الآيات العظام التي علقوا بها إيمانهم. وفي الآية إيماء إلى تماديهم في تكذيب آيات الله وعدم اعتدادهم بها، وأنه لا أمل في إيمانهم البتة.
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ الموجبة للإيمان الاضطراري من الآيات التي اقترحوها، أو ما هو أعم من ذلك، فيدخل فيه ما ينتظرونه، وقيل: هي الآيات العظام التي تدل على قرب الساعة كطلوع الشمس من مغربها قبيل تلك القارعة التي ترج الأرض رجا، وتبس الجبال بسا، ويبطل هذ النظام الشمسي بحدوث حادث تتحول فيه حركة الأرض اليومية، فيكون الشرق غربا والغرب شرقا كما في حديث «الصحيحين». والظرف متعلق بقوله: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا﴾؛ أي: نفسا كافرة، أو مؤمنة عاصية ﴿إِيمانُها﴾ وقتئذ ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل ذلك ﴿أَوْ﴾ نفسا لم تكن ﴿كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا﴾؛ أي: عملا صالحا من قبل ظهور تلك الآيات؛ أي: لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل أن تؤمن حينئذ، ولا ينفع نفسا لم تكن كسبت في إيمانها خيرا وعملا صالحا أن تفعل ذلك بعد مجيء تلك الآيات لبطلان التكليف الذي يترتب عليه ثواب الأعمال.
قال ابن كثير: إذا (١) أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنا قبل ذلك .. فإن كان مصلحا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحا، فأحدث توبة حينئذ .. لم تقبل منه توبته كما دلت عليه الأحاديث. وقرأ ابن عمر وابن الزبير وابن سيرين وأبو العالية (٢): ﴿يوم تأتي﴾ - بالفوقية - مثل: ﴿تلتقطه بعض السيارة﴾ قال المبرد التأنيث على المجاورة لمؤنث لا على الأصل، ومنه قول جرير:
لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشّع
وقرأ ابن سيرين: ﴿لا تنفع نفسا﴾ - بالفوقية -. قال أبو حاتم: ذكروا أنها غلط منه، وقال الزمخشري: أنث الفعل؛ لكون الإيمان مضافا إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه. وقرأ زهير القروي: ﴿يوم يأتي﴾ - بالرفع - والخبر ﴿لا يَنْفَعُ﴾
стр. 3957
والعائد محذوف؛ أي: فيه. ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمد ﴿انْتَظِرُوا﴾ أيها المعاندون ما تتوقعون إتيانه ووقوعه بنا من اختفاء أمر الإسلام، أو انتظروا ما وعدتم به من مجيء إحدى هذه الآيات ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ معكم وعد ربنا لنا ووعيده لكم، أو منتظرون ما أوعدكم ربكم من العذاب يوم القيامة، وقيل المعنى: قل لهم يا محمد انتظروا هلاكي إنا منتظرون هلاككم، ونحو الآية قوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾ وقال ابن كثير: هذا تهديد شديد للكافرين، ووعيد أكيد لمن سوف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك، وهو كقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾.
فصل في ذكر الأحاديث المناسبة للآية
قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ قال جمهور المفسرين (١): هو طلوع الشمس من مغربها، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض». أخرجه مسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ قال: «طلوع الشمس من مغربها». أخرجه الترمذي، وقال: حديث غريب.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها .. تاب الله عليه». أخرجه مسلم.
وعن صفوان بن غسان المرادي قال: قال رسول الله ﷺ : «باب من قبل المغرب، مسيرة عرضه - أو قال: يسير الراكب في عرضه - أربعين أو سبعين سنة، خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض مفتوحا للتوبة، لا يغلق حتى
стр. 3958
تطلع الشمس منه». أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها» وفي رواية: «فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا» متفق عليه.
وعن حذيفة بن أسد الغفاري ﵁ قال: اطلع رسول الله ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذكرون» قلنا: الساعة، فقال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات»، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، وثلاث خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تطرد الناس إلى محشرهم». أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، والدابة، وخويصة أحدكم، وأمر العامة». أخرجه مسلم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا». أخرجه مسلم.
وروى الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ في تفسير هذه الآية قال: تصبحون والشمس والقمر من ههنا من قبل المغرب كالبعيرين القرينين، زاد في رواية عنه: فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا، وبسنده عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ يوما: «أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها:
ارتفعي من حيث جئت، فتصبح طالعة من مطلعها لا ينكر الناس منها شيئا حتى
стр. 3959
تنتهي، فتخر ساجدة في مستقرها تحت العرش، فيقال لها: اطلعي من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها». قال رسول الله ﷺ : «أتدرون أي يوم ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذلك يوم لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا».
وبسنده عن أبي ذر ﵁ قال: كنت رديف رسول الله ﷺ ذات يوم على حمار، فنظر إلى الشمس حيث غربت فقال: «إنها تغرب في عين حمئة، تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش حتى يأذن لها، فإذا أراد أن يطلعها من مغربها .. حبسها، فتقول: يا رب إن مسيري بعيد، فيقول لها: اطلعي من حيث غربت، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل».
وروي بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ عشية من العشيات، فقال لهم: «عباد الله توبوا إلى الله قبل أن يأتيكم بعذاب، فإنكم توشكون أن تروا الشمس من قبل المغرب، فإذا فعلت حبست التوبة وطوي العمل»، فقال الناس: هل لذلك من آية يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن آية تلك الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال، فيستيقظ الذين يخشون ربهم، فيصلون له، ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقض، ثم يأتون مضاجعهم فينامون، حتى إذا استيقظوا والليل مكانه، فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم، فإذا أصبحوا فطال عليهم .. رأت أعينهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب، فإذا فعلت ذلك لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل».
قال ابن عباس ﵄: لا ينفع مشركا إيمانه عند الآيات، وينفع أهل الإيمان عند الآيات إن كانوا اكتسبوا خيرا قبل ذلك.
وقال ابن الجوزي: قيل: إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها: أن الملاحدة والمنجمين زعموا أن ذلك لا يكون، فيريهم الله تعالى قدرته، فيطلعها من المغرب كما أطلعها من المشرق، فيتحقق عجزهم. وقيل: بل ذلك بعض الآيات الثلاث: الدابة، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها.
стр. 3960
يروى عن ابن مسعود أنه قال: التوبة معروضة على ابن آدم، إن شاء قبلها ما لم تخرج إحدى ثلاث: الدابة، أو طلوع الشمس من مغربها، أو يأجوج ومأجوج.
ويروى عن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات .. طرحت التوبة، وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال.
ويروى عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ قال: هي مجموع الآيات الثلاث: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض. وأصح الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة، وثبت عن النبي ﷺ أنه طلوع الشمس من مغربها.
قال الضحاك (١): من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه .. قبل الله منه العمل الصالح بعد نزول الآية كما قبل من قبل ذلك، فأما من آمن من شرك، أو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية .. فلا يقبل منه؛ لأنها حالة اضطرار كما لو أرسل الله عذابا على أمة .. فآمنوا وصدقوا، فإنهم لا ينفعهم إيمانهم ذلك؛ لمعاينتهم الأهوال والشدائد التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة.
وفي كتاب «الإشاعة في أشراط الساعة» ما نصه (٢): ومن الأشراط العظام طلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض، وهذان أيهما سبق الآخر ..
فالآخر على أثره، فإن طلعت الشمس قبل .. خرجت الدابة ضحى يومها أو قريبا من ذلك. وإن خرجت الدابة قبل طلعت الشمس من الغد.
وروى أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في هذه الأمة قردة وخنازير، وتطوى الدواوين، وتجف الأقلام، لا يزاد في حسنة، ولا ينقص من سيئة، ولا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا».
стр. 3961
وروى ابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: لا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتى يأتي الوقت الذي جعله الله تعالى غاية لتوبة عباده فتستأذن الشمس من أين تطلع، ويستأذن القمر من حيث يطلع، فلا يؤذن لهما، فيحسبان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر، فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس، وهم أهل الأوراد وحملة القرآن، فينادي بعضهم بعضا، فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة، ثم يرسل الله جبرائيل إلى الشمس والقمر، فيقول: إن الرب تعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما، فتطلعا منه لا ضوء لكما عندنا ولا نور، فتبكي الشمس وكذا القمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، فترجع الشمس والقمر، فيطلعان من مغربهما، فبينما الناس كذلك يتضرعون إلى الله ، والغافلون في غفلاتهم إذ نادى مناد: ألا إن باب التوبة قد أغلق، والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما، فينظر الناس إليهما، وإذا هما أسودان
كالعكمين لا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٩). والعكم - بالكسر - الغرارة؛ أي: كالغرارتين العظيمتين، ومنه يقال لمن يشد الغرائر على الجمل: العكام، فيرتفعان مثل البعيرين المقرنين ينازع كل منهما صاحبه استباقا، ويتصايح أهل الدنيا، وتذهل الأمهات عن أولادها، وتضع كل ذات حمل حملها؛ فأما الصالحون والأبرار فإنهم ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب لهم عبادة، وأما الفاسقون والفجار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ، ويكتب عليهم حسرة، فإذا بلغت الشمس والقمر وسط السماء جاءهما جبريل، فأخذ بقرونهما، فردهما إلى المغرب، فيغربهما في باب التوبة، ثم يرد المصراعين، فيلتئم ما بينهما ويصيران كأنهما لم يكن صدع قط ولا خلل، فإذا أغلق باب التوبة .. لم يقبل لعبد بعد ذلك توبة ولم تنفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان قبل ذلك يحب أن يفعله قبل ذلك، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها ...﴾ الآية.
قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ : وما باب التوبة يا رسول الله؟ فقال: «يا عمر، خلق الله بابا للتوبة جهة المغرب، فهو من أبواب الجنة، مصراعان من
стр. 3962
ذهب مكللان بالدر والجواهر، ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عاما للراكب المسرع، فذلك الباب مفتوح منذ خلقه الله تعالى إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما، ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحا من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب».
قال أبي بن كعب ﵁ يا رسول الله، فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك، وكيف بالناس والدنيا؟ فقال: «لا يا أبي، إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك ضوء النار، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس بعد ذلك فيلحون على الدنيا ويعمرونها، ويجرون فيها الأنهار، ويغرسون فيها الأشجار، ويبنون فيها البنيان، ثم تمكث الدنيا بعد طلوع الشمس من مغربها مئة وعشرين سنة، السنة منها بقدر شهر، والشهر بقدر جمعة، والجمعة بقدر يوم، واليوم بقدر ساعة».
وروى أبو نعيم عن ابن عمر ﵄ قال: لا تقوم الساعة حتى تعبد العرب ما كان يعبد آباؤها عشرين ومئة عام بعد نزول عيسى ابن مريم وبعد الدجال اه.
ويستمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئا إلا أعطوه حتى تتم أربعون سنة بعد الدابة، ثم يعود الموت فيهم، ويسرع فلا يبقى مؤمن، ويبقى الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم حتى ينكح الرجل المرأة في وسط الطريق يقوم واحد عنها وينزل واحد، وأفضلهم من يقول: لو تنحيت عن الطريق .. لكان أحسن، فيكونون على مثل ذلك حتى لا يولد لأحد من نكاح، ثم يعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكون كلهم أولاد زنا، شرار الخلق عليهم تقوم الساعة.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: إذا طلعت الشمس من مغربها .. خر إبليس ساجدا ينادي ويجهر: إلهي مرني أسجد لمن شئت، فتجتمع إليه زبانيته، فيقولون: يا سيدنا ما هذا التضرع!؟
فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم، وهذا هو الوقت المعلوم انتهى.
стр. 3963
١٥٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾؛ أي: إن الذين فرقوا وبددوا وشتتوا دينهم بأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض.
قال ابن عباس (١): هم اليهود والنصارى فرقوا دين إبراهيم الحنيف إذ تفرقوا فرقا، وكفر بعضهم بعضا، وأخذوا بعضا وتركوا بعضا كما أخبر بذلك الكتاب الكريم بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
وقال الحسن: هم جميع المشركين؛ لأن بعضهم عبدوا الأصنام وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وبعضهم عبدوا الملائكة وقالوا: إنهم بنات الله، وبعضهم عبدوا الكواكب، فكان هذا تفريق دينهم اه.
وقال أبو هريرة في هذه الآية: هم أهل الضلالة من هذه الأمة، وروي ذلك مرفوعا قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ، وليسوا منك؛ هم أهل البدع، وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة» أسنده الطبري.
ولا مانع من الجمع بين الآراء (٢)، فإنه تعالى ذكر أهل الكتاب وشرعهم، وأمر من استجاب لدعوة الإسلام بالوحدة وعدم التفرق كما تفرق من قبلهم، كما جاء في سورة آل عمران: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ ثم بين أن رسوله بريء من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، كما فعل أهل الكتاب، فهو يحذر من صنيعهم، وينهى عن سلوك طريقهم، فمن اتبع سنتهم في هذا التفريق .. فالرسول بريء منه كما هو بريء من أولئك المفرقين من سالفي الأمم، فعلى (٣) هذا يكون المراد من هذه الآية: الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وأن لا يتفرقوا في الدين، ولا يبتدعوا البدع المضلة. وفي حديث رواه أبو داود والترمذي: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة».
стр. 3964
وقرأ حمزة والكسائي (١): ﴿فارقوا دينهم﴾ هنا وفي الروم بألف وهي قراءة علي بن أبي طالب؛ أي: تركوا دينهم وخرجوا عنه. وقرأ باقي السبعة: ﴿فَرَّقُوا﴾ بالتشديد. وقرأ إبراهيم النخعي والأعمش وأبو صالح: ﴿فرقوا﴾ بتخفيف الراء.
﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾؛ أي: أحزابا وفرقا مختلفة في الضلالة، كل فرقة تشيع وتتبع إماما لها ﴿لَسْتَ﴾ يا محمد ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من تفرقهم، أو من السؤال عن سبب تفرقهم، والبحث عن موجب تحزبهم ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من الأشياء، فلا يلزمك من ذلك شيء ولا تخاطب به، إنما عليك البلاغ وهو مثل قوله ﷺ : «من غشنا فليس منا»؛ أي: نحن براء منه؛ أي: أنت بريء منهم وهم بريئون منك، وهذا على أن المراد من الآية: أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة. وأما على القول بأن المراد من الآية: اليهود والنصارى والكفار، فمعناه لست من قتالهم في شيء، ولست مأمورا بقتالهم، فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية السيف.
﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ﴾؛ أي: جزاؤهم وعقابهم مفوض ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي: أنه تعالى هو الذي يجازيهم على مفارقة دينهم، والتفريق له بما اقتضت به سنة الله تعالى من ضعف المتفرقين، وفشل المتنازعين، وتسليط الأقوياء عليهم، وإذاقة بعضهم بأس بعض، كما بين ذلك سبحانه بقوله: ﴿فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا﴾. ﴿ثُمَّ﴾ بعد أن يعذبهم بأيديهم وأيدي أعدائهم في الدنيا يبعثهم يوم القيامة فـ ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾ ويخبرهم عند الحساب ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ في الدنيا من الاختلاف والتفرق اتباعا للأهواء، ثم يجازيهم على ذلك أشد الجزاء في النار وبئس القرار.
والخلاصة (٢): أن المراد بـ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا؛ هم أهل الكتاب، والمقصود من براءة الرسول منهم تحذير أمته من مثل فعلهم؛ ليعلم أن من فعل فعلهم وحذا حذوهم من هذه الأمة .. فالرسول منه بريء؛ إذ ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الكفار وأفعالهم ليس خاصا بهم، بل إذا اتصف
стр. 3965
المسلمون بمثل ما اتصفوا به .. كان حكمهم كحكمهم؛ لأن الله لا يبيح للمسلمين البدع والضلالات، والتفرق في الدين؛ لأنهم مسلمون، فإن ذلك يكون هدما لأسس الدين، وخروجا من سنن المهتدين.
ولدى التحقيق والبحث نجد أن أسباب التفرق في هذه الأمة في دينها وتبعة ضعفها في دنياها ترجع إلى أمور:
منها: التنازع على الملك، وقد حدث هذا من بدء الإسلام واستمر حتى وقتنا هذا.
ومنها: العصبية الجنسية والنعرة القومية في كل شعب وقبيل؛ إذ شمخ كل شعب بأنفه، وأبى أن يخضع لغيره اعتقادا منه أنه أرقى الشعوب أرومة وأرفعها محتدا، فأنى له أن ينقاد لسواه.
ومنها: عصبية المذاهب والآراء في أصول الدين وفروعه، فأرباب المذاهب من الشيعة ذموا بقية المذاهب الأخرى كالحنفية والشافعية، ورجال الحديث تكلموا في أهل القياس.
ومنها: القول في الدين بالرأي، فإن كثيرا ممن يركن إليهم في الفتيا واستنباط الأحكام الدينية ضعيف عن حمل السنة، والتفقه في فهم الكتاب، فإذا عرضت له حادثة، ولم يفطن إلى مأخذها من الكتاب أو السنة .. أفتى فيها بالرأي، وقد يكون مصادما للدليل النقلي، أو لفتاوى الصحابة والتابعين إلى أن آراء الناس تختلف باختلاف الزمان والمكان وشؤون المعيشة وأحوال الاجتماع، فأنى تتفق الألوف الكثيرة من الشعوب المختلفة في الأزمنة المتعاقبة.
