ومنها: التعريض في قوله: ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لأنه عرض بشركهم.
ومنها: عطف العام على الخاص، في قوله: ﴿خَلَقَ﴾ إذا فسرنا النسك بالعبادة الشاملة للصلاة.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في عدة مواضع كقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾.
ومنها: التهديد والوعيد في قوله: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾، وفيه أيضا الجناس المغاير.
ومنها: ما هو المعروف باللف عند البيانيين في قوله: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ وأصل الكلام فيه يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد، ولا نفسا لم تكسب في إيمانها خيرا قبل ما تكسبه من الخير بعد، إلا أنه لفّ الكلامين، فجعلهما كلاما واحدا بلاغة وإعجازا واختصارا، أفاده صاحب «الانتصاف» حاشية «الكشاف».
ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ لأنه ليس هناك في الحقيقة أحمال على الظهور، وإنما هي أثقال الآثام والذنوب. ذكره الشريف الرضي.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا﴾ وحق العبارة يصدفون عنها لتسجيل شناعة وقباحة طغيانهم.
ومنها: زيادة التأكيد باللام، في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترجيحا لجانب الغفران على سرعة العقاب.
وعبارة «الفتوحات» هنا: باللام في الجملة الثانية فقط، وقال في الأعراف باللام المؤكدة في الجملتين؛ لأن ما هنا وقع بعد قوله: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ ...﴾ الخ، وبعد قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾ فأتى باللام المؤكدة في الجملة الثانية فقط ترجيحا للغفران على سرعة العقاب، وما هناك وقع بعد قوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ
стр. 3992
ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ وقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فأتى باللام في الجملة الأولى لمناسبة ما قبلها، وفي الثانية تبعا للام في الأولى، اه «كرخي».
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع (١).
والله أعلم
* * *
стр. 3993
سورة الأعراف
وهي مكية كلها إلا خمس آيات، أو ثماني آيات؛ فهي مدنية. وروي (١) عن ابن عباس ﵄ أنها مكية إلا خمس آيات أولها: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ وبه قال قتادة. وقال مقاتل: ثمان آيات في سورة الأعراف مدنية أولها: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ إلى قول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾.
وعدد آياتها مئتان وست آيات أو خمس، وعدد كلماتها ثلاثة آلاف وثلاث مئة وخمس وعشرون كلمة، وعدد حروفها أربعة عشر ألف حرف وعشرة أحرف؛ وهي أطول السور المكية، وسميت هذه السورة بالأعراف؛ لذكر لفظ الأعراف فيها من باب تسمية الشيء بجزئه.
وقد روي (٢): أنها نزلت قبل سورة الأنعام، وأنها نزلت مثلها دفعة واحدة، لكن سورة الأنعام أجمع لما اشتركت فيه السورتان؛ وهو أصول العقائد وكليات الدين التي قدمنا القول فيها.
المناسبة: ومناسبة ذكرها بعد سورة الأنعام؛ لأن هذه (٣) كالشرح والبيان لما أوجز في سورة الأنعام، ولا سيما عموم بعثة النبي ﷺ ، وقصص الرسل قبله، وأحوال أقوامهم، وقد اشتملت سورة الأنعام على بيان الخلق كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ وعلى بيان القرون كما قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ وعلى ذكر المرسلين وتعداد الكثير منهم، وجاءت هذه مفصلة لذلك، فبسطت فيها قصة آدم، وفصلت قصص المرسلين وأممهم، وكيفية هلاكهم أكمل تفصيل.
стр. 3994
الناسخ والمنسوخ: وقال أبو عبد الله محمد بن حزم في كتابه «الناسخ والمنسوخ»: سورة الأعراف كلها محكمة إلا آيتين:
أولاهما: قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ الآية (١٨٠). نسخت بآية السيف.
ثانيتهما: قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)﴾ الآية (١٩٩). وهذه الآية من عجيب المنسوخ؛ لأن أولها منسوخ، وآخرها منسوخ، وأوسطها محكم قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: الفضل من أموالهم (١) والأمر بالمعروف محكم، وتفسيره معروف، وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾: منسوخ بآية السيف انتهى.
والله أعلم
* * *
стр. 3995
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾.
المناسبة
مناسبة أول هذه السورة لآخر السورة السابقة: أن الله لما ذكر (١) في السورة السابقة ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ واستطرد منه لما بعده إلى قوله في آخر السورة: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ وذكر ابتلاءهم فيما آتاهم، وذلك لا يكون إلا بالتكاليف الشرعية .. ذكر ما يكون به التكاليف وهو الكتاب الإلهي بقوله: ﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وذكر الأمر باتباعه بقوله: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ كما أمر به في قوله: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ وهذا وجه المناسبة بين آخر الأولى وأول الثانية. وأما وجه المناسبة بين جملة
стр. 3996
السورتين؛ فقد تقدم بيانه آنفا.
قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر أن هذا الكتاب أنزل إلى الرسول .. أمر الأمة باتباعه، وما أنزل إليكم يشمل القرآن والسنة لقوله: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤)﴾ ونهاهم عن ابتغاء أولياء من دون الله كالأصنام والرهبان، والكهان والأحبار، والنار والكواكب وغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين (١) فيما سلف أنه أنزل الكتاب إلى الرسول ﷺ ؛ لينذر به الناس ويكون موعظة وذكرى لأهل الايمان، وأنه طلب إليه أن يأمر الناس باتباع ما أنزل إليهم من ربهم، وأن لا يتبعوا من دونه أحدا يتولونه في أمر التشريع .. أردف هذا التخويف من عاقبة المخالفة لذلك، ولما يتبعه من أصول الدين وفروعه، والتذكير بما حلّ بالأمم قبلهم بسبب إعراضهم عن الدين، وإصرارهم على أباطيل أوليائهم.
قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أمر (٢) الرسل في الآية السالفة بالتبليغ، وأمر الأمم بالقبول والمتابعة، وذكرهم بعذاب الأمم التي عاندت الرسل في الدنيا .. قفى على ذلك بذكر العذاب الآجل يوم القيامة، وأنه في ذلك اليوم يسأل كل إنسان عن عمله.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين (٣) فيما سلف أن واضع الدين هو الله ، فيجب اتباعه دون ما يأمر به غيره من الأولياء والشفعاء، وقفى على ذلك بذكر عذاب الدنيا بقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾ وذكر عذاب الآخرة بقوله: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ وبقوله:
стр. 3997
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ..﴾ أردف ذلك بذكر نعمه على عباده بتمكينهم في الأرض، وخلق أنواع المعايش فيها مع بيان أن كثرة النعم توجب عليهم الطاعة له.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) عباده في الآية السابقة بنعمه عليهم بالتمكين لهم في الأرض، وخلق أنواع المعايش لهم فيها .. قفى على ذلك ببيان أنه خلق النوع الإنساني مستعدا للكمال، وأنه قد تعرض له وسوسة من الشيطان تحول بينه وبين هذا الكمال الذي يبتغيه.
قال أبو حيان: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما قدم (٢) ما يدل على تقسيم المكلفين إلى طائع وعاص، فالطائع ممتثل ما أمر الله به مجتنب ما نهى عنه، والعاصي بضده .. أخذ ينبه على أن هذا التقسيم كان في البدء الأول من أمر الله للملائكة بالسجود، فامتثل من امتثل، وامتنع من امتنع، وأنه تعالى أمر آدم ونهى، فحكى عنه ما يأتي خبره، فنبه أولا على موضع الاعتبار، وإبراز الشيء من العدم الصّرف إلى الوجود والتصوير في هذه الصورة الغريبة الشكل المتمكنة من بدائع الصانع.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿المص﴾ (١) هذه حروف تكتب بصورة كلمة ذوات الأربعة الأحرف، لكنّا نقرؤها بأسماء هذه الأحرف، فنقول: ألف لام ميم صاد، وحكمة افتتاح هذه السورة وأمثالها بأسماء الحروف التي ليس لها معنى مفهوم غير مسماها الذي تدل عليه .. تنبيه السامع إلى ما سيلقى إليه بعد هذا الصوت من الكلام حتى لا يفوته منه شيء، فكأنه أداة استفتاح بمنزلة (ألا) و (ها) التنبيه.
وبالاستقراء نرى أن السور التي بدئت بها وبذكر الكتاب هي التي نزلت
стр. 3998
بمكة لدعوة المشركين إلى الإسلام وإثبات النبوة والوحي، وما نزل منها بالمدينة كالزهراوين البقرة وآل عمران؛ فالدعوة فيها موجهة إلى أهل الكتاب، وهكذا الحال في بعض السور كمريم والعنكبوت والروم وص ون، فإن ما فيها يتعلق بإثبات النبوة والكتاب كالفتنة في الدين بإيذاء الضعفاء؛ لإرجاعهم عن دينهم بالقوة القاهرة، والإنباء بقصص فارس والروم، ونصر الله للمؤمنين على المشركين، وكان هذا من أظهر المعجزات الدالة على نبوة محمد ﷺ ، ويرى بعض العلماء أنها أسماء للسور والأسماء المرتجلة لا تعلل، كما يرى آخرون أن الحكمة في ذكرها بيان إعجاز القرآن بالإشارة إلى أنه مركب من هذه الأحرف المفردة التي يتألف منها الكلام العربي، ومع ذلك لا يستطيعون أن يأتوا بمثله ليؤديهم النظر إلى أنه ليس من كلام البشر، بل من كلام خالق القوى والقدر.
