← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

والمراد ببرهما احترامهما احترام المحبة والكرامة، لا احترام الخوف والرهبة؛ لأن في ذلك مفسدة كبيرة في تربية الأولاد في الصغر، وإلجاء لهم إلى العقوق في الكبر، وإلى ظلم الأولاد لهم كما ظلمهم آباؤهم، وليس لهما أن يتحكما في شؤونهم الخاصة بهم لا سيما تزويجهم بمن يكرهون، أو منعهم من الهجرة لطلب العلم النافع، أو لكسب المال والجاه إلى نحو ذلك. وإنما (١) ثنى بالوصية بالإحسان إلى الوالدين؛ لأن أعظم النعم على الإنسان نعمة الله؛ لأنه هو الذي أخرجه من العدم إلى الوجود، وخلقه وأوجده بعد أن لم يكن شيئا، ثم بعد نعمة الله نعمة الوالدين؛ لأنهما السبب في وجود الإنسان، ولما لهما عليه من حق التربية والنفقة والحفظ من المهالك في حال صغره. والثالث: ما ذكره بقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾؛ أي: وأن لا تقتلوا أولادكم الصغار لفقر حل ونزل ووقع بكم؛ لأنهم كانوا يئدون البنات لخوف الفقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾؛ أي: فإن الله يرزقكم وإياهم؛ أي: يرزق أولادكم تبعا لكم، وجاء في سورة الإسراء: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾. وسر اختلاف الأسلوبين (٢)، وتقديم رزق الأولاد هناك على رزق الوالدين على عكس ما هنا: أن ما هناك متعلق بالفقر المتوقع في المستقبل الذي يكون فيه الأولاد كبارا كاسبين، وقد يصير الوالدون في حاجة إليهم لعجزهم عن الكسب بالكبر، ففرق في تعليل النهي في الآيتين بين الفقر الواقع، والفقر المتوقع، فقدم في كل منهما ضمان رزق الكاسب للإيماء إلى أنه تعالى جعل كسب العباد سببا للرزق، لا كما يتوهم بعضهم، فيزهد في العمل بشبهة كفالته تعالى لزرقهم. وقيل اختلاف أسلوب الآيتين للتفنن، وعبارة الصاوي هنا: وإنما قال هنا: ﴿إِمْلاقٍ﴾ وقال في الإسراء: ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾؛ لأن ما هنا في الفقر الحاصل بالفعل، وما في الإسراء في الفقر المتوقع، فهو خطاب للأغنياء، وقدم هنا خطاب الآباء، وهناك

стр. 3922

ضمير الأولاد، فقيل: تفننا، وقيل: قدم هنا خطاب الآباء تعجيلا لبشارة الآباء الفقراء بأنهم في ضمان الله، وقدم هناك ضمير الأولاد لتطمئن الآباء بضمان رزق الأولاد، فهذه الآية تفيد النهي للآباء عن قتل الأولاد، وإن كانوا متلبسين بالفقر، والأخرى النهي عن قتلهم وإن كانوا موسرين، ولكن يخافون وقوع الفقر، انتهت. الرابع: ما ذكره بقوله ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ﴾؛ أي: ولا تقربوا كبائر الذنوب، وهي كل ما عظم قبحه منها سواء كان من الأفعال كالزنا، أو من الأقوال كقذف المحصنات الغافلات، وقوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ بدل من ﴿الْفَواحِشَ﴾ بدل تفصيل من مجمل، أو بدل اشتمال؛ أي: لا تقربوا ما ظهر من الفواحش للناس كالزنا والقذف، وما بطن منها واستتر عن الناس كالسرقة. وقيل (١): الظاهر ما تعلق بأعمال الجوارح، والباطن ما تعلق بأعمال القلوب، كالكبر والحسد والتفكير في تدبير المكايد الضارة، وأنواع الشرور والمآثم. وقيل: المراد بالفواحش هنا الزنا، وقوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ علانيته وسره؛ أي (٢): ما يفعل منها علانية في الحوانيت كما هو دأب أراذلهم، وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة أشرافهم، وإنما جمع الفواحش بمعنى الزنا للنهي عن أنواعها، ولذلك ذكر ما أبدل منها. وقد روي عن ابن عباس في تفسير الآية أنه قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بأسا بالزنا في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية؛ أي: في هذه الآية وما أشبهها. وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: ما ظهر منها: ظلم الناس، وما بطن منها: الزنا والسرقة؛ أي: لأن الناس يأتونهما في الخفاء. وروى عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» رواه البخاري ومسلم. وفي قوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ دقيقة، وهي أن الإنسان إذا احترز عن المعاصي في الظاهر، ولم يحترز منها في الباطن .. دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله تعالى

стр. 3923

وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه، ولكن لأجل الخوف من رؤية الناس ومذمتهم، ومن كان كذلك استحق العقاب، ومن ترك المعصية ظاهرا وباطنا لأجل خوف الله تعالى وتعظيما لأمره استوجب رضوان الله تعالى. والخامس منها: ما ذكره بقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ﴾؛ أي: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها بالإسلام، أو بالعهد بين المسلمين وغيرهم كأهل الكتاب المقيمين بيننا بعهد وأمان، وقد جاء في الحديث «لهم ما لنا وعليهم ما علينا» وروى الترمذي قوله ﷺ : «من قتل معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله .. فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسين خريفا» وقوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: إلا قتلا متلبسا بالحق؛ فإنه مباح، إيماء إلى أن قتل النفس قد يكون حقا لجرم يصدر منها. عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» متفق عليه. وإنما (١) أفرد قتل النفس بالذكر مع دخوله في جملة الفواحش تعظيما لأمر القتل وأنه من أعظم الفواحش والكبائر، وقيل: إنما أفرده بالذكر؛ لأنه تعالى أراد أن يستثني منه، ولا يمكن الاستثناء من جملة الفواحش إلا بإفراده بالذكر ﴿ذلِكُمْ﴾ التكاليف الخمسة من الأوامر والنواهي ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾؛ أي: أمركم به ربكم أمرا مؤكدا ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف في الدين والدنيا. والوصية (٢) في الأصل أن يعهد إلى إنسان بعمل خير، أو ترك شر، ويقرن ذلك بوعظ يرجى تأثيره؛ أي: أنه وصاكم بذلك ليعدكم، لأن تعقلوا الخير والمنفعة في فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه إذ هو مما تدركه العقول بأدنى تأمل. وفي هذا تعريض بأن ما هم عليه من الشرك وتحريم السوائب وغيرها مما

стр. 3924

لا تعقل له فائدة ولا تظهر فيه لذوي العقول الراجحة مصلحة. ١٥٢ - والسادس: ما ذكره بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ أي: ولا تقربوا مال اليتيم إذا وليتم أمره، أو تعاملتم به ولو بواسطة وليه، أو وصيه إلا بالفعلة التي هي أحسن من غيرها في حفظ ماله وتثميره، ورجحان مصلحته، والإنفاق منه على تربيته، وتعليمه ما به يصلح معاشه ومعاده. قال مجاهد: هي التجارة فيه. وقال الضحاك: هو أن يسعى له فيه، ولا يأخذ من ربحه شيئا، هذا إذا كان القيم بالمال غنيا غير محتاج، فلو كان الوصي فقيرا .. فله أن يأكل بالمعروف، والنهي عن القرب من الشيء أبلغ من النهي عنه، فإن الأول يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل المؤدية إليه، وعن الشبهات التي هي مظنة التأويل، فيبتعد عنه المتقي ويستسيغها الطامع فيه إذ يراها بالتأويل من الوجوه الحلال لا تضر به، أو يرجح نفعها على ضررها كأن يأكل من ماله حين يعمل عملا له فيه ربح، ولولاه ما ربح. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾؛ أي: احفظوا مال اليتيم إلى أن يبلغ أشده؛ أي: إلى بلوغه رشيدا، فإذا بلغ أشده فادفعوا إليه ماله، فأما (١) الأشد: فهو استحكام قوة الشباب والسن حتى يتناهى في الشباب إلى حد الرجال. والمراد بالأشد في هذه الآية: هو ابتداء بلوغ الحلم مع إيناس الرشد، وهو أن يكون في تصرفاته سالكا مسلك العقلاء لا مسلك أهل السفه والتبذير، وهذا هو المختار في تفسير هذه الآية. والمعنى: احفظوا مال اليتيم، ولا تسمحوا له بتبذير شيء من ماله وإضاعته أو الإسراف فيه حتى يبلغ، فإذا بلغ رشيدا فسلموه إليه. والخلاصة: أن المراد النهي عن كل تعد على مال اليتيم، وهضم لحقوقه من الأوصياء وغيرهم حتى يبلغ سن القوة بدنا وعقلا؛ إذ قد دلت التجارب على أن الحديث العهد بالاحتلام يكون ضعيف الرأي قليل الخبرة بشؤون المعاش يخدع كثيرا في المعاملات.