ومنها: دسائس أعداء هذا الدين وكيدهم له، ووضع كثير من الأحاديث التي نفقت لدى بعض رجال الدين، واتخذوها مرجعا في استنباط بعض الأحكام، والدين منها براء.
وعن معاوية ﵁ قال (١): قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «ألا إن
стр. 3966
من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة» زاد في رواية: «وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخلته». أخرجه أبو داود.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة»، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي». أخرجه الترمذي.
قال الخطابي: في هذا الحديث دلالة على أن هذه الفرق غير خارجة عن الملة والدين؛ إذ جعلهم من أمته.
١٦٠ - ﴿مَنْ جاءَ﴾ ربه يوم القيامة ﴿بـ﴾ الخصلة ﴿الحسنة﴾ والأعمال الصالحة من خصال الطاعات التي فعلها، وقلبه مطمئن بالإيمان ﴿فَلَهُ﴾؛ أي: فلذلك العامل عنده تعالى ﴿عَشْرُ﴾ حسنات ﴿أَمْثالِها﴾؛ أي: جوزي عليها بعشر حسنات أمثالها فضلا من الله وكرما منه، وهذا استئناف لبيان قدر جزاء العاملين، والتقييد بالعشرة؛ لأنه أقل مراتب التضعيف، وإلا فقد جاء الوعد به إلى سبعين، وإلى سبع مئة، وإلى أنه بغير حساب، إذ قد وعد بالمضاعفة دون قيد في قوله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾ ووعد بمضاعفة كثيرة في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً﴾ ووعد بالمضاعفة إلى سبع مئة ضعف في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾.
وفي هذا إشارة إلى تفاوت المنفقين وغيرهم من المحسنين في الصفات النفسية كالإخلاص في النية، والاحتساب عند الله، والإخفاء سترا على المعطي، وتباعدا من الشهرة، والإبداء لحسن القدوة، وتحري المنافع والمصالح، وما
стр. 3967
يقابل ذلك من الصفات الرذيلة كالرياء، وحب الشهرة الباطلة، والمن والأذى.
والحاصل: أن العشرة تعطى لكل من أتى بالحسنة، والمضاعفة فوقها تختلف بحسب مشيئته تعالى بما يعلم من أحوال المحسنين، فمن بذل الدرهم ونفسه كئيبة على فقده .. لا تكون حاله كمن يبذله طيبة به نفسه، مسرورة بتوفيق الله تعالى على عمل الخير، ونيل ثواب الآخرة، واعلم أن المضاعفة تابعة للإخلاص، فكل من عظم إخلاصه .. كانت مضاعفة حسناته أكثر ﴿وَمَنْ جاءَ﴾ ربه يوم القيامة ﴿بـ﴾ الخصلة ﴿السيئة﴾ والأعمال القبيحة ﴿فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها﴾ من دون زيادة عليها على قدرها في الخفة والعظم، فالمشرك يجازى على سيئة الشرك بخلوده في النار، وفاعل المعصية من المسلمين يجازى عليها بمثلها مما ورد تقديره من العقوبات، كما ورد بذلك كثير من الأحاديث المصرحة بأن من عمل كذا فعليه كذا، وما لم يرد لعقوبته تقدير من الذنوب .. فعلينا أن نقول: يجازيه الله بمثله وإن لم نقف على حقيقة ما يجازى به، وهذا إن لم يتب. أما إذا تاب، أو غلبت حسناته سيئاته، أو تغمده برحمته وتفضل عليه بمغفرته .. فلا مجازاة، وأدلة الكتاب والسنة مصرحة بهذا تصريحا لا يبقى معه ريب لمرتاب. ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: عاملوا الحسنات وعاملوا السيئات ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بنقص ثواب حسنات المحسنين، ولا بزيادة عقوبات المسيئين، فالزيادة في الحسنات من باب الفضل، والمجازاة بالمثل في السيئات من باب العدل. أي: أن كلا الفريقين فاعلي الحسنات، وفاعلي السيئات لا يظلم يوم الجزاء، لا من الله - لأنه منزه عن الظلم عقلا ونقلا، فقد روى مسلم من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه إنه قال: «يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا» الحديث - ولا من غيره؛ إذ لا سلطان لأحد من خلقه، ولا كسب في ذلك اليوم يمكنه من الظلم، كما يفعل الأقوياء الأشرار في الدنيا بالضعفاء.
فصل في الأحاديث المناسبة للآية
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أحسن أحدكم إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وكل سيئة
стр. 3968
يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله تعالى» متفق عليه.
وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله ﵎: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة بعد أن لا يشرك بي شيئا .. لقيته بمثلها مغفرة». أخرجه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يقول الله ﵎: «وإذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي .. فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة، فلم يعملها .. فاكتبوها له حسنة، فإن عملها .. فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مئة». متفق عليه. هذا لفظ البخاري.
وفي لفظ مسلم عن محمد رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﵎: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة .. فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها ..
فأنا أكتبها له بعشر أمثالها، وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيئة .. فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها .. فأنا أكتبها له بمثلها»، فقال رسول الله ﷺ : «قالت الملائكة: رب ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: أرقبوه، فإن عملها .. فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها .. فاكتبوها له حسنة، فإنما تركها من جرّاي» (١) زاد الترمذي: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾.
وقرأ الحسن وابن جبير وعيسى بن عمر والأعمش ويعقوب والقزاز عن عبد الوارث (٢): ﴿عشرٌ﴾ - بالتنوين - ﴿أمثالُها﴾ بالرفع على أنه صفة لـ ﴿عشر﴾.
١٦١ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين لك من قومك ومن سائر البشر ﴿إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾؛ أي: إن ربي الذي رباني بالوحي هداني وأرشدني بما أوحاه إلي بفضله ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وطريق قويم لا عوج فيه ولا انحراف، ولا اشتباه
стр. 3969
يهدي سالكه إلى سعادة الدنيا والآخرة، وهو الذي يدعوكم إلى طلبه منه حين تناجونه، فتقولون: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، وعرفني ﴿دِينًا قِيَمًا﴾؛ أي: دينا صادقا ثابتا قويما مصلحا يستقيم به أمور الناس في معاشهم ومعادهم، وبه يصلحون.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (١): ﴿قيّما﴾ بوزن سيد - بفتح القاف وكسر الياء المشددة -: فيعل من قام؛ كسيد من ساد، وهو أبلغ من قائم. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ﴿قِيَمًا﴾ - بكسر القاف وتخفيف الياء - وهو مصدر كالصغر والكبر، والحول والشبع وصف به مبالغة؛ أي: دينا ذا قيم؛ أي: صدق، وكان أصله أن يأتي بالواو، فيقول: قوما كما قالوا: عوض وحول، ولكنه شذّ عن القياس.
الزموا ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ﴾؛ أي: دينه وشريعته وما أوحي به إليه من الحنيفية السمحة حالة كون إبراهيم ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلا من الأديان الباطلة إلى الدين المستقيم ﴿وَ﴾ حالة كون إبراهيم أيضا ﴿ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بالله يا معشر قريش؛ أي إنه منزه من الشرك وما عليه المبطلون وفيه تكذيب لأهل مكة القائلين: إنهم على ملة إبراهيم، وهم يعتقدون أن الملائكة بنات الله، ولليهود الذين يقولون: عزير ابن الله، وللنصارى القائلين: إن عيسى ابن الله، وهذا كقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾.
وهذا الدين هو دين الإخلاص لله وحده، وهو الدين الذي بعث به جميع رسله، وقرره في جميع كتبه، وجعله ملة إبراهيم؛ لأنه هو النبي الذي أجمع على الاعتراف بفضله وصحة دينه مشركوا العرب وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكانت قريش ومن لف لفها من العرب يسمون أنفسهم الحنفاء مدعين أنهم على ملة إبراهيم، وهكذا فعل أهل الكتاب حين ادعوا اتباعه واتباع موسى وعيسى
стр. 3970
عليهما السلام، كما قال: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾.
١٦٢ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿إِنَّ صَلاتِي﴾ المفروضة علي وعلى أمتي التي أعبد بها ربي، وكذا الصلاة المستحبة؛ لأن المراد بالصلاة ما يشمل المفروض منها والمستحب ﴿وَنُسُكِي﴾؛ أي: جميع أنواع عبادتي من صوم وحج وزكاة وغيرها من سائر العبادات، فعطفه على ما قبله على هذا التفسير من عطف العام على الخاص، أو حجي وعمرتي. وكثر استعماله في عبادة الحج، أو ذبيحتي التي أذبح بها في الحج، أو في غيره؛ أي: إن صلاتي ونسكي مخلصان لله لا شركة لغيره فيهما ﴿وَ﴾ إن ﴿مَحْيايَ﴾؛ أي: حياتي، أو ما أوتيته في حياتي من العمل الصالح والنعم ﴿وَمَماتِي﴾؛ أي: وفاتي، أو ما أموت عليه من الإيمان، وقيل: معناه أن طاعتي في حياتي لله، وجزائي بعد مماتي من الله؛ أي:
كلاهما منسوبان ﴿لِلَّهِ﴾ خلقا وإيجادا ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾؛ أي: معبود العالمين وخالقهم ومالكهم.
