وقيل المعنى (١): ما كان الله مهلك أهل القرى بظلم منه، فهو يتعالى عن الظلم، بل إنما يهلكهم بعد أن يستحقوا ذلك وترتفع الغفلة عنهم بإرسال الأنبياء، وقيل: المعنى أن الله لا يهلك أهل القرى بسبب ظلم من يظلم منهم مع كون الآخرين غافلين عن ذلك، فهو مثل قوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من (٢) المكلفين من الجن والإنس مؤمنهم وكافرهم ﴿دَرَجاتٌ﴾ متفاوتة ومراتب مختلفة ﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾؛ أي: من جزاء أعمالهم خيرا أو شرا، فيجازيهم بأعمالهم وتفاوتها بنسبة بعضهم إلى بعض، أو بنسبة عمل كل عامل، فيكون هو في درجة، فيترقى إلى أخرى كاملة ثم إلى أكمل.
والمعنى (٣): ولكل عامل بطاعة الله أو بمعصيته درجات؛ أي: منازل يبلغها بعمله إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، وإنما سميت درجات؛ لتفاضلها في الارتفاع والانحطاط كتفاضل الدرج، وهذا إنما يكون في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أعظم ثوابا، ومنهم من هو أشد عقابا، وهو قول جمهور المفسرين. وقيل: إن قوله تعالى:
١٣٢ - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ مختص بأهل الطاعة؛ لأن لفظ الدرجة لا يليق إلا بهم ﴿وَما رَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿بِغافِلٍ﴾؛ أي: بساه ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عما يعمل المكلفون من الثقلين من أعمال الخير أو الشر. والغفلة (٤) ذهاب الشيء عنك لاشتغالك بغيره. وقرأ ابن عامر: ﴿تعملون﴾ - بالتاء الفوقية - وقرأ الباقون بالتحتية؛ أي: فكل (٥) عملهم يعلمه ربهم، وهو محصيه عليهم ومجازيهم بالسيئة سيئة مثلها، ويضاعف الحسنات من فضله عند لقائهم إياه ومعادهم إليه. وفي الآية: إيماء إلى أن مناط السعادة والشقاء هو عمل الإنسان ومشيئته،
стр. 3852
فإن شاء عمل عمل النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فكان من الذين سمعوا القول واتبعوا أحسنه، فجازاه الله أحسن الجزاء، وإن شاء تنكّب عن جادة الدين ورمى أحكامه وراءه ظهريا، وسار في غلواء الضلال، فكان من الأشقياء الذين كبكبوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ.
١٣٣ - ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد هو ﴿الْغَنِيُّ﴾ الكامل الغنى عن خلقه لا يحتاج إليهم، ولا إلى عبادتهم لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم، ومع كونه غنيا عنهم فهو ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ الشاملة التي وسعت كل شيء إذ كل ما عداه فهو محتاج إليه تعالى في وجوده وبقائه ومحتاج إلى الأسباب التي جعلها سبحانه قوام وجوده، فلا يكون غناه عنهم مانعا من رحمته لهم، وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه، وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول. ويقال في الخلق: هذا غني إذا كان واجدا لأهم تلك الأسباب التي هي من فيض مولاه، وهو مع ذلك محتاج إلى غيره. انظر إلى الغني ذي المال الكثير، تراه محتاجا إلى كثير من الناس، من الزوج والخادم والعامل والطبيب والحاكم، ومحتاجا إلى خالقه وخالق كل شيء، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾.
﴿إِنْ يَشَأْ﴾ إذهابكم أيها الكافرون المعاندون واستئصالكم بالعذاب المفضي إلى الهلاك واستخلاف غيركم بعدكم ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ بعذاب يهلككم به كما أهلك أمثالكم ممن عاندوا الرسل كعاد وثمود ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ﴾ من الأقوام، فإنه غني عنكم وقادر على إهلاككم، وإنشاء قوم آخرين من ذريتكم أو ذرية غيركم يكونون أحق برحمته منكم ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ﴾؛ أي: كما قدر على إنشأكم ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ وقد صدق وعده، فأهلك أولئك الذين عادوا خاتم رسله كبرا وعنادا، وجحدوا بما جاء به وهم يعلمون صدقه، واستخلف في الأرض غيرهم ممن كان كفرهم عن جهل أو تقليد لمن قبلهم، ولم يلبث كفرهم أن زال بالتأمل في آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم، فكانوا أكمل الناس إيمانا وإسلاما وإحسانا، وهم المهاجرون والأنصار وذرياتهم، وكانوا أعظم مظهر لرحمة الله للبشر حتى في حروبهم وفتوحهم،
стр. 3853
وشهد لهم بذلك أعداؤهم، حتى قال مؤرخو الإفرنج: ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب. وقرأ زيد بن ثابت: ﴿ذَرِّية﴾ - بفتح الذال - وكذا في آل عمران، وأبان بن عثمان: ﴿ذَرِية﴾ - بفتح الذال وتخفيف الراء المكسورة - وعنه ﴿ذَرْية﴾ على وزن ضَرْبة.
١٣٤ - وبعد أن أنذرهم عذاب الدنيا وهلاكهم فيها أنذرهم عذاب الآخرة، فقال: ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ ـه من جزاء الآخرة بعد البعث ﴿لَآتٍ﴾ لا محالة ولا مرد له، فإن الله لا يخلف الميعاد ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ الله بهرب ولا منع مما يريد، ولا فائتين عما هو نازل بكم وواقع عليكم، فهو القادر على إعادتكم كما قدر على بدء خلقكم، وهذا دليل قد ذكره الله تعالى في كتابه مرات كثيرة، وقد أنار العلم في هذا العصر أمر البعث وقربه إلى العقول، فأثبت أن هلاك الأشياء وفناءها ما هو إلا تحلل موادها وتفرقها، وأنه يمكن تركيب المواد المتفرقة وإرجاعها إلى تركيبها الأول في غير الأحياء.
١٣٥ - ثم تمم الوعيد والتهديد بأمره لرسوله أن ينذرهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿يا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ واثبتوا ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وطريقتكم التي أنتم عليها من الشرك والعداوة، فإني غير مبال بكم ولا مكترث بكفركم ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ وثابت على مكانتي وطريقتي التي رباني ربي عليها وهداني إليها، وأقامني عليها من الإسلام والمصابرة ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بعد حين ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ﴾؛ أي: من تكون له العاقبة المحمودة التي يحمد عليها صاحبها في هذه الدار؛ أي: من له النصر في دار الدنيا، ومن له وراثة الأرض ومن له الدرجات العلى في الآخرة.
وفي «الفتوحات» العاقبة المحمودة: هي الاستراحة واطمئنان الخاطر، وهذه حاصلة في الدار الآخرة التي هي الجنة، فحصلت المغايرة بين الظرف والمظروف، انتهت. ويحتمل أن يراد بعاقبة الدار مآل الدنيا بالنصر والظهور، ففي الآية إعلام بغيب. وفي قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ترديد بينه ﵇ وبينهم، ومعلوم أن هذا التهديد والوعيد مختص بهم، وإن عاقبة الدار الحسنى هي له ﷺ . قرأ أبو بكر: ﴿على مكاناتكم﴾ - على الجمع حيث وقع - فمن جمع قابل جمع المخاطبين بالجمع، ومن أفرد فعلى الجنس.
стр. 3854
وقرأ حمزة والكسائي: ﴿من يكون﴾ - بالتحتية - وقرأ الباقون ﴿تَكُونُ﴾ بالفوقية. قال صاحب «الكشاف»: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ تحتمل وجهين: اعلموا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، يقال للرجل: إذا أمر أن يثبت على حال: على مكانك يا فلان؛ أي: اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه إني عامل على مكانتي التي أنا عليها، والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم، فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم، فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة، انتهى.
والضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ للشأن؛ أي: إن الشأن لا يفوز من اتصف بصفة الظلم، وهو تعريض لهم بعدم فلاحهم؛ لكونهم المتصفين بالظلم، أي: لا يفوزون بفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وإنما يفوز به أهل الحق والعدل الذين يؤدون حقوق الله وحقوق أنفسهم، ولا يكمل مثل هذا إلا لرسل الله وحزبهم المفلحين من المؤمنين، انظر كيف نصر الله رسوله على الظالمين من قومه كأكابر مجرمي مكة المستهزئين به، ثم من سائر مشركي العرب، ثم نصر أصحابه على أعظم أمم الأرض وأقواها جندا كالرومان والفرس، ثم نصر من بعدهم على من ناوأهم من أهل الشرق والغرب، فلما ظلموا أنفسهم وظلموا الناس .. لم تبق لهم ميزة عن غيرهم تمكنهم من الفلاح والفوز، وانحصر الفوز في الأسباب المادية والأسباب المعنوية كالصبر والثبات والعدل والنظام، ولا عجب بعد هذا أن يتغلب عليهم غيرهم؛ لأن الله إنما وعدهم نصره إذا هم نصروه وأقاموا شرعه وسلكوا سبيل الحق والعدل كما قال تعالى: ﴿فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.
الإعراب
﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾.
﴿أَوَ﴾ (الهمزة): داخلة على محذوف تقديره أأنتم مثلهم، و ﴿الواو﴾: عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع
стр. 3855
مبتدأ. ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿مَيْتًا﴾: خبرها، وجملة ﴿كانَ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿فَأَحْيَيْناهُ﴾ (الفاء): عاطفة، ﴿أحييناه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿كانَ﴾. ﴿وَجَعَلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أحيينا﴾. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق به، لأن ﴿جعل﴾ بمعنى خلق. ﴿نُورًا﴾: مفعول ﴿جعل﴾. ﴿يَمْشِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَمْشِي﴾. ﴿فِي النَّاسِ﴾: جار ومجرور متعلق به أيضا، وجملة ﴿يَمْشِي﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿نُورًا﴾. ﴿كَمَنْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع خبر ﴿مَنْ﴾ الموصولة في قوله: ﴿أَوَمَنْ كانَ﴾ والجملة من المبتدأ والخبر معطوفة على الجملة المحذوفة. ﴿مَثَلُهُ﴾ مبتدأ ومضاف إليه. ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾: جار ومجرور خبره، والجملة صلة الموصول. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على مَنْ. ﴿بِخارِجٍ﴾: خبرها، و (الباء): زائدة. ﴿مِنْها﴾: متعلق بـ (خارج)، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل النصب حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرا أعني قوله: ﴿فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ﴾ تقديره: تزيينا مثل تزيين الإيمان للمؤمنين. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور في محل نصب صفة لمصدر محذوف تقديره: جعلا مثل جعل أعمال الكافرين مزينة لهم ﴿زُيِّنَ﴾: فعل ماض مغيّر الصيغة. ﴿لِلْكافِرِينَ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿زُيِّنَ﴾.
﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يعملونه، وجملة ﴿زُيِّنَ﴾ من الفعل المغير ونائب فاعله مستأنفة.
﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾.
﴿وَكَذلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة. ﴿وكَذلِكَ﴾ جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: جعلا مثل جعل صناديد مكة أكابر فيها. ﴿جَعَلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿زُيِّنَ﴾. ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلْنا﴾. ﴿أَكابِرَ﴾: مفعول ثان. ﴿مُجْرِمِيها﴾ مفعول أول لـ ﴿جعل﴾ منصوب بالياء، وقيل في
стр. 3856
إعرابه غير ذلك كما مر في بحث التفسير. ﴿لِيَمْكُرُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿فِيها﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل تقديره: لمكرهم فيها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنا﴾. ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية: ﴿يَمْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَمْكُرُونَ﴾. ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من الضمير في ﴿يَمْكُرُونَ﴾.
﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾.
﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذا﴾: على كونها فعل شرط لها. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ مستأنفة. ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَنْ﴾: حرف نصب. ﴿نُؤْمِنَ﴾: منصوب بـ ﴿لَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قالُوا﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿نُؤْتى﴾: فعل مضارع مغير الصغية منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، والجملة صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى تقديره: لن نؤمن إلى إيتائنا مثل ما أوتي رسل الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نُؤْمِنَ﴾. مِثْلَ: مفعول ثان لـ ﴿نُؤْتى﴾؛ لأنه بمعنى أعطى، والأول كان نائب فاعل لها. ﴿مِثْلَ﴾: مضاف. ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه. ﴿أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾: فعل ونائب فاعل ومضاف إليه، والمفعول الثاني لأتى محذوف تقديره: مثل ما أوتيه رسل الله، وهو العائد على ﴿ما﴾ الموصولة، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿حَيْثُ﴾: في محل النصب مفعول به لفعل محذوف دل عليه ﴿أَعْلَمُ﴾ تقديره: يعلم حيث يجعل رسالته، والجملة المحذوفة في محل الرفع بدل من ﴿أَعْلَمُ﴾
стр. 3857
على كونها خبر المبتدأ، وإنما قدرنا العامل لـ ﴿حَيْثُ﴾؛ لأن اسم التفضيل لا ينصب المفعول به الصريح. ﴿يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ﴾: فعل ومفعول. ﴿أَجْرَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿صَغارٌ﴾: فاعل (يصيب)، وجملة (يصيب) مستأنفة. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه صفة لـ صَغارٌ، أو متعلق به أو بـ (يصيب). وَعَذابٌ: معطوف على صَغارٌ. شَدِيدٌ: صفة لـ عَذابٌ. بِما: (الباء): حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية. كانُوا: فعل ناقص واسمه، وجملة يَمْكُرُونَ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾، صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ (الباء) تقديره: بسبب مكرهم، الجار والمجرور متعلق بـ (يصيب).
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾.
﴿فَمَنْ﴾ (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن من كان ميتا فأحييناه ليس كمن مثله في الظلمات، وأردت بيان علامة هداية الله وعلامة إضلاله .. فأقول لك: ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يُرِدِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿أَنْ يَهْدِيَهُ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: فمن يرد الله هدايته. ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ (من) الشرطية على كونه جواب شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿لِلْإِسْلامِ﴾: متعلق بـ ﴿يَشْرَحْ﴾، وجملة (من) الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة.
﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو
стр. 3858
هما. ﴿يُرِدِ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿أَنْ يُضِلَّهُ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: ومن يرد إضلاله. ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾: فعل ومفعولان مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه جوابا لها. ﴿حَرَجًا﴾: صفة ﴿ضَيِّقًا﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى. ﴿كَأَنَّما﴾ ﴿كأن﴾: حرف نصب وتشبيه، ولكن بطل عملها لدخول ﴿ما﴾ الكافة عليه. ﴿ما﴾ كافة لكفها ما قبلها عن العمل فيما بعدها. ﴿يَصَّعَّدُ﴾: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على من يرد إضلاله. ﴿فِي السَّماءِ﴾: متعلق بـ ﴿يَصَّعَّدُ﴾، وجملة التشبيه إما مستأنفة، أو في محل النصب حال من الضمير المستتر في ﴿ضَيِّقًا﴾. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: جعلا مثل جعل صدر من يرد إضلاله ضيقا. ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿الرِّجْسَ﴾: مفعول أول. ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني إن كان جعل بمعنى يصير، والتقدير: يصير الله الرجس مستعليا عليهم محيطا بهم، ومتعلق به إن كان بمعنى يلقي؛ لأنه يتعدى حينئذ إلى مفعول واحد، والمعنى كذلك يلقي الله العذاب على الذين لا يؤمنون. وجملة ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾.
﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾: حال من ﴿صِراطُ﴾، والعامل فيه اسم الإشارة باعتبار ما فيه من معنى الفعل، فإنه في معنى أشير، فهو على حد قول ابن مالك:
وعامل ضمّن معنى الفعل لا ... حروفه مؤخّرا لن يعملا
وهي حال مؤكدة لصاحبها لا مبينة؛ لأن صراط الله لا يكون إلا مستقيما. ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿لِقَوْمٍ﴾: متعلق بـ ﴿فَصَّلْنَا﴾، وجملة ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾.
стр. 3859
﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾.
﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿دارُ السَّلامِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف، والجملة من المبتدأ والخبر مستأنفة استئنافا بيانيا لا محل لها من الإعراب لوقوعها في جواب سؤال مقدر، كأن سائلا سأل عما أعد لهم؛ فقيل له ذلك، وفي «الفتوحات» يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، ويحتمل أن تكون حالا من فاعل ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾، ويحتمل أن تكون وصفا لقوم، وعلى هذين الوجهين؛ فيجوز أن يكون الحال، أو الوصف الجار والمجرور فقط، ويرتفع ﴿دارُ السَّلامِ﴾ بالفاعلية، وهذا عندهم أولى، لأنه أقرب إلى المفرد من الجملة، والأصل في الوصف والحال والخبر الإفراد فما قرب إليه أولى. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه حال من ﴿دارُ﴾، والعامل فيها الاستقرار في ﴿لَهُمْ﴾ انتهت. ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿بِما﴾: (الباء): حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر بالباء الجار والمجرور متعلق بـ وَلِيُّهُمْ. كانُوا: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كانوا يعملونه.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية. ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من الهاء، أو توكيد لها، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، والظرف متعلق بقول محذوف تقديره: ويوم يحشرهم جميعا يقول الله توبيخا لهم: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ ...﴾ إلخ، وجملة القول المحذوف مستأنفة. ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول للقول المحذوف. ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَ الْإِنْسِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية جواب النداء.
﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا﴾.
﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿مِنَ الْإِنْسِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿أَوْلِياؤُهُمْ﴾. ﴿رَبَّنَا ...﴾ إلخ مقول محكي
стр. 3860
لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مقول ﴿قالَ﴾. ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه. ﴿بِبَعْضٍ﴾ متعلق بـ ﴿اسْتَمْتَعَ﴾، والجملة الفعلية جواب النداء. ﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿اسْتَمْتَعَ﴾. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿أَجَلَنَا﴾. ﴿أَجَّلْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَنا﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: أجلته لنا.
﴿قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿النَّارُ مَثْواكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿النَّارُ مَثْواكُمْ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿خالِدِينَ﴾: حال من الكاف في ﴿مَثْواكُمْ﴾، والعامل فيه فعل مقدر إن جعل (مثوى) اسم مكان؛ لأنه لا يعمل، أو هو نفسه إن جعل مصدرا بمعنى الإقامة، وعلى الثاني يكون في الكلام حذف مضاف ليصح الإخبار؛ أي: ذات إقامتكم، وتكون الكاف فاعلا بالمصدر ذكره في «الفتوحات». ﴿فِيها﴾: متعلق بـ ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿ما﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة بمعنى الزمن في محل النصب على الاستثناء. ﴿شاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما شاءه الله تعالى، والمستثنى منه محذوف تقديره: خالدين فيها في كل زمان إلا الزمن الذي شاء الله عدم خلودهم ومكثهم فيها، أو إلا زمنا شاء الله عدم مكثهم فيها. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿رَبَّكَ﴾: اسمها. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر أول لها. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾.
﴿وَكَذلِكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَذلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف تقديره: تولية مثل تمتيعنا الجن والإنس بعضهم ببعض. ﴿نُوَلِّي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة متسأنفة. ﴿بَعْضَ الظَّالِمِينَ﴾: مفعول أول ومضاف
стр. 3861
إليه. ﴿بَعْضًا﴾: مفعول ثان. ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُوَلِّي﴾: ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾: في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كانوا يكسبونه.
﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾.
﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ منادى مضاف. ﴿وَالْإِنْسِ﴾: معطوف على ﴿الْجِنِّ﴾، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: ويوم يحشرهم جميعا يقول: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وجملة القول المحذوف مستأنفة. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ (الهمزة): للاستفهام التقريري التوبيخي، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. (يأت): فعل مضارع مجزوم بـ لَمْ، و (الكاف): مفعول به. ﴿رُسُلٌ﴾ فاعل. ﴿مِنْكُمْ﴾ صفة لـ ﴿رُسُلٌ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول للقول المحذوف. ﴿يَقُصُّونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿آياتِي﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿رُسُلٌ﴾، أو في محل النصب حال من ضمير ﴿مِنْكُمْ﴾ كما ذكره أبو البقاء؛ أي: من الضمير المستتر في الجار والمجرور. ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه. ﴿هذا﴾: بدل من يَوْمِكُمْ، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿يَقُصُّونَ﴾.
﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾.
﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل: فماذا قالوا عند ذلك التوبيخ؟ فقيل: قالوا: ﴿شَهِدْنا ...﴾ الخ. ﴿شَهِدْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿عَلى أَنْفُسِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَهِدْنا﴾. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة لـ ﴿الْحَياةُ﴾، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿قالُوا﴾، أو جملة معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف الذي هو ﴿وَشَهِدُوا﴾، والمعطوف عليه الذي هو ﴿قالُوا﴾. ﴿وَشَهِدُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾:
стр. 3862
متعلق به، والجملة معطوفة على ﴿قالُوا﴾. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿كافِرِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: وشهدوا على أنفسهم كونهم كافرين.
﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١)﴾.
﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن تقديره: أنه. ﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ﴾: جازم وفعل ناقص واسمه. ﴿مُهْلِكَ الْقُرى﴾: خبر كان ومضاف إليه. ﴿بِظُلْمٍ﴾ جار ومجرور حال من ﴿رَبُّكَ﴾؛ أي: حالة كونه متلبسا بظلم، أو حال من الضمير في ﴿مُهْلِكَ﴾، أو حال من ﴿الْقُرى﴾؛ أي: متلبسة بذنوبها، أو متعلق بـ ﴿مُهْلِكَ﴾، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في تأويل مصدر مجرور بالباء المحذوفة تقديره: ذلك بسبب انتفاء كون ربك مهلك القرى. ﴿بِظُلْمٍ﴾: الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ تقديره: ذلك كائن بسبب كون ربك الخ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ﴿الْقُرى﴾.
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾.
﴿وَلِكُلٍّ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿دَرَجاتٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿دَرَجاتٌ﴾؛ أي: درجات كائنة مما عملوا. ﴿عَمِلُوا﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما عملوه. ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية أو عاطفة ﴿ما﴾: حجازية. ﴿رَبُّكَ﴾: اسمها. ﴿بِغافِلٍ﴾: خبرها و (الباء): زائدة. ﴿عَمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿بِغافِلٍ﴾. ﴿يَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: عما يعملونه، وجملة ﴿ما﴾ الحجازية مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾.
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ﴾.
стр. 3863
﴿وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ. ﴿الْغَنِيُّ﴾: خبر أول. ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة، ويجوز أن يكون ﴿رَبُّكَ﴾: مبتدأ. ﴿الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾: وصفان له، ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ وما بعده هو الخبر كما ذكره الكرخي. إِنْ: حرف شرط جازم. ﴿يَشَأْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جوابا لها، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة إِنْ الشرطية مستأنفة، أو في محل الرفع خبر ﴿رَبُّكَ﴾ ﴿وَيَسْتَخْلِفْ﴾: فعل مضارع معطوف على (يذهب)، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مِنْ بَعْدِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَسْتَخْلِفْ﴾ ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول يستخلف. ﴿يَشاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة. لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يشاؤه.
﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
﴿كَما﴾ (الكاف): حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿أَنْشَأَكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أنشأ﴾. ﴿آخَرِينَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٍ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف تقديره: كإنشائه إياكم من ذرية قوم آخرين، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: ويستخلف من بعدكم، وينشىء إنشاء كإنشائه إياكم من ذرية قوم آخرين؛ لأن استخلف هنا بمعنى: أنشأ وأوجد.
﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿تُوعَدُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: إن ما توعدونه. ﴿لَآتٍ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿آت﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل؛ لأنه اسم منقوص نظير قاض
стр. 3864
وداع، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. وما: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية. ﴿أَنْتُمْ﴾: في محل الرفع اسمها. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: خبرها، والباء زائدة، وجملة ﴿ما﴾ الحجازية معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾.
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. يا قَوْمِ اعْمَلُوا إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿اعْمَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء. ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾: جار ومجرور حال من واو ﴿اعْمَلُوا﴾، أو متعلق به. ﴿إِنِّي﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، و (الياء): اسمها. ﴿عامِلٌ﴾: خبرها، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَسَوْفَ﴾: (الفاء): تعليلية، أو فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأوردتم بيان من له العاقبة .. فأقول لكم، ﴿سوف﴾: حرف تنفيس للاستقبال البعيد؛ لتأكيد مضمون الجملة، ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، وهي عرفانية تتعدى لمفعول واحد. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية معللة لما قبلها، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿تَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص. ﴿لَهُ﴾: خبرها مقدم على اسمها. ﴿عاقِبَةُ الدَّارِ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿تَكُونُ﴾ صلة الموصولة، والتقدير: فسوف تعلمون الفريق الذي له عاقبة الدار. إِنَّهُ ﴿إن﴾: حرف نصب، والهاء ضمير الشأن في محل النصب اسمها، وجملة ﴿لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ في محل الرفع خبرها، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه واقع في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: وما عاقبتهم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ﴾ المثل: الصفة والنعت، والظلمات جمع ظلمة؛ وهي ضد النور، وجمعها هنا؛ لأن المراد بها ظلمة الكفر وظلمة الجهالة وظلمة عمى البصيرة كما مر.
стр. 3865
﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ أكابر جمع أكبر، أو كبير غير منصرف؛ لأنه على زنة مفاعل، والمجرمون فاعلوا الإجرام، والإجرام هو ما فيه الفساد والضرر من الأعمال. والقرية (١): البلد الجامع للناس - العاصمة في عرف هذا العصر - وقد تطلق بمعنى الشعب أو الأمة، ويراد فيها البلد في إصطلاح هذا العصر، فيقولون: ثروة البلد مصلحة البلد، ويريدون الأمة.
﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ المكر: صرف المرء غيره عما يريده إلى غيره بضرب من الحيلة في الفعل، أو الخلابة في القول، وقال أبو عبيدة (٢): المكر الخديعة، والحيلة، والفجور والغدر والخلاف.
﴿صَغارٌ﴾: الصّغار (٣) والصّغر - بفتحتين -: الذلّ والهوان، جزاء الكفر والطغيان، والصغار: قلة في الأمور المعنوية، والصغر: - بزنة عنب - قلة في الأمور الحسية، والصاغر: الراضي بالمنزلة الدنية، يقال فيه (٤): صغر ككرم كما في «القاموس» وصغر كتعب كما في «المصباح» والمصدر صغر كعنب، وصغر كقفل، وصغار كسحاب، والصغر ضد الكبر، يقال فيه: صغر - بالضم - فهو صغير، وصغر كفرح صغرا كعنب، وصغرا كشجر، وصغرانا كعثمان.
﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ يقال (٥): شرح الله صدره فانشرح؛ أي: وسعه لقبول الإيمان والخير فوسع، وذلك أن الإنسان إذا اعتقد في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح وربحه ظاهر .. مال بطبعه إليه، وقويت رغبته فيه، فتسمى هذه الحالة سعة النفس وانشراح الصدر، وقيل: الشرح: الفتح والبيان، يقال: شرح الله لفلان أمره إذا أوضحه وأظهره، وشرح المسألة إذا كانت مشكلة وأوضحها وبينها، فقد ثبت أن للشرح معنيين:
стр. 3866
أحدهما: الفتح ومنه يقال: شرح الكافر بالكفر صدرا؛ أي: فتحه لقبوله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ يعني فتحه ووسعه لقبوله.
والثاني: أن الشرح نور يقذفه الله تعالى في قلب العبد، فيعرف بذلك النور الحق فيقبله، وينشرح صدره له ذكره في «الفتوحات».
﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ والضيق بالتشديد والتخفيف لغتان فيه كهين وهين ضد الواسع، وقيل: المخفف مصدر ضاق يضيق ضيقا كقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ يقال: ضاق يضيق ضيقا، وضيقا - بفتح الضاد وكسرها - ففي جعله مصدرا يجيء فيه الأوجه الثلاثة: في المصدر الواقع وصفا لجثة نحو رجل عدل، وهي حذف مضاف، أو المبالغة، أو وقوعه موقع اسم الفاعل؛ أي:
يجعل صدره ذا ضيق، أو ضائقا، أو نفس الضيق مبالغة.
وقولنا فيه بالتخفيف؛ أي: تخفيف الياء بحذف الياء الثانية التي هي عين الكلمة، فيصير وزنه فيلا بوزن ضربا، وقولنا بالتشديد؛ أي: تشديد الياء، ووزنه فيعل كهين وميت، وفي «السمين» وإذا قلنا: إنه مخفف من المشدد، فهل المحذوف الياء الأولى أو الثانية؟ فيه خلاف.
حرجا وحرجا - بفتح الراء وكسرها - هو المتزايد في الضيق؛ أي: شديد الضيق، فهو أخص من الأول، فكل حرج ضيق من غير عكس، وعلى هذا فالمكسور والمفتوح بمعنى واحد مأخوذ من الحرجة؛ وهي الشجر الكثير الملتف بعضه ببعض بحيث يصعب الدخول فيه. روي (١) أن عمر - رضي الله عنهه - سأل أعرابيا من بني مدلج عن الحرجة، فقال: هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.
﴿الرِّجْسَ﴾ كل ما يستقذر حسا أو عقلا أو شرعا، أو هو ما لا خير فيه، أو
стр. 3867
اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾؛ أي: طريقه الذي ارتضاه وسنته التي اقضتها حكمته، والمستقيم ما لا إعوجاج فيه ولا زيغ.