وروي (١) عن ابن عباس ﵄ أنه قال معناه: أنا الله أفصّل، وعنه: أنا الله أعلم وأفصّل، وعنه: أن ﴿المص (١)﴾ قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: ﴿المص (١)﴾ اسم من أسماء القرآن. وقال الحسن: هو اسم للسورة. وقال السدي: هو بعض اسمه تعالى المصور. وقال أبو العالية: الألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، والصاد مفتاح اسمه صادق وصبور. وقيل: هي حروف مقطعة استأثر الله بعلمها، وهي سره في كتابه العزيز؛ وهذا القول هو الأصح الأسلم. وقيل: هي حروف اسمه الأعظم. وقيل هي حروف تحتوي معاني دل الله بها خلقه على مراده، وقد بسط الكلام على معاني الحروف المقطعة أوائل السور في أول سورة البقرة. قال أبو حيان (٢): وهذه الأقوال في الحروف المقطعة، لولا أن المفسرين شحنوا بها كتبهم خلفا عن سلف .. ضربنا عن ذكرها صفحا، فإن ذكرها يدل على ما لا ينبغي ذكره من تأويلات الباطنية، وأصحاب الألغاز والرموز.
стр. 3999
٢ - ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: هذا القرآن كتاب أنزل إليك من عند ربك يا محمد، ووصفه بالإنزال من عنده تعالى دال على عظم قدره وقدر من أنزل إليه؛ أي: هذا القدر الذي (١) كان قد نزل منه وقت نزول هذه الآية كتاب أنزل؛ أي: أنزل الله تعالى إليك يا محمد ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ﴾ وقلبك ﴿حَرَجٌ﴾ وضيق ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من تبليغه خوفا من تكذيب قومك؛ أي: لا يضيق (٢) صدرك من الإنذار به وإبلاغه من أمرت بإبلاغه إليهم، واصبر لأمري فيما حملتك من عبء النبوة كما صبر أولو العزم من الرسل، فإن الله معك.
وقد كلف ﷺ هداية الثقلين، وكان من المتوقع أن يلقى أشد الإيذاء والمقاومة والطعن والإعراض، وتلك أمور توجب ضيق الصدر كما قال في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧)﴾ وقال في سورة النحل: ﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ وقال في سورة هود: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾.
ويراد بالنهي عن مثل هذا الأمر الطبيعي الاجتهاد في مقاومته، والتسلي عنه بوعد الله، والتأسي بمن سبقه من الرسل أولي العزم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾؛ أي: أنزل إليك ذلك الكتاب لتنذر وتخوف به الكافرين من عذاب الله تعالى ﴿وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ولتذكر وتعظ به المؤمنين به. وقال «الخازن»: وهذا من المؤخر الذي معناه التقدير، تقديره: كتاب أنزلناه إليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، فلا يكن في صدرك حرج منه، والمراد بالمؤمنين هنا من كتب الله لهم الإيمان، سواء أكانوا مؤمنين حين نزول هذه السورة أم لا.
стр. 4000
والخلاصة (١): أنه أنزل إليك الكتاب لتنذر به قومك وسائر الناس، وتذكر به أهل الإيمان ذكرى نافعة مؤثرة.
٣ - قل يا محمد لهؤلاء المشركين، أو للناس كافة: ﴿اتَّبِعُوا﴾ أيها الناس ﴿ما أُنْزِلَ﴾؛ أي: الوحي الذي أنزل ﴿إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الذي فيه الهدى والنور والبيان بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ وهو القرآن وسنة رسوله ﷺ ؛ أي: قل لهم أيها الرسول: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وخالقكم ومدبر أموركم، فهو وحده الذي له الحق في شرع الدين لكم، وفرض العبادات عليكم، وتحليل ما ينفعكم، وتحريم ما يضركم؛ إذ هو العليم بما فيه الفائدة أو الضر لكم ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾؛ أي: ولا تتخذوا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى؛ أي: غيره ﴿أَوْلِياءَ﴾ تولونهم أموركم وتطيعونهم فيما يشرعونه لكم من الشياطين والكهان، والرهبان والأحبار، وقال «الخازن»: ولا تتخذوا (٢) الذين يدعونكم إلى الكفر والشرك أولياء، فتتبعوهم، والمعنى: ولا تتولوا من دونه شياطين الإنس والجن، فيأمروكم بعبادة الأصنام، واتباع البدع والأهواء الفاسدة، انتهى. وفي «البيضاوي»: وقيل: الضمير في ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ لما أنزل؛ أي: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ من دون دين الله دين أولياء انتهى.
والمعنى: أي ولا تتخذوا من أنفسكم، ولا من الشياطين الذين يوسوسون لكم أولياء تولونهم أموركم، وتطيعونهم فيما يرومون منكم من ضلال التقاليد، والابتداع في الدين، فيضعوا لكم أحكام الحرام والحلال زاعمين أنهم منكم، فيجب عليكم تقليدهم، ولا أولياء ينجونكم من الجزاء على ذنوبكم، وتقصدونهم في جلب النفع لكم، أو رفع الضر عنكم زاعمين أنهم يقربونكم إلى الله زلفى، أو يشفعون لكم عنده في الآخرة.
والخلاصة: أن الله وحده هو الذي يتولى أمر العباد بالتدبير والخلق والتشريع، وله وحده الخلق والأمر، وبيده النفع والضر. وقرأ الجحدري: ﴿ابتغوا ما أنزل إليكم﴾ من الابتغاء. وقرأ مجاهد ومالك بن دينار: ﴿ولا
стр. 4001
تبتغوا﴾ من الابتغاء أيضا.
﴿قَلِيلًا ما﴾؛ أي: تذكرا قليلا؛ أي: قلة أو زمانا قليلا؛ أي: قلة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: تتعظون أيها المشركون حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره. والمعنى (١): أنتم ما تتعظون بقليل ولا كثير، والمراد: نفي التذكر من أصله، لا إثبات القليل منه. وفي هذا إيماء إلى النهي عن طاعة الخلق في أمر الدين غير ما أنزل الله من وحيه، كما فعل أهل الكتاب في طاعة أحبارهم ورهبانهم فيما أحلوا لهم، وزادوا على الوحي من العبادات، وما حرموا عليهم من المباحات كما جاء في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فكل من أطاع أحدا في حكم شرعي لم ينزله الله .. فقد اتخذه ربا.
واتباع الرسول ﷺ فيما صح عنه من بيان الدين داخل في عموم ما أنزل إلينا على رسوله؛ لأنه تعالى أمرنا باتباعه وطاعته، وأخبرنا أنه مبين لما نزل إليه كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وقد صح الحديث أنه ﷺ قال: «إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر» رواه مسلم (٢٣٦٢) عن رافع بن خديج في مسألة تأبير النخل - تلقيح النخلة بطلع الذكر -.
وقرأ حفص وحمزة والكسائي (٢): ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ - بتاء واحدة وتخفيف الذال -. وقرأ ابن عامر ﴿يتذكرون﴾ - بالياء والتاء وتخفيف الذال -. وقرأ باقي السبعة: ﴿تذّكّرون﴾ بتاء الخطاب وتشديد الذال. وقرأ أبو الدرداء وابن عباس وابن عامر في رواية بتائين. وقرأ مجاهد بياء وتشديد الذال.
٤ - ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾؛ أي: وكثير من أهل قرية وبلدة ﴿أَهْلَكْناها﴾؛ أي: أردنا إهلاك أهلها لما كذبوا رسلنا ﴿فَجاءَها﴾؛ أي: فجاء أهلها ﴿بَأْسُنا﴾؛ أي: عذابنا ﴿بَياتًا﴾؛ أي: حالة كونهم بائتين واقعين في الليل كقوم لوط ﴿أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾؛ أي: أو حالة كونهم قائلين؛ أي: مستريحين أو نائمين وقت الظهيرة كقوم
стр. 4002
شعيب، مأخوذ من القيلولة؛ وهي استراحة وسط النهار، وإن لم يكن معها نوم. قال أبو حيان (١): وخص مجيء البأس بهذين الوقتين؛ لأنهما وقتان للسكون والدعة والاستراحة، فمجيء العذاب فيهما أشق وأفظع؛ لأنه على حين غفلة من المهلكين من غير تقدم أمارة تدلهم على وقت نزول العذاب بهم، وفيه وعيد وتخويف للكفار، فكأنه قيل لهم: لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة والفراغ، فإن عذاب الله إذا نزل دفعة واحدة، فلا تغتروا بأحوالكم فلا يجمل بالعاقل أن يأمن غدر الليالي، ولا خدع الأيام، ولا يغتر بالرخاء فيعده علامة على أنه مستحق له، فهو مظنة الدوام.
وفي ذلك (٢): تعريض بغرور كفار قريش بقوتهم وثروتهم وعزهم وعصبيتهم، وأن ذلك من دلائل رضا الله عنهم كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾. ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾؛ أي: دعاءهم وتضرعهم واستغاثتهم، أو ما كان قولهم: ﴿إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا﴾؛ أي: حين جاءهم عذابنا، ورأوا أمارته في الدنيا إلا أن قالوا: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي: مشركين؛ أي: ما كان قولهم وقتئذ إلا اعترافهم بظلمهم تحصرا وندامة، وهيهات أن ينفع الندم.
