القاموس": البصر محركًا: حس العين، والجمع أبصار مثل سبب وأسباب، ومن القلب: نظره وخاطره، والبصير: المبصر - والجمع بصراء - والعالم، وبالهاء: عقيدة القلب والفطنة والحجة اهـ.
﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نأتي بها متواترة حالًا بعد حال مفسرين لها في كل مقام بما يناسبه.
﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ يقال: درس الشيء يدرس أو باب نصر إذا عفا وزال، فهو دارس ودرسته الريح وغيرها، ودرس اللابس الثوب درسًا إذا أخلقه وأبلاه، فهو دريس، ودرسوا القمح إذا داسوه ليتكسر فيفرق بين حبه وتبنه، ودرس الناقة إذا راضها، ودرس الكتاب والعلم يدرسه درسًا ودراسة ومدارسة؛ أي: ذلله بكثرة القراءة حتى خف وسهل عليه حفظه أو ذلك، والمعنى العام للدرس: تكرار المعالجة وتتابع الفعل على الشيء حتى يذهب به، أو يصل إلى الغاية منه.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: حلفوا, وسُمي الحلف قسمًا؛ لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدق ومكذب، والجهد بفتح الجيم: المشقة، وبضمها؛ الطاقة، ومنهم أو يجعلهما بمعنى واحد، وانتصب ﴿جهد﴾ على النيابة عن المصدر المنصوب. بـ ﴿أقسموا﴾، أي: أقسموا جهد إقساماتهم، والأيمان
стр. 3787
بمعنى: الإقسامات كما تقول: ضربت مسند الضربات.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ وفي "المصباح": عمه في طغيانه عمهًا من باب تعب إذا تردد متحيرًا مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه وأعمه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التكرار في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ﴾، وفي قوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾، وفي قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾، وفي قوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ الغيبة إلى التكلم، وكان قياس ما قبله: فأخرج به، والنكتة في هذا الالتفات الاعتناء بشأن المخرج، والإشارة إلى أن نعمه عظيمة.
ومنها: الطباق بين لفظ ﴿الْحَيِّ﴾ و ﴿الْمَيِّتِ﴾، وبين: ﴿الشمس﴾ و ﴿القمر﴾ , وبين: ﴿الْبَرِّ﴾ و ﴿البحر﴾، وبين لفظ: ﴿أَبْصَرَ﴾ و ﴿عَمي﴾.
ومنها: من المحسنات البديعية ما يسمى: رد العجر على الصدر في قوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري الذي بمعنى النفي في قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: لا وجه لصرفكم عن الإيمان بعد قيام البرهان.
ومنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ لمزيد الشرف؛ لأنهما من أعظم النعم.
ومنها: جناس الاشتقاق بين لفظ ﴿يُخْرِجُ﴾ و ﴿مخرج﴾، وبين لفظ: ﴿بَصَائِرُ﴾ و ﴿أَبْصَرَ﴾.
стр. 3788
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ من باب الإطلاق اسم السبب على المسبب؛ أي: حجج وبراهين؛ لأن البصائر جمع بصيرة، والبصيرة: هي النور الذي تبصر به النفس؛ أي: الروح، كما أو البصر هو النور الذي تبصر به العين، فأطلق البصائر التي هي الأنوار القلبية التي هي السبب في إدراك الحجج والبراهين على تلك الحجج التي تسبب عنها، والعلاقة السببية.
ومنها: اللف والنشر المرتب في قوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؛ أي: لا تدركه الأبصار: لأنه اللطيف، وهو يدرك الأبصار, لأنه الخبير، فيكون اللطيف مستعارًا أو مقابل الكشيف، وهو الذي لا يدرك بالحاسة، ولا ينطبع فيها. انتهى من "البيضاوي".
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿ومن عَمي﴾؛ لأنه استعار العمى للضلال، وإنما عبر عن الضلال بالعمى تقبيحًا له وتنفيرًا عنه.
ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد التاسع»
стр. 3791
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 3792
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[٩]
[استهلال:]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على إفضاله والشكر له على نواله والصلاة والسلام على نبينه محمد ﷺ وآله.
أما بعد: فإني لما فرغت من شرح الجزء السابع من القرآن الكريم بتوفيقه وتيسيره .. أردت أن أشرع في شرح الجزء الثامن منه بعون الله وفضله، فقلت مستمدا منه تعالى:
قال الله سبحانه جلّ وعلا:
﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما
стр. 3796
قبلها: أن الله لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة والبعث، واقتراح المشركين بعض الآيات على رسول الله ﷺ .. ذكر هنا أن رؤية المعجزات لن تفيد من عميت بصيرته، وأنه لو أتاهم بالآيات التي اقترحوها من إنزال الملائكة وإحياء الموتى حتى يكلموهم، وحشر السباع والدواب والطيور وشهادتهم بصدق الرسول .. ما آمنوا بمحمد ﷺ وبالقرآن؛ لتعرقهم وتأصلهم في الضلال.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) بين في الآيات السابقة أن مقترحي الآيات الكونية أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، وبما تدل عليه من صدق الرسول في دعوى الرسالة، وأن المؤمنين كانوا يودون لو أجيب اقتراحهم ظنّا منهم أن ذلك مفض إلى إيمانهم، وذكر لهم خطأهم بقوله: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فأفاد أن سننه فيهم وفي أمثالهم من المعاندين أنهم إذا رأوا آية تدل على خلاف ما يعتقدون نظروا إليها نظرة إنكار وجحود وحملوها على أنها؛ إما خديعة وسحر، وإما أنها من أساطير الأولين .. ذكر هنا ما هو أبلغ من ذلك، وفصل الإجمال الماضي في قوله: ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فأيأس النبي ﷺ من إيمانهم ولو جاءهم بكل آية وأتى لهم بكل دليل. انتهت.
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين (٢) في سابق الآيات أن الذين اقترحوا الآيات الكونية، وأقسموا أنهم يؤمنون إذا جاءتهم كاذبون في أيمانهم، وأنهم ما هم إلا من شياطين الإنس الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا وأن دأبهم صرف الناس عن اتباع الحق، وتزيين الباطل فيغتر من لا يؤمن بالآخرة، ويرضى بهم لموافقتهم أهواءه .. ذكر هنا الآية الكبرى؛ وهي القرآن الكريم، فهو أقوى الأدلة على رسالة نبيه ﷺ من جميع ما اقترحوه، وهو الذي يجب الرجوع إليه في أمر الرسالة واتباع حكمه فيها دون
стр. 3797
أولئك الضالين المبطلين من شياطين الإنس والجن.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) أجاب عن شبهات الكفار، وبين بالدليل صحة نبوة محمد ﷺ .. ذكر هنا أنه لا ينبغي الالتفات إلى ما يقوله هؤلاء الجهال؛ لأنهم يسلكون سبيل الضلال والإضلال، ويتبعون الظنون الفاسدة الناشئة من الجهل والكذب على الله، فلا ينبغي الركون إليهم والعمل بآرائهم.