﴿دارُ السَّلامِ﴾ هي الجنة، أو هي دار السلامة من المنغصات والكروب.
﴿وَلِيُّهُمْ﴾؛ أي: متولي أمورهم وكافيهم كل ما يهمهم.
﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ المعشر والنفر والقوم والرهط الجمع من الرجال فحسب، ولا واحد لها من لفظها. وقال الليث: المعشر كل جماعة أمرهم واحد نحو معشر المسلمين، ومعشر الكافرين، ويطلق على الإنس والجن بدليل الآية، ويجمع (١) على معاشر كما ورد: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث»، وقال الأفوه:
فينا معاشر لم يبنوا لقومهم ... وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
﴿اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ يقال: استكثر من الشيء إذا أخذ الكثير منه يقال: استكثر من الطعام أكل كثيرا، وهو من استفعل، ثلاثيه كثر. وقال ابن (٢) عباس ومجاهد وقتادة: أفرطتم في إضلالهم وإغوائهم.
﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ﴾ وأولياؤهم هم الذين تولوهم؛ أي: أطاعوهم في وسوستهم وما ألقوه إليهم من الخرافات والأوهام. ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا﴾ استمتع من باب استفعل ثلاثيه متع، والاستمتاع بالشيء جعله متاعا، والمتاع ما ينتفع به انتفاعا طويلا ممتدا، وإن كان قليلا. ﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا﴾؛ أي: وصلنا يوم البعث والجزاء.
﴿النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها﴾ المثوى مكان الثواء؛ أي: الإقامة والسكنى، أو مصدر ميمي بمعنى الثواء والإقامة، والخلود المكث الطويل غير المؤقت بوقت ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾ وفي «المصباح» وقصصت الخبر قصا من باب رد حدثته
стр. 3868
على وجهه، والاسم القصص - بفتحتين - انتهى. فهو من المضاعف المعدى، فقياسه ضم عين مضارعه.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾؛ أي: يهلككم من أذهب الرباعي بمعنى أهلك وأعدم.
﴿يَسْتَخْلِفْ﴾؛ أي: ينشيىء الذرية والنسل من استخلف بمعنى يخلف، فالسين والتاء زائدتان.
﴿بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي: جاعلي من طلبكم عاجزا غير قادر على إدراككم.
﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ المكانة الحالة التي هم عليها، واختلف في ميم مكان ومكانة، فقيل هي أصلية، وهما من مكن يمكن من باب كرم يقال: مكن مكانة عند الأمير ارتفع وصار ذا منزلة، وقيل: هي زائدة، وهما من الكون، فالمعنى على الأول: اعملوا على ممكنتكم من أمركم وأقصى استطاعتكم، فالمكانة مصدر، وعلى الثاني: اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، وعلى هذا تكون الميم زائدة، فيكون كل من المكان والمكانة مفعلا ومفعلة من الكون. ﴿مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ﴾ والدار هي الدنيا، والمراد بالعاقبة عاقبة الخير إذ لا اعتداد بعاقبة الشر؛ لأن الله جعل الدنيا مزرعة الآخرة وقنطرة المجاز إليها، وأراد من عباده أعمال الخير لينالوا حسن العاقبة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة التصريحية التبعية، في قوله: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا﴾؛ لأنه استعار الموت للكفر، فاشتق منه ميتا بمعنى كافرا، وفي قوله: ﴿فَأَحْيَيْناهُ﴾؛ لأنه استعار الحياة للإيمان، وفي قوله: ﴿نُورًا﴾؛ لأنه استعار النور للهداية، وفي قوله: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾؛ لأنه استعار الظلمة للضلال.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا﴾.
стр. 3869
ومنها: الطباق بين قوله: ﴿مَيْتًا﴾ وقوله: ﴿فَأَحْيَيْناهُ﴾، وبين قوله: ﴿نُورًا﴾ وقوله: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ﴾، وقوله: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ وقوله: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾؛ لأن الشرح كناية عن قبول النفس للحق والهدى الذي جاء به الرسول ﷺ .
ومنها: الطباق بين لفظي: الشرح والضيق.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿حَرَجًا﴾ لأنه تأكيد لـ ﴿ضَيِّقًا﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾؛ لأنه شبه حال من جعل الله صدره ضيقا حرجا عن الإيمان بحال من يكلف نفسه بالصعود إلى السماء المظلمة، أو إلى مكان مرتفع وعر كالعقبة.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ﴾؛ لأنه استعار الصراط بمعنى الطريق لما جاء به محمد ﷺ .
ومنها: الإضافة للتشريف، في قوله: ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ﴾ إذا كان السلام من أسمائه تعالى.
ومنها: الظرفية المجازية في قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الدالة على شرف الرتبة في المنزلة.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾؛ أي: أفرطتم في إغواء وإضلال الإنس، وفي قوله: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾؛ أي: استمتع
стр. 3870
بعض الإنس ببعض الجن، وبعض الجن ببعض الإنس.
ومنها: تعريف الطرفين لإفادة الحصر في قوله: ﴿النَّارُ مَثْواكُمْ﴾.
ومنها: الاستفهام التقريري التوبيخي في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾.
ومنها: تعويض التنوين عن المحذوف في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾؛ أي لكل العاملين.
ومنها: دخول إن واللام على الجملة الاسمية للتأكيد، في قوله: ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾؛ لأن المخاطبين منكرون للبعث، فلذا أكد الخبر بمؤكدين.
ومنها: الجناس المغاير بين ﴿اعْمَلُوا﴾ و ﴿عامِلٌ﴾ في قوله: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ﴾.
ومنها: التهديد والوعيد (١) في قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ كقوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ وقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وقال الشاعر:
إذا ما التقينا والتقى الرّسل بيننا ... فسوف ترى يا عمرو ما الله صانع
وقال آخر:
ستعلم ليلى أيّ دين تداينت ... وأيّ غريم للتّقاضي غريمها
ومعلوم أن هذا التهديد والوعيد مختص بهم.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
مشركي العرب في إنكارهم البعث .. ذكر أنواعا من جهالاتهم تنبيها على ضعف عقولهم، وفي قوله: ﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾ أنه تعالى كان أولى أن يجعل له الأحسن والأجود، وأن يكون جانبه تعالى هو الأرجح إذ كان تعالى هو الموجد لما جعلوا له منه نصيبا، والقادر على تنميته دون أصنامهم العاجزة عن ما يحل بها فضلا أن تخلق شيئا أو تنميه.
وعبارة «المراغي» هنا: بعد أن (١) حاجّ الله المشركين وسائر العرب في كثير من أصول الدين، وكان آخرها البعث والجزاء .. ذكر هنا بعض عبادتهم في الحرث والأنعام، والتحليل والتحريم بباعث الأهواء النفسية، والخرافات الوثنية، انتهت.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه لما أخبر عنهم أنهم حرموا أشياء مما رزقهم الله .. أخذ يذكر تعالى ما امتن به عليهم من الرزق الذي تصرفوا فيه بغير إذنه تعالى افتراء منهم عليه واختلافا، فذكر نوعي الرزق النباتي والحيواني، فبدأ بالنباتي كما بدأ به في الآية المشبهة لهذا، واستطرد منه إلى الحيواني إذ كانوا قد حرموا أشياء من النوعين.
وعبارة «المراغي» هنا: علمت (٣) فيما سلف أن أصول الدين التي عني الكتاب الكريم بذكرها، واهتم ببيانها، وكررها المرة إثر المرة هي التوحيد والنبوة والبعث والقضاء والقدر، وقد بالغ في تقرير هذه الأصول، وأتبعها بذكر آراء لهم سخيفة وكلمات فاسدة في التحليل والتحريم تنبيها على ضعف عقولهم، وتنفيرا للناس من اتباع آرائهم والسير على أهوائهم.
قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله (٤) لما أمر بالأكل من ثماره، وبإيتاء حقه .. نهى
стр. 3873
عن مجاوزة الحد، فقال: ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ وهذا النهي يتضمن أفراد الإسراف، فيدخل فيه الإسراف في أكل الثمرة حتى لا يبقى منها للزكاة، والإسراف في الصدقة بها حتى لا يبقي لنفسه ولا لعياله شيئا، وقيده أبو العالية وابن جريج بالصدقة بجميع المال، فيبقى هو وعياله كلا على الناس.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أخرج (١) ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة في هذه الآية أنها نزلت فيمن كان يئد البنات من مضر وربيعة.
قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ أخرج ابن أبي شيبة (٢)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي العالية قال: ما كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة، ثم إنهم تباذروا وأسرفوا، فأنزل الله: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
وأخرج ابن جرير (٣) وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جد نخلا، فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى، وليس له ثمرة، فأنزل الله: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهبا في طاعة الله لم يكن إسرافا، ولو أنفقت صاعا في معصية الله كان إسرافا.
التفسير وأوجه القراءة
١٣٦ - ﴿وَجَعَلُوا﴾؛ أي: وعين شركاء مكة وغيرهم ﴿لِلَّهِ﴾ : ﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾؛ أي: مما خلق الله وحده ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾؛ أي: من حبوب الزرع وكذا من ثمار الأشجار ﴿وَ﴾ من نتاج ﴿الْأَنْعامِ﴾ وهي الإبل والبقر
стр. 3874
والغنم، ومن سائر أموالهم ﴿نَصِيبًا﴾؛ أي: حظا وقسما معينا يصرفونه إلى الضيفان والمساكين، وجعلوا نصيبا من ذلك لمن أشركوا معه من الأوثان والأصنام ينفقونه على سدنتها، وفي قرابين يذبحون عندها، دل (١) على هذا المحذوف تفصيله القسمين فيما بعد، وهو قوله: ﴿هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا﴾. ﴿فَقالُوا﴾ في النصيب الأول ﴿هذا لِلَّهِ﴾؛ أي: نتقرب به إليه ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾؛ أي: بكذبهم وافترائهم على الله تعالى متعلق بـ ﴿قالوا﴾، وإنما نسبوا (٢) للكذب في هذه المقالة مع أن كل شيء لله؛ لأن هذا الجعل لم يأمرهم الله به، فهو مجرد اختراع منهم ﴿وَ﴾ قالوا في النصيب الثاني ﴿هذا لِشُرَكائِنا﴾؛ أي: لمعبوداتنا نتقرب به إليها. ومعنى قوله: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾؛ أي: بقولهم الذي لا بينة لهم عليه، ولا هدي من الله إذ جعله قربة لله يجب أن يكون خالصا له وحده لا يشرك معه غيره فيه، وأن يكون بإذنه لأنه دين والدين لله ومن الله وحده، فهذا زعم مخترع لا دين مشترع، فيكون باطلا.
