﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿ما مَنَعَكَ﴾ إلى قوله: قالَ ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ما: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، والاستفهام فيه للتوبيخ. ﴿مَنَعَكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: هو يعود على ما، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ تقديره: أي شيء مانع إياك، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: مصدرية. ﴿لا﴾: زائدة زيدت لتأكيد معنى النفي في ﴿مَنَعَكَ﴾. ﴿تَسْجُدَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾. وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: ما منعك من سجودك. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿تَسْجُدَ﴾. ﴿أَمَرْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ إِذْ ﴿،﴾ والتقدير: ما منعك من السجود وقت أمري إياك به. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا. ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿أَنَا خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿قالَ﴾. ﴿خَلَقْتَنِي﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْ نارٍ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافا بيانيا. ﴿وَخَلَقْتَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقْتَنِي﴾. ﴿مِنْ طِينٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خلق﴾.
﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿الفاء﴾: سببية، ﴿اهبط﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾. ﴿مِنْها﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، وقال النسفي: والفاء في قوله:
стр. 4027
﴿فَاهْبِطْ﴾ جواب لقوله ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾؛ أي: إن كنت تتكبر فاهبط انتهى. ﴿فَما﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تعليلية، ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص. ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿يَكُونُ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَتَكَبَّرَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾. فِيها متعلق بـ ﴿تَتَكَبَّرَ﴾، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿يَكُونُ﴾ مؤخرا، والتقدير: فما يكون تكبرك فيها كائنا لك، ولائقا بك، وجملة ﴿يَكُونُ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاهْبِطْ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قال﴾.
﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾.
﴿فَاخْرُجْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿اخرج﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة في محل النصب معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ مؤكدة لجملة قوله: ﴿فَاهْبِطْ إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ مسوقة لتعليل الخروج. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿أَنْظِرْنِي﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِلى يَوْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْظِرْنِي﴾، وجملة ﴿يُبْعَثُونَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمِ﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة مستأنفة. ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ إلى قوله: ﴿شاكِرِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿فَبِما﴾:
стр. 4028
﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا حكمت علي يا رب بالغيّ والصّغار .. فأقول لك: ﴿بما أغويتني﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر وقسم، أو حرف جر وسبب كما أشار إليه الزمخشري، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾: فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية، والجملة الفعلية مع ﴿ما﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بباء القسم، أو بباء السبب، وعلى كلا الوجهين فهي متعلقة بفعل قسم محذوف جوازا تقديره: فأقسم بإغوائك إياي، أو أقسم بسبب إغوائك إياي. ﴿لَأَقْعُدَنَ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أقعدن﴾: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿لَهُمْ﴾: متعلقان بـ ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾. ﴿صِراطَكَ﴾: منصوب على المفعولية، أو منصوب بنزع الخافض تقديره: على صراطك ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: صفة لـ ﴿صراط﴾.
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿لَآتِيَنَّهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم أيضا، ﴿آتينهم﴾: فعل ومفعول ونون توكيد، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾ على كونها جوابا لقسم محذوف. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿آتين﴾. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله، وكرر حرف الجر إشارة إلى أن كل جهة من الجهتين مقصودة استقلالا. ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على الجار والمجرور ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾. ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ﴾، أو ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾، وكرر الجار هنا أيضا إشارة إلى استقلال كل من الجهتين بالقصد، وإنما (١) عدّى الفعل إلى الأولين بـ ﴿مِنْ﴾ الابتدائية؛ لأنه منهما متوجه إليهم، وعدى إلى
стр. 4029
الأخيرين بحرف المجاوزة؛ لأن الآتي منهما كالمنحرف المار على عرضهم، انتهى «أبو السعود»، وإشارة إلى نوع تباعد منه في الجهتين الأخيرتين، لقعود ملك اليمين، وملك اليسار فيهما، وهو ينفر من الملائكة، اه شيخنا. ﴿وَلا تَجِدُ﴾: ناف وفعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ ...﴾ إلخ. فتكون من جملة المقسم عليه، ويكون اللعين قد أقسم على جملتين مثبتتين، وأخرى منفية. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: مفعول وجد إن كان وجد من الوجدان بمعنى اللقاء والمصادفة. ﴿شاكِرِينَ﴾: حال من الضمير، والمعنى: ولا تصادف أكثرهم ولا تلاقيهم حالة كونهم شاكرين، ويحتمل كون وجد من أفعال اليقين، ﴿وأَكْثَرَهُمْ﴾: مفعول أول، ﴿شاكِرِينَ﴾: مفعول ثان.
﴿قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿اخْرُجْ﴾: منها إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿اخْرُجْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على إبليس، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿مِنْها﴾: متعلق بـ ﴿اخْرُجْ﴾. ﴿مَذْؤُمًا﴾: حال أولى من فاعل ﴿اخْرُجْ﴾. ﴿مَدْحُورًا﴾: حال ثانية منه عند من يجوز تعدد الحال لذي حال واحد، وأما عند من لا يجوزه فـ ﴿مَدْحُورًا﴾: صفة لـ ﴿مَذْؤُمًا﴾. ﴿لَمَنْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم المحذوف تقديره: والله لمن تبعك.
فائدة: سميت (١) لام القسم موطئة؛ لأنها وطأت الجواب للقسم المحذوف؛ أي: مهدته له، وتسمى أيضا المؤذنة؛ لأنها تؤذن بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها، لا على الشرط.
﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿تَبِعَكَ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على
стр. 4030
كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿تَبِعَكَ﴾. ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم أيضا مؤكدة للأولى، ﴿أملأن﴾: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنا يعود على الله سبحانه، والجملة من الفعل والفاعل جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده تقديره: لمن تبعك أعذبه، وهذا الوجه أظهر في الإعراب كما قاله «الجمل». والوجه الثاني أن اللام في قوله ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ﴾: لام الابتداء، و ﴿من﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، و ﴿تَبِعَكَ﴾: صلتها. و ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من فاعل ﴿تَبِعَكَ﴾، وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾: جواب قسم محذوف بعد قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾، وذلك القسم المحذوف وجوابه في محل الرفع خبر المبتدأ الذي هو ﴿من﴾ الموصولة، والتقدير: للذي تبعك منهم، والله لأملأن جهنم منكم، فإن قلت (١): أين العائد من الجملة القسمية الواقعة خبرا عن المبتدأ؟.
قلت: هو متضمن في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ لأنه لما اجتمع ضميران غيبة وخطاب .. غلب الخطاب كما تقدم. ﴿جَهَنَّمَ﴾: منصوب على الظرفية المكانية، والظرف متعلق بـ ﴿أملأن﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أملأن﴾. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد لضمير المخاطبين مجرور بالياء؛ لأنه جمع مذكر سالم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿حَرَجٌ﴾ مِنْهُ الحرج: الضيق من عاقبة المخالفة. ﴿وَذِكْرى﴾ والذكرى: التذكر النافع والموعظة المؤثرة، وهو اسم مصدر لذكر يذكر تذكرة وذكرى.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ وولاية (٢) الله لعباده تولي أمورهم فيما لا يصل إليه كسبهم من هدايتهم ونصرهم على أعدائهم، وشرعه لهم عبادته، وبيان الحلال والحرام. ﴿قَلِيلًا ما﴾ ﴿ما﴾: حرف زائد يؤكد به معنى القلة. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ أصله
стр. 4031
تتذكرون بتاءين أولاهما تاء المضارعة، والثانية تاء المطاوعة، فحذفت إحداهما على الخلاف في المحذوفة منهما.
﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ ﴿كم﴾: اسم يفيد التكثير، وهي خبرية: هنا، وكذا في جميع القرآن حيثما وقعت، وكم في كلام العرب قسمان: خبرية: وهي التي بمعنى عدد كثير، واستفهامية: وهي التي تكون بمعنى أي عدد، وهي اسم (١) بسيط لا مركب من كاف التشبيه، وما الاستفهامية حذف ألفها لدخول حرف الجر عليها، وسكنت كما قالوا: لم؛ تركيبا لا ينفك، كما ركبت في كأين مع أي، ولم يأت تمييزها في القرآن إلا مجرورا وأحكامها في نوعيها مذكورة في كتب النحو.
والقرية تطلق على الموضع الذي يجتمع فيه الناس وعلى الناس معا، وتطلق على كل منهما كما جاء في قوله: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾؛ أي: أهل القرية، والقرية هنا تصلح لأن يراد بها القوم أنفسهم، وأن يراد بها المكان؛ لأنه يهلك كما يهلك أهله. ﴿بَأْسُنا﴾ البأس العذاب.
﴿بَياتًا﴾ والبيات: الإغارة على العدو ليلا، والإيقاع به على غرة، وهو في الأصل مصدر بات يبيت بيتا وبيتة وبياتا وبيتوتة. قال الليث: البيتوتة دخولك في الليل، فقوله: بياتا؛ أي: بائتين.
﴿أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ والقائلون: هم الذين يستريحون، أو ينامون وسط النهار؛ أي: حين القائلة، وقال الليث: القيلولة نوم نصف النهار؛ وهي القائلة، وقال الأزهري: القيلولة الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن نوم.
وقال الفراء: يقال: قال يقيل قيلا - كباع يبيع بيعا - وقائلة وقيلولة إذا استراح نصف النهار، فألفه منقلبة عن ياء بخلاف قال من القول، فهي منقلبة عن واو.
﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ والدعوى: ما يدعيه الإنسان، وتطلق على القول أيضا.
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: جعلنا لكم (٢) فيها أمكنة تتبوؤنها، وتتمكنون من الإقامة فيها.