وفي سياق الحديث ذكر أن أكثر الأمم في عهد بعثة محمد ﷺ كانوا ضلّالا يغلب عليهم الشرك، بعد أن أبان ضلال مشركي العرب ومن على شاكلتهم في عقائدهم، ثم أردف ذلك ببيان مسألة هامة لها خطر، وهي من أصول الشرك، تلك هي مسألة الذبائح لغير الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما تضمنت (٢) الآية التي قبلها الإنكار على اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال، وكانوا يسمون في كثير مما يذبحونه اسم آلهتهم .. أمر المؤمنين بأكل ما سمي على ذكاته اسم الله تعالى لا غيره من آلهتهم أمر إباحة، وما ذكر اسم الله عليه فهو المذكى لا ما مات حتف أنفه.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما روي عن ابن عباس ﵄ (٣) أنه قال: المستهزؤون بالقرآن كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحارث بن حنظلة، ثم
стр. 3798
إنهم أتوا رسول الله ﷺ في رهط من أهل مكة، وقالوا له: أرنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم أحق ما تقوله أم باطل، أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا؛ أي: كفيلا على صحة ما تدعيه، فنزلت هذه الآية، وقال ابن الجوزي: رواه أبو صالح عن ابن عباس.
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١):
أن مشركي قريش قالوا للنبي ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكما إن شئت من أحبار اليهود، وإن شئت من أحبار النصارى؛ ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك، فنزلت هذه الآية. ذكره الماوردي.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: أن الكفار قالوا للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟ فنزلت هذه الآية، ذكره الفراء.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): أن الله تعالى لما حرم الميتة قال المشركون للمؤمنين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه مما قتلتم - يريدون الميتة - فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح عن ابن عباس ﵄.
وقال السيوطي: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٣): ما رواه أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال: أتى ناس إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله؟ فأنزل الله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.
وأخرج (٤) أبو داود والحاكم وغيرهما عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ قالوا: ما ذبح الله لا
стр. 3799
تأكلون وما ذبحتم أنتم تأكلون؟ فأنزل الله هذه الآية. وأخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ..﴾ أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدا، فقولوا له: ما تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح الله بشمشار من ذهب؛ يعني الميتة، فهو حرام؟! فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ قال:
الشياطين من فارس، وأولياؤهم قريش.
التفسير وأوجه القراءة
١١١ - ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ﴾؛ أي: أنزلنا على هؤلاء المشركين الْمَلائِكَةَ كما طلبوا في قولهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ فرأوهم بأعينهم المرة بعد المرة والكرة بعد الكرة، وسمعوا بآذانهم شهادتهم لك بالرسالة ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ من القبور كما طلبوا في قولهم: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ بأن نحييهم لهم، ونجعلهم حجة على صدق ما جئت به من الرسالة بأن أقروا بأن محمدا رسول الله، والقرآن كلام الله تعالى.
﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي وجمعنا على هؤلاء المستهزئين زيادة على ما اقترحوه ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ من أصناف المخلوقات كالسباع والطيور حالة كونهم ﴿قُبُلًا﴾؛ أي: كفلا بصدق محمد ﷺ مقرين له، أو المعنى: وجمعنا عليهم كلّ شيء من المخلوقات قبلا؛ أي: فوجا فوجا، وجماعة جماعة، وصنفا صنفا، أو المعنى: وحشرنا عليهم قبلا؛ أي: مقابلة ومعاينة ﴿ما كانُوا﴾؛ أي: ما كان هؤلاء المشركون ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ بمحمد ﷺ وبالقرآن ﴿إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ إيمانهم؛ أي: ولو أظهر الله جميع تلك الأشياء العجيبة الغريبة لهؤلاء الكفار، فإنهم لا يؤمنون في حال من الأحوال الداعية إلى الايمان إلا في حال مشيئة الله تعالى لإيمانهم ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ أي: أكثر المؤمنين ﴿يَجْهَلُونَ﴾ عدم إيمانهم؛ أي: أن الكفار لو أوتوا بكل آية .. لم يؤمنوا، ولكن أكثر المؤمنين يجهلون عدم إيمانهم عند مجيء الآيات؛ لجهلهم عدم مشيئة الله تعالى لإيمانهم، فيتمنون مجيئها طمعا فيما لا يكون؛ ولذلك يتمنى بعض المؤمنين لو يؤتى مقترحوا الآيات ما اقترحوا ظنا منهم أن ذلك يكون سبب إيمانهم مع أن الآيات لا تلزمهم الإيمان، ولا تغير
стр. 3800
طباع البشر في اختيار ما يترجح لدى كل منهم بحسب ما يؤدي إليه فكره وعقله، ولو شاء الله لخلق الايمان في قلوبهم خلقا بحيث لا يكون لهم فيه عمل ولا اختيار، وحينئذ لا يكونون محتاجين إلى الرسل، كما أنه لو شاء جعل الآيات مغيرة لطبائع البشر، وملزمة لهم أن يؤمنوا، فيكون الإيمان إلجاء وقسرا لا اختيارا وكسبا، ولكنه لم يشأ ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
وقيل: الضمير في ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ عائد على الكفار، والمعنى: ولكن أكثر الكفار يجهلون (١) جهلا يحول بينهم وبين درك الحق والوصول إلى الصواب، أو يجهلون (٢) أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة، أو يجهلون أن كلا من الإيمان والكفر هو بمشيئة الله وقدره. وقال الزمخشري: يجهلون، فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات.
وقرأ نافع وابن عامر (٣): ﴿قُبُلًا﴾ - بكسر القاف وفتح الباء - ومعناه: مقابلة؛ أي: عيانا ومشاهدة. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد ونصبه على الحال. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿قُبُلًا﴾ - بضم القاف والباء - فقال مجاهد وابن زيد وعبد الله بن يزيد: جمع قبيل، وهو النوع؛ أي: نوعا نوعا، وصنفا صنفا. وقال الفراء والزجاج: جمع قبيل بمعنى كفيل؛ أي: كفلا بصدق محمد ﷺ ، والقبيل والكفيل والزعيم والأدين والحميل والضمين بمعنى واحد. وقيل: قبلا بمعنى قبلا؛ أي: مقابلة ومواجهة، ومنه قولهم: أتيتك قبلا لا دبرا؛ أي: من قبل وجهك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة: ﴿قُبُلًا﴾ - بضم القاف وسكون الباء على جهة التخفيف من الضم -. وقرأ أبي والأعمش ﴿قبيلا﴾ - بفتح القاف وكسر الباء وياء بعدها - وانتصابه في هذه القراءة على الحال. وقرأ ابن مصرف بفتح القاف وسكون الباء.