٥ - أي: فما كان دعاءهم ربهم واستغاثتهم به حين جاءهم العذاب إلا أن اعترفوا بظلمهم فيما كانوا عليه، وشهدوا ببطلانه تحسرا وندامة، وطمعا في الخلاص، ولكن أنى ينفع الندم، وقد أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة. وفي الآية من العبرة أن كل مذنب يقع عليه عقاب ذنب فعله في الدنيا .. يعترف بجرمه، ويندم على ما فرط منه إذا هو علم أنه سبب العقاب، وقلما يشعر المرء بعقاب في الدنيا على الذنوب؛ لأنه يأتي على التراخي غالبا، فالأمراض التي تتولد من شرب الخمر كأمراض القلب والكبد والجهاز التناسلي، وضعف النسل واستعداده للأمراض إلى نحو ذلك من الأمراض الجسدية والعقلية تحصل ببطء،
стр. 4003
وقلما يعرفها غير الأطباء، ومن ثم لا يشعر بها السكارى، وإنما يشعرون بما يعقب الشرب من صداع وغشيان يسهل عليهم احتماله، وترجيح لذة النشوة عليه إلى أنه لو علمها بعد، فقلما يفيد علمه بها شيئا بعد بلوغ تأثيرها هذه الدرجة في السكر حتى تحمله على التوبة إذ داء الخمّار يزمن، وحب السكر يضعف الإرادة. وعقاب الأفراد على الذنوب في الدنيا لا يطرد في الأمم، فعقابها في الدنيا على ما تجترح حتم لا شبهة فيه، ولكن له آجال ومواقيت أطول مما يكون في الأفراد، ويختلف باختلاف أحوال الأمة في القوة والضعف، فأمة نشأ فيها الظلم والطغيان، وعدمت الثقة بين أفرادها، واختلّ نظام الأمن فيها، وكثر فيها الفسق والفجور .. تسوء حالها، وتنحل قواها، وتتفكك روابط الألفة والمودة بين أفرادها، وتضعف منعتها، فتحسب أهلها جميعا وقلوبهم شتى، ولا يزال أمرها يأخذ في التدهور - السقوط في مهواة التسفل - والفساد حتى يستولى عليها العدو القاهر، ويمتص ثروتها، ويجعل أهلها أذلة مستضعفين، وقلما تشعر أمة بعاقبة ذنوبها قبل وقوع العقوبة كما لا يجديها نفعا أن يقول حكماؤها: يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ.
وربما عمّها الجهل، وران على قلوبها الفساد، فلا تشعر بأن ما حل بها إنما كان جزاء وفاقا، ونكالا من الله على ما قدمت من عمل، واقترفت من إثم، فترضى باستذلال الغاصب واستعباده واستئماره، كما رضيت من قبل بما اجترحت من الآثام والذنوب، كما هو مشاهد في بعض شعوب إفريقيا، وإذا أرادت لها علاجا، وتمنت لها دواء من دائها الدوي، وتلفتت يمنة ويسرة سرا وعلانية .. لم تجده إلا ما وصفه الكتاب الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ولن يكون ذلك إلا بالإقلاع عما ترتكب من الجرائم، والتوبة الصادقة، والعمل الطيب الذي تصلح به القلوب، وتستقيم الأمور، وهاكم ما قاله العباس عم النبي ﷺ حين توسل به عمر والصحابة بتقديمه لصلاة الاستسقاء لما انقطع الغيث، وعم الجدب: اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة.
وفي هذا عبرة أيما عبرة للشعوب الإسلامية التي ثلّت عروشها، وخوت صروح عظمتها، وقد كانت أجدر بهدى القرآن، ولكن أنى لها بذلك، وقد هجره
стр. 4004
الخاصة، وتبعهم العامة؛ إذ جهلوا أحكامه وحكمه حتى لقد بلغ الأمر بنابتتها، ألا ترى سببا لركود ريحها إلا اتباع القرآن، والعمل بهذا الدين: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
٦ - ﴿فـ﴾ وعزتي وجلالي ﴿لَنَسْئَلَنَّ﴾ الأمم ﴿الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: الأمم التي أرسلت إليهم الرسل جميعا في موقف الحساب يوم القيامة توبيخا وتقريعا لهم هل بلغت الرسل إليكم أوامري، وماذا أجبتم، وماذا عملتم من إيمان وكفر؟ ولا (١) معارضة بين هذه الآية التي تثبت السؤال العام، وبين قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩)﴾ وقوله: ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لأن ليوم القيامة مواقف متعددة، والسؤال والجواب والاعتذار يكون في بعضها دون بعض.
﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: الرسل عن إبلاغ تكاليفي إلى الأمم تأنيسا واستشهادا لهم. قال ابن عباس: معناه نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين عما بلغوه، والمراد بالسؤال حينئذ تقريع الكفار وتوبيخهم كما مر.
٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على المرسلين والأمم حين سكتوا بما عملوا في الدنيا ﴿بِعِلْمٍ﴾؛ أي: فلنخبرنهم حين سكتوا عن الجواب بما فعلوا في الدنيا إخبارا ناشئا عن علم ويقين.
أي: فلنقصن على الرسل، وعلى أقوامهم الذين أرسلوا إليهم كل ما وقع من الفريقين قصصا بعلم منا محيط بكل ما كان منهم، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، وقد روي عن ابن عباس أنه يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما يعملون.
﴿وَما كُنَّا غائِبِينَ﴾ عن إبلاغ الرسل، وعما أجابت به أممهم حتى يخفى علينا شيء من أحوالهم؛ أي: وما كنا غائبين عنهم في وقت من الأوقات، ولا حال من الأحوال، بل كنا معهم نسمع ما يقولون، ونبصر ما يعملون، ونحيط
стр. 4005
علما بما يسرون وما يعلنون كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. وقال ابن كثير: يخبر (١) تعالى عباده يوم القيامة بما قالوا، وبما عملوا من قليل وكثير، وجليل وحقير؛ لأنه تعالى الشهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، انتهى. وقال أبو حيان: والمعنى: نسرد عليهم أعمالهم قصة قصة بعلم منا لذلك، واطلاع عليه، وما كنا غائبين عن شيء منه، بل علمنا محيط بجميع أعمالهم ظاهرها وباطنها، وهذا من أعظم التوبيخ والتقريع، حيث يقرون بالظلم، وتشهد عليهم أنبياؤهم، ويقص عليهم أعمالهم انتهى. وفي هذا إيماء إلى أن السؤال لم يكن للاستعلام والاستبانة لشيء مجهول عنه تعالى، بل للإعلام والإخبار بما حدث منهم توبيخا لهم، وتأنيبا على إهمالهم. وهذا القصص (٢) هو الذي يكون به الحساب، ويتلوه الجزاء، وقد دل عليه الكتاب الكريم في مواضع عدة، ودلت عليه السنة، فمن ذلك ما رواه ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع يسأل عن الناس، والرجل راع يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده».
وما رواه المقدام قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يكون رجل على قوم إلا جاء يقدمهم يوم القيامة بين يديه راية يحملها، ويتبعونه فيسأل عنهم ويسألون عنه».
وما رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي مرفوعا «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه».
وروى الحاكم وابن ماجه حديث شداد بن أوس مرفوعا «الكيس من دان - حاسب - نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني».
стр. 4006
٨ - ﴿وَالْوَزْنُ﴾؛ أي: وزن (١) الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها، أو وزن صحائف الأعمال، أو وزن فاعليها ثلاثة أقوال: والأول هو الراجح، والوزن: هو عمل يراد به تعرف مقدار الشيء بالميزان، وهو مبتدأ خبره ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، وقوله: ﴿الْحَقُّ﴾ صفة للوزن؛ أي: والوزن العدل السوي واقع يومئذ؛ أي: يوم إذ يسأل الله تعالى الرسل وأممهم؛ وهو يوم القيامة ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ويصح أن يكون الظرف صفة له، والخبر الحق؛ أي: والوزن (٢) الواقع في ذلك اليوم الذي يسأل الله فيه الرسل والأمم، ويقص عليهم كل ما كان منهم هو الحق؛ أي الذي تعرف به حقائق الأمور وما يستحقه كل أحد من ثواب وعقاب.
فإن قلت: أليس (٣) الله يعلم مقادير أعمال العباد، فما الحكمة في وزنها؟.
قلت: فيه حكم كثيرة:
منها: إظهار العدل، وأن الله تعالى لا يظلم عباده.
ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، وإقامة الحجة عليهم في العقبى.
ومنها: تعريف العباد ما لهم من خير وشر، وحسنة وسيئة.
ومنها: إظهار علامة السعادة والشقاوة، ونظيره أنه تعالى أثبت أعمال العباد في اللوح المحفوظ، ثم في صحائف الملائكة الموكلين ببني آدم من غير جواز النسيان عليه تعالى.
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ﴾ ورجحت ﴿مَوازِينُهُ﴾؛ أي: حسناته على سيئاته؛ فهو (٤) جمع موزون، وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات والحسنات، أو المعنى: فمن رجحت وثقلت موازين أعماله بالإيمان وكثرة الحسنات؛ أي: ثقلت كفة اليمين بسبب قوة الإيمان وكثرة الحسنات على كفة الشمال؛ فهو جمع ميزان، فجمعه حينئذ
стр. 4007
للتعظيم ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي (١): الناجون غدا من عذاب الله، والفائزون بجزيل ثوابه.