وقد روي أنهم كانوا يجعلون نصيب الله لقرى الضيفان، وإكرام الصبيان والتصدق على المساكين، ونصيب الهتهم لسدنتها وقرابينها، وما ينفق على معابدها، ثم (٣) إن رأوا ما عينوه لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم، فأعطوا نصيب الله لسدنة الأصنام، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها، فلم يصرفوه للمساكين، بل يصرفونه للسدنة، وكان إذا أصابهم قحط استعانوا بما جعلوه لله وأكلوا منه ووفروا ما جعلوه لآلهتهم، ولم يأكلوا منه، وإذا هلك ما جعلوه لها أخذوا بدله مما جعلوه لله، ولا يفعلون كذلك فيما جعلوه لها، وإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه، وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء مما جعلوه للأصنام في نصيب الله أخذوه وردوه إلى نصيب الصنم، وقالوا: إنه فقير.
وقرأ الكسائي ويحيى بن وثاب والسلمي والأعمش (٤): ﴿بزعمهم﴾: - بضم الزاي - وهي لغة بني أسد، وقرأ الباقون بفتحها؛ وهي لغة أهل الحجاز وهما
стр. 3875
مصدران. وقيل: الفتح في المصدر، والضم في الاسم، وقرأ ابن أبي عبلة: بفتح الزاي والعين فيهما، والكسر لغة لبعض قيس وتميم، ولم يقرأ به.
﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ﴾؛ أي: فيما عينوه لشركائهم وآلهتهم ﴿فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: لا يصرف إلى الوجوه التي جعلوها لله لا بالتصدق ولا بالضيافة ولا غيرهما، بل يهتمون بحفظه وإنفاقه على السدنة وذبح الذبائح والقرابين عندها ﴿وَما كانَ لِلَّهِ﴾؛ أي: وما عينوه وجعلوه له ﴿فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ﴾؛ أي: يجعلونه لآلهتهم وينفقونه في مصالحها للتقرب به إليها ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾؛ أي: قبح الحكم حكمهم في إيثار آلهتهم على الله سبحانه، أو قبح ما يحكمون به بإيثارهم المخلوق العاجز عن كل شيء على الخالق القادر على كل شيء، وبعملهم شيئا لم يشرعه الله.
وللقبح وجوه متعددة منها:
١ - أنه اعتداء على الله بالتشريع، وهو لم يأذن لهم فيه.
٢ - الشرك في عبادته تعالى، ولا ينبغي أن يشرك مع الله سواه فيما يتقرب به إليه.
٣ - ترجيح ما جعلوه لشركائهم على ما جعلوه لخالقها وخالقهم.
٤ - أن هذا حكم لا مستند له من عقل ولا هداية من شرع.
١٣٧ - ثم ذكر من أعمال الشرك أيضا عملا لا مستند له من عقل ولا شرع فقال: ﴿وَكَذلِكَ﴾؛ أي: ومثل تزيين قسمة القرابين من الحرث والأنعام بين الله وآلهتهم، وجعلهم آلهتهم شركاء لله في ذلك ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ﴾ بوأد إناثهم ونحر ذكورهم ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾؛ أي: أولياؤهم من الشياطين ومن السدنة؛ أي: زين لكثير من المشركين شركاؤهم - سدنة الآلهة وخدمها - أن يقتلوا أولادهم.
وكان مصدر هذا التنزيين وجوها مختلفة منها:
١ - اتقاء الفقر الحاصل أو المتوقع، وقد أشار سبحانه إلى الأول بقوله:
стр. 3876
﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ وأشاء إلى الثاني بقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾.
٢ - اتقاء العار بوأد البنات؛ أي: بدفنهن وهن على قيد الحياة خشية أن يكن سببا للعار أو السباء، أو خشية أن يقترن بأزواج دون آبائهن في الشرف.
٣ - التدين بنحر الأولاد للآلهة تقربا إليها بنذر أو بغير نذر، فقد كان الرجل في الجاهلية ينذر إن ولد له كذا غلاما .. لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب في قصص طويل أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «أنا ابن الذبيحين».
وسمى الله المزينين لهم الشرك من شياطين الإنس - كالسدنة - أو شياطين الجن شركاء، وإن كانوا هم لم يسموهم لا آلهة ولا شركاء؛ لأنهم لما أطاعوهم طاعة إذعان وخضوع في التحليل والتحريم، ولا يكون ذلك إلا لله سماهم شركاء كما قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وقرأ الجمهور (١): ﴿زَيَّنَ﴾ - مبنيا للفاعل - و ﴿قَتْلَ﴾ - نصبا على المفعولية - و ﴿أَوْلادِهِمْ﴾ - خفضا بالإضافة - و ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ - رفعا على الفاعل - والمعنى؛ أي: وهكذا زين لهم شياطينهم قتل أولادهم، فأمروا بأن يئدوا بناتهم خشية الفقر والسبي، وبأن ينحروا ذكورهم لآلهتهم، فكان الرجل في الجاهلية يقوم فيحلف بالله لئن ولد له كذا من الذكور .. لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب لينحرن عبد الله.
وقرأ ابن عامر وحده: ﴿زين﴾ - مبنيا للمفعول - و ﴿قتل﴾ - رفعا على النيابة عن الفاعل - و ﴿أولادهم﴾ - نصبا على المفعولية - و ﴿شركائهم﴾ - خفضا على إضافة المصدر إلى فاعله - والمعنى؛ أي: وزين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم. وهذه القراءة متواترة صحيحة، ولا عبرة بقول ابن عطية: وهذه قراءة ضعيفة في لسان العرب، فقد قرأ ابن عامر على أبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع وفضالة بن عبيد، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة المخزومي، وقرأ أيضا على
стр. 3877
عثمان، وولد هو في حياة رسول الله ﷺ . وقرأت فرقة (١)، منهم السلمي والحسن وأبو عبيد الملك - قاضي الجند وصاحب ابن عامر -: ﴿زين﴾ - مبنيا للمفعول - و ﴿قتل﴾ مرفوعا مضافا إلى ﴿أولادهم﴾، ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ مرفوعا على إضمار فعل؛ أي: زينه شركاؤهم هكذا أخرجه سيبويه. أو فاعلا بالمصدر؛ أي: قتل أولادهم شركاؤهم هكذا خرجه قطرب. فعلى توجيه سيبويه الشركاء مزينون لا قاتلون كما كان كذلك في القراءة الأولى، وعلى توجيه قطرب الشركاء قاتلون، ومجازه أنهم لما كانوا مزينين القتل جعلوا هم القاتلين، وإن لم يكونوا مباشري القتل، وقرأت فرقة من أهل الشام، ورويت عن ابن عامر: ﴿زين﴾ - بكسر الزاي وسكون الياء - على أنه فعل ماض مبني للمفعول على وزن قيل وبيع و ﴿قتل﴾ مرفوع على ما لم يسم فاعله و ﴿أولادهم﴾ بالنصب، و ﴿شركائهم﴾ بالخفض غاية ما في هذه القراءة أنه من زان الثلاثي، وبني للمفعول فأعل كبيع، فهي جارية على القراءة الأولى من الفصل بالمفعول.
ثم ذكر علة تزيين المنكرات لهم فقال: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾؛ أي: أنهم زينوا لهم هذه المنكرات ليردوهم ويهلكوهم بالإغواء والإضلال ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾؛ أي: وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل ﵇، ويفسدوا عليهم فطرتهم، فتنقلب عواطف ود الوالدين من رأفة ورحمة إلى قسوة ووحشية، فينحر الوالد ولده، ويدفن بنته الضعيفة بيده، وهي حية؛ أي: زينوا لهم ليضلوهم وليدخلوا عليهم الشك في دينهم.
والدين (٢) الذي لبّسوه وخلطوه عليهم هو ما كانوا يدعونه من دين إسماعيل وملة إبراهيم ﵉، وقد اختلط عليهم بما ابتدعوه من تقاليد الشرك حتى لم يعرف الأصل الذي كان يتبع من هذه الإضافات التي ضموها إليه، فهذا الذي أتاهم بهذه الأوضاع الفاسدة أراد أن يزيلهم عن ذلك الدين الحق.
