← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

ونقله البغوي عن ابن عباس ﵄ ومالك في رواية عنه. ونقل ابن الجوزي عن أحمد روايتين فيما إذا ترك التسمية عامدا، وإن تركها ناسيا .. حلت، فمن أباح أكل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها قال: المراد من الآية الميتات وما ذبح على اسم الأصنام؛ بدليل أنه في سياق الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية في الصيد وغيره. وذهب الشافعي وأصحابه وهو رواية عن مالك ورواية عن أحمد أن التسمية مستحبة لا واجبة، وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء بن أبي رباح. وأجمع العلماء على أن آكل ذبيحة المسلم التي ترك التسمية عليها لا يفسق، واحتجوا في إباحتها أيضا بما روى البخاري في «صحيحه» عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمات، فما ندري أيذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: «اذكروا أنتم اسم الله وكلوا». قالوا: لو كانت التسمية شرطا للإباحة .. لكان الشك في وجودها مانعا من أكلها كالشك في أصل الذبح. وقال الشافعي: أول الآية وإن كان عاما بحسب الصيغة إلا أن آخرها لما حصلت فيه هذه القيود الثلاثة؛ وهي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ .. علمنا أن المراد من هذا العموم هو الخصوص. والفسق: ذكر اسم غير الله في الذبح كما قال في آخر السورة: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فصار هذا الفسق الذي أهل لغير الله به مفسرا لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وإذا كان كذلك كان قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ مخصوصا بما أهل لغير الله به، والله أعلم. ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ﴾؛ أي: وإن شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴿لَيُوحُونَ﴾؛ أي: ليوسوسون ﴿إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ من المشركين، ويلقون إليهم بالوسوسة والتلقين الخادع ما يجادلوكم به من الشبهات ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾؛ أي: ليجادل أولئك الأولياء إياكم أيها المؤمنون بقولهم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم، وتتركون ما قتله الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: وإن وافقتم أيها المؤمنون أولئك الأولياء في أكل الميتة وما حرم الله عليكم ﴿إِنَّكُمْ﴾

стр. 3817

إذا ﴿لَمُشْرِكُونَ﴾ مثلهم. قال الزجاج: وفيه دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله، أو حرم شيئا مما أحل الله؛ فهو مشرك، وإنما سمي مشركا؛ لأنه أثبت حاكما غير الله ، ومن كان كذلك فهو مشرك انتهى. قال عكرمة: وإن الشياطين؛ يعني: مردة المجوس ليوحون إلى أوليائهم من مشركي قريش زخرف القول؛ ليصل ممن أكل الميتة إلى نبي الله وأصحابه ذلك أنه لما نزل تحريم الميتة سمعه المجوس من أهل فارس، فكتبوا إلى قريش، وكانت بينهم مكاتبة إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، ثم يزعمون أن ما يذبحونه حلال، وما يذبحه الله حرام، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فأنزل الله هذه الآية. وما يذبح (١) عند استقبال ملك أو أمير أو وزير أفتى بعض الحنفية بتحريم أكله؛ لأنه مما أهل به لغير الله، وقال بعض الشافعية: هم إنما يذبحونه استبشارا بقدومه؛ فهو كذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب التحريم، وهذا هو الراجح الذي عليه المعول. الإعراب ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَنَّنا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب. و ﴿نا﴾: اسمها. ﴿نَزَّلْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْهِمُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الْمَلائِكَةَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ تقديره: ولو أننا منزلون، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية بفعل محذوف تقديره: ولو ثبت تنزيلنا إليهم الملائكة، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع

стр. 3818

بفعل محذوف معطوفة على جملة ﴿أن﴾. ﴿وَحَشَرْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع بفعل محذوف معطوفة على جملة ﴿أَنَّنا﴾. ﴿قُبُلًا﴾: حال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ لأنه تخصص بالإضافة، ولكنه في تأويل مشتق تقديره: حالة كونهم معاينين ومشافهين للكفار، والتقدير: ولو ثبت تنزيلنا إليهم الملائكة وتكليم الموتى إياهم وحشرنا كل شيء عليهم. ﴿ما﴾: نافية ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾ (اللام): حرف جر وجحود. ﴿يؤمنوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كان﴾ تقديره: ما كانوا أهلا للإيمان، وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من عام الأحوال. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَشاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة المستثنى المحذوف إليه تقديره: ما كانوا ليؤمنوا في حال من الأحوال إلا حال مشيئة الله تعالى إيمانهم. ﴿وَلكِنَّ﴾ (الواو): عاطفة. ﴿لكِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: اسمها، وجملة ﴿يَجْهَلُونَ﴾ خبر ﴿لكِنَّ﴾، وجملة ﴿لكِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية. ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾. ﴿وَكَذلِكَ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: وجعلا مثل جعلنا لك عدوا من هؤلاء المشركين. ﴿جَعَلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾. ﴿عَدُوًّا﴾: مفعول أول له. ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ بدل من ﴿عَدُوًّا﴾، والتقدير: وكذلك جعلنا عدوا شياطين الإنس والجن لكل نبي. وأعرب الزمخشري وأبو البقاء والحوفي ﴿شَياطِينَ﴾ مفعولا أول، والثاني ﴿عَدُوًّا﴾،

стр. 3819

و ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ حالا من ﴿عَدُوًّا﴾ لأنه صفته في الأصل، أو متعلق بالجعل قبله، والتقدير: وجعلنا شياطين الإنس والجن عدوا لكل نبي جعلا مثل جعلنا هؤلاء عدوا لك، فاصبر كما صبروا. ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلى بَعْضٍ﴾: متعلق به. ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ مفعول به. ﴿غُرُورًا﴾: مفعول لأجله، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿شَياطِينَ الْإِنْسِ﴾. ﴿وَلَوْ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿شاءَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿ما﴾: نافية. ﴿فَعَلُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فَذَرْهُمْ﴾ (الفاء): فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنه لو شاء ربك ما فعلوه، وأردت بيان ما هو الأصلح لك .. فأقول لك ﴿ذرهم وما يفترون﴾: ﴿ذرهم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿وَما﴾: (الواو): عاطفة، أو واو المعية. ﴿ما﴾: موصولة، أو نكرة موصوفة في محل النصب معطوفة على الهاء في ﴿ذرهم﴾، أو في محل النصب على أنه مفعول معه، أو مصدرية. ﴿يَفْتَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ إن قلنا موصولة اسمية، أو صفة لـ ﴿ما﴾ إن قلنا ﴿ما﴾ نكرة موصوفة، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: وذرهم والذين يفترونه، أو شيئا يفترونه، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على الهاء، أو منصوب على أنه مفعول معه، والتقدير: فذرهم وافتراءهم، أو مع افترائهم، وجملة (ذرهم) من الفعل والفاعل في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. ﴿وَلِتَصْغى﴾ (الواو): عاطفة. ﴿لِتَصْغى﴾ (اللام): حرف جر وتعليل، ﴿تصغى﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، وجملة ﴿تصغى﴾ صلة أن

стр. 3820

المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولصغي أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، الجار والمجرور معطوف على ﴿غُرُورًا﴾، وما بينهما اعتراض، والتقدير: يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول للغرور ولصغي أفئدة الذين يؤمنون بالآخرة، ولكن لما كان المفعول الأول مستكملا لشروط النصب نصب، وهذا فات فيه شرط النصب، وهو صريح المصدرية واتحاد الفاعل، فإن فاعل الوحي بعضهم، وفاعل الإصغاء الأفئدة، فلذا وصل الفعل بحرف العلة. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ (الواو): عاطفة. (اللام): حرف جر وتعليل، ﴿يرضوه﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولرضاهم إياه، الجار والمجرور معطوف على ﴿غُرُورًا﴾. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾: (الواو): عاطفة، (اللام): حرف جر وتعليل، ﴿يقترفوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولاقترافهم ما هم مقترفون، الجار والمجرور معطوف على ﴿غُرُورًا﴾. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب على المفعولية. ﴿هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما هم مقترفونه. ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا﴾. ﴿أَفَغَيْرَ﴾ (الهمزة): للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف تقديره: أأميل إلى زخارف الشياطين. (الفاء): عاطفة. ﴿غير الله﴾: مفعول به لـ ﴿أَبْتَغِي﴾ مقدم عليه. ﴿أَبْتَغِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد. حَكَمًا حال من ﴿غير﴾، أو تمييز له، وجملة ﴿أَبْتَغِي﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من الجلالة مؤكدة لإنكار ابتغاء غيره تعالى حكما؛ لأن ﴿غير﴾ هنا بمعنى مغاير، فيصح عمله في المضاف إليه. ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿إِلَيْكُمُ﴾: متعلق بأنزل.

стр. 3821

﴿الْكِتابَ﴾: مفعول به. ﴿مُفَصَّلًا﴾: حال من ﴿الْكِتابَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿أَنَّهُ﴾: (أن): حرف نصب ومصدر، و (الهاء): اسمها. ﴿مُنَزَّلٌ﴾: خبرها. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستتر في ﴿مُنَزَّلٌ﴾، وجملة (أن) في تأويل مصدر سد مسد مفعولي علم. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حال أهل الكتاب، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: (لا تكونن): (لا): ناهية جازمة. ﴿تَكُونَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، واسمها ضمير يعود على محمد. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: خبرها، وجملة تكون في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾: حالان من كلمة ﴿رَبِّكَ﴾، أو تمييزان لها. ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿مُبَدِّلَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لِكَلِماتِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُبَدِّلَ﴾، وخبر ﴿لا﴾ محذوف تقديره: لا مبدل لكلماته موجود، وجملة ﴿لا﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب حال من فاعل ﴿تَمَّتْ﴾ على أن الظاهر مغن عن الضمير الرابط، أو مستأنفة. ذكره «أبو السعود». ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾.