стр. 3801
١١٢ - ثم أراد الله بعد ما تقدم تسلية نبيه ﷺ ببيان أن سنته في الخلق أن يكون للنبيين أعداء من الجن والإنس، فقال: وَ ﴿كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ استئناف مسوق لتسلية النبي ﷺ على ما يشاهده من عدواة قريش وما بنوه عليها من الأقاويل الباطلة ببيان أن ذلك ليس مختصا بك، بل هو أمر ابتلي به كل من سبقك من الأنبياء فصبروا، ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر مؤكد لما بعده. ذكره أبو السعود؛ أي: وكما جعلنا هؤلاء المستهزئين ومن نحا نحوهم أعداء لك .. جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين سبقوا قبلك ﴿عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾؛ أي: أعداءهم شياطين الإنس والجن ومردتهم، والمعنى: كما ابتليناك بالأعداء .. ابتلينا من قبلك بالأعداء من الإنس والجن؛ ليعظم الأجر والثواب عند الصبر على الأذى، فلك أسوة بهم ولست منفردا بعداوة من عاصرك، بل هذه سنة من قبلك من الأنبياء.
وقال الزجاج: عدوا بمعنى (١): أعداء. قال تعالى: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾، وقال الشاعر:
إذا أنا لم أنفع صديقي بودّه ... فإنّ عدوّي لم يضرّهم بغضي
و ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ منصوب (٢) على البدل من ﴿عَدُوًّا﴾ ومفسر له، ويجوز أن يكون: عَدُوًّا منصوبا على أنه مفعول ثان قدم مسارعة إلى بيان العداوة، والمعنى: وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء لكل نبي. وفي: ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم مردة الإنس والجن. قاله الحسن وقتادة.
والثاني: أن شياطين الإنس الذين مع الإنس، وشياطين الجن الذين مع الجن. قاله عكرمة والسدي.
والثالث: أن شياطين الإنس والجن كفارهم. قاله مجاهد وذكره ابن
стр. 3802
الجوزي في «تفسيره». وقرأ الأعمش شاذا (١): ﴿الجن والإنس﴾ بتقديم الجن.
ومعنى جعلهم أعداء للأنبياء (٢): أن سنة الله قد جرت بأن يكون الشرير الذي لا ينقاد للحق كبرا وعنادا، أو جمودا على ما تعود، عدوا للداعي إليه من الأنبياء وورثتهم وناشري دعوتهم، وهكذا الحال في كل ضدين يدعو أحدهما إلى خلاف ما عليه الآخر في الأمور الدينية أو الاجتماعية، وهذا ما يعبر عنه بسنة تنازع البقاء بين المتقابلات التي تدعو إلى التنافس والجهاد، وتكون العاقبة انتصار الحق، وبقاء الأمثل الأصلح، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ فالحياة جهاد لا يثبت فيه إلا الصابرون المجدون، وليس العمل للآخرة إلا كذلك ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾.
ثم بين الله بعدئذ أن من أثر عداوة هؤلاء الشياطين للأنبياء مقاومتهم للهداية والدعوة التي كلفوا بها، فقال: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾؛ أي: حالة كون تلك الشياطين يوحي بعضهم؛ أي: يلقي بعضهم ويسر ويناجي إلى بعض آخر، ويعلمه؛ أي: يلقي شياطين الجن إلى شياطين الإنس زخرف القول؛ أي: مزخرفه ومزينه ومحسنه ظاهرا مع بطلان باطنه غرورا؛ أي: ليغروا ويفتنوا بذلك المزخرف المؤمنين والصالحين عن دينهم وعبادتهم وطاعتهم أمر ربهم، يعني (٣): أن الشياطين يغرون بذلك الكذب المزخرف غرورا، وذلك أنّ الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم، ويغرونهم بها غرورا. قال مقاتل (٤): وكّلّ إبليس بالإنس شياطين يضلونهم، فإذا التقى شيطان الإنس بشيطان الجن .. قال أحدهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فذلك وحي بعضهم إلى بعض. وقال غيره: إن المؤمن إذا أعيا شيطانه ذهب إلى متمرد من الإنس، هو شيطان الإنس،
стр. 3803
فأغراه بالمؤمن ليفتنه. وقال قتادة: إن من الجن شياطين، وإن من الإنس شياطين. وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد عليّ من شيطان الجن؛ لأني إذا تعوذت من ذاك ذهب عني، وهذا يجرني إلى المعاصي عيانا، ذكره ابن الجوزي. وقال ابن عباس: الجن هم أولاد الجان، وليسوا شياطين، والشياطين ولد إبليس، وهم لا يموتون إلا مع إبليس، والجن يموتون، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال: الكهنة هم شياطين الإنس انتهى من «الشوكاني». ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ يا محمد إيمانهم، أو عدم تزيين الشياطين زخرف القول ﴿ما فَعَلُوهُ﴾؛ أي: ما فعل الكفار معاداتك ومعاداة الأنبياء قبلك، أو ما فعل الشياطين إيحاء زخرف القول غرورا. وقال أبو حيان (١)؛ أي: ما فعلوا العداوة أو الوحي أو الزخرف، أو القول أو الغرور أوجه ذكروها انتهى.
﴿فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ عليك وعلى الله، فإن الله تعالى يجزيهم وينصرك ويخزيهم و ﴿ما﴾: إما مصدرية، والتقدير: اتركهم وافتراءهم عليك وعلى الله وإما موصولة؛ أي: اتركهم والذي يفترونه، يعني (٢): فخلهم يا محمد وما زين لهم إبليس وغرهم به من الكفر والمعاصي، فإني من ورائهم. وعبارة المراح: أي اترك يا محمد هؤلاء الكفرة المستهزئين وافتراءهم بأنواع المكايد، فإن لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة. قال ابن الجوزي؛ أي (٣): فذر المشركين وما يخاصمونك به مما يوحي إليهم أولياؤهم وما يختلقون من كذب، وهذا القدر من هذه الآية منسوخ بآية السيف، انتهى. وهذا الأمر للتهديد للكفار كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾.
وعبارة «المراغي» هنا: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾؛ أي (٤): يلقي بعضهم إلى بعض القول المموه الذي به يظنون أنهم يسترون قبيح باطلهم، ويؤدونه بطرق خفية لا يفطن إلى باطلها كل أحد حتى يغروا غيرهم ويخدعوه، ويميلوه إلى ما يريدون. وأول مثل لهذا الغرور ما وسوس به الشيطان للإنسان
стр. 3804
الأول وزوجه الكريم - آدم وحواء - فزين لهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها كما قال: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ وهكذا يوسوس شياطين الإنس والجن لمن يجترحون السيئات ويرتكبون المعاصي، فيزينون لهم ما فيها من عظيم اللذة والتمتع بالحرية، ويمنونهم بعفو الله ورحمته، وشفاعة أنبيائه وأوليائه حتى ليترنم أحدهم بقوله:
تكثّر ما استطعت من الخطايا ... فإنك واجد ربا غفورا
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾؛ أي: ولو شاء ربك أن لا يفعلوا هذا الغرور .. ما فعلوا، ولكنه لم يشأ أن يغير خلقهم أو يجبرهم على خلاف ما تزينه لهم أهواؤهم، بل شاء أن يكون الإنس والجن على استعداد لقبول الحق والباطل والخير والشر، وأن يكونوا مختارين سلوك أي الطريقين كما قال: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾.