стр. 4032
﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ﴾ بالياء (١) باتفاق السبعة، وإن قرىء شاذا بالهمزة، وليس كصحائف؛ لأن المد فيه زائد؛ لأنه من صحف بخلاف معيشة، فإن المد فيها أصلي؛ لأنه من عاش يعيش عيشا ومعاشا وعيشة ومعيشة ومعيشا. قال رؤبة:
إليك أشكو شدّة المعيش ... وجهد أيّام نتفن ريشي
فأصل معيشة معيشة كمكرمة، أو معيشة كمنزلة، أو معيشة كمتربة، فالياء فيه أصلية على كل حال، وقد قال في «الخلاصة»:
والمد زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالفلائد
وياء معيشة عين الكلمة، ثم إنه على الوجه الأول قلبت ضمة الياء كسرة، ثم نقلت للعين، وعلى الثاني نقلت كسرة الياء إلى العين، والوجه الثالث لا صحة له في التصريف. اه من «السمين».
وفي «المصباح»: عاش يعيش عيشا - من باب سار - صار ذا حياة، فهو عائش، والأنثى عائشة، وعيّاش أيضا مبالغة، والمعيش والمعيشة مكسب الإنسان الذي يعبش به، والجمع معايش هذا على قول الجمهور أنه من عاش، فالميم زائدة، ووزن معايش مفاعل، فلا يهمز، وبه قرأ السبعة، وقيل: إنه من معش، فالميم أصلية، ووزن معيش ومعيشة فعيل وفعيلة، ووزن معائش فعائل، فيهمز كصحائف، وبه قرأ أبو جعفر المدني والأعرج. اه.
وفي «القاموس»: العيش الحياة، يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشة وعيشة - بالكسر - وعيشوشة، والعيش أيضا الطعام وما يعاش به والخبز، والمعيشة أيضا ما يتعيش به من المطعم والمشرب، وما تكون به الحياة، وما يعاش به وفيه، والجمع معايش، والمتعيش من له بلغة من العيش. اه.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ﴾ الخلق: التقدير (٢)، يقال: خلق الخياط الثوب إذا قدره قبل قطعه، وخلق الله الخلق أوجدهم على تقدير أوجبته الحكمة.
стр. 4033
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ مأخوذ من أبلس إبلاسا بمعنى أيس؛ لأنه آيس من رحمة الله تعالى.
﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ والهبوط الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه، أو من منزلة إلى ما دونها؛ فهو إما حسي، وإما معنوي.
﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ والتكبر جعل الإنسان نفسه أكبر مما هي عليه. ﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ والصغار: الذلة والهوان ﴿أَنْظِرْنِي﴾: يقال: أنظره إذا أمهله وأخره.
﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾: والإغواء: الإيقاع في الغواية، وهي ضد الرشاد، يقال: غوى يغوي - من باب رمى - غيا وغواية إذا فسد عليه أمره، وفسد هو في نفسه، ومنه غوى الفصيل إذا أكثر من شرب لبن أمه حتى فسد جوفها، وأشرف على الهلاك، وقيل: أصله الهلاك، ومنه: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ الشمائل (١): جمع شمال، وهو جمع كثرة، وجمعه في القلة على أشمل. قال الشاعر:
يأتي لها من أيمن وأشمل
وشمال يطلق على اليد اليسرى، وعلى ناحيتها، والشمائل أيضا جمع شمال؛ وهي الريح، والشمائل أيضا: الأخلاق. يقال: هو حسن الشمائل.
﴿مَذْؤُمًا﴾ بالهمز (٢): اسم مفعول من ذأمه يذأمه ذأما - كقطعه يقطعه قطعا - إذا عابه ومقته، وفي «المختار»: الذأم: العيب يهمز ولا يهمز، يقال: ذأمه - من باب قطع - إذا عابه وحقره، فهو مذؤوم. اه. وفيه مقته إذا أبغضه من باب نصر، فهو مقيت، ويجوز (٣) إبدال الهمزة ألفا. قال الشاعر:
صحبتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلمّا انجلت قطّعت نفسي أذيمها
وفي المثل: لن يعدم الحسناء ذأما، وقيل: أردت أن تذيمه فمدحته، وقال الليث: ذأمته حقرته، وقال ابن الأنباري وابن قتيبة: ذأمه ذمه وعابه.
﴿مَدْحُورًا﴾ يقال: دحره إذا أبعده وأقصاه، ودحر الجند العدو إذا طرده
стр. 4034
وأبعده. قال الشاعر:
دحرت بني الحصيب إلى قديد ... وقد كانوا ذوي أشر وفخر
يقال: دحره يدحره دحرا ودحورا - من باب خضع - ومنه: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ لما فيه من إطلاق المسبب وإرادة السبب؛ لأن المراد النهي عن أسباب الحرج. قال أبو السعود: توجيه (١) النهي إلى الحرج مع أن المراد نهيه ﷺ عنه؛ إما للمبالغة في تنزيهه ﷺ عن وقوع مثل الحرج منه، فإن النهي لو وجه له لأوهم إمكان صدور المنهي عنه منه، وإما للمبالغة في النهي، فإن وقوع الحرج في صدره سبب لاتصافه به، والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق البرهاني، ونفي له من أصله بالمرة، فالمراد نهيه عما يورث الحرج انتهى.
ومنها: المجاز المرسل أيضا في قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها﴾: لما فيه من إطلاق المحل وإرادة الحال؛ أي: وكم من أهل قرية أهلكناهم.
ومنها: الاعتراض بين الجار ومتعلقه، في قوله: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾، لأنه معترض بين قوله: ﴿أُنْزِلَ﴾ وبين قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾.
ومنها: التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة لضمير المخاطبين، في قوله: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لمزيد اللطف بهم وترغيبهم في امتثال الأمر.
ومنها: الطباق بين قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾، وبين قوله: ﴿بَياتًا﴾ وقوله: ﴿أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾؛ لأن البيات معناه ليلا، وقائلون معناه نهارا وقت الظهيرة.
стр. 4035
ومنها: المجاز بالحذف قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾؛ أي: خلقنا أباكم آدم، وصورنا أباكم.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لأن الصراط حقيقة في الطريق الحسي، فاستعارة لطريق الهداية الموصل إلى جنات النعيم.
ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ﴾ وقوله: ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، وبين قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، وبين قوله: ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾.
ومنها: تغليب الحاضر على الغائب في قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ﴾ لأن فيه تغليب الحاضر الذي هو إبليس على الغائب، وهو الناس.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ﴾، وقوله: ﴿وَلَنَسْئَلَنَ﴾، وفي قوله: ﴿مَوازِينُهُ﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ ﴿فَسَجَدُوا﴾
ومنها: المغاير في قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾ وقوله: ﴿مِنَ السَّاجِدِينَ﴾، وفي قوله: ﴿أَنْظِرْنِي﴾ وقوله: ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع
والله أعلم
* * *
стр. 4036
قال الله سبحانه جلّ وعلا:
﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لا يزال (١) الحديث متصلا في الكلام في النشأة الأولى للبشر، وفي شياطين الجن، وقد ذكرت تمهيدا لهداية الناس بما يتلوها من الآيات في وعظ بني آدم وإرشادهم إلى ما به تكمل فطرتهم، وفي ذلك امتنان عليهم، وذكر لكرامة أبيهم.
قوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة
стр. 4037
هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله لما ذكر أنه أنزل له ولبنيه كل ما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم كاللباس الذي يستترون به عوراتهم، ويتخذونه للزينة واللباس الذي يستعملون في الحرب كالمغافر والجواشن ونحوها، .. فعليكم أن تشكروه على هذه المنن العظام، وتعبدوه وحده لا شريك له.
وعبارة أبي حيان هنا: مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): هو أنه لما ذكر قصة آدم، وفيها ستر السوءات، وجعل له في الأرض مستقرا ومتاعا .. ذكر ما امتن به على بنيه، وما أنعم به عليهم من اللباس الذي يواري السوءات، والرياش الذي يمكن به استقرارهم في الأرض واستمتاعهم بما خولهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله تعالى، لما (٣) بين أنه جعل الشياطين قرناء للكافرين مسلطين عليهم متمكنين من إغوائهم .. ذكر هنا أثر ذلك التسليط عليهم؛ وهو الطاعة لهم في أقبح الأشياء مع عدم شعورهم بذلك القبح.
التفسير وأوجه القراءة
١٩ - وقوله: ﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ﴾ معطوف على قوله: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ عطف قصة على قصة؛ أي: وقلنا يا آدم اسكن أنت ﴿وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾؛ أي: انزل أنت وزوجك حواء في الجنة، وهذا القول بعد إخراج إبليس من الجنة، أو من السماء، أو من بين الملائكة، وقيل: معطوف (٤) على ﴿اخْرُجْ﴾؛ أي: وقلنا يا إبليس اخرج منها مذؤوما مدحورا، ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، ومعنى
стр. 4038
اسكن؛ أي: اتخذ أنت وزوجك حواء الجنة مسكنا لكما؛ أي: محل سكون وإقامة لكما. وتخصيص (١) الخطاب في قوله: ﴿وَيا آدَمُ﴾ به للإيذان بأصالته في تلقي الوحي، وتعاطي المأمور به، وتعميمه في قوله: ﴿فَكُلا﴾ وفي وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبا﴾ للإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به، وتجنب المنهى عنه، فحواء مساوية له فيما ذكر بخلاف السكنى؛ فإنها تابعة له فيها.
وفي «شرح المواهب» للزرقاني ما نصه (٢): واختلفوا في أن حواء خلقت في الجنة، فقال ابن إسحاق: خلقت قبل دخول آدم الجنة؛ لقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، وقيل: خلقت في الجنة بعد دخول آدم الجنة؛ لأنه لما أسكن الجنة مشى فيها مستوحشا، فلما نام خلقت من ضلعه القصرى من شقه الأيسر؛ ليسكن إليها، ويأنس بها. قاله ابن عباس، وينسب لأكثر المفسرين، وعلى هذا قيل: قال الله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ بعد خلقها، وهما في الجنة، وقيل: قبل خلقها، وتوجه الخطاب للمعدوم لوجوده في علم الله تعالى. اه.