стр. 3822

﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿تُطِعْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿أَكْثَرَ﴾: مفعول به وهو مضاف. و ﴿مَنْ﴾ الموصولة في محل الجر مضاف إليه ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ جار ومجرور صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿يُضِلُّوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه جوابا لها، وعلامة جزمه حذف النون. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية، مستأنفة. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الظَّنَّ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، وجملة ﴿يَخْرُصُونَ﴾ في محل الرفع، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية المنفية معطوفة على الجملة الفعلية المنفية المذكورة فيها. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿رَبَّكَ﴾: اسمها ومضاف إليه. ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل أو مبتدأ. ﴿أَعْلَمُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، أو خبر المبتدأ، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مقررة لمضمون الجملة الشرطية وما بعدها ومؤكدة لما تفيده من التحذير كما في «أبي السعود». ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب بفعل محذوف دل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾ تقديره: إن ربك هو أعلم يعلم من يضل، والجملة المحذوفة في محل الرفع بدل من ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿يَضِلُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَضِلُّ﴾، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. و ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾. بِالْمُهْتَدِينَ: متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾. ﴿فَكُلُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على ما تقدم من مضمون الجمل المتقدمة كأنه قيل: اتبعوا ما أمركم الله به من أكل المذكى دون الميتة، ﴿كلوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كلوا﴾.

стр. 3823

﴿ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ﴾: فعل ونائب فاعل ومضاف إليه. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿ذُكِرَ﴾، والجملة الفعلية لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير عليه. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿بِآياتِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم بآياته مؤمنين .. فكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾: استفهامية للاستفهام الإنكاري التوبيخي في محل الرفع مبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿أَلَّا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَأْكُلُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾، مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: وأي غرض لكم في عدم أكلكم مما ذكر اسم الله عليه والجار المحذوف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَأْكُلُوا﴾. ﴿ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ﴾: فعل ونائب فاعل ومضاف إليه. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ (ما)، أو صفة لها. ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل النصب حال من الجلالة. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿فَصَّلَ﴾. (ما): موصولة، أو موصوفة في محل النصب على المفعولية. ﴿حَرَّمَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ (ما)، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما حرمه عليكم. ﴿إلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء، والظاهر أنه استثناء متصل؛ لأنه من جنس المستثنى منه. ﴿اضْطُرِرْتُمْ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة لـ (ما)، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿إِلَيْهِ﴾.

стр. 3824

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾. ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿كَثِيرًا﴾: اسمها. ﴿لَيُضِلُّونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿يضلون﴾: فعل وفاعل. ﴿بِأَهْوائِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يضلون﴾، ومفعول ﴿يضلون﴾ محذوف على قراءة ضم الياء تقديره: ليضلون الناس، وقراءة الفتح لا تحتاج إلى حذف، فرجحها بعضهم بهذا الاعتبار. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿يضلون﴾ تقديره: ملتبسين بغير علم، وجملة ﴿يضلون﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿أَعْلَمُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿بِالْمُعْتَدِينَ﴾: متعلق به، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾. ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ومضاف إليه. ﴿وَباطِنَهُ﴾: معطوف على ﴿ظاهِرَ الْإِثْمِ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها. ﴿يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. والجملة صلة الموصول. ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾: فعل مغير ونائب فاعل، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يجزون﴾: كانُوا: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَقْتَرِفُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كانوا يقترفونه. ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (٢١)﴾. ﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لا﴾: ناهية وجازمة. ﴿تَأْكُلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق

стр. 3825

بـ ﴿تَأْكُلُوا﴾. ﴿لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ﴾: جازم وفعل مغير ونائب فاعل ومضاف إليه. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُذْكَرِ﴾ وهو العائد على ﴿ما﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿وَإِنَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة، أو حالية، ﴿إن﴾: حرف نصب، ﴿الهاء﴾: اسمها. لَفِسْقٌ: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿فسق﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ إما مستأنفة، أو معطوفة على قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا﴾ على مذهب سيبويه، أو حال من ﴿ما﴾ الموصولة في قوله: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: ولا تأكلوه والحال إنه لفسق. ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ:﴾ ناصب واسمه. ﴿لَيُوحُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿يوحون﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يوحون﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: لام كي، ﴿يجادلوكم﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لمجادلتهم إياكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يوحون﴾. وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِنَّ﴾ حرف شرط ﴿أَطَعْتُمُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إِنَّ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وقبل ﴿إِنَّ﴾ الشرطية لام القسم مقدرة تقديره: ﴿ولئن أطعتموهم﴾. ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَمُشْرِكُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿مشركون﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها جواب القسم الذي قدرناه آنفا، وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده، وجاز الحذف؛ لأن فعل الشرط ماض كما ذكره السمين، والتقدير: وإن أطعتموهم فأنتم مشركون. التصريف ومفردات اللغة قوله: ﴿قُبُلًا﴾؛ أي: كفلا وضمنا بصدق محمد ﷺ ، جمع قبيل بمعنى كفيل، مثل رغيف ورغف، وقضيب وقضب، ونصيب ونصب، أو جمع قبيل بمعنى جماعة جماعة، أو صنفا صنفا كل صنف على حدة، والمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء فوجا فوجا، ونوعا نوعا من سائر المخلوقات.

стр. 3826

﴿عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ والعدو ضد الصديق؛ وهو من يفرح لحزنك ويحزن لفرحك، ويستعمل للواحد والجمع والمذكر والأنثى، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧)﴾؛ أي: أعداء، وقال ابن عباس كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان. ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ والإيحاء: الإعلام بالشيء من طريق خفي سريع كالإيماء، والزخرف: الزينة كالأزهار للرياض، والذهب للنساء، وما يصرف السامع عن الحقائق إلى الأوهام. قاله الزجاج، وقال أبو عبيدة: كل ما حسنته وزينته وهو باطل؛ فهو زخرف انتهى. والغرور: الخداع بالباطل. ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يقال: صغوت (١) كدعوت، وصغيت كرميت، وصغيت - بكسر الغين - كرضيت، فمصدر الأول: صغوا، والثاني: صغا، والثالث: صغا ومضارعها يصغى - بفتح الغين - وهي لازمة، وأصغى مثلها لازم، ويأتي متعديا بكون الهمزة فيه للنقل. قال الشاعر في اللازم: ترى السّفيه به عن كلّ محكمة ... زيغ وفيه إلى التّشبيه إصغاء وقال في المتعدي: أصاخ من نبأة أصغى لها أذنا ... صماخها بدخيس الذّوق مستور وأصله: الميل. يقال: صغت النجوم إذا مالت للغروب، وفي الحديث: فأصغى لها الإناء. قاله أبو حيان، ويقال: صغي (٢) إليه كرضي يصغى: مال، ومثله أصغى، ويقال: صغى فلان وصغوه معك؛ أي: ميله وهواه، كما يقال: ضلعه معك. وفي «المختار» صغا إذا مال، وبابه عدا وسما ورمى وصدى صغوا وصغيا أيضا، قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ وأصغى إليه مال بسمعه ونحوه، وأصغى الإناء أماله، انتهى. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ يقال: اقترف المال اكتسبه، والذنب اجترحه، وأكثر (٣) ما يكون

стр. 3827

في الشر والذنوب، ويقال: خرج يقترف لأهله؛ أي: يكتسب لهم، وقارف فلان الأمر؛ أي: واقعه، وقرفه بكذا رماه بريبة، واقترف كذبا، وأصله اقتطاع قطعة من الشيء. ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ والحكم: من يتحاكم إليه الناس ويرضون حكمه ﴿مُفَصَّلًا﴾؛ أي: مبينا فيه الحق والباطل، والحلال والحرام إلى غير ذلك من الأحكام ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾؛ أي: المترددين الشاكين. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ والكلمة هنا: إما القرآن أو القضاء كما مر، وتمام الشيء كما قال الراغب: انتهاؤه إلى حد لا يحتاج معه إلى شيء خارج عنه، وتمامها هنا أنها كافية وافية في الإعجاز والدلالة على صدق الرسول ﷺ ، والصدق: يكون في الإخبار، - ومنها المواعيد - والعدل: يكون في الأحكام، والتبديل: التغيير بالبدل. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يقال: خرص يخرص - من باب نصر - إذا حزر وقال بغير تيقين ولا علم ومنه: خرص بمعنى كذب وافترى خرصا وخروصا، وقال الأزهري: وأصله التظني فيما لا يستيقن، وأصل الخرص القطع، ومنه خرص النخل يخرص إذا حزره ليأخذ منه الزكاة، فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به؛ إذ لا يقين منه، والمعنى؛ أي: وما هم إلا يحدسون ويقدرون، وإذا كان هذا حال أكثر من في الأرض .. فالعلم الحقيقي هو عند الله تعالى، فاتبع ما أمرك به، ودع عنك طاعة غيره وهو العالم بمن يضل عن سبيله ومن يهتدي إليه. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ...﴾ إلخ. قال بعض أهل العلم (١): إن أعلم في الموضعين بمعنى يعلم. قال: ومنه قول حاتم الطائي: فحالفت طيّء من دوننا حلفا ... والله أعلم ما كنّا لهم خولا والوجه في هذا التأويل أن أفعل التفضيل لا ينصب الاسم الظاهر، فتكون من منصوبة بالفعل الذي جعل أفعل التفضيل نائبا عنه، وقيل: إن أفعل التفضيل