﴿فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ من الكذب ويخترعون من الإفك صرفا للناس عن سبيل الحق، وسعيا في إضلالهم وصدهم عن طريق الرشاد، وامض لشأنك كما أمرت، فعليك البلاغ وعلينا الحساب والجزاء، وسترى سنتنا فيهم وفي أمثالهم، وقد أراه عاقبة أمرهم، فأهلك المستهزئين بالقرآن، ونصره على أعدائه المشركين: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ انتهت.
١١٣ - واللام في قوله: ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لام كي معطوفة على مقدر معلوم من السياق على كونها علة ليوحي؛ أي: يوحي بعض هؤلاء الشياطين إلى بعض المموه من القول؛ ليغروا به المؤمنين من أتباع الأنبياء، فيفتنوهم عن دينهم ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ﴾؛ أي: ولكي تميل إلى هذا المزخرف ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: قلوب الذين لا يصدقون بالبعث بعد الموت؛ لأنه الموافق لأهوائهم؛ إذ هم يميلون إلى حب الشهوات التي من جملتها مزخرفات الأقاويل ومموهات الأباطيل، أما الذين ينظرون إلى عواقب الأمور، فيعلمون بطلانها، فلا تغرهم تلك الزخارف، ولا تعجبهم تلك الأباطيل.
﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾؛ أي: وليرضى الذين لا يؤمنون بالآخرة ذلك المزخرف لأنفسهم ويحبوه لهم بعد الإصغاء إليه بلا بحث ولا تمحيص فيه. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾؛ أي:
стр. 3805
وليكتسبوا بسبب ارتضائهم له وغرورهم ﴿ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾؛ أي: ما هم مكتسبون له من الآثام، فيعاقبوا عليها.
وقرأ النخعي والجراح بن عبد الله (١): ﴿ولتصغي﴾ - بكسر الغين - من أصغى الرباعي. وقرأ الحسن بسكون اللام في الأفعال الثلاثة، وقيل عنه بالسكون في: ﴿لِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ وبالكسر في: ﴿وَلِتَصْغى﴾. وقال أبو عمرو الداني: قراءة الحسن إنما هي: ﴿ولتصغي﴾ - بكسر الغين - انتهى. وخرّج سكون اللام في الثلاثة على أنه شذوذ في لام كي، وهي لام كي في الثلاثة، وهي معطوفة على ﴿غُرُورًا﴾، وسكون لام كي في نحو هذا شاذ في السماع قوي في القياس. قاله أبو الفتح. وقال غيره: هي لام الأمر في الثلاثة، ويبعد ذلك في ﴿ولتصغي﴾ - بإثبات الياء - وإن كان قد جاء ذلك في قليل من الكلام كما في قراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ على أنه يحتمل التأويل. وقيل هي في ﴿وَلِتَصْغى﴾ لام كي سكنت شذوذا، وفي: ﴿لِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ لام الأمر مضمنا التهديد والوعيد كقوله: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾.
١١٤ - والاستفهام في قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ للإنكار، والفاء عاطفة على فعل مقدر، والكلام على إرادة القول، والتقدر: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أأضل وأميل إلى زخارف الشياطين فـ ﴿أَبْتَغِي﴾ وأطلب ﴿حَكَمًا﴾؛ أي: حاكما ﴿غير الله﴾ يحكم بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ﴾؛ أي: والحال أنه هو الذي أنزل إليكم القرآن، وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما تذرون حالة كون ذلك الكتاب ﴿مُفَصَّلًا﴾؛ أي: مبينا فيه الحق والباطل، فلم يبق في أمور الدين شيء من الإبهام، فأي حاجة بعد ذلك إلى الحكم؛ أي: لا أبتغي حكما غير الله نزلت حين قال مشركوا قريش للرسول ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكما من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك، والحكم (٢) والحاكم معناهما عند أهل اللغة واحد، لكن بعض
стр. 3806
أهل التأويل قال: الحكم أكمل من الحاكم؛ لأن الحكم لا يحكم إلا بالحق، والحاكم قد يجور، ولأن الحكم من تكرر منه الحكم، والحاكم يصدق بمرة.
والمعنى: ليس (١) لي أن أتعدى حكم الله تعالى، ولا أن أتجاوزه؛ لأنه لا حكم أعدل من حكمه، ولا قائل أصدق منه، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا فيه كل ما يصح به الحكم، وإنزاله مشتملا على الحكم التفصيلي للعقائد والشرائع وغيرهما على لسان رجل منكم أمي مثلكم .. هو أكبر دليل وأظهر آية على أنه من عند الله لا من عنده، كما جاء في قوله: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: جاوزت الأربعين، ولم يصدر عني مثله في علومه، ولا في إخباره الغيب، ولا في فصاحته وبلاغته.
والخلاصة:
أنكم تتحكمون في طلب المعجزات؛ لأن الدليل على نبوة محمد ﷺ قد حصل بوجهين:
١ - أنه أنزل إليكم الكتاب المفصل المشتمل على علوم كثيرة بأسلوب عجز الخلق عن معارضته، فيكون هذا دليلا على أن الله تعالى قد حكم بنبوته.
٢ - ما سيذكره بعد من أن التوراة والإنجيل تشتملان على الآيات الدالة على أنه ﷺ حق، وأن القرآن كتاب حق من عند الله تعالى، ثم ذكر ما يؤكد ما سبق، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾؛ أي: وأهل الكتاب الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل والزبور ﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾؛ أي: أن هذا القرآن ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ حالة كونه متلبسا ﴿بِالْحَقِّ﴾ والصدق الذي لا شك فيه ولا شبهة، والمراد بهم علماء أهل الكتاب، فهو عام بمعنى الخصوص.
قرأ ابن عباس وابن عامر وحفص (٢): ﴿مُنَزَّلٌ﴾ - بتشديد الزاي - والباقون بسكون النون. ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ يا محمد، أو أيها المخاطب ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾؛ أي: من الشاكين في أن علماء أهل الكتاب يعلمون أن هذا القرآن حق، وأنه منزل من
стр. 3807
عند الله ، ولا يريبك جحود أكثرهم وكفرهم؛ أي: إن أنكر هؤلاء المشركون أن يكون القرآن حقا، وكذبوا به .. فالذين أعطيناهم الكتب المنزلة من قبله كعلماء اليهود والنصارى .. يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، ذاك أنهم يعلمون أنه من جنس الوحي الذي نزل على أنبيائهم، وأن أوسع البشر علما لا يستطيع أن يأتي بمثله مع أن كتبهم تشتمل على بشارات بذلك النبي لم تكن لتخفى على علمائهم في عصر التنزيل، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وقد اعترف بذلك من أنار الله بصيرتهم من أهل الكتاب، فآمنوا وأنكر بعضهم الحق وكتمه بغيا وحسدا، فباء بالخسران المبين.
والخطاب في قوله (١): ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ إما للنبي ﷺ ، والمراد به غيره على سبيل التعريض كقوله: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وإما له ﷺ ، والمراد النهي له عن الشك في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، فهو من باب التهييج والإلهاب؛ لأنه ﷺ لم يشك قط، أو الخطاب لكل من يتأتى منه الامتراء على مثال قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾.