стр. 3878
وقرأ النخعي (١): ﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾ - بفتح الياء - قال أبو الفتح استعارة من اللباس عبارة عن شدة المخالطة، واللام متعلقة بـ ﴿زَيَّنَ﴾، فهي على حقيقة التعليل إن كان التزيين من الشياطين، وعلى معنى الصيرورة إن كان من السدنة. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ عدم قتلهم أولادهم ﴿ما فَعَلُوهُ﴾؛ أي: ما فعل كثير من المشركين قتل الأولاد بدفن البنات في حياتها، وبنحر الأولاد الذكور للأصنام ﴿فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: إذا عرفت يا محمد ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو الأصلح لك .. فأقول لك: اتركهم وافتراءهم وكذبهم في قولهم: إن الله يأمرهم بقتل أولادهم، أو فذرهم وما يختلقون من الإفك على الله والأحكام التي يشرعونها، وهو أمر تهديد ووعيد؛ أي (٢): ولو شاء الله أن يخلق الناس مطبوعين على عبادته طبعا لا يستطيعون غيرها كالملائكة، فلا يؤثر فيه إغواء، ولا تجدي فيهم وسوسة لفعل، ولكن شاء أن يخلقهم مستعدين للتأثر بكل ما يرد على أنفسهم من الأفكار والآراء، وما يشاهدون من المحسوسات، واختيار ما يترجح عندهم أنه الخير على ما يقابله، ومن ثم يؤثر في نفوسهم ما يستفيدونه بالتعليم والاختيار والمعاشرة والمخالطة، والناس يتفاوتون في هذا جدّ التفاوت، فلا يمكن أن يكونوا على رأي واحد، أو دين واحد، فدعهم أيها الرسول وما ينتحلونه من شرائع وما يفترون من عقائد، وعليك بما أمرت به من التبليغ والله هو الذي يتولى أمرهم، وله سنن في هداية خلقه لا تتبدل، ومن سننه أن يغلب الحق الباطل، ثم ذكر نوعا ثالثا من آرائهم الفاسدة فقال:
١٣٨ - ﴿وَقالُوا﴾؛ أي: وقال المشركون الذين قسموا نصيب آلهتهم أقساما ثلاثة: ﴿هذِهِ﴾؛ أي: القرابين التي جعلناها للآلهة ﴿أَنْعامٌ وَحَرْثٌ﴾؛ أي: زروع ﴿حِجْرٌ﴾؛ أي: محرمة ﴿لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ﴾؛ أي: لا يأكل هذه الأنعام والحرث إلا خدمة الأوثان والرجال دون النساء ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾؛ أي: قالوا ما ذكر متلبسين بكذبهم، ومن غير حجة ﴿وَ﴾ هذه ﴿أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾؛ أي:
стр. 3879
ركوبها والحمل عليها، وهي البحائر والسوائب والحوامي والوصائل ﴿وَ﴾ هذه ﴿أَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ إذا ركبت أو حملت أو ذبحت، ونسبوا ذلك التقسيم إلى الله تعالى ﴿افْتِراءً﴾ وكذبا ﴿عَلَيْهِ﴾ حيث قالوا: إن الله تعالى أمرنا بهذا التقسيم، وهذا إما مفعول له، وعامله: ﴿قالُوا﴾، أو حال من ضميره، أو مصدر مؤكد له؛ لأن قولهم ذلك هو الافتراء ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ الله ويعاقبهم ﴿بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ـه ويختلقون عليه؛ أي: أن الله سيكافؤهم بسبب تقولهم عليه وكذبهم، وقرأ أبان بن عثمان: ﴿نعم﴾ على الإفراد. وقرأ الجمهور: ﴿حِجْرٌ﴾ - بكسر الحاء وسكون الجيم -. وقرأ الحسن وقتادة والأعرج بضم الحاء وسكون الجيم، وقال القرطبي قرأ الحسن وقتادة بفتح الحاء وسكون الجيم، وعن الحسن أيضا: ﴿حجر﴾ - بضم الحاء -. وقرأ أبان بن عثمان وعيسى بن عمر بضم الحاء والجيم. وقال هارون كان الحسن يضم الحاء من ﴿حجر﴾ حيث وقع إلا ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ فيكسرها. وقرأ أبي وعبد الله وابن عباس وابن الزبير وعكرمة وعمرو بن دينار والأعمش: ﴿حرج﴾ - بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم وسكونها - وحرج على القلب معناه: معنى حجر، أو من الحرج، وهو التضييق. ذكره أبو حيان في «البحر». أي: أنهم (١) لغوايتهم وشركهم قسموا أنعامهم وزروعهم أقساما ثلاثة:
١ - أنعام وأقوات من حبوب وغيرها تقتطع من أموالهم، وتجعل لمعبوداتهم تعبدا وتدينا، ويمتنعون من التصرف فيها إلا لها، ويقولون: هي حجر؛ أي: محتجرة للآلهة لا تعطى لغيرهم، وقوله: ﴿لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ﴾؛ أي: لا يأكل منها إلا الرجال دون النساء، وقوله: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾؛ أي:
بادعائهم الباطل من غير حجة ولا برهان.
٢ - أنعام حرمت ظهورها، فلا تركب ولا يحمل عليها. قال السدي: هي البحيرة وما ذكر معها في قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ ...﴾ الآية.
стр. 3880
٣ - أنعام لا يذكورن اسم الله عليها في الذبح، بل يهلون بها لآلهتهم وحدها، وكانوا إذا حجوا لا يحجون عليها، ولا يلبون على ظهرها ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾؛ أي: أنهم قسموا هذا التقسيم، وجعلوه من أحكام الدين، ونسبوه إلى الله افتراء عليه، واختلاقا له، والله منه بريء فهو لم يشرعه لهم، وما كان لغير الله أن يحرم أو يحلل على العباد ما لم يأذن به الله كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾.
﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ الجزاء (١) الذي يستحقونه، وينكل بهم شر النكال ﴿بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: بسبب هذا الافتراء القبيح،
١٣٩ - ثم ذكر ضربا آخر من أحكامهم في التحريم والتحليل ينبىء عن سخفهم وقلة عقلهم فقال: ﴿وَقالُوا﴾؛ أي: وقال مشركوا مكة وغيرهم: ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ﴾؛ أي: ما ولد من هذه البحائر والسوائب حيا ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾؛ أي: حلال لذكورنا خاصة، والهاء في ﴿خالِصَةٌ﴾ للمبالغة في الخلوص ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلى﴾ جنس ﴿أَزْواجِنا﴾ وهي الإناث، فيدخل فيه البنات والأخوات ونحوهن ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ﴾؛ أي: ذكورهم وإناثهم ﴿فِيهِ شُرَكاءُ﴾؛ أي: وإن يكن الذي في بطون الأنعام ميتة .. فهم فيه؛ أي: في الذي في البطون شركاء يأكل منه الذكور والإناث؛ أي: وما ولد منها ميتا أكله الرجال والنساء جميعا ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ الله ﴿وَصْفَهُمْ﴾ لما في بطونها بالتحليل والتحريم والتخصيص والاشتراك من قوله: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾؛ أي: سيوصل الله لهم جزاء ذنوبهم وهو وصفهم له بالتحليل والتحريم، فالواصف بذلك أولا عمرو بن لحي، وقد رآه النبي ﷺ يجر قصبه في النار، وكان يعلمهم تحريم الأنعام ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه ﴿عَلِيمٌ﴾ بخلقه، وهذه الجملة تعليل لمجازاته إياهم؛ أي: فمن أجل حكمته وعلمه لا يترك جزاءهم.
قوله: ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ﴾؛ المراد (٢) بالأنعام هنا البحائر؛
стр. 3881
أي: المشقوقة الآذان، والسوائب التي تسيب وتترك للآلهة، فلا يتعرض لها أحد، وكانوا يجعلون لبنها للذكور، ويحرمونه على الإناث، وإذا ولدت ذكرا جعلوه خالصا للذكور لا تأكل منه الإناث، وإذا كان ميتة اشترك فيه الذكور والإناث، وإذا ولدت أنثى تركوها للنتاج.
قوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: سيجزيهم الله تعالى جزاء وصفهم؛ لأن حكمته تعالى في الخلق وعلمه بشؤونهم جعلت عقابهم عين ما يقضيه وصفهم ونعتهم الروحي؛ إذ لكل نفس في الآخرة صفات تجعلها في مكان معين سواء أكان في أعلى عليين، أم في أسفل سافلين.
والخلاصة: أن منشأ الجزاء نفس الإنسان باعتبار عقائدها وسائر صفاتها التي يطبعها عليها العمل، وقيل: المعنى سيجزيهم وصفهم لربهم بما جعلوا له من الشركاء في العبادة والتشريع، أو وصف ألسنتهم الكذب بما افتروا عليه فيهما كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ...﴾ الآية.
وقرأ عبد الله وابن جبير وأبو العالية والضحاك وابن أبي عبلة (١): ﴿خالص﴾ - بالرفع بغير تاء - وهو خبر ﴿ما﴾؛ و ﴿لِذُكُورِنا﴾ متعلق به. وقرأ ابن جبير فيما ذكر ابن جني: ﴿خالصا﴾ - بالنصب بغير تاء - وانتصب على الحال من الضمير الذي تضمنته الصلة، أو على الحال من ﴿ما﴾ على مذهب أبي الحسن في إجازته تقديم الحال على العامل فيها إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا نحو:
(زيد قائما في الدار) وخبر ﴿ما﴾ على هذه القراءة هو ﴿لِذُكُورِنا﴾.
وقرأ ابن عباس والأعرج وقتادة وابن جبير أيضا: ﴿خالصة﴾ - بالنصب - وإعرابها كإعراب خالصا بالنصب، وخرج ذلك الزمخشري على أنه مصدر مؤكد كالعافية. وقرأ ابن عباس أيضا وأبو رزين وعكرمة وابن يعمر وأبو حيوة والزهري: ﴿خالصه﴾ بالإضافة إلى الضمير، وهو بدل من ﴿ما﴾، أو مبتدأ خبره
стр. 3882
﴿لِذُكُورِنا﴾، والجملة خبر ﴿ما﴾. وقرأ الجمهور: ﴿خالِصَةٌ﴾ - بالرفع بالتاء - وقرأ أبو بكر (١): ﴿وإن تكن﴾ - بتاء التأنيث - ﴿مَيْتَةً﴾ بالنصب؛ أي: وإن تكن الأجنة التي تخرج ميتة. وقرأ ابن كثير: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ - بالتذكير وبالرفع - على أنه من كان التامة، وقال الزمخشري: وقرأ أهل مكة: وإن تكن ميتة - بالتأنيث والرفع - انتهى. فإن عنى ابن كثير فهو وهم، وإن عنى غيره من أهل مكة، فيمكن أن يكون نقلا صحيحا، وهذه القراءة التي عزاها لأهل مكة هي قراءة ابن عامر. وقرأ باقي السبعة: ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾ - بالتذكير - ﴿مَيْتَةً﴾ - بالنصب - على تقدير: وإن يكن ما في بطونها ميتة. وقرأ يزيد: ﴿ميّتة﴾ - بالتشديد -، وقرأ عبد الله: ﴿فهم فيه سواء﴾.