стр. 3828

على بابه، والنصب بفعل مقدر، وقيل: إنها منصوبة بأفعل التفضيل؛ أي: إن ربك أعلم أي الناس يضل عن سبيله، وهو ضعيف، وقيل: في محل نصب بنزع الخافض؛ أي: بمن يضل. قاله بعض البصريين، وقيل: في محل جر بإضافة أفضل التفضيل إليها. والله أعلم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع: فمنها: الإضافة لتشريف المضاف إليه في قوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ وفيه أيضا التعرض لوصف الربوبية تلطفا في التسلية. ومنها: الترقي في قوله: ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا﴾. قال أبو حيان (١): وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة؛ لأنه أولا يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرضا، فيكون الفعل، فكان كل واحد منها مسبب عما قبله. ومنها: التهديد والوعيد في قوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ على حد قوله ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾. ومنها: الإبهام في قوله: ﴿ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ لإفادة التعظيم والتبشيع لما يعملون نظير قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾. ومنها: التهييج والإلهاب في قوله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ لأن النبي ﷺ معصوم من الامتراء إن كان الخطاب له. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ اعتناء بشأنها، وحق العبارة لا مبدل لها لتقدم المرجع. ومنها: إطلاق العام وإرادة الخاص في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ لأن المراد علماء أهل الكتاب، وفي قوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأن المراد بالأكثر رؤساء مكة،

стр. 3829

وبالأرض أرض مكة. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ لأنه تأكيد للنفي المذكور قبله. ومنها: الطباق بين لفظ: ﴿مَنْ يَضِلُّ﴾ ولفظ بِالْمُهْتَدِينَ في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾، وبين لفظ ﴿ظاهِرَ﴾ ولفظ: ﴿باطن﴾ في قوله: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾؛ أي: تم كلامه ووحيه حيث أطلق الجزء وأراد الكل. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وبين قوله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ تأكيدا بالمفهوم من الأول. ومنها: الزيادة في مواضع. والله أعلم

стр. 3830

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين (١)

стр. 3831

أن أكثر أهل الأرض ضالون متبعون للظن والحدس، وأن كثيرا منهم يضلون غيرهم بأهوائهم بغير علم، وأن الشياطين منهم العاشين عن أمر ربهم يوحون إلى أوليائهم ما يجادلون به المؤمنين ليضروهم ويحملوهم على اقتراف الآثام، ويحملوهم أيضا على الشرك بالله بالذبح لغيره، والتوسل به إليه وهو عبادة له .. ضرب هنا مثلا يستبين به الفرق بين المؤمنين المهتدين للاقتداء بهم، والكافرين الضالين للتنفير من طاعتهم والحذر من غوايتهم، مع ذكر السبب في استحسان الكافرين لأعمالهم؛ وهو تزيين الشيطان لهم ما يعملون، ومن ثم انغمسوا في ظلمات لا خلاص لهم منها، وأصبحوا في حيرة وتردد على الدوام. قوله تعالى: ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) في الآيات السابقة أن سنته في البشر قضت بأن يكون في كل شعب أو أمة زعماء مجرمون يمكرون بالرسل وبدعاة الإصلاح، ويقاومون دعوتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .. ذكر هنا أن هذه السنة تنطبق أشد الانطباق على مجرمي أهل مكة الذين تعنتوا أشد التعنت فيما أنزل على محمد ﷺ من الآيات، ثم ذكر بعد هذا سنة الله في المستعدين للإيمان، وغير المستعدين مع ظهور الحق في نفسه. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) ما أعده من العذاب للمجرمين، وما أعده من الثواب والنعيم في دار السلام للمؤمنين إثر بيان أحوالهم وأعمالهم التي استحق بها كل منهما جزاءه .. أردف ذلك بذكر ما يكون قبل هذا الجزاء من الحشر وبعض ما يكون في يومه من الحساب، وإقامة الحجة على الكفار وسنة الله في إهلاك الأمم. قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية

стр. 3832

لما قبلها: أن الله لما حكى عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضا .. أردف ذلك ببيان أن ذلك يحدث بتقديره وقضائه. قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ...﴾ الآية. مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما كان الكلام في الآيات السالفة في تقرير حجة الله على المكلفين الذين بلغتهم الدعوة، فجحدوا بها، وأنهم يشهدون على أنفسهم يوم القيامة أنهم كانوا كافرين، وأن سنة الله في إهلاك الأمم في الدنيا بجنايتها على أنفسها لا بظلم منه تعالى .. ذكر هنا وعيد الآخرة، وأنه مرتب على أعمال المكلفين لا بظلم منه ، ولا لحاجة له تعالى إليه، لأنه غني عن العالمين، بل لأنه مقتضى الحق والعدل المقرونين بالرحمة والفضل. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ ...﴾ الآية، سبب نزولها على القول بأنها في أبي جهل وحمزة: أن أبا جهل رمى (١) النبي ﷺ بفرث، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل، وكان حمزة قد رجع من صيد وبيده قوس، وحمزة لم يكن إذ ذاك، فأقبل حمزة غضبان حتى علا أبا جهل، وجعل يضربه بالقوى، وجعل أبو جهل يتضرع إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى ألا ترى ما جاء به، سفه عقولنا، وسب آلهتنا، وخالف آباءنا! فقال حمزة: ومن أسفه منكم عقولا؟ تعبدون الحجارة من دون الله! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ ، فأسلم حمزة يومئذ، فنزلت هذه الآية. والقول الثاني؛ وهو قول الحسن في آخرين: أن هذه الآية عامة في حق كل مؤمن وكافر، وهذا هو الصحيح؛ لأن المعنى إذا كان حاصلا في الكل دخل فيه كل أحد. وأخرج ابن المنذر (٢)، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم في الآية قال: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام كانا ميتين في

стр. 3833

ضلالتهما، فأحيا الله تعالى عمر بالإسلام وأعزه، وأقر أبا جهل في ضلالته وموته، وذلك أن رسول الله ﷺ دعا فقال: «اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب». قوله تعالى: ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها على ما قيل: أن (١) الوليد بن المغيرة قال للنبي ﷺ : لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا، فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا نحن وهم كفرسي رهان .. قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله هذه الآية. التفسير وأوجه القراءة ١٢٢ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا﴾ للاستفهام الإنكاري داخلة على جملة إسمية محذوفة، والواو عاطفة ما بعدها على تلك المحذوفة، والتقدير: أأنتم أيها المؤمنون كأولئك الشياطين أو كأوليائهم الذين يجادلونكم بما يوحون إليهم من زخرف القول الذي غروهم به، ومن كان ميتا؛ أي: ضالا كافرا ﴿فَأَحْيَيْناهُ﴾؛ أي: فهديناه ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا﴾؛ أي: دينا وإيمانا ﴿يَمْشِي بِهِ﴾ آمنا ﴿فِي النَّاسِ﴾ من جهتهم ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ﴾؛ أي: كمن هو في ظلمات الكفر والضلال ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾؛ أي: ليس بمؤمن أبدا؛ أي: لا يستويان؛ أي: لا يستوي المؤمن والكافر، فلفظة المثل زائدة كما أشرنا إليه في الحل؛ لأن المثل معناه الصفة، والمستقر في الظلمات ذواتهم لا صفاتهم، كما زيدت في قوله تعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾: وفي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾: ويحتمل كونها أصلية. والمعنى عليه: أيستوي المؤمن والكافر ومن كان ميتا بالكفر والجهل، فأحييناه بالإيمان وجعلنا له نورا يمشي به في الناس على بصيرة من أمر دينه

стр. 3834

وآدابه ومعاملاته للناس كمن مثله المبين لحاله مثل السائر في ظلمات بعضها فوق بعض ظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر؛ وهو ليس بخارج منها؛ لأنه يبقى متحيرا لا يهتدي إلى وجه صلاحه، فيستولي عليه الخوف والفزع والعجز والحيرة الدائمة، وكذلك الخابط في ظلمات الجهل والتقليد، وفساد الفطرة ليس بخارج منها؛ لأنها قد أحاطت به وألفتها نفسه، فلم يعد يشعر بالحاجة إلى الخروج منها إلى النور، بل ربما شعر بالألم من هذا النور المعنوي كما يألم الخفاش بالنظر إلى النور الحسي، وإنما فسرنا الحياة في الآية بالهداية؛ لأنه كثيرا ما تستعار الحياة للهداية وللعلم، ومنه قول القائل: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسامهم قبل القبور قبور وإنّ امرءا لم يحي بالعلم ميّت ... فليس له حتّى النّشور نشور والخلاصة (١): أنه ينبغي للمسلم أن يكون حيا عالما على بصيرة في دينه وأعماله وحسن سيرته، وأن يكون القدوة والأسوة للناس في الفضائل والخيرات، والحجة على فضل دينه على سائر الأديان، وإنما قال: ﴿فِي النَّاسِ﴾ إشارة إلى تنويره على نفسه وعلى غيره من الناس، فذكر أن منفعة المؤمن ليست قاصرة على نفسه، وهذا (٢) مثل ضربه الله تعالى لحال المؤمن والكافر، فبين أن المؤمن المهتدي بمنزلة من كان ميتا فأحياه وأعطاه نورا يهتدي به في مصالحه، وأن الكافر بمنزلة من هو في الظلمات منغمس فيها ليس بخارج منها، فيكون متحيرا على الدوام. ووجه (٣) المناسبة في ضرب المثلين هنا ما تقدم في أول السورة ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾. ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: كما زين للمؤمنين إيمانهم ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ﴾ والمشركين ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي وعبادة الأصنام؛ أي (٤): حسّنّا لهم ما كانوا فيه من الجهالة والضلالة قدرا من الله وحكمة بالغة، لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ أي: مثل هذا التزيين الذي تضمنه المثل السابق، وهو تزيين نور الهدى والدين لمن أحياه الله حياة عالية، وتزيين ظلمات

