﴿وَهو﴾ الذي أنشأ، وخلق لكم ﴿الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾؛ أي: شجرهما معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾ حالة كون كل منهما ﴿مُتَشابِهًا﴾ ورقهما ﴿وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ ثمرها في الجنس والطعم، أو يتشابه بعض أفرادهما في اللون والطعم، ولا يتشابه بعضها ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ قرأ حمزة والكسائي بضم الثاء والميم: ﴿من ثُمُره﴾ وقرأ الباقون بفتحهما؛ أي: كلوا أيها العباد من ثمر كل منهما، أو من ثمر ذلك المذكور كله ﴿إِذا أَثْمَرَ﴾، وإن لم يدرك ويينع؛ أي: كلوا من ثمره إذا حصل منه ثمر، وإن لم يدرك ويبلغ حد الحصاد، والأمر فيه أمر إباحة.
لما ذكر (١) الله ما أنعم به على عباده من خلق هذه الجنات المحتوية على أنواع من الثمار ذكر ما هو المقصود الأصلي، وهو الانتفاع، فقال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ﴾ وهذا أمر إباحة كما مر آنفا، وتمسك بهذا بعضهم، فقال: الأمر قد يرد إلى غير الوجوب؛ لأن هذه الصيغة مفيدة لدفع الحرج، وقال بعضهم: المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الحق؛ لأنه تعالى لما أوجب الزكاة في الحبوب والثمار .. كان يحتمل أن يحرم على المالك أن يأكل منها شيئا قبل إخراج الواجب فيها لمكان شركة الفقراء والمساكين معه، فأباح الله أن يأكل قبل إخراجه؛ لأن رعاية حق النفس مقدمة على رعاية حق الغير، وقيل: إنما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ﴾ بصيغة الأمر، ليعلم أن المقصود من خلق هذه الأشياء التي أنعم الله بها على عباده هو الأكل.
وخلاصة ما سلف (٢): أنه بعد أن أعلم عباده بأنه هو الذي أنشأ لهم ما في الأرض من الشجر والنبات الذي يستعملون منه أقواتهم .. أعلمهم بأنه أباح ذلك كله لهم، فليس لأحد غيره أن يحرم شيئا منه عليهم؛ لأن التحريم حق لله الخالق للعباد للأقوات جميعا، فمن ادعاه لنفسه .. فقد جعل نفسه شريكا له تعالى، كما أن من أذعن لتحريم غير الله .. فقد أشركه معه .
стр. 3887
والتحريم الذي لا يكون إلا لله هو تحريم التشريع إما المنع من بعض هذا الثمر لسبب غير ذلك، فلا شرك، فإذا منع الطبيب بعض المرضى من أكل الثمر أو الخبز مثلا؛ لأنه يضره يكون منعا شرعيا أو تحريما، لا على معنى أن الطبيب هو الذي شرع ذلك، بل الله هو الذي حرم كل ضار، والطبيب هو الذي عرّف المريض ضرره.
وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطيور لمصلحة عامة كالحاجة إلى كثرته لحفظ بعض الزروع؛ لأنه يأكل الحشرات المهلكة مثلا لا يكون تحريما ذاتيا، بل تحريما ما دام السبب، والسلطان هو المكلف شرعا بصيانة المصالح ودرء المفاسد، وليس له أن يحرم بمحض إرادته، وإذا هو أخطأ في اجتهاده .. وجب على الأمة الإنكار عليه، ووجب عليه أن يرجع إلى الحق.
وفائدة قوله (١): ﴿إِذا أَثْمَرَ﴾ بيان أن أول وقت الإباحة الأكل هو وقت الإثمار، وليس بلازم أن يدرك ويينع، فالكرم ينتفع بثمره حصرما فعنبا فزبيبا، والنخل يؤكل ثمره بسرا فرطبا فتمرا، والقمح يطحن ويؤكل خبزا، أو يطبخ، أو يعمل حلوى على أشكال شتى.
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾؛ أي (٢): وآتوا الحق المعلوم فيما ذكر من الزرع وغيره لمستحقيه من ذوي القربى واليتامى والمساكين زمن حصاده وجذاذه وقطعه جملة، ويدخل في الحصاد جني العنب وصرم النخل.
وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب (٣): ﴿حَصادِهِ﴾؛ أي: يوم جذاذه وقطعه - بفتح الحاء - وهي لغة أهل نجد وتميم، وقرأ باقي السبعة بكسرها، وهي لغة أهل الحجاز. ذكره الفراء؛ أي (٤): اعزموا على إيتاء الزكاة لكل من الزروع والثمار يوم الحصاد، ولا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء. وإنما يجب إخراج الزكاة بعد التصفية والجفاف، والأمر بإيتائها يوم
стр. 3888
الحصاد؛ لئلا يؤخر عن وقت إمكان الأداء، وليعلم أن وجوبها بالإدراك ولو في البعض لا بالتصفية.
والمعنى (١): آتوا وأعطوا حق كل ما وجب يوم الحصاد بعد التصفية، وفائدة ذكر الحصاد الإشعار والتنبيه على أن الحق لا يجب بنفس الزرع وإدراكه، وإنما يجب يوم حصاده وحصوله في يد مالكه لا فيما يتلف من الزرع قبل حصوله في يد مالكه، وهذا يقتضي وجوب الزكاة في الثمار كلها، كما قاله أبو حنيفة، ويقتضي ثبوت حق في القليل والكثير، فالعشر واجب في القليل والكثير كما قاله أبو حنيفة.
فإن قلت (٢): على هذا التفسير إشكال؛ وهو أن فرض الزكاة كان بالمدينة، وهذه السورة مكية، فكيف يمكن حمل قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ على الزكاة المفروضة؟
قلت: ذكر ابن الجوزي في تفسيره عن ابن عباس ﵄ وقتادة أن هذه الآية نزلت بالمدينة، فعلى هذا القول تكون الآية محكمة نزلت في حكم الزكاة. وإن قلنا: إن هذه الآية مكية تكون منسوخة بآية الزكاة؛ لأنه قد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن، وقيل في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ إنه حق سوى الزكاة فرض يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر وترك ما سقط من الزرع والثمر، وهذا قول علي بن الحسن وعطاء ومجاهد وحماد، قال إبراهيم: هو الضغث، وقال الربيع: هو لقاط السنبل، وقال مجاهد: كانوا يجيئون بالعذق عند الصرام، فيأكل منه من مر، وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل .. يجيئون بالعذق عند الصرام، فيعلقونه في جانب المسجد، فيجيء المسكين، فيضربه بعصاه، فما سقط منه أكله، فعلى هذا القول هل هذا الأمر أمر وجوب أو استحباب وندب؟ فيه قولان: أحدهما: أنه أمر وجوب، فيكون منسوخا بآية الزكاة، وبقوله ﷺ في
стр. 3889
حديث الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع».
والقول الثاني: أنه أمر ندب واستحباب، فتكون الآية محكمة، وقال سعيد بن جبير كان هذا حقا يؤمر بإخراجه في ابتداء الإسلام، ثم صار منسوخا بإيجاب العشر، ولقول ابن عباس: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن، واختار هذا القول الطبري وصححه، واختار الواحدي والرازي القول الأول وصححاه.
﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: لا تجاوزوا أيها المؤمنون الحد في الإعطاء والبخل حتى تمنعوا الواجب من الصدقة، أو تعطوا كله، وروي أن ثابت بن قيس بن شماس عمد إلى خمس مئة نخلة فجذها، ثم قسمها في يوم واحد، ولم يرجع منها إلى منزله بشيء، فأنزل هذه الآية: ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ وقد جاء في الخبر «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول»، أو المعنى: كلوا مما رزقكم من غير إسراف في الأكل كما قال في آية أخرى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
والإسراف مجاوزة الحد، والحد الذي ينهى الله سبحانه عن مجاوزته؛ إما شرعي: كتجاوز الحلال من الطعام والشراب وما يتعلق بهما إلى الحرام، وإما فطري طبيعي: وهو تجاوز حد الشبع إلى البطنة الضارة. ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: المجاوزين الحد الذي شرعه في كل شيء، ففيه وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء؛ لأن من لا يحبه الله فهو من أهل النار.