стр. 3925

وقد كان الناس في الجاهلية لا يحترمون إلا القوة ولا يعرفون الحق إلا للأقوياء، ومن ثم بالغ الشارع في الوصية بالضعيفين المرأة واليتيم. وقد شرط الشارع الحكيم لإيتاء اليتامى أموالهم بلوغ سن الحلم (١)، وظهور الرشد في المعاملات المالية بالاختبار، كما سلف في سورة النساء من قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتامى﴾ الآية. والقوة التي يحفظ بها المرء ماله في هذا العصر هي إتزان الفكر والرشد العقلي والأخلاقي بكثرة المران والتجارب في المعاملات، لكثرة الفسق والحيل، ووجود أعوان السوء الذين يوسوسون إلى الوارثين، ويزينون لهم الإسراف في اللذات والشهوات على جميع ضروبها حتى لا يتركوهم إلا وهم فقراء، وقلما يستيقظون من غفلتهم إلا إذا بلغوا سن الكهولة التي يكمل فيها العقل، ويفقهون تكاليف الحياة، ويهتمون فيها بأمر النسل. والسابع: ما ذكره بقوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾؛ أي: أتموا الكيل بالكميال ﴿وَ﴾ الوزن بـ ﴿الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالعدل والحق من غير نقصان من المعطي، ومن غير طلب الزيادة من صاحب الحق. والمعنى: وأتموا الكيل إذا كلتم للناس أو اكتلتم عليهم لأنفسكم، وأوفوا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم فيما تبتاعون، أو لغيركم فيما تبيعون فليكن كل ذلك وافيا تاما بالعدل، ولا تكونوا من أولئك المطففين الذين وصفم الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾. والخلاصة: أن الإيفاء بالكيل والميزان يكون من الجانبين حين البيع وحين الشراء، فيرضى المرء لغيره ما يرضاه لنفسه، وقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ يدل على تحري العدل في الكيل والميزان حال البيع والشراء بقدر المستطاع ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها﴾؛ أي: أن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا ما يسعها فعله بأن تأتيه بلا عسر ولا حرج، فهو لا يكلف من يبيع أو يشتري الأقوات ونحوها أن يزنها أو يكيلها

стр. 3926

بحيث لا تزيد حبة ولا مثقالا، بل يكلفه أن يضبط الوزن والكيل له أو عليه سواء، بحيث يعتقد أنه لم يظلم بزيادة ولا نقص يعتد بهما عرفا. والقاعدة الشرعية: أن التكليف إنما يكون بما في وسع المكلف بلا حرج ولا مشقة عليه، ولو اتبع المسلمون هذه الوصية وعملوا بها .. لاستقامت أمور معاملاتهم وعظمت الثقة والأمانة بينهم، ولكن وا أسفا فسدت أمورهم، وقلت ثقتهم بأنفسهم، ووثقوا بغيرهم لاتباعهم هذه الوصية وأمثالها، وقد قص علينا الكتاب الكريم قصص من طففوا الكيل والميزان، فأخذهم ربهم أخذ عزيز مقتدر بما كان من ظلمهم كقوم شعيب. وقد حكى الله عنهم ما قال لهم نبيهم شعيب ﵇: ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وقال النبي ﷺ لأصحاب الكيل والميزان: «إنكم وليتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم». والثامن: ما ذكره بقوله: ﴿وَإِذا قُلْتُمْ﴾ في الحكم أو الشهادة أو غيرهما ﴿فَاعْدِلُوا﴾؛ أي: فاصدقوا ﴿وَلَوْ كانَ﴾ المقول له أو عليه ﴿ذا قُرْبى﴾؛ أي: صاحب قرابة منكم. والمعنى (١): وعليكم أن تعدلوا في القول إذ قلتم قولا في شهادة أو حكم على أحد، ولو كان المقول له أو عليه ذا قرابة منكم؛ إذا بالعدل تصلح شؤون الأمم والأفراد، فهو ركن ركين في العمران، وأساس في الأمور الاجتماعية، فلا يحل لمؤمن أن يحابي فيه أحدا لقرابة ولا غيرها، فالعدل كما يكون في الأفعال كالوزن والكيل .. يكون في الأقوال، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ وقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾. والتاسع: ما ذكره بقوله ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾؛ أي: وأتموا عهد الله، وهو شامل بما عهد الله تعالى إلى عباده ووصاهم به، وأوجبه عليهم، وبما أوجبه

стр. 3927

الإنسان على نفسه كنذر ونحوه، وبما عاهده الناس بعضهم بعضا. فمن آمن برسول من رسل الله تعالى .. فقد عاهد الله حين الإيمان به أن يمتثل أمره ونهيه، وما شرعه للناس ووصاهم به فهو مما عهده إليهم، وما التزمه الإنسان من عمل البر بنذر أو يمين فهو عهد عاهد عليه ربه كما قال تعالى ناعيا على المنافقين سوء فعلهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ الآية. وكذلك من عاهد السلطان وبايعه على الطاعة في المعروف، أو عاهد غيره على القيام بعمل مشروع وجب عليه الوفاء إذا لم يكن من قبيل المعصية. روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منها كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». ﴿ذلِكُمْ﴾ التكاليف الأربعة المذكورة في هذه الآية ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾؛ أي: أمركم ربكم به أمرا مؤكدا ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: لعلكم تتعظون وتتذكرون فتأخذون ما أمركم به. والتذكر (١) يطلق حينا على تكلف ذكر الشيء في القلب أو التدرج فيه بفعله المرة إثر الأخرى، وحينا على الاتعاظ والتدبر كما قال تعالى: ﴿وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠)﴾. والخلاصة (٢): أن ذلك الذي تلوته عليكم من الأوامر والنواهي وصاكم الله به رجاء أن يذكره بعضكم لبعض في التعليم والتواصي الذي أمر الله به في مثل قوله: ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ لما فيه من مصالح ومنافع كتدارك النسيان والغفلة من كثرة الشواغل الدنيوية، أو رجاء أن يتعظ به من سمعه أو قرأه. ولما كانت (٣) التكاليف الخمسة المذكورة في الآية الأولى أمورا ظاهرة يجب تعقلها وتفهمها .. ختمت بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ولما كانت التكاليف

стр. 3928

الأربعة المذكورة في الآية الأخيرة أمورا غامضة لا بد فيها من الاجتهاد في الفكر حتى يقف على موضع الاعتدال .. ختمت بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وجملة ما ذكر في هاتين الآيتين من المحرمات تسعة أشياء: خمسة بصيغ النهي، وأربعة بصيغ الأمر، وتؤول الأوامر بالنهي؛ لأجل التناسب، وهذه الأحكام لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار. وقرأ حفص وحمزة والكسائي (١): ﴿تذكّرون﴾ حيث وقع بتخفيف الذال حذف التاء؛ إذ أصله: تتذكرون، وفي المحذوف خلاف، أهي تاء المضارعة أو تاء تفعل؟ وقرأ باقي السبعة: ﴿تذّكرون﴾ - بتشديد الذال - أدغم تاء تفعّل في الذال. ١٥٣ - والعاشر: ما ذكره بقوله: ﴿وَأَنَّ هذا﴾ الذي (٢) وصيتكم به وأمرتكم به في هاتين الآيتين هو. ﴿صِراطِي﴾؛ أي: طريقي وديني الذي ارتضيته لعبادي حالة كونه ﴿مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: قويما مستويا لا اعوجاج فيه ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾؛ أي: فاسلكوه واعملوا بمقتضاه من تحريم وتحليل، وأمر ونهي وإباحة ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ أي: ولا تسلكوا الطرق المختلفة، والأهواء المضلة، والبدع الرديئة. وقيل: السبل المختلفة مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل والأديان المخالفة لدين الإسلام ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾؛ أي: فتميل بكم هذه الطرق المختلفة المضلة ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أي: عن دينه وطريقه الذي ارتضاه لعباده. وقرأ الجمهور: ﴿فَتَفَرَّقَ﴾ بتاء خفيفة، وقرأ البزي ﴿فتّفرّق﴾: بتشديدها. فمن خفف حذف إحدى التائين، ومن شدد أدغم وقيل: معنى الآية؛ أي: وإن (٣) هذا القرآن الذي أدعوكم إليه، وأدعوكم به إلى ما يحييكم هو صراطي ومنهاجي الذي أسلكه إلى مرضاة الله، ونيل سعادة الدنيا والآخرة حال كونه مستقيما لا يضل سالكه، ولا يهتدي تاركه؛ فاتبعوه وحده؛ ولا تتبعوا السبل الأخرى التي تخالفه - وهي كثيرة - فتتفرق بكم عن سبيله بحيث يذهب كل منهم في سبيل