وحاصل هذا الكلام (١): أن الله أمر رسوله أن يبين للمشركين ويخبرهم أن صلاته ونسكه وسائر عبادته وحياته وموته كلها مخلصة لله، وواقعة بخلق الله وقضائه وقدره، فهو مخالف لهم في عبادة الأصنام وذبحهم لها ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيء من ذلك من الصلاة والنسك، والمحيا والممات في الخلق والتقدير.
وقرأ الحسن وأبو حيوة (٢): ﴿نسكي﴾ بإسكان السين، وقرأ الباقون بضمها، وقرأ نافع: ﴿محياي﴾: بسكون الياء، وقرأ الباقون بفتحها؛ لئلا يجتمع ساكنان. قال النحاس: لم يجزه؛ - أي: السكون - أحد من النحويين إلا يونس، وإنما أجازه؛ لأن المدة التي في الألف تقوم مقام الحركة. قال أبو حيان: وما روي عن نافع من سكون يا المتكلم في ﴿محياي﴾ هو جمع بين ساكنين أجري الوصل
стр. 3971
فيه مجرى الوقف، والأحسن في العربية الفتح. قال أبو علي: هي شاذة في القياس؛ لأنها جمعت بين ساكنين، وشاذة في الاستعمال.
وروى أبو خالد عن نافع ﴿ومحياي﴾ - بكسر الياء -، وقرأ ابن إسحاق وعيسى بن عمرو الجحدري: ﴿ومحيي﴾ - من غير ألف - على لغة هذيل؛ وهي لغة عليا مضر، ومنه قول الشاعر:
سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم ... فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع
وقرأ عيسى بن عمر: ﴿صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي﴾ - بفتح الياء -، وروي ذلك عن عاصم.
١٦٣ - ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيء من ذلك من الصلاة والنسك والمحيا والممات، ولا شريك له في الخلق والقضاء والقدر وسائر أفعاله لا يشاركه فيها أحد من خلقه ﴿وَ﴾ قل لهم يا محمد ﴿بِذلِكَ﴾ التوحيد أو الإخلاص ﴿أُمِرْتُ﴾؛ أي: أمرني ربي ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ من هذه الأمة؛ لأن إسلام كل نبي سابق على إسلام أمته؛ لأنهم منه يأخذون شريعته. قاله قتادة؛ أي: وأنا أول من أقر بالوحدانية، وأذعن وخضع لله ، وأخلص في التوحيد والعبادة لله من هذه الأمة، وقيل معناه: وأنا أول المستسلمين لقضائه وقدره تعالى. والمراد (١) من كون محياه ومماته لله تعالى أنه قد وجه وجهه، وحصر نيته وعزمه في حبس حياته لطاعته ومرضاته، وبذلها في سبيله، فيموت على ذلك كما يعيش، والآية جامعة لكل الأعمال الصالحة التي هي غرض المؤمن الموحد من حياته وذخيرته لمماته، ويكون فيها الإخلاص لله رب العالمين، فينبغي للمؤمن أن يوطن نفسه على أن تكون حياته لله ومماته لله، فيتحرى الخير والصلاح، والإصلاح في كل عمل من أعماله، ويطلب الكمال في ذلك لنفسه رجاء أن يموت ميتة ترضي ربه، ولا يحرص على الحياة لذاتها، فلا يرهب الموت فيمتنع من الجهاد في سبيل الله، كما أن عليه أن يقيم ميزان العدل، فيأخذ على أيدي أهل الجور،
стр. 3972
ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
وأفرد (١) الصلاة بالذكر مع دخولها في النسك؛ لأن روحها - وهو الدعاء، وتعظيم المعبود، وتوجيه القلب إليه والخوف منه - مما يقع فيه الشرك.
والخلاصة: أنه لا ينبغي أن تكون العبادة إلا لله رب العباد وخالقهم، فمن توجه إليه وإلى غيره من عباده المكرمين، أو إلى غيرهم مما يستعظم من خلقه .. كان مشركّا، فالله لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم.
ومعنى ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾؛ أي: لا شريك له في ألوهيته، فيستحق أن يشركه في العبادة ويتوجه إليه معه للتأثير في عبادته، وبذلك أمرني ربي، وأنا أول المسلمين المنقادين إلى امتثال ما أمره به، وترك ما نهى عنه. وفي هذا بيان إجمالي لتوحيد الألوهية بالعمل بعد بيان أصل التوحيد في العقيدة،
١٦٤ - ثم انتقل إلى برهانه الأعلى، وهو توحيد الربوبية بما أمره به، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين توبيخا لهم وإنكارا عليهم ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ الذي خلق الخلق ورباهم ﴿أَبْغِي﴾ وأطلب ﴿رَبًّا﴾ آخر أشركه في عبادتي له بدعائه والتوجه إلى لينفعني، أو يمنع الضر عني، أو ليقربني إليه زلفى؛ أي: هل أطلب ربا ومالكا وإلها غير الله أعبده وأتخذه إلها ومعبودا؟ ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: والحال أنه رب كل شيء مما عبد، ومما لم يعبد، ومالكه وخالقه، فكيف يليق بي أن أتخذ إلها غير الله؟ فهو الذي خلق الملائكة والمسيح، والشمس والقمر، والكواكب والأصنام، كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ وإذا كان هو الخالق والمدبر، فكيف أسفه نفسي، وأكفر بربي بجعل المخلوق المربوب مثلي ربا لي، وجميع المشركين يعترفون بأن معبوداتهم مخلوقة لله رب العالمين وخالق الخلق أجمعين.
والمعنى: أي (٢) لا أطلب إلها غيره ولا أتوكل إلا عليه، فهو رب كل شيء
стр. 3973
ومليكه وخالقه، فكيف يكون المملوك شريكا لمالكه ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أي: ولا تحمل نفس ذنبا ﴿إِلَّا﴾ كان ﴿عَلَيْها﴾ جزاؤه لا على غيرها ﴿وَلا تَزِرُ﴾؛ أي: ولا تعمل كل نفس ﴿وازِرَةٌ﴾؛ أي: آثمة؛ أي: ولا غير وازرة أيضا ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾؛ أي: ذنب نفس أخرى؛ أي: فلا تحمل آثمة ولا طائعة ذنب غيرها، وإنما (١) قيد في الآية بالوازرة موافقة لسبب النزول، وهو أن الوليد بن المغيرة كان يقول للمؤمنين: اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم، وهو وازر وآثم إثما كبيرا. وفي الآية رد لما كانت عليه الجاهلية من مؤاخذة القريب بذنب قريبه، والواحد من القبيلة بذنب الآخر، وقد قيل: إن المراد بهذه الآية في الآخرة والأولى حمل الآية على ظاهرها؛ أعني: العموم، وما ورد من المؤاخذة بذنب الغير كالدية التي تحملها العاقلة، ونحو ذلك .. فيكون في حكم المخصص بهذا العموم، ويقر في موضعه، ولا يعارض هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ فإن المراد بالأثقال التي مع أثقالهم هي أثقال الذين يضلونهم كما في الآية الأخرى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ذكره الشوكاني.
والخلاصة:
أن الدين أرشدنا أن نجري على ما أودعته الفطرة في النفوس من أن سعادة الناس وشقاءهم في الدنيا بأعمالهم، والعمل يؤثر في النفس التأثير الذي يزكيها إن كان صالحا، أو التأثير الذي يدسيها ويفسدها إن كان سيئا، والجزاء مبني على هذا التأثير، فلا ينتفع أحد، ولا يتضرر بعمل غيره.
ومن كان قدوة صالحة في عمل، أو معلما له .. فإنه ينتفع بعمل من أرشدهم بقوله أو فعله زيادة على انتفاعه بأصل ذلك القول أو الفعل، ومن كان قدوة سيئة في عمل، أو دالا عليه ومغريا به .. فإن عليه مثل إثم من فعله، وبيّن النبي ﷺ هذا بقوله: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان
стр. 3974
عليه وزرها، ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». رواه مسلم.