وقال المراغي: الجنة هي (٣) التي خلق فيها آدم لا جنة الجزاء، فآدم خلق من الأرض في الأرض. وقد (٤) تكررت هذه القصة في سبعة مواضع من الكتاب العزيز، ولم يرد في موضع منها أن الله رفعه إلى الجنة التي هي دار الجزاء، وإن كان الجمهور على أنها جنة الجزاء على الأعمال، ويرده أنه كلف فيها أن لا يأكل من تلك الشجرة، ولا تكليف في دار الجزاء، ولأنه نام فيها، وأخرج منها، ودخل عليه إبليس، ولا نوم في الجنة، ولا خروج بعد الدخول، ولا يمكن دخول الشيطان فيها بعد الطرد والإخراج.
والآية تدل على أن آدم كان له زوج في الجنة، وفي التوراة: أن الله ألقى على آدم سباتا، فانتزع في أثنائه ضلعا من أضلاعه، فخلق منه حواء امرأته، وأنها سميت امرأة؛ لأنها من امرىء أخذت وليس في القرآن ما يدل على هذا، وما
стр. 4039
روي من ذلك مأخوذ من الإسرائيليات، وما روي في «الصحيحين» عن أبي هريرة من قوله ﷺ : «فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج» فهو من باب التمثيل على حد قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ والدليل على ذلك قوله بعد: «فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا».
فإنه لا شك أن المراد منه: لا تحاولوا تقويم النساء بالشدة والغلظة في المعاملة انتهى.
﴿فَكُلا﴾؛ أنتما يا آدم وحواء من ثمار الجنة ﴿مِنْ حَيْثُ شِئْتُما﴾؛ أي: من أي مكان أردتما الأكل منه، وفي أي وقت شئتما ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ من حيث الأكل منهما ﴿فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم الضارين لها بتعريضها للعقوبة؛ أي: فتصيرا من الضارين لها.
والنهي عن القرب إلى الشيء أبلغ أثرا من النهي عن الشيء نفسه؛ إذ أنه يقتضي البعد عن موارد الشبهات التي تغرى به، كما جاء في الحديث: «ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه».
وقد أبهم هذه الشجرة، ولو كان في تعيينها خير لنا لعينها، وقد علل القرآن النهي عنها بأنهما إذا اقتربا منها كانا من الظالمين، لأنفسهما بفعلهما ما يعاقبان عليه، ولو بالحرمان من رغد العيش، وما يعقبه من التعب والمشقة.
فإن قلت: لم قال هنا: ﴿فَكُلا﴾ بالفاء، وفي البقرة ﴿وَكُلا﴾ بالواو؟
قلت: لا منافاة بين الحرفين؛ لأن الواو للجمع المطلق، فتحمل على إحدى معانيها التي هي عطف اللاحق على السابق، فتتحد مع الفاء في المعنى الذي هو الترتيب. فإن قلت (١): لم حذف ﴿رَغَدًا﴾ هنا على سبيل الاختصار، وأثبت في البقرة؟
قلت: لأن تلك مدنية وهذه مكية، فوفى المعنى هنا باللفظ.
стр. 4040
وقرىء (١): هذي وهو الأصل لتصغيره على ذيا، والهاء بدل من الياء.
٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾؛ أي: حدّث (٢) لهما في أنفسهما، وفي «الخازن» يعني: فوسوس إليهما، والوسوسة: حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان يقال: وسوس إذا تكلم كلاما خفيا مكررا، ومعنى وسوس لهما: فعل الوسوسة وألقاها إليهما. وقال المراغي: أي: زين لهما ما يضرهما ويسؤهما إذا هما رأيا ما يؤثران ستره، وأن لا يرى مكشوفا. والأرجح أن هذه الوسوسة كانت بأن تمثل الشيطان لآدم وزوجه وكلّمهما. انتهى.
فإن قلت: كيف وسوس إليهما وآدم وحواء في الجنة، وإبليس قد أخرج منها؟
قلت: أجيب عن هذا السؤال بأجوبة:
منها: أنه كان في السماء وكانا يخرجان إليه.
ومنها: أنه كان على باب الجنة، وهما على بابها من داخلها.
ومنها: ما قال الحسن: إنه وصلت وسوسته لهما في الجنة، وهو في الأرض بالقوة التي خلقها الله له، وقيل: كان يدخل إليهما في فم الحية، وهذان القولان ضعيفان؛ لمخالفتهما لفظ القرآن، ولكن البحث عن هذه المسألة ليس مما كلفنا الله بعلمه، فالكلام فيه لا يعنينا.
﴿لِيُبْدِيَ﴾؛ أي: ليظهر ﴿لهما ما ورى عنهما﴾؛ أي: ما ستر عنهما بلباس النور، أو بثياب الجنة. وقال الصاوي: واختلف في ذلك اللباس، فقيل: غطاء على الجسد من جنس الأظفار فنزع عنهما وبقيت الأظفار في اليدين والرجلين تذكرة وزينة وانتفاعا، ولذلك قالوا: إن النظر إلى الأظفار في حال الضحك يقطعه، وقيل: كان نورا، وقيل: كان من ثياب الجنة. انتهى.
﴿مِنْ سَوْآتِهِما﴾؛ أي: من عوراتهما، أراد الشيطان أن يسوءهما بظهور ما
стр. 4041
كان مستورا عنهما من عوراتهما، فإنهما كانا لا يريان عورة أنفسهما، ولا يراها أحدهما من الآخر. قيل: إنما بدت عوراتهما لهما لا لغيرهما، وكان عليهما نور يمنع رؤيتها، وإنما لم تقلب (١) الواو في ﴿وُورِيَ﴾ همزة؛ لأن الثانية مدة مأخوذة من المواراة؛ وهي الستر يقال: واريته بمعنى سترته، والسوءة فرج الرجل والمرأة، سمي بذلك؛ لأن ظهوره يسوء الإنسان. وفي الآية دليل على أن كشف العورة من المنكرات المحرمات، واللام في قوله: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾: لام العاقبة؛ وذلك لأن إبليس لم يقصد بالوسوسة ظهور عوراتهما، وإنما كان حملهما على المعصية فقط، فكان عاقبة أمرهما أن بدت عوراتهما. ﴿وَقالَ﴾ إبليس لآدم وحواء فيما وسوسهما به ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ﴾؛ أي: ما منعكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة ﴿إِلَّا﴾ لأحد أمرين كراهة ﴿أَنْ تَكُونا﴾ بالأكل منها ﴿مَلَكَيْنِ﴾؛ أي: كالملكين فيما أوتي الملائكة من الخصائص والمزايا كالقوة، وطول البقاء، وعدم التأثر بتأثيرات الكون المؤلمة المتعبة ﴿أَوْ﴾ كراهة ﴿أن تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ في الجنة؛ أي: من الذين لا يموتون البتة، ويبقون في الجنة ساكنين يعني (٢): إنما نهاكما عن هذه الشجرة لكي لا تكونا ملكين من الملائكة تعلمان الخير والشر، أو تكونا من الباقين الذين لا يموتون، وإنما أطمع إبليس آدم بهذه الآية؛ لأنه علم أن الملائكة لهم المنزلة والقرب من العرش، فاستشرف لذلك آدم، وأحب أن يعيش مع الملائكة لطول أعمارهم، أو يكون مع الخالدين الذين لا يموتون أبدا.
وفي الآية (٣): إيماء إلى تفضيل الملائكة على آدم، وخصصه بعضهم بملائكة السماء والعرش والكرسي، من العالين المقربين، دون ملائكة الأرض المسخرين لتدبير أمورها، وإحكام نظامها.
وقرأ الجمهور (٤): ﴿وُورِيَ﴾ وقرأ عبد الله: ﴿أوري﴾ - بإبدال الواو همزة وهو بدل جائز -. وقرأ ابن وثاب: ﴿ما وري﴾ - بواو مضمومة من غير واو
стр. 4042
بعدها - على وزن كسي. وقرأ مجاهد والحسن: ﴿من سوتهما﴾ - بالإفراد وتسهيل الهمزة بإبدالها واوا وإدغام الواو فيها -. وقرأ الحسن أيضا وأبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح: ﴿من سوّاتهما﴾ - بتسهيل الهمزة وتشديد الواو -. وقرىء: ﴿من سواتهما﴾ - بواو واحدة وحذف الهمزة - ووجهه أنه حذفها وألقى حركتها على الواو، فمن قرأ بالجمع؛ فهو من وضع الجمع موضع التثنية كراهة اجتماع مثلين، ومن قرأ بالإفراد؛ فمن وضعه موضع التثنية، ويحتمل أن يكون الجمع على أصل وضعه باعتبار أن كل عورة الدبر والفرج، وذلك أربعة فهي جمع.
وقرأ ابن عباس والحسن بن علي والضحاك ويحيى بن كثير والزهري وابن حكيم عن ابن كثير (١): ﴿ملكين﴾ - بكسر اللام - ويدل لهذه القراءة ما في سورة طه من قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾.
٢١ - ﴿وَقاسَمَهُما﴾؛ أي: أقسم وحلف إبليس لهما، والمفاعلة ليس على بابها بقوله: ﴿والله إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾؛ أي: إني لناصح لكما فيما رغبتكما فيه من الأكل من الشجرة، وأكد ذلك بأشد المؤكدات وأغلظها؛ إذ كان عندهما محل الظنة والتهمة في نصحه؛ لأن الله أخبرهما أنه عدو لهما. وقرىء: ﴿وقاسمهما بالله﴾.