стр. 3835

الضلال والكفر لموتى القلوب .. قد زين للكافرين وحسن ما كانوا يعملون من الآثام، كعداوة النبي ﷺ وذبح القرابين لغير الله تعالى، وتحريم ما لم يحرمه الله، وتحليل ما حرمه بمثل تلك الشبهات التي تقدم ذكرها. وقرأ الجمهور (١): ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا﴾ - بفتح الواو بعد الهمزة - وقرأ نافع وابن أبي نعيم بإسكانها. وقرأ طلحة: أفمن بالفاء بدل الواو. ١٢٣ - ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: وكما جعلنا في مكة صناديدها رؤساء ليمكروا فيها ﴿جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ من سائر القرى والعواصم ﴿أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾؛ أي: جعلنا مجرميها وفساقها أكابر ورؤساء فيها، ﴿أَكابِرَ﴾ مفعول ثان، و ﴿مُجْرِمِيها﴾ مفعول أول، والظرف لغو متعلق بنفس الفعل قبله؛ أي: جعلنا في كل بلدة فساقها عظماء ورؤساء. وقيل: إن قوله: ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مفعول ثان مقدم، و ﴿أَكابِرَ﴾ مفعول أول مؤخر، وهو مضاف لمجرميها، فيصير المعنى: وكذلك جعلنا عظماء المجرمين كائنين في كل قرية. وقرأ ابن مسلم: ﴿أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة وكان لمثنى أو مجموع أو مؤنث جاز أن يطابق وجاز أن يفرد، كقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ ذكره أبو حيان في «البحر». ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾، أي: ليفعلوا المكر فيها، وهذا (٢) دليل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى، وإنما جعل المجرمين أكابر؛ لأنهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الباطل على الناس من غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل رياستهم، وذلك سنة الله أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم وجعل فساقهم أكابرهم. وقال مجاهد: كان يجلس على كل طريق من طرق مكة أربعة أنفار يصرفون الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ ، ويقولون لكل من يقدم: هو كذاب ساحر كاهن. فكان هذا مكرهم.

стр. 3836

وحاصل الكلام (١): أن سنة الله تعالى في المجتمع البشري قد قضت أن يكون في كل عاصمة لشعب أو أمة بعث فيها رسول أو لم يبعث زعماء مجرمون يمكرون بالرسل وبسائر المصلحين من بعدهم، وهكذا كان الحال في أكثر أكابر الأمم والشعوب، ولا سيما في العصور التي تكثر فيها المطامع، ويعظم فيها حب الرياسة والكبرياء، فتراهم يمكرون بالأفراد والجماعات، فيحفظوا رياستهم ويعززوا كبرياءهم كما يمكرون بغيرهم من الساسة والرؤساء إرضاء لمطامع أمتهم، وتعزيزا لنفوذ حكومتهم بين الشعوب والدول. والمراد بالأكابر المجرمين من يقاومون دعوة الإصلاح، ويعادون المصلحين من الرسل وورثتهم، وكان أكثر أكابر مكة كذلك، وتخصيص الأكابر بذلك؛ لأنهم أقدر على المكر واستتباع الناس لهم. ﴿وَما يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل في عصرهم، ودعاة الإصلاح من ورثتهم من بعدهم ﴿إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: وما يحيق شر مكرهم إلا بهم ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: وما يعلمون بذلك أصلا، بل يزعمون أنهم يمكرون بغيرهم. وهكذا شأن (٢) من يعادون الحق والعدل، ليبقى لهم ما هم عليه من فسق وفساد؛ لأن سنة الله قد جرت بأن عاقبة المكر السيء تحيق بأهله في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبما ثبت في القرآن من نصر المرسلين وهلاك الكافرين المعاندين، ومن علو الحق على الباطل، ومن هلاك القرى الظالمة، وبما أيده الاختبار، ودلت عليه نظم العمران من أن تنازع البقاء يقضي ببقاء الأمثل والأصلح ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. وقد أشارت الآيات إلى أن هذا كان سنة الله في الأولين، فقال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: فالذين كانوا يمكرون السيئات لمقاومة إصلاح الرسل

стр. 3837

حرصا على رياستهم وفسقهم وفسادهم .. لم يكونوا يشعرون بأن عاقبة مكرهم تحيق بهم لجهلهم بسنن الله في خلقه، وهم خليقون بهذا الجهل. وأما في الآخرة فالأمر واضح والنصوص متظاهرة على ذلك. وهذه الجملة متضمنة لوعيد الماكرين من مجرمي أهل مكة، وفيها وعد وتسلية للنبي ﷺ والمؤمنين. ١٢٤ - ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ﴾؛ أي: وإذا جاءت مشركي العرب كالوليد بن المغيرة وعبد ياليل وأبي مسعود الثقفي ﴿آيَةٌ﴾ من القرآن تأمرهم باتباع محمد ﷺ وتخبرهم بصنيعهم ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾؛ أي: قالوا: لن نصدقك ﴿حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ ؛ أي: حتى يوحى إلينا ويأتينا جبريل، فيخبرنا أنك رسول الله، وأنك صادق. قال تعالى ردا عليهم: ﴿اللَّهِ﴾ : ﴿أَعْلَمُ﴾؛ أي: عالم ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾؛ أي: الموضع الذي يجعل فيه رسالته؛ أي: أعلم من يليق برسالته؛ أي: بإرسال جبريل إليه لأمر من الأمور، وهذا إعلام بأنهم لا يستحقون ذلك التشريف، وهذا (١) المعنى قول الحسن، ومنقول عن ابن عباس. [معنى آخر للآية:] وقيل معنى الآية: وإذا جاءتهم آية على صدق النبي ﷺ .. قالوا: لن نؤمن برسالته أصلا حتى نؤتى نحن من الوحي والنبوة مثل إيتاء رسل الله. قال تعالى: إنه تعالى يعلم من يستحق الرسالة، فيشرفه بها ويعلم من لا يستحقها، وأنتم لستم أهلا لها، ولأن النبوة لا تحصل لمن يطلبها، خصوصا لمن عنده حسد ومكر وغدر. [معنى آخر للآية أيضا:] وقيل المعنى (٢): وإذا جاءت أولئك المشركين آية بينة من القرآن تتضمن صدق الرسول ﷺ فيما جاء به عن ربه من التوحيد والهدى .. قالوا: لن نؤمن إلا إذا أتى على يديه من الآيات الكونية التي يؤيده الله بها مثل ما أوتي رسل الله كفلق البحر لموسى، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى. وقال ابن

стр. 3838

كثير: أي: حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة كما تأتي إلى الرسل، بمعنى قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ...﴾ الآية. وخلاصة ذلك: أنهم لا يؤمنون بالرسالة إلا إذا صاروا رسلا يوحى إليهم، وقد رد عليهم جهالتهم وبين لهم خطأهم بقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾؛ أي: هو أعلم حيث يضع رسالته ومن يصلح لها من خلقه، وهذا كقوله حكاية عنهم: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ...﴾ الآية، يريدون لولا نزل هذا القرآن على رجل عظيم مبجل في أعينهم من القريتين مكة والطائف، ذلك أنهم جازاهم الله تعالى بما يستحقون، كانوا يزدرون الرسول ﷺ بغيا وحسدا وعنادا واستكبارا كما قال تعالى: ﴿وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦)﴾ وهم مع ذلك كانوا يعترفون بشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه ومنشئه، وكانوا يسمونه بالأمين، فكان ينبغي أن يكون في ذلك مقنع لهم بأنه أولى من أولئك الأكابر الحاسدين له بالرسالة وبكل ما فيه الكرامة، ولكن الحسد والبغي والتقليد كل أولئك كان الباعث لهم على تلك الأقوال، وعمل هاتيك الأفعال في عداوته ومعاندته. والخلاصة: أن الرسالة فضل من الله يمنحه من يشاء من خلقه لا يناله أحد بكسب، ولا يصل إليه بسبب ولا نسب، ولا يعطيه إلا من كان أهلا له لسلامة الفطرة وطهارة القلب وحب الخير والحق، وقد اختار أن يجعل الرسالة في محمد صفيه وحبيبه، فدعوا طلب ما ليس من شأنكم. وقرأ حفص وابن كثير: رِسالَتَهُ بالإفراد، والباقون على الجمع. فائدة: ويستجاب (١) الدعاء بين هاتين الجلالتين وهذا دعاء عظيم يدعى به بينهما ووجد بخط بعض الفضلاء؛ وهو «اللهم من الذي دعاك فلم تجبه، ومن الذي استجارك فلم تجره، ومن الذي سألك فلم تعطه، ومن الذي استعان بك فلم