١٤٢ - ﴿وَ﴾ هو الذي أنشأ وخلق لكم ﴿مِنَ الْأَنْعامِ﴾ الثلاثة الإبل والبقر والغنم ﴿حَمُولَةً﴾؛ أي: ما يحمل الأثقال. وقرأ عكرمة وأبو المتوكل وأبو الجوزاء: ﴿حُمولة﴾ - بضم الحاء -. ﴿وَفَرْشًا﴾؛ أي: ما يفرش للذبح، أو ما ينسج من وبره وصوفه وشعره للفرش، أو المعنى: هو الذي أنشأ لكم من الأنعام حمولة؛ أي: كبارا منها تصلح للحمل كالإبل ﴿وَفَرْشًا﴾؛ أي: صغارا مثل الفصلان الدانية من الأرض لصغر أجرامها كالفرش المفروش عليها ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ ؛ أي: كلوا بعض ما رزقكم الله، وهو
стр. 3890
ما أحل الله لكم من الحرث والأنعام، أو كلوا من هذه الأنعام وغيرها، وانتفعوا بها بسائر ضروب الانتفاع المباحة شرعا ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾؛ أي: ولا تسلكوا السبل التي يسوّلها لكم الشيطان بتحريم الحرث والأنعام، فتحرموا ما لم يحرمه الله تعالى، فإن ذلك إغواء وإضلال منه، والله المبدع قد أباحها لكم، فليس لغيره أن يحرم أو يحلل، ولا يتعبدكم به، ويقال: لمن اتبع آخر وبالغ في التأسي به: اتبع خطواته، ولا شك أن تحريم ما أحل الله من أقبح المبالغات في اتباع إغواء الشيطان؛ لأنه اتباع له في حرمان النفس من الطيبات لا في الاستمتاع باللذات كما هو أكثر غوايته. ثم علل النهي عن اتباعه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر العداوة، فقد أخرج آدم من الجنة، وقال: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: لا تتبعوه لأنه ظاهر العداوة بينها لا يأمر إلا بكل قبيح يسوء فعله حالا، أو استقبالا، ويأمركم بالافتراء على الله بغير علم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
١٤٣ - وبعد أن ذكر سبحانه أن الأنعام؛ إما حمولة وإما فرش .. فصلها وقسمها إلى ثمانية أزواج، فإن الحمولة؛ إما إبل، وإما بقر، والفراش؛ إما ضأن، وإما معز، وكل من الأقسام الأربعة؛ إما ذكر، وإما أنثى، وكل هذا الإيضاح المحال التي تقولوها على الله تعالى بالتحريم والتحليل، ثم تبكيتهم بإظهار كذبهم وافترائهم في كل محل من هذه المحال بتوجيه الإنكار إليها مفصلة، فقال: وهو أنشأ لكم ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾؛ أي: ثمانية أصناف من الأنعام أنشأ لكم ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: زوجين الكبش والنعجة، وقدم الضأن على المعز؛ لغلاء ثمنه، وطيب لحمه، وعظم الانتفاع بصوفه، والضأن ذوات الصوف من الغنم، والمعز ذوات الشعر منها. وقرأ طلحة بن مصرف والحسن وعيسى بن عمر: ﴿من الضأَن﴾ - بفتح الهمزة - وقرأ أبان بن عثمان: ﴿اثنان﴾ - بالرفع على الابتداء والخبر مقدم - ﴿وَ﴾ أنشأ لكم ﴿مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: زوجين التيس والعنز. وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو: ﴿من المعَز﴾ - بفتح العين - وقرأ باقي السبعة بسكونها، وقرأ أبي: ﴿ومن المعزي﴾.
стр. 3891
وهذه الأنواع الأربعة تفصيل للفرش فـ ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول تبكيتا وتوبيخا وإنكارا عليهم ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾؛ أي: هل حرم الله الذكرين الكبش والتيس من ذينك النوعين؟ ﴿أَمِ﴾ حرم ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾ النعجة والعنز (أم) حرم ﴿ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: ما حملته إناث النوعين ذكرا كان أو أنثى؟ أي: قل لهم إن كان حرم الذكور .. فكل ذكر حرام، وإن كان حرم الإناث .. فكل أنثى حرام، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني؛ من الضأن والمعز .. فكل مولود حرام ذكرا كان أو أنثى، وكلها مولود، فيستلزم أن كلها حرام، فمن أين أخذتم تحريم البحائر والسوائب مثلا، وتحليل غيرها. وقوله: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ فيه قراءتان لا غير، مد الهمزة مدا لازما بقدر ثلاث ألفات، وتسهيل الهمزة الثانية على حد قوله في «الخلاصة»:
وايمن همز أل كذا ويبدل ... مدّا في الاستفهام أو يسهّل
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾؛ أي: أخبروني ببينة وحجة تدل على ذلك من كتاب الله، أو خبر من أنبيائه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعوى التحريم، والمراد من هذا التبكيت لهم، وإلزام الحجة؛ لأنه يعلم أنه لا علم عندهم وَأنشأ لكم
١٤٤ - ﴿مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: زوجين الجمل والناقة ﴿وَ﴾ أنشأ لكم ﴿مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: زوجين الثور والبقرة فـ ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد تبكيتا وتقريعا لهم ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾؛ أي: هل حرم الله الذكرين الجمل والثور؟ ﴿أَمِ﴾ ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾ منهما الناقة والبقرة؟ (أم) حرم ﴿ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: ما حملته إناث النوعين يعني من الإبل والبقر ذكرا كان أو أنثى؟
وخلاصة ذلك: أن المشركين في الجاهلية كانوا يحرمون بعض الأنعام، فاحتج سبحانه على إبطال ذلك بأن لكل من الضأن والمعز، والإبل والبقر ذكرا وأنثى، فإن كان قد حرم منها الذكر .. وجب أن يكون كل ذكورها حراما، وإن كان حرم جل شأنه الأنثى .. وجب أن يكون كل إناثها حراما، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الإناث .. وجب تحريم الأولاد كلها؛ لأن الأرحام تشتمل على الذكور والإناث.
стр. 3892
وقصارى (١) ذلك: أنه تعالى ما حرم عليهم من هذه الأنواع الأربعة، وأنهم كاذبون في دعوى التحريم، وقد فصل ذلك أتم التفصيل مبالغة في الرد عليهم، ثم زاد في الإنكار والتهكم بهم، فقال: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا﴾؛ أي: هل (٢) شاهدتم الله حرم هذا عليكم ووصاكم به؟ لا؛ أي: لم تكونوا شهداء، فإنكم لا تقرون بنبوة أحد من الأنبياء، فكيف تنبئون هذه الأحكام، وتنسبونها إلى الله تعالى.
و ﴿أَمِ﴾ (٣) هنا منقطعة بمعنى ﴿بل﴾، وهمزة الإنكار، و ﴿بل﴾ للانتقال من توبيخهم بنفي العلم عنهم المستفاد من قوله: نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إذ هو أمر تعجيز؛ أي: لا علم لكم بذلك إلى توبيخهم بنفي حضورهم وقت إيصائهم بالتحريم؛ أي: أعندكم (٤) علم يؤثر عن أحد من رسله، فتنبئوني به، أم شاهدتم ربكم، فوصاكم بهذا التحريم مشافهة بغير واسطة؛ كلا ما حصل هذا ولا ذاك، فما هو إلا محض افتراء على الله يقلد فيه بعضكم بعضا بقوله: إن الله حرم علينا كذا وكذا كما قال تعالى: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
والخلاصة: أنكم إذا لم تؤمنوا بنبي .. فلا طريق لكم إلى علم ذلك بحسب ما تقولون إلا أن تشاهدوا ربكم، وتتلقوا منه أحكام الحلال والحرام.
وبعد أن نفى الأمرين بالبرهان .. أثبت أنه افتراء على الله لإضلال عباده، وهو ظلم يجنيه الإنسان على نفسه وعلى غيره، ويجني سوء عاقبته، فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ والاستفهام للإنكار؛ أي: لا أحد أشد ظلما ممن اختلق على الله كذبا بنسبة التحريم إليه ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ عن دين الله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ولا حجة حال (٥) من فاعل ﴿يضل﴾؛ أي: ليضل الناس حال كونه متلبسا بغير علم بما يؤدي بهم إليه، أو حال من فاعل ﴿افْتَرى﴾؛ أي: افترى على الله
стр. 3893
تعالى جاهلا بصدور التحريم عنه تعالى؛ أي: فمن افترى عليه تعالى جاهلا بصدور التحريم عنه تعالى مع احتمال الصدور عنه كان أظلم ظالم، فما ظنك بمن افترى عليه تعالى؛ وهو يعلم أنه لم يصدر عنه.
أي: لا أحد أظلم منكم لأنكم من هؤلاء المفترين على الله بقصد الإضلال عن جهل تام.
والخلاصة: أن في ذلك تسجيل الغباوة عليهم، وعمى البصيرة باتباعهم محض التقليد من غير عقل ولا هوى، فإن عملهم ليس له إثارة من علم ولا قصد إلى شيء من الهدى إلى حق أو خير ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لا يَهْدِي﴾؛ أي: لا يوفق للرشاد ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا يهدي أولئك المشركين؛ أي: لا ينقلهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان؛ أي: لا يهدي من افترى عليه الكذب، وقال عليه الزور والبهتان، ولا يهديه إلى الحق والعدل، لا من طريق الوحي، ولا من طريق العلم، بل يصده عن استعمال عقله فيما يهديه إلى الصواب، وعما فيه صلاحه عاجلا وآجلا، وهؤلاء كعمرو بن لحي وأضرابه.
وقد وجد في البشر (١)؛ ناس فكروا وبحثوا فيما يجب عليهم لله من الشكر والعبادة، واتباع الحق والعدل وفعل الخير بحسب ما يرشد إليه عقولهم، وأخطؤوا في بعض، وكانوا خير الناس للناس على حين فترة من الرسل كما فعل قصي؛ إذ وضع للعرب سننا حسنة كسقاية الحاج، ورفادتهم، وإطعامهم، وسن الشورى في مهام الأمور.
الإعراب
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا﴾.
﴿وَجَعَلُوا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿جَعَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة.
стр. 3894
﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور حال من ﴿نَصِيبًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿ذَرَأَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما ذرأه. ﴿مِنَ الْحَرْثِ﴾: جار ومجرور حال من العائد المحذوف، أو من ﴿ما﴾. وَالْأَنْعامِ: معطوف عليه. نَصِيبًا: مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، ويحتمل كون (١) ﴿جعل﴾ متعديا إلى واحد بمعنى عينوا وميزوا نصيبا، وكل من الظرفين متعلق بـ ﴿جَعَلُوا﴾، أو الثاني بدل من الأول. فَقالُوا: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفصيل، ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جَعَلُوا. ﴿هذا لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿فَقالُوا﴾. ﴿وَهذا لِشُرَكائِنا﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿هذا لِلَّهِ﴾.
﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ﴾.
﴿فَما﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قالوه في التقسيم، وأردت بيان عاقبة كل من النصيبين .. فأقول لك: ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ. ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿لِشُرَكائِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر ﴿كانَ﴾، وجملة ﴿كانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿فَلا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ جوازا لما في المبتدأ من العموم، ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَصِلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. إِلَى ﴿اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَصِلُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافا بيانيا واقعا في سؤال مقدر كأنه قيل: ما عاقبة النصيبين؟.
﴿وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾.