٢٢ - ﴿فَدَلَّاهُما﴾؛ أي: جرأهما إبليس على أكل الشجرة ﴿بِغُرُورٍ﴾؛ أي: بسبب غروره وتزيينه لهما أكل الشجرة بالحلف لهما بالله، أو المعنى: فأسقطهما وحطهما عما كانا عليه من سلامة الفطرة وطاعة المولى بما غرهما به، وزين لهما من أكل الشجرة، وقد اغترا به وانخدعا بقسمه، وصدقا قوله اعتقادا منهما أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا. وفي «الشوكاني» التدلية (٢) والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال: أدلى دلوه أرسلها، والمعنى: أنه أهبطهما بذلك من الرتبة العلية إلى الأكل من الشجرة، وقيل معناه: أوقعهما في الهلاك، وقيل
стр. 4043
معناه: جرأهما على المعصية، فخرجا من الجنة انتهى.
وقيل معناه: فخدعهما (١) بزخرف من القول الباطل حتى أكلا قليلا قصدا إلى معرفة طعم ذلك الثمر؛ لغلبة الشهوة، لا لكونهما صدقا قول إبليس.
ويرى بعض العلماء (٢) أن الغرور كان بتزيين الشهوة، فإن من غرائز البشر وطبائعهم كشف المجهول، والرغبة في الممنوع، فقد نفخ الشيطان في نار هذه الشهوات الغريزية، وأثار النفس إلى مخالفة النهي حتى نسي آدم عهد ربه، ولم يكن له من قوة العزم ما يكفه عن متابعة امرأته، ويعتصم به من تأثير شيطانه كما قال في سورة طه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.
وجاء في الصحيح عن أبي هريرة: «ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها»؛ أي: لأنها هي التي زينت له الأكل من الشجرة، وقد فطرت المرأة على تزيين ما تشتهيه للرجل، ولو بالخيانة له.
﴿فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ﴾؛ أي: فلما تناولا من ثمر تلك الشجرة يسيرا لمعرفة طعمه ﴿بَدَتْ لَهُما﴾؛ أي: ظهرت لكل منهما ﴿سَوْآتُهُما﴾؛ أي: سؤته وسؤة صاحبه، وكانت مستورة عنهما؛ أي: ظهر لكل منهما قبل نفسه وقبل صاحبه ودبره، وزال عنهما ثوبهما من حلل الجنة، فدبت فيهما شهوة التناسل بتأثير الأكل من الشجرة، فنبهتهما إلى ما كان خفيا عنهما من أمرها، فخجلا من ظهورها، وشعرا بالحاجة إلى سترها ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: وشرعا يلزقان ويربطان على أبدانهما من ورق أشجار الجنة العريض ما يسترها.
والخلاصة (٣): أن الشيطان لما وسوس لهما بقوله: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما ...﴾ إلخ، ولم يقبلا منه ما قال .. لجأ إلى اليمين كما دل على ذلك قوله: ﴿وَقاسَمَهُما﴾ فلم يصدقاه أيضا، فعدل بعد ذلك إلى الخداع كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ﴾؛ أي: أنه شغلهما بتحصيل اللذات، فجعلاها نصب أعينهما، ونسيا النهي كما يدل على ذلك قوله: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
стр. 4044
قال ابن عباس: الورق الذي خصفا منه ورق الزيتون، وقيل: ورق شجر التين، وقيل ورق الموز، ولم يثبت تعيينها لا في القرآن، ولا في حديث صحيح.
وقد قيل فيهما شعر:
لله درّهم من فتية بكروا ... مثل الملوك وراحوا كالمساكين
وقرأ أبو السمال (١): ﴿وطفقا﴾ - بفتح الفاء - وقرأ الزهري: ﴿يخصفان﴾ من أخصف، فيحتمل أن يكون أفعل بمعنى فعل، ويحتمل أن تكون الهمزة للتعدية من خصف؛ أي: يخصفان أنفسهما. وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وابن وثاب: ﴿يخصّفان﴾ - بفتح الياء وكسر الخاء والصاد وشدها - وقرأ الحسن فيما روى عنه محبوب كذلك، إلا أنه فتح الخاء. ورويت عن ابن بريدة وعن يعقوب، وقرىء: ﴿يخصّفان﴾ - بتشديد - من خصف على وزن فعل. وقرأ عبد الله بن يزيد: ﴿يخصّفان﴾ - بضم الياء والخاء وتشديد الصاد وكسرها - وتقرير هذه القراءات في علم العربية. وقد عاتبه الله على تركه التحفظ والحيطة والتدبر في عواقب الأمور فقال: ﴿وَناداهُما رَبُّهُما﴾ معاتبا لهما، وموبخا لهما، وقال: يا آدم ويا حواء ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾؛ أي: عن أن تقربا هذه الشجرة وعن الأكل من ثمرها ﴿وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر العداوة لكما حيث أبى السجود، فإن أطعتماه أخرجكما من الجنة حيث العيش الرغد إلى حيث الشقاء في العيش والتعب، والنصب في الحياة. والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما﴾ تقريري. قيل: لما كان وقت الهناء .. شرف بالتصريح باسمه في النداء، فقيل: ويا آدم اسكن، وحين كان وقت العتاب أخبر أنه ناداه، ولم يصرح باسمه. والظاهر أنه تعالى كلمهما بلا واسطة. وقال الجمهور: إن النداء كان بواسطة الوحي.
روي (٢): أنه تعالى قال لآدم: ألم يكن فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزتك، ولكن ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا،
стр. 4045
قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدّا، فأهبط وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وسقى وحصد، ودرس وذرى وعجن وخبز.
قال ابن عباس ﵄ (١): لما أكل آدم من الشجرة .. قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني. قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها قال: فرنت - صاحت - حواء عند ذلك رنة - صيحة - فقيل لها: الرنة عليك وعلى بناتك، وقال محمد بن قيس: ناداه ربه: يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: أطعمتني حواء، فقال: لم أطعمتيه؟ قالت: أمرتني الحية، فقال للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس، قال الله تعالى: أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة تدمين كل شهر، وأما أنت يا حية فأقطع رجليك، فتمشين على وجهك وسيشدخ رأسك من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون مطرود مدحور عن الرحمة. وقيل: ناداه ربه يا آدم أما خلقتك بيدي، أما نفخت فيك من روحي، أما أسجدت لك ملائكتي، أما أسكنتك جنتي في جواري.
٢٣ - ﴿قالا﴾؛ أي: قال آدم وحواء ﴿رَبَّنا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾؛ أي: أضررنا أنفسنا بطاعتنا للشيطان ومعصيتنا لأمرك، وقد أنذرتنا ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ ما ظلمنا به أنفسنا ﴿وَتَرْحَمْنا﴾ بالرضا عنا، وتوفيقنا إلى الهداية وترك الظلم، وبقبول توبتنا إذا نحن أنبنا إليك، وإعطائنا من فضلك فوق ما نستحق، والله ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ لأنفسنا الهالكين لها بتعريضها للعقوبة.
والخلاصة (٢): أن الظفر بالمقصود والفوز بالسعادة لا ينالهما أحد بمغفرتك ورحمتك إلا من ينيب إليك، ويتبع سبيلك، ولا ينالهما من يصر على ذنبه ويحتج على ربه، كما فعل الذي أبى واستكبر فكان من الخاسرين.
وقال الضحاك في قوله (٣): ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ...﴾ الخ. قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم ﵇ من ربه . قالَ الله لآدم وحواء وإبليس والحية، كما قاله الطبري.
٢٤ - ﴿اهْبِطُوا﴾؛ أي: انزلوا من السماء
стр. 4046
إلى الأرض. وقال الفخر الرازي: إن الذي تقدم ذكره هو آدم وحواء وإبليس، فقوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ يجب أن يتناول هؤلاء الثلاثة، قيل: هبط آدم في الهند، وحواء بجدة، وإبليس بالأبلة - بضم الهمزة الموحدة وبتشديد اللام - جبل بقرب البصرة، والحية بأصبهان. وقال المراغي: يرى كثير من سلف الأمة أن هذا الخطاب لآدم وحواء وإبليس عليه اللعنة؛ أي: اهبطوا من هذه الجنة ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾؛ أي: حالة كون بعضكم عدوا لبعض آخر؛ أي: إن الشيطان عدو للإنسان، فعلى الإنسان أن لا يغفل عن عداوته، ولا يأمن وسوسته وإغواءه كما جاء في قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ فالعداوة ثابتة بين آدم وإبليس، وذرية كل منهما. وهذا (١) الإخراج من ذلك النعيم عقاب على تلك المعصية التي بها ظلما أنفسهما، وقد قضت به سنة الله في الخلق، إذ جعله أثرا طبيعيا للعمل السيء مترتبا عليه إما العقاب الأخروي على عصيان الرب، فقد غفره الله له بالتوبة التي أذهبت أثره من النفس، وجعلتها محلا لاصطفائه كما قال في سورة طه: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢)﴾.
﴿وَلَكُمْ﴾ يا آدم وحواء وإبليس مع ذريتكم ﴿فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: استقرار وبقاء إلى زمن مقدر في علم الله؛ وهو الأجل الذي تنتهي فيه أعماركم، وتقوم فيه القيامة ﴿وَ﴾: لكم فيها أيضا ﴿مَتاعٌ﴾؛ أي: ما تستمتعون وتنتفعون به من المطاعم والمشارب والملابس وغيرها ﴿إِلى حِينٍ﴾؛ أي: إلى حين انقضاء آجالكم، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ﴾.