стр. 3929

ضلالة ينتهي بها إلى الهلكة، إذ ليس بعد الحق إلا الضلال. والخلاصة: أن هذا صراطي مستقيما لا عوج فيه؛ فعليكم أن تتبعوه إن كنتم تؤثرون الاستقامة على الاعوجاج، وترجحون الهدى على الضلال. وقيل (١): إن الله تعالى لما بين في الآيتين المتقدمتين ما وصاه به مفصّلا .. أجمله في هذه الآية إجمالا يقتضي دخول جميع ما تقدم ذكره فيه، ويدخل فيه أيضا جميع أحكام الشريعة، وكل ما بينه رسول الله ﷺ من دين الإسلام؛ وهو المنهج القويم والصراط المستقيم والدين الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين، وأمرهم باتباع جملته وتفصيله. وأخرج أحمد والنسائي وأبو الشيخ والحاكم عن عبد الله بن مسعود قال: خط رسول الله ﷺ خطا بيده، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما»، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: «وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه»، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. وإنما جعل الصراط المستقيم واحدا (٢)، والسبل المخالفة متعددة؛ لأن الحق واحد، والباطل وهو ما خالفه كثير، فيشمل الأديان الباطلة سواء أكانت وضعية أو سماوية، محرفة أو منسوخة. ونهى عن التفرق في صراط الحق، وسبيله؛ لأن التفرق في الدين الواحد، وجعله مذاهب يتشيع لكل منها شيعة وحزب ينصرونه، ويتعصبون له ويخطّئون من خالفه، ويرمون أتباعه بالجهل والضلال سبب لإضاعته؛ إذ كل شيعة تنظر فيما يؤيد مذهبها ويظهرها على مخالفيه، ولا يهمها إثبات الحق وفهم النصوص، والحق لا يكون وقفا على عالم معين، ولا على أتباعه، بل كل باحث يخطئ ويصيب، وذلك ما دل عليه العقل، وأثبته الكتاب والسنة والإجماع. ولما كان اتباع الصراط المستقيم وعدم التفرق

стр. 3930

فيه يجمع الكلمة ويعز أهل الحق .. كان التفرق فيه سبب ضعف المتفرقين وذلهم وضياع حقهم. روى ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿وإن هذا﴾ - بكسر الهمزة على الاستئناف - والتقدير: وإن الذي ذكر في هذه الآيات صِراطِي ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ جملة معطوفة على الجملة المستأنفة. وقرأ ابن عامر ويعقوب وعبد الله بن أبي إسحاق بالفتح والتخفيف على أنها مخففة، واسمها ضمير الشأن. وقرأ الباقون بالفتح مشددة بتقدير اللام على أنه علة مقدمة لقوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾. وقرأ ابن عامر: ﴿صراطي﴾ - بفتح الياء -. وقرأ الأعمش: ﴿وهذا صراطي﴾: وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ﴿وهذا صراط ربكم﴾ وفي مصحف أبي: ﴿وهذا صراط ربك﴾. ﴿ذلِكُمْ﴾ الاتباع للصراط المستقيم ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾؛ أي: أمركم ربكم في الكتاب ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: لكي تتقوا وتجتنبوا الطرق المختلفة والسبل المضلة. والتقوى: (١) اسم لكل ما يتقى به من الضرر العام والخاص مهما يكن نوعه، وقد ذكرت في القرآن في سياق الأوامر والنواهي المختلفة من عبادات ومعاملات وآداب وعشرة وزواج، وتفسر في كل موضع بما يناسبه. والمعنى: ذلكم الاتباع لصراط الحق المستقيم، والاجتناب عن سبل الضلالات والأباطيل وصاكم ربكم به؛ ليهيئكم لاتقاء كل ما يشقي ويردي في الدنيا والآخرة، ويوصلكم إلى السعادة العظمى والحياة الصالحة. وقال الرازي (٢): ختمت الآية الأولى بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ والثانية بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لأن القوم كانوا مستمرين على الشرك، وقتل الأولاد، وقربان الزنا، وقتل النفس المحرمة بغير حق غير مستنكفين ولا عاقلين قبحها، فنهاهم

стр. 3931

سبحانه لعلهم يعقلون قبحها فيستنكفوا عنها ويتركوها، وأما حفظ أموال اليتامى عليهم، وإيفاء الكيل والميزان، والعدل في القول، والوفاء بالعهد؛ فكانوا يفعلونه ويفتخرون بالاتصاف به، فأمرهم الله تعالى بذلك لعلهم يذكرون إن عرض لهم نسيان. وقال أبو حيان (١) ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف، وقد مر سبحانه باتباعه ونهى عن اتباع غيره من الطرق. ختم الآية الثالثة بالتقوى لتي هي اتقاء النار؛ إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية، وحصل على السعادة السرمدية. فصل وقد وردت أحاديث كثيرة بشأن هذه الوصايا نقلها الحفاظ الثقات: منها: ما أخرجه الترمذي وحسنه، وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه .. فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تَتَّقُونَ﴾. ومنها: ما أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث؟» ثم تلا: «﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ثلاث آيات ثم قال: «فمن وفى بهن فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه». ومنها: ما أخرجه عبد بن حميد وأبو عبيد وابن المنذر عن منذر الثوري قال: قال الربيع بن خيثم: أيسرك أن تلقى صحيفة من محمد ﷺ بخاتمه؟ قلت: نعم، فقرأ هؤلاء الآيات من آخر سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ...﴾ إلى آخر الآيات.

стр. 3932

الإعراب ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لا﴾ نافية. ﴿أَجِدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿فِي ما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَجِدُ﴾. ﴿أُوحِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿إِلَيَّ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مُحَرَّمًا﴾: مفعول به لـ ﴿أَجِدُ﴾؛ لأنه يتعدى إلى واحد؛ لأنه من وجد الضالة. ﴿عَلى طاعِمٍ﴾: متعلق بـ ﴿مُحَرَّمًا﴾. ﴿يَطْعَمُهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿طاعِمٍ﴾، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿طاعِمٍ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿أَنْ يَكُونَ﴾: ناصب ومنصوب. ﴿مَيْتَةً﴾: بالنصب خبر ﴿يَكُونَ﴾، واسمها ضمير يعود على الشيء المحرم، والجملة في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء تقدير: إلا كونه ميتة، والمصدر المؤول ليس مقصود في المعنى، والمعنى: لا أجد فيما أوحي إليّ محرما على طاعم إلا ميتة. ﴿أَوْ دَمًا﴾: معطوف على ﴿مَيْتَةً﴾. ﴿مَسْفُوحًا﴾: صفة له. ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾: معطوف على ﴿دَمًا﴾. ﴿فَإِنَّهُ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿إنّ﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾ اسمها. ﴿رِجْسٌ﴾: خبرها، والجملة الاسمية في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية المتعلقة بمعلول محذوف تقديره: وإنما حرم ذلك المذكور لكونه رجسا ونجسا. ﴿أَوْ فِسْقًا﴾: معطوف على ﴿لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾. ﴿أُهِلَّ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أُهِلَّ﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿أُهِلَّ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿فِسْقًا﴾ تقديره: أو فسقا مهلا به لغير الله. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط

стр. 3933

مقدر تقديره: إذا عرفت حرمة هذه المذكورات، وأردت بيان حكم ما إذا اضطر إليها .. فأقول لك، ﴿من اضطر﴾: ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿اضْطُرَّ﴾: فعل ماض مغيّر الصيغة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿غَيْرَ﴾: منصوب على الحالية من ضمير ﴿اضْطُرَّ﴾. ﴿باغٍ﴾: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة. ﴿وَلا عادٍ﴾: معطوف على ﴿باغٍ﴾ مجرور بكسرة مقدرة، وجواب الشرط محذوف تقديره: فمن اضطر إلى أكل شيء مما ذكر، فأكل منه .. فلا مؤاخذة عليه. ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿إن﴾: حرف نصب. ﴿رَبَّكَ﴾: اسمها. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لها. ﴿رَحِيمٌ﴾ خبر ثان، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلة، والتقدير: فلا مؤاخذة عليه؛ لأن ربك غفور له رحيم به. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَرَّمْنا﴾: الآتي. ﴿هادُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿حَرَّمْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ﴾: متعلق بـ ﴿حَرَّمْنا﴾ الآتي. ﴿حَرَّمْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿حَرَّمْنا﴾ الأولى. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿حَرَّمْنا﴾. ﴿شُحُومَهُما﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب على الاستثناء. ﴿حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: إلا ما حملته ظهورهما. ﴿أَوِ الْحَوايا﴾: معطوف على ﴿ظُهُورُهُما﴾: مرفوع على الفاعلية بضمة مقدرة تقديره: ﴿أو﴾ ما حملته الحوايا. ﴿أَوِ﴾: حرف عطف بمعنى الواو كسابقتها. ﴿ما﴾: موصولة، أو

стр. 3934

موصوفة في محل النصب على الاستثناء معطوف على ﴿ما حَمَلَتْ﴾. ﴿اخْتَلَطَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿بِعَظْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اخْتَلَطَ﴾. ﴿ذلِكَ﴾: اسم إشارة في محل الرفع مبتدأ. ﴿جَزَيْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والعائد محذوف تقديره: جزيناهم به. ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿بغيهم﴾: مجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جزينا﴾، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَإِنَّا﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿نا﴾ اسمها. ﴿لَصادِقُونَ﴾: خبرها، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ﴾ على كونها مستأنفة. ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾. ﴿فَإِنْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا أخبرتهم تحريم ما ذكر، وأردت بيان حكم ما إذا كذبوك .. فأقول لك، ﴿إن كذبوك﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿كَذَّبُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾. فَقُلْ: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبا، ﴿قل﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قل﴾ وإن شئت قلت: ﴿رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قل﴾. ﴿واسِعَةٍ﴾: صفة لـ ﴿رَحْمَةٍ﴾. ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿عَنِ الْقَوْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُرَدُّ﴾. ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة. ﴿أَشْرَكُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿لَوْ شاءَ﴾ إلى آخره مقول محكي لقالوا، وإن شئت