стр. 3895
﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ أول. ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبرها، وجملة ﴿كانَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾. ﴿فَهُوَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ، ﴿هو﴾: مبتدأ ثان، وجملة ﴿يَصِلُ﴾ خبره. ﴿إِلى شُرَكائِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَصِلُ﴾، وجملة المبتدأ الثاني خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ﴾ على كونها مقولا لجواب إذا المقدرة. ﴿ساءَ﴾: فعل ماض من أفعال الذم. ﴿ما﴾: موصولة في محل الرفع فاعل، وجملة ﴿يَحْكُمُونَ﴾ صلتها، والعائد محذوف تقديره: ما يحكمونه، وجملة ساءَ في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف وجوبا هو المخصوص بالذم تقديره: ساء ما يحكمون حكمهم.
وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ.
وَكَذلِكَ ﴿الواو﴾: استئنافية. كَذلِكَ: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: وتزييننا مثل تزيين قسمة القرابين بين الله وآلهتهم. زَيَّنَ:
فعل ماض. لِكَثِيرٍ: متعلق به. مِنَ الْمُشْرِكِينَ: صفة لـ (لكثير).
قَتْلَ أَوْلادِهِمْ: مفعول به ومضاف إليه. شُرَكاؤُهُمْ: فاعل ومضاف إليه، والتقدير: وزين لكثير من المشركين شركاؤهم قتل أولادهم تزيينا مثل تزيين قسمة القرابين بين الله وآلهتهم، والجملة الفعلية مستأنفة.
لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ.
لِيُرْدُوهُمْ ﴿اللام﴾: لام كي، (يردوهم): فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بلام كي تقديره: لإردائهم إياهم، الجار والمجرور متعلق بـ زَيَّنَ. وَلِيَلْبِسُوا ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اللام﴾: لام كي، (يلبسوا): فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿دِينَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: وللبسهم عليهم دينهم، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور
стр. 3896
قبله، فعلل التزيين بشيئين بالإرداء وبالتخليط، وإدخال الشبهة عليهم في دينهم.
﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿شاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل والمفعول محذوف تقديره: عدم فعلهم، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿ما﴾: نافية. ﴿فَعَلُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب الشرط لـ ﴿لَوْ﴾، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فَذَرْهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن تزيينهم بمشيئة الله تعالى، وأردت بيان ما هو المطلوب لك .. فأقول لك، ﴿ذرهم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: مصدرية، أو موصولة في محل النصب معطوف على ضمير المفعول. ﴿يَفْتَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على ضمير المفعول تقديره: فذرهم وافتراءهم، أو صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: فذرهم والذي يفترونه، وجملة ﴿ذرهم﴾: من الفعل والفاعل في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾.
﴿وَقالُوا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿هذِهِ أَنْعامٌ﴾ إلى قوله: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿هذِهِ أَنْعامٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿وَحَرْثٌ﴾: معطوف على ﴿أَنْعامٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿حِجْرٌ﴾: صفة أولى لـ ﴿أَنْعامٌ وَحَرْثٌ﴾؛ لأنه مصدر على فعل يوصف به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث كذبح بمعنى: مذبوح كما سيأتي في مبحث التصريف إن شاء الله تعالى. ﴿لا يَطْعَمُها﴾: فعل ومفعول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول
стр. 3897
في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿أَنْعامٌ وَحَرْثٌ﴾. ﴿نَشاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين؛ أعني المشركين، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من نشأه. ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿قالُوا﴾: تقديره: قالوا ذلك حالة كونهم متلبسين بزعمهم الباطل وكذبهم الفاسد، والمقول (١) الجمل الثلاث الأولى ﴿هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ ...﴾ إلخ، الثانية ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ الخ باعتبار أنه خبر لمبتدأ محذوف، والثالث ﴿وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ باعتبار المذكور. ﴿وَأَنْعامٌ﴾: معطوف على ﴿أَنْعامٌ﴾ الأولى، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه أنعام الخ. ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُها:﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية صفة لـ ﴿أَنْعامٌ﴾. ﴿وَأَنْعامٌ﴾: معطوف على ﴿أَنْعامٌ﴾ الأولى، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه أنعام؛ لأن العطف بالواو. ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿اسْمَ اللَّهِ﴾: مفعول ومضاف إليه. ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَذْكُرُونَ﴾، والجملة الفعلية صفة لـ ﴿أَنْعامٌ﴾، لكنه (٢) غير واقع في كلامهم المحكي كنظائره، بل مسوق من جهته تعالى تعيينا للموصوف، وتمييزا له عن غيره. ﴿افْتِراءً﴾: مفعول لأجله منصوب بـ قالُوا. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿افْتِراءً﴾. ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾. ﴿كانُوا﴾: فعل ماض ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كانوا يفترونه.
﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾.
﴿وَقالُوا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قالُوا﴾ الأولى. ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿ما﴾: موصولة في محل الرفع
стр. 3898
مبتدأ. ﴿فِي بُطُونِ هذِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صلة لـ ﴿ما﴾. ﴿الْأَنْعامِ﴾ بدل من الإشارة. ﴿خالِصَةٌ﴾: خبر المبتدأ، والتاء فيه للمبالغة لا للتأنيث كعلامة ونسابة كما سيأتي في مبحث الصرف إن شاء الله تعالى، والجملة الاسمية في محل النصب مقول قالُوا. ﴿لِذُكُورِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خالِصَةٌ﴾. ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾: معطوف على ﴿خالِصَةٌ﴾. ﴿عَلى أَزْواجِنا﴾ متعلق به.
﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾، واسمها ضمير يعود على ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ﴾. ﴿مَيْتَةً﴾: خبر ﴿يَكُنْ﴾. ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية، ﴿هم﴾: مبتدأ. ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿شُرَكاءُ﴾. ﴿شُرَكاءُ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم جواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿وَصْفَهُمْ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿إِنَّهُ﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر أول لها. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. ﴿سَفَهًا﴾، مفعول لأجله منصوب بـ ﴿قَتَلُوا﴾. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿قَتَلُوا﴾؛ أي: حالة كونهم متلبسين بغير علم. ﴿وَحَرَّمُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَتَلُوا﴾. ﴿ما﴾: موصولة في محل النصب مفعول به. ﴿رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: إياه. ﴿افْتِراءً﴾: مفعول لأجله منصوب بـ حَرَّمُوا. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿افْتِراءً﴾.
стр. 3899
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿ضَلُّوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مؤكدة لما قبلها. ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانُوا﴾: فعل ماض ناقص واسمه. ﴿مُهْتَدِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كانُوا﴾ معطوفة على جملة ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْشَأَ﴾: فعل، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به منصوب بالكسرة. ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾: صفة له. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾: معطوف على ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾. ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾: معطوفان على ﴿جَنَّاتٍ﴾ عطف خاص على عام. ﴿مُخْتَلِفًا﴾: حال من ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾. ﴿أُكُلُهُ﴾: فاعل ﴿مُخْتَلِفًا﴾؛ أي: حالة كون كل منهما مختلفا ثمره المأكول منه. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾: معطوفان على ﴿جَنَّاتٍ﴾. ﴿مُتَشابِهًا﴾: حال من ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾. ﴿وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾: معطوف عليه؛ أي: حالة كل من الزيتون والرمان متشابها ورقهما، وغير متشابه ثمرهما.
﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
﴿كُلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كُلُوا﴾. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَثْمَرَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على جميع ما ذكر، والجملة في محل الخفض بـ ﴿إِذا﴾ على كونه فعل شرط لها، وجواب ﴿إِذا﴾ معلوم مما قبله تقديره: إذا أثمر فكلوه، وجملة إِذا معترضة لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة معطوفة على جملة ﴿كُلُوا﴾. ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾: ظرف ومضاف إليه في محل المفعول الثاني متعلق بـ ﴿آتُوا﴾، لأنه بمعنى أعطوا. ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾: فعل وفاعل معطوف
стр. 3900
على ﴿كُلُوا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها، وجملة ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ خبرها، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾.
﴿وَمِنَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مِنَ الْأَنْعامِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿حَمُولَةً﴾ وما بعده، ﴿حَمُولَةً﴾: معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾. ﴿وَفَرْشًا﴾: معطوف على ﴿حَمُولَةً﴾؛ أي: وأنشأ لكم حمولة وفرشا من الأنعام. ﴿كُلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إياه، وهو العائد على ﴿ما﴾ الموصولة، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كُلُوا﴾. ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿إِنَّهُ﴾: ﴿إنّ﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾. عَدُوٌّ: خبر ﴿إن﴾. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿عَدُوٌّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣)﴾.
﴿ثَمانِيَةَ﴾: معطوف بعاطف مقدر على ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: وأنشأ لكم جنات معروشات، وثمانية أزواج. ﴿أَزْواجٍ﴾: مضاف إليه ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْشَأَ﴾ محذوفا. ﴿اثْنَيْنِ﴾: منصوبا بـ ﴿أَنْشَأَ﴾ المحذوف، أو بدل من ﴿ثَمانِيَةَ﴾ بدل تفصيل من مجمل. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾: معطوف على قوله: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿نَبِّئُونِي﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾: (الهمزة): للاستفهام التوبيخي، (الذكرين): مفعول مقدم منصوب بـ ﴿حَرَّمَ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿أَمِ﴾: حرف عطف. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾: معطوف على ﴿الذكرين﴾.
стр. 3901
﴿أَمَّا﴾: ﴿أم﴾: حرف عطف مبني بسكون على الميم المدغمة ميم ﴿ما﴾، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على ﴿الذكرين﴾. ﴿اشْتَمَلَتْ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿نَبِّئُونِي﴾: فعل وفاعل ومفعول، والنون للوقاية. ﴿بِعِلْمٍ﴾: متعلق به، والجملة معترضة لاعتراضها بين التفاصيل المذكورة قبلها والتي بعدها على كونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم على كونه فعل شرط لها. ﴿صادِقِينَ﴾: خبرها منصوب، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية معلوم مما قبلها تقديره: إن كنتم صادقين نبئوني بعلم، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾.
﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
﴿وَمِنَ الْإِبِلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْشَأَ﴾: محذوفا. ﴿اثْنَيْنِ﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْشَأَ﴾ المحذوف تقديره: وأنشأ لكم من الإبل اثنين، والجملة الحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ على كونها تفصيلا لـ ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾. ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾: معطوف على قوله: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: (الهمزة): للاستفهام التوبيخي، ﴿الذكرين﴾: مفعول مقدم لـ ﴿حَرَّمَ﴾. ﴿حَرَّمَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿أَمِ﴾ حرف عطف. ﴿الْأُنْثَيَيْنِ﴾: معطوف على ﴿الذكرين﴾.
﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا﴾.
﴿أَمَّا﴾: ﴿أم﴾: حرف عطف، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على ﴿الذكرين﴾. ﴿اشْتَمَلَتْ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿أَمِ﴾: منقطعة بمعنى همزة الإنكار وبل الانتقالية؛ لدخولها على الجملة المستقلة؛ أي:
стр. 3902
المنقطعة عما قبلها؛ أي: بل أكنتم. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿شُهَداءَ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية متعلق بـ ﴿شُهَداءَ﴾. ﴿وَصَّاكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿بِهذا﴾: متعلق بـ ﴿وَصَّاكُمُ﴾.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿من﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿مِمَّنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾. ﴿افْتَرى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿كَذِبًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿من﴾ الموصولة. ﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾: ﴿اللام﴾: لام كي. ﴿يضل الناس﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿من افترى﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإضلاله الناس، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿افْتَرى﴾. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿افْتَرى﴾؛ أي: افترى على الله كذبا حالة كونه متلبسا بغير علم، أو متعلق بـ ﴿يضل﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. لا: نافية. ﴿يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول به. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿مِمَّا ذَرَأَ﴾ يقال: ذرأ الله الخلق يذرأ - من باب فتح - ذرأ؛ أي خلقهم على وجه الابتداع والاختراع.
﴿نَصِيبًا﴾ ﴿النصيب﴾: الحظ والقسم، والجزء من الشيء.
стр. 3903
﴿هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ وفي «المصباح» (١): زعم زعما من باب قتل، وفي الزعم ثلاث لغات فتح الزاي لأهل الحجاز، وضمها لبني أسد، وكسرها لبعض قيس، ويطلق الزعم بمعنى القول، ومنه زعمت الحنفية، وزعم سيبويه؛ أي: قال، وعليه قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ﴾؛ أي: قلت؛ أي: كما أخبرت، ويطلق على الظن، يقال: في زعمي كذا وعلى الاعتقاد، ومنه قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾. قال الأزهري: أكثر ما يكون الزعم فيما يشك فيه ولا يتحقق، وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب. قال المرزوقي: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلا، أو فيه ارتياب. وقال ابن القوطبة: زعم زعما إذا قال خبرا لا يدري أحقا هو أو باطلا. قال الخطابي: ولهذا قيل: زعم مطية الكذب، وزعم غير مزعم، قال غير مقول صالح، وادعى ما لا يمكن اه.
وفي «السمين» ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أن يتعلق بـ ﴿قالوا﴾؛ أي: قالوا ذلك القول بزعم لا بيقين واستبصار.
والثاني: قيل: هو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به قوله ﴿لِلَّهِ﴾. وقرأ العامة بفتح الزاي هنا وفيما يأتي، وهذه لغة أهل الحجاز؛ وهي الفصحى. وقرأ الكسائي: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ بالضم، وهي لغة بني أسد، وهل المضموم والمفتوح بمعنى واحد أو المفتوح مصدر والمضموم اسم؟ خلاف مشهور. وفي لغة لبعض قيس وبني تميم كسر الزاي، ولم يقرأ بهذه اللغة فيما علمت اهـ.
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾؛ أي: يهلكوهم بالإغواء من أردى الرباعي ﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾؛ أي: يخلطوا قرأ (٢) الجمهور بكسر الباء من لبست عليه الأمر ألبسه - بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع - من باب ضرب إذا أدخلت عليه فيه الشبهة وخلطته فيه. وقرأ النخعي: ﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾. - بفتح الباء - فقيل: هي لغة في المعنى المذكور تقول: لبست عليه الأمر - بفتح الباء وكسرها - ألبسه وألبسه، والصحيح
стр. 3904
أن لبس - بالكسر - بمعنى لبس الثياب، وبالفتح بمعنى الخلط.
﴿حِجْرٌ﴾ - بكسر الحاء وسكون الجيم - فعل بمعنى مفعول؛ أي: محجور ممنوع كذبح وطحن بمعنى مذبوح ومطحون يستوي فيه الواحد والكثير والمذكر والمؤنث؛ لأن أصله المصدر، ولذلك وقع صفة لأنعام وحرث. قال ابن مالك في لامية الأفعال:
من ذي الثّلاثة بالمفعول متّزنا ... وما أتى كفعيل فهو قد عدلا
به عن الأصل واستغنوا بنحو نجا ... والنّسي عن وزن مفعول وما عملا
وقال شارحها في «مناهل الرجال»: وقد يرد لفظ المصدر بمعنى المفعول كاللفظ والصيد والخلق بمعنى الملفوظ والمصيد والمخلوق؛ لأن إطلاق المصدر بمعنى المفعول مجازا كثير مطرد، انتهى.
﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ و ﴿﴿الهاء﴾﴾ (١) في ﴿خالِصَةٌ﴾ للمبالغة في الخلوص كعلامة ونسابة قاله الكسائي والأخفش. وقال الفراء: تأنيثها لتأنيث الأنعام، ورد بأن ما في بطون الأنعام غير الأنعام، وتعقب هذا الرد بأن ما في بطون الأنعام أنعام، وهي الأجنة و ﴿ما﴾ عبارة عنها، فيكون تأنيث ﴿خالِصَةٌ﴾ باعتبار معنى ﴿ما﴾ وتذكير ﴿مُحَرَّمٌ﴾ باعتبار لفظها. وقرأ الأعمش: ﴿خالص﴾ قال الكسائي: معنى خالص وخالصة واحد إلا أن الهاء للمبالغة كما تقدم عنه.
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ الإنشاء (٢): إيجاد الأحياء وتربيتها، وكل ما يكمل بالتدريج كإنشاء السحاب والدور والشعر والجنات والبساتين والكروم الملتفة الأشجار؛ لأنها تجن الأرض وتسترها، والمعروشات: المحمولات على العرائش؛ وهي الدعائم التي يوضع عليها مثل السقف من العيدان والقصب. وأصل العرش في اللغة (٣): شيء مسقف يجعل عليه الكرم، وجمعه عروش يقال: عرشت الكرم أعرشه عرشا - من بابي ضرب ونصر -
стр. 3905
وعرشته تعريشا إذا جعلته كهيئة السقف، واعترش العنب العريش إذا علاه وركبه، وغير المعروشات ما لم يعرش منها. والمراد أن الجنات نوعان: معروشات كالكروم، وغير معروشات من سائر أنواع الشجر الذي يستوي على سوقه ولا يتسلق على غيره.
﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾؛ أي: يوم جذاذه وقطعه. قال سيبويه (١): جاؤوا بالمصدر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال، وربما قالوا فيه: فعال؛ يعني: أن هذا مصدر خاص دال على معنى زائد على مطلق المصدر، فإن المصدر الأصلي إنما هو الحصد، والحصد ليس فيه دلالة على انتهاء زمان ولا عدمها بخلاف الحصاد والحصاد اه.
﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ من الإسراف؛ وهو تجاوز الحد فيما يفعله الإنسان، وإن كان في الإنفاق أشهر. وقيل السرف: تجاوز ما حد لك، وسرف المال إنفاقه في غير منفعة، ولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله؛ فهو سرف، وإن كان قليلا.
﴿الضَّأْنِ﴾ قيل: جمع ضائن للذكر وضائنة للأنثى؛ وقيل: اسم جمع وكذا يقال في المعز سكنت عينه أو فتحت. وفي «المصباح» المعز اسم جنس لا واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، الواحدة شاة وهي مؤنثة، وتفتح العين وتسكن، وجمع الساكن أمعز ومعيز مثل عبد وأعبد وعبيد، والمعزى ألفها للإلحاق لا للتأنيث، ولهذا تنون في النكرة، وتصغر على معيز، ولو كانت الألف للتأنيث .. لم تحذف، والذكر ماعز، والأنثى ماعزة اه، وفيه أيضا والعنز الأنثى من المعز إذا أتى عليها حول.
﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ والحمولة الكبير من الإبل، والبقر الذي يحمل عليه الناس الأثقال، والفرش ما يفرش للذبح من الضأن والمعز وصغار الإبل والبقر، أو ما يتخذ الفرش من صوفه ووبره وشعره كما مر.
стр. 3906
﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ والخطوات واحدها خطوة - بالضم - وهي المسافة التي بين القدمين.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع:
فمنها: التقسيم في قوله تعالى: ﴿فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ وفي قوله: ﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ الخ. ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا.﴾
ومنها: التكرار في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿لِشُرَكائِنا﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ لأنه استعار اللبس لشدة المخالطة الحاصلة بينهم وبين التخليط حتى كأنها لبسوها كالثياب، وصارت محيطة بهم.
ومنها: الطباق في قوله تعالى: ﴿أَنْعامٌ وَحَرْثٌ﴾ لأن الأنعام حيوان، والحرث جماد، وبين قوله: ﴿لِذُكُورِنا وأَزْواجِنا﴾؛ أي: إناثنا، وبين قوله: ﴿مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾، وبين قوله: ﴿مُتَشابِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾، وبين قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ لأن الحمولة الكبار الصالحة للحمل، والفرش الصغار الدانية من الأرض كأنها فرش.
ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ لأن الخطوة ما بين القدمين استعارها لتسويل الشيطان ووسوسته، وهي أبلغ (١) عبارة في التحذير من طاعة الشيطان والسير في ركابه.