١١٥ - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ لما (٢) قدم من أول السورة إلى هنا دلائل التوحيد والنبوة والبعث، والطعن على مخالفي ذلك، وكان من هنا إلى آخر السورة أحكام وقصص .. ناسب ذكر هذه الآيات هنا؛ أي: تمت أقضيته ونفذت أقداره. قاله ابن عباس ﵄.
والمعنى:
إن الله قد أتم وعده ووعيده، فظهر الحق وانطمس الباطل. وقال قتادة: كلماته القرآن؛ أي: تم وعده لأوليائه بنصرهم، ووعيده لأعدائه بخذلانهم. وقال الزمخشري: في كل ما أخبره به، وأمر ونهى، ووعد وأوعد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ونافع (٣): ﴿كلمات﴾ بالجمع هنا، وفي يونس في الموضعين، وفي المؤمن. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب:
стр. 3808
﴿كَلِمَةُ﴾ بالإفراد في جميع ذلك. وقد ذكرت العرب الكلمة وأرادت بها الكثرة، يقولون: قال قس في كلمته؛ أي: في خطبته، وزهير في كلمته؛ أي: في قصيدته. فمن قرأ بالإفراد .. قال: الكلمة قد يراد بها الكلمات الكثيرة، ومن قرأ بالجمع .. قال: لأن الله تعالى قال في سياق الآية: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾، فوجب الجمع في اللفظ الأول إتباعا للثاني، وترسم بالتاء المجرورة على كل من قراءة الجمع وقراءة الإفراد، وكذا كل موضع اختلف فيه القراء جمعا وإفرادا، فإنه يكتب بالتاء المجرورة على كل من القراءتين باتفاق المصاحف إلا موضعين من ذلك، فقد اختلف فيهما المصاحف:
أحدهما: في يونس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾.
وثانيهما: في غافر في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاختلفت فيهما المصاحف، فبعضها بالتاء المجرورة، وبعضها بالتاء المربوطة.
وقوله: ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ تمييز لـ ﴿كَلِمَةُ﴾؛ أي: تمت كلمات ربك وأقضيته من جهة الصدق فيما وعد وأوعد، ومن جهة العدل فيما أمر ونهى، أو المعنى: تمت كلمات ربك وقرآنه من جهة الصدق فيما أخبر عن القرون الماضية والأمم الخالية، وعما هو كائن إلى قيام الساعة، ومن جهة العدل في أحكامه من الأمر والنهي والحلال والحرام، وسائر الأحكام. ويصح كون ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ حالا من (الكلمة)؛ أي: حالة كونها صادقة فيما أخبرت، وعادلة فيما أمرت ونهت، ويصح كونهما حالا من ﴿رَبِّكَ﴾؛ أي: حالة كونه صادقا فيما وعد وأوعد، وعادلا فيما أمر ونهى. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾؛ أي: لا مغير لأقضيته، ولا راد لأحكامه وأقداره، ولا خلف لمواعيده، أو لا مبدل لكلمات القرآن، فلا يلحقها تغيير لا في المعنى ولا في اللفظ؛ أي: لا أحد يبدل شيئا من القرآن بما هو أصدق منه وأعدل، ولا بما هو مثله، ولا يقدر المفترون على الزيادة فيه والنقصان منه لا في اللفظ ولا في المعنى، وفي هذا ضمان من الله تعالى لحفظ القرآن كقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. وفي «الخازن» لما وصفها بالتمام، وهو في
стр. 3809
كلامه تعالى يقتضي عدم قبول النقص والتغيير، قال: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ انتهى.
وفي حرف أبي: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾.
ومعنى الآية: وتمت (١) كلمة ربك فيما وعدك به من نصرك، وأوعد به المستهزئين بالقرآن من الخذلان والهلاك، كما تمت في الرسل وأعدائهم من قبلك كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)﴾ وتمامها صدقا هو حصولها على الوجه الذي أخبر به، وتمامها عدلا باعتبار أنها جزاء للكافرين المعاندين للحق بما يستحقون، وللمؤمنين بما يستحقون أيضا، وقد يزادون على ذلك فضلا من الله ورحمة، والمراد بالخبر لازمه، وهو تأكيد ما تضمنته الآيات من تسلية النبي ﷺ على كفر هؤلاء المعاندين وإيذائهم له ولأصحابه، وإيئاس للطامعين من المسلمين في إيمانهم حين إيتائهم الآيات المقترحة.
وخلاصة المعنى: كما أنّ سنتي قد مضت بأن يكون للرسل أعداء من شياطين الإنس والجن .. تمت كلمتي بنصر المسلمين وخذلان الأعداء المفسدين ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾؛ أي: إن كلمة الله في نصرك وخذلان أعدائك قد تمت وأصبحت واقعة نافذة حتما لا مرد لها؛ لأن كلمات الله لا مبدل لها، ولا يستطيع أحد من خلقه أن يزيلها بكلمات أخرى تخالفها، وتمنع صدقها على من وردت فيهم، كأن يجعل الوعد وعيدا، أو الوعيد وعدا، أو يصرفهما عن الموعود بالثواب أو المتوعّد بالعقاب إلى غيرهما، أو يحول دون وقوعهما.
والخلاصة: أنه لا مغير لما أخبر عنه من خبر أنه كائن، فيبطل مجيؤه، وكونه على ما أخبر جلّ شأنه ﴿وَهُوَ﴾ ﴿السَّمِيعُ﴾ لتلك الأقوال الخادعة عنه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلوبهم من المقاصد والمكايد، والنيات، وبما يقترفون من الذنوب والسيئات، فيجازيهم عليها، أو المعنى: السميع لتضرع أوليائه ولقول أعدائه، العليم بما في قلوب الفريقين.
١١٦ - ﴿وَإِنْ تُطِعْ﴾؛ أي: وإن توافق يا محمد ﴿أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي:
стр. 3810
الكفار من الناس فيما يعتقدونه من إحقاق الباطل، وإبطال الحق. قيل: والمراد بأكثر أهل الأرض رؤساء مكة، والمراد بالأرض خصوص مكة. ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: يصرفوك عن الطريق الموصول إلى الله؛ أي: وإن تطع أحدا من الكفار بمخالفة ما شرعه الله وأودعه في كلماته المنزلة عليك يضلوك عن الدين الحق، وعن نهج الصواب، فلا تتبع أنت ومن اتبعك حكما غير الذي أنزل إليك من الكتاب مفصلا، فهو الهداية التامة الكاملة، فادع إليه الناس كافة، ثم أكد ما سبق بقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبع كفار أهل الأرض في إثبات مذهبهم، وتأسيس عقائدهم كتحليل الميتة وتحريم السائبة ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: إلا ظن أن آباءهم كانوا على الحق، فهم على آثارهم مقتدون ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: وما هم إلا يكذبون، وهذا تأكيد لما قبله، فإن رؤساء أهل مكة منهم أبو الأحوص مالك بن عوف الجشمي، وبديل بن ورقاء الخزاعي، وجليس بن ورقاء الخزاعي قالوا للمؤمنين: إن ما ذبح الله خير مما تذبحون أنتم بسكاكينكم؛ أي: أن هؤلاء لا يتبعون في عقائدهم وأعمالهم إلا الظن الظن الذي ترجحه لهم أهواؤهم وما هم إلا يخرصون في ترجيح بعض منها على بعض كما يخرص أرباب النخيل والكروم ثمرات نخيلهم وأعنابهم، ويقدرون ما تجود به من التمر والزبيب تخمينا وحدسا دون تحقيق لذلك، ولا برهان لهم على ما يقولون، فهم يكذبون على الله فيما ينسبون إليه من اتخاذ الولد، وجعل عبادة الأوثان ذريعة إليه، وتحليل الميتة وتحريم البحائر ونحو ذلك، وتاريخ تلك العصور يؤيد الحكم القطعي الذي في الآية من ضلال أكثر أهل الأرض، واتباعهم للخرص والظن، فأهل الكتاب من اليهود والنصارى قد تركوا هداية أنبيائهم، وضلوا ضلالا بعيدا، وكذلك الأمم الوثنية التي كانت أبعد عهدا عن هداية الرسل والأنبياء.