стр. 3839

تعنه، ومن الذي توكل عليك فلم تكفه، يا غوثاه يا غوثاه يا غوثاه بك أستغيث أغثني يا مغيث واهدني هداية من عندك، واقض حوائجنا، واشف مرضانا، واقض ديوننا، واغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا بحق القرآن العظيم والرسول الكريم برحمتك يا أرحم الراحمين». ثم أوعدهم وبين سوء عاقبتهم لحرمانهم من الاستعداد للإيمان فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: سيصيب الذين أشركوا بقولهم: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله ومكروا بك ﴿صَغارٌ﴾؛ أي: ذل وهوان وحقارة في الدنيا ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: ثابت لهم في حكم الله تعالى بالقتل والأسر ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ بالنار في الآخرة ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: بسبب مكرهم بقولهم ذلك، وحسدهم للنبي ﷺ ، وتكذيبهم له وطلبهم ما لا يستحقون. وقال اسماعيل الضرير (١): في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: صغار وعذاب شديد عند الله في الآخرة انتهى. أي: سيصيب (٢) المجرمين الماكرين الذين قد قضت سنة الله أن يكونوا زعماء في كل شعب دب فيه الفساد عذاب شديد مكان ما تمنوه وعلقوا به آمالهم من عز النبوة وشرف الرسالة. ومعنى كونه من عند الله: أنه مما اقتضاه حكمه وعدله وسبق به تقديره، فإن ما هو ثابت عند الله في حكمه التكويني الذي دبر به نظام الخلق وحكمه الشرعي التكليفي الذي أقام به العدل والحق .. يقال: إنه من عند الله، ويكون هذا جزاء لهم على استكبارهم عن الحق في دار الدنيا كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾. وعذاب الأمم في الدنيا بذنوبها مطرد، وعذاب الأفراد لا يطرد، وإن كانوا من المجرمين الماكرين، وقد عذب الله في الدنيا أكابر مجرمي أهل مكة الذين

стр. 3840

تصدوا لإيذاء النبي ﷺ والكيد له، فقتل منهم من قتل في بدر، ولحق الصغار والهوان بالباقين. ١٢٥ - ثم أردف ذلك بالموازنة بينهم وبين المستعدين للإيمان، فقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾؛ أي: فمن يرد الله هدايته للحق ويرشده لدينه ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾؛ أي: يوسع قلبه ﴿لِلْإِسْلامِ﴾ حتى يقبله بصدر منشرح منبسط له. ومعنى الآية (١): فمن يرد الله تعالى أن يهديه للإيمان بالله وبرسوله وبما جاء به من عنده .. يوفقه له ويشرح صدره لقبوله ويهونه عليه، ويسهله له بفضله وكرمه ولطفه به وإحسانه إليه، فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه، فيضيء به ويتسع له صدره. والخلاصة (٢): فمن كان أهلا بإرادة الله وتقديره لقبوله دعوة الإسلام الذي هو دين الفطرة والهادي إلى طريق الحق والرشاد .. وجد لذلك في نفسه انشراحا واتساعا بما يشعر به قلبه من السرور، فلا يجد مانعا من النظر الصحيح فيما ألقي إليه فيتأمله وتظهر له عجائبه، وتتضح له دلالته، فتتوجه إليه إرادته، ويذعن له قلبه بما يرى من ساطع النور الذي يستضيء به لبه، وباهر البرهان الذي يتملك نفسه. ولما نزلت هذه الآية (٣) .. سئل رسول الله ﷺ عن شرح الصدر، فقال: «هو نور يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح»، فقالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: «نعم، الإنابة إلى الدار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت». وأسند الطبري عن ابن مسعود ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ حين نزلت عليه هذه الآية: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ قال: «إذا دخل النور القلب .. انفسح وانشرح». قالوا: فهل لذلك من آية يعرف بها؟ قال: «الإنابة إلى دار

стр. 3841

الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت». ﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ الله ﴿أَنْ يُضِلَّهُ﴾؛ أي: إضلاله وشقاوته ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ﴾ وقلبه ﴿ضَيِّقًا﴾ عن قبول الإسلام غير متسع له ﴿حَرَجًا﴾؛ أي: شديد الضيق لا يتسع لشيء من الهدي، ولا يخلص إليه شيء من الإيمان فهو بمعنى الضيق مع المبالغة كرره تأكيدا، وحسن ذلك اختلاف اللفظ ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾؛ أي: كأنما يتكلف صدره الصعود في السماء، ويحاول الطلوع إليها، ويزاول أمرا غير ممكن. قال ابن جرير: وهذا (١) مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة ضيقه عن وصول الإيمان إليه مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه؛ لأنه ليس في وسعه، أي: أن (٢) من فسدت فطرته بالشرك وتدنست نفسه بالآثام والذنوب .. يجد في صدره ضيقا أيما ضيق إذا طلب إليه التأمل فيما يدعى له من دلائل التوحيد، والنظر في الآفاق والأنفس لما استحوذ على قلبه من باطل التقاليد والاستكبار عن مخالفة ما ألفه وسار عليه الناس، وتضعف إرادته عن ترك ما هو عليه، فتكون إجابته الداعي إلى الدين الجديد ثقيلة عليه، ويشعر بالعجز عن احتمالها، ويكون مثله مثل من صعد في الطبقات العليا في جو السماء إذ يشعر بضيق شديد في التنفس، وكلما صعد في الجو أكثر شعر بضيق أشد، حتى إذا ما ارتفع إلى أعلى من ذلك شعر بتخلخل الهواء، ولم يستطع سبيلا إلى البقاء، فإن هو قد بقي فيها مات اختناقا. وخلاصة ذلك: أن الله ضرب مثلا لضيق النفس المعنوي يجده من دعي إلى الحق، وقد ألف الباطل وركن إليه بضيق التنفس الذي يجده من صعد بطائرة إلى الطبقات العليا من الجو حتى لقد يشعر بأنه أشرف على الهلاك، وهو لا محالة هالك إن لم يتدارك نفسه، وينزل من هذا الجو إلى طبقات أسفل. سبحانك ربي، نطق كتابك الكريم بقضية لم يتفهم سرّها البشر، ولم يفقه

стр. 3842

معرفة كنهها إلا بعد أن مضى على نزولها نحو أربعة عشر قرنا، وتقّدم فنّ الطيران، الآن علم الطيارين بالتجربة صدق ما جاء في كتابك، ودل على صحة ما ثبت في علم الطبيعة من اختلاف الضغط الجوي في مختلف طبقات الهواء، وقد علم الآن أن الطبقات العليا أقل كثافة في الهواء من الطبقات التي هي أسفل منها، وأنه كلما صعد الإنسان إلى طبقة أعلى شعر بالحاجة إلى الهواء وبضيق في التنفس نتيجة لقلة الهواء الذي يحتاج إليه حتى لقد يحتاجون أحيانا إلى استعمال جهاز التنفس؛ ليساعدهم على السير في تلك الطبقات. وهذه الآيات وأمثالها لم يستطع العلماء أن يفسروها تفسيرا جليا؛ لأنهم لم يهتدوا لسرها، وجاء الكشف الحديث وتقدم العلوم، فأمكن شرح مغزاها وبيان المراد منها بحسب ما أثبته العلم، ومن هذا صح قولهم: الدين والعلم صنوان لا عدوان، وهكذا كلما تقدم العلم أرشد إلى إيضاح قضايا خفي أمرها على المتقدمين من العلماء والمفسرين. وخلاصة معنى الآية (١): فمن يرد الله أن يهديه قوّى في قلبه ما يدعوه إلى الإيمان؛ بأن اعتقد أن نفعه زائد وخيره راجح وربحه ظاهر، فمال طبعه إليه وقويت رغبته في حصوله وحصل في القلب استعداد شديد لتحصيله، ومن يرد أن يضله ألقى في قلبه ما يصرفه عن الإيمان ويدعوه إلى الكفر بأن اعتقد أن شر الإيمان زائد وضرره راجح، فعظمت النفرة عنه، فإن الكافر إذا دعي إلى الإسلام شق عليه جدا، كأنه كلف أن يصعد إلى السماء إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره عنه، ولا يقدر على ذلك، أو المعنى: كان قلب الكافر يصعد إلى السماء تكبرا عن قبول الإسلام. وقرأ ابن كثير (٢): ﴿ضَيِّقًا﴾ - بالتخفيف - مثل هين ولين، وقرأ الباقون بالتشديد، وهما لغتان، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم: ﴿حَرِجًا﴾ - بكسر الراء -

стр. 3843

ومعناه الضيق، فيكون تأكيدا لما قبله، وقرأ الباقون: ﴿حرجا﴾ - بفتح الراء - جمع حرجة، وهي شدة الضيق. وقرأ ابن كثير: كأنما يصعد - بالتخفيف من الصعود - وقرأ النخعي: ﴿يصّاعد﴾ - بتشديد الصاد مع الألف - وأصله يتصاعد، وقرأ الباقون: ﴿يَصَّعَّدُ﴾ - بالتشديد بدون ألف - وأصله يتصعد. وقرأ ابن مسعود وطلحة: ﴿تصعد﴾ - بتاء من غير ألف - وقرأ أبي بن كعب: ﴿يتصاعد﴾ بتاء وألف. ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: كما جعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقا حرجا بالإسلام ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾؛ أي: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بآيات الله ويعرضون عن الإيمان بها، أو يسلط الله الشيطان عليهم، فيظهر أثر ذلك في تصرفاتهم وأعمالهم، فيكون غالبا قبيحا سيئا في ذاته، أو فيما بعث عليه من قصد ونية؛ لأن الإيمان الذي اجتنبوه هو الذي يصد عنه ويطهر الأنفس منه. ١٢٦ - ﴿وَهذا﴾ الإسلام الذي يشرح له صدر من أراد هدايته هو ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ الذي بعثك به، وبين لك أصوله وعقائده بالبراهين الواضحة والبينات الظاهرة حالة كونه ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ في نظر العقول الراجحة والفطر السليمة بعيدا من الإفراط والتفريط، فلا اعوجاج فيه ولا التواء، بل هو السبيل السوي وما عداه من الملل والنحل فهو معوج ملتو بما فيه من زيغ وفساد، وخروج عن الجادة التي يؤيدها العقل، وتستند إلى النقل، كما قال عليّ - كرم الله وجهه - في نعت القرآن: هو الصراط المستقيم، وحبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾؛ أي: قد فسرنا آيات القرآن وأوضحناها، وبيناها بالوعد والوعيد، والثواب والعقاب، والحلال والحرام، والأمر والنهي وغير ذلك ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ أي: لقوم يتذكرون بها ويتعظون بما فيها من المواعظ والعبر، فيؤمنون بها فيزدادون بذلك يقينا ورسوخا في الإيمان كما يزدادون موعظة تبعثهم على الإذعان والعمل الصالح؛ وهم أصحاب محمد ﷺ ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وخصوا بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها، وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال.