ومنها: الجناس المغاير في قوله تعالى: ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، وفي قوله: ﴿مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
стр. 3907
ومنها: المقابلة في قوله تعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ .. وَمِنَ الْمَعْزِ .. وَمِنَ الْإِبِلِ .. وَمِنَ الْبَقَرِ﴾.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ﴾ أظهر الاسم الجليل في موضع الإضمار؛ لإظهار كمال عتوهم وضلالهم أفاده أبو السعود.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله تعالى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ لأن المقصود إنكار أن الله حرمها.
ومنها: الاعتراض في قوله تعالى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾، وقوله: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ لأنه اعترض بهما بين المعدودات وقعت تفصيلا لثمانية أزواج.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
هو بالوحي من الله تعالى وبشرعه، لا بما تهوى الأنفس وما تختلقه على الله تعالى.
وعبارة «المراغي» هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لمّا ذكر (١) في سابق الآيات أنه ليس لأحد أن يحرم شيئا من الطعام ولا غيره إلا بوحي من ربه على لسان رسله، ومن فعل ذلك يكون مفتريا على الله معتديا على مقام الربوبية، ومن اتبعه في ذلك .. فقد اتخذه شريكا لله تعالى، وأبان أن من هذا ما حرمته العرب في جاهليتها من الأنعام والحرث .. أردف ذلك بذكر ما حرمه على عباده من الطعام على لسان خاتم رسله وألسنة بعض الرسل قبله.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ...﴾ الآية. مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه لما بين أن التحريم إنما يستند للوحي الإلهي .. أخبر أنه حرم على بعض الأمم السابقة أشياء، كما حرم على أهل هذه الملة أشياء مما ذكرها من الآية قبل.
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما كان (٣) الكلام في سالف الآيات في تفصيل أصول الإسلام من توحيد الله والنبوة والبعث، وفي دحض شبهات المشركين التي كانوا يحتجون بها على شركهم وتكذيبهم للرسل، وإنكارهم للبعث، وفي بيان أعمالهم التي هي دلائل على الشرك من التحريم والتحليل بخرافات وأوهام .. ذكر هنا شبهة مثل بمثلها كثير من الكفار، وهم وإن لم يكونوا قالوها وأوردوها على الرسول ﷺ فإن الله المحيط علمه بكل شيء يعلم أنهم سيقولونها، فذكرها وردّ عليها بما يبطلها، وكان ذلك من إخباره بأمور الغيب قبل وقوعها.
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٤): أن الله لما ذكر ما حرموه افتراء
стр. 3910
عليه، ثم ذكر ما أباحه تعالى لهم من الحبوب والفواكه والحيوان .. ذكر ما حرمه تعالى عليهم من أشياء نهاهم عنها، وما أوجب عليهم من أشياء أمرهم بها.
وعبارة «المراغي» هنا: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين لعباده جميع ما حرم عليهم من الطعام، وذكر حجته البالغة على المشركين الذين حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه عليهم، ودحض شبهتهم التي احتجوا بها على شركهم بربهم وافترائهم عليه .. ذكر في هذه الآيات أصول المحرمات في الأقوال والأفعال، وأصول الفضائل، وأنواع البر.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه عبد بن حميد عن طاوس (١) قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء، ويستحلون أشياء، فنزلت: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١٤٥ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الجاهلين المفترين على الله الكذب فيما يضرهم من تحريم ما لم يحرم عليهم، وقل لغيرهم من الناس ﴿لا أَجِدُ﴾ ولا أعلم ولا أرى ﴿فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ﴾؛ أي: فيما أوحاه إلي ربي. وروي عن ابن عامر: ﴿في ما أَوْحَى﴾ - بفتح الهمزة والحاء - جعله فعلا ماضيا مبنيا للفاعل. ذكره أبو حيان في «البحر»؛ أي: فيما أوحاه إلي ربي في القرآن فلا ينافي تحريم ما أوحى إليه في غير القرآن، كذي الناب وذي المخلب من الطيور طعاما. ﴿مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾؛ أي: على آكل يريد أن يأكله وفي قوله: ﴿يَطْعَمُهُ﴾: زيادة تأكيد وتقرير لما قبله. ذكره الشوكاني. وقال أبو بكر الرازي في قوله: ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ دلالة على أن المحرم من الميتة ما يتأتى فيه الأكل منها، وإن لم يتناول الجلد المدبوغ، ولا القرن، ولا العظم، ولا الظلف، ولا الريش ونحوها
стр. 3911
انتهى. ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك الطعام ﴿مَيْتَةً﴾ لم تذك ذكاة شرعية، وذلك شامل لما مات حتف أنفه، وللمنخنقة والموقوذة والنطيحة ونحوها مما سبق ذكره في المائدة. وقرىء: ﴿يطّعمه﴾ - بالتشديد وكسر العين - والأصل يتطعمه، فأبدلت التاء بطاء، وأدغمت فيها الأولى. ذكره أبو البقاء. وقرأ (١) ابن كثير وحمزة: ﴿تكون﴾ - بالتأنيث - ﴿مَيْتَةً﴾ بالنصب على تقدير إلا أن تكون المحرمة ميتة. وقرأ ابن عامر: ﴿تكون﴾ - بالتأنيث - ﴿ميتة﴾ - بالرفع - على معنى: إلا أن توجد ميتة، أو إلا أن تكون هناك ميتة. وقرأ الباقون ﴿يَكُونَ﴾ - بالتذكير - ﴿مَيْتَةً﴾ - بالنصب -؛ أي: إلا ﴿أن يكون﴾ ذلك المحرم ميتة. وعلى قراءة ابن عامر يكون ما بعد هذا معطوفا على ﴿أَنْ يَكُونَ﴾ الواقعة مستثناة؛ أي: إلا وجود ميتة. وعلى قراءة غيره يكون معطوفا على قوله: ﴿مَيْتَةً﴾.
﴿أَوْ﴾ إلا أن يكون ذلك المحرم ﴿دَمًا مَسْفُوحًا﴾؛ أي: سائلا كالدم الذي يجري من المذبوح، أو من الحي حال حياته، وغير (٢) المسفوح معفو عنه كالدم الذي يبقى في العروق بعذ الذبح، ومنه الكبد والطحال.
وفي الحديث: «أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد، ودمان: الكبد والطحال». وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم. وقد حكى القرطبي الإجماع على هذا، وقيل لأبي مجلز (٣): القدر تعلوها الحمرة من الدم، فقال: إنما حرم الله تعالى المسفوح، وقالت نحوه عائشة ﵂، وعليه إجماع العلماء. وقال أبو بكر الرازي، وفي قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ دلالة على أن دم البق والبراغيث
والذباب ليس بنجس انتهى.
﴿أَوْ﴾ إلا أن يكون ذلك المحرم ﴿لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ وتخصيص (٤) اللحم بالذكر؛ للتنبيه على أنه أعظم ما ينتفع به من الخنزير، وإن كان سائره مشاركا له في التحريم بالتنصيص على العلة من كونه رجسا، أو لإطلاق الأكثر على كله، أو
стр. 3912
الأصل على التابع؛ لأن الشحم وغيره يتبع اللحم، وقال الشوكاني: وظاهر تخصيص اللحم أنه لا يحرم الانتفاع منه بما عدا اللحم، انتهى. ﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإن كل ما ذكر من الميتة وما بعدها. وأفرد الضمير؛ لأن العطف بأو ﴿رِجْسٌ﴾؛ أي: نجس أو خبيث مخبث تعافه الطباع السليمة، وهو ضار بالأبدان الصحيحة. وقال الشوكاني: والضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عائد إلى اللحم أو الخنزير، انتهى؛ أي: قذر لتعوده أكل النجاسة، أو خبيث مخبث ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ معطوف على المنصوب قبله، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه ذكر للتعليل، ﴿أَوْ﴾ كان ذلك المحرم ﴿فِسْقًا﴾؛ أي: ذبحا خارجا عن الحلال لكونه أهل به؛ أي: ذبح به لغير الله بأن ذبح على اسم الأصنام مثلا، وهو كل ما يتقرب به إلى غير الله تعبدا، ويذكر اسمه عليه عند ذبحه.
قال أبو حيان (١): وجاء الترتيب هنا كالترتيب الذي في البقرة والمائدة، وجاءت هنا هذه المحرمات منكرة والدم موصوفا بقوله: ﴿مَسْفُوحًا﴾، والفسق موصوفا بقوله: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وفي تينك السورتين معرفة؛ لأن هذه السورة مكية؛ فعلق بالتنكير، وتينك السورتان مدنيتان؛ فجاءت تلك الأسماء معارف بالعهد حوالة على ما سبق تنزيله في هذه السورة انتهى.
فصل (٢)
وذكر المفسرون هنا أشياء مما اختلف أهل العلم فيها، ونلخص من ذلك شيئا، فنقول: أما الحمر الأهلية: فذهب الشعبي وابن جبير إلى أنه يجوز أكلها، وإن تحريم الرسول لها إنما كان لعلة، وأما لحوم الخيل: فاختلف السلف فيها، وأباحها الشافعي وابن حنبل وأبو يوسف ومحمد بن الحسن. وعن أبي حنيفة: الكراهة، فقيل: كراهة تنزيه، وقيل: كراهة تحريم؛ وهو قول مالك والأوزاعي والحكم بن عتيبة وأبي عبيد وأبي بكر الأصم. وقال به من التابعين مجاهد، ومن
стр. 3913
الصحابة ابن عباس، وروي عنه خلافه، وقد صنف في حكم لحومل الخيل جزءا قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي ﵀ قرأناه عليه، وأجمعوا على تحريم البغال، وأما الحمار الوحشي إذا تأنس، فذهب أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح والشافعي: إلى جواز أكله، وروى ابن القاسم عن مالك أنه إذا دجّن وصار يعمل عليه كما يعمل على الأهلي أنه لا يؤكل.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد: لا يحل أكل ذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير، وقال مالك: لا يؤكل سباع الوحش ولا البر وحشيا كان أو أهليا، ولا الثعلب ولا الضبع، ولا بأس بأكل سباع الطير الرخم والعقاب والنسور وغيرها ما يأكل الجيفة وما لا يأكل، وقال الأوزاعي: الطير كله حلال إلا أنهم يكرهون الرخم، وقال الشافعي: ما عدا على الناس من ذي الناب كالأسد والذئب والنمر، وعلى الطيور من ذي المخلب كالنسر والبازي لا يؤكل، ويؤكل الثعلب والضبع، وكره أبو حنيفة الغراب الأبقع، لا الغراب الزرعي، والخلاف في الحدأة كالخلاف في العقاب والنسر، وكره أبو حنيفة الضّبّ.