١١٧ - وهذا من علم الغيب الذي أوتيه هذا النبي الأمي، وهو لم يكن يعلم من أحوال الأمم إلا النزر اليسير من شؤون الأمم المجاورة لبلاد العرب، ثم أعقبه تأكيدا آخر زيادة في التحذير فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ الذي رباك يا محمد، وعلمك بما أنزله إليك، وبين لك ما لم تكن تعلم من الحق ومن شؤون الخلق ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ منك ومن سائر عباده ﴿مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أي: بمن يضل عن سبيله القويم
стр. 3811
﴿وَهُوَ﴾ ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ السالكين صراطه المستقيم، ففوض أمرهم إلى خالقهم، فهو العليم بالضال والمهتدي، ويجازي كلا بما يليق بعمله.
وقرأ الحسن وأحمد بن أبي شريح: ﴿يضل﴾ - بضم الياء - وفاعل ﴿يضل﴾ ضمير ﴿مَنْ﴾، ومفعوله محذوف؛ أي: من يضل الناس، أو ضمير الله على معنى يجده ضالا، أو يخلق فيه الضلال، وهذه الجملة خبرية تتضمن الوعيد والوعد؛ لأن كونه تعالى عالما بالضال والمهتدي كناية عن مجازاتهما. ذكره أبو حيان في «البحر».
١١٨ - وبعد أن أبان لرسوله ﷺ أن أكثر أهل الأرض يضلون من أطاعهم؛ لأنهم ضالون خراصون، وأنه تعالى هو العليم بالضالين والمهتدين .. أمر رسوله وأتباعه بمخالفة أولئك الضالين من قومهم، ومن غيرهم في مسألة الذبائح وترك جميع الآصار والآثام، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وهذا كلام متفرع من النهي عن اتباع المضلين، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تزعمون أنكم تعبدون الله، فما قتله الله أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم، فقال الله للمسلمين:
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: إذا كان حال أكثر هؤلاء الناس ما بينته لكم من الضلال، فكلوا مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح، وهو المذكى ببسم الله خاصة، دون غيره مما ذكر عليه اسم غيره فقط، أو مع اسمه تعالى، أو مات حتف أنفه ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ﴾ التي جاءتكم بالهدى والعلم ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ وبما يخالفها من الضلال والشرك مكذبين.
فصل
وقد كان مشركوا العرب وغيرهم من أرباب الملل يجعلون الذبائح من أمور العبادات، ويقرنونها بأصول الدين والاعتقادات، فيتعبدون بذبح الذبائح لآلهتهم ومن قدسوا من رجال دينهم، ويهلون لهم عند ذبحها، وهذا شرك بالله؛ لأنه عبادة يقصد بها غيره تعالى سواء سموه إلها أو معبودا، أو لم يسموه.
١١٩ - ﴿وَما لَكُمْ﴾؛ أي: وأي سبب حاصل لكم أيها المؤمنين في: ﴿أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ عند الذبح وأن تأكلوا من غيره؛ أي: وأي غرض لكم في
стр. 3812
الامتناع من أكله؟ وهو استفهام يتضمن الإنكار على من امتنع من ذلك؛ أي: لا شيء يمنعكم من ذلك، وهذا تأكيد في إباحة ما ذبح على اسم الله دون غيره؛ أي: ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه بعد أن أذن الله لكم بذلك؟ ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: والحال أنه قد بين لكم ما حرم عليكم بقوله في هذه السورة فيما سيأتي: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ومعنى ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ أي: ذكر عليه اسم غيره عند ذبحه كالأصنام والأنبياء الذين وضعت التماثيل ذكرى لهم. فهذا وإن كان متأخرا في التلاوة، فلا يمتنع أن يكون هو المراد؛ لأن التأخر في هذا قليل، وأيضا التأخر في التلاوة لا يوجب التأخر في النزول.
أو بين لكم بقوله تعالى في أول سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية؛ لأن الله تعالى علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول. ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلا ما دعتكم الضرورة والمشقة وأحوجتكم إلى أكله بسبب شدة المجاعة مما حرم عليكم عند الاختيار؛ فهو حلال لكم لأجل الضرورة بأن لم يوجد من الطعام عند شدة الجوع إلا المحرم، فحينئذ يزول التحريم، والقاعدة الشرعية: (الضرورات تبيح المحظورات)، والقاعدة الأخرى: (الضرورة تقدر بقدرها) فيباح للمضطر ما تزول به الضرورة، ويتقي به الهلاك لا أكثر منه.
وقرأ العربيان (١) - أبو عمرو وابن عامر - وابن كثير: ببناء ﴿فصل﴾ و ﴿حرم﴾ للمفعول مع التشديد. وقرأ نافع وحفص عن عاصم ببنائهما للفاعل، وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ببناء الفعل الأول للفاعل، وبناء الثاني للمفعول، وقرأ عطية العوفي: ﴿فصل﴾ - بالتخفيف مع البناء للفاعل -؛ أي: أبان وأظهر.
стр. 3813
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا﴾ من الذين يجادلونكم في أكل الميتة ويحتجون عليكم في ذلك بقولهم: أتأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما يذبحه الله تعالى؟ ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ أنفسهم وأتباعهم ﴿بِأَهْوائِهِمْ﴾ الزائفة وشهواتهم الفاسدة جهلا ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ منهم بصحة ما يقولون، ولا برهان على ما فيه، يجادلون اعتداء وخلافا لأمر الله تعالى ونهيه، وطاعة للشياطين كعمرو بن لحي فمن دونه؛ لأنه أول من بحر البحائر، وسيب السوائب، وأباح الميتة، وغيّر دين إبراهيم ﵇.