وهذه قاعدة من أصول كل دين بعث الله به رسله كما جاء في سورة النجم: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩)﴾. وهذه الوصية من أعظم دعائم الإصلاح في المجتمع البشري، وهادمة لأسس الوثنية، وهادية للناس جميعا إلى ما تتوقف عليه سعادتهم في الدنيا والآخرة، فإن العمل وحده هو وسيلة الفوز وطريق النجاة، لا كما يزعم الوثنيون من طلب رفع الضر وجلب النفع بقوة من وراء الغيب، وهي وساطة بعض المخلوقات الممتازة ببعض الخواص والمزايا بين الناس وربهم ليعطيهم ما يطلبون في الدنيا بلا كسب ولا سعي من طريق الأسباب التي جرت بها سنته في خلقه، وليحملوا عنهم أوزارهم حتى لا يعاقبوا بها، أو ليحملوا الخالق على رفعها عنهم، وترك عقابهم عليها، وعلى إعطائهم نعيم الآخرة، وإنقاذهم من عذابها.
ومما ينتفع به المرء من عمل غيره - لأنه في الحقيقة كأنه عمله، إذ كان سببا فيه - دعاء أولاده وحجهم وتصدقهم عنه وقضاؤهم لصومه، كما ورد في الحديث: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة. ذاك أن الله قد ألحق ذرية المؤمنين بهم بنص الكتاب، وصح في السنة أن ولد الرجل من كسبه.
﴿ثُمَّ﴾ بعد اختلافكم في الدنيا في الأديان والملل ﴿إِلى رَبِّكُمْ﴾ لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: رجوعكم يوم القيامة للمجازاة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: يخبركم ويعلمكم ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا من الأديان والملل، فيثيب المسلمين ويعذب الكافرين؛ أي: ثم إن رجوعكم في الحياة الآخرة إلى ربكم دون غيره مما عبدتم من دونه، فينبئكم بما كنتم تختلفون فيه من أمر أديانكم المختلفة، ويتولى جزاءكم عليه وحده بحسب علمه وإرادته القديمين،
стр. 3975
ويضل عنكم ما كنتم تزعمون من دونه، ونحو الآية قوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
١٦٥ - ﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾ يا أمة محمد ﴿خَلائِفَ﴾ في ﴿الْأَرْضِ﴾ عن الأمم الماضية والقرون السالفة يخلف بعضكم عن بعض. وقال الطبري: أي (١) استخلفكم بعد أن أهلك من كان قبلكم من القرون والأمم الخالية، فجعلكم خلائف منهم في الأرض تخلفونهم فيها أو (٢) إنكم خلفاء الله في أرضه تتصرفون فيها، على أن الخطاب عام للنوع الإنساني ﴿وَ﴾ هو الذي ﴿رَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾؛ أي: الحسن والغني والشريف والعالم والقوي مثلا ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾ آخر؛ أي: فوق القبيح والفقير والوضيع والجاهل والضعيف مثلا ﴿دَرَجاتٍ﴾؛ أي: في الجمال والمال، والشرف والعلم والقوة مثلا. وقال ابن كثير: أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق، والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، انتهى. وقال في «الخازن» والمعنى: خالف بين أحوال عباده، فجعل بعضهم فوق بعض في الخلق والرزق والشرف والعقل والقوة، وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات ليس لأجل العجز عن التسوية، أو الجهل، أو البخل، فإن الله منزه عن صفات النقص، وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان كما ذكره بقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ كان﴾؛ أي: ليختبركم ﴿فِي ما آتاكُمْ﴾؛ أي: فيما أعطاكم من نعمة المال والجاه والقوة، هل تشكرون عليها فلكم الثواب والزيادة، أو تكفرون فلكم العقاب والحرمان، ولينظر كيف يصنع الشريف بالوضيع، والغني بالفقير، والمالك بالمملوك، وليختبر الفقير والوضيع والمملوك هل يصبرون أم لا؟ ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ لمن عصاه وكفر بنعمته، ووصف العقاب بالسرعة؛ لأن ما هو آت قريب، أو سريع عند إرادته تعالى، والمعنى: سريع العقاب إذا جاء وقته فلا يرد، كيف قال: سَرِيعُ الْعِقابِ مع أنه حليم، والحليم هو الذي لا يعجل بالعقوبة على من عصاه وَإِنَّهُ ﴿لَغَفُورٌ﴾ لمن آمن به ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن قام بشكرها.
стр. 3976
والمعنى: أنه سبحانه (١) وتعالى سريع العقاب لمن كفر به، أو كفر بنبيه وخالف شرعه وتنكب عن سنته، وهذا العقاب السريع شامل لما يكون في الدنيا من الضرر في النفس أو العقل أو العرض أو المال، أو غير ذلك من الشؤون الاجتماعية، وهذا مطرد في الدنيا في ذنوب الأمم، وأكثريّ في ذنوب الأفراد، ومطرد في الآخرة بتدسية النفس وتدنيسها.
وهو (٢) على سرعة عقابه وشديد عذابه للمشركين غفور للتوابين، رحيم بالمؤمنين المحسنين؛ إذ سبقت رحمته غضبه، ووسعت كل شيء، ومن ثم جعل جزاء الحسنة عشر أمثالها، وقد يضاعفها بعد ذلك أضعافا كثيرة لمن يشاء، كما جعل جزاء السيئة سيئة مثلها وقد يغفرها لمن تاب منها، كما قال: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾.
ولما (٣) كان الابتلاء يظهر به المسيء والمحسن، والطائع والعاصي .. ذكر هذين الوصفين وختم بهما. ولما كان الغالب على فواصل الآي قبلها هو التهديد .. بدأ قوله: ﴿سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ يعني لمن كفر ما أعطاه الله تعالى، وسرعة عقابه إن كان في الدنيا فالسرعة ظاهرة، وإن كان في الآخرة فوصفه بالسرعة لتحققه؛ إذ كل ما هو آت قريب، ولما كانت جهة الرحمة أرجى .. أكد ذلك بدخول اللام في الخبر، ويكون الوصفان بنيا بناء مبالغة، ولم يأت في جهة العقاب بوصفه بذلك، فلم يقل: إن ربك معاقب وسريع العقاب من باب الصفة المشبهة.
فائدة: في خلاصة ما اشتملت عليه هذه السورة من العقائد والأحكام (٤):
أولا: العقائد وأدلتها بالأسلوب الجامع بين الإقناع والتأثير كبيان صفات الله بذكر أفعاله وسننه في الخلق، وآياته في الأنفس والآفاق، وتأثير العقائد في الأعمال مع إيراد الحقائق بطريق المناظرة والجدل، أو ورودها جوابا بعد سؤال،
стр. 3977
وفي أثناء ذلك يرد شبهات المشركين، ويهدم هياكل الشرك ويقوض أركانه.
ثانيا: الرسالة والوحي، وتفنيد شبهات المشركين على الرسول ﷺ ، وإلزامهم الحجة بآية الله الكبرى؛ وهي القرآن المشتمل على الأدلة العقلية، والبراهين العلمية، وقد كان كثير من الكفار مشركين وغير مشركين يكفرون بالرسل، ويستبعدون إنزال الوحي عليهم.
ثالثا: البعث والجزاء والوعد والوعيد، بذكر ما يقع يوم القيامة من العذاب للمجرمين، والبشارة للمتقين بالفوز والنعيم، مع ذكر عالم الغيب من الملائكة والجن والشياطين، والجنة والنار، وقد كانت العرب كغيرها من الأمم تؤمن بالملائكة وبوجود الجن، ويعتقدون بأنهم يظهرون لهم أحيانا بصورة الغيلان، ويسمعون أصواتهم وعزفهم، وأنهم يلقون الشعر في هواجس الشعراء.
رابعا: أصول الدين ووصاياه الجامعة في الفضائل والآداب
، والنهي عن الرذائل، وإذا نحن فصلنا القول فيها نرجعها إلى الأصول الآتية:
١ - أن دين الله واحد
، فتفريقه بالمذاهب والأهواء، وجعل أهله فرقا وشيعا خروج عن هدي الرسول الذي جاء به، وموجب لبراءته من فاعليه.
٢ - أن سعادة الناس وشقاوتهم منوطتان بأعمالهم
النفسية والبدنية، وإن الجزاء على الأعمال يكون بحسب تأثيرها في الأنفس، وإن الجزاء على السيئة بمثلها، وعلى الحسنة بعشر أمثالها فضلا من الله ونعمة، وجزاء السيئات على الإنسان وحده، وجزاء الحسنات له وحده، فلا يحمل أحد وزر غيره.
٣ - أن الناس عاملون بالاختيار والإرادة ولكنهم خاضعون للسنن
والأقدار، فلا جبر ولا اضطرار، ولا تعارض بين عملهم باختيارهم ومشيئة الخالق سبحانه؛ إذ المراد من خلقه الأشياء بقدر وتقدير: أنه تعالى خلقها على وجه جعل فيه المسببات على قدر الأسباب بناء على علم وحكمة، فهو لم يخلق شيئا جزافا بغير تقدير ولا نظام يجري عليه.