وقال مالك والشافعي: لا بأس به. والجمهور: على أنه لا يؤكل الهر الإنسي، وعن مالك: جواز أكله إنسيا كان أو وحشيا. وعن بعض السلف جواز أكله إنسيه. وقال ابن أبي ليلى: لا بأس بأكل الحية إذا ذكيت. وقال الليث: لا بأس بأكل القنفذ وفراخ النحل ودود الجين ودود التمر ونحوه، وكذا قال ابن قاسم عن مالك في القنفذ. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تؤكل الفأرة. وقال أبو حنيفة: لا يؤكل اليربوع، وقال الشافعي: يؤكل. وعن مالك في الفأر التحريم والكراهة والإباحة. وذهب أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما إلى كراهة أكل الجلالة. وقال مالك والليث: لا بأس بأكلها. وقال صاحب «التحرير والتحبير»:
وأما المخدرات كالبنج والسيكران واللفاح وورق القنب المسمى بالحشيشة .. فلم يصرح فيها أهل العلم بالتحريم، وهي عندي إلى التحريم أقرب؛ لأنه إن كانت مسكرة فهي محرمة بقوله ﷺ : «ما أسكر كثيره فقليله حرام» وبقوله: «كل مسكر
стр. 3914
حرام». وإن كانت غير مسكرة فإدخال الضرر على الجسم حرام. وقد نقل ابن بخسيشوع في كتابه: إن ورق القنب يحدث في الجسم سبعين داء، وذكر منها أنه يصفر الجلد، ويسود الأسنان، ويجعل فيها الحفر، ويثقب الكبد ويحميها، ويفسد العقل ويضعف البصر، ويحدث الغم ويذهب الشجاعة، والبنج والسيكران كالورق في الضرر. وأما المرقدات كالزعفران والمازريون .. فالقدر المضر منها حرام. وقال جمهور الأطباء: إذا استعمل من الزعفران كثير .. قتل فرحا، انتهى وفيه بعض تلخيص.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أي: فمن دفعته ودعته ضرورة الجوع وفقد الحلال إلى أكل شيء من هذه المحرمات حالة كونه ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ على مضطر مثله تارك لمواساته ﴿وَلا عادٍ﴾؛ أي: متجاوز قدر حاجة في تناوله، وهو القدر الذي يسد الرمق ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿غَفُورٌ﴾ له، فلا يؤاخذه بالأكل من تلك المحرمات ﴿رَحِيمٌ﴾ له حيث رخص له في الأكل من تلك المحرمات.
ولما (١) كان صدر هذه الآية مفتتحا بخطابه تعالى لنبيه ﷺ بقوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ﴾ اختتم الآية بالخطاب له ﷺ ، فقال: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ﴾ ليدل على اعتنائه تعالى بتشريف خطابه افتتاحا واختتاما.
١٤٦ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا﴾ ورجعوا عن عبادة العجل خاصة لا على غيرهم من الأولين والآخرين ﴿حَرَّمْنا كُلَّ﴾ حيوان ﴿ذِي ظُفُرٍ﴾؛ أي: صاحب ظفر وهو كل ما ليس منفرج الأصابع مشقوفها من البهائم والطير كالإبل والنعام والإوز والبط، كما قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة ومجاهد، فهذا (٢) رد عليهم في قولهم: لسنا أول من حرمت عليهم، وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما
حتى انتهى الأمر إلينا. وقرأ أبي والحسن والأعرج: ﴿ظُفْر﴾ - بسكون الفاء -، والحسن وأبو السمال - قعنب -: ﴿ظِفْر﴾ بسكونها وكسر الظاء.
стр. 3915
﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ الخالصة التي تؤخذ بسهولة، وهي ثروبهما جمع ثرب؛ وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش والكلى ﴿إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾؛ أي: إلا الشحم الذي حملته ظهورهما ﴿أَوِ الْحَوايا﴾ أو إلا الشحم الذي حملته المباعر والمصارين وعلقت بها ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾؛ أي: أو إلا شحما مختلطا بعظم مثل شحم الألية، فإنه متصل بالعصعص، وهذا إنما يكون في الضأن، فتلخص: إن الذي حرم عليهم من البقر والغنم شحومهما الخالصة، وهي شحوم الكرشي والكلى، وإن ما عدا ذلك حلال لهم.
والحاصل: أنه حرم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه، وكل شيء منه، ومن البقر والغنم دون غيرهما مما أحل لهم من حيوان البر والبحر حرمنا عليهم شحومهما الزائدة التي تنزع بسهولة لعدم اختلاطهما بعظم ولا لحم، ولم يحرم عليهم منهما ما حملت الظهور أو الحوايا أو ما اختلط بعظم. والسبب (١) في تخصيص البقر والغنم بهذا الحكم أن القرابين عندهم لا تكون إلا منهما، وكان يتخذ من شحمهما الوقود للرب، كما ذكر ذلك في الفصل الثالث من سفر اللاويين من التوراة، في قرابين السلامة من البقر والغنم: (كل الشحم للرب فريضة في أجيالكم في جميع مساكنهم، لا تأكلوا شيئا من الشحم والدم).
﴿ذلِكَ﴾ التحريم ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾؛ أي: جعلناه عقوبة وجزاء لهم على بغيهم وظلمهم؛ وهو قتلهم الأنبياء وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل، وليس ذلك التحريم لخبث ذاته، فكانوا (٢) كلما ارتكبوا معصية من هذه المعاصي .. عوقبوا بتحريم شيء مما أحل لهم وهم ينكرون ذلك، ويدعون أنها محرمة على الأمم قبلهم. ولما كان هذا النبأ عن شريعة اليهود من الأنباء التي لم يكن النبي ﷺ ، ولا قومه يعلمون منها شيئا لأميتهم، وكان مظنة تكذيب المشركين له؛ لأنهم لا يؤمنون بالوحي، ومظنة تكذيب اليهود له بأن الله لم يحرم ذلك عقوبة ببغيهم وظلمهم .. أكده فقال: ﴿وَإِنَّا لَصادِقُونَ﴾؛ أي: وإنا لصادقون
стр. 3916
في هذه الأخبار عن التحريم وعلته؛ لأن أخبارنا صادرة عن العلم المحيط بكل شيء، ولأن الكذب محال علينا؛ لأنه نقص، فلا يصدر عنا،
١٤٧ - والمكذبون في قوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ إما اليهود، والمعنى عليه: فإن كذبك يا محمد اليهود، وثقل عليهم أن يكون بعض شرعهم عقابا لهم على ما كان من بغيهم على الناس وظلمهم لهم ولأنفسهم، واحتجوا على إنكار كونه عقوبة بكون الشرع رحمة من الله ﴿فَقُلْ﴾ لهم في الجواب ﴿رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾؛ أي: فأجبهم بما يدحض ويبطل هذه الشبهة بأن رحمة الله واسعة حقا ﴿وَ﴾ لكن ﴿لا﴾ يقتضي ذلك أن ﴿يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ ويمنع عقابه ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإصابة الناس بالمحق والشدائد عقابا لهم على جرائم ارتكبوها قد تكون رحمة بهم، وقد تكون عبرة وموعظة لغيرهم؛ لينتهوا عن مثلها، وهذا العقاب من سنن الله المطردة في الأمم، وإن لم يطرد في الأفراد. وإما المشركون، والمعنى عليه: فإن كذبك المشركون فيما فصلناه من أحكام التحليل والتحريم فقل لهم: ربكم ذو رحمة واسعة ولا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا به فإنه إمهال لكم لا إهمال لمجازاتكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد إذا هم أصروا على كفرهم وافترائهم على الله تعالى بتحريم ما حرموا على أنفسهم كما أن فيه إطماعا لهم في رحمته الواسعة إذا رجعوا عن إجرامهم، وآمنوا بما جاء به الرسول ﷺ فيسعدون في الدنيا بحل الطيبات، وفي الآخرة بالنجاة من النار ودخول الجنات.
١٤٨ - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾؛ أي: سيقول لك يا محمد هؤلاء المشركون عنادا لا اعتذارا عن ارتكاب هذه القبائح ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أن لا نشرك به من اتخذنا من الأولياء والشفعاء من الملائكة والبشر، وأن لا نعظم ما عظمنا من تماثيلهم وصورهم، وأن لا يشرك آباؤنا من قبلنا لـ ﴿ما أَشْرَكْنا﴾ نحن ﴿وَلا﴾ أشرك ﴿آباؤُنا﴾ من قبلنا ﴿وَ﴾: لو شاء الله أن ﴿لا﴾ نحرم شيئا مما حرمنا من الحرث والأنعام وغيرها لـ ﴿حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ ولكنه تعالى شاء أن نشرك به هؤلاء الأولياء والشفعاء؛ ليقربونا إليه زلفى، وشاء أن نحرم ما حرمنا من البحائر والسوائب وغيرها، فحرمناها، فإتياننا إياها دليل على مشيئته تعالى وعلى رضاه وأمره بها. وقد رد عليهم شبهتهم، فقال: ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: ومثل ذلك التكذيب
стр. 3917
الذي صدر من مشركي مكة لرسوله ﷺ فيما جاء به من إبطال الشرك وإثبات توحيد الله في الألوهية والربوبية، ومنها حق التشريع والتحليل والتحريم ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لرسلهم تكذيبا غير مبني على أساس من العلم.