تتمة:
وأصل (١) عبادة الأوثان أنه كان في القوم الذين أرسل إليهم نوح ﵇ رجال صالحون، فلما ماتوا وضعوا لهم أنصابا ليتذكروهم بها ويقتدوا بهم، ثم صاروا يكرمونها لأجلهم، ثم خلف من بعدهم خلف جهلوا حكمة وضعها، لكنهم حفظوا تكريمها والتبرك بها تدينا وتوسلا إلى الله، فكان ذلك عبادة لها.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (٢): ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ - بفتح الياء هنا - وفي يونس: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا﴾ وفي إبراهيم: ﴿أَنْدادًا لِيُضِلُّوا﴾، وفي الحج: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ﴾، وفي لقمان: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفي الزمر: ﴿أَنْدادًا لِيُضِلَّ﴾ وضمها الكوفوين في الستة، ووافقهم الصاحبان نافع وابن عامر إلا في يونس وهنا ففتح.
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد الذي أرشدك وهداك ﴿هُوَ﴾ ﴿أَعْلَمُ﴾ منك ومن سائر خلقه ﴿بِالْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: بالمجاوزين الحد في التحليل والتحريم الذين يتجاوزون ما أحله الله إلى ما حرمه عليهم، أو يتجاوزون حد الضرورة عند وقوعها، وفي هذا من التهديد والتخويف ما لا يخفى. وفي الآية إيماء إلى تحريم القول في الدين بالتقليد؛ لأن ذلك من اتباع الأهواء بغير علم؛ إذ المقلد غير عالم بما قلد فيه.
١٢٠ - ثم أمرهم الله أن يتركوا ظاهر الإثم وباطنه،
стр. 3814
فقال: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾؛ أي: واتركوا أيها الناس ظاهر الإثم وعلنه، وباطن الإثم وسره خوفا من عقاب الله تعالى وامتثالا لنهيه. والإثم لغة: ما قبح، وشرعا: ما حرمه الله تعالى ومنعه، والله لم يحرم على عباده إلا ما كان ضارا بالأفراد، في أنفسهم أو في أموالهم أو في عقولهم أو في أعراضهم أو في دينهم، أو ضارا بالجماعات في مصالحهم السياسية أو الاجتماعية، والظاهر من الإثم ما كان يظهر؛ وهو ما تعلق بأفعال الجوارح، والباطن ما كان لا يظهر؛ وهو ما تعلق بأعمال القلوب كالكبر والحسد والعجب، وتدبير المكايد الضارة والشرور للناس، ومنه الاعتداء في أكل المحرم الذي يباح للمضطر بأن يتجاوز فيه حد الضرورة كما بينه الله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وهذه (١) الجملة من جوامع الكلم والأصول العامة في تحريم الآثام، ومن ثم قال ابن الأنباري: المراد بذلك ترك الإثم من جميع جهاته كما تقول: ما أخذت من هذا المال لا قليلا ولا كثيرا، تريد ما أخذت منه شيئا بوجه من الوجوه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ﴾ في الدنيا، أي: يعملون نوعا من أنواع الآثام الظاهرة أو الباطنة ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ في الآخرة ﴿بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾؛ أي: بما كانوا يكسبون في الدنيا من الآثام إن لم يتوبوا، وأراد الله عقابهم، وهذا مخصوص بما إذا لم يتب كما قيدنا. أما إذا تاب المذنب من ذنبه توبة صحيحة لم يعاقب. وزاد (٢) أهل السنة في ذلك، فقالوا: المذنب إذا لم يتب .. فهو في خطر مشيئة الله تعالى إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه بفضله وكرمه، وبالجملة فلا يخفى ما في الآية من الوعيد والتهديد للعصاة، أي سيلقون جزاء إثمهم وعاقبة كسبهم للذنوب التي أفسدت فطرتهم ودست نفوسهم بإصرارهم عليها ومعاودتها المرة بعد المرة، أما الذين يعملون السوء بجهالة، ثم يتوبون من قريب، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون .. فهؤلاء يتوب الله عليهم ويمحو تأثير الإثم في قلوبهم بما
стр. 3815
يفعلونه من الحسنات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ وبذلك تعود نفوسهم زكية، وتلقى ربها سليمة نقية من أدران السوء التي كانت قد وقعت منها لماما. واتفق المسلمون على أن التوبة تمحو الحوبة؛ أي: أن التوبة الصحيحة بالعزم الصادق والندم على ما فات تمحو آثار الذنب الماضي، فإن الله قد يعفو عن المذنب فيغفر له ما فرط منه من الذنوب، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ
أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾.
١٢١ - ثم صرح بالنهي عن ضد ما فهم من الأمر السابق بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ لشدة العناية؛ لأنه من أظهر أعمال الشرك فقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: مما مات حتف أنفه، ولا مما أهل لغير الله به مما ذبحه المشركون لأوثانهم ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾؛ أي: وإن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه بغير ضرورة لفسق وخروج عما يحل، أو إن ما ذكر عليه اسم غير الله لفسق ومعصية كما جاء في الآية الأخرى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وجوز ابن عطية أن يعود الضمير على المصدر المنفي الذي تضمنه قوله: ﴿لَمْ يُذْكَرِ﴾ كأنه قيل: وإن ترك الذكر لفسق؛ أي: لمعصية وكفر، وهذه الجملة لا موضع لها من الإعراب، وتضمنت معنى التعليل، فكأنه قيل: لفسقه.
فصل
اختلف العلماء في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها (١)، فذهب قوم إلى تحريمها سواء تركها عامدا أو ناسيا، وهو قول ابن سيرين والشعبي، ونقله الإمام فخر الدين الرازي عن مالك. ونقل عن عطاء أنه قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أو شراب فهو حرام، احتجوا في ذلك بظاهر هذه الآية. وقال الثوري وأبو حنيفة: إن ترك التسمية عامدا لا تحل، وإن تركها ناسيا تحل.
وقال الشافعي: تحل الذبيحة مطلقا سواء ترك التسمية عامدا أو ناسيا،
стр. 3816
ونقله البغوي عن ابن عباس ﵄ ومالك في رواية عنه. ونقل ابن الجوزي عن أحمد روايتين فيما إذا ترك التسمية عامدا، وإن تركها ناسيا .. حلت، فمن أباح أكل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها قال: المراد من الآية الميتات وما ذبح على اسم الأصنام؛ بدليل أنه في سياق الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية في الصيد وغيره. وذهب الشافعي وأصحابه وهو رواية عن مالك ورواية عن أحمد أن التسمية مستحبة لا واجبة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء بن أبي رباح.
وأجمع العلماء على أن آكل ذبيحة المسلم التي ترك التسمية عليها لا يفسق، واحتجوا في إباحتها أيضا بما روى البخاري في «صحيحه» عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمات، فما ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: «اذكروا أنتم اسم الله وكلوا». قالوا: لو كانت التسمية شرطا للإباحة .. لكان الشك في وجودها مانعا من أكلها كالشك في أصل الذبح. وقال الشافعي: أول الآية وإن كان عاما بحسب الصيغة إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة؛ وهي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ .. علمنا أن المراد من هذا العموم هو الخصوص. والفسق: ذكر اسم غير الله في الذبح كما قال في آخر السورة: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فصار هذا الفسق الذي أهل لغير الله به مفسرا لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ مخصوصا بما أهل لغير الله به، والله أعلم.
﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ﴾؛ أي: وإن شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴿لَيُوحُونَ﴾؛ أي: ليوسوسون ﴿إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ من المشركين، ويلقون إليهم بالوسوسة والتلقين الخادع ما يجادلوكم به من الشبهات ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾؛ أي: ليجادل أولئك الأولياء إياكم أيها المؤمنون بقولهم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم، وتتركون ما قتله الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: وإن وافقتم أيها المؤمنون أولئك الأولياء في أكل الميتة وما حرم الله عليكم ﴿إِنَّكُمْ﴾
стр. 3817
إذا ﴿لَمُشْرِكُونَ﴾ مثلهم. قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أحل الله؛ فهو مشرك، وإنما سمي مشركا؛ لأنه أثبت حاكما غير الله ، ومن كان كذلك فهو مشرك انتهى. قال عكرمة: وإن الشياطين؛ يعني: مردة المجوس ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش زخرف القول؛ ليصل ممن أكل الميتة إلى نبي الله وأصحابه ذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس، فكتبوا إلى قريش، وكانت بينهم مكاتبة إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال، وما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله هذه الآية.
وما يذبح (١) عند استقبال ملك أو أمير أو وزير أفتى بعض الحنفية بتحريم أكله؛ لأنه مما أهل به لغير الله، وقال بعض الشافعية: هم إنما يذبحونه استبشارا بقدومه؛ فهو كذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب التحريم، وهذا هو الراجح الذي عليه المعول.
الإعراب
﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَنَّنا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب. و ﴿نا﴾: اسمها. ﴿نَزَّلْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الْمَلائِكَةَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ تقديره: ولو أننا منزلون، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية بفعل محذوف تقديره: ولو ثبت تنزيلنا إليهم الملائكة، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع
стр. 3818
بفعل محذوف معطوفة على جملة ﴿أن﴾. ﴿وَحَشَرْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع بفعل محذوف معطوفة على جملة ﴿أَنَّنا﴾. ﴿قُبُلًا﴾: حال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ لأنه تخصص بالإضافة، ولكنه في تأويل مشتق تقديره: حالة كونهم معاينين ومشافهين للكفار، والتقدير: ولو ثبت تنزيلنا إليهم الملائكة وتكليم الموتى إياهم وحشرنا كل شيء عليهم. ﴿ما﴾: نافية ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ (اللام): حرف جر وجحود. ﴿يؤمنوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كان﴾ تقديره: ما كانوا أهلا للإيمان، وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من عام الأحوال.
﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَشاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة المستثنى المحذوف إليه تقديره: ما كانوا ليؤمنوا في حال من الأحوال إلا حال مشيئة الله تعالى إيمانهم.
﴿وَلكِنَّ﴾ (الواو): عاطفة. ﴿لكِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسمها، وجملة ﴿يَجْهَلُونَ﴾ خبر ﴿لكِنَّ﴾، وجملة ﴿لكِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية.
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾.
﴿وَكَذلِكَ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: وجعلا مثل جعلنا لك عدوا من هؤلاء المشركين. ﴿جَعَلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾. ﴿عَدُوًّا﴾: مفعول أول له. ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ بدل من ﴿عَدُوًّا﴾، والتقدير: وكذلك جعلنا عدوا شياطين الإنس والجن لكل نبي. وأعرب الزمخشري وأبو البقاء والحوفي ﴿شَياطِينَ﴾ مفعولا أول، والثاني ﴿عَدُوًّا﴾،
стр. 3819
و ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ حالا من ﴿عَدُوًّا﴾ لأنه صفته في الأصل، أو متعلق بالجعل قبله، والتقدير: وجعلنا شياطين الإنس والجن عدوا لكل نبي جعلا مثل جعلنا هؤلاء عدوا لك، فاصبر كما صبروا. ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلى بَعْضٍ﴾: متعلق به. ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ مفعول به. ﴿غُرُورًا﴾: مفعول لأجله، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ﴾. ﴿وَلَوْ﴾: (الواو): استئنافية.
﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿شاءَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿ما﴾: نافية. ﴿فَعَلُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ (الفاء): فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنه لو شاء ربك ما فعلوه، وأردت بيان ما هو الأصلح لك .. فأقول لك ﴿ذرهم وما يفترون﴾: ﴿ذرهم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿وَما﴾: (الواو): عاطفة، أو واو المعية. ﴿ما﴾: موصولة، أو نكرة موصوفة في محل النصب معطوفة على الهاء في ﴿ذرهم﴾، أو في محل النصب على أنه مفعول معه، أو مصدرية. ﴿يَفْتَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ إن قلنا موصولة اسمية، أو صفة لـ ﴿ما﴾ إن قلنا ﴿ما﴾ نكرة موصوفة، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: وذرهم والذين يفترونه، أو شيئا يفترونه، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على الهاء، أو منصوب على أنه مفعول معه، والتقدير: فذرهم وافتراءهم، أو مع افترائهم، وجملة (ذرهم) من الفعل والفاعل في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾.
﴿وَلِتَصْغى﴾ (الواو): عاطفة. ﴿لِتَصْغى﴾ (اللام): حرف جر وتعليل، ﴿تصغى﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، وجملة ﴿تصغى﴾ صلة أن
стр. 3820
المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولصغي أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، الجار والمجرور معطوف على ﴿غُرُورًا﴾، وما بينهما اعتراض، والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول للغرور ولصغي أفئدة الذين يؤمنون بالآخرة، ولكن لما كان المفعول الأول مستكملا لشروط النصب نصب، وهذا فات فيه شرط النصب، وهو صريح المصدرية واتحاد الفاعل، فإن فاعل الوحي بعضهم، وفاعل الإصغاء الأفئدة، فلذا وصل الفعل بحرف العلة.
﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾.
﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ (الواو): عاطفة. (اللام): حرف جر وتعليل، ﴿يرضوه﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولرضاهم إياه، الجار والمجرور معطوف على ﴿غُرُورًا﴾. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾: (الواو): عاطفة، (اللام): حرف جر وتعليل، ﴿يقترفوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولاقترافهم ما هم مقترفون، الجار والمجرور معطوف على ﴿غُرُورًا﴾. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب على المفعولية. ﴿هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما هم مقترفونه.
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا﴾.
﴿أَفَغَيْرَ﴾ (الهمزة): للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف تقديره: أأميل إلى زخارف الشياطين. (الفاء): عاطفة. ﴿غير الله﴾: مفعول به لـ ﴿أَبْتَغِي﴾ مقدم عليه. ﴿أَبْتَغِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد. حَكَمًا حال من ﴿غير﴾، أو تمييز له، وجملة ﴿أَبْتَغِي﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من الجلالة مؤكدة لإنكار ابتغاء غيره تعالى حكما؛ لأن ﴿غير﴾ هنا بمعنى مغاير، فيصح عمله في المضاف إليه. ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿إِلَيْكُمُ﴾: متعلق بأنزل.