٤ - أن لله سننا في حياة الأمم وموتها، وسعادتها وشقائها
، وإهلاكها
стр. 3978
بمعاندة الرسل، والظلم والفساد في الأرض، وتربيتها بالنعم تارة، وبالنقم أخرى.
٥ - أن التحليل والتحريم وسائر الشعائر التعبدية من حق الله تعالى، فمن وضع حكما لا يستند إلى شرع الله .. فقد افترى إثما عظيما.
٦ - الأمر بالسير في الأرض
، وقد تكرر ذلك في الكتاب الكريم للنظر في أحوال الأمم، وعواقب الأقوام التي كذبت الرسل.
٧ - الترغيب في معرفة ما في الكون
، والإرشاد إلى معرفد سنن الله فيه، وآياته الكثيرة الدالة على علمه وقدرته.
٨ - أن التوبة الصحيحة مع ما يلزمها من العمل الصالح
موجبة لمغفرة الذنوب.
٩ - استيلاء الناس بعضهم ببعض؛ ليتنافسوا في العلوم والأعمال النافعة
، وإعلاء كلمة الحق والدين، ورفعة شأنه وإعزاز أهله.
الإعراب
﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف بمعنى الواو. ﴿آتَيْنا﴾: فعل وفاعل، وهو بمعنى أعطينا. ﴿مُوسَى﴾: مفعول أول. ﴿الْكِتابَ﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾، ﴿تَمامًا﴾: مفعول لأجله؛ أي: لأجل إتمام النعمة. ﴿عَلَى الَّذِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَمامًا﴾. ﴿أَحْسَنَ﴾: فعل، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول ﴿وَتَفْصِيلًا﴾: معطوف على ﴿تَمامًا﴾. ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَفْصِيلًا﴾. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾: معطوفان عليه أيضا؛ أي: لأجل الهداية والرحمة للذي أحسن وآمن به. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق
стр. 3979
بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾.
﴿وَهذا كِتابٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْزَلْناهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع صفة أولى لـ ﴿كِتابٌ﴾. ﴿مُبارَكٌ﴾: صفة ثانية. وفي «الفتوحات» (١): يجوز أن يكون ﴿كِتابٌ﴾ و ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ و ﴿مُبارَكٌ﴾ أخبارا عن اسم الإشارة عند من يجيز تعدد الخبر مطلقا، أو بالتأويل عند من لم يجوز ذلك، ويجوز أن يكون ﴿أَنْزَلْناهُ﴾ و ﴿مُبارَكٌ﴾ وصفين لـ ﴿كِتابٌ﴾ عند من يجيز تقديم الوصف غير الصريح على الوصف الصريح اه «سمين». ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿اتبعوه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ﴾. ﴿وَاتَّقُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اتبعوه﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تُرْحَمُونَ﴾ خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوق لتعليل ما قبلها.
﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦)﴾.
﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَقُولُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة مصدر مقدر معلل لفعل محذوف جوازا تقديره: وأنزلنا عليكم هذا القرآن كراهية قولكم يوم القيامة، والجملة المحذوفة المقدرة مستأنفة استئنافا بيانيا. ﴿إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر ونفي. ﴿أُنْزِلَ الْكِتابُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿تَقُولُوا﴾.
﴿عَلى طائِفَتَيْنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿مِنْ قَبْلِنا﴾: جار ومجرور
стр. 3980
ومضاف إليه صفة لـ ﴿طائِفَتَيْنِ﴾. ﴿وَإِنْ كُنَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة ولكنهما مهملة لا عمل لها. فلا يقدر لها اسم وهي هنا بمعنى قد التي للتحقيق وفي «السمين» ﴿وَإِنْ كُنَّا﴾: ﴿إنْ﴾: مخففة من الثقيلة عند البصريين، وهي هنا مهملة، ولذلك وليتها الجملة الفعلية، انتهى. وقال أبو حيان: إن المخففة إذا لزمت اللام في أحد جزأيها، ووليها الناسخ .. فهي مهملة انتهى. ﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقوله: ﴿لَغافِلِينَ﴾. ﴿لَغافِلِينَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿غافلين﴾: خبر كان، وجملة كان واسمها في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿تَقُولُوا﴾.
﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾.
﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿تَقُولُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَقُولُوا﴾ السابق منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿تَقُولُوا﴾ السابق على كونها في تأويل مصدر ومجرور بإضافة المصدر المقدر تقديره: أو كراهية قولكم يوم القيامة. ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ﴾ مقول محكي لـ ﴿تَقُولُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿أَنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغيّر الصيغة. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به. ﴿الْكِتابُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مرفوع على كونه فاعلا لفعل محذوف تقديره: لو ثبت إنزال الكتاب علينا، والجملة المحذوفة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَكُنَّا﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، ﴿كنا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿أَهْدى﴾: خبره. ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَهْدى﴾، وجملة كان الناقصة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول لـ ﴿تَقُولُوا﴾. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾ (١): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا
стр. 3981
صدقتم فيما تظنون من أنفسكم من كونكم أهدى من الطائفتين على تقدير نزول الكتاب .. فأقول لكم: قد حصل ما فرضتم وجاءكم بينة من ربكم، وإن شئت قلت: ﴿الفاء﴾: تعليلية لمحذوف تقديره: لا تعتذروا بذلك، فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بَيِّنَةٌ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾: معطوفان على ﴿بَيِّنَةٌ﴾.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾.
﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿من﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على كونها مقولا لجواب إذا المقدرة. ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾. ﴿كَذَّبَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿وَصَدَفَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿عَنْها﴾: متعلق بـ ﴿صَدَفَ﴾. ﴿سَنَجْزِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب مفعول أول مبني على الفتح على الأصح، وقيل: مبني على الياء، وقيل: منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم على لغة هذيل أو عقيل نحو قول الشاعر:
نحن اللّذون صبّحوا الصّباحا ... يوم النّخيل غارة ملحاحا
﴿يَصْدِفُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿عَنْ آياتِنا﴾: متعلق ﴿يَصْدِفُونَ﴾. ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿يَصْدِفُونَ﴾. بِما: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كانُوا﴾: فعل ماض ناقص واسمه، وجملة ﴿يَصْدِفُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿ما﴾
стр. 3982
المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء تقديره: بصدفهم، الجار والمجرور متعلق بقوله: ﴿سَنَجْزِي﴾، والمعنى: سنجزيهم بسبب صدفهم وإعراضهم عن آياتنا سوء العذاب.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾.
﴿هَلْ﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾: ناصب وفعل ومفعول وفاعل، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: هل ينظرون إلا إتيان الملائكة. ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾. وكذلك جملة قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ معطوفة عليها، والتقدير: ما ينتظرون إلا إتيان الملائكة إياهم، أو إتيان ربك، أو إتيان بعض آيات ربك.
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.
﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بقوله: ﴿لا يَنْفَعُ﴾ الآتي، وهو مضاف. ﴿يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾: فعل وفاعل في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، واسمها ضمير يعود على ﴿نَفْسًا﴾. ﴿آمَنَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿نَفْسًا﴾، وجملة ﴿آمَنَتْ﴾ في محل النصب خبر ﴿تَكُنْ﴾، وجملة ﴿تَكُنْ﴾ في محل النصب صفة ﴿نَفْسًا﴾ تقديره: نفسا عادمة إيمانها من قبل، ولا يضر الفصل بين الصفة والموصوف؛ لضرورة اتصال الفاعل بضمير المفعول؛ لامتناع عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنَتْ﴾. ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿نَفْسًا﴾. ﴿فِي إِيمانِها﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَسَبَتْ﴾. ﴿خَيْرًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿كَسَبَتْ﴾: من الفعل والفاعل في محل النصب معطوفة على جملة ﴿آمَنَتْ﴾ على كونها خبرا لـ ﴿تَكُنْ﴾ تقديره: لم تكن
стр. 3983
مؤمنة من قبل، أو كاسبة في إيمانها خيرا. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿انْتَظِرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول قُلِ. إِنَّا: ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد مبني بفتحة مقدرة على النون المدغمة في نون ﴿نا﴾ منع من ظهورها السكون العارض للإدغام. ﴿نا﴾: ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها. ﴿مُنْتَظِرُونَ﴾: خبرها مرفوع بالواو، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿فَرَّقُوا﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿لَسْتَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿ليس﴾ تقديره: كائنا منهم. ﴿فِي شَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بما تعلق به الجار والمجرور قبله، والمعنى: لست مستقرا منهم في شيء؛ أي: من تفريقهم، ويجوز أن يكون فِي شَيْءٍ هو الخبر، ومِنْهُمْ: حال مقدمة عليه، وذلك على حذف مضاف، والمعنى: لست كائنا في شيء كائن من تفرقهم، فلما قدمت الصفة نصبت حالا انتهى من «السمين»، وجملة ﴿ليس﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾: تقديره: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا عادم أنت كونك منهم في شيء، ولكنه خبر سببي، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر ونفي. ﴿أَمْرُهُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ تقديره: إنما أمرهم مفوض إلى الله والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل الرفع معطوفة بعاطف مقدر على جملة ﴿ليس﴾ على كونها خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ. ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾. بِما: ﴿الباء﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية أو موصولة. ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص
стр. 3984
واسمه، وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كانُوا﴾، وجملة كانُوا صلة ﴿ما﴾ المصدرية تقديره: بفعلهم، أو صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: بما كانوا يفعلونه، والجار والمجرور على كلا التقديرين متعلق بـ ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾، ويحتمل كون الباء زائدة، وما بعدها في محل المفعول الثاني لـ ﴿نبأ﴾.
﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾.
﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿جاءَ﴾: فعل ماض في محل الجزم على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾: متعلق به. ﴿فَلَهُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب وجوبا، ﴿له﴾: خبر مقدم. ﴿عَشْرُ أَمْثالِها﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونها جوابا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب. ﴿جاءَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾: متعلق به. ﴿فَلا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب جوازا مشاكلة للجملة السابقة، ﴿لا﴾: نافية. ﴿يُجْزى﴾: فعل مضارع مغيّر الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿مِثْلَها﴾: مفعول ثان لـ ﴿يُجْزى﴾ ومضاف إليه والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونها جوابا لها وإنما لم يجزم لفظه مشاكلة مع فعل الشرط وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. وَهُمْ: ﴿الواو﴾: واو الحال. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. لا: نافية ﴿يُظْلَمُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الضمير في ﴿يُجْزى﴾، وجمع الضمير هنا اعتبارا لمعنى ﴿مَنْ﴾.
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾.
стр. 3985
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّنِي﴾: ناصب واسمه ونون وقاية؛ لأنها تقي الحرف المبني على الفتح من الكسرة. ﴿هَدانِي رَبِّي﴾: فعل ومفعول وفاعل ونون وقاية. ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: جار ومجرور صفة متعلق بـ ﴿هَدانِي رَبِّي﴾ على كونه مفعولا ثانيا لها، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿دِينًا﴾: بدل من محل ﴿إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على كونه مفعولا ثانيا لـ ﴿هَدانِي رَبِّي﴾؛ لأن المعنى: هداني ربي صراطا مستقيما دينا قيما، وهدى يتعدى تارة بإلى كما هنا، وتارة بنفسه كما في قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وقيل: إنه منصوب على المصدرية المعنوية؛ أي: هداني هداية دين قيم، أو على إضمار عرفني دينا قيما، أو الزموا دينا قيما. ﴿قِيَمًا﴾ صفة لـ ﴿دِينًا﴾. ﴿مِلَّةَ﴾: عطف بيان لـ ﴿دِينًا﴾، أو بدل منه، أو على إضمار أعني. ﴿إِبْراهِيمَ﴾: مضاف إليه مجرور بالفتحة عوضا عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعجمة. ﴿حَنِيفًا﴾: حال من ﴿إِبْراهِيمَ﴾. وَما ﴿الواو﴾: عاطفة. ما: نافية. ﴿كانَ﴾: فعل ماض، واسمه ضمير يعود على ﴿إِبْراهِيمَ﴾. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كانَ﴾، والجمل في محل النصب معطوفة على ﴿حَنِيفًا﴾ على كونها حالا من ﴿إِبْراهِيمَ﴾ تقديره: وحالة كونه عادما كونه من المشركين.
﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، أو معطوفة بعاطف مقدر على جملة القول الأول. ﴿إِنَّ صَلاتِي﴾ إلى آخر الآيتين مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿صَلاتِي﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ ومضاف إليه. ﴿وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي﴾: معطوفات على ﴿صَلاتِي﴾: جريا على القاعدة المشهورة عند النحاة: إن المعطوفات إذا كثرت، وكان العاطف غير مرتب كالواو .. ويكون العطف على الأول، وإلا فكل على ما قبله. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿رَبِّ الْعالَمِينَ﴾: صفة للجلالة ومضاف إليه،
стр. 3986
وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿شَرِيكَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾ تقديره: لا شريك موجود له، وجملة ﴿لا﴾ في محل النصب حال من الجلالة تقديره: حالة كونه عادم الشريك له في ذلك. ﴿وَبِذلِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بقوله: ﴿أُمِرْتُ﴾. ﴿أُمِرْتُ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ صَلاتِي﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من التاء في ﴿أُمِرْتُ﴾.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿غَيْرَ اللَّهِ﴾: مفعول مقدم ومضاف إليه. ﴿أَبْغِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿رَبًّا﴾: منصوب على التمييز كما صرح به القرطبي، والكرخي، أو على الحال كما في «الجمل». ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: واو الحال. ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة والغيبة في محل الرفع مبتدأ. ﴿رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الجلالة تقديره: هل أطلب ربا غير الله حالة كونه رب كل شيء وخالقه، فهو كافيّ وحسبي. ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ.
﴿عَلَيْها﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَكْسِبُ﴾، ويحتمل كونه حالا من المفعول المحذوف تقديره: ولا تكسب كل نفس الذنب إلا حالة كون ذنبها مكتوبا عليها. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾: فعل وفاعل. ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾، أو مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ. ﴿إِلى رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية المذكورة قبلها. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿ينبئكم﴾: فعل ومفعول،
стр. 3987
وفاعله ضمير يعود على الرب ﷻ ، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ لأن العاطف هنا مرتب. ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ينبئكم﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. فِيهِ: متعلق بـ ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾. ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب خبر ﴿كان﴾ تقديره: بما كنتم مختلفين فيه، وجملة ﴿كان﴾ من اسمها وخبرها صلة لـ ﴿ما﴾، أو وصفة لها.
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾: فعل ومفعولان ومضاف إليه، والإضافة فيه على معنى في، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿جَعَلَكُمْ﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿رَفَعَ﴾. ﴿دَرَجاتٍ﴾: تمييز محول عن المفعول منصوب بـ ﴿رَفَعَ﴾؛ لأن الأصل: ورفع درجات بعضكم فوق بعض. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يبلوكم﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لبلائه إياكم؛ أي: لابتلائه إياكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿رَفَعَ﴾. فِي ﴿ما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يبلوكم﴾. ﴿آتاكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله، والمفعول الثاني محذوف تقديره: فيما آتاكم إياه، وهو العائد على ﴿ما﴾ الموصولة، أو الموصوفة، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه. ﴿سَرِيعُ الْعِقابِ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾ ومضاف إليه، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَإِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَغَفُورٌ﴾: ﴿اللام﴾: لام ابتداء، ﴿غفور﴾، خبر أول لـ ﴿إنّ﴾. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها، والجملة معطوفة على جملة ﴿إنّ﴾ الأولى على كونها مستأنفة، والله أعلم.
стр. 3988
التصريف ومفردات اللغة
تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ تماما اسم مصدر لأتم الرباعي، أو مصدر له على حذف الزوائد؛ أي: إتماما لنعمتنا على الذي أحسن العمل بما في ذلك الكتاب بالقيام به.
﴿وَصَدَفَ عَنْها﴾ صدف هنا لازم بمعنى أعرض عنها، ويحتمل كونه متعديا. ولذا قال أبو السعود: ﴿وَصَدَفَ﴾؛ أي: صرف الناس عنها. وفي «القاموس»: وصدف عنه يصدف - من باب ضرب - أعرض، وصدف فلانا صرفه كأصدفه اه. وفي «المختار»: صدف عنه أعرض - وبابه ضرب وجلس - وأصدفه عن كذا: أماله عنه اه.
﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ والأمثال جمع مثل، وهو مذكر، فكان قياسه عشرة بالتاء على القاعدة المشهورة عندهم: إن المعدود إذا كان مذكرا تؤنث الآحاد من أسماء العدد، وبالعكس؛ لأنها تجري على خلاف القياس مطلقا ركبت أم لا، إلا لفظ العشرة في حالة التركيب كما قال ابن مالك في «الخلاصة»:
ثلاثة بالتّاء قل للعشره ... في عدّ ما آحاده مذكّره
فالجواب: إن الكلام على حذف موصوف تقديره: عشر حسنات أمثالها، فالحسنات مؤنث، فناسب تذكير العدد.
وفي «السمين» إنما ذكر اسم العدد هنا مع أن المعدود مذكر لأوجه:
منها: أن الإضافة لها تأثير، فاكتسب المذكر من المؤنث التأنيث، فأعطي حكم المؤنث في سقوط التاء من عدده، ولذلك يؤنث فعله حالة إضافته لمؤنث نحو: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾.
ومنها: أن هذا المذكر عبارة عن مؤنث فروعي المراد منه دون اللفظ.
ومنها: أنه روعي الموصوف المحذوف، والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، ثم حذف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، وترك العدد على حاله، ومثله مررت بثلاثة نسابات، ألحقت التاء في عدد المؤنث مراعاة للموصوف
стр. 3989
المحذوف؛ إذ الأصل: بثلاثة رجال نسابات.
وقال أبو عليّ: اجتمع هنا أمران كل منهما يوجب التأنيث، فلما اجتمعا قوي التأنيث:
أحدهما: أن الأمثال في المعنى حسنات، فجاز التأنيث.
والآخر: أن المضاف إلى المؤنث قد يؤنث وإن كان مذكرا. اه.
﴿قِيَمًا﴾ - بكسر (١) القاف وفتح الياء - على قراءة ابن عامر وعاصم والأخوين كما مر على أنه مصدر نعت به، وكان قياسه قوما بالواو كعوض؛ لأنه من قام يقوم، فأعل لإعلال فعله. وقرىء: ﴿قيما﴾ - بتشديد الياء - على وزن فيّعل كسيد من ساد يسود، وهو أبلغ من المستقيم باعتبار الزنة، والمستقيم أبلغ منه باعتبار الصيغة.
﴿حَنِيفًا﴾ الأصل (٢) في الحنيف: المائل عن الضلالة إلى الاستقامة، والعرب تسمي كل من اختتن أو حج حنيفا تنبيها على أنه على دين إبراهيم. اه «خازن». وفي «القاموس»: الحنيف كأمير: الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه، وكل من حج، أو كان على دين إبراهيم ﵇. وتحنف إذا عمل عمل الحنيفية، أو اختتن، أو اعتزل عبادة الأوثان، واحتنف إليه: مال. اه. وفي «المختار»: الحنيف المسلم، وتحنف الرجل إذا عمل عمل الحنيفية، ويقال احتنف؛ أي: اعتزل الأصنام وتعبد اه.
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ أصل (٣) الوزر الحمل الثقيل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ وهو هنا الذنب كما في قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ﴾. قال الأخفش: يقال: وزر يوزر كوجل يوجل، ووزر يزر كوعد يعد وزرا، ويجوز فيه إزرا بقلب الواو همزة، يقال: وزره يزره؛ أي: حمله يحمله.
﴿خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ الخلائف جمع خليفة كصحيفة وصحائف، فهذا من قبيل قول ابن مالك:
стр. 3990
والمد زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد
والخليف: هو من يخلف من كان قبله في مكان أو عمل أو ملك. وفي «القرطبي»: والخلائف جميع خليفة ككرائم جمع كريمة، وكل من جاء بعد من مضى؛ فهو خليفة اه. وفي «المصباح»: والخليفة: أصله خليف بغير هاء؛ لأنه بمعنى الفاعل دخلته الهاء للمبالغة كعلامة ونسابة، ويكون وصفا للرجل خاصة، ويقال: خليفة آخر بالتذكير، ومنهم من يقول: خليفة أخرى بالتأنيث، ويجمع باعتبار أصله على خلفاء مثل شرفاء، وباعتبار اللفظ على خلائف اه.
﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ والابتلاء الاختبار والامتحان، يقال: بلا يبلو بلاء وبلوى من باب عدا، يقال: بلاه بلوى وبلاء جربه واختبره، وبلاه الله يبلوه بلاء - بالمد - إذا اختبره، وهو يكون بالخير والشر، اه «مختار».
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرار في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ وفي: ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ وفي: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ وفي: ﴿يَأْتِيَ﴾ وفي: ﴿جاءَ﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله تعالى: ﴿لَكُنَّا أَهْدى﴾ ﴿وَهُدىً﴾ وفي قوله: ﴿وَصَدَفَ﴾ ﴿ويَصْدِفُونَ﴾.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾.
ومنها: الطباق بين قوله: ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ وقوله: ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾، وبين: ﴿وَمَحْيايَ﴾ ﴿وَمَماتِي﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ استعار التفريق الذي هو حقيقة في الأجسام لاختلافهم في الآراء، ثم اشتق منه فرقوا بمعنى: اختلفوا على طريق الاستعارة التصريحية التبعية، وفي قوله: ﴿هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لأن الصراط حقيقة في الطريق الحسي استعارة للدين.
стр. 3991
ومنها: التعريض في قوله: ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لأنه عرض بشركهم.
ومنها: عطف العام على الخاص، في قوله: ﴿خَلَقَ﴾ إذا فسرنا النسك بالعبادة الشاملة للصلاة.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في عدة مواضع كقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾.
ومنها: التهديد والوعيد في قوله: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾، وفيه أيضا الجناس المغاير.
ومنها: ما هو المعروف باللف عند البيانيين في قوله: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ وأصل الكلام فيه يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد، ولا نفسا لم تكسب في إيمانها خيرا قبل ما تكسبه من الخير بعد، إلا أنه لفّ الكلامين، فجعلهما كلاما واحدا بلاغة وإعجازا واختصارا، أفاده صاحب «الانتصاف» حاشية «الكشاف».
ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ لأنه ليس هناك في الحقيقة أحمال على الظهور، وإنما هي أثقال الآثام والذنوب. ذكره الشريف الرضي.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا﴾ وحق العبارة يصدفون عنها لتسجيل شناعة وقباحة طغيانهم.
ومنها: زيادة التأكيد باللام، في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترجيحا لجانب الغفران على سرعة العقاب.
وعبارة «الفتوحات» هنا: باللام في الجملة الثانية فقط، وقال في الأعراف باللام المؤكدة في الجملتين؛ لأن ما هنا وقع بعد قوله: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ...﴾ الخ، وبعد قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾ فأتى باللام المؤكدة في الجملة الثانية فقط ترجيحا للغفران على سرعة العقاب، وما هناك وقع بعد قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ
стр. 3992
ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ وقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فأتى باللام في الجملة الأولى لمناسبة ما قبلها، وفي الثانية تبعا للام في الأولى، اه «كرخي».
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
стр. 3993
سورة الأعراف
وهي مكية كلها إلا خمس آيات، أو ثماني آيات؛ فهي مدنية. وروي (١) عن ابن عباس ﵄ أنها مكية إلا خمس آيات أولها: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ وبه قال قتادة. وقال مقاتل: ثمان آيات في سورة الأعراف مدنية أولها: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ إلى قول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾.
وعدد آياتها مئتان وست آيات أو خمس، وعدد كلماتها ثلاثة آلاف وثلاث مئة وخمس وعشرون كلمة، وعدد حروفها أربعة عشر ألف حرف وعشرة أحرف؛ وهي أطول السور المكية، وسميت هذه السورة بالأعراف؛ لذكر لفظ الأعراف فيها من باب تسمية الشيء بجزئه.
وقد روي (٢): أنها نزلت قبل سورة الأنعام، وأنها نزلت مثلها دفعة واحدة، لكن سورة الأنعام أجمع لما اشتركت فيه السورتان؛ وهو أصول العقائد وكليات الدين التي قدمنا القول فيها.
المناسبة: ومناسبة ذكرها بعد سورة الأنعام؛ لأن هذه (٣) كالشرح والبيان لما أوجز في سورة الأنعام، ولا سيما عموم بعثة النبي ﷺ ، وقصص الرسل قبله، وأحوال أقوامهم، وقد اشتملت سورة الأنعام على بيان الخلق كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ وعلى بيان القرون كما قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ وعلى ذكر المرسلين وتعداد الكثير منهم، وجاءت هذه مفصلة لذلك، فبسطت فيها قصة آدم، وفصلت قصص المرسلين وأممهم، وكيفية هلاكهم أكمل تفصيل.
стр. 3994
الناسخ والمنسوخ: وقال أبو عبد الله محمد بن حزم في كتابه «الناسخ والمنسوخ»: سورة الأعراف كلها محكمة إلا آيتين:
أولاهما: قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ الآية (١٨٠). نسخت بآية السيف.
ثانيتهما: قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)﴾ الآية (١٩٩). وهذه الآية من عجيب المنسوخ؛ لأن أولها منسوخ، وآخرها منسوخ، وأوسطها محكم قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: الفضل من أموالهم (١) والأمر بالمعروف محكم، وتفسيره معروف، وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾: منسوخ بآية السيف انتهى.
والله أعلم
* * *
стр. 3995
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾.
المناسبة
مناسبة أول هذه السورة لآخر السورة السابقة: أن الله لما ذكر (١) في السورة السابقة ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ واستطرد منه لما بعده إلى قوله في آخر السورة: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ وذكر ابتلاءهم فيما آتاهم، وذلك لا يكون إلا بالتكاليف الشرعية .. ذكر ما يكون به التكاليف وهو الكتاب الإلهي بقوله: ﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وذكر الأمر باتباعه بقوله: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ كما أمر به في قوله: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ وهذا وجه المناسبة بين آخر الأولى وأول الثانية. وأما وجه المناسبة بين جملة