стр. 3935

قلت: ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿شاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿ما﴾: نافية. ﴿أَشْرَكْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾، وجملة ﴿لَوْ﴾ في محل النصب مقول قالوا. ﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿آباؤُنا﴾: معطوف على ﴿نا﴾، وجاز العطف لوجود الفصل بـ ﴿لا﴾. ﴿وَلا حَرَّمْنا﴾: معطوف على ﴿أَشْرَكْنا﴾. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: ﴿مِنْ﴾: زائدة في المفعول ﴿شَيْءٍ﴾؛ أي: ولا حرمنا شيئا. ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول، والتقدير: كذب الذين من قبلهم تكذيبا مثل ذلك التكذيب لك في أن الله منع من الشرك، ولم يحرم ما حرموه المدلول عليه بقولهم: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ...﴾ الخ، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿ذاقُوا بَأْسَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في تأويل مصدر مجرور بحتى تقديره: إلى ذوقهم بأسنا، الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: واستمروا على التكذيب إلى ذوقهم بأسنا. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري. ﴿عِنْدَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿عِلْمٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿فَتُخْرِجُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿تخرجوه﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب الاستفهام. ﴿لَنا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره: هل ثبوت علم عندكم فإخراجكم إياه لنا؟. ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿تَتَّبِعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿الظَّنَّ﴾: مفعول به. ﴿وَإِنْ﴾:

стр. 3936

﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، وجملة ﴿تَخْرُصُونَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على كونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿الفاء﴾: استئنافية أو رابطة لجواب شرط مقدر تقديره: إن لم تكن لكم حجة فلله الحجة، ﴿لله﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿الْحُجَّةُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿الْبالِغَةُ﴾: صفة لـ ﴿الْحُجَّةُ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل الجزم بإن المقدرة على كونها جوابا لها. ﴿فَلَوْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿شاءَ﴾: فعل ماض، وفاعله يعود على ﴿الله﴾، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: هدايتكم. ﴿لَهَداكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾، ﴿هداكم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد لضمير المفعول، والجملة جواب ﴿لو﴾، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية معطوفة مفرعة على جملة إن المقدرة على كونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَلُمَّ﴾ اسم فعل أمر بمعنى أحضروا مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنتم. ﴿شُهَداءَكُمُ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب صفة للشهداء، وجملة ﴿يَشْهَدُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿أَنَّ﴾ حرف نصب. ﴿اللَّهَ﴾: اسمها. ﴿حَرَّمَ هذا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾،

стр. 3937

وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعول شهد تقديره: الذين يشهدون تحريم الله هذا. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قلت لك، وأردت بيان حكم ما إذا شهدوا .. فأقول لك: ﴿إن شهدوا﴾: ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿شَهِدُوا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَلا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبا، ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَشْهَدْ﴾: مجزوم بـ ﴿لا﴾، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿مَعَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية. ﴿تَتَّبِعْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَلا تَشْهَدْ﴾ على كونها جوابا لـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿أَهْواءَ الَّذِينَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْدِلُونَ﴾. وجملة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ على كونها صلة الموصول الثاني. ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿تَعالَوْا﴾ فعل وفاعل مبني على حذف النون، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿أَتْلُ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الواو، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿أَتْلُ﴾. ﴿حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط

стр. 3938

محذوف تقديره: ما حرمه ربكم. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿حَرَّمَ﴾ لسبقه على مذهب البصريين، أو بـ ﴿أَتْلُ﴾ لقربه على مذهب الكوفيين. ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: مصدرية. ﴿لا﴾: زائدة. ﴿تُشْرِكُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿أن﴾ المصدرية، ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه بدلا من ﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾، والتقدير: تعالوا أتل عليكم ما حرمه ربكم وأتل عليكم تحريم إشراككم به شيئا، ويصح أن تكون ﴿لا﴾: نافية، و ﴿أن﴾ مصدرية، وجملة ﴿أن﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الخبرية لمبتدأ محذوف تقديره: وذلك المتلو عدم إشراككم بالله شيئا، ويصح أن تكون ﴿أن﴾ تفسيرية، وجملة: ﴿لا تشركوا﴾ مفسرة لجملة ﴿أتل عليكم﴾، وفي المقام أوجه متلاطمة من الإعراب لا نطيل الكلام بذكرها. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: وأحسنوا بالوالدين. ﴿إِحْسانًا﴾: مفعول مطلق لذلك المحذوف، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾، والتقدير: ومن ذلك المتلو أن تحسنوا بالوالدين إحسانا. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. ﴿مِنْ إِمْلاقٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾. ﴿نَحْنُ﴾: ضمير المتكلم المعظم نفسه في محل الرفع مبتدأ. ﴿نَرْزُقُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿وَإِيَّاهُمْ﴾: معطوف على الكاف، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين المتعاطفين مسوقة لتعليل النهي قبلها. ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾. ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على قوله: ﴿أَلَّا

стр. 3939

تُشْرِكُوا﴾. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب بدل من ﴿الْفَواحِشَ﴾ بدل تفصيل من مجمل. ﴿ظَهَرَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿مِنْها﴾: متعلق بـ ﴿ظَهَرَ﴾ وهو الرابط بين البدل والمبدل منه، وجملة ﴿ظَهَرَ﴾ صلة ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿وَما بَطَنَ﴾: معطوف على ﴿ما ظَهَرَ﴾. ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾. ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ ﴿النَّفْسَ﴾. ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: التي حرم الله تعالى قتلها. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور صفة للمفعول المطلق المحذوف تقديره: لا تقتلوا إلا القتل الملتبس بالحق. ﴿ذلِكُمْ﴾: مبتدأ. ﴿وَصَّاكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مسوقة لتعليل الوصية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾. ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة على ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِالَّتِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقْرَبُوا﴾. ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَبْلُغَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْيَتِيمِ﴾. ﴿أَشُدَّهُ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، الجار والمجرور متعلق بمحذوف معلوم من السياق تقديره: احفظوا ماله إلى بلوغه أشده؛ أي: حتى يصير بالغا رشيدا فحينئذ سلموه إليه. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَالْمِيزانَ﴾: معطوف على ﴿الْكَيْلَ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: جار

стр. 3940

ومجرور حال من فاعل ﴿أَوْفُوا﴾؛ أي وأوفوا الكيل والميزان حالة كونكم مقسطين؛ أي: متلبسين بالقسط والعدل. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نُكَلِّفُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿نَفْسًا﴾: مفعول به، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. وُسْعَها: منصوب على الاستثناء. ﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل. ﴿قُلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إِذا﴾، والظرف متعلق بالجواب. ﴿فَاعْدِلُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة، ﴿اعدلوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب إِذا، وجملة إِذا معطوفة على جملة قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. ﴿وَلَوْ كانَ﴾: ﴿الواو﴾ اعتراضية. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر فيها يعود إلى معلوم من السياق تقديره: ولو كان المقول له أو عليه. ﴿ذا قُرْبى﴾: خبر ﴿كانَ﴾ منصوب بالألف، وجواب ﴿لَوْ﴾ معلوم مما قبلها تقديره: ولو كان المقول له ذا قربى فاعدلوا، وجملة ﴿لَوْ﴾ معترضة. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَوْفُوا﴾. ﴿أَوْفُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. ﴿ذلِكُمْ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب ومنصوب، وجملة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾. ﴿وَأَنَّ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿هذا﴾: في محل النصب اسمها. ﴿صِراطِي﴾: خبرها. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾: حال مؤكدة من صِراطِي، والعامل فيها اسم الاشارة، وجملة ﴿أَنَّ﴾: من اسمها وخبرها في تأويل مصدر