стр. 3844

١٢٧ - ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء القوم المتذكرين ﴿دارُ﴾ الله ﴿السَّلامِ﴾ ؛ أي: المنزه عن جميع النقائص؛ لأن السلام اسم من أسمائه تعالى، وهي الجنة أضافها إلى نفسه تعظيما، أو دار السلامة من كل آفة وكدر ومكروه؛ أي: السلامة الدائمة التي تنقطع، سميت الجنة بذلك؛ لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلامة؛ لأن السلام بمعنى السلامة نظير الضلال والضلالة، أو دار السلام بمعنى التحية؛ لقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾، ﴿إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا (٢٦)﴾ حالة كونها مدخرة لهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني أن الجنة معدة مهيأة لهم عند ربهم حتى يوصلهم إليها ﴿وَهُوَ﴾ ﴿وَلِيُّهُمْ﴾؛ أي: متكفل لهم بجميع مصالحهم في الدين والدنيا ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بسبب أعمالهم الصالحة، أو متولي أمورهم بالتوفيق والهداية في الدنيا، وبالجزاء والجنة في الآخرة، أو محبهم أو ناصرهم على أعدائهم بسبب أعمالهم الصالحة. ١٢٨ - والظرف في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ متعلق بقول مقدر بعده، تقديره: ويوم نحشر الخلائق جَمِيعًا من الأولين والآخرين في عرصات القيامة، نقول للجن: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ وهذا أولى من تقدير: أذكر؛ لخروجه حينئذ عن الظرفية، كما قاله أبو حيان في «البحر». وقرأ حفص بالياء في ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾؛ أي: ويوم يحشر الله الخلائق جميعا، وهو يوم القيامة يقول للجن: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ وباقي السبعة بالنون، وهذا النداء نداء شهرة وتوبيخ لهم على رؤوس الأشهاد؛ أي: يا جماعة الجن ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾؛ أي: قد أكثرتم الاستمتاع والانتفاع، والتلذذ بالإنس بطاعتهم لكم ودخولهم فيما تريدون منهم. وقيل المعنى: أكثرتم الإغواء والإضلال من الإنس حتى صاروا في حكم الأتباع لكم ﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ﴾؛ أي: أولياء الجن وأصحابهم الذين هم ﴿مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿اسْتَمْتَعَ﴾ وانتفع ﴿بَعْضُنا﴾ معاشر الجن والإنس ﴿بِبَعْضٍ﴾ آخر؛ أي: انتفع الجن بالإنس وانتفع الإنس بالجن؛ أي: انتفع كل من الجنسين بالآخر؛ أي: وقال الذين تولوا الجن من الإنس في جواب الرب تعالى: ربنا تمتع كل منا بالآخر بما كان للجن من اللذة في إغوائنا بالأباطيل وأهواء الأنفس وشهواتها، وبما كان لنا في طاعتهم ووسوستهم من اللذة في اتباع الهوى

стр. 3845

والانغماس في اللذات. قال الحسن البصري: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإنس انتهى. قال الكلبي (١): فأما استمتاع الإنس بالجن: كان الرجل في الجاهلية إذا سافر، فنزل بأرض قفراء، وخاف على نفسه من الجن .. قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوارهم، وأما استمتاع الجن بالإنس: فهو أنهم قالوا: سدنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا، فيزدادون بذلك شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم. وقيل: استمتاع الإنس بالجن هو ما كانوا يلقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة، وتزيينهم الأمور التي كانوا يهوونها وتسهيل سبلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس للجن فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي، وقيل غير ذلك. وقيل: إن قوله: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ هو من كلام الإنس خاصة؛ لأن استمتاع الجن بالإنس، وبالعكس أمر نادر لا يكاد يظهر، أما استمتاع الإنس بعضهم ببعض فهو ظاهر، فوجب الكلام عليهم. ﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا﴾؛ أي: أدركنا ووصلنا بعد استمتاع بعضنا ببعض إلى الأجل الذي حددته لنا، وهو يوم البعث والجزاء، وقد اعترفنا بذنوبنا، فاحكم فينا بما تشاء وأنت الحكم العدل، وقرىء: ﴿آجالنا﴾ - على الجمع الذي على التذكير والإفراد - قال أبو علي: هو جنس أوقع (الذي) موقع (التي)، انتهى. ذكره أبو حيان في «البحر». ومقصدهم (٢) من هذا الإخبار إظهار الحسرة والندامة على ما كان منهم من التفريط في الدنيا وتفويض الأمر إلى ربهم العليم بحالهم، ولم يذكر هنا قول المتبوعين من الجن، وحكاه في آي أخرى، فقال - سبحانه - في الفريقين: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وكما ذكر في سورة البقرة كيف يتبرأ بعضهم من بعض، وحكى في إبراهيم

стр. 3846

أقوال كل من الضعفاء التابعين من الناس، وأقوال المتكبرين المتبوعين وقول الشيطان للفريقين وتنصله من استحقاق الملام وكفره بما أشركوا. ﴿قالَ﴾ الله لهؤلاء الذين استمتع بعضهم ببعض من الجن والإنس ردا عليهم ﴿النَّارُ﴾ الأخروية ﴿مَثْواكُمْ﴾؛ أي: منزلكم وموضع إقامتكم ومقركم فيها ومصيركم إليها حالة كونكم ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ أي: في النار؛ أي: مقيمين فيها إقامة خلود أبدا ﴿إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ من الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب السعير إلى عذاب الزمهرير، فيشتد البرد عليهم فيه، فيطلبون الرد إلى الجحيم كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه وتدبيره، فيضع كل شيء في محله اللائق به، وقيل: حكيم فيما يفعله من ثواب الطائع وعقاب العاصي، وفي سائر وجوه المجازاة ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه، فيجازي كلا بعمله، أو عليم بعواقب أمور خلقه وما هم إليه صائرون، كأنه قال: إنما حكمت لهؤلاء الكفار بالخلود في النار؛ لعلمي بأنهم يستحقون ذلك. ١٢٩ - ﴿وَكَذلِكَ﴾؛ أي: وكما متعنا الإنس والجن بعضهم ببعض ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ آخر منهم؛ أي: نسلط بعض الظالمين بالكفر والمعاصي، أي: نسلط ونؤمر بعضهم على بعض ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ أي: بسبب ما يعملونه من الكفر والمعاصي، أو بسبب كسبهم وعملهم المعاصي. والضمير في ﴿كانُوا﴾ عائد على البعض الثاني كما في «الجمل». والمعنى: كما متعنا الإنس والجن بعضهم ببعض نسلط بعض الظالمين بعضهم على بعض بسبب كسبهم من المعاصي، فيؤخذ الظالم بالظالم لما في الحديث. «ينتقم الله من الظالم بالظالم، ثم ينتقم من كليهما»، وفي الحديث أيضا «كما تكونوا يولّ عليكم» ومن هذا المعنى قول الشاعر: وما من يد إلا يد الله فوقها ... وما من ظالم إلا سيبتلى بأظلم وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: إن الله تعالى إذا أراد بقوم

стр. 3847

خيرا ولى أمرهم خيارهم، وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم. أي: ومثل (١) ذلك الذي ذكر من استمتاع أولياء الإنس والجن بعضهم ببعض في الدنيا لما بينهم من التناسب والمشاكلة نولي بعض الظالمين لأنفسهم وللناس بعضهم على بعض آخر بسبب ما كانوا يكسبون باختيارهم من أعمال الظلم المشتركة بينهم. روي عن قتادة أنه قال في تفسير الآية: إنما يولي الله بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن من أين كان وحيثما كان، والكافر ولي الكافر من أين كان وحيثما كان، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولعمري لو عملت بطاعة الله، ولم تعرف أهل طاعة الله .. ما ضرك ذلك، ولو عملت بمعصية الله وتوليت أهل طاعة الله .. ما نفعك ذلك شيئا، انتهى. وروى أبو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم، انتهى. ذاك أن الملوك يتصرفون في الأمم الجاهلة الضالة تصرف الرعاة في الأنعام السائمة، فهم يتخذون الوزراء والحاشية من أمثالهم، فيقلدوهم وهم جمهور الأمة في سيء أعمالهم، فيغلب الفساد على الصلاح، ويفسقون عن أمر الله فيهلكون، أو يسلط عليهم الأمم القوية التي تستبيح حماهم، وتشل عروشهم ويصبحون مستعبدين أذلاء بعد أن كانوا سادة أعزاء، كما قال : ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦)﴾. أما الأمم العالمة بسنن الاجتماع التي أمرها شورى بين زعمائها وأهل الرأي فيها، فلا يستطيع الملوك أن يتصرفوا فيها كما يشاؤون، بل يكونون تحت مراقبة أولي الأمر فيها، وقد (٢) وضع الإسلام هذا الدستور، فجعل أمر الأمة بين أهل الحل والعقد، وأمر الرسول بالمشاورة وسار على هذا النهج، وجعلت الولاية العامة - الخلافة - بالانتخاب. واقتفى الخلفاء الراشدون خطواته، وجروا على سنته، فقال الخليفة الأول