١٤٠ - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ﴾ بالوأد للبنات وبالنحر للذكور؛ أي: قد خسروا في الدنيا باعتبار السعي في نقص عددهم، وإزالة ما أنعم الله به عليهم، وفي الآخرة باستحقاق العذاب الأليم، والجملة جواب لقسم محذوف تقديره: وعزتي وجلالي لقد خسروا في الدنيا والآخرة ﴿سَفَهًا﴾؛ أي: قتلوهم لأجل السفه والحمق، وقلة العقل ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: بغير حجة ولا إذن من الله، وهم ربيعة ومضر، وأمثالهم من العرب، وبنو كنانة لا يفعلون ذلك. وسبب هذا الخسران؛ لأن الولد نعمة عظيمة من الله على العبد، فإذا سعى في إبطاله استحق الذم العظيم في الدنيا؛ لأن الناس يقولون: قتل ولده خوفا من أن يأكل طعامه، والعقاب العظيم في الآخرة وسببه خفة العقل؛ لأن قتل الولد إنما يكون للخوف من الفقر، والقتل أعظم ضررا منه، والقتل ناجز، والفقر موهوم، وهذه السفاهة إنما نشأت من الجهل الذي هو أعظم المنكرات.
وقرأ الحسن والسلمي وأهل مكة والشام، ومنهما ابن كثير وابن عامر: ﴿قتّلوا﴾ - بالتشديد -. وقرأ اليماني: ﴿سفهاء﴾ - بصيغة الجمع -. ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى من الأنعام التي سموها بحائر وسوائب، وهو معطوف على ﴿قَتَلُوا﴾، فهو صلة ثانية ﴿افْتِراءً﴾ وكذبا ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ تعالى بنسبة ذلك إليه تعالى
стр. 3883
﴿قَدْ ضَلُّوا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد ضلوا وأخطؤوا بهذه الافعال عن الصراط المستقيم ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحق بعد ضلالهم، فعلم أن فائدته بعد قوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ أنهم بعد ما ضلوا لم يهتدوا مرة أخرى، كما ذكره الكرخي، فإن تحريم الحلال من أعظم أنواع الحماقة؛ لأنه يمنع نفسه تلك المنافع، ويستحق بسبب ذلك المنع أعظم أنواع العقاب، أو أن الجرأة بالافتراء أعظم الذنوب، وهم قد ضلوا عن الرشد في مصالح الدين ومنافع الدنيا، ولم يحصل لهم الاهتداء قط.
والحاصل (١): أن الله أنكر على مشركي العرب أمرين عظيمين ونعاهما عليهم، وحكم فيهم حكما عدلا وهما:
١ - قتل أولادهم ووأد بناتهم، وبذلك خسروا خسرانا مبينا، فإن قتل الأولاد يستلزم خسران كل ما كان يرجى من العزة والنصرة والسرور والغبطة، والبر والصلة، وخسران العاطفة الأبوية ورأفتها، واستبدال القسوة والغلظة بها إلى نحو أولئك من مساوي الأخلاق التي يضيق بها العيش في الدنيا، وبها يحل العقاب في الآخرة.
٢ - تحريم ما رزقهم الله من الطيبات، وإيضاح هذا: أن الله قد حكم على من فعل هذين الجرمين بالخسران والسفاهة، وعدم العلم والافتراء على الله والضلال وعدم الاهتداء.
أما الخسران: فلأن الولد نعمة من الله على العبد، فإذا سعى العبد في زوالها .. فقد خسر خسرانا عظيما؛ إذ هو قد استحق الذم في الدنيا، وقال الناس فيه: إنه قتل ولده خوف أن يأكل طعامه، والعقاب في الآخرة؛ لأنه ألحق أعظم أنواع الأذى بأقرب الناس إليه محبة.
وأما السفاهة: وهي اضطراب النفس وحماقتها، فلأنه أقدم على ضرر محقق، وهو القتل خوفا من ضرر موهوم، وهو الفقر كما مر.
стр. 3884
وأما عدم العلم بما ينفع وما يضر وما يحسن وما يقبح، فذلك من أقبح القبائح والمنكرات، وأما الافتراء على الله فلأنهم جعلوه دينا يتقرب به إليه، وهو جرأة عليه، وذلك من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، وأما الضلال المبين فلأنهم لم يهتدوا إلى مصالح الدين، ولا منافع الدنيا، وأما عدم الاهتداء إلى شيء من الحق والصواب فلأنهم لم يعملوا بمقتضى العقل، ولا بهدي الشرع في منافع الدنيا وسعادة الآخرة.
وفائدة قوله: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بيان أنهم لم يحصل لهم اهتداء قط، والإنسان أحيانا قد يضل ثم يهتدي، ولكن هؤلاء لم يحصل لهم اهتداء بحال.
أخرج البخاري عن ابن عباس قال: إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمئة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا﴾ إلى قوله: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية: هذا صنع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة، ويغذو كلبه.
١٤١ - ﴿وَهُوَ﴾ ربكم ﴿الَّذِي أَنْشَأَ﴾ وأوجد وابتدع لكم ﴿جَنَّاتٍ﴾ وبساتين من الكروم ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾؛ أي: مسموكات مرفوعات على العرش والسرير ﴿وَ﴾ جنات ﴿غَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾؛ أي: متروكات على وجه الأرض لم تعرش، يقال: عرشت الكرم إذا جعلت لها دعائم وسمكا تعطف عليه القطبان، واختلفوا في معنى قوله: ﴿مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ على أربعة (١) أقوال:
أحدها: أن المعروشات ما انبسط على وجه الأرض فانتشر مما يعرش كالكرم والقرع والبطيخ، وغير معروشات ما قام على ساق كالنخل والزرع وسائر الأشجار.
والثاني: أن المعروشات ما أنبته الناس، وغير معروشات ما خرج في
стр. 3885
البراري والجبال من الثمار، رويا عن ابن عباس.
والثالث: أن المعروشات وغير المعروشات الكرم منه ما عرش ومنه ما لم يعرش. قاله الضحاك.
والرابع: أن المعروشات الكروم التي قد عرش عنبها، وغير المعروشات سائر الشجر التي لا تعرش. قاله أبو عبيدة.
﴿وَ﴾ أنشأ ﴿النَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾ وإنما (١) أفردهما مع أنهما داخلان في الجنات؛ لما فيهما من الفضيلة على سائر ما ينبت في الجنات، والمراد بـ ﴿الزَّرْعَ﴾ جميع الحبوب التي يقتات بها، وتدخر حالة كون كل من النخل والزرع ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾؛ أي: مختلف المأكول منهما، وهو ثمرهما في الهيئة والطعم، واللون والرائحة، والجودة والرداءة، وهو حال مقدرة؛ لأن النخل والزرع وقت خروجه لا أكل منه حتى يكون مختلفا، أو متفقا، وهو مثل قولهم، مررت برجل معه صقر صائدا به غدا؛ أي: مقدرا للصيد به غدا.
﴿وَالنَّخْلَ﴾ (٢) وإن كان من قسم الجنات غير المعروشات ذكر على سبيل الانفراد لما فيه من المنافع الكثيرة، ولا سيما للعرب، فإن بسره ورطبه فاكهة وغذاء، وتمره من أفضل الأقوات التي تدخر، ومن أيسرها تناولا في السفر والحضر، ولا يحتاج إلى طبخ ولا إلى معالجة، ونواه علف لرواحلهم، ويتخذ منه شراب لذيذ إذا نبذ في الماء قليلا إلى ما في خوصه وليفه من الفوائد والمنافع، وبهذه الفوائد يفضل الكرم الذي هو أقرب الشجر منه تفكها وتغذية وشربا، وأشبهه به شكلا ولونا في عنبه وزبيبه ومنافعه.
﴿وَالزَّرْعَ﴾ وهو النبات الذي يكون بحرث الناس يشمل كل ما يزرع لكنه خص بما يأتي منه القوت كالقمح والشعير، وقد ذكرت هذه الأنواع على طريق الترقي من الأدنى في التغذية واقتيات الناس إلى الأعلى والأعم، فإن الحبوب هي التي عليها المعول في الاقتيات.
стр. 3886
﴿وَهو﴾ الذي أنشأ، وخلق لكم ﴿الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾؛ أي: شجرهما معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾ حالة كون كل منهما ﴿مُتَشابِهًا﴾ ورقهما ﴿وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ ثمرها في الجنس والطعم، أو يتشابه بعض أفرادهما في اللون والطعم، ولا يتشابه بعضها ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم: ﴿من ثُمُره﴾ وقرأ الباقون بفتحهما؛ أي: كلوا أيها العباد من ثمر كل منهما، أو من ثمر ذلك المذكور كله ﴿إِذا أَثْمَرَ﴾، وإن لم يدرك ويينع؛ أي: كلوا من ثمره إذا حصل منه ثمر، وإن لم يدرك ويبلغ حد الحصاد، والأمر فيه أمر إباحة.
لما ذكر (١) الله ما أنعم به على عباده من خلق هذه الجنات المحتوية على أنواع من الثمار ذكر ما هو المقصود الأصلي، وهو الانتفاع، فقال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ﴾ وهذا أمر إباحة كما مر آنفا، وتمسك بهذا بعضهم، فقال: الأمر قد يرد إلى غير الوجوب؛ لأن هذه الصيغة مفيدة لدفع الحرج، وقال بعضهم: المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق؛ لأنه تعالى لما أوجب الزكاة في الحبوب والثمار .. كان يحتمل أن يحرم على المالك أن يأكل منها شيئا قبل إخراج الواجب فيها لمكان شركة الفقراء والمساكين معه، فأباح الله أن يأكل قبل إخراجه؛ لأن رعاية حق النفس مقدمة على رعاية حق الغير، وقيل: إنما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ﴾ بصيغة الأمر، ليعلم أن المقصود من خلق هذه الأشياء التي أنعم الله بها على عباده هو الأكل.
وخلاصة ما سلف (٢): أنه بعد أن أعلم عباده بأنه هو الذي أنشأ لهم ما في الأرض من الشجر والنبات الذي يستعملون منه أقواتهم .. أعلمهم بأنه أباح ذلك كله لهم، فليس لأحد غيره أن يحرم شيئا منه عليهم؛ لأن التحريم حق لله الخالق للعباد للأقوات جميعا، فمن ادعاه لنفسه .. فقد جعل نفسه شريكا له تعالى، كما أن من أذعن لتحريم غير الله .. فقد أشركه معه .
стр. 3887
والتحريم الذي لا يكون إلا لله هو تحريم التشريع إما المنع من بعض هذا الثمر لسبب غير ذلك، فلا شرك، فإذا منع الطبيب بعض المرضى من أكل الثمر أو الخبز مثلا؛ لأنه يضره يكون منعا شرعيا أو تحريما، لا على معنى أن الطبيب هو الذي شرع ذلك، بل الله هو الذي حرم كل ضار، والطبيب هو الذي عرّف المريض ضرره.
وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطيور لمصلحة عامة كالحاجة إلى كثرته لحفظ بعض الزروع؛ لأنه يأكل الحشرات المهلكة مثلا لا يكون تحريما ذاتيا، بل تحريما ما دام السبب، والسلطان هو المكلف شرعا بصيانة المصالح ودرء المفاسد، وليس له أن يحرم بمحض إرادته، وإذا هو أخطأ في اجتهاده .. وجب على الأمة الإنكار عليه، ووجب عليه أن يرجع إلى الحق.
وفائدة قوله (١): ﴿إِذا أَثْمَرَ﴾ بيان أن أول وقت الإباحة الأكل هو وقت الإثمار، وليس بلازم أن يدرك ويينع، فالكرم ينتفع بثمره حصرما فعنبا فزبيبا، والنخل يؤكل ثمره بسرا فرطبا فتمرا، والقمح يطحن ويؤكل خبزا، أو يطبخ، أو يعمل حلوى على أشكال شتى.
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾؛ أي (٢): وآتوا الحق المعلوم فيما ذكر من الزرع وغيره لمستحقيه من ذوي القربى واليتامى والمساكين زمن حصاده وجذاذه وقطعه جملة، ويدخل في الحصاد جني العنب وصرم النخل.
وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب (٣): ﴿حَصادِهِ﴾؛ أي: يوم جذاذه وقطعه - بفتح الحاء - وهي لغة أهل نجد وتميم، وقرأ باقي السبعة بكسرها، وهي لغة أهل الحجاز. ذكره الفراء؛ أي (٤): اعزموا على إيتاء الزكاة لكل من الزروع والثمار يوم الحصاد، ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء. وإنما يجب إخراج الزكاة بعد التصفية والجفاف، والأمر بإيتائها يوم
стр. 3888
الحصاد؛ لئلا يؤخر عن وقت إمكان الأداء، وليعلم أن وجوبها بالإدراك ولو في البعض لا بالتصفية.
والمعنى (١): آتوا وأعطوا حق كل ما وجب يوم الحصاد بعد التصفية، وفائدة ذكر الحصاد الإشعار والتنبيه على أن الحق لا يجب بنفس الزرع وإدراكه، وإنما يجب يوم حصاده وحصوله في يد مالكه لا فيما يتلف من الزرع قبل حصوله في يد مالكه، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار كلها، كما قاله أبو حنيفة، ويقتضي ثبوت حق في القليل والكثير، فالعشر واجب في القليل والكثير كما قاله أبو حنيفة.
فإن قلت (٢): على هذا التفسير إشكال؛ وهو أن فرض الزكاة كان بالمدينة، وهذه السورة مكية، فكيف يمكن حمل قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ على الزكاة المفروضة؟
قلت: ذكر ابن الجوزي في تفسيره عن ابن عباس ﵄ وقتادة أن هذه الآية نزلت بالمدينة، فعلى هذا القول تكون الآية محكمة نزلت في حكم الزكاة. وإن قلنا: إن هذه الآية مكية تكون منسوخة بآية الزكاة؛ لأنه قد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن، وقيل في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ إنه حق سوى الزكاة فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر وترك ما سقط من الزرع والثمر، وهذا قول علي بن الحسن وعطاء ومجاهد وحماد، قال إبراهيم: هو الضغث، وقال الربيع: هو لقاط السنبل، وقال مجاهد: كانوا يجيئون بالعذق عند الصرام، فيأكل منه من مر، وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل .. يجيئون بالعذق عند الصرام، فيعلقونه في جانب المسجد، فيجيء المسكين، فيضربه بعصاه، فما سقط منه أكله، فعلى هذا القول هل هذا الأمر أمر وجوب أو استحباب وندب؟ فيه قولان: أحدهما: أنه أمر وجوب، فيكون منسوخا بآية الزكاة، وبقوله ﷺ في
стр. 3889
حديث الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع».
والقول الثاني: أنه أمر ندب واستحباب، فتكون الآية محكمة، وقال سعيد بن جبير كان هذا حقا يؤمر بإخراجه في ابتداء الإسلام، ثم صار منسوخا بإيجاب العشر، ولقول ابن عباس: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن، واختار هذا القول الطبري وصححه، واختار الواحدي والرازي القول الأول وصححاه.
﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: لا تجاوزوا أيها المؤمنون الحد في الإعطاء والبخل حتى تمنعوا الواجب من الصدقة، أو تعطوا كله، وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمس مئة نخلة فجذها، ثم قسمها في يوم واحد، ولم يرجع منها إلى منزله بشيء، فأنزل هذه الآية: ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ وقد جاء في الخبر «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول»، أو المعنى: كلوا مما رزقكم من غير إسراف في الأكل كما قال في آية أخرى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
والإسراف مجاوزة الحد، والحد الذي ينهى الله سبحانه عن مجاوزته؛ إما شرعي: كتجاوز الحلال من الطعام والشراب وما يتعلق بهما إلى الحرام، وإما فطري طبيعي: وهو تجاوز حد الشبع إلى البطنة الضارة. ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: المجاوزين الحد الذي شرعه في كل شيء، ففيه وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء؛ لأن من لا يحبه الله فهو من أهل النار.
١٤٢ - ﴿وَ﴾ هو الذي أنشأ وخلق لكم ﴿مِنَ الْأَنْعامِ﴾ الثلاثة الإبل والبقر والغنم ﴿حَمُولَةً﴾؛ أي: ما يحمل الأثقال. وقرأ عكرمة وأبو المتوكل وأبو الجوزاء: ﴿حُمولة﴾ - بضم الحاء -. ﴿وَفَرْشًا﴾؛ أي: ما يفرش للذبح، أو ما ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش، أو المعنى: هو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة؛ أي: كبارا منها تصلح للحمل كالإبل ﴿وَفَرْشًا﴾؛ أي: صغارا مثل الفصلان الدانية من الأرض لصغر أجرامها كالفرش المفروش عليها ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي: كلوا بعض ما رزقكم الله، وهو
стр. 3890
ما أحل الله لكم من الحرث والأنعام، أو كلوا من هذه الأنعام وغيرها، وانتفعوا بها بسائر ضروب الانتفاع المباحة شرعا ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾؛ أي: ولا تسلكوا السبل التي يسوّلها لكم الشيطان بتحريم الحرث والأنعام، فتحرموا ما لم يحرمه الله تعالى، فإن ذلك إغواء وإضلال منه، والله المبدع قد أباحها لكم، فليس لغيره أن يحرم أو يحلل، ولا يتعبدكم به، ويقال: لمن اتبع آخر وبالغ في التأسي به: اتبع خطواته، ولا شك أن تحريم ما أحل الله من أقبح المبالغات في اتباع إغواء الشيطان؛ لأنه اتباع له في حرمان النفس من الطيبات لا في الاستمتاع باللذات كما هو أكثر غوايته. ثم علل النهي عن اتباعه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر العداوة، فقد أخرج آدم من الجنة، وقال: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: لا تتبعوه لأنه ظاهر العداوة بينها لا يأمر إلا بكل قبيح يسوء فعله حالا، أو استقبالا، ويأمركم بالافتراء على الله بغير علم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
١٤٣ - وبعد أن ذكر سبحانه أن الأنعام؛ إما حمولة وإما فرش .. فصلها وقسمها إلى ثمانية أزواج، فإن الحمولة؛ إما إبل، وإما بقر، والفراش؛ إما ضأن، وإما معز، وكل من الأقسام الأربعة؛ إما ذكر، وإما أنثى، وكل هذا الإيضاح المحال التي تقولوها على الله تعالى بالتحريم والتحليل، ثم تبكيتهم بإظهار كذبهم وافترائهم في كل محل من هذه المحال بتوجيه الإنكار إليها مفصلة، فقال: وهو أنشأ لكم ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾؛ أي: ثمانية أصناف من الأنعام أنشأ لكم ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: زوجين الكبش والنعجة، وقدم الضأن على المعز؛ لغلاء ثمنه، وطيب لحمه، وعظم الانتفاع بصوفه، والضأن ذوات الصوف من الغنم، والمعز ذوات الشعر منها. وقرأ طلحة بن مصرف والحسن وعيسى بن عمر: ﴿من الضأَن﴾ - بفتح الهمزة - وقرأ أبان بن عثمان: ﴿اثنان﴾ - بالرفع على الابتداء والخبر مقدم - ﴿وَ﴾ أنشأ لكم ﴿مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: زوجين التيس والعنز. وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو: ﴿من المعَز﴾ - بفتح العين - وقرأ باقي السبعة بسكونها، وقرأ أبي: ﴿ومن المعزي﴾.