والرسل صلوات الله وسلامه عليهم قد أقاموا الحجج والبراهين العلمية والعقلية على التوحيد وغيره مما ادعوا، وأيدهم الله تعالى بباهر الآيات، ولكن المكذبين لم ينظروا نظرة إنصاف، بل أعرضوا عنها وأصروا على جحودهم وعنادهم ﴿حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ وعذابنا، وأهلكناهم بذنوبهم وصاروا كأمس الدابر.
ولو كانت مشيئة الله تعالى لما كانوا عليه من الشرك تتضمن رضاه عن فاعلها، وأمره بها .. لما عاقبهم عليها تصديقا لما قال الرسل، كذلك لو كانت أعمالهم بالجبر المخرج لها عن كونها من أعمالهم .. لما استحقوا العقاب عليها، ولما قال: إنه أخذهم بذنوبهم وأهلكهم بظلمهم وكفرهم، ونحو ذلك مما جاء في كثير من الآيات.
فقوله: ﴿حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ برهان دال على صدق الرسل في دعواهم، وبطلان شبهات المشركين المكذبين لهم، وبعد أن ذكرهم بالبرهان الواضح أمر رسوله أن يطالبهم بدليل يثبت ما يزعمون، فقال: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ بما تقولون مِنْ عِلْمٍ﴾ تعتمدون عليه وتحتجون به ﴿فَتُخْرِجُوهُ﴾؛ أي: فتخرجوا ذلك العلم وتظهروه ﴿لَنا﴾ لنفهمه، ونوازن بينه وبين ما جئناكم به من الآيات العقلية، والوقائع المحكية عن الأمم قبلكم، ونتبين منها الراجح والمرجوح، وفي هذا الاستفهام من التعجيز والتوبيخ والتهكم ما لا يخفى، وهو بمعنى الإنكار؛ أي: ليس عندكم من علم تحتجون به فتظهرونه لنا ما تتبعون في دعاواكم إلا الظن الكاذب الفاسد، وما أنتم إلا تكذبون.
وقرأ النخعي وابن وثاب: ﴿إن يتبعون﴾ - بالياء - قال ابن عطية: وهذه قراءة شاذة يضعفها قوله: ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ﴾؛ لأنه يكون من باب الالتفات. ذكره أبو حيان في «البحر».
ثم أردف ذلك ببيان حقيقة حالهم، فقال: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي:
стр. 3918
ما تبعون فيما أنتم عليه إلا الظن الباطل الذي لا يغني من الحق شيئا ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾؛ أي: وما أنتم في ذلك إلا تكذبون على الله تعالى؛ أي: أنكم لستم على شيء من العلم، بل ما تتبعون في عقائدكم وآرائكم في الدين والعمل به إلا الحدس والتخمين الذي لا يستقر عنده حكم.
١٤٩ - وبعد أن نفى عنهم درجات العلم .. أثبت لذاته الحجة البالغة التي لا تعلوها حجة، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين إن لم تكن لكم حجة ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ﴾؛ أي: الواضحة التي تقطع عذر المحجوج، وتزيل الشك عمن نظر فيها؛ وهي إرسال الرسل وإنزال الكتب.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين بعد تعجيزك إياهم عن أن يأتوا بأدنى دليل أو قول يرقى إلى أضعف درجة من العلم: إن لم يكن عندكم علم في أمر دينكم .. فإن لله وحده أعلى درجات العلم، وله الحجة البالغة على ما أراد من إحقاق الحق وإزهاق الباطل بما بينه في هذه السورة وغيرها من الآيات البينات على أصول العقائد، وقواعد التشريع الموافقة للعقول الحكيمة والفطر السليمة، وسننه في الاجتماع البشري، ولا يهتدي بهذه الآيات إلا المستعد للهداية المحب للحق الحريص على طلبه الذي يستمع القول فيتبع أحسنه دون من أعرض عن النظر فيها استكبارا عنها، وحسدا للمبلغ الذي جاء بها وجمودا على تقليد الآباء واتباع الرؤساء ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ هدايتكم جميعا إلى الحجة البالغة ﴿لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ولكن لم يشأ هداية الكل بل هداية البعض.
أو المعنى: ولو شاء أن يهديكم بغير هذه الطريق التي أقام أمر البشر عليها؛ وهي التعليم والإرشاد بطريق النظر والاستدلال .. لهداكم أجمعين، فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة المفطورين على الحق والخير جل شأنه. وفيه دليل على أن الله لم يشأ إيمان الكافر، ولو شاء هدايته لهداه: ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)﴾. ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا﴾ وقوله: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي
стр. 3919
الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
١٥٠ - وبعد أن نفى عنهم العلم، وسجل عليهم اتباع الخرص والكذب ليظهر لهم أنهم ليسوا على شيء يعتد به من العلم .. أمر رسوله ﷺ أن يطالب مشركي قومه بإحضار من عساه يعتمدون عليه من الشهداء في إثبات تحريم الله تعالى عليهم ما ادعوه من المحرمات، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الجاهلين ﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾؛ أي: أحضروا شهداءكم وقدوتكم ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ ويخبرون عن مشاهدة وعيان ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿حَرَّمَ﴾ عليكم ﴿هذا﴾ الذي حرمتموه على أنفسكم وزعمتم أن الله تعالى حرمه علينا.
والخلاصة: عليكم أن تحضروا من أهل العلم الذين تتلقى عنهم الأمم الأحكام الدينية وغيرها بالأدلة الصحيحة التي تجعل النظريات العلمية كأنها مشاهدات حسية من يشهد لكم بصحة ما تدعون ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ بعد حضورهم بأن الله حرم ذلك ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾؛ أي فلا تصدقهم فيما يقولون، بل بين لهم فساده؛ لأن السكوت قد يشعر بالرضا.
أي: فإن فرض إحضار هؤلاء الشهداء .. فلا تصدقهم، ولا تقبل لهم شهادة، ولا تسلمها لهم بالسكوت عليها، فإن السكوت على الباطل كالشهادة به ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ﴾ هؤلاء ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ المنزلة وبما أرشدت إليه من الآيات الكونية في الأنفس والآفاق؛ أي: إن وقع منهم شهادة، فإنما هي باتباع الهوى، فلا تتبع أنت أهواءهم فهم كذبوا القرآن ﴿وَلا أهواء الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: ولا أهواء الذين هم مع جهلهم واتباعهم للأهواء لا يصدقون بالبعث بعد الموت حتى يحملهم الإيمان به على سماع الدليل والحجة إذا ذكروا بها ﴿وَ﴾ لا أهواء الذين ﴿هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: يشركون بربهم، ويتخذون له مثلا وعدلا يشاركه في جلب الخير والنفع ودفع الضر إما استقلالا، وإما بحمله الرب على ذلك، وتأثيره في فعله وإرادته.
١٥١ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين يتبعون أهواءهم فيما يحللون وما يحرمون لأنفسهم وللناس ﴿تَعالَوْا﴾ وأقبلوا إليّ أيها القوم ﴿أَتْلُ﴾ وأقرأ لكم ﴿ما حَرَّمَ
стр. 3920
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ فيما أوحاه إليّ؛ وهو وحده الذي له حق التحريم والتشريع، وأنا مبلغ بإذنه، وقد أرسلني بذلك. وخص التحريم بالذكر مع أن الوصايا أعم؛ لأن بيان المحرمات يستلزم حل ما عداها، وقد بدأها بأكبر المحرمات وأعظمها وأشدها إفسادا للعقل والفطرة؛ وهو الشرك بالله سواء أكان باتخاذ الأنداد له، أو الشفعاء المؤثرين في إرادته، أو بما يذكر بهم من صور وتماثيل وأصنام وقبور، أو باتخاذ الأرباب الذين يتحكمون في التشريع، فيحللون ويحرمون. وجملة ما تلاه عليهم عشرة بالإجمال:
الأول منها: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ ﴿شَيْئًا﴾ من الأشياء، وإن عظمت في الخلق كالشمس والقمر والكواكب، أو في القدر كالملائكة والنبيين والصالحين، فإن عظمتها لا تخرجها عن كونها مخلوقة لله مسخرة له بقدرته وإرادته ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا﴾ ومن الشرك أيضا أن يريد بعبادته رياء أو سمعة، ويلزم هذا أن تعبدوه وحده بما شرعه لكم على لسان رسوله لا بأهوائكم، ولا بأهواء أحد من الخلق أمثالكم.
والثاني: ما ذكره بقوله: ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾؛ أي: وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا تاما كاملا لا تدخرون فيه وسعا، ولا تألون فيه جهدا، وهذا يستلزم ترك الإساءة وإن صغرت، فما بالك بالعقوق الذي هو من أكبر الكبائر وأعظم الآثام، وقد جاء في القرآن غير مرة قرن التوحيد والنهي عن الشرك بالأمر بالإحسان إلى الوالدين.
وكفى (١) دلالة على عظم عناية الشارع بأمر الوالدين أن قرنه بعبادته، وجعله ثانيها في الوصايا، وأكده بما أكده به في سورة الإسراء، كما قرن شكرهما بشكره في سورة لقمان في قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾ وما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها»، قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله».
стр. 3921
والمراد ببرهما احترامهما احترام المحبة والكرامة، لا احترام الخوف والرهبة؛ لأن في ذلك مفسدة كبيرة في تربية الأولاد في الصغر، وإلجاء لهم إلى العقوق في الكبر، وإلى ظلم الأولاد لهم كما ظلمهم آباؤهم، وليس لهما أن يتحكما في شؤونهم الخاصة بهم لا سيما تزويجهم بمن يكرهون، أو منعهم من الهجرة لطلب العلم النافع، أو لكسب المال والجاه إلى نحو ذلك. وإنما (١) ثنى بالوصية بالإحسان إلى الوالدين؛ لأن أعظم النعم على الإنسان نعمة الله؛ لأنه هو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود، وخلقه وأوجده بعد أن لم يكن شيئا، ثم بعد نعمة الله نعمة الوالدين؛ لأنهما السبب في وجود الإنسان، ولما لهما عليه من حق التربية والنفقة والحفظ من المهالك في حال صغره.