أي: فمن رجحت موازين أعماله بالإيمان وكثرت الحسنات .. فأولئك هم الفائزون بالنجاة من العذاب، والحائزون للنعيم في دار الثواب
٩ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ﴾ ونقصت ﴿مَوازِينُهُ﴾؛ أي: حسناته، أو موازين أعماله الحسنة بسبب الكفر وكثرة المعاصي ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ وغبنوا ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ وحرموها سعادتها، وحظوظها من جزيل ثواب الله تعالى وكرامته ﴿بـ﴾ سبب ﴿ما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾؛ أي: يجحدون؛ أي: بسبب كفرهم وجحودهم، وتكذيبهم بمحمد ﷺ وبالقرآن؛ وهم الكفار، يعني (٢): سبب ذلك الخسران أنهم كانوا بحجج الله وأدلة توحيده يجحدون ولا يقرون بها.
والمعنى: ومن خفت موازين أعماله بسبب خفة الحسنات في الميزان أو بسبب الأعمال التي لا اعتداد بها في الوزن، أو بسبب كفره وكثرة ما اجترح من السيئات .. فأولئك الموصوفون بخفة الموازين هم الذين خسروا أنفسهم بسبب تكذيبهم بآياتنا؛ إذ حرموها السعادة التي كانت مستعدة لها لو لم يفسدوا فطرتها بالكفر والمعاصي، وإصرارهم على ذلك إلى نهاية أعمارهم.
والخلاصة (٣): أن المؤمنين على تفاوت درجاتهم في الأعمال هم المفلحون، فمن مات مؤمنا فهو مفلح، وإن عذب على بعض ذنوبه بمقدارها، وإن الكافرين على تفاوت دركاتهم هم في خسران عظيم، وهناك فريق ثالث استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم أصحاب الأعراف، وسيأتي ذكرهم بعد.
والحكمة في وضع ذلك الميزان (٤): أن يظهر ذلك الرجحان لأهل الموقف، فإن كان ظهور الرجحان في طرف الحسنات ازداد سروره بسبب ظهور فضله، وكمال درجته لأهل الموقف، فإن كان ظهور الرجحان في طرف السيئات، فيزداد حزنه وخوفه في الموقف.
стр. 4008
ثم اختلفوا في كيفية ذلك الرجحان، فبعضهم قال: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات، وظلمة في رجحان السيئات. وآخرون قالوا: بل يظهر رجحان في الكفة.
قال العلماء: الناس في الآخرة ثلاث طبقات: متقون لا كبائر لهم، وكفار، ومخلّطون وهم الذين يأتون الكبائر:
فأما المتقون: فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم لا يجعل الله لها وزنا، بل تكفر صغائرهم باجتنابهم الكبائر، وتثقل الكفة النيرة، ويؤمر بهم إلى الجنة، ويثاب كل واحد منهم بقدر حسناته.
وأما الكافر: فإنه يوضع كفره في الكفة المظلمة، ولا توجد له حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى فارغة، فيأمر الله تعالى بهم إلى النار، ويعذب كل واحد منهم بقدر أوزاره.
وأما الذين خلطوا: فحسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فيكون لكبائرهم ثقل، فإن كانت الحسنات أثقل، ولو بصوأبة دخل الجنة، وإن كانت السيئات أثقل ولو بصوأبة دخل النار إلا أن يعفو الله، وإن تساويا كان من أصحاب الأعراف. هذا إن كانت الكبائر فيما بينه وبين الله، وأما إن كان عليه تبعات، وكانت له حسنات كثيرة جدا، فإنه يؤخذ من حسناته فيرد على المظلوم، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم، فيحمل على الظالم من أوزار من ظلمه، ثم يعذب على الجميع.
قال أبو إسحاق الزجاج (١): أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال.
وقال القرطبي: التي توزن هي الصحائف التي تكتب فيها الأعمال، والحق أن التي توزن هي الأعمال. فقد أخرج أبو داود والترمذي عن جابر مرفوعا: «توضع الموازين يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على
стр. 4009
سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار». قيل: ومن استوت حسناته وسيئاته قال: أولئك أصحاب الأعراف.
والذي (١) عليه المعول في الإيمان بعالم الغيب أن كل ما ثبت من أخباره في الكتاب والسنة؛ فهو حق لا ريب فيه، فنؤمن به ولا نحكم رأينا في كيفيته، فنؤمن بأن في الآخرة وزنا للأعمال بميزان يليق بعالم الآخرة توزن به الأعمال، والإيمان، والأخلاق، ولا نبحث عن صورته وكيفيته.
١٠ - ﴿وَ﴾ عزتي وجلالي ﴿لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ﴾ يا بني آدم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: جعلنا لكم في الأرض مكانا وقرارا، وأقدرناكم على الصرف فيها بالزراعة والغراس والبناء. وقال البيضاوي: أي مكناكم من سكناها وزرعها، والتصرف فيها ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها﴾؛ أي: في الأرض ﴿مَعايِشَ﴾ جمع معيشة، وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها؛ أي: جعلنا لكم فيها أسبابا تعيشون بها أيام حياتكم مما تأكلون وتشربون وتلبسون ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ الله تعالى؛ أي: تشكرون شكرا قليلا؛ أي: قلة على هذا الفضل والإنعام بالتمكين والجعل المذكورين.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿مَعايِشَ﴾ - بالياء - وهو القياس؛ لأن الياء في المفرد هي أصل لا زائدة، فتهمز، وإنما تهمز الزائدة نحو صحائف في صحيفة. وقرأ الأعرج وزيد بن علي والأعمش وخارجة عن نافع وابن عامر في رواية: ﴿معائش﴾ - بالهمز - وليس بالقياس، لكنهم رووه وهم ثقات، فوجب قبوله، وشذ هذا الهمز كما شذ في منائر جمع منارة، وأصلها منورة، وكان القياس مناور.
والمعنى (٣): وعزتي وجلالي لقد جعلنا لكم يا بني آدم في الأرض أوطانا تتبؤونها وتستقرون فيها، وجعلنا لكم فيها معايش تعيشون بها أيام حياتكم من مطاعم ومشارب نعمة مني عليكم، وإحسانا مني إليكم، وأنشأنا لكم فيها ضروبا شتى من المنافع التي تعيشون بها عيشة راضية من نبات وأنعام، وطير وسمك، ومياه عذبة وأشربة مختلفة الطعوم والروائح، ووسائل مختلفة للتنقل والارتحال
стр. 4010
من جهة إلى أخرى، تتقدم بتقدم العلم والاختراع من طيارات وسيارات، وقطر برية، وبواخر وسفن بحرية، وسبل متعددة لمداواة المرضى بالعقاقير المختلفة على يد نطس الأطباء إلى نحو ذلك، وكل ذلك يقتضي منكم الشكر الكثير، ولكن الشكر من العباد قليل كما قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ ومن ثم عقب هذا بقوله: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: وأنتم قليلوا الشكر على هذه النعم التي أنعمت بها عليكم لا كثيروه كثرة تناسب كثرة الانتفاع بها، فقد عبدتم سواي واتخذتم الأولياء والشفعاء من دوني.
وشكر النعمة يكون بمعرفة المنعم بها، ثم حمده والثناء عليه بما هو له أهل، ثم التصرف فيها بما يحبه ويرضاه وتحقيق الأغراض التي أسداها لأجلها، فهذه النعم المعيشة ما خلقت إلا لحفظ الحياة الروحية التي بها تزكو النفس، وتستعد للحياة الأخرى الأبدية التي فيها النعيم المقيم، والسعادة المستقرة إلى غير نهاية.
وبالجملة: فنعم الله على الإنسان كثيرة، فلا إنسان إلا ويشكر الله تعالى في بعض الأوقات على نعمه، وإنما التفاوت في أن بعضهم يكون كثير الشكر، وبعضهم يكون قليل الشكر.
١١ - وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ...﴾ إلخ. تذكير (١) لنعمة عظيمة على آدم سارية إلى ذريته موجبة لشكرهم كافة؛ أي: وعزتي وجلالي لقد خلقنا أباكم آدم، وأوجدناه من العدم حين كان طينا غير مصور ﴿ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾؛ أي: ثم بعد خلقه صورناه حين كان بشرا بتخطيطه وشق حواسه، فالكلام على حذف مضاف كما قدرناه، فالخطاب لبني آدم، والمراد أبوهم، فهو من باب الخطاب لشخص مرادا به غيره. وقيل: الخطاب لآدم، فكأنه قال: ولقد خلقناك يا آدم، ثم صورناك، وإنما خاطبه بصيغة الجمع، وهو واحد تعظيما له، ولأنه أصل الجميع.
والمعنى: ولقد خلقنا مادة هذا النوع الإنساني من الصلصال والحماء المسنون؛ أي: من الماء والطين اللازب، فمنه خلق الإنسان الأول، ثم جعلنا
стр. 4011
من تلك المادة صورة بشر سوي قابل للحياة، وقد يكون المعنى: إنا قدرنا إيجادكم تقديرا، ثم صورنا مادتكم تصويرا، ذلك شامل لخلق آدم وخلق مجموع الناس إذ أن كل فرد يقدر الله خلقه، ثم يصور المادة التي يخلقه منها في بطن أمه.