стр. 3941

مجرور بلام التعليل المقدرة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿اتبعوه﴾؛ أي: واتبعوا هذا المذكور في الآيتين، أو في جميع هذه السورة لكونه صراطي مستقيما. ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: زائدة. ﴿اتبعوه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾. ﴿فَتَفَرَّقَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿تفرق﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره: هي يعود على ﴿السُّبُلَ﴾. ﴿بِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تفرق﴾ على كونه مفعولا به. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تفرق﴾ أيضا، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها تقديره: لا يكن منكم تتبع السبل فتفرقها بكم عن سبيله. ﴿ذلِكُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ خبره، والجملة مستأنفة. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب ومنصوب، وجملة ﴿تَتَّقُونَ﴾ خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿عَلى طاعِمٍ﴾ اسم من طعم الثلاثي من باب سمع؛ أي: على آكل أي كان من الذكور أو من الإناث، فهذا (١) رد لقولهم: ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ...﴾ الخ. وقوله: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ من باب فهم، اهـ «مختار». ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ المسفوح: المصبوب السائل كالدم الذي يجري من المذبوح من سفح يسفح - من باب فتح - سفحا وسفوحا، يقال: سفح الدم أو الدمع سفكه وأراقه وصبه. والسفح (٢): الصب، وقيل: السيلان، وهو قريب من الأول، وسفح يستعمل قاصرا ومتعديا، يقال: سفح زيد دمعه ودمه؛ أي: أهراقه وسفحه؛ إلا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر، ففي المتعدي يقال: سفح،

стр. 3942

وفي اللازم يقال: سفوح، ومن المتعدي قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فإن اسم المفعول التام لا يبني إلا من متعد، ومن اللازم ما أنشده أبو عبيدة لكثير عزة: أقول ودمعي واكف عند رسمها ... عليك سلام الله لله والدّمع يسفح ﴿اضْطُرَّ﴾؛ أي: أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء معه ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أصله باغي استثقلت الكسرة على الياء، ثم حذفت فالتقى ساكنان، وهما الياء والتنوين، ثم حذفت الياء لبقاء دالها، فصار باغ بوزن قاض، ولم يحذف التنوين لما في حذفه من إجحاف كلمة مستقلة، وكذا يقال في عاد، والمعنى: فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر .. فأكله غير باغ خارج على المسلمين، ولا عاد متعد عليهم بقطع الطريق. ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وفي الظفر لغات خمس أعلاها: ظفر - بضم الظاء والفاء - وهي قراءة العامة. وظفر: - بسكون العين وهي تخفيف لمضمومها -، وبها قرأ الحسن في رواية، وقرأ أبي بن كعب والأعرج: ﴿ظِفِرٍ﴾ - بكسر الظاء والفاء - ونسبها الواحدي لأبي السمال، وقراءة ﴿ظَفْرٍ﴾ - بكسر الظاء وسكون الفاء وهي تخفيف لمكسروها - ونسبها الناس للحسن أيضا قراءة، واللغة الخامسة أظفور، ولم يقرأ بها فيما علمت، وجمع الثلاثي أظفار، وجمع أظفور أظافير - وهو القياس - وأظافر من غير مد، وليس بقياس، اه «سمين». ﴿أَوِ الْحَوايا﴾: إما جمع (١) حاوياء، كقاصعاء وقواصع، أو جمع حاوية، كزاوية وزوايا، أو جمع حوية كهدية وهدايا، ففي مفرده أقوال ثلاثة، وقال الفارسي: يصح أن يكون جمعا لكل من الثلاثة، فإن كان مفردها حاوية أو حاوياء .. فوزنها فواعل كضوارب كزاوية وزوايا وقاصعاء وقواصع، والأصل حواوي كضوارب، قلبت الواو التي هي عين الكلمة همزة، ثم قلبت الهمزة ياء، فاستثقلت الكسرة على الياء، فقلبت فتحة، فتحرك حرف العلة وهي الياء التي هي لام الكلمة بعد فتحة، فقلبت ألفا فصارت حوايا ففيه أربعة أعمال، وإن شئت

стр. 3943

قلت: قلبت الواو همزة مفتوحة، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا فصارت همزة مفتوحة بين ألفين يشابهانها، فقلبت الهمزة ياء، ففيه ثلاثة أعمال، واختلف أهل التصريف في ذلك، وإن قلنا: إن مفردها حوية فوزنها فعائل كطرائق، والأصل: حوائي فقلبت الهمزة ياء مكسورة، ثم فتحت تلك الياء، ثم قلبت الياء الثانية التي هي لام الكلمة ألفا، فصار حوايا، ففيه ثلاثة أعمال، فاللفظ متحد والعمل مختلف. اه «سمين». ﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ ﴿هَلُمَّ﴾ (١) هنا اسم فعل بمعنى أحضروا، و ﴿شُهَداءَكُمُ﴾: مفعول به، فإن اسم الفعل يعمل عمل مسماه من تعد ولزوم. واعلم أن هلم فيها لغتان: لغة الحجازيين ولغة التميميين، فأما لغة الحجاز: فإنها فيها بصيغة واحدة سواء أسندت لمفرد أم مثنى أم مجموع، مذكر أو مؤنث نحو: هلم يا زيد يا زيدان يا زيدون يا هند يا هندان يا هندات، وهي على هذه اللغة عند النحاة اسم فعل لعدم تغيرها، والتزمت العرب على هذه اللغة فتح الميم وهي حركة بناء بنيت على الفتح تخفيفا. وأما لغة تميم: وقد نسبها الليث إلى بني سعد فتلحقها الضمائر كما تلحق سائر الأفعال، فيقال: هلما هلموا هلمي هلمت. وقال الفراء: يقال: هلمين يا نسوة، وهي على هذه اللغة فعل صريح لا يتصرف هذا قول الجمهور، وقد خالف بعضهم في فعليتها على هذه اللغة وليس بشيء، والتزمت العرب فيها أيضا على لغة تميم فتح الميم إذا كانت مسندة لضمير الواحد المذكر، ولم يجيزوا فيها ما أجازوه في رد وشد من الضم والكسر اه، «سمين». ﴿مِنْ إِمْلاقٍ﴾ والإملاق الفقر في قول ابن عباس، وقيل: الجوع بلغة لخم، وقيل: الإسراف، يقال: أملق إذا أسرف في نفسه. قاله محمد بن نعيم اليزيدي، وقيل: الإنفاق، يقال: أملق ماله إذا أنفقه. قال المنذر بن سعيد: والإملاق الإفساد أيضا. قاله شمر. قال: وأملق يكون قاصرا ومتعديا، يقال: أملق الرجل

стр. 3944

إذا افتقر؛ فهذا قاصر، وأملق ما عنده الدهر؛ أي: أفسده، اه «سمين». وفي «المصباح» أملق إملاقا افتقر واحتاج، وملقت الثوب ملقا - من باب قتل - غسلته وملقته ملقا، وملقت له: توددت له - من باب تعب - وتملقت له كذلك اه. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ﴾ هما (١) الآلة التي يكال بها ويوزن وأصل الكيل مصدر، ثم أطلق على الآلة والميزان، في الأصل مفعال من الوزن، ثم نقل لهذه الآلة كالمصباح والمقياس لما يستصبح به ويقاس، وأصل ميزان موازن ففعل به ما فعل بميقات؛ أعني: قلبت الواو ياء لوقوعها إثر كسرة، فصار ميزان. ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ والأشد قيل: هم اسم مفرد لفظا ومعنى، وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: هو جمع، وعلى هذا فمفرده شدة كنعمة وأنعم. وقيل: شد كفلس وأفلس وكلب وأكلب، أو شد كضر وأضرر، أقول: ثلاثة في مفرده، وأصله من شد النهار إذا ارتفع، وقال سيبويه: واحده شدة، قال الجوهري: وهو حسن في المعنى؛ لأنه يقال: بلغ الكلام شدته، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الجناس المغاير بين ﴿طاعِمٍ﴾ و ﴿يَطْعَمُهُ﴾، وبين ﴿شُهَداءَكُمُ﴾ و ﴿يَشْهَدُونَ﴾. ومنها: القصر في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾. ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾؛ لأنه (٢) استعار الظفر للحافر على ما قاله القتبي.

стр. 3945

ومنها: الإضافة لتأكيد التخصيص في قوله تعالى: ﴿شُحُومَهُما﴾ لأنه لو أتى في الكلام ومن البقر والغنم حرمنا عليهم الشحوم لكان كافيا في الدلالة على أنه لا يراد إلا شحوم البقر والغنم، ولكنه أضاف لتأكيد التخصيص. ومنها: المبالغة في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، لأنهما من صيغ المبالغة؛ أي: مبالغ في المغفرة والرحمة. ومنها: التعريض في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَصادِقُونَ﴾ لأنه يتضمن التعريض بكذبهم في قولهم ما حرم الله علينا، وإنما اقتدينا بإسرائيل فيما حرم على نفسه، ويتضمن إدحاض قولهم ورده عليهم. ومنها: الإتيان في مقول قل، أولا: بالجملة الاسمية، وثانيا: بالجملة الفعلية، فناسبت الأبلغية في الله تعالى بالرحمة الواسعة، وجاءت الجملة الثانية فعلية ولم تأت اسمية، فيكون التركيب وذو بأس لئلا يتعادل الإخبار عن الوصفين، وباب الرحمة واسع فلا تعادل، ذكره أبو حيان في «البحر». ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله تعالى: ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ لأن حق العبارة ولا يردّ بأسه عنكم ويحتمل كون الكلام على عمومه. ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾؛ لأن المعنى: فلا تصدقهم، فإن تصديقهم في الشهادة الباطلة بمنزلة الشهادة لذلك الباطل، فأطلق اسم الشهادة على التصديق على سبيل الاستعارة التصريحية، ثم اشتق منه قوله: ﴿فَلا تَشْهَدْ﴾ فيكون (١) استعارة تبعية، وقيل: هو مجاز مرسل من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم؛ لأن الشهادة من لوازم التسليم، وقيل: هو كناية، وقيل: مشاكلة. ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ اعتناء بشأنه؛ لأن الفواحش يندرح فيها قتل النفس، فجرد منها هذا