والثالث: ما ذكره بقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾؛ أي: وأن لا تقتلوا أولادكم الصغار لفقر حل ونزل ووقع بكم؛ لأنهم كانوا يئدون البنات لخوف الفقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾؛ أي: فإن الله يرزقكم وإياهم؛ أي: يرزق أولادكم تبعا لكم، وجاء في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾.
وسر اختلاف الأسلوبين (٢)، وتقديم رزق الأولاد هناك على رزق الوالدين على عكس ما هنا: أن ما هناك متعلق بالفقر المتوقع في المستقبل الذي يكون فيه الأولاد كبارا كاسبين، وقد يصير الوالدون في حاجة إليهم لعجزهم عن الكسب بالكبر، ففرق في تعليل النهي في الآيتين بين الفقر الواقع، والفقر المتوقع، فقدم في كل منهما ضمان رزق الكاسب للإيماء إلى أنه تعالى جعل كسب العباد سببا للرزق، لا كما يتوهم بعضهم، فيزهد في العمل بشبهة كفالته تعالى لزرقهم. وقيل اختلاف أسلوب الآيتين للتفنن، وعبارة الصاوي هنا: وإنما قال هنا: ﴿إِمْلاقٍ﴾ وقال في الإسراء: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾؛ لأن ما هنا في الفقر الحاصل بالفعل، وما في الإسراء في الفقر المتوقع، فهو خطاب للأغنياء، وقدم هنا خطاب الآباء، وهناك
стр. 3922
ضمير الأولاد، فقيل: تفننا، وقيل: قدم هنا خطاب الآباء تعجيلا لبشارة الآباء الفقراء بأنهم في ضمان الله، وقدم هناك ضمير الأولاد لتطمئن الآباء بضمان رزق الأولاد، فهذه الآية تفيد النهي للآباء عن قتل الأولاد، وإن كانوا متلبسين بالفقر، والأخرى النهي عن قتلهم وإن كانوا موسرين، ولكن يخافون وقوع الفقر، انتهت.
الرابع: ما ذكره بقوله ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ﴾؛ أي: ولا تقربوا كبائر الذنوب، وهي كل ما عظم قبحه منها سواء كان من الأفعال كالزنا، أو من الأقوال كقذف المحصنات الغافلات، وقوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ بدل من ﴿الْفَواحِشَ﴾ بدل تفصيل من مجمل، أو بدل اشتمال؛ أي: لا تقربوا ما ظهر من الفواحش للناس كالزنا والقذف، وما بطن منها واستتر عن الناس كالسرقة. وقيل (١): الظاهر ما تعلق بأعمال الجوارح، والباطن ما تعلق بأعمال القلوب، كالكبر والحسد والتفكير في تدبير المكايد الضارة، وأنواع الشرور والمآثم.
وقيل: المراد بالفواحش هنا الزنا، وقوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ علانيته وسره؛ أي (٢): ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أراذلهم، وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم، وإنما جمع الفواحش بمعنى الزنا للنهي عن أنواعها، ولذلك ذكر ما أبدل منها. وقد روي عن ابن عباس في تفسير الآية أنه قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بأسا بالزنا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية؛ أي: في هذه الآية وما أشبهها. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: ما ظهر منها: ظلم الناس، وما بطن منها: الزنا والسرقة؛ أي: لأن الناس يأتونهما في الخفاء. وروى عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» رواه البخاري ومسلم. وفي قوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ دقيقة، وهي أن الإنسان إذا احترز عن المعاصي في الظاهر، ولم يحترز منها في الباطن .. دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله تعالى
стр. 3923
وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه، ولكن لأجل الخوف من رؤية الناس ومذمتهم، ومن كان كذلك استحق العقاب، ومن ترك المعصية ظاهرا وباطنا لأجل خوف الله تعالى وتعظيما لأمره استوجب رضوان الله تعالى.
والخامس منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ﴾؛ أي: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها بالإسلام، أو بالعهد بين المسلمين وغيرهم كأهل الكتاب المقيمين بيننا بعهد وأمان، وقد جاء في الحديث «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» وروى الترمذي قوله ﷺ : «من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله .. فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين خريفا» وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: إلا قتلا متلبسا بالحق؛ فإنه مباح، إيماء إلى أن قتل النفس قد يكون حقا لجرم يصدر منها. عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» متفق عليه.
وإنما (١) أفرد قتل النفس بالذكر مع دخوله في جملة الفواحش تعظيما لأمر القتل وأنه من أعظم الفواحش والكبائر، وقيل: إنما أفرده بالذكر؛ لأنه تعالى أراد أن يستثني منه، ولا يمكن الاستثناء من جملة الفواحش إلا بإفراده بالذكر ﴿ذلِكُمْ﴾ التكاليف الخمسة من الأوامر والنواهي ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾؛ أي: أمركم به ربكم أمرا مؤكدا ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف في الدين والدنيا. والوصية (٢) في الأصل أن يعهد إلى إنسان بعمل خير، أو ترك شر، ويقرن ذلك بوعظ يرجى تأثيره؛ أي: أنه وصاكم بذلك ليعدكم، لأن تعقلوا الخير والمنفعة في فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه إذ هو مما تدركه العقول بأدنى تأمل.
وفي هذا تعريض بأن ما هم عليه من الشرك وتحريم السوائب وغيرها مما
стр. 3924
لا تعقل له فائدة ولا تظهر فيه لذوي العقول الراجحة مصلحة.
١٥٢ - والسادس: ما ذكره بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ أي: ولا تقربوا مال اليتيم إذا وليتم أمره، أو تعاملتم به ولو بواسطة وليه، أو وصيه إلا بالفعلة التي هي أحسن من غيرها في حفظ ماله وتثميره، ورجحان مصلحته، والإنفاق منه على تربيته، وتعليمه ما به يصلح معاشه ومعاده. قال مجاهد: هي التجارة فيه. وقال الضحاك: هو أن يسعى له فيه، ولا يأخذ من ربحه شيئا، هذا إذا كان القيم بالمال غنيا غير محتاج، فلو كان الوصي فقيرا .. فله أن يأكل بالمعروف، والنهي عن القرب من الشيء أبلغ من النهي عنه، فإن الأول يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل المؤدية إليه، وعن الشبهات التي هي مظنة التأويل، فيبتعد عنه المتقي ويستسيغها الطامع فيه إذ يراها بالتأويل من الوجوه الحلال لا تضر به، أو يرجح نفعها على ضررها كأن يأكل من ماله حين يعمل عملا له فيه ربح، ولولاه ما ربح.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾؛ أي: احفظوا مال اليتيم إلى أن يبلغ أشده؛ أي: إلى بلوغه رشيدا، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله، فأما (١) الأشد: فهو استحكام قوة الشباب والسن حتى يتناهى في الشباب إلى حد الرجال. والمراد بالأشد في هذه الآية: هو ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس الرشد، وهو أن يكون في تصرفاته سالكا مسلك العقلاء لا مسلك أهل السفه والتبذير، وهذا هو المختار في تفسير هذه الآية.
والمعنى:
احفظوا مال اليتيم، ولا تسمحوا له بتبذير شيء من ماله وإضاعته أو الإسراف فيه حتى يبلغ، فإذا بلغ رشيدا فسلموه إليه.
والخلاصة:
أن المراد النهي عن كل تعد على مال اليتيم، وهضم لحقوقه من الأوصياء وغيرهم حتى يبلغ سن القوة بدنا وعقلا؛ إذ قد دلت التجارب على أن الحديث العهد بالاحتلام يكون ضعيف الرأي قليل الخبرة بشؤون المعاش يخدع كثيرا في المعاملات.
стр. 3925
وقد كان الناس في الجاهلية لا يحترمون إلا القوة ولا يعرفون الحق إلا للأقوياء، ومن ثم بالغ الشارع في الوصية بالضعيفين المرأة واليتيم.
وقد شرط الشارع الحكيم لإيتاء اليتامى أموالهم بلوغ سن الحلم (١)، وظهور الرشد في المعاملات المالية بالاختبار، كما سلف في سورة النساء من قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى﴾ الآية.
والقوة التي يحفظ بها المرء ماله في هذا العصر هي إتزان الفكر والرشد العقلي والأخلاقي بكثرة المران والتجارب في المعاملات، لكثرة الفسق والحيل، ووجود أعوان السوء الذين يوسوسون إلى الوارثين، ويزينون لهم الإسراف في اللذات والشهوات على جميع ضروبها حتى لا يتركوهم إلا وهم فقراء، وقلما يستيقظون من غفلتهم إلا إذا بلغوا سن الكهولة التي يكمل فيها العقل، ويفقهون تكاليف الحياة، ويهتمون فيها بأمر النسل.
والسابع: ما ذكره بقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾؛ أي: أتموا الكيل بالكميال ﴿وَ﴾ الوزن بـ ﴿الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل والحق من غير نقصان من المعطي، ومن غير طلب الزيادة من صاحب الحق.
والمعنى: وأتموا الكيل إذا كلتم للناس أو اكتلتم عليهم لأنفسكم، وأوفوا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون، أو لغيركم فيما تبيعون فليكن كل ذلك وافيا تاما بالعدل، ولا تكونوا من أولئك المطففين الذين وصفم الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾.
والخلاصة: أن الإيفاء بالكيل والميزان يكون من الجانبين حين البيع وحين الشراء، فيرضى المرء لغيره ما يرضاه لنفسه، وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ يدل على تحري العدل في الكيل والميزان حال البيع والشراء بقدر المستطاع ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها﴾؛ أي: أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ما يسعها فعله بأن تأتيه بلا عسر ولا حرج، فهو لا يكلف من يبيع أو يشتري الأقوات ونحوها أن يزنها أو يكيلها