﴿ثُمَّ﴾ بعد إكمال خلقه وتصويره ﴿قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾؛ أي: أمرنا الملائكة بالسجود لآدم تكريما له ولذريته سجود تحية وإكرام بالانحناء. فالمراد (١) به السجود اللغوي، وهو الانحناء، وقيل: إن السجود شرعي بوضع الجبهة على الأرض لله، وآدم قبلة كالكعبة ﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أي: سجد الملائكة بعد الأمر؛ أي: سجد جميعهم لآدم، وذلك قبل دخول الجنة ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ أبا الجن كان مفردا مستورا بألوف من الملائكة متصفا بصفاتهم، فغلّبوا عليه في قوله: ﴿لِلْمَلائِكَةِ ...﴾ الخ، وقيل: هو أبو الشياطين فرقة من الجن لم يؤمن منهم أحد؛ أي: سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى وامتنع من السجود له تكبرا وعنادا، فالاستثناء منقطع ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ له؛ أي: ممن سجدوا له.
والمعنى: وبعد أن سويناه ونفخنا فيه من روحنا، وصار مستعدا لأن يكون خليفة في الأرض، وعلمناه الأسماء كلها .. قلنا لجماعة الملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: سجد الملائكة جميعا إلا إبليس أبى واستكبر، وهو من الجن لا منهم، وهذا السجود سجود تكريم وتعظيم من الله لآدم، لا سجود عبادة، فقد قامت الدلائل القاطعة على أنه لا معبود إلا الله وحده.
١٢ - ﴿قالَ﴾ الله توبيخا للّعين ﴿ما مَنَعَكَ﴾ يا إبليس ﴿أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ بالسجود لآدم مع الملائكة؛ أي: أيّ شيء منعك من السجود لآدم حين أمرتك بالسجود له؟ فعلى (٢) هذا التأويل تكون ﴿لا﴾ زائدة في قوله: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾؛ أي: أقسم زيدت لتأكيد معنى النفي في منعك بدليل قوله في سورة ص: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ بحذفها، وهو الأصل؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا، فيصير المعنى؛ أي شيء منعك من امتثال أمري،
стр. 4012
فرفضت أن تسجد لآدم مع الساجدين؟ وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج. وقد تكون ﴿لا﴾ غير زائدة، والمنع بمعنى الحمل والاضطرار، وعليه فالمعنى: ما حملك واضطرك ودعاك إلى أن لا تسجد.
وخلاصة ذلك: أي شيء عرض لك، فحملك على أن لا تكون مع الملائكة في امتثال أمري؟ وقال ابن (١) كثير: واختار ابن جرير أن ﴿مَنَعَكَ﴾ مضمن معنى فعل آخر تقديره: ما أحوجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك، وهذا القول قوي حسن، لأنه (٢) لا يجوز أن يقال: إن كلمة من كتاب الله تعالى زائدة أو لا معنى لها.
﴿قالَ﴾ اللعين الخبيث مجيبا للمولى عما سأله عنه ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾؛ أي: إنما لم أسجد لآدم؛ لأني أنا خير وأفضل من آدم وأشرف منه، فكيف يسجد الفاضل ويعظم المفضول ولو أمره ربه؟ وإنما (٣) قال في الجواب: أنا خير منه، ولم يقل منعني كذا؛ لأنّ في هذه الجملة التي جاء بها مستأنفة ما يدل على المانع، وهو اعتقاده أنه أفضل منه، والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول مع ما تفيده هذه الجملة من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله، ثم علل ما ادعاه من الخيرية بقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ﴾؛ أي: وإنما كنت خيرا منه؛ لأنني خلقتني من نار نورانية، فهي أغلب أجزائي ﴿وَخَلَقْتَهُ﴾؛ أي: وخلقت آدم ﴿مِنْ طِينٍ﴾ ظلماني، وهو أغلب أجزائه، فالنار أفضل من الطين؛ لأن النار مشرقة علوية لطيفة يابسة، مجاورة لجواهر السموات، والطين مظلم سفلي كثيف بعيد عن مجاورة السموات، والمخلوق من الأفضل أفضل.
وقد أخطأ إبليس اللعين طريق الصواب، فإن عنصر الطين أفضل من عنصر النار من جهة رزانته وسكونه وطول بقائه، والنار خفيفة مضطربة سريعة النفاد، ومع هذا فهو موجود في الجنة دونها، وهي عذاب دونه، وهي محتاجة إليه لتتحيز فيه، وهو مسجد وطهور، وهو سبب للحياة من إنبات النبات، وهي سبب لهلاك الأشياء، وهو سبب جمع الأشياء، وهي سبب تفريقها، ولولا سبق شقاوته
стр. 4013
وصدق كلمة الله عليه .. لكان له بالملائكة المطيعين لهذا الأمر أسوة وقدوة، فعنصرهم النوري أشرف من عنصره الناري، ومع ذلك سجدوا طاعة لربهم.
ولا شك (١) أن في جوابه هذا ضروبا من الجهالة، وأنواعا من الفسوق والعصيان، تتجلى وتتضح لك فيما يلي:
١ - اعتراضه على مولاه وخالقه بما تضمنه جوابه.
٢ - احتجاجه عليه بما يؤيد به اعتراضه، والمؤمن المذعن لأمر ربه يعلم أن لله الحجة البالغة والحكمة الكاملة فيما يفعل، ويأمر وينهى.
٣ - أنه جعل امتثال الأمر موقوفا على استحسانه له، وموافقته لهواه، وهذا رفض لطاعة الخالق، وترفع عن مرتبة العبودية، والمرؤوس في الدنيا إذا لم يطع أمر الرئيس إلا فيما يوافق هواه .. صار الأمر فوضى، والعاقبة وخيمة. فلا يصح عمل، ولا يتم الفوز والنجاج.
وقد روى أبو نعيم في «الحلية» عن جعفر الصادق أن رسول الله ﷺ قال:
«أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس، قال الله تعالى له: اسجد لآدم. قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين». قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قربه الله يوم القيامة بإبليس.
٤ - استدلاله على خيريته بالمادة التي منها التكوين، وخيرية المواد بعضها على بعض أمور اعتبارية تختلف فيها الآراء، ولا تثبت بالبرهان إلى أن كثيرا من المواد النفسية خسيسة الأصل، ألا ترى أن أصل المسك الدم؛ وهو أطيب الطيب إلى أن الملائكة خلقوا من النور، وهو قد خلق من النار، والنور خير من النار، وهم قد سجدوا امتثالا لأمر ربهم.
٥ - أن جميع الأحياء النباتية والحيوانية التي في هذه الأرض إما من الطين مباشرة، أو بالواسطة، وهي خير ما فيها، وليس للنار شيء من هذه المزايا ولا ما يقرب منها.
стр. 4014
٦ - أنه قد جهل ما خص به آدم من استعداده العلمي والعملي أكثر من سواه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، فكان بذلك أفضل منهم، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة وبالطاعة لربهم، وكل ما قدمنا مبني على أن الأمر بالسجود أمر تكليف، وأنه قد وقع حوار بين الله وإبليس، ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان؛ إذ جعل الملائكة - وهم المدبرون لأمور الأرض بإذن ربهم - مسخرين لآدم وذريته، وجعل هذا النوع الإنساني مستعدا للانتفاع بالأرض كلها بعلمه بسنن الله فيها وعمله بهذه السنن، فالانتفاع بمائها وهوائها، ومعادنها ونباتها وحيوانها، وكهربائها ونورها، وبذلك ظهرت حكمة الله وآياته فيها كما اصطفى بعض أفراده، وخصهم بوحيه ورسالته، وجعلهم مبشرين بدينه وهديه، وجعل الشيطان عاصيا متمردا على الإنسان وعدوا له، وجعل النفوس البشرية وسطا بين النفوس الملكية المفطورة على طاعة الله تعالى، وإقامة سننه في صلاح الخلق، وبين روح الجن الذي يغلب على شرارهم - وهم الشياطين - التمرد والعصيان، كما أنه آتى الإنسان إرادة واختيارا وإن شاء صعد إلى أفق الملائكة، وإن أراد هبط إلى أفق الشيطان.
فائدة: قال هنا (١): ﴿ما مَنَعَكَ﴾ وفي سورة الحجر: ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ وفي سورة ص: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ..﴾ الآية. اختلاف العبارات عند الحكاية: دل على أن اللعين قد أدرج في معصية واحدة ثلاث معاص: مخالفة الأمر، ومفارقة الجماعة، والاستكبار مع تحقير آدم. وقد وبخ على كل واحدة منها، لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه: اكتفاء بما ذكر في موطن آخر، وقد تركت حكاية التوبيخ رأسا في سورة البقرة والإسراء والكهف وطه اهـ «أبو السعود» انتهت.