стр. 3946

استعظاما له وتهويلا، ولأنه قد استثنى منه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: ولو لم يذكر هذا الخاص، لم يصح الاستثناء من عموم الفواحش، فلو قيل في غير القرآن: لا تقربوا الفواحش إلا بالحق لم يكن شيئا. ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ لأنه استعار السبل للبدع والضلالات والمذاهب المنحرفة. ومنها: التنكير في قوله تعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ لإفادة العموم والشمول. ومنها: الإضافة في قوله تعالى: وَبِعَهْدِ اللَّهِ للتشريف والتعظيم. ومنها: التكرار في قوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ تأكيدا لشأن التوصية. ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي﴾ فشبه الدين القويم بالصراط بمعنى: الطريق بجامع أن كلا يوصل للمقصود، واستعار اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية. ومنها: الاستعارة في قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ فشبه الأديان الباطلة بالطرق المعوجة بجامع أن كلا يوصل صاحبه إلى المهالك، واستعير اسم المشبه به للمشبه على طريق الاستعارة التصريحية الأصلية، ذكره الصاوي. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 3947

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما (١) ذكر الحجج العقلية على أصول هذا الدين، ودحض شبهات المعاندين، وأردف ذلك بذكر الوصايا العشر في الآيات الثلاث التي قبل هذه الآيات .. نبه هنا إلى مكانة القرآن من الهداية، أو إلى وجوب اتباعه وذكر أعذار المشركين بما يعلمون أنها لا تصلح

стр. 3948

لهم عذرا عند الله تعالى، وافتتح هذا التنبيه والتذكير بذكر ما يشبه القرآن في التشريع ويسير على نهجه في الهداية، وهو كتاب موسى ﵇ الذي اشتهر عند مشركي العرب، وعرفوا بالسماع خبره. قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) بين أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر وإزاحة للعلة، وقرن هذا الإعذار بالإنذار الشديد والوعيد بسوء العذاب .. أردف ذلك ببيان أنه لا أمل في إيمانهم البتة، وفصل ما أمامهم وأمام غيرهم من الأمم وما ينتظرونه في مستقبل أمرهم، وأنه غير ما يتمنون من موت الرسل وانطفاء نور الإسلام بموته صلوات الله وسلامه عليه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله ، لما وصى (٢) هذه الأمة على لسان رسوله باتباع صراطه المستقيم، ونهى عن اتباع غيره من السبل، ثم ذكر شريعة التوراة المشابهة لشريعة القرآن ووصاياه، ثم تلا ذلك تذكيره لهم ولسائر المخاطبين بالقرآن بما ينتظر آخر الزمان من الحوادث الكونية للأفراد والأمم .. أردف ذلك بتذكير هذه الأمة بما هي عرضة له بحسب سنن الاجتماع من إضاعة الدين بعد الاهتداء بالتفرق فيه بالمذاهب والآراء والبدع التي تجعلها أحزابا وشيعا تتعصب كل منها لمذهب أو إمام، فيضيع الحق وتنفصم عرى الوحدة، وتصبح بعد أخوة الإيمان أمما متعادية كما حدث لمن قبلهم من الأمم. قوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين في السورة أصول الإيمان وأقام عليها البراهين، وفند ما يورده الكفار من الشبهات، ثم ذكر في الوصايا العشر أصول الفضائل والآداب التي يأمر بها الإسلام وما يقابلها من الرذائل والفواحش التي ينهى عنها .. بين هنا الجزاء العام في الآخرة على الحسنات؛ وهي الإيمان

стр. 3949

والأعمال الصالحة، وعلى السيئات؛ وهي الكفر والفواحش ما ظهر منها وما بطن. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ...﴾ الآيات إلى آخر السورة، مناسبة هذه الآيات لآخر السورة: لما (١) كانت هذه السورة أجمع السور لأصول الدين، مع إقامة الحجج عليها ودفع الشبه عنها، وإبطال عقائد أهل الشرك وخرافاتهم .. جاءت هذه الخاتمة آمرة له ﷺ بأن يقول لهم قولا جامعا لجملة ما فصل، وهو أن الدين القيم والصراط المستقيم هو ملة إبراهيم دون ما يدعيه المشركون وأهل الكتاب المحرفون، وأنه ﷺ مستمسك به معتصم بحبله يدعو إليه قولا وعملا على أكمل الوجوه، وهو أول المخلصين وأخشع الخاشعين، وهو الذي أكمل هذا الدين بعد انحراف جميع الأمم عن صراطه. ثم بين أن الجزاء عند الله على الأعمال، وأن لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن المرجع إليه تعالى وحده، وأن له سننا في استخلاف الأمم واختبارها بالنعم والنقم، وأن الله وحده هو الذي يتولى عقاب المسيئين ورحمة المحسنين. التفسير وأوجه القراءة ١٥٤ - و ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ للترتيب﴾ الذكري؛ أي: للترتيب في الذكر والإخبار، لا في الزمان؛ لأن إيتاء موسى الكتاب كان قبل نزول القرآن، والمعنى: ثم بعد ما أخبرتكم الوصايا المتقدمة .. أخبركم بأنا أعطينا موسى التوراة، أو يقال: إن ﴿ثُمَّ﴾ هنا بمعنى الواو الاستئنافية؛ أي: وأعطينا موسى التوراة ﴿تَمامًا﴾؛ أي: لأجل إتمام نعمتنا وكرامتنا ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ وآمن بها من بني إسرائيل وأحسن العمل بأحكامها، يدل على هذا المعنى قراءة عبد الله: على الذين أحسنوا. وقرأ يحيى بن يعمر بالرفع، وخرج على حذف المبتدأ؛ أي: على الذي هو أحسن دينا، كقراءة من قرأ ﴿مثلا ما بعوضة﴾ - بالرفع - ﴿وَتَفْصِيلًا﴾ وبيانا لهم لكل شيء يحتاج إليه في الدين، فيدخل في

стр. 3950

ذلك بيان نبوة سيدنا محمد ﷺ ودينه ﴿وَهُدىً﴾؛ أي: وهداية لهم من الضلالة ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ أي: أمانا لهم من العذاب بإنزالها لمن آمن بها ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: آتيناه الكتاب جامعا لكل ما ذكر من الصفات لكي يؤمنون ويصدقون بلقاء ربهم بالبعث من القبور، ويفوزون بالإيمان بها السعادة الأبدية في دار الكرامة السرمدية التي أعدها الله لمن آمن بوحيه وتمسك بشريعته. والحاصل: أن الله لما أخبر عن القرآن بقوله: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ .. أردف بمدح التوراة كما جاء مثل هذا في قوله: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا﴾، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدىً لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ الآية. وقد تكرر في الكتاب الكريم قرنه بالتوراة؛ لما بينهما من التشابه، فكل منهما شريعة كاملة؛ والإنجيل والزبور ليسا كذلك، فإن أكثر الإنجيل عظات وأمثال، وأكثر الزبور ثناء ومناجاة، إلى أن العرب كانوا يعلمون أن اليهود لهم كتاب يسمى التوراة، ولهم رسول يسمى موسى، وأنهم أهل علم، وكان يتمنى كثير من عقلائهم لو أتيح لهم كتاب كما أوتي اليهود التوراة، وأنه لو جاءهم كتاب لكانوا أهدى منهم وأعظم انتفاعا به، لما يمتازون به من الذكاء وحصافة العقل ورجاحة الرأي. وهذه الوصايا العشر التي في الآيات الثلاث، والتي لها نظير في سورة الإسراء كانت أول ما نزل بمكة قبل تفصيل أحكام العبادات والمعاملات في السور المدنية، وكذلك كانت أول ما نزل على موسى من أصول دينه، لكن وصايا القرآن أجمع للمعاني، فهي تبلغ العشرات إذا فصلت. وهذه الوصايا وما أشبهها هي أصول الأديان على ألسنة الرسل يرشد إلى ذلك قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ

стр. 3951

إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى﴾ وليس هذا الدين المشترك الذي أوصى به هؤلاء الرسل الكرام إلا التوحيد ومكارم الأخلاق، والتباعد عن الفواحش والمنكرات. وقد يكون معنى الآية (١): ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء الناس: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ووصاكم به، وهو كذا وكذا، ثم قل لهم وأعلمهم أننا آتينا موسى الكتاب إلى آخره ﴿تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾؛ أي: آتيناه الكتاب تماما للنعمة والكرامة على من أحسن في اتباعه واهتدى به كما جاء في قوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا﴾ أو المعنى: آتيناه الكتاب تماما كاملا جامعا لما يحتاج إليه من الشرائع كقوله: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: مفصلا لكل شيء من أحكام الشريعة عباداتها ومعاملاتها، مدنية أو حربية أو جنائية، وهذا كقوله في صفة القرآن: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾؛ أي: ودليلا من دلائل الهداية إلى الحق، وسببا من أسباب الرحمة لمن اهتدى به، فينجيه الله من الضلال وعمى الحيرة ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: آتيناه الكتاب جامعا لكل ما ذكر؛ ليجعل قومه محل رجاء للإيمان بالله تعالى، وموضع الفوز في دار الكرامة تلك الدار التي أعدها الله لمن اهتدى بوحيه. ١٥٥ - وبعد أن وصف التوراة بتلك الصفات وصف القرآن الكريم، فقال: ﴿وَهذا﴾ القرآن الذي تليت عليكم أوامره ونواهيه ﴿كِتابٌ﴾ عظيم شأنه ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ على محمد ﷺ بواسطة الروح الأمين، كما أنزلنا الكتاب على موسى ﴿مُبارَكٌ﴾؛ أي: كثير الخير دينا ودنيا جامع لأسباب الهداية الدائمة، وجاء بأكثر مما في كتاب موسى من تفصيل لهدى البشر في معاشهم ومعادهم ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾؛ أي: فاتبعوا يا أهل مكة ما هداكم إليه ﴿وَاتَّقُوا﴾ ما نهاكم عنه وحذركموه ﴿لَعَلَّكُمْ

стр. 3952

تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: لتكون رحمته مرجوة لكم في الدنيا والآخرة إن قبلتموه ولم تخالفوه. والمعنى (١): هذا القرآن العظيم كتاب أنزلناه من اللوح المحفوظ ليلة القدر إلى سماء الدنيا في بيت العزة، ثم نزل مفرقا على حسب الوقائع مبارك كثير الخير والمنافع في الدنيا بالشفاء به، والأمن من الخسف والمسخ والضلال، وفي الآخرة بتلقي السؤال عن صاحبه وشهادته له وكونه ظلّة على رأسه في حر الموقف والرقي إلى الدرجات العلا. وقال التبريزي (٢): في الكلام إشارة، وهو وصف الله التوراة بالتمام، والتمام يؤذن بالانصرام، قال الشاعر: إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تمّ فنسخها الله بالقرآن ودينها بالإسلام، ووصف القرآن بأنه مبارك في مواضع كثيرة، والمبارك هو الثابت الدائم في ازدياد، وذلك مشعر ببقائه ودوامه. ١٥٦ - وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ﴾ الْكِتابُ علة لمعلول محذوف تقديره: وأنزلنا إليكم يا أهل مكة هذا القرآن المرشد إلى توحيد الله وطريق طاعته وتزكية النفوس من أدران الشرك بلغتكم كراهية ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ يوم الحساب والجزاء معتذرين عن شرككم وإجرامكم ما جاءنا كتاب نفهمه بلغتنا ﴿إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ﴾؛ أي: التوراة والإنجيل ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ﴾؛ أي: فريقين ﴿مِنْ قَبْلِنا﴾ وهما اليهود والنصارى ﴿وَإِنْ كُنَّا﴾؛ أي: وقد كنا، وقيل: وإنه كنا ﴿عَنْ﴾ معرفة ما في كتبهم وفهم ﴿دِراسَتِهِمْ﴾ وقراءتهم للكتاب الذي أنزل عليهم ﴿لَغافِلِينَ﴾؛ أي: لجاهلين لا ندري ولا نعلم ما هي؛ لعدم فهمنا ما يقولون، لأنها بلغة غير لغتنا، ولأنهم أهله دوننا، ولأنا لم نؤمر بما فيه، ولغلبة الأمية علينا. والمراد بهذه الآية: إثبات الحجة على أهل مكة وقطع عذرهم بإنزال القرآن بلغتهم على سيدنا محمد ﷺ كي لا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا

стр. 3953

على اليهود والنصارى، ولا نعلم ما فيهما، فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم. والمعنى (١): وأنزلنا هذا القرآن بلغتكم يا أهل مكة كراهية أن تقولوا يوم القيامة: إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا بلغتهما، فلم نفهم ما فيهما، فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم كي لا يعتذروا عند المجازاة على شركهم وكفرهم بمحمد ﷺ . وقرأ ابن محيصن (٢): ﴿أن يقولوا﴾ - بياء الغيبة - يعني: كفار قريش. ١٥٧ - ﴿أَوْ﴾ كراهية أن ﴿تَقُولُوا﴾ يوم القيامة ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ﴾؛ أي: لو أننا أنزل علينا الكتاب بلغتنا كما أنزل على اليهود والنصارى بلغتهم العبرانية أو السريانية، فأمرنا بما فيه ونهينا عما نهى عنه، وبين لنا خطأ ما نحن فيه ﴿لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ﴾؛ أي: أصوب دينا من اليهود والنصارى، وأطوع للحق الذي هو المقصد الأقصى والطريق المستقيم، وأسرع إجابة لأمر الرسول لجودة أذهاننا ومزيد ذكائنا، لأنا أذكى منهم أفئدة وأمضى عزيمة. وقد حكى الله عنهم مثل هذا في قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي: من إحدى الأمم المجاورة لهم من أهل الكتاب. فرد الله تعالى عليهم بجواب قاطع لكل تعلّة، دافع لكل اعتذار، فقال: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ يا أهل مكة من الله على لسان محمد ﷺ : ﴿بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: قرآن عظيم فيه بيان للحلال من الحرام ﴿وَهُدىً﴾ لما في القلوب من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ﴾؛ أي: نعمة من الله لعباده الذي يتبعونه ويقتفون ما فيه؛ أي: لا تعتذروا بذلك، فقد جاءكم من ربكم كتاب مبين للحق بالحجج والبراهين في العقائد والفضائل والآداب وأمهات الأحكام بما به تصلح أمور البشر وشؤون الاجتماع، وهو هاد لمن تدبره وتلاه حق تلاوته إذ يجذب

стр. 3954

ببلاغته وبيانه قلوب الناظرين فيه إلى الحق الذي فصله أتم تفصيل، وإلى عمل الخير والصلاح الذي بين فوائده ومنافعه؛ وهو رحمة عامة لمن يستضيؤون بنوره وتنفذ فيهم شريعته؛ إذ هم يكونون في ظلها آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، أحرارا في عقائدهم وعباداتهم، يعيشون في بيئة خالية من الفواحش والمنكرات، وبعد أن بين عظم قدر هذا الكتاب .. بين سوء عاقبة من كذب به، فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ والفاء فيه فاء الفصحية؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر تقديره: إذا كانت هذه الآيات مشتملة على الهداية الكاملة والرحمة الشاملة .. فأقول لك: لا أظلم، والاستفهام فيه إنكاري؛ أي: فلا أحد أشد ظلما ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ القرآنية ولم يؤمن بها ﴿وَصَدَفَ﴾؛ أي: أعرض بنفسه ﴿عَنْها﴾؛ أي: عن تلك الآيات؛ أي: عن العمل بما فيها من الأوامر والنواهي. وقيل المعنى: كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها؛ أي: صرف الناس ومنعهم عن الإيمان بها، فجمع بين الضلال بالتكذيب، والإضلال بصرف الناس عنها كما كان يفعل كبراء مجرمي قريش بمكة، فقد كانوا يصدفون العرب ويمنعونهم عن النبي ﷺ ، ويحولون بينه وبينهم لئلا يسمعوا منه القرآن، فينجذبوا إلى الإيمان، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. وقرأ ابن وثاب وابن أبي عبلة: ﴿ممن كَذَبَ﴾ بتخفيف الذال. ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ﴾؛ أي: سنعاقب الذين ﴿يَصْدِفُونَ﴾ ويعرضون ﴿عَنْ آياتِنا﴾ الواضحة وحججنا الساطعة ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾؛ أي: شديد العذاب ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾؛ أي: بسبب إعراضهم عن آياتنا وتكذيبهم لرسلنا، والإضافة في سوء العذاب من إضافة الصفة إلى الموضوف؛ أي: العذاب السيء أو المعنى (١): سنجزي الذين يصدفون الناس عن آياتنا ويردونهم عن الاهتداء بها سوء العذاب بسبب ما كانوا يتجرؤون عليه من الصدف عنها؛ إذ هم بذلك يحملون أوزارهم وأوزار من صدفوهم عن الحق، وحالوا بينهم وبين الهداية. وقرأت فرقة: ﴿يَصْدِفُونَ﴾: بضم الدال.