стр. 3848

أبو بكر ﵁ في أول خطبة له: أما بعد: فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينوني، وإذا زغت فقوموني. وقال الخليفة الثاني على المنبر: من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقومه. وقال الخليفة الثالث على المنبر أيام الفتنة: أمري لأمركم تبع. وقوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ يشمل الظالمين لأنفسهم والظالمين للناس من الحكام وغيرهم؛ إذ كل من هؤلاء وأولئك يتولى من يشاكله في أخلاقه وأعماله، وينصره على من يخالفه. ١٣٠ - ثم أجاب عن سؤال يخطر بالبال، وهو: ما حال الظالمين إذا قدموا على الله يوم القيامة؟ فأجاب بأنهم يسألون، فقال: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ وهذا شروع (١) في حكاية ما سيكون من توبيخ المعشرين بما يتعلق بخاصة أنفسهم إثر حكاية توبيخ معشر الجن بإغواء الإنس وإضلالهم إياهم؛ أي: ويوم نحشرهم جميعا نقول توبيخا لهم وتقريرا: يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل من مجموعكم؛ أي: من بعضكم؛ وهو الإنس، والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع. والصحيح (٢) أن الرسل إنما كانت من الإنس خاصة، وقد قام الإجماع على أن النبي ﷺ مرسل للإنس والجن كافة، والمراد برسل الجن هم الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ ، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، فالمراد بالرسل ما يعم رسل الرسل، فالله تعالى إنما بكت الكفار بهذه الآية؛ لأنه تعالى أزال العذر وأزاح العلة بسبب أنه تعالى أرسل الرسل إلى الكل مبشرين ومنذرين، فإذا وصلت البشارة والنذارة إلى الكل بهذا الطريق .. فقد حصل ما هو المقصود من إزاحة العذر وإزالة العلة. وقد زعم (٣) قوم أن الله أرسل للجن رسولا منهم يسمى يوسف. وقرأ الأعرج: ﴿ألم تأتكم﴾ على تأنيث لفظ رسل بالتاء. والجن عالم غيبي لا نعرف عنه إلا ما ورد به، وقد دل الكتاب الكريم وصحيح الأحاديث على أن النبي ﷺ أرسل إليهم، كقوله تعالى حكاية عن الذين استمعوا القرآن

стр. 3849

منهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ فهذا ظاهر في أنه كان مرسلا إليهم فنؤمن بذلك، ونفوض الأمر فيما عداه إلى الله، ثم بين سبحانه وظيفة الرسل الذين أرسلهم الله إلى الفريقين بقوله: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾؛ أي: يقول الله يوم القيامة لكفار الجن والإنس على سبيل التقريع والتوبيخ والتقرير يا معشر الجن والإنس، ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آياتي؛ أي: يخبرونكم بما أوحي إليهم من آياتي الدالة على توحيدي وتصديق رسلي المبينة لأصول الإيمان، وأحاسن الآداب والفضائل، والمفصلة لأحكام التشريع التي من ثمراتها صلاح الأعمال والنجاة من الأهوال ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾؛ أي: ويخوفونكم لقاء عذابي في يومكم هذا؛ وهو يوم الحشر الذي عاينوا فيه ما أعد لهم من أنواع العقوبات الهائلة، ثم أجابوا عن سؤال فهم من الكلام السابق كأنه قيل: فماذا قالوا حين ذلك التوبيخ الشديد؟ فقيل: ﴿قالُوا﴾ أي: قال كفار الجن والإنس ﴿شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾؛ أي: شهدنا واعترفنا وأقررنا بإتيان الرسل إيانا، وبإنذارهم لنا، وبمقابلتنا لهم بالكفر والتكذيب، وفي هذا الجواب اعتراف صريح بكفرهم وإقرار بأن الرسل قد أتوهم وبلغوهم دعوتهم إما مشافهة أو نقلا عمن سمعوا منهم. وهذا موطن من مواطن يوم القيامة، وفي موطن آخر لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، وفي موطن ثالث يكذبون على أنفسهم بما ينكرون من كفرهم، وأنهم قدموا شيئا من السيئات والخطايا، ونحو الآية: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾. وإنما وقعوا في ذلك الكفر بسبب أنهم ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾؛ أي: غرتهم وخدعتهم عن الآخرة زينة الحياة الدنيا ومتاعها من الشهوات والأموال والأولاد وحب السلطان على الناس وعظيم الجاه، فكفروا بالرسل عنادا وكبرا، وقلدهم في ذلك أتباعهم، واغتر كل منهم بما يغتر به من التعاون مع الآخر. وأما غرور غيرهم ممن جاء بعدهم بالدنيا، فلما غلب عليهم من الإسراف في الشهوات المحرمة والجاه الباطل، حتى لقد أصبحت الحظوة بين الناس لذوي المال والنسب مهما اجترحوا من الموبقات، وأبسلوا من المكارم والخيرات.

стр. 3850

﴿وَ﴾ بعد أن قامت عليهم الحجة ﴿شَهِدُوا﴾ في الآخرة ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ بـ ﴿أَنَّهُمْ كانُوا﴾ في الدنيا ﴿كافِرِينَ﴾ بتلك الآيات والنذر التي جاءت بها الرسل حين رأوا أنه لا يجديهم الكذب، ولا تنفعهم المكابرة. والكفر بالرسل ضربان: كفر بتكذيبهم بالقول، وكفر بعدم الإذعان النفسي الذي يتبعه العمل بحسب سنن الله في ترتيب الأعمال على الطباع والأخلاق. ١٣١ - ﴿ذلِكَ﴾ المذكور من إتيان الرسل يقصون على الأمم آيات الله لإصلاح حال الأفراد والجماعات في شؤونهم الدنيوية والأخروية، وينذرونهم يوم الحشر والجزاء بسبب ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ﴾؛ أي بسبب أن الله لم يكن من سننه في تربية خلقه أن يهلك الأمم بعذاب الاستئصال الذي أوعد به مكذبي الرسل بسبب ظلم من يظلم منهم ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم غافلون إن لم يرسل إليهم رسولا يأمرهم وينهاهم، وينذرهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا، بل يسبق هلاك كل أمة إرسال رسول يبلغها ما يجب أن تكون عليه من الصلاح والحق بما يقصه عليها من آيات الوحي في عصره، أو بما ينقله إليها من يبلغونها دعوته من بعده؛ إذ من حكمة الله تعالى في الأمم جعل ما يحل بها من عقاب جزاء على عمل استحقته به، فيكون عقابها تربية لها وزجرا لسواها. والخلاصة (١): أن الله تعالى لا يظلم أحدا من خلقه، بل هم الذين يظلمون أنفسهم، وأن الإهانة والتعذيب تربية لهم، وتأديب وزجر لغيرهم، وأن هذا العقاب للأمم منه ما هو في الدنيا ومنه ما هو في الآخرة، ومن الأول عذاب الاستئصال لمن عاندوا الرسل بعد أن جاؤوهم بما اقترحوا عليهم من الآيات الكونية، وبعد أن أنذروهم بالهلاك إذا لم يؤمنوا بها كما حصل لعاد وثمود، وقد انقطع ذلك بانقطاع الرسل. وهلاك الأمم يكون بما يغلب عليها من الظلم أو الفسق والفجور الذي يفسد الأخلاق، ويقطع روابط المجتمع، ويجعل بأس الأمة بينها شديدا.

стр. 3851

وقيل المعنى (١): ما كان الله مهلك أهل القرى بظلم منه، فهو يتعالى عن الظلم، بل إنما يهلكهم بعد أن يستحقوا ذلك وترتفع الغفلة عنهم بإرسال الأنبياء، وقيل: المعنى أن الله لا يهلك أهل القرى بسبب ظلم من يظلم منهم مع كون الآخرين غافلين عن ذلك، فهو مثل قوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من (٢) المكلفين من الجن والإنس مؤمنهم وكافرهم ﴿دَرَجاتٌ﴾ متفاوتة ومراتب مختلفة ﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾؛ أي: من جزاء أعمالهم خيرا أو شرا، فيجازيهم بأعمالهم وتفاوتها بنسبة بعضهم إلى بعض، أو بنسبة عمل كل عامل، فيكون هو في درجة، فيترقى إلى أخرى كاملة ثم إلى أكمل. والمعنى (٣): ولكل عامل بطاعة الله أو بمعصيته درجات؛ أي: منازل يبلغها بعمله إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، وإنما سميت درجات؛ لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط كتفاضل الدرج، وهذا إنما يكون في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أعظم ثوابا، ومنهم من هو أشد عقابا، وهو قول جمهور المفسرين. وقيل: إن قوله تعالى: ١٣٢ - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ مختص بأهل الطاعة؛ لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم ﴿وَما رَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿بِغافِلٍ﴾؛ أي: بساه ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عما يعمل المكلفون من الثقلين من أعمال الخير أو الشر. والغفلة (٤) ذهاب الشيء عنك لاشتغالك بغيره. وقرأ ابن عامر: ﴿تعملون﴾ - بالتاء الفوقية - وقرأ الباقون بالتحتية؛ أي: فكل (٥) عملهم يعلمه ربهم، وهو محصيه عليهم ومجازيهم بالسيئة سيئة مثلها، ويضاعف الحسنات من فضله عند لقائهم إياه ومعادهم إليه. وفي الآية: إيماء إلى أن مناط السعادة والشقاء هو عمل الإنسان ومشيئته،