ومعنى الآية (٢): أن الله أخبر آدم وحواء وإبليس والحية أنه إذا أهبطهم إلى الأرض، فإن بعضهم لبعض عدو، وأن لهم في الأرض موضع قرار يستقرون فيه إلى انقضاء آجالهم، ثم يستقرون في قبورهم إلى انقطاع الدنيا. قال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ يعني: إلى يوم القيامة،
стр. 4047
وإلى انقطاع الدنيا.
٢٥ - ﴿قالَ﴾ الله لآدم وذريته، وإبليس وأولاده ﴿فِيها﴾؛ أي: في هذه الأرض التي خلقتم منها ﴿تَحْيَوْنَ﴾؛ أي: تعيشون مدة العمر المقدر لكل منكم، وللنوع بأسره ﴿وَفِيها﴾؛ أي: وفي الأرض ﴿تَمُوتُونَ﴾؛ أي: تكون وفاتكم، وموضع قبوركم حين انتهاء أعماركم ﴿وَمِنْها﴾؛ أي: ومن الأرض ﴿تُخْرَجُونَ﴾؛ أي: يخرجكم ربكم بعد موتكم كلكم حين ما يريد أن يبعثكم من مرقدكم للنشأة الآخرة، ويحشركم للحساب يوم القيامة. وهذا الكلام (١) كالتفسير لقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ﴾ ولذلك جاء ﴿قالَ﴾ بغير واو العطف، وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان: تخرجون - بالبناء للفاعل هنا - وفي الجاثية والزخرف وأول الروم، وعن ابن ذكوان في أول الروم خلاف. وقرأ باقي السبعة مبنيا للمفعول. ونحو الآية قوله تعالى في سورة طه: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)﴾.
فصل في مغزى هذا القصص
قص الله علينا خبر النشأة الأولى (٢)؛ ليرشدنا إلى ما فطرنا عليه، وإلى ما يجب علينا من شكره وطاعته، ويبين لنا أنه خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض، وجعله مستعدا لعلم كل شيء فيها، وتسخير ما فيها من القوى لمنافعه، وليهدينا إلى أنه كان في نشأته الأولى في جنة النعيم وراحة البال، وقد جعله مستعدا للتأثر بالأرواح الملكية التي تجذبه إلى الحق والخير، والأرواح الشيطانية التي تجذبه إلى الباطل والشر، وعاقبة التأثر الأولى سعادة الدارين، ونتيجة الثاني الشقاء فيهما، وهو أيضا محتاج إلى الوحي لإرشاده وهدايته. فعلينا أن نعرف غرائزنا، ونربي أنفسنا على أن نتذكر عهد الله إلينا بأن نعبده وحده، ولا نعبد معه أحدا سواه، ولا ننساه فننسى أنفسنا، ونغفل عن تزكيتها، ونتركها كالريشة في مهاب أهواء الشهوات، ووساوس شياطين
стр. 4048
الضلالات، وعلينا أن نعرف أن آدم لم يكن نبيا ولا رسولا عند بدء خلقه، ولا موضعا للرسالة في ذلك الحين، بل أنكر بعضهم أن يكون رسولا مطلقا، وقال: إن أول الرسل نوح ﵇ كما تدل على ذلك الآيات الواردة في الرسل والأحاديث، وما ورد في هذه القصة من التفسير بالمأثور، فأكثره مدخول مأخوذ من الإسرائيليات عن زنادقة اليهود الذين دخلوا في الإسلام للكيد له، وكان الرواة ينقلون عن الصحابي أو التابعي ما مصدره من الإسرائيليات؛ فيغتر به بعض الناس فيظنون أنه لا بد له من أصل مرفوع إلى النبي ﷺ ؛ لأنه لا يعرف بالرأي.
٢٦ - ويقول : ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ﴾ بقدرتنا من سمائنا لتدبير أموركم ﴿لِباسًا يُوارِي﴾ ويستر ﴿سَوْآتِكُمْ﴾ وعوراتكم التي قصد إبليس إبداءها من أبويكم حتى اضطروا إلى لزق الأوراق، فأنتم مستغنون عن ذلك باللباس يعني: ثياب القطن وغيره كالصوف والوبر والشعر ﴿وَ﴾ أنزلنا عليكم لباسا ﴿رِيشًا﴾ لكم؛ أي: يكون زينة لكم؛ أي: لباسا يزين لابسه كالريش الذي يزين الطائر، استعير من ريش الطائر؛ لأنه لباسه وزينته، وذلك كالحرير والخز والقز وحلي الذهب والفضة؛ أي أنزلنا عليكم لباسين؛ لباسا يواري سؤاتكم ولباسا يزينكم؛ لأن الزينة غرض صحيح. والمعنى (١): خلقناه لكم بتدبيرات سماوية، وأسباب نازلة منها كالمطر، فهو سبب لنبات القطن والكتان وغيرهما كالتوت، ولمعيشة الحيوانات ذوات الصوف وغيره فبهذا الاعتبار كأن اللباس نفسه أنزل من السماء، ونظير هذا: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ...﴾ إلخ. ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ...﴾ إلخ. ومعنى إنزال ما ذكر من السماء: إنزال مادته من القطن والصوف والوبر والحرير وريش الطير وغيرها مما ولدته الحاجة، وافتن الناس في استعماله بعد أن تعلموا وسائل صنعه بما أوجد فيهم من الغرائز والصفات التي بها غزلوا ونسجوا وحاكوا ذلك على ضروب شتى، وخاطوه على أشكال لا حصر لها ولا عد، ولا سيما في هذا العهد الذي وفيت فيه الصناعات إلى أقصى مدى وأبعد غاية. ولا شك أن امتنانه علينا بلباس الزينة دليل على إباحتها والرغبة في استعمالها، والإسلام دين
стр. 4049
الفطرة، وليس فيه ما يخالف ما تدعو إليه الحاجة وحب الزينة من أقوى غرائز البشر الدافعة لهم إلى إظهار سنن الله في الخليقة.
وقرأ عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسلمي وعلي بن الحسين وابنه زيد وأبو رجاء وزر بن جيش وعاصم في رواية وأبو عمرو في رواية (١): ورياشا فقيل: هما مصدران بمعنى واحد، يقال: راشه الله يريشه ريشا ورياشا إذا أنعم عليه.
﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ بالرفع مبتدأ خبره جملة قوله: ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾؛ أي: اللباس الناشيء عن تقوى الله تعالى وخوفه، وهو العمل الصالح والإخلاص فيه ذلك خير؛ أي: هذا اللباس الأخير خير من اللباسين الأولين؛ لأن الإنسان يكسى من عمله يوم القيامة، وإنما كان خيرا لأنه يستر من فضائح الآخرة. وفي (٢) الحديث: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، فإذا كان كذلك فينبغي للإنسان أن يشتغل بتحسين ظاهره بالأعمال الصالحة، وباطنه بالإخلاص، فإنه محل نظر لله تعالى، ولذلك قال بعضهم: إلهي زين ظاهري بامتثال ما أمرتني به ونهيتني عنه، وزين سري بالإسرار، وعن الأغيار فصنه. وقال المراغي: المشهور من كلام التابعين أن لباس التقوى لباس معنوي لا حسي. فقد قال ابن زيد: لباس هو التقوى خير، وعن ابن عباس أنه هو الإيمان والعمل الصالح، فإنهما خير من الريش واللباس، وروي عن زيد بن علي بن الحسين أنه لباس الحرب كالدرع والمغفر والآلات التي يتقى بها العدو، واختاره أبو مسلم الأصفهاني، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾.
وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصب (٣) ﴿لباس﴾ عطفا على ﴿لِباسًا﴾؛ أي: وأنزلنا عليكم لباس التقوى، وهو الإيمان كما قاله قتادة والسدي وابن جريج، أو العمل الصالح كما قاله ابن عباس، أو السمت الحسن كما قاله
стр. 4050
عثمان بن عفان، أو خشية الله تعالى كما قاله ابن الزبير، أو الحياء كما قاله معبد والحسن.
﴿ذلِكَ﴾؛ أي: اللباس ﴿خَيْرٌ﴾ لصاحبه من اللباسين الأولين؛ لأنه يستر من فضائح الآخرة، وقرأ باقي السبعة بالرفع كما مر. ﴿ذلِكَ﴾: المنزل من اللباسين ﴿مِنْ آياتِ اللَّهِ﴾؛ أي: من دلائل قدرته؛ أي: ذلك الذي تقدم ذكره من النعم بإنزال الملابس من آيات الله الدالة على قدرته، وعظيم فضله، وعميم رحمته لعباده، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، والمعنى: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم أنواع الملابس؛ لكي تذكرون وتعرفون عظيم النعمة في ذلك اللباس، وتقومون بما يجب عليكم من الشكر والابتعاد من فتنة الشيطان، وإبداء العورات، أو لإسراف في استعمال الزينة.
٢٧ - ولما ذكر نعمة اللباس .. أراد أن ينبههم على أن الشيطان حسود وعدو لهم كما أنه حسود وعدو لأبيهم، فقال: ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾؛ أي: لا يخرجنكم الشيطان عن طاعتي بفتنه ووسوته، فتمنعوا من دخول جنتي ﴿كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾ آدم وحواء ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: إخراجا مثل إخراجه أبويكم من الجنة بفتنته بأمره لهما بمخالفة أمري، فمنعا من سكنى الجنة.
وهذا في الظاهر نهي للشيطان، وفي الحقيقة نهي لبني آدم عن الإصغاء لفتنته ووسوسته واتباعه، فليس المراد النهي عن تسلطه؛ إذ لا قدرة لمخلوق على منع ذلك؛ لأنه قضاء مبرم، بل المراد النهي عن الميل إليه.