١٣ - ﴿قالَ﴾ المولى للعين عليه لعائن الله ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾؛ أي (٢): بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي اهبط وانزل من الجنة، وقيل: من
стр. 4015
السموات إلى الأرض. والهبوط (١): الإنزال والانحدار من فوق على سبيل القهر والهوان والاستخفاف ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾؛ أي: فما ينبغي لك ويليق بك ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ﴾ وتتعظم وتعصي ﴿فِيها﴾؛ أي: في الجنة، أو في السموات، فإنها (٢) مكان الخاشع والمطيع، وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأنه إنما طرده وأهبطه؛ لتكبره لا لمجرد عصيانه. وقال الخازن: يعني: فليس لك أن تتكبر في الجنة عن أمري وطاعتي؛ لأنه لا ينبغي أن يسكن في الجنة، أو في السماء متكبر مخالف لأمر الله ، فأما غير الجنة والسماء .. فقد يسكنها المتكبر عن طاعة الله تعالى، وهم الكفار الساكنون في الأرض. وجملة قوله: ﴿فَاخْرُجْ﴾ لتأكيد الأمر بالهبوط. وجملة قوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ تعليل للأمر بالخروج؛ أي: فاخرج يا إبليس من الجنة، أو من السموات إنك يا لعين من الصاغرين؛ أي: من المهانين الذليلين بالعقوبة. وقال النسفي: أي (٣) من أهل الصغار والهوان على الله، وعلى أوليائه يذمك كل إنسان، ويلعنك كل لسان؛ لتكبرك، وبه علم أن الصغار لازم للاستكبار، وهكذا كل من تردى برداء الاستكبار .. عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع .. ألبسه الله رداء الترفع. وفي الحديث: «من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله».
١٤ - ﴿قالَ﴾ اللعين عند أمر المولى له بالخروج ﴿أَنْظِرْنِي﴾؛ أي: أجلني وأمهلني وأخرني، فلا تمتني، أو لا تعجل عقوبتي ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: قال رب أمهلني إلى يوم يبعث فيه آدم وذريته من قبورهم، فأكون أنا وذريتي أحياء ما داموا أحياء، وأشهد انقراضهم وبعثهم، وهو يوم النفخة الثانية عند قيام الساعة، ولا موت حينئذ؛ لأن الموت قد تم عند النفخة الأولى، فغرضه الفرار من الموت، والنجاة من ذوق مرارته، فطلب البقاء والخلود، فلم يجب إلى ما سأل، بل غاية ما أمهله الله تعالى إلى النفخة الأولى
١٥ - ﴿قالَ﴾ الله في جواب سؤاله: ﴿إِنَّكَ﴾ يا إبليس ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾؛ أي: من المؤجلين والمؤخرين
стр. 4016
والممهلين إلى يوم النفخة الأولى حين يموت الخلائق كلهم بدليل قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ وهو وقت النفخة الأولى، والموت حينئذ ممكن فيموت كغيره.
والخلاصة: أن إبليس يموت عقب النخفة الأولى التي يتلوها خراب هذه الأرض كما قال في سورة الحاقة: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)﴾ ولا يبقى إلى يوم البعث.
١٦ - ﴿قالَ﴾ إبليس اللعين ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ وأضللتني؛ أي: فبسبب إغوائك وإضلالك إياي يا رب؛ لأجل آدم وذريته أقسم لك بقولي: ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾؛ أي: لأجلسن مترصدا ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لآدم وذريته ﴿صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ أي: على طريقك الحق الموصل لهم إلى الجنة مترصدا لهم كما يقعد القطاع على الطريق انتهابا للمارة. قال في «الجمل»: فغرض (١) إبليس اللعين بهذا أخذ ثأره منهم؛ لأنه لما طرد ومقت بسببهم على ما تقدم .. أحب أن ينتقم منهم أخذا بالثأر. وفي «السمين»: والمعنى: فبسبب وقوعي في الغيّ لأجتهدن في غوايتهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم.
والمعنى: فبسبب إغوائك إياي لأجلهم؛ لأقعدنّ لهم على صراطك المستقيم، فأصدنهم عنه وأقطعنه عليهم بأن أزين لهم طرقا أخرى أشرعها لهم من جوانب هذا الطريق حتى يضلوا عنه، وهذا ما عناه سبحانه بقوله:
١٧ - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: لأشككنهم (٢) في الآخرة بأن لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ؛﴾ أي: لأرغبنهم في الدنيا، وأزيننها لهم بأنها لا تفنى، وآمرنهم بالجمع لها، والمنع والبخل والفساد ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ﴾؛ أي: ولأشبّهنّ عليهم أمر دينهم وأمنعنهم من الحسنات ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾؛ أي: ولأزينن لهم المعاصي، وآمرنهم بالسيئات، قال الطبري: معناه: لآتينهم (٣) من جميع وجوه الحق والباطل، فأصدنهم عن الحق، وأحسنن لهم الباطل. قال ابن عباس: ولا
стр. 4017
يستطيع أن يأتيهم من فوقهم؛ لئلا يحول بين العبد وبين رحمة الله تعالى. وقال النسفي: ولم يقل من فوقهم ومن تحتهم؛ لمكان الرحمة والسجدة وَلا تَجِدُ يا رب ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾؛ أي: أكثر بني آدم ﴿شاكِرِينَ﴾ لك على نعمك التي أنعمت بها عليهم في عقولهم ومشاعرهم ومعايشهم وفي كل ما يهديهم إلى تكميل فطرتهم من تعاليم رسلك لهم، بل الأقلون منهم هم الذين يتبعون ذلك، وقد قال إبليس ذلك عن ظن، فأصاب لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾. وقيل: رآه في اللوح المحفوظ، وقيل: سمعه من الملائكة، وقيل: معنى ﴿شاكِرِينَ﴾ مطيعين لك، أو مؤمنين بك.
قال أبو حيان (١): والظاهر أن إتيانه من هذه الجهات الأربع كناية عن وسوسته وإغوائه له، والجد في إضلاله من كل وجه يمكن، ولما كانت هذه الجهات يأتي منها العدو غالبا ذكرها، لا أنه يأتي من الجهات الأربع حقيقة، وإنما خص بين الأيدي والخلف بحرف الابتداء الذي هو أمكن في الإتيان؛ لأنهما أغلب ما يجيء العدو منهما، فينال فرصته وقدم بين الأيدي على الخلف؛ لأنها الجهة التي تدل على إقدام العدو وبسالته في مواجهة قرنه غير خائف منه، والخلف من جهة غدر ومخاتلة، وجهالة القرن بمن يغتاله، ويتطلب غرته وغفلته، وخص الأيمان والشمائل بالحرف الذي يدل على المجاوزة؛ لأنهما ليستا بأغلب ما يأتي منهما العدو، وإنما يتجاوز إتيانه إلى الجهة التي هي أغلب في ذلك، وقدمت الأيمان على الشمائل؛ لأنها الجهة التي هي القوية في ملاقاة العدو، وبالأيمان البطش والدفع، فالقرن الذي يأتي من جهتها أبسل وأشجع إذ جاء من الجهة التي هي أقوى في الدفع والشمائل جهة ليست في القوة والدفع كالإيمان انتهى.
١٨ - ﴿قالَ﴾ لإبليس اللعين حين طرده عن بابه، وأبعده عن جنابه، وذلك بسبب مخالفته وعصيانه ﴿اخْرُجْ﴾ يا إبليس ﴿مِنْها﴾؛ أي: من الجنة،
стр. 4018
أو من السموات، فإنه لا ينبغي أن يسكن فيها العصاة حالة كونك ﴿مَذْؤُمًا﴾؛ أي: مذموما مبغوضا معيبا مهانا عند كل أحد. وفي «ابن كثير» قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ ما نعرف المذؤوم والمذموم إلا واحدا انتهى. وحالة كونك ﴿مَدْحُورًا﴾؛ أي: مطرودا مبعدا من رحمتي، والأمر بالخروج هنا تأكيد لقوله سابقا: ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ وتوطئة لما بعده وعزتي وجلالي ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ﴾ وأطاعك يا إبليس ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي؛ من بني آدم ومن الجن، فاللام موطئة للقسم، واللام في قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ للقسم أيضا مؤكدة للّام الأولى؛ أي: والله لأملان وادي جهنم ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: منك ومنهم، فغلب ضمير الحاضر؛ لأنه رئيسهم، وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد لضمير المخاطبين، فهذا وعيد بالعذاب لكل من أطاع الشيطان، وترك طاعة الرحمن.
والمعنى: أقسم أن من يتبعك من بني آدم فيما تزينه له من الشرك والفجور، ويصدق ظنك عليه .. ليكونن معك في جهنم دار العذاب، ولأملأنها منك، وممن تبعك منهم أجمعين. وفي قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ إشارة إلى أن الملء يكون من بعضهم، فإن بعض من يتبعه في بعض المعاصي من المؤمنين الموحدين يغفر الله لهم، ويعفو عنهم، ونحو الآية قول في سورة ص: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقرأ الزهري وأبو جعفر والأعمش (١): ﴿مذوما﴾ - بضم الذال من غير همز - فتحتمل هذه القراءة وجهين:
أحدهما - وهو الأظهر -: أن تكون من ذأم المهموز سهل، وحذفها وألقى حركتها على الذال.
والثاني: أن يكون من ذام يذيم - كباع يبيع - فأبدل الياء بواو كما قالوا: في مكيل مكول. وقرأ الجمهور: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ﴾ - بفتح اللام - والظاهر أنها اللام الموطئة للقسم، و ﴿من﴾ شرطية في موضع رفع على الابتداء، وجواب الشرط
стр. 4019
محذوف يدل عليه جواب القسم المحذوف قبل اللام الموطئة، ويجوز أن تكون اللام لام الابتداء، و ﴿من﴾ موصولة، و ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جواب قسم محذوف بعد ﴿من تبعك﴾ وذلك القسم المحذوف، وجوابه في موضع رفع خبر ﴿من﴾ الموصولة. وقرأ الجحدري وعصمة عن أبي بكر عن عاصم ﴿لمن تبعك منهم﴾ - بكسر اللام - واختلفوا في تخريجها، فقال ابن عطية: المعنى: لأجل من تبعك منهم لأملأن انتهى. وقال الزمخشري: بمعنى: لمن تبعك منهم الوعيد، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ على أن ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ في محل الابتداء، ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ﴾ خبره، وهذا خطأ. وقال أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي: اللام متعلقة بالذأم والدحر، ومعناه: أخرج بهاتين الصفتين لأجل اتباعك. ذكر ذلك في كتاب «اللوامح في شواذ القراءات».