стр. 3852

فإن شاء عمل عمل النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فكان من الذين سمعوا القول واتبعوا أحسنه، فجازاه الله أحسن الجزاء، وإن شاء تنكّب عن جادة الدين ورمى أحكامه وراءه ظهريا، وسار في غلواء الضلال، فكان من الأشقياء الذين كبكبوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ. ١٣٣ - ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد هو ﴿الْغَنِيُّ﴾ الكامل الغنى عن خلقه لا يحتاج إليهم، ولا إلى عبادتهم لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم، ومع كونه غنيا عنهم فهو ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ الشاملة التي وسعت كل شيء إذ كل ما عداه فهو محتاج إليه تعالى في وجوده وبقائه ومحتاج إلى الأسباب التي جعلها سبحانه قوام وجوده، فلا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم، وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول. ويقال في الخلق: هذا غني إذا كان واجدا لأهم تلك الأسباب التي هي من فيض مولاه، وهو مع ذلك محتاج إلى غيره. انظر إلى الغني ذي المال الكثير، تراه محتاجا إلى كثير من الناس، من الزوج والخادم والعامل والطبيب والحاكم، ومحتاجا إلى خالقه وخالق كل شيء، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾. ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ إذهابكم أيها الكافرون المعاندون واستئصالكم بالعذاب المفضي إلى الهلاك واستخلاف غيركم بعدكم ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ بعذاب يهلككم به كما أهلك أمثالكم ممن عاندوا الرسل كعاد وثمود ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ﴾ من الأقوام، فإنه غني عنكم وقادر على إهلاككم، وإنشاء قوم آخرين من ذريتكم أو ذرية غيركم يكونون أحق برحمته منكم ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ﴾؛ أي: كما قدر على إنشأكم ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ وقد صدق وعده، فأهلك أولئك الذين عادوا خاتم رسله كبرا وعنادا، وجحدوا بما جاء به وهم يعلمون صدقه، واستخلف في الأرض غيرهم ممن كان كفرهم عن جهل أو تقليد لمن قبلهم، ولم يلبث كفرهم أن زال بالتأمل في آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم، فكانوا أكمل الناس إيمانا وإسلاما وإحسانا، وهم المهاجرون والأنصار وذرياتهم، وكانوا أعظم مظهر لرحمة الله للبشر حتى في حروبهم وفتوحهم،

стр. 3853

وشهد لهم بذلك أعداؤهم، حتى قال مؤرخو الإفرنج: ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب. وقرأ زيد بن ثابت: ﴿ذَرِّية﴾ - بفتح الذال - وكذا في آل عمران، وأبان بن عثمان: ﴿ذَرِية﴾ - بفتح الذال وتخفيف الراء المكسورة - وعنه ﴿ذَرْية﴾ على وزن ضَرْبة. ١٣٤ - وبعد أن أنذرهم عذاب الدنيا وهلاكهم فيها أنذرهم عذاب الآخرة، فقال: ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ ـه من جزاء الآخرة بعد البعث ﴿لَآتٍ﴾ لا محالة ولا مرد له، فإن الله لا يخلف الميعاد ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ الله بهرب ولا منع مما يريد، ولا فائتين عما هو نازل بكم وواقع عليكم، فهو القادر على إعادتكم كما قدر على بدء خلقكم، وهذا دليل قد ذكره الله تعالى في كتابه مرات كثيرة، وقد أنار العلم في هذا العصر أمر البعث وقربه إلى العقول، فأثبت أن هلاك الأشياء وفناءها ما هو إلا تحلل موادها وتفرقها، وأنه يمكن تركيب المواد المتفرقة وإرجاعها إلى تركيبها الأول في غير الأحياء. ١٣٥ - ثم تمم الوعيد والتهديد بأمره لرسوله أن ينذرهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿يا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ واثبتوا ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وطريقتكم التي أنتم عليها من الشرك والعداوة، فإني غير مبال بكم ولا مكترث بكفركم ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ وثابت على مكانتي وطريقتي التي رباني ربي عليها وهداني إليها، وأقامني عليها من الإسلام والمصابرة ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بعد حين ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ﴾؛ أي: من تكون له العاقبة المحمودة التي يحمد عليها صاحبها في هذه الدار؛ أي: من له النصر في دار الدنيا، ومن له وراثة الأرض ومن له الدرجات العلى في الآخرة. وفي «الفتوحات» العاقبة المحمودة: هي الاستراحة واطمئنان الخاطر، وهذه حاصلة في الدار الآخرة التي هي الجنة، فحصلت المغايرة بين الظرف والمظروف، انتهت. ويحتمل أن يراد بعاقبة الدار مآل الدنيا بالنصر والظهور، ففي الآية إعلام بغيب. وفي قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ترديد بينه ﵇ وبينهم، ومعلوم أن هذا التهديد والوعيد مختص بهم، وإن عاقبة الدار الحسنى هي له ﷺ . قرأ أبو بكر: ﴿على مكاناتكم﴾ - على الجمع حيث وقع - فمن جمع قابل جمع المخاطبين بالجمع، ومن أفرد فعلى الجنس.

стр. 3854

وقرأ حمزة والكسائي: ﴿من يكون﴾ - بالتحتية - وقرأ الباقون ﴿تَكُونُ﴾ بالفوقية. قال صاحب «الكشاف»: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ تحتمل وجهين: اعلموا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، يقال للرجل: إذا أمر أن يثبت على حال: على مكانك يا فلان؛ أي: اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه إني عامل على مكانتي التي أنا عليها، والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم، فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة، انتهى. والضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ للشأن؛ أي: إن الشأن لا يفوز من اتصف بصفة الظلم، وهو تعريض لهم بعدم فلاحهم؛ لكونهم المتصفين بالظلم، أي: لا يفوزون بفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وإنما يفوز به أهل الحق والعدل الذين يؤدون حقوق الله وحقوق أنفسهم، ولا يكمل مثل هذا إلا لرسل الله وحزبهم المفلحين من المؤمنين، انظر كيف نصر الله رسوله على الظالمين من قومه كأكابر مجرمي مكة المستهزئين به، ثم من سائر مشركي العرب، ثم نصر أصحابه على أعظم أمم الأرض وأقواها جندا كالرومان والفرس، ثم نصر من بعدهم على من ناوأهم من أهل الشرق والغرب، فلما ظلموا أنفسهم وظلموا الناس .. لم تبق لهم ميزة عن غيرهم تمكنهم من الفلاح والفوز، وانحصر الفوز في الأسباب المادية والأسباب المعنوية كالصبر والثبات والعدل والنظام، ولا عجب بعد هذا أن يتغلب عليهم غيرهم؛ لأن الله إنما وعدهم نصره إذا هم نصروه وأقاموا شرعه وسلكوا سبيل الحق والعدل كما قال تعالى: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾. الإعراب ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾. ﴿أَوَ﴾ (الهمزة): داخلة على محذوف تقديره أأنتم مثلهم، و ﴿الواو﴾: عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع

стр. 3855

مبتدأ. ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿مَيْتًا﴾: خبرها، وجملة ﴿كانَ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿فَأَحْيَيْناهُ﴾ (الفاء): عاطفة، ﴿أحييناه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿كانَ﴾. ﴿وَجَعَلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أحيينا﴾. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق به، لأن ﴿جعل﴾ بمعنى خلق. ﴿نُورًا﴾: مفعول ﴿جعل﴾. ﴿يَمْشِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَمْشِي﴾. ﴿فِي النَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق به أيضا، وجملة ﴿يَمْشِي﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿نُورًا﴾. ﴿كَمَنْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع خبر ﴿مَنْ﴾ الموصولة في قوله: ﴿أَوَمَنْ كانَ﴾ والجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿مَثَلُهُ﴾ مبتدأ ومضاف إليه. ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾: جار ومجرور خبره، والجملة صلة الموصول. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على مَنْ. ﴿بِخارِجٍ﴾: خبرها، و (الباء): زائدة. ﴿مِنْها﴾: متعلق بـ (خارج)، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل النصب حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرا أعني قوله: ﴿فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ﴾ تقديره: تزيينا مثل تزيين الإيمان للمؤمنين. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور في محل نصب صفة لمصدر محذوف تقديره: جعلا مثل جعل أعمال الكافرين مزينة لهم ﴿زُيِّنَ﴾: فعل ماض مغيّر الصيغة. ﴿لِلْكافِرِينَ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿زُيِّنَ﴾. ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يعملونه، وجملة ﴿زُيِّنَ﴾ من الفعل المغير ونائب فاعله مستأنفة. ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَكَذلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة. ﴿وكَذلِكَ﴾ جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: جعلا مثل جعل صناديد مكة أكابر فيها. ﴿جَعَلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿زُيِّنَ﴾. ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلْنا﴾. ﴿أَكابِرَ﴾: مفعول ثان. ﴿مُجْرِمِيها﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾ منصوب بالياء، وقيل في
следующие страницы →