والمعنى (١): أي لا تغفلوا يا بني آدم عن أنفسكم، فتمكنوا الشيطان من وسوسته لكم، والتحيل في خداعكم، وإيقاعكم في المعاصي كما وسوس لأبويكم آدم وحواء، فزين لهما معصية ربهما، فأكلا من الشجرة التي نهاهم عنها، وكان ذلك سببا في خروجهما من الجنة التي كانا يتمتعان بنعيمها ودخولهما في طور آخر يكابدان فيه شقاء المعيشة وهمومها.
стр. 4051
وقرأ ابن وثاب وإبراهيم: ﴿لا يفتننكم﴾ - بضم حرف المضارعة - من أفتنه بمعنى حمله على الفتنة. وقرأ زيد بن علي: ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ - بغير نون توكيد - اه «سمين» وقوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ حال من الضمير في ﴿أَخْرَجَ﴾، أو من ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾؛ لأن الجملة فيها ضمير الشيطان، وضمير الأبوين؛ أي: حالة كون الشيطان ينزع ويسقط عن أبويكم لباسهما؛ أي: حالة كونه تسبب في سقوط لباسهما عنهما بأمرهما بالأكل من الشجرة ﴿لِيُرِيَهُما﴾؛ أي: ليظهر لهما ﴿سَوْآتِهِما﴾؛ أي: عوراتهما أي: ليري آدم سوأة حواء، وترى هي سوأة آدم؛ أي: أنه أخرجهما من الجنة، وكان سببا في نزع لباسهما من ثياب الجنة، أو مما اتخذاه لباسا لهما من ورق الجنة؛ لأجل أن يريهما سؤاتهما، وفي ذلك إيماء إلى أنهما كانا يعيشان عريانين بعدما أهبطا إلى الأرض؛ لأنه ليس في الأرض ثياب تصنع، وليس هناك إلا أوراق الأشجار، وعلماء العاديات والآثار يحكمون حكما جازما بأن البشر قبل اهتدائهم إلى الصناعات كانوا يعيشون عراة، ثم اكتسوا بورق الشجر وجلود الحيوان التي يصطادونها، ولا يزال المتوحشون منهم إلى الآن يعيشون كذلك.
وقوله: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ﴾ تعليل للتحرز من الشيطان اللازم للنهي، كأنه قيل: فاحذروه لأنه يراكم ﴿هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾؛ أي أن إبليس وجنوده وأعوانه من شياطين الجن يرونكم يا بني آدم من مكان لا ترونهم فيه، والضرر إذا جاء من حيث لا يرى كان خطره أشد، ووجوب العناية باتقائه أعظم، كما يرى ذلك في بعض الأوبئة التي ثبت وجودها في هذا العصر بالمجهر، فإنها تنفذ إلى الأجسام بنقل الذباب، أو البعوض، أو مع الطعام أو الشراب، أو الهواء، فتتوالد وتنمو بسرعة، وقد تسبب للإنسان أمراضا مستعصية العلاج كالحمى الصفراء، والسل والسرطان إلى غير ذلك.
وفعل جنة الشياطين في أرواح البشر كفعل هذه الجنة التي يسميها الأطباء الميكروبات في الأجسام، فكلاهما يؤثر من حيث لا يرى فيتقى، والثانية تتقى بالأخذ بنصائح الأطباء، واستعمال الوسائل العلاجية الواقية، والأولى تتقى أيضا
стр. 4052
بتقوية الأرواح بالإيمان بالله وصفاته، وإخلاص العبادة له، والتخلق بالأخلاق الكريمة، وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فتبتعد تلك الأرواح الشيطانية عنها، ولا تستطيع القرب منها.
والحاصل:
أن الشياطين يرون بني آدم لكثافة أجسامهم وتلونهم، وبنو آدم لا يرونهم للطافتهم وعدم تلونهم، فأجسام الشياطين كالهواء، وأما رؤية الشياطين بعضهم بعضا، فحاصلة لقوة في أبصارهم. قال مجاهد: قال إبليس: جعل لنا أربع: نرى، ولا نرى، ونخرج من تحت الثرى، ويعود شيخنا شابا. وقال مالك بن دينار: إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المجاهدة إلا من عصمه الله.
وهذا حيث كانوا بصورتهم الأصلية، وأما إذا تصوروا بغيرهم فنراهم؛ لأن الله تعالى جعل لهم قدرة على التشكل بالصور الجميلة أو الخسيسة، وتحكم عليهم الصورة كما في الأحاديث الصحيحة، فالآية ليست على عمومها، فالفرق بينهم وبين الملائكة أن الملائكة لا يتشكلون إلا في الصورة الجميلة، ولا تحكم عليهم، بخلاف الجن. وقد ورد أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وجعلت صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله تعالى. وقرأ اليزيدي: ﴿وقبيله﴾ - بالنصب - عطفا على اسم ﴿إن﴾.
ثم زاد في التحذير من الشيطان، وبيّن شديد عداوته للإنسان، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ وصيرنا ﴿الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ﴾ وأعوانا وأصحابا ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لغير المؤمنين؛ أي: مكناهم من إغوائهم، فتحرزوا أنتم أيها المؤمنون منهم؛ أي: إنا صيرنا الشياطين قرناء للذين لا يؤمنون بمحمد ﷺ وبالقرآن مسلطين عليهم؛ أي: أن (١) سنتنا جرت بأن يكون الشياطين الذين هم شرار الجن أولياء لشرار الإنس؛ وهم الكفار الذين لا يؤمنون بالله تعالى وملائكته إيمان إذعان تزكو به نفوسهم لما بينهما من التناسب والتشاكل.
واكتساب الكفار لولاية الشياطين جاءت بسبب استعدادهم لقبول وسوستهم
стр. 4053
وإغوائهم، وعدم احتراسهم من الخواطر الرديئة، كاكتساب ضعفاء البنية للأمراض باستعدادهم لها، وعدم احتراسهم من أسبابها، كتناول الأطعمة والأشربة الفاسدة، والوجود في جو مملوء بالجراثيم القاتلة بعدم تعرضه للشمس والنور والهواء المتجدد.
٢٨ - ﴿وَإِذا فَعَلُوا﴾؛ أي: وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله ورسوله ممن جعلوا الشياطين أولياء لأنفسهم فعلة ﴿فاحِشَةً﴾؛ أي: فعلا قبيحا شرعا وعقلا من الأفعال التي تدينوا بها كتعريهم حين الطواف بالبيت، وسجودهم للأصنام، فلامهم لائم على ذلك ونهاهم عنه. قال أكثر المفسرين: المراد بالفاحشة هنا هي طواف المشركين بالبيت عراة. وقيل: هي الشرك، والظاهر أنها تصدق على ما هو أعم من الأمرين جميعا، والفاحشة في أصلها هي الذنوب التي بلغت الغاية في فحشها وقبحها. ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال الذين لا يؤمنون بالله في جواب اللائم والناهي محتجين بأمرين، تقليد الآباء والافتراء على الله ﴿وَجَدْنا﴾ ورأينا ﴿عَلَيْها﴾؛ أي: على هذه الفاحشة ﴿آباءَنا﴾ وأجدادنا وأسلافنا؛ أي: قالوا: وجدنا آباءنا يفعلون مثل ما نفعل، فنحن نقتدي بهم ونستن بسنتهم ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿أَمَرَنا بِها﴾؛ أي: بهذه الفعلة، فنحن نتبع أمره، فإن أجدادنا إنما كانوا يفعلونها بأمر الله تعالى بها، وقد رد تعالى عن الأمر الثاني بأمر رسوله أن يدحضه بقوله: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد في جوابهم ردا عليهم في المقالة الثانية ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾؛ أي: إن هذا الفعل من الفحشاء، والله سبحانه بكماله منزه عن أن يأمر بالفحشاء، فإن عادته تعالى جارية على الأمر بمحاسن الأعمال، والحث على نفائس الخصال، وإنما يأمر بالفحشاء الشيطان، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾.
ثم رد عليهم المقالة الأولى، ووبخهم على تقليد الآباء والأجداد بقوله: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ، وهذا من جملة المأمور به في الجواب؛ أي: وقل لهم يا محمد: إنكم باتباعكم للآباء والأجداد في الآراء والشرائع غير المستندة إلى الوحي تقولون على الله ما لا تعلمون أنه
стр. 4054
شرعه لعباده يعني: أنكم (١) ما سمعتم كلام الله مشافهة، ولا أخذتموه عن الأنبياء الذين هم وسائط بين الله وعباده في تبليغ أوامره ونواهيه؛ لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء، فكيف تقولون على الله ما لا تعلمون.
والخلاصة (٢): أنهم في عملهم الفاحشة استندوا إلى أمرين: أمر الله تعالى بها، وتقليد الآباء والأجداد، وقد رد الله عليهم في كل منهما، فرد على الأول ببيان أن الله لا يأمر بفاحشة، وأن الذي يأمر بها إنما هو الشيطان، ورد على الثاني بأن التشريع لا يعلم إلا بوحي من عنده إلى رسول يؤيده بالآيات البينات، وهو لم ينزل عليهم بفعل الفاحشة، فقولهم هذا إنما هو اتباع للأهواء فيما هو قبيح تنفر منه الطباع السليمة، وتستنقصه العقول الراجحة الحكيمة.