الإعراب
﴿المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.
﴿المص﴾ (١): تقدم لك في نظيره من الحروف المقطعة أنه لا يوصف بإعراب ولا بناء؛ لأن الحكم على الكلمة بالإعراب، أو البناء فرع عن إدراك المعنى، وليس معناه معلوما لنا هذا على القول بأنه مما استأثر الله بعلمه، وأما على القول بأنه اسم للسورة؛ فهو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا المص، أو مبتدأ خبره: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ﴾ إلى آخر السورة، والجملة الاسمية مستأنفة، وعلى القول الأول ﴿كِتابٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف جوازا تقديره: هذا القرآن كتاب أنزل إليك، والجملة مستأنفة استئنافا نحويا. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿كِتابٌ﴾، والجملة الفعلية صفة لـ ﴿كِتابٌ﴾. ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿فَلا يَكُنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت يا محمد أن هذا القرآن كتاب أنزل إليك للإنذار به وللتذكير، وأردت بيان ما هو الأرشد والأصلح لك .. فأقول لك: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ لأنه لا بد من تبليغه، ﴿لا﴾: ناهية جازمة.
стр. 4020
﴿يَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿فِي صَدْرِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم لـ ﴿يَكُنْ﴾. ﴿حَرَجٌ﴾: اسمها مؤخر. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿حَرَجٌ﴾، والتقدير: فلا يكن حرج كائن منه كائنا في صدرك، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة معترضة بين الجار والمجرور ومتعلقه لا محل لها من الإعراب. ﴿لِتُنْذِرَ﴾: ﴿اللام﴾: لام كي، ﴿تنذر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تنذر﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام المتعلقة بـ ﴿أُنْزِلَ﴾ تقديره: أنزل إليك لإنذارك به ﴿وَذِكْرى﴾: معطوف على المصدر المؤول من أن المصدرية، وفعلها مجرور بالكسرة المقدرة للتعذر تقديره: أنزل إليك للإنذار به وللتذكير، ويجوز (١) أن يكون مرفوعا عطفا على ﴿كِتابٌ﴾؛ أي: هذا كتاب وذكرى، أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو ذكرى للمؤمنين، وأن يكون منصوبا بفعل من لفظه تقديره: وتذكر به ذكرى؛ أي: تذكرة. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اللام﴾: إما زائدة في المفعول به تقوية له؛ لأن العامل فرع، والتقدير: وتذكر المؤمنين، وإما متعلقة بمحذوف صفة لـ ﴿ذِكْرى﴾ كما في «السمين»، ﴿المؤمنين﴾: مجرور باللام.
﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٣)﴾.
﴿اتَّبِعُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾ أيضا، وتكون ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية المجازية، أو متعلق بمحذوف حال؛ إما من الموصول، أو من عائده القائم مقام الفاعل. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾:
стр. 4021
الناهية، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿اتَّبِعُوا﴾. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿لا تَتَّبِعُوا﴾، أو متعلق بمحذوف حال من ﴿أَوْلِياءَ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليه، وإليه ميل الزمخشري، لأنه قال في «تفسيره» أي: لا تتولوا من دونه أحدا من شياطين الإنس والجن؛ ليحملوكم على الأهواء والبدع. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف، أي: تذكرا قليلا تذكرون، أو صفة لظرف زمان محذوف أيضا؛ أي: زمانا قليلا تذكرون، فالمصدر، أو الظرف منصوب بالفعل بعده. و ﴿ما﴾: زائدة زيدت لتأكيد القلة. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾؛ أي: ولا تتبعوا من دونه أولياء حالة كونكم متذكرين قليلا؛ أي: غير متذكرين أصلا.
﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤)﴾.
﴿وَكَمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَمْ﴾: خبرية بمعنى عدد كثير، ولم ترد في القرآن إلا خبرية في محل النصب مفعول مقدم وجوبا؛ لكونه مما يلزم الصدارة حملا على الاستفهامية لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعدها تقديره: وكم من قرية أهلكنا أهلكناها، أو في محل الرفع مبتدأ مبني على السكون لشبهها بالحرف شبها معنويا؛ لشبهها برب التكثيرية، أو لشبهها بالحرف شبها وضعيا. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿قَرْيَةٍ﴾: تمييز لـ ﴿كَمْ﴾ منصوب بها، وعلامة نصبه فتحة مقدرة. ﴿أَهْلَكْناها﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، أو جملة مفسرة للفعل المحذوف، والجملة الاسمية أو الفعلية المحذوفة مستأنفة. ﴿فَجاءَها﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿جاءها﴾ فعل ومفعول. ﴿بَأْسُنا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَهْلَكْناها﴾. ﴿بَياتًا﴾: حال من مفعول ﴿جاء﴾، ولكنه بعد تأويله بمشتق تقديره: حال كونهم بائتين. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتنويع. ﴿هُمْ قائِلُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب معطوفة على بياتا على كونها حالا من مفعول ﴿جاء﴾ تقديره: أو حالة كونهم قائلين.
﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)﴾.
стр. 4022
﴿فَما﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿دَعْواهُمْ﴾: اسم ﴿كانَ﴾ ومضاف إليه. ﴿إِذْ﴾: ظرف زمان بمعنى حين مجرد عن معنى المضي في محل النصب على الظرفية مبني على السكون. ﴿جاءَهُمْ بَأْسُنا﴾: فعل ومفعول وفاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، والظرف متعلق بـ ﴿دَعْواهُمْ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿كانَ﴾ تقديره: فما كان دعواهم وقت مجيء بأسنا إياهم إلا قولهم: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ، وجملة ﴿كانَ﴾ من اسمها وخبرها معطوفة على جملة قوله: ﴿جاءَهُمْ بَأْسُنا﴾. ﴿إِنَّا﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب، ﴿نا﴾: اسمها. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿ظالِمِينَ﴾: خبرها، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ تقديره: إنا ظالمون، وجملة ﴿إن﴾: من اسمها وخبرها في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾.
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧)﴾.
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وترتيب لترتيب الأحوال الأخروية على الدنيوية في الذكر حسب ترتيبها عليها في الوجود انتهى. «أبو السعود»، ﴿اللام﴾: موطئة لقسم محذوف جوازا تقديره: فأقسم بعزتي وجلالي، ﴿نسألن﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر يعود على الله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مع جوابه معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول أول لسأل مبني على الفتح والمفعول الثاني محذوف تقديره عما أجابوا الرسل. ﴿أُرْسِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اللام﴾: موطئة لقسم محذوف،
стр. 4023
﴿نسألن﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: مفعول أول لسأل، والثاني محذوف تقديره: عما أجيبوا، والجملة الفعلية جواب القسم وجملة القسم معطوفة على جملة القسم المذكورة قبلها. ﴿فَلَنَقُصَّنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿نقصن﴾: فعل مضارع مبني على الفتح، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جواب القسم، وجملة القسم المحذوف معطوفة على جملة القسم المذكورة قبلها. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نقصن﴾. ﴿بِعِلْمٍ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿نقصن﴾ تقديره: حالة كوننا متلبسين بعلم ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: واو الحال. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿غائِبِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿نقصن﴾.
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾.
﴿وَالْوَزْنُ﴾: ﴿الواو﴾ استنافية. ﴿الْوَزْنُ﴾: مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يوم﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، وهو مضاف، ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر مضاف إليه مبني بسكون مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة التخلص من التقاء الساكنين، والظرف متعلق بواجب الحذف؛ لوقوعه خبرا تقديره: والوزن كائن، أو مستقر يومئذ؛ أي: يومئذ يسأل الرسل والمرسل إليهم، فحذفت الجملة المضاف إليها إذ وعوض عنها التنوين هذا مذهب الجمهور خلافا للأخفش. وفي ﴿الْحَقُّ﴾ على هذا الوجه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه نعت للوزن؛ أي: الوزن الحق كائن في ذلك اليوم.
والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه جواب سؤال مقدر من قائل يقول: ما ذلك الوزن؟ فقيل: هو الحق لا الباطل.
والثالث: أنه بدل من الضمير المستكن في الظرف، وهو غريب ذكره المكي، ويصح أن يكون خبر المبتدأ ﴿الْحَقُّ﴾، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ متعلق بـ ﴿الْوَزْنُ﴾.
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
стр. 4024
﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الوزن يومئذ الحق، وأردت بيان أحوال الخلائق .. فأقول لك: ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَأُولئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبا لكون الجواب جملة اسمية، ﴿أولئك﴾: مبتدأ. هُمُ: ضمير فصل. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافا بيانيا.
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو الشرط، أو هما. ﴿خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ مَنْ على كونها فعل شرط لها. ﴿فَأُولئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة، ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونها جوابا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى على كونها مقولا لجواب إذا المقدرة. ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿بِما﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿خَسِرُوا﴾، والتقدير: فأولئك الذين خسروا أنفسهم بسبب: ظلمهم لآياتنا.
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (١٠)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿مَكَّنَّاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية جواب القسم لا
стр. 4025
محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مع جوابه مستأنفة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مَكَّنَّاكُمْ﴾. ﴿وَجَعَلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَكَّنَّاكُمْ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنا﴾، وكذا قوله فِيها متعلق به. ﴿مَعايِشَ﴾: مفعول به لـ ﴿جَعَلْنا﴾؛ لأنه بمعنى خلقنا، فلا يتعدى إلا إلى مفعول واحد. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف منصوب بـ ﴿تَشْكُرُونَ﴾. ﴿ما﴾: زائدة زيدت لتأكيد القلة. ﴿تَشْكُرُونَ﴾: فعل وفاعل؛ أي: تشكرون شكرا قليلا؛ أي: قلة، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير المخاطبين، والتقدير: وجعلنا لكم فيها معايش حال كونكم شاكرين شكرا قليلا.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿اللام﴾: موطئة لقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب لقسم محذوف تقديره: أقسم بعزتي وجلالي لقد خلقناكم، وجملة القسم المحذوف مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿صَوَّرْناكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ على كونها جوابا للقسم. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿قُلْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿صَوَّرْناكُمْ﴾. ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾: متعلق بـ ﴿قُلْنا﴾. ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قُلْنا﴾، وإن شئت قلت ﴿اسْجُدُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْنا﴾. لِآدَمَ: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اسْجُدُوا﴾. ﴿فَسَجَدُوا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب. ﴿سجدوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قُلْنا﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿إِبْلِيسَ﴾ مستثنى منقطع منصوب بـ ﴿إِلَّا﴾. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَكُنْ﴾: فعل ناقص مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، واسمه ضمير يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿مِنَ السَّاجِدِينَ﴾: خبر ﴿يَكُنْ﴾، وجملة ﴿يَكُنْ﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب حال من ﴿إِبْلِيسَ﴾ تقديره: حالة كونه ممتنعا من السجود، كما قاله أبو البقاء، وقيل: هذه الجملة مستأنفة؛ لأنها جواب سؤال مقدر.
стр. 4026
﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿ما مَنَعَكَ﴾ إلى قوله: قالَ ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ما: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، والاستفهام فيه للتوبيخ. ﴿مَنَعَكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: هو يعود على ما، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ تقديره: أي شيء مانع إياك، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: مصدرية. ﴿لا﴾: زائدة زيدت لتأكيد معنى النفي في ﴿مَنَعَكَ﴾. ﴿تَسْجُدَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾. وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: ما منعك من سجودك. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿تَسْجُدَ﴾. ﴿أَمَرْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ إِذْ ﴿،﴾ والتقدير: ما منعك من السجود وقت أمري إياك به. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا. ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قالَ﴾. ﴿خَلَقْتَنِي﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْ نارٍ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافا بيانيا. ﴿وَخَلَقْتَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقْتَنِي﴾. ﴿مِنْ طِينٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خلق﴾.
﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿الفاء﴾: سببية، ﴿اهبط﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾. ﴿مِنْها﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، وقال النسفي: والفاء في قوله:
стр. 4027
﴿فَاهْبِطْ﴾ جواب لقوله ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾؛ أي: إن كنت تتكبر فاهبط انتهى. ﴿فَما﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تعليلية، ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص. ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿يَكُونُ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَتَكَبَّرَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾. فِيها متعلق بـ ﴿تَتَكَبَّرَ﴾، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿يَكُونُ﴾ مؤخرا، والتقدير: فما يكون تكبرك فيها كائنا لك، ولائقا بك، وجملة ﴿يَكُونُ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاهْبِطْ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قال﴾.
﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾.
﴿فَاخْرُجْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿اخرج﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة في محل النصب معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ مؤكدة لجملة قوله: ﴿فَاهْبِطْ إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ مسوقة لتعليل الخروج. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿أَنْظِرْنِي﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِلى يَوْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْظِرْنِي﴾، وجملة ﴿يُبْعَثُونَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمِ﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة مستأنفة. ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ إلى قوله: ﴿شاكِرِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿فَبِما﴾:
стр. 4028
﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا حكمت علي يا رب بالغيّ والصّغار .. فأقول لك: ﴿بما أغويتني﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر وقسم، أو حرف جر وسبب كما أشار إليه الزمخشري، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾: فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية، والجملة الفعلية مع ﴿ما﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بباء القسم، أو بباء السبب، وعلى كلا الوجهين فهي متعلقة بفعل قسم محذوف جوازا تقديره: فأقسم بإغوائك إياي، أو أقسم بسبب إغوائك إياي. ﴿لَأَقْعُدَنَ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أقعدن﴾: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بـ ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾. ﴿صِراطَكَ﴾: منصوب على المفعولية، أو منصوب بنزع الخافض تقديره: على صراطك ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: صفة لـ ﴿صراط﴾.
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿لَآتِيَنَّهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم أيضا، ﴿آتينهم﴾: فعل ومفعول ونون توكيد، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ على كونها جوابا لقسم محذوف. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿آتين﴾. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله، وكرر حرف الجر إشارة إلى أن كل جهة من الجهتين مقصودة استقلالا. ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على الجار والمجرور ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾. ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ﴾، أو ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، وكرر الجار هنا أيضا إشارة إلى استقلال كل من الجهتين بالقصد، وإنما (١) عدّى الفعل إلى الأولين بـ ﴿مِنْ﴾ الابتدائية؛ لأنه منهما متوجه إليهم، وعدى إلى
стр. 4029
الأخيرين بحرف المجاوزة؛ لأن الآتي منهما كالمنحرف المار على عرضهم، انتهى «أبو السعود»، وإشارة إلى نوع تباعد منه في الجهتين الأخيرتين، لقعود ملك اليمين، وملك اليسار فيهما، وهو ينفر من الملائكة، اه شيخنا. ﴿وَلا تَجِدُ﴾: ناف وفعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ ...﴾ إلخ. فتكون من جملة المقسم عليه، ويكون اللعين قد أقسم على جملتين مثبتتين، وأخرى منفية. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: مفعول وجد إن كان وجد من الوجدان بمعنى اللقاء والمصادفة. ﴿شاكِرِينَ﴾: حال من الضمير، والمعنى: ولا تصادف أكثرهم ولا تلاقيهم حالة كونهم شاكرين، ويحتمل كون وجد من أفعال اليقين، ﴿وأَكْثَرَهُمْ﴾: مفعول أول، ﴿شاكِرِينَ﴾: مفعول ثان.
﴿قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿اخْرُجْ﴾: منها إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿اخْرُجْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على إبليس، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿مِنْها﴾: متعلق بـ ﴿اخْرُجْ﴾. ﴿مَذْؤُمًا﴾: حال أولى من فاعل ﴿اخْرُجْ﴾. ﴿مَدْحُورًا﴾: حال ثانية منه عند من يجوز تعدد الحال لذي حال واحد، وأما عند من لا يجوزه فـ ﴿مَدْحُورًا﴾: صفة لـ ﴿مَذْؤُمًا﴾. ﴿لَمَنْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم المحذوف تقديره: والله لمن تبعك.
فائدة: سميت (١) لام القسم موطئة؛ لأنها وطأت الجواب للقسم المحذوف؛ أي: مهدته له، وتسمى أيضا المؤذنة؛ لأنها تؤذن بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها، لا على الشرط.
﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿تَبِعَكَ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على
стр. 4030
كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿تَبِعَكَ﴾. ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم أيضا مؤكدة للأولى، ﴿أملأن﴾: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنا يعود على الله سبحانه، والجملة من الفعل والفاعل جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده تقديره: لمن تبعك أعذبه، وهذا الوجه أظهر في الإعراب كما قاله «الجمل». والوجه الثاني أن اللام في قوله ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ﴾: لام الابتداء، و ﴿من﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، و ﴿تَبِعَكَ﴾: صلتها. و ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من فاعل ﴿تَبِعَكَ﴾، وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾: جواب قسم محذوف بعد قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾، وذلك القسم المحذوف وجوابه في محل الرفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿من﴾ الموصولة، والتقدير: للذي تبعك منهم، والله لأملأن جهنم منكم، فإن قلت (١): أين العائد من الجملة القسمية الواقعة خبرا عن المبتدأ؟.
قلت: هو متضمن في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ لأنه لما اجتمع ضميران غيبة وخطاب .. غلب الخطاب كما تقدم. ﴿جَهَنَّمَ﴾: منصوب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق بـ ﴿أملأن﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أملأن﴾. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد لضمير المخاطبين مجرور بالياء؛ لأنه جمع مذكر سالم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿حَرَجٌ﴾ مِنْهُ الحرج: الضيق من عاقبة المخالفة. ﴿وَذِكْرى﴾ والذكرى: التذكر النافع والموعظة المؤثرة، وهو اسم مصدر لذكر يذكر تذكرة وذكرى.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ وولاية (٢) الله لعباده تولي أمورهم فيما لا يصل إليه كسبهم من هدايتهم ونصرهم على أعدائهم، وشرعه لهم عبادته، وبيان الحلال والحرام. ﴿قَلِيلًا ما﴾ ﴿ما﴾: حرف زائد يؤكد به معنى القلة. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أصله