стр. 3955

ونحو الآية قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾؛ أي: زدناهم عذابا شديدا بصدهم الناس عن سبيل الله، فوق العذاب على كفرهم بسبب إفسادهم في الأرض بهذا الصد عن الحق. ١٥٨ - والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إنكاري بمعنى النفي؛ أي: ما ينتظر هؤلاء المشركون من أهل مكة وغيرهم ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾؛ أي: ملائكة الموت الذين يقبضون أرواحهم من عزرائيل وأعوانه، أو ملائكة العذاب. وقرأ الكسائي وحمزة: ﴿إلا أن يأتيهم﴾ - بالياء - أَوْ إلا أن ﴿يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يا محمد يوم القيامة للحكم (١) وفصل القضاء بين الخلائق إتيانا يليق به لا نكيفه ولا نمثله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ كما جاء في آية أخرى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾. وقيل المراد بإتيان الله إتيان ما وعد به من النصر لأوليائه، وأوعد به أعداءه من العذاب في الدنيا كما جاء في قوله: ﴿فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾. وقيل أو يأتي أمر ربك بإهلاك ﴿أَوْ﴾ إلا أن ﴿يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾؛ أي: بعض علامات ربك الدالة على قرب الساعة، وهي عشرة (٢)، وهي العلامات الكبرى، وهي الدجال، والدابة، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن تسوق الناس إلى المحشر. وتقدير الآية (٣): أنهم لا يؤمنون بك يا محمد إلا إذا جاءتهم إحدى هذه الأمور الثلاثة، فإذا جاءتهم إحداها آمنوا، وذلك حين لا ينفعهم إيمانهم. والخلاصة (٤): أنهم لا ينتظرون إلا أحد أمور ثلاثة: مجيء الملائكة، أو مجيء ربك بحسب ما اقترحوا بقولهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا﴾ وقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾، أو مجيء بعض آيات ربك غير ما ذكر كما اقترحوا بقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ ونحو ذلك من

стр. 3956

الآيات العظام التي علقوا بها إيمانهم. وفي الآية إيماء إلى تماديهم في تكذيب آيات الله وعدم اعتدادهم بها، وأنه لا أمل في إيمانهم البتة. ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ الموجبة للإيمان الاضطراري من الآيات التي اقترحوها، أو ما هو أعم من ذلك، فيدخل فيه ما ينتظرونه، وقيل: هي الآيات العظام التي تدل على قرب الساعة كطلوع الشمس من مغربها قبيل تلك القارعة التي ترج الأرض رجا، وتبس الجبال بسا، ويبطل هذ النظام الشمسي بحدوث حادث تتحول فيه حركة الأرض اليومية، فيكون الشرق غربا والغرب شرقا كما في حديث «الصحيحين». والظرف متعلق بقوله: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا﴾؛ أي: نفسا كافرة، أو مؤمنة عاصية ﴿إِيمانُها﴾ وقتئذ ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل ذلك ﴿أَوْ﴾ نفسا لم تكن ﴿كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾؛ أي: عملا صالحا من قبل ظهور تلك الآيات؛ أي: لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل أن تؤمن حينئذ، ولا ينفع نفسا لم تكن كسبت في إيمانها خيرا وعملا صالحا أن تفعل ذلك بعد مجيء تلك الآيات لبطلان التكليف الذي يترتب عليه ثواب الأعمال. قال ابن كثير: إذا (١) أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك .. فإن كان مصلحا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا، فأحدث توبة حينئذ .. لم تقبل منه توبته كما دلت عليه الأحاديث. وقرأ ابن عمر وابن الزبير وابن سيرين وأبو العالية (٢): ﴿يوم تأتي﴾ - بالفوقية - مثل: ﴿تلتقطه بعض السيارة﴾ قال المبرد التأنيث على المجاورة لمؤنث لا على الأصل، ومنه قول جرير: لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشّع وقرأ ابن سيرين: ﴿لا تنفع نفسا﴾ - بالفوقية -. قال أبو حاتم: ذكروا أنها غلط منه، وقال الزمخشري: أنث الفعل؛ لكون الإيمان مضافا إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه. وقرأ زهير القروي: ﴿يوم يأتي﴾ - بالرفع - والخبر ﴿لا يَنْفَعُ﴾

стр. 3957

والعائد محذوف؛ أي: فيه. ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمد ﴿انْتَظِرُوا﴾ أيها المعاندون ما تتوقعون إتيانه ووقوعه بنا من اختفاء أمر الإسلام، أو انتظروا ما وعدتم به من مجيء إحدى هذه الآيات ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ معكم وعد ربنا لنا ووعيده لكم، أو منتظرون ما أوعدكم ربكم من العذاب يوم القيامة، وقيل المعنى: قل لهم يا محمد انتظروا هلاكي إنا منتظرون هلاككم، ونحو الآية قوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾ وقال ابن كثير: هذا تهديد شديد للكافرين، ووعيد أكيد لمن سوف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك، وهو كقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾. فصل في ذكر الأحاديث المناسبة للآية قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ قال جمهور المفسرين (١): هو طلوع الشمس من مغربها، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض». أخرجه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ قال: «طلوع الشمس من مغربها». أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها .. تاب الله عليه». أخرجه مسلم. وعن صفوان بن غسان المرادي قال: قال رسول الله ﷺ : «باب من قبل المغرب، مسيرة عرضه - أو قال: يسير الراكب في عرضه - أربعين أو سبعين سنة، خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض مفتوحا للتوبة، لا يغلق حتى

стр. 3958

تطلع الشمس منه». أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها» وفي رواية: «فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا» متفق عليه. وعن حذيفة بن أسد الغفاري ﵁ قال: اطلع رسول الله ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذكرون» قلنا: الساعة، فقال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات»، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، وثلاث خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تطرد الناس إلى محشرهم». أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدابة، وخويصة أحدكم، وأمر العامة». أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا». أخرجه مسلم. وروى الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ في تفسير هذه الآية قال: تصبحون والشمس والقمر من ههنا من قبل المغرب كالبعيرين القرينين، زاد في رواية عنه: فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا، وبسنده عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ يوما: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي من حيث جئت، فتصبح طالعة من مطلعها لا ينكر الناس منها شيئا حتى

стр. 3959

تنتهي، فتخر ساجدة في مستقرها تحت العرش، فيقال لها: اطلعي من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها». قال رسول الله ﷺ : «أتدرون أي يوم ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذلك يوم لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا». وبسنده عن أبي ذر ﵁ قال: كنت رديف رسول الله ﷺ ذات يوم على حمار، فنظر إلى الشمس حيث غربت فقال: «إنها تغرب في عين حمئة، تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش حتى يأذن لها، فإذا أراد أن يطلعها من مغربها .. حبسها، فتقول: يا رب إن مسيري بعيد، فيقول لها: اطلعي من حيث غربت، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل». وروي بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ عشية من العشيات، فقال لهم: «عباد الله توبوا إلى الله قبل أن يأتيكم بعذاب، فإنكم توشكون أن تروا الشمس من قبل المغرب، فإذا فعلت حبست التوبة وطوي العمل»، فقال الناس: هل لذلك من آية يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن آية تلك الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال، فيستيقظ الذين يخشون ربهم، فيصلون له، ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقض، ثم يأتون مضاجعهم فينامون، حتى إذا استيقظوا والليل مكانه، فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم، فإذا أصبحوا فطال عليهم .. رأت أعينهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب، فإذا فعلت ذلك لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل». قال ابن عباس ﵄: لا ينفع مشركا إيمانه عند الآيات، وينفع أهل الإيمان عند الآيات إن كانوا اكتسبوا خيرا قبل ذلك. وقال ابن الجوزي: قيل: إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها: أن الملاحدة والمنجمين زعموا أن ذلك لا يكون، فيريهم الله تعالى قدرته، فيطلعها من المغرب كما أطلعها من المشرق، فيتحقق عجزهم. وقيل: بل ذلك بعض الآيات الثلاث: الدابة، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها.

стр. 3960

يروى عن ابن مسعود أنه قال: التوبة معروضة على ابن آدم، إن شاء قبلها ما لم تخرج إحدى ثلاث: الدابة، أو طلوع الشمس من مغربها، أو يأجوج ومأجوج. ويروى عن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات .. طرحت التوبة، وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. ويروى عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ قال: هي مجموع الآيات الثلاث: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض. وأصح الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، وثبت عن النبي ﷺ أنه طلوع الشمس من مغربها. قال الضحاك (١): من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه .. قبل الله منه العمل الصالح بعد نزول الآية كما قبل من قبل ذلك، فأما من آمن من شرك، أو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية .. فلا يقبل منه؛ لأنها حالة اضطرار كما لو أرسل الله عذابا على أمة .. فآمنوا وصدقوا، فإنهم لا ينفعهم إيمانهم ذلك؛ لمعاينتهم الأهوال والشدائد التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة. وفي كتاب «الإشاعة في أشراط الساعة» ما نصه (٢): ومن الأشراط العظام طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض، وهذان أيهما سبق الآخر .. فالآخر على أثره، فإن طلعت الشمس قبل .. خرجت الدابة ضحى يومها أو قريبا من ذلك. وإن خرجت الدابة قبل طلعت الشمس من الغد. وروى أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في هذه الأمة قردة وخنازير، وتطوى الدواوين، وتجف الأقلام، لا يزاد في حسنة، ولا ينقص من سيئة، ولا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا».
следующие страницы →