واعلم: أن في هذه الآية الشريفة لأعظم (٣) زاجر وأبلغ واعظ للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق، فإنهم القائلون: إنا وجدنا آباؤنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون، والقائلون: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، والمقلد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به، وأنه الحق لم يبق عليه، وهذه الخصلة هي التي بقي بها اليهودي على اليهودية، والنصراني على النصرانية، والمبتدع على بدعته، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية أو النصرانية أو البدعية، وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به، ولم ينظروا لأنفسهم، ولا طلبوا الحق كما يجب، ولا بحثوا عن دين الله كما ينبغي، وهذا هو التقليد البحت والقصور الخالص، فيا من نشأ على مذهب من هذه المذاهب الإسلامية إنا لك النذير المبالغ في التحذير من أن تقول هذه المقالة، وتستمر على الضلالة، فقد اختلط الشر بالخير، والصحيح بالسقيم، وفاسد الرأي بصحيح الرواية، ولم يبعث الله إلى هذه الأمة إلا نبيا واحدا أمرهم باتباعه، ونهى عن مخالفته، فقال: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما
стр. 4055
نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ولو كان محض رأي أئمة المذاهب واتباعهم حجة على العباد .. لكان لهذه الأمة رسل كثيرة متعددون بعدد أهل الرأي المكلفين للناس بما لم يكلفهم الله به، وإن من أعجب الغفلة، وأعظم الذهول عن الحق اختيار المقلدة لآراء الرجال مع وجود كتاب الله، ووجود سنة رسوله ﷺ ، ووجود من يأخذونهما عنه، ووجود آلة الفهم لديهم، وملكة العقل عندهم.
٢٩ - وبعد أن أنكر عليهم أن يكونوا على علم بأمر الله فيما فعلوا .. بين ما يأمر به من محاسن الأعمال، ومكارم الأخلاق بقوله لرسوله: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿إنما أَمَرَ﴾ ني ﴿رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بالاستقامة، والعدل في الأمور كلها، فأطيعوه، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ معطوف على المحذوف المقدر، أو على معنى ﴿بِالْقِسْطِ﴾ قال لهم: أمرني ربي بالقسط، فأقسطوا في الأمور كلها، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد؛ أي (١): وجهوا وجوهكم في الصلاة إلى القبلة في أي مسجد كنتم فيه، أو في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود على أن المراد بالسجود الصلاة، أو المعنى (٢) أعطوا توجهكم إلى الله تعالى حقه من صحة النية، وحضور القلب، وصرف الشواغل عند كل مسجد تعبدونه فيه سواء كانت العبادة طوافا، أو صلاة، أو ذكرا ﴿وَادْعُوهُ﴾ ؛ أي: واعبدوه وحده حالة كونكم ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ والعبادة، ولا تتوجهوا إلى غيره من عباده المكرمين زعما منكم أنهم يشفعون لكم عند ربكم، ويقربونكم إليه زلفى، وقد جعلتم هذا من الدين افتراء على الله، وقولا عليه بغير علم.
٣٠ - وبعد أن أبان أصل الدين ومناط الأمر والنهي فيه .. ذكرنا بالبعث والجزاء على الأعمال، فقال: ﴿كَما بَدَأَكُمْ﴾ وأنشأكم ربكم خلقا وتكوينا بقدرته ﴿تَعُودُونَ﴾ إليه بالبعث يوم القيامة، وأنتم فريقان سعداء وأشقياء ﴿فَرِيقًا﴾ منكم ﴿هَدى﴾ هـ الله في الدنيا ببعثة الرسل، فاهتدى بهديهم، وأقام
стр. 4056
وجهه له وحده في العبادة، ودعاه مخلصا له الدين لا يشرك به أحدا ﴿وَ﴾ أضل ﴿فَرِيقًا﴾ آخر منكم ﴿حَقَّ﴾ وثبت ﴿عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ أزلا؛ لاتباعهم إغواء الشيطان، وإعراضهم عن طاعة بارئهم، وكل فريق يموت على ما عاش عليه، ويبعث على ما مات عليه.
وقرأ أبي: ﴿تعودون فريقين فريقا هدى﴾. وقيل المعنى: ﴿كَما بَدَأَكُمْ﴾ في (١) الخلق شقيا وسعيدا، فكذلك ﴿تَعُودُونَ﴾ سعداء وأشقياء يدل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿فَرِيقًا هَدى﴾؛ أي: أرشد إلى دينه، وهم أولياؤه ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾؛ أي: أضلهم، وهم أولياء الشياطين، أو المعنى: كما بدأكم من تراب تعودون إلى التراب.
وإنما حقت على الفريق الثاني الضلالة؛ لأنهم اقترفوا أسبابها، فوجدت نتائجها ومسبباتها، لا أنها جعلت لهم غرائز، فكانوا عليها مجبورين يرشد إلى ذلك قوله: ﴿إِنَّهُمُ﴾؛ أي: إن هؤلاء الفريق الثاني ﴿اتَّخَذُوا﴾ وجعلوا لأنفسهم ﴿الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعالى يطيعونهم في معصية الله، وهذه الجملة تعليل لقوله: ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾؛ أي: أنهم حين أطاعوا الشياطين فيما زينوا لهم من الفواحش والمنكرات، فكأنهم ولّوهم أمورهم من دون الله الذي يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر ﴿وَ﴾ هم مع عملهم هذا ﴿يَحْسَبُونَ ويظنون أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ راشدون فيما تلقنهم الشياطين من الشبهات، كجعل التوجه إلى غير الله، والتوسل إليه في الدعاء مما يقربهم إلى الله زلفى قياسا على الملوك الجاهلين الذين لا يقبلون الصفح عن مذنب إلا بواسطة بعض المقربين عنده، ودلت هذه الآية على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في حصة الدين، بل لا بد من الجزم والقطع؛ لأنه تعالى ذم الكفار بأنهم بحسبون كونهم مهتدين، ولولا أن هذا الحسبان مذموم لما ذمهم بذلك، ودلت أيضا على أن كل من شرع في باطل؛ فهو مستحق للذم سواء حسب كونه هدى، أو لم
стр. 4057
يحسب ذلك اه «كرخي». والكثير (١) من أهل الضلال يحسبون أنهم مهتدون، وهم ما بين كافر جحود للحق كبرا وعنادا - كأعداء الرسل في عصورهم وحاسديهم على ما آتاهم الله من فضله، كما حكى سبحانه عن فرعون وملئه: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ وكالكبراء من قريش أمثال أبي جهل، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث في جمع كثير منهم، وهم الذين قال فيهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وهؤلاء هم الأقلون عددا. وكافر بالتقليد واتباع نزغات الشيطان، أو باتباع الآراء الخاطئة والنظريات الفاسدة، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ وهؤلاء هم جمهرة الناس في جميع الأمم، وذهب كثير من العلماء إلى أن من بذل جهده في البحث والنظر في الحق، ثم اتبع ما ظهر له أنه الحق بحسب ما وصلت إليه طاقته، وكان مخالفا في شيء منه لما جاءت به الرسل لا يدخل في مدلول هذه الآية ونحوها، بل يكون معذورا عند الله تعالى لقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها﴾.
الإعراب
﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾.
﴿وَيا آدَمُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يا آدَمُ﴾: منادى مضافا، وجملة النداء في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قُلْنا﴾، والتقدير: ثم قلنا للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، وقلنا: ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، كما ذكره صاحب «زاده» ﴿اسْكُنْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر وجوبا. ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مؤكد لضمير الفاعل؛ ليصح عطف ما بعده عليه كما قال ابن مالك:
وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل
стр. 4058
﴿وَزَوْجُكَ﴾: معطوف على الضمير المستتر. ﴿الْجَنَّةَ﴾: منصوب على الظرفية المكانية متعلف بـ ﴿اسْكُنْ﴾، والجملة الفعلية جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿فَكُلا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿كلا﴾: فعل وفاعل معطوف على اسكن. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كلا﴾. ﴿شِئْتُما﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَقْرَبا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَكُلا﴾. هذِهِ: في محل النصب مفعول به. ﴿الشَّجَرَةَ﴾: بدل من اسم الإشارة. ﴿فَتَكُونا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿تكونا﴾: فعل ناقص، واسمه معطوف على ﴿تَقْرَبا﴾ مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. مِنَ الظَّالِمِينَ: جار ومجرور خبر ﴿تكونا﴾ وإن شئت قلت ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿تكونا﴾: فعل ناقص، واسمه منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، وعلامة نصبه حذف النون، والتقدير على هذا الوجه: لا يكن منكما قربان هذه الشجرة فكونكما من الظالمين.
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠)﴾.
﴿فَوَسْوَسَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الله نهاهما عن تلك الشجرة، وأوردت بيان هل امتثلا لذلك النهي أم لا .. فأقول لك: ﴿وسوس لهما الشيطان﴾: ﴿وسوس﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمَا﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿الشَّيْطانُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿لِيُبْدِيَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وعاقبة، ﴿يبدي﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿لَهُمَا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإبدائه لهما ما ووري، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿فَوَسْوَسَ﴾. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به
стр. 4059
لـ ﴿يبدي﴾. ﴿وُورِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿عَنْهُما﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط الضمير المستتر في ﴿وُورِيَ﴾ مِنْ ﴿سَوْآتِهِما﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ضمير ﴿وُورِيَ﴾. ﴿وَقالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطانُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَوَسْوَسَ﴾ على أنها عطف بيان لها. ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿ما﴾ نافية. ﴿نَهاكُما﴾ فعل ومفعول. ﴿رَبُّكُما﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿عَنْ هذِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نَهاكُما﴾. ﴿الشَّجَرَةِ﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان منه. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَكُونا﴾: فعل ناقص، واسمه منصوب بـ ﴿أَنْ﴾. ﴿مَلَكَيْنِ﴾: خبرها، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر المنصوب على أنه مفعول لأجله تقديره: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهية كونكما ملكين. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿تَكُونا﴾: فعل ناقص، واسمه معطوف على ﴿تَكُونا﴾. ﴿مِنَ الْخالِدِينَ﴾: خبر ﴿تَكُونا﴾، والتقدير: أو كراهية كونكما من الخالدين.
﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾.
﴿وَقاسَمَهُما﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة معطوفة على جملة ﴿قالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، والياء اسمها. ﴿لَكُما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿النَّاصِحِينَ﴾. ﴿لَمِنَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿من الناصحين﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾ تقديره: إني لكائن من الناصحين لكما، وجملة ﴿إن﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
﴿فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.
﴿فَدَلَّاهُما﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿دلى﴾: فعل ماض من باب فعل المضعف،
стр. 4060
و ﴿الهاء﴾: مفعول به، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، والجملة معطوفة على جملة ﴿قاسَمَهُما﴾. ﴿بِغُرُورٍ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿دلى﴾ تقديره: فدلاهما الشيطان حالة كونه متلبسا بغرور وخداع لهما. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿ذاقَا الشَّجَرَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الأعراب. ﴿بَدَتْ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُما﴾: متعلق به. ﴿سَوْآتُهُما﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿فَدَلَّاهُما﴾. ﴿وَطَفِقا﴾: فعل ناقص واسمه؛ لأنه من أفعال الشروع، وجملة ﴿يَخْصِفانِ﴾ خبره، وجملة ﴿وَطَفِقا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿بَدَتْ﴾ على كونها جواب ﴿لما﴾. ﴿عَلَيْهِما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَخْصِفانِ﴾. ﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَخْصِفانِ﴾ أيضا.
﴿وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
﴿وَناداهُما رَبُّهُما﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة بَدَتْ. ﴿أَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التقريري، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ونفي. ﴿أَنْهَكُما﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جملة مفسرة للنداء لا محل لها من الإعراب. ﴿عَنْ تِلْكُمَا﴾: ﴿عَنْ﴾: حرف جر. ﴿تـ﴾: اسم إشارة يشار بها للمفردة المؤنثة البعيدة في محل الجر بـ ﴿عَنْ﴾ مبني على الكسر لشبهه بالحرف شبها معنويا، ﴿اللام﴾: لبعد المشار إليه، و ﴿الكاف﴾: حرف دال على الخطاب، و ﴿الميم﴾: حرف عماد، و ﴿الألف﴾: حرف دال على التثنية. ﴿الشَّجَرَةَ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَنْهَكُما﴾. ﴿وَأَقُلْ﴾: فعل مضارع معطوف على أنه مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَكُما﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ﴾ إلى آخره مقول محكي لـ ﴿أَقُلْ﴾، وإن شئت قلت ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب. ﴿الشَّيْطانَ﴾: اسمها. ﴿لَكُما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾. ﴿عَدُوٌّ﴾: خبر إن ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿عَدُوٌّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول القول لـ ﴿أَقُلْ﴾.
стр. 4061
﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)﴾.
﴿قالا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا. ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿رَبَّنا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء على كونها مقول القول. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَغْفِرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿لَنا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَغْفِرْ﴾. ﴿وَتَرْحَمْنا﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿تَغْفِرْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم المقدر تقديره: نكن من الخاسرين، وجملة الشرط مع جوابه المحذوف معطوفة على جملة ﴿ظَلَمْنا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿لَنَكُونَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة لقسم محذوف تقديره: والله لئن لم تغفر لنا لنكونن، ﴿نكونن﴾: فعل مضارع ناقص في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على آدم وحواء. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿نكون﴾، وجملة ﴿نكونن﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿اهْبِطُوا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿اهْبِطُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿بَعْضُكُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿لِبَعْضٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾. ﴿عَدُوٌّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿اهْبِطُوا﴾ تقديره: اهبطوا حالة كونكم موصوفين بعداوة بعضكم لبعض. ﴿وَلَكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: واو الحال، أو عاطفة. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾. مُسْتَقَرٌّ: مبتدأ مؤخر. ﴿وَمَتاعٌ﴾: معطوف عليه. ﴿إِلى حِينٍ﴾: جار
стр. 4062
ومجرور تنازع فيه ﴿مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿اهْبِطُوا﴾، أو معطوفة على جملة ﴿اهْبِطُوا﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾.
﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فِيها تَحْيَوْنَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت فِيها: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَحْيَوْنَ﴾. ﴿تَحْيَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَفِيها﴾: متعلق بـ ﴿تَمُوتُونَ﴾. ﴿تَمُوتُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَحْيَوْنَ﴾. ﴿وَمِنْها﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُخْرَجُونَ﴾. ﴿تُخْرَجُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿تَحْيَوْنَ﴾.
﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾.
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مستأنفة. ﴿قَدْ أَنْزَلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنا﴾. ﴿لِباسًا﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْزَلْنا﴾. ﴿يُوارِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿لِباسًا﴾. وجملة ﴿يُوارِي﴾ صفة لـ ﴿لِباسًا﴾ ﴿سَوْآتِكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَرِيشًا﴾: معطوف على ﴿لِباسًا﴾. ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾: بالنصب معطوف على ﴿لِباسًا﴾ أيضا. ﴿لِباسُ﴾ - بالرفع -: مبتدأ أول، ومضاف إليه. ذلِكَ: ﴿مبتدأ﴾ ثان. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، والجملة مستأنفة. ﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْ آياتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل جملة ﴿أَنْزَلْنا﴾.
﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾.
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾: منادى مضاف، والجملة مستأنفة. ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾:
стр. 4063
فعل ومفعول وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب، ﴿كَما﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾ متعلق بـ ﴿أَخْرَجَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطانُ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، والتقدير: لا يفتننكم الشيطان فتنة مثل إخراج أبويكم، أو لا يفتننكم فتنة مثل فتنة إخراج أبويكم، أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجا مثل إخراجه أبويكم. ﴿يَنْزِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿عَنْهُما﴾ متعلق به. ﴿لِباسَهُما﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿أَخْرَجَ﴾ تقديره: حالة كونه ينزع عنهما لباسهما، أو في محل النصب حال من ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾. ﴿لِيُرِيَهُما﴾: فعل ومفعول أول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿سَوْآتِهِما﴾: مفعول ثان لأرى؛ لأن رأى بصرية تعدت إلى مفعولين بالهمزة، وجملة أرى صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَنْزِعُ﴾ تقديره: ينزع عنهما لباسهما لإزائته إياهما سؤاتهما.
﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَراكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشّيطان﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر باللام المقدره مسوقة لتعليل النهي المستفاد من قوله: ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ فكأنه قيل: فاحذروه لأنه يراكم. ﴿هُوَ﴾: تأكيد لضمير الفاعل المستتر في ﴿يَراكُمْ﴾ ليصح العطف عليه كما قيل. ﴿وَقَبِيلُهُ﴾: بالرفع معطوف على ضمير الفاعل، وبالنصب معطوف على اسم ﴿إن﴾. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَراكُمْ﴾. ﴿لا تَرَوْنَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿جَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ﴾: مفعولان لـ ﴿جَعَلْنَا﴾، وجملة ﴿جَعَلْنَا﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ جملة معللة مؤكدة لجملة قوله: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ﴾. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار
стр. 4064
ومجرور صفة لـ ﴿أَوْلِياءَ﴾، أو متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾، وجملة ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ صلة الموصول.
﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.
﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿فَعَلُوا فاحِشَةً﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفص بإضافة إِذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب إِذا لا محل لها من الإعراب، وجملة إِذا مستأنفة. ﴿وَجَدْنا عَلَيْها﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت ﴿وَجَدْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْها﴾: متعلق به. ﴿آباءَنا﴾: مفعول به ومضاف إليه؛ لأن وجد هنا بمعنى أصاب، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿أَمَرَنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿بِها﴾: متعلق بـ ﴿أَمَرَنا﴾، وجملة ﴿أَمَرَنا﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. لا: نافية. ﴿يَأْمُرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿بِالْفَحْشاءِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَتَقُولُونَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبخي، وفيه معنى النهي، ﴿تَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُولُونَ﴾. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به لـ ﴿تَقُولُونَ﴾؛ لأنه بمعنى تذكرون وتفترون. ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما لا تعلمونه.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾.
стр. 4065
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ إلى قوله: ﴿كَما بَدَأَكُمْ﴾: مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿أَمَرَ رَبِّي﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلق بـ ﴿أَمَرَ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على محذوف معلوم من السياق: قل أمر ربي بالقسط فأقسطوا وأقيموا وجوهكم. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَقِيمُوا﴾. ﴿وَادْعُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَقِيمُوا﴾. ﴿مُخْلِصِينَ﴾: حال من واو ﴿وَادْعُوهُ﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿الدِّينَ﴾: مفعول لـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿كَما﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿بَدَأَكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿تَعُودُونَ﴾: فعل وفاعل، وجملة ﴿بَدَأَكُمْ﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والتقدير: كبدئه إياكم، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: تعودون عودا مثل بدئه إياكم في كونه عن عدم محض، وجملة ﴿تَعُودُونَ﴾ مستأنفة.
﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾.
﴿فَرِيقًا﴾: مفعول مقدم لـ ﴿هَدى﴾. ﴿هَدى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة مستأنفة، أو حال من فاعل بدأ؛ أي: تعودون كما بدأكم حال كونه هاديا فريقا، ومضلا فريقا، وقد مضمرة هنا. ﴿وَفَرِيقًا﴾: مفعول لفعل محذوف تقديره: وأضل فريقا، وجملة ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ صفة لـ ﴿فَرِيقًا﴾، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ على كونه مستأنفة، أو حالا من فاعل بدأ تقديره: تعودون كما بدأكم حال كونه هاديا فريقا، ومضلا فريقا حق عليهم الضلالة.
﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
﴿إِنَّهُمُ﴾: ناصب واسمه. ﴿اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور