﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)﴾.
﴿قالا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا. ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿رَبَّنا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب النداء على كونها مقول القول. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَغْفِرْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿لَنا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَغْفِرْ﴾. ﴿وَتَرْحَمْنا﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿تَغْفِرْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم المقدر تقديره: نكن من الخاسرين، وجملة الشرط مع جوابه المحذوف معطوفة على جملة ﴿ظَلَمْنا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿لَنَكُونَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة لقسم محذوف تقديره: والله لئن لم تغفر لنا لنكونن، ﴿نكونن﴾: فعل مضارع ناقص في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على آدم وحواء. ﴿مِنَ الْخاسِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿نكون﴾، وجملة ﴿نكونن﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿اهْبِطُوا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿اهْبِطُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿بَعْضُكُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿لِبَعْضٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾. ﴿عَدُوٌّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿اهْبِطُوا﴾ تقديره: اهبطوا حالة كونكم موصوفين بعداوة بعضكم لبعض. ﴿وَلَكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: واو الحال، أو عاطفة. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾. مُسْتَقَرٌّ: مبتدأ مؤخر. ﴿وَمَتاعٌ﴾: معطوف عليه. ﴿إِلى حِينٍ﴾: جار
стр. 4062
ومجرور تنازع فيه ﴿مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿اهْبِطُوا﴾، أو معطوفة على جملة ﴿اهْبِطُوا﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾.
﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿فِيها تَحْيَوْنَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت فِيها: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَحْيَوْنَ﴾. ﴿تَحْيَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَفِيها﴾: متعلق بـ ﴿تَمُوتُونَ﴾. ﴿تَمُوتُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَحْيَوْنَ﴾. ﴿وَمِنْها﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُخْرَجُونَ﴾. ﴿تُخْرَجُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿تَحْيَوْنَ﴾.
﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾.
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مستأنفة. ﴿قَدْ أَنْزَلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنا﴾. ﴿لِباسًا﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْزَلْنا﴾. ﴿يُوارِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿لِباسًا﴾. وجملة ﴿يُوارِي﴾ صفة لـ ﴿لِباسًا﴾ ﴿سَوْآتِكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَرِيشًا﴾: معطوف على ﴿لِباسًا﴾. ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾: بالنصب معطوف على ﴿لِباسًا﴾ أيضا. ﴿لِباسُ﴾ - بالرفع -: مبتدأ أول، ومضاف إليه. ذلِكَ: ﴿مبتدأ﴾ ثان. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، والجملة مستأنفة. ﴿ذلِكَ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْ آياتِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل جملة ﴿أَنْزَلْنا﴾.
﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾.
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾: منادى مضاف، والجملة مستأنفة. ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾:
стр. 4063
فعل ومفعول وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب، ﴿كَما﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾ متعلق بـ ﴿أَخْرَجَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطانُ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، والتقدير: لا يفتننكم الشيطان فتنة مثل إخراج أبويكم، أو لا يفتننكم فتنة مثل فتنة إخراج أبويكم، أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجا مثل إخراجه أبويكم. ﴿يَنْزِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿عَنْهُما﴾ متعلق به. ﴿لِباسَهُما﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿أَخْرَجَ﴾ تقديره: حالة كونه ينزع عنهما لباسهما، أو في محل النصب حال من ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾. ﴿لِيُرِيَهُما﴾: فعل ومفعول أول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطانُ﴾. ﴿سَوْآتِهِما﴾: مفعول ثان لأرى؛ لأن رأى بصرية تعدت إلى مفعولين بالهمزة، وجملة أرى صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَنْزِعُ﴾ تقديره: ينزع عنهما لباسهما لإزائته إياهما سؤاتهما.
﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَراكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشّيطان﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر باللام المقدره مسوقة لتعليل النهي المستفاد من قوله: ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ فكأنه قيل: فاحذروه لأنه يراكم. ﴿هُوَ﴾: تأكيد لضمير الفاعل المستتر في ﴿يَراكُمْ﴾ ليصح العطف عليه كما قيل. ﴿وَقَبِيلُهُ﴾: بالرفع معطوف على ضمير الفاعل، وبالنصب معطوف على اسم ﴿إن﴾. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَراكُمْ﴾. ﴿لا تَرَوْنَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿جَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ﴾: مفعولان لـ ﴿جَعَلْنَا﴾، وجملة ﴿جَعَلْنَا﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ جملة معللة مؤكدة لجملة قوله: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ﴾. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار
стр. 4064
ومجرور صفة لـ ﴿أَوْلِياءَ﴾، أو متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾، وجملة ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ صلة الموصول.
﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.
﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿فَعَلُوا فاحِشَةً﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفص بإضافة إِذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿قالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب إِذا لا محل لها من الإعراب، وجملة إِذا مستأنفة. ﴿وَجَدْنا عَلَيْها﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت ﴿وَجَدْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْها﴾: متعلق به. ﴿آباءَنا﴾: مفعول به ومضاف إليه؛ لأن وجد هنا بمعنى أصاب، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿أَمَرَنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿بِها﴾: متعلق بـ ﴿أَمَرَنا﴾، وجملة ﴿أَمَرَنا﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. لا: نافية. ﴿يَأْمُرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿بِالْفَحْشاءِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿أَتَقُولُونَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبخي، وفيه معنى النهي، ﴿تَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُولُونَ﴾. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به لـ ﴿تَقُولُونَ﴾؛ لأنه بمعنى تذكرون وتفترون. ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما لا تعلمونه.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾.
стр. 4065
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ إلى قوله: ﴿كَما بَدَأَكُمْ﴾: مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿أَمَرَ رَبِّي﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: متعلق بـ ﴿أَمَرَ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على محذوف معلوم من السياق: قل أمر ربي بالقسط فأقسطوا وأقيموا وجوهكم. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَقِيمُوا﴾. ﴿وَادْعُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَقِيمُوا﴾. ﴿مُخْلِصِينَ﴾: حال من واو ﴿وَادْعُوهُ﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿الدِّينَ﴾: مفعول لـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿كَما﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿بَدَأَكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿تَعُودُونَ﴾: فعل وفاعل، وجملة ﴿بَدَأَكُمْ﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، والتقدير: كبدئه إياكم، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: تعودون عودا مثل بدئه إياكم في كونه عن عدم محض، وجملة ﴿تَعُودُونَ﴾ مستأنفة.
﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾.
﴿فَرِيقًا﴾: مفعول مقدم لـ ﴿هَدى﴾. ﴿هَدى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة مستأنفة، أو حال من فاعل بدأ؛ أي: تعودون كما بدأكم حال كونه هاديا فريقا، ومضلا فريقا، وقد مضمرة هنا. ﴿وَفَرِيقًا﴾: مفعول لفعل محذوف تقديره: وأضل فريقا، وجملة ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ صفة لـ ﴿فَرِيقًا﴾، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَرِيقًا هَدى﴾ على كونه مستأنفة، أو حالا من فاعل بدأ تقديره: تعودون كما بدأكم حال كونه هاديا فريقا، ومضلا فريقا حق عليهم الضلالة.
﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
﴿إِنَّهُمُ﴾: ناصب واسمه. ﴿اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور
стр. 4066
ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ أو حال من فاعل ﴿اتَّخَذُوا﴾، والتقدير: اتخذوا الشياطين أولياء حالة كونهم مجاوزين الله. ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على ﴿اتَّخَذُوا﴾، أو حال من فاعل ﴿اتَّخَذُوا﴾. ﴿إِنَّهُمُ﴾: ناصب واسمه. ﴿مُهْتَدُونَ﴾: خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿حسب﴾، والتقدير: ويحسبون هدايتهم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قرب يستعمل لازما، فيكون بضم الراء في الماضي والمضارع، ويستعمل متعديا كما هنا فيكون بكسرها في الماضي، وفتحها في المضارع، وبفتحها في الماضي وضمها في المضارع، وفي «المصباح» قرب الشيء منا قربا؛ أي: دنا إلى أن قال: وقربت الأمر أقربه - من باب تعب، وفي لغة من باب قتل - قربانا - بالكسر - فعلته، أو دانيته، اه.
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ أصل الوسوسة: الصوت الخفي المكرر، ومنه قيل لصوت الحلي: وسوسة، ووسوسة الشيطان للبشر ما يجدونه في أنفسهم من الخواطر الرديئة التي تزين لهم ما يضرهم في أبدانهم أو أرواحهم، يقال: وسوس إذا تكلم كلاما خفيا مكررا.
﴿الشَّيْطانُ﴾ مأخوذ من شاط إذا احترق، أو من شطن بمعنى بعد.
﴿ما وُورِيَ﴾؛ أي: غطى وستر، وهو بوزن فوعل؛ لأنه مغير وارى على وزن فاعل كضارب، فلما بني للمفعول أبدلت الألف واوا كضورب، فالواو الأولى فاء الكلمة، والثانية: زائدة، فحينئذ لا يجب قلب الأولى همزة، وإنما يجب قلبها لو كانت الثانية أصلية كما أوضحوه في قول «الخلاصة»: وهمزا أول الواوين رد.
وقرأ عبد الله (١): ﴿أوري﴾ - بإبدال الأولى همزة - وهو بدل جائز لا واجب، وهذه قاعدة كلية، وهي أنه إذا اجتمع في أول الكلمة واوان، وتحركت الثانية، أو كان لها نظير متحرك .. وجب إبدال الأولى همزة تخفيفا، فإن لم
стр. 4067
تتحرك، ولم تحمل على متحرك جاز الإبدال كهذه الآية الكريمة.
﴿مِنْ سَوْآتِهِما﴾ جمع سوءة، والسوءة ما يسوء الإنسان أن يراه غيره من أمر شائن، وعمل قبيح، وإذا أضيفت إلى الإنسان أريد بها عورته الفاحشة؛ لأنه يسوءه ظهورها بمقتضى الحياء الفطري. ﴿مِنَ الْخالِدِينَ﴾؛ أي: من الذين لا يموتون أبدا.
﴿وَقاسَمَهُما﴾؛ أي: أقسم وحلف لهما، وفي «السمين» المفاعلة هنا يحتمل أن تكون على بابها. فقال الزمخشري: كأنه قال لهما: أقسم لكما إني لمن الناصحين، فقالا له: أتقسم بالله أنت إنك لمن الناصحين لنا، فجعل ذلك مقاسمة بينهم، أو أقسم لهما بالنصيحة، وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على وزن المفاعلة؛ لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم. وقال ابن عطية: وقاسمهما؛ أي: حلف لهما، وهي مفاعلة؛ إذ قبول المحلوف له، وإقباله على معنى اليمين، وتقديره: كالقسم وإن كان بادىء الرأي يعطي أنها من واحد، ويحتمل أن يكون فاعل بمعنى أفعل كباعدته وأبعدته، وذلك أن الحلف لما كان من إبليس دونهما كان فاعل بمعنى أصل الفعل. انتهى.
﴿لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ جمع ناصح اسم فاعل من نصح، ونصح يتعدى لواحد؛ تارة بنفسه، وتارة بحرف الجر، ومثله شكر وكال ووزن، وهل الأصل التعدي بحرف الجر، أو التعدي بنفسه، أو كل منهما أصل؟ الراجح الثالث، وزعم بعضهم أن المفعول في هذه الأفعال محذوف، وأن المجرور باللام هو الثاني، فإذا قلت: نصحت لزيد، فالتقدير: نصحت لزيد الرأي، وكذلك شكرت له صنيعه، وكلت له طعامه، ووزنت له متاعه، فهذا مذهب رابع، وقال الفراء: العرب لا تكاد تقول: نصحتك إنما يقولون: نصحت لك، وأنصح لك، وقد يجوز نصحتك، اه «سمين». والنصيحة: هي إرادة الخير للغير، وإظهاره له.
﴿فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ﴾ يقال: دلى الشيء تدلية - كزكى تزكية - إذا أرسله، وأنزله من أعلى إلى أسفل رويدا رويدا، وقال الأزهري: وأصله أن الرجل العطشان يتدلى في البئر ليأخذ الماء، فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه. والغرور: إظهار النصح مع إبطان الغش، وقيل: حطهما من منزلة
стр. 4068
الطاعة إلى حالة المعصية؛ لأن التدلي لا يكون إلا من علو إلى سفل.
ومعنى الآية (١): أن إبليس لعنه الله غر آدم باليمين الكاذبة، وكان آدم ﵇ يظن أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا، فلما حلف إبليس ظن آدم أنه صادق فاغتر به، والغرور: مصدر حذف فاعله ومفعوله، والتقدير بغروره إياهما.
﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما﴾؛ أي: شرعا وأخذا يلزقان عليهما؛ أي: على القبل والدبر؛ أي: جعل كل منهما يستر عورتيه. يخصفان؛ أي (٢): يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة، من قولهم: خصف الإسكافي النعل إذا وضع عليها مثلها. وفي «المختار»: طفق يفعل كذا؛ أي: جعل يفعل كذا، وبابه طرب، وبعضهم يقول: هو من باب جلس. اه. وفي «المصباح»: خصف الرجل نعله خصفا - من باب ضرب - فهو خصاف، وهو فيه كرقع الثوب.
﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ من حيي (٣) من باب رضي، فتحيون أصله تحييون بوزن ترضيون، تحركت الياء الثانية وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، ثم حذفت لالتقاء الساكنين، فوزنه تفعون بحذف لام الكلمة.
﴿وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى﴾ الريش: لباس (٤) الحاجة والزينة، ولباس التقوى ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقى به في الحرب.
وفي «الفتوحات»: والريش فيه قولان: أحدهما: أنه اسم لهذا الشيء المعروف.
والثاني: أنه مصدر يقال: راشه يرشه ريشا إذا جعل فيه الريش، فينبغي أن يكون الريش مشتركا بين المصدر والعين، وهذا هو التحقيق.
وقرىء: ﴿ورياشا﴾ وفيه تأويلان (٥):
стр. 4069
أحدهما: وبه قال الزمخشري: أنه جمع ريش كشعب وشعاب.
والثاني: أنه مصدر أيضا، فيكون ريش ورياش مصدرين لراشه الله ريشا ورياشا؛ أي: أنعم عليه. وقال الزجاج: هما اللباس، فعلى هذا هما اسمان للشيء الملبوس كما قالوا: لبس ولباس.
﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ الفتنة: الابتلاء والاختبار من قولهم: فتن الصائغ الذهب، أو الفضة إذا عرضهما على النار ليعرف الزيف من النضار.
﴿وَقَبِيلُهُ﴾ والقبيل: الجماعة يكونون من ثلاثة فصاعدا من جماعة شتى، هذا قول أبي عبيد، والقبيلة: الجماعة من أب واحد، فليست القبيلة تأنيث القبيل لهذه المغايرة اه «سمين». وفي «المصباح»: والقبيل: الجماعة ثلاثة فصاعدا من قوم شتى، والجمع قبل بضمتين، والقبيلة لغة فيه، وقبائل الرأس القطع المتصل بعضها ببعض، وبها سميت قبائل العرب، الواحدة قبيلة، وهم بنو أب واحد. اه.
﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الفاحشة (١): الفعلة المتناهية في القبح، والمراد بها هنا طواف أهل الجاهلية عراة كما ولدتهم أمهاتهم، ويقولون لا نطوف بيت ربنا في ثياب عصيناه بها.
﴿بِالْقِسْطِ﴾ والقسط الاعتدال في جميع الأمور، وهو الوسط بين الإفراط والتفريط.
﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وإقامة الشيء: إعطاؤه حقه، وتوفيته شروطه كإقامة الصلاة، وإقامة الوزن بالقسط، والوجه قد يطلق على العضو المعروف من الإنسان كما في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ وقد يطلق على توجه القلب وصحة القصد كما في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾. ﴿فَرِيقًا هَدى﴾: وفي «القاموس»: والفرقة - بالكسر - الطائفة من الناس، والجمع فرق، والفريق كأمير أكثر منها، والجمع أفرقاء وأفرقة وفروق. اه.
стр. 4070
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَيا آدَمُ﴾؛ أي: وقلنا يا آدم، وفي قوله: ﴿فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما﴾؛ أي: فكلا منها؛ أي: من ثمارها حيث شئتما.
ومنها: المبالغة في النهي عن الأكل في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾؛ لأنه عبر عن النهي من الأكل بالنهي عن القربان مبالغة.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ﴾ وفي قوله: ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أكد الخبر بالقسم وبـ ﴿إن﴾ وباللام وبإسمية الجملة؛ لدفع شبهة الكذب، وهو من الضرب الذي يسمى إنكاريا؛ لأن السامع متردد.
ومنها: تخصيص الخطاب بآدم (١)، في قوله: ﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ﴾ للإيذان بأصالته في تلقي الوحي، وتعاطي المأمور به، وتعميمه في قوله: ﴿فَكُلا﴾، وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبا﴾ للإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به، وتجنب المنهى عنه.
ومنها: المجاز المرسل، في قوله: ﴿فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ﴾ لأنه مجاز عن الأكل من إطلاق المسبب وإرادة السبب.
ومنها: الاستفهام التقريري في قوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُما﴾ وهو (٢) حمل المخاطب على الإقرار بما علم عنده ثبوته أو نفيه. والمعنى (٣): أقر بذلك على حد ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (١).
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَرِيشًا﴾ شبه لباس الزينة بريش الطائر بجامع الزينة في كل؛ لأن الريش زينة الطائر، كما أن اللباس زينة الأدميين، فاستعير اسم المشبه به للمشبه على طريقة الاستعارة التصريحية.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبا﴾ لأنه من إضافة المشبه به إلى المشبه، فهو من قبيل إضافة لجين الماء، وقال الشوكاني (٤): ومثل هذه الاستعارة كثير
стр. 4071
الوقوع في كلام العرب، ومنه قوله:
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى ... تقلب عريانا، وإن كان كاسيا
ومثله قوله:
تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب والسخاء غطاؤه
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ وكان (١) مقتضى الظاهر لعلكم تذكرون، ونكتته دفع الثقل في الكلام.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ﴾؛ لأن بين الجملتين طباقا، وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: المقابلة في قوله: ﴿فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾؛ لأنه أسند النزع إليه لتسببه فيه.
ومنها: حكاية الحال الماضية، في قوله: ﴿يَنْزِعُ﴾: عبر (٢) بلفظ المضارع وعلى أنه حكاية حال؛ لأنها قد وقعت وانقضت.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع
والله أعلم
* * *
هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أمر عباده في الآية السالفة بالعدل في كل الأمور، واتباع الوسط منها .. طلب إلينا أن نأخذ بالزينة في كل مجتمع للعبادة، فلنستعمل الثياب الحسنة في الصلاة والطواف ونحو ذلك، كما أباح لنا أن نأكل ونشرب مما خلق الله، بشرط أن لا نسرف في شيء من ذلك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أنكر في الآية السالفة على المشركين وغيرهم من أرباب الملل الأخرى تحريم زينة الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق .. ذكر هنا أصول المحرمات التي حرمها على عباده لضررها، وجميعها من الأعمال الكسبية، لا من المواهب الخلقية؛ ليستبين للناس أن الله لم يحرم على عباده إلا ما هو ضار لهم.
قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما بين جماع المحرمات على بني آدم لما فيها من المفاسد والمضار للأفراد والمجتمع إثر بيان المباحات من الزينة والطيبات من الرزق بشرط عدم الإسراف فيها .. ذكر هنا حال الأمم في قبول هذه الأصول، أو ردها، والسير على منهاجها بعد قبولها، أو الزيغ عنها.
قوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي ...﴾ الآيتين، مناسبة هاتين الآيتين لما قبلها (١): أن الله لما ذكر أن لكل أمة أجلا لا تعدوه .. حكى هنا ما خاطب به كل أمة على لسان رسولها، وبينه لها من أصول الدين الذي شرعه لهدايتها، وتكميل فطرتها، وأرشدها إلى أنها إن كانت مطيعة تتقي الله فيما تأتي وتذر، وتصلح أعمالها، فلا يحصل لها في الآخرة خوف ولا حزن، وإن هي تمردت واستكبرت، وكذبت الرسل كانت عاقبتها النار، وبئس القرار.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه
стр. 4074
الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر في الآية السابقة عاقبة المكذبين بآياته المستكبرين عن قبولها والإذعان لها .. ذكر هنا أن من أشدهم ظلما من يتقولون على الله الكذب، فينسبون إليه ما لم يقله كمن يثبت الشريك لله تعالى سواء كانت صنما، أو كوكبا، أو يضيف إليه أحكاما باطلة، أو يكذب ما قاله، كمن ينكر أن القرآن نزل من عند الله تعالى على رسوله محمد ﷺ . وقال أبو حيان: مناسبتها لما قبلها (١): أنه تعالى لما ذكر المكذبين .. ذكر من هو أسوأ حالا منهم، وهو من يفتري الكذب على الله، وذكر أيضا من كذب بآياته.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن هذه الآية من تتمة ما سلف من وعيد الكفار، وجزاء المكذبين بالقرآن المستكبرين عن الايمان، بين بها أنهم خالدون في النار، وأنهم يلاقون فيها من الشدائد والأهوال ما لا يدرك العقل حقيقة كنهه، وأن هذا كفاء ظلمهم لأنفسهم، واستكبارهم عن طاعة ربهم، واتباع أوامره.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الله ، لما ذكر (٢) وعيد أهل الكفار والمعاصي .. أردفه وعد أهل الطاعات، وقد جرت سنة القرآن بالجمع بينهما، فيبدأ بأحدهما لمناسبة سياق الكلام قبله، ثم يقفوه بالآخر.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٣): ما روى مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: كانت المرأة تطوف بالبيت في الجاهلية، وهي عريانة وعلى فرجها خرقة، وهي تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه ... فما بدا منه فلا أحلّه
стр. 4075
فنزلت: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ...﴾، ونزلت: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ...﴾ الآيتين.
وأخرج (١) عبد بن حميد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كان الناس يطوفون بالبيت عراة، ويقولون لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها، فطافت ووضعت يدها على قبلها، وقالت:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه ... فما بدا منه فلا أحلّه
فنزلت هذه الآية.
وقال مجاهد (٢): كان حي من أهل اليمن، كان أحدهم إذا قدم حاجا أو معتمرا يقول: لا ينبغي أن أطوف في ثوب قد عصيت فيه، فيقول: من يعيرني مئزرا، فإن قدر عليه، وإلا طاف عريانا، فأنزل الله تعالى فيه ما تسمعون: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
وقال الزهري: إن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، وهم قريش وأحلافهم، فمن جاء من غير الحمس وضع ثيابه، وطاف في ثوب أحمسي، ويرى أنه لا يحل له أن يلبس ثيابه، فإن لم يجد من يعيره من الحمس، فإنه يلقي ثيابه، ويطوف عريانا، وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها إذا قضى طوافه وحرمها؛ أي: جعلها حراما عليه؛ فلذلك قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ والمراد من الزينة لبس الثياب التي تستر العورة.
قال مجاهد: ما يواري عوراتكم ولو عباءة. وقال الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد كطواف وصلاة، وقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أمر، وظاهره الوجوب، وفيه دليل على أن ستر العورة واجب في الصلاة، والطواف، وفي كل حال من الأحوال، وإن كان الرجل خاليا كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة.
стр. 4076
التفسير وأوجه القراءة
٣١ - والخطاب في قوله: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ عام (١) لجميع بني آدم، وإن كان واردا في سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالذي ينبغي للأمة التجمل بالثياب عند حضور مشاهد الخير مع القدرة ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾؛ أي: البسوا ثيابكم التي تستر عوراتكم ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أي: في كل وقت صلاة وطواف، والزينة ما يزين الشيء، أو الشخص، ومعنى أخذها: التزين بها، والمراد بالزينة هنا: الثياب الحسنة كما يدل على ذلك سبب نزول الآيات. وأقل هذه الزينة ما يدفع عن المرء أقبح ما يشينه بين الناس، وهو ما يستر عورته، وهو الواجب لصحة الصلاة والطواف، وما زاد على ذلك من التجمل بزينة اللباس عند الصلاة - ولا سيما صلاة الجمعة والعيد - فهو سنة لا واجب.
ويرى بعض العلماء (٢) وجوب الزينة عند كل مسجد بحسب عرف الناس في تزينهم في المجامع والمحافل؛ ليكون المؤمن حين عبادة ربه مع عباده المؤمنين في أجمل حال، لا تقصير فيها ولا إسراف. أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم .. فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين له، فإن لم يكن له ثوبان. فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود».
وأخرج الشافعي وأحمد والبخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء».
وعلى الجملة: فالزينة تختلف باختلاف حال الناس في السعة والضيق، فمن عنده ثوب واحد يستر جميع بدنه .. فليستر به جميع بدنه، وليصل به، فإن لم يستر إلا العورة كلها، أو الغليظة منها؛ وهي السوءتان ... فليستر به ما يستره، ومن وجد ثوبين، أو أكثر فليصل بهما.
وهذا (٣) الأمر بالزينة عند كل مسجد أصل من الأصول الدينية والمدنية عند
стр. 4077
المسلمين، وكان سببا في تعليم القبائل المتوحشة القاطنة في الكهوف والغابات أفرادا وجماعات لبس الثياب عند دخولها في حظيرة الإسلام، وكانوا قبل ذلك يعيشون عراة الأجسام رجالا ونساء حتى ذكر بعض المنصفين من الإفرنج أن لانتشار الإسلام في إفريقية منه على أوروبا بنشره للمدينة بين أهلها؛ إذ ألزمهم ترك العرى، وأوجب لبس الثياب، فكان ذلك سببا في رواج تجارة المنسوجات.
وبهذا نقل الإسلام أمما وشعوبا كثيرة من الوحشية إلى الحضارة الراقية؛ أي: خذوا زينتكم عند المساجد وأداء العبادات ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ من الطيبات ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ فيها بالتعدي إلى الحرام، أو بتحريم الحلال، أو بالإفراط في الطعام، بل عليكم بالاعتدال في جميع ذلك ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: لأن الله الخالق لهذه النعم لا يحب المسرفين؛ أي: لا يرتضي عنهم فعلهم، بل يعاقبهم على هذا الإسراف بمقدار ما ينشأ عنه من المضار والمفاسد؛ لأنهم قد خالفوا سنن الفطرة، وجنوا على أنفسهم في أبدانهم وأموالهم، وجنوا على أسرهم وأوطانهم إذ هم أعضاء في جسم الأسرة والأمة.
روى النسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة - كبر وإعجاب بالنفس - ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمه على عبده».
وعن ابن عباس أنه قال: كل ما شئت، واشرب ما شئت، والبس ما شئت إذا أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة. والإسراف تجاوز الحد في كل شيء، والحدود لها أقسام:
منها: طبيعي كالجوع والشبع، والظمأ والري، فمن أكل إذا أحس بالجوع، أو كف عن الأكل إذا شعر بالشبع، وإن كان يستلذ الاستزادة أو شرب إذا شعر بالظمأ، واكتفى بما يزيله، ولم يزد على ذلك .. لم يكن مسرفا في أكله وشربه، وكان طعامه وشرابه نافعين له.
ومنها: اقتصادي؛ وهو أن تكون النفقة على نسبة معينة من دخل الإنسان بحيث لا تستغرق كسبه.
стр. 4078
ومنها: شرعي، فإن الشارع حرم من الطعام الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، وحرم من الشراب الخمر، وحرم من اللباس الحرير الخالص، أو الغالب على الرجال دون النساء، وحرم الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، وعده من السرف المنهي عنه، فهذه الأشياء لا يباح استعمالها إلا لضرورة تقدر بقدرها.
والمعول عليه في الإنفاق في كل طبقة عرف المعتدلين فيها، فمن تجاوز طاقته مباراة لمن هم أغنى منه وأقدر كان مسرفا، وكم جر الإسراف إلى خراب بيوت عامرة، ولا سيما في المهور، وتجهيز العرائس، وحفل العرس والمأتم (١)، والزار، قال الشاعر:
ثلاثة تشقى بها الدّار ... العرس والمأتم والزّار
وهذا السرف كبير الضرر، عظيم الخطر على الأمم، أكثر من ضرره على الأفراد، ولا سيما في البلاد التي تأتي إليها أنواع الزينة من البلاد الأجنبية عنها، إذ تذهب الثروة إلى غير أهلها، وربما ذهبت إلى من يستعين بها على استذلالهم، والعدوان عليهم.
والخلاصة:
أن الطعام والشراب من ضرورات الحياة الحيوانية، ولكن ضل في ذلك فريقان:
١ - فريق البخلاء والغلاة في الدين، تركوا الأكل والشرب من الطيبات المستلذة؛ إما بخلا وشحا، أو تحرجا وتأثما؛ إما دائما، أو
في أوقات مخصوصة من السنة.
٢ - فريق المترفين الذين أسرفوا في اللذات البدنية، وجعلوها جل هممهم، فهم يأكلون ويشربون ويتمتعون كما تتمتع الأنعام، وليس لهم غاية يقفون عندها،
стр. 4079
أو نهاية ينتهون إليها.
٣٢ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراة ﴿مَنْ حَرَّمَ﴾؛ أي: من الذي حرم عليكم ﴿زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ﴾ ـها وخلقها ﴿لِعِبادِهِ﴾ من النبات كالقطن والكتان، ومن الحيوان كالحرير والصوف، ومن المعادن كالدروع ﴿وَ﴾ من الذي حرم عليكم ﴿الطَّيِّباتِ﴾؛ أي: المستلذات ﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾؛ أي: من المآكل والمشارب، والاستفهام فيه إنكاري توبيخي؛ أي: لا أحد حرم عليكم أن تتزينوا بها، وتلبسوها في الطواف وغيره، ولا أن تأكلوا المستلذات من الرزق في الحج وغيره.
ومعنى إخراج الله للزينة (١): خلق موادها، وتعليم طرق صنعها بما أودع في فطرهم من حبها، والميل إلى الافتتان في استعمالها؛ إذ خلقهم مستعدين لإظهار آياته في جميع ما خلق في هذا العالم الذي يعيشون فيه بما أودع في غرائزها من الميل إلى البحث في كشف المجهول، والاطلاع على خفايا الأمور، فهم لا يدعون شيئا عرفوه بحواسهم أو عقولهم حتى يبحثوه من طرق شتى، وأوجه لا نهاية لها، ولم تنتهي بحوثهم ما دام الإنسان على ظهر البسيطة.
وغريزة حب الزينة، وحب التمتع بالطيبات كانت من أهم الأسباب في اتساع أعمال الفلاحة والزراعة، ورقي ضروب الصناعة، واتساع وسائل العمران، ومعرفة سنن الله وآياته في الأكوان، وهما لا يذمان إلا بالإسراف فيهما، والغفلة عن شكر المنعم بهما.
والخلاصة:
أن الدين لم يحرمهما إلا إذا كانا عائقين عن الكمال الروحي، والكمال الخلقي، وأنه لم يجعل تركهما قربة إلى الله كما جرى على ذلك الوثنيون من البراهمة وغيرهم، وقلدهم في ذلك بعض المسلمين، وصاروا يبثون في الأمم الإسلامية تعاليم تقضي بأن روح الدين ومخ العبادة في التقشف، وحرمان النفس من التمتع بلذات الحياة. وقد بين الله وجه
стр. 4080
الصواب في ذلك بقوله لرسوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لأمتك ﴿هِيَ﴾؛ أي: الزينة والطيبات ثابتة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله بطريق الأصالة، فالضمير عائد على الزينة والطيبات من الرزق، لكن على وجه أعم بأن يراد بها الأعم من الدنيوية والأخروية؛ لأجل أن يصح الإخبار عنها بقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾، وبقوله: ﴿خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ غير خالصة لهم؛ لأنه يشركهم فيها المشركون، وإن لم يستحقوها مثلهم حالة كونها ﴿خالِصَةً﴾ لهم ومختصة بهم ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ لا يشاركهم فيها غيرهم؛ لأنه لا حظ للمشركين يوم القيامة في الطيبات من الرزق. وقيل (١): معناه خالصة لهم يوم القيامة من التكدير والتنغيض والغم؛ لأنه قد يقع لهم في الحياة الدنيا في تناول الطيبات من الرزق كدر وتنغيص، فأعلمهم أنها خالصة لهم في الآخرة من ذلك كله.
وقرأ قتادة (٢): ﴿قل هي لمن آمن﴾ وقرأ نافع: ﴿خالصة﴾ - بالرفع -، وقرأ باقي السبعة ﴿خالِصَةً﴾ بالنصب، فأما النصب فعلى الحال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرا، وأما الرفع فعلى أنه خبر بعد خبر، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: وهي خالصة.
وقصارى ذلك: أن الدين يورث أهلها سعادة الدنيا والآخرة جميعا كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤)﴾، وقوله: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا﴾.
ذاك أن المؤمن يزداد علما وإيمانا بربه، وشكرا له كلما عرف شيئا من سننه وآياته في نفسه، أو في غيرها من الكائنات، ومن أهم أركان الشكر استعمال النعمة فيما وهبها المنعم لأجله من شكر الجوارح، كشكر اللسان بالثناء عليه، وشكر سائر الأعضاء كذلك.
ففي حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي والحاكم: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» والسر في هذا: أن الأكل والشرب من الطيبات بدون
стр. 4081
إسراف هما قوام الحياة والصحة، وهما الدعامتان اللتان يتوقف عليهما القيام بجميع الأعمال الدينية والدنيوية من عقلية وبدنية، ولهما التأثير في جودة النسل الذي به يكثر سواد الأمة، والملابس الجيدة النظيفة لها فوائد:
١ - حفظ الصحة.
٢ - كرامة من يتجمل بها في نفوس الناس.
٣ - إظهار نعمة الله على لابسها، والمؤمن يثاب بنيته على كل ما هو محمود من هذه الأمور بالشكر عليها.
روى أبو داود عن أبي الأحوص قال: أتيت رسول الله ﷺ في ثوب دون، فقال: «ألك مال»؟ قلت: نعم. قال: «من أي المال»؟ قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق قال: «فإذا آتاك الله .. فلير أثر نعمته عليك وكرامته لك».
وأخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» وقد كانت العرب تحرم زينة اللباس في الطواف تعبدا، وتحرم الادهان ونحوه حال الإحرام بالحج كذلك، وتحرم من الأنعام والحرث ما ذكر في سورة الأنعام، وحرم أهل الكتاب كثيرا من الطيبات، فجاء الدين الإسلامي الجامع بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة، والمطهر للنفوس، والمهذب للأخلاق، فأنكر هذا التحكم المخالف لسنن الفطرة، وبين أن هذا التحريم لم يكن إلا من وساوس الشيطان، ولم يوح به الله تعالى إلى أنبيائه ورسله المصطفين الأخيار.
﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: كتفصيلنا هذا الحكم المذكور وتبيينا إياه ﴿نُفَصِّلُ﴾ ونبين ﴿الْآياتِ﴾؛ أي: الأحكام من الحلال والحرام ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أني أنا الله وحدي لا شريك لي، فأحلوا حلالي، وحرموا حرامي.
أي: أن هذا التفصيل لحكم الزينة والطيبات، الذي ضل فيه كثير من الأمم والأفراد ما بين إفراط وتفريط، لا يعقله إلا الذين يعلمون سنن الاجتماع وطبائع
стр. 4082
البشر ومصالحهم، ونحن قد فصلناه على لسان هذا النبي الأمي، الذي لم يكن يعرف شيئا من تاريخ البشر في أطوار بداوتهم وأطوار حضارتهم قبل أن ننزلها عليه، فكان ذلك آية دالة على نبوته؛ إذ ما كان لمثله أن يعلمها إلا بالوحي من عندنا، ولولا الكتاب الكريم .. لما خرجت العرب من ظلمات الوثنية والجهالة إلى ذلك النور الذي صلحت به، وأصلحت أمما كثيرة بالدين والفنون والآداب، وما أحيت من علوم الأوائل.
ولكن وا أسفا قد أضحى المسلمون من أجهل الشعوب بسنن الله في الأكوان، وبالعلوم والمعارف اللازمة لتقدم الحضارة والمدنية، وأصبحوا في مؤخرة الأمم، وصاروا مضرب الأمثال في التأخر والخمول والكسل، وبذلك استكانوا وذلوا، وصاروا أفقر الأمم وأضعفهم وأقلهم خدمة لدينهم، وخالفوا ما رسمه لهم ذلك من أن لهم زينة الدنيا وطيباتها وسعادتها وملكها، وأن عليهم أن يشكروا الله على ما يؤتيهم من ذلك، وأن عليهم أن يقوموا بما يرضيه من اتباع الحق والعدل، وكل ما تقتضيه خلافتهم في الأرض.
ولقد بلغ الجهل بكثير من المسلمين أن ظن - وبعض الظن إثم - أن دين الإسلام هو سبب ضعف المسلمين وجهلهم ومسكنتهم، وذهاب ملكهم، واستعباد الكفار لهم حتى رغب الجهال منهم الدخول في المسيحية والشيوعية؛ لطول ما عليهم من الاستئمار، كما رأينا ذلك في بعض القبائل من الشعوب الآرومية في شرقي إفريقيا؛ لاستعباد الجيوش لهم بأخذ أراضيهم، وضرب الجزية عليهم استعبادا لا نظير له إلا استعباد فرعون لبني إسرائيل، ولكن كتاب الله وسنة رسوله وتاريخ هذه الأمة شاهد صدق على فساد هذه القضية، وتزييف تلك الدعوى فليس لها من دعائم تستند إليها وتقف بها على رجليها.
٣٣ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يتجردون من ثيابهم في الطواف، والذين يحرمون أكل الطيبات ﴿إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ﴾؛ أي: الزنا ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾؛ أي: جهرها وسرها ﴿وَالْإِثْمَ﴾؛ أي: شرب الخمر ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: الظلم على الناس بغير الحق، فالقتل والقهر بالحق ليس بغيا ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ
стр. 4083
ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾؛ أي: وحرم أن تسووا بالله في العبادة معبودا ليس على ثبوته حجة، ولا يخفى ما فيه من التهكم بالمشركين (١) والكفار؛ لأنه لا يجوز أن ينزل حجة وبرهانا بأن يشرك به غيره؛ لأن الإقرار بشيء ليس على ثبوته حجة ولا برهان ممتنع، فلما امتنع حصول الحجة والبينة على صحة القول بالشرك .. وجب أن يكون باطلا على الإطلاق ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ بالإلحاد في صفاته، والافتراء عليه في التحريم والتحليل؛ أي: أن تقولوا على الله ما لا تعلمون حقيقته، وأن الله قاله، مثل ما كانوا ينسبون إلى الله سبحانه من التحليلات والتحريمات التي لم يأذن بها.
فالجنايات محصورة في خمسة أنواع (٢):
أحدها: الجناية على الأنساب؛ وهي المرادة بالفواحش الظاهرة والباطنة، وقد تقدم تفسيرها في سورة الأنعام، وهي إحدى الوصايا التي ذكرت هناك، وقد تقدم تخصيصها بفاحشة الزنا، وإن كان الأولى التعميم.
وثانيها: الجناية على العقول؛ وهي المشار إليها بالإثم والإثم (٣) يتناول كل معصية يتسبب عنها الإثم والذم، وعطفه على ما قبله من عطف العام على الخاص، والثلاثة بعده معطوفة عليه عطف خاص على عام؛ لمزيد الاعتناء بها، وقيل: هو الخمر خاصة ومنه قول الشاعر:
شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول
ومثله قول الآخر:
يشرب الإثم بالصّواع جهارا
وقد أنكر جماعة من أهل العلم على من جعل الإثم خاصا بالخمر. قال النحاس: فأما أن يكون الإثم الخمر .. فلا يعرف ذلك، وحقيقته أنه جميع المعاصي كما قال الشاعر:
стр. 4084
إنّي وجدت الأمر أرشده ... تقوى الإله وشرّه الإثم
قال في «الصحاح»: وقد يسمى الخمر إثما، وأنشد: شربت الإثم ... البيت، وكذا أنشده الهروي قبله في غريبته.
وثالثها: الجناية على النفوس والأموال والأعراض، وإليها الإشارة بقوله: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وهو (١) الإثم الذي فيه تجاوز لحدود الحق، أو اعتداء على حقوق الأفراد أو جماعتهم، ومن ثم قرن بالعدوان في قوله: ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ وقيد البغي بكونه بغير الحق؛ لأن تجاوز الحدود المعروفة قد يكون فيما لا ظلم فيه ولا فساد، ولا هضم لحقوق الأفراد والجماعات كما في الأمور التي ليس لهم فيها حقوق، أو التي تطيب أنفسهم فيها عن بعض حقوقهم، فيبذلونها عن رضى وارتياح لمصلحة لهم يرجونها.
ورابعها: الجناية على الأديان؛ وهي من وجهين:
إما بالطعن في توحيد الله تعالى؛ وهو الشرك، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ وهو أقبح الفواحش، فلا تقوم عليه حجة من عقل ولا برهان من وحي، وسميت الحجة سلطانا؛ لأن لها سلطانا على العقل والقلب.
وفي هذا إيماء إلى أن أصول الإيمان لا تقبل إلا بوحي من الله يؤيده البرهان كما قال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ كما أن فيه إرشادا إلى عظم شأن الدليل والبرهان في الدين، حتى كأن من جاء بالبرهان على الشرك يصدق، وهذا من فرض المحال مبالغة في فضل الاستدلال كما قال: ﴿أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾.
وإما بالقول في دين الله بغير معرفة، وإليه الاشارة بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: وهو من أسس المحرمات التي حرمت على ألسنة الرسل جميعا؛ إذ هو منشأ تحريف الأديان المحرفة، وسبب الابتداع في الدين الحق، وقد انتشر الابتداع بين أهله، وتحكمت بينهم الأهواء، واتبعوا سنن من قبلهم
стр. 4085
كما جاء في الحديث: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». رواه الشيخان. ورأس البلية في هذا الابتداع القول في الدين بالرأي، فما من أحد يبتدع، أو يتبع مبتدعا إلا استدل على بدعته بالرأي. وقد ظهرت مبادىء هذه البدع والأهواء في القرون الأولى قرون العلم بالسنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما زال أمرها يستفحل حتى وصلت إلى ما نراه الآن. وما شرع (١) من اجتهاد الرأي في حديث معاذ وغيره؛ فهو خاص بالقضاء لا بأصول الدين وعباداته، فقد أكمل الله دينه، فلم يترك فيه نقصا يكمله غيره بظنه ورأيه بعد وفاة رسوله، وليس لقاض ولا مفت أن يسند رأيه الاجتهادي إلى الله، فيقول: هذا حكم الله، وهذا دينه، بل يقول: هذا مبلغ اجتهادي، فإن كان صوابا فمن توفيق الله وإلهامه، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان.
والخلاصة: أنه لا ينبغي لأحد أن يحرم شيئا تحريما دينيا على عباد الله، أو يوجب عليهم شيئا إلا بنص صريح عن الله ورسوله، ومن تهجم على ذلك .. فقد جعل نفسه شريكا لله، ومن تبعه في ذلك .. فقد جعله ربا له، ومن ثم كان فقهاء الصحابة والتابعين يتحامون القول في الدين بالرأي، وقد أنكر الله على من نسب إلى دينه تحليل شيء أو تحريمه من عنده بلا برهان، فقال:
﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.
وهذه الجنايات الخمسة المذكورة في هذه الآية أصول الجنايات، وأما غيرها فهي كالفروع.
٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: من الأمم التي كذبت الرسل ﴿أَجَلٌ﴾؛ أي: وقت معين لهلاكها ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: وقت هلاكهم؛ أي: أجل واحد اندرج تحت الأمة ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾؛ أي: لا يتركون بعد الأجل طرفة عين ﴿وَلا
стр. 4086
يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أي: ولا يهلكون قبل الأجل طرفة عين، فقوله: ﴿ساعَةً﴾؛ أي: شيئا قليلا من الزمان؛ فهي مثل يضرب لغاية القلة من الزمان. ذكره أبو السعود. فالجزاء (١) مجموع الأمرين، لا كل واحد على حدته، والمعنى: أن الوقت المحدود لا يتغير، وهذا وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم السابقة؛ إذ خالفوا أمر ربهم؛ يعني (٢): فلا يؤخرون ولا يمهلون قدر ساعة ولا أقل من ساعة، وإنما ذكرت الساعة؛ لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف يقول المستعجل لصاحبه: في ساعة، يريد في أقصر وقت وأقربه، وإنما أفرد (٣) الأجل؛ لأنه اسم جنس، أو لتقارب أعمال أهل كل عصر، أو لكون التقدير: لكل واحد من أمة. وقرأ الحسن وابن سيرين: ﴿فإذا جاء آجالهم﴾ بالجمع.
والمعنى (٤): قل يا محمد لقومك ولغيرهم لكل أمة أمد مضروب لحياتها مقدر لها بحسب السنن التي وضعها الخالق لوجودها، وهذا الأجل على ضربين: أجل لوجودها في الحياة الدنيا، وأجل لعزها وسعادتها بين الأمم:
الأول: أجل لأمة بعث فيها رسول لهدايتها، فردوا دعوته كبرا وعنادا، واقترحوا عليه الآيات فأعطوها مع إنذارهم بالهلاك إذا لم يؤمنوا، فاستمروا في تكذيبهم، فأخذهم ربهم أخذ عزيز مقتدر، كما وقع لقوم نوح وعاد وثمود وفرعون وإخوان لوط وغيرهم.
وهذا النوع من الهلاك كان خاصا بأقوام الرسل أولي الدعوة الخاصة بأقوامهم، وقد انتهى ذلك ببعثة النبي ﷺ الذي خاطبه الله بقوله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ..﴾ وقد مضت سنة الله في الأمم أن الذين يقترحون الآيات لا يؤمنون بها، ومن ثم لم يعط الله تعالى رسوله شيئا مما كانوا يقترحونه عليه.
стр. 4087
والثاني: أجل مقدر لحياة الأمم سعيدة عزيزة باستقلالها ومكانتها بين الأمم، وهذا منوط بسنن الله في الاجتماع البشري، وعوامل الرقي والعمران، وأسباب انتهاء هذا الاجتماع لا تعد، ومخالفة ما أرشدت إليه الآيات السالفة كإسراف في الزينة، أو إسراف في التمتع بالطيبات، أو باقتراف الفواحش والآثام والبغي على الناس، أو بالتوغل في خرافات الشرك والوثنية، أو بالكذب على الله بإرهاق الأمة بما لم يشرعه لها من الأحكام. فالأمم التي ترتكب هذه الضلالات والمفاسد يسلبها الله سعادتها، ويسلط عليها من يستذلها كما قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ وهاكم شاهد صدق على ما نقول، إن الأمم التي كان لها شأن يذكر في التاريخ كالرومان والفرس والعرب والترك وغيرهم، ممن سلب ملكهم كله أو بعضه، لم يكن لذلك من سبب سوى ما أسلفنا، وهذا الضرب من الأجل، وإن عرفت أسبابه لا يمكن أن يحد بالسنين والأعوام والليالي والأيام، ولكن الله يعلم تحديده بما أوجده من الأسباب التي تنتهي بمسبباتها، وبالمقدمات التي تترتب عليها نتائجها كما قال: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
الساعة لغة: أقل مدة من الزمن؛ أي: فإذا جاء الوقت الذي وقته الله لهلاكهم، وحلول العقاب بهم لا يتأخرون عنه بالبقاء في الدنيا أقل تأخر، كما أنهم لا يتقدمون أيضا عن الوقت الذي جعله لهم وقتا للفناء والهلاك. فإن قلت:
لم أتى بالفاء هنا وفي سائر المواضع إلا في يونس فحذفها؟
قلت: لأن مدخولها في غير يونس جملة معطوفة على أخرى مصدرة بالواو، وبينهما اتصال وتعقيب، فحسن الإتيان بالفاء الدالة على التعقيب بخلاف ما في يونس. انتهى من «الفتوحات».
وفي الآية إيماء إلى أن الأمة قد تملك طلب تأخير الهلاك قبل مجيئه؛ أي:
قبل أن تغلبها على إرادتها أسباب الهلاك بأن تترك الفواحش والآثام والظلم والبغي، والإسراف المفسد للأخلاق، وخرافات الشرك المفسدة للعقول، وتترك البدع في التحريم والتحليل بما لم يخاطب به المولى بأن يقوم فيها جماعة من
стр. 4088
المصلحين، فيرشدوها إلى تغير ما بأنفسها من الفساد، فيغير الله ما بها، وهذا من استئخار الهلاك، أو منعه عنها قبل مجيء أهلها.
وخلاصة معنى الآية: أن لكل أمة أجلا لا يتأخرون عنه إذا جاء ولا يتقدمون عليه أيضا، فيهلكوا قبل مجيئه، ونحو الآية قوله: ﴿ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ ﷺ .
٣٥ - ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي يا بني آدم إن يأتكم رسل من أبناء جنسكم من البشر ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾؛ أي: يتلون عليكم آياتي التي أنزلتها عليكم لبيان ما آمركم به من صالح الأعمال، وترك ما أنهاكم عنه من الشرك والرذائل وقبيح الأعمال ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ واجتنب منكم ما نهيته عنه ﴿وَأَصْلَحَ﴾ نفسه بفعل ما أوجبته عليه ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من عذاب الآخرة حين يخاف غيرهم ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ حين الجزاء على ما فاتهم في الدنيا، أما حزنهم على عقاب الآخرة فيرتفع بما حصل لهم من زوال الخوف.
وحكمة كون الرسول منهم (١): أنه أقطع لعذرهم، وأظهر في الحجة عليهم إذ معرفتهم بأحواله تبين لهم أن المعجزات التي ظهرت على يديه إنما هي بقدرة الله لا بقدرته إلى ما في ذلك من حصول الألفة، فالجنس يألف بالجنس ويركن إليه، ومن ثم قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾.
وقرأ أبيّ والأعرج (٢): ﴿إما تأتينكم﴾ - بالتاء على تأنيث الجماعة - ﴿ويَقُصُّونَ﴾ محمول على المعنى إذ ذاك؛ إذ لو حمل على اللفظ لكان تقص.
٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ المنزلة على أحد من رسلنا ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنْها؛ أي: امتنعوا عن اتباع من جاء بها حسدا له على الرياسة، وتفضيلا لأنفسهم عليه، أو لقومهم على قومه فـ ﴿أُولئِكَ﴾ المكذبون المستكبرون عنها ﴿أَصْحابُ النَّارِ﴾ ملازمون لها ﴿هُمْ فِيها﴾؛ أي: ماكثون فيها مكثا لا نهاية له.
стр. 4089
ومعنى الاستكبار عن قبول الآيات: رفضها كبرا وعنادا لمن جاء بها، كما حدث من رؤساء قريش حين استكبروا أن يكون محمد ﷺ إماما لهم، إذ رأوا أنفسهم أحق بالرياسة منه؛ لأنهم أكثر منه مالا وأعز نفرا.
والخلاصة: أن جميع الرسل قد بلغوا أممهم أن اتقاءهم لما يفسد فطرتهم من الشرك والمعاصي، وإصلاح أنفسهم بالطاعة يوجب الأمن وعدم الخوف مما يتوقع، وعدم الحزن على ما وقع منهم في الدار الأولى، وأن تكذيب ما جاؤوا به من الآيات والاستكبار عن اتباعها يترتب عليه المكث في نار جهنم خالدين فيها أبدا كفاء ما فعلوا من التمرد وعصيان أوامر الديان.
٣٧ - والاستفهام في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إنكاري﴾؛ أي: لا أحد أظلم وأقبح وأشنع ممن افترى واختلق على الله الكذب بأن أوجب على عباده من العبادات ما لم يوجبه، أو حرم عليهم من الدين ما لم يحرمه، أو عزا إلى دينه أحكاما لم تنزل على رسله، أو بنسبة الشريك والولد إليه ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ المنزلة عليهم سواء أكان بالقول، أو بما هو أدل منه كالاستهزاء بها، أو الاستكبار عن اتباعها، أو بتفضيل غيرها عليها.
﴿أُولئِكَ﴾ المفترون المكذبون بآيات الله ﴿يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ﴾؛ أي يصيبهم، ويوفى لهم نصيبهم وحظهم من الكتاب؛ أي: من الأعمار والأرزاق المكتوبة لهم في اللوح المحفوظ، فهم مع ظلمهم وافترائهم على الله لا يحرمون مما قدر لهم من الأرزاق إلى انقضاء آجالهم تفضلا منه ؛ لكي يصلحوا ويتوبوا، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ﴾، وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾. و ﴿حَتَّى﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا﴾ غاية (١) لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له، وهي حتى التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام هنا الجملة الشرطية، وهي ﴿إِذا جاءَتْهُمْ﴾: أي: يوفى لهم نصيبهم من الأرزاق والأعمار المكتوبة لهم في اللوح
стр. 4090
المحفوظ مدة حياتهم، حتى إذا جاءتهم رسلنا ملك الموت وأعوانه حالة كون رسلنا ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾؛ أي: يقبضون أرواحهم؛ أي: يوفى لهم نصيبهم الذي كتب لهم مدة حياتهم حتى إذا ما انتهى بانتهاء آجالهم، وجاءتهم رسلنا يقبضون أرواحهم ﴿قالُوا﴾؛ أي: قالت رسلنا لأولئك المفترين المكذبين بآيات الله تعالى على سبيل التوبيخ والتقريع: ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: أين الشركاء والآلهة التي كنتم تعبدونهم في الدنيا من دون الله لقضاء الحاجات، ودفع المضرات، فادعوهم لينجوكم وينقذوكم مما أنتم فيه من الشدائد والعذاب ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال المفترون للملائكة ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾؛ أي: غابت الآلهة عنا وذهبوا، لا ندري أين مكانهم؛ أي: غابوا عنا، فلا نرجوا منهم الآن جلب النفع، ولا دفع الضر ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: واعترفوا على أنفسهم بـ ﴿أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ بدعائهم إياهم وعبادتهم لهم؛ إذ هم قد زعموا أنهم عنده تعالى كأعوان الأمراء والسلاطين، وحاش الله أن يتخذ الأعوان والمساعدين، فالله غني بعلمه المحيط وقدرته الكاملة عن أن يحتاج إلى الأعوان والمساعدين، فإنما يحتاج إليها من يجهل أمور الناس، ويعجز عن معرفة أحوالهم، ولا تعارض بين هذا وبين قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ لاحتمال ذلك من طوائف، أو في أوقات مختلفة.
[الخلاصة:]
وخلاصة هذا: زجر الكافرين عما هم عليه من الكفر، وحملهم على النظر والتأمل في عواقب أمورهم، والتحذير من التقليد الذي سيرديهم في الهاوية.
٣٨ - ﴿قالَ﴾ الله يوم القيامة؛ أي: يقول الله تعالى يوم القيامة لهؤلاء الذين افتروا على الله الكذب، وجعلوا له شركاء بواسطة الملائكة ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾؛ أي: ادخلوا بين أمم ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ ومضت وسبقت ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾؛ أي: أمم تقدم زمانهم على زمانكم؛ أي: ادخلوا في النار فيما بين الأمم الكافرين الذين تقدم زمانهم زمانكم من هذين النوعين الجن والإنس.
وفي هذا إيماء إلى أنه تعالى، لا يسوق الكفار بأجمعهم إلى النار دفعة
стр. 4091
واحدة، بل يدخلهم فوجا فوجا، فيكون منهم سابق ومسبوق، ويشاهد من الأمة في النار من سبقه ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾؛ أي: كلما دخلت جماعة منهم في النار، ورأت ما حل بالسابقة من الخزي والنكال ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ في الدين والملة؛ إذ هي قد ضلت باتباعها والاقتداء بها في كفرها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾.
والخلاصة: فيلعن المشركون المشركين، واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس.
﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾؛ أي: حتى إذا تداركوا في النار وتلاحقوا فيها، واجتمع بعضهم بعضا، واستقروا فيها ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾؛ أي: قالت أخرى كل أمة منزلة وهم الأتباع والسفلة ﴿لِأُولاهُمْ﴾؛ أي: لأجل أولاهم منزلة، وهم القادة والرؤساء ﴿رَبَّنا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿هؤُلاءِ﴾ الرؤساء والقادة ﴿أَضَلُّونا﴾ عن الحق باتباعنا لهم، وتقليدنا إياهم فيما كانوا عليه من أمر الدين وسائر أعمالنا ﴿فَآتِهِمْ﴾؛ أي: أعطهم ﴿عَذابًا ضِعْفًا﴾؛ أي: عذابا مضاعفا مزادا ﴿مِنَ النَّارِ﴾ مثلي عذابنا لإضلالهم إيانا فوق العذاب على ضلالهم في أنفسهم حتى يكون عذابهم ضعفي عذابنا ضعفا للضلال، وضعفا للإضلال؛ أي: عذبهم مثل عذابنا مرتين.
ومعنى قوله: ﴿لِأُولاهُمْ﴾؛ أي: في شأنهم، ولأجل إضلالهم، وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم؛ لأنهم ما خاطبوهم، بل خاطبوا الله سبحانه بهذا الكلام.
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾؛ أي: يقول الله جوابا لأخراهم: لكل منهم ومنكم (١) ضعف؛ أي: عذاب مضاعف، فكل ألم يحصل له يعقبه ألم آخر إلى غير نهاية، فالآلام متزايدة من غير نهاية، أما القادة فلكفرهم وإضلالهم، وأما الأتباع فلكفرهم وتقليدهم. ﴿وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيها السائلون ما لكل فريق
стр. 4092
منكم من العذاب، أو المعنى: ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ذلك.
وقيل معنى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾؛ أي: يقول الله تعالى للأتباع السائلين: لكل (١) من الرؤساء القادة ضعف من العذاب بإضلاله فوق عذابه على ضلاله، ولكن أيها الأتباع لا تعلمون عذابهم، فإن العذاب روحي ونفسي، والأول أنكى وأشد ألما، فالرئيس العزيز في قومه إذا دخل السجن مع السفلة، وأوشاب الناس لا يكون ألمه كألمهم، وإن كان يشركهم فيما يأكلون ويشربون، وفي جميع ما يعملون؛ إذ يشعر بعذاب النفس وقهر الذل مما لا يشعر به الآخرون، وإن كانوا يظنون أن عقوبتهما واحدة في ألمها كما هي في صورتها، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
وقرأ أبو عمرو (٢): ﴿اداركوا﴾ - بقطع ألف الوصل - قال أبو الفتح: هذا مشكل، ولا يسوغ أن يقطعها ارتجالا، فذلك إنما يجيء شاذا في ضرورة الشعر في الاسم أيضا، لكنه وقف مثل وقفة المستنكر، ثم ابتدأ فقطع. وقرأ مجاهد بقطع الألف وسكون الدال وفتح الراء بمعنى أدرك بعضهم بعضا. وقرأ حميد: ﴿أدركوا﴾ - بضم الهمزة وكسر الراء -؛ أي: ادخلوا في أدراكها. وقرأ ابن مسعود والأعمش: ﴿تداركوا﴾ ورويت عن أبي عمرو وقال أبو البقاء، وقرىء: ﴿إذا ادّركوا﴾ - بألف واحدة ساكنة والدال بعدها مشددة -، وهو جمع بين ساكنين، وجاز في المنفصل كما جاز في المتصل.
وقرأ الجمهور: ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ - بالتاء على الخطاب للسائلين - كما مر تفسيره آنفا. وقرأ أبو بكر والمفضل عن عاصم بالياء في: ﴿لا يعلمون﴾؛ أي: لا يعلم كل فريق قدر ما أعد له من العذاب، أو قدر ما أعد للفريق الآخر من العذاب قال أبو حيان: وهذه الجملة رد على أولئك السائلين، وعدم إسعاف لما طلبوا.
٣٩ - ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ﴾ في الكفر، أو في الدخول يعني القادة مخاطبة ﴿لِأُخْراهُمْ﴾ يعني الأتباع حين سمعوا جواب الله تعالى لهم، إذا كان الأمر كما قلتم من أننا
стр. 4093
أضللناكم ﴿فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾؛ أي: أدنى فضل في الدنيا؛ أي: إنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب؛ لأنكم كفرتم اختيارا، لا أنا حملناكم على الكفر إجبارا، فلا يكون عذابنا ضعفا ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ أيتها الأخرى ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾؛ أي: بما كنتم تقولونه وتعملونه في الدنيا من الشرك والمعاصي، فلا يكون عذابكم دون عذابنا مع أن الذنب واحد، وقد اعترفتم بتلبسكم بالضلال المقتضي، فذوقوا بكسبكم له مهما يكن سببه.
وقد جاء في سورة الصافات: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾.
٤٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾؛ أي: كذبوا بدلائل توحيدنا، ولم يصدقوا بها، ولم يتبعوا رسلنا ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾؛ أي: وتكبروا عن الإيمان بها، والتصديق لها، وأنفوا عن اتباعها، والانقياد لها، والعمل بمقتضاها تكبرا ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾؛ أي: لا تفتح لأرواحهم إذا خرجت من أجسادهم أبواب السماء، ولا يصعد لهم إلى الله في وقت حياتهم قول ولا عمل؛ لأن أرواحهم وأقوالهم وأعمالهم كلها خبيثة، وإنما يصعد إلى الله الكلم الطيب، والعمل الصالح كما قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. قال ابن عباس ﵄ (١): لا تفتح أبواب السماء لأرواح الكفار، وتفتح لأرواح المؤمنين. وفي رواية عن ابن عباس أيضا قال: لا يصعد لهم قول ولا عمل. وقال ابن جريج: لا تفتح أبواب السماء لأعمالهم ولا لأرواحهم.
وروى الطبري بسنده عن البراء بن عازب (٢): أن رسول الله ﷺ ذكر قبض
стр. 4094
روح الفاجر، وأنه يصعد بها إلى السماء. قال: «فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ قال: فيقولون: فلان بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء، فيستفتحون له، فلا يفتح له»، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾. وقيل في معنى الآية: لا تنزل عليهم البركة والخير؛ لأن ذلك لا ينزل إلا من السماء، فإذا لم تفتح لهم أبواب السماء، فلا ينزل عليهم من البركة والخير والرحمة شيء.
﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾؛ أي: ولا يدخل هؤلاء المكذبون المستكبرون الجنة ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾؛ أي: حتى يدخل ذكر الإبل فِي ﴿سَمِّ الْخِياطِ﴾؛ أي: في ثقب الإبرة، والجمل معروف؛ وهو الذكر من الإبل، وسم الخياط: ثقب الإبرة. قال الفراء: الخياط والمخيط ما يخاط به، والمراد به في هذه الآية: الإبرة، وإنما خص (١) الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات؛ لأنه أكبر من سائر الحيوانات جسما عند العرب. قال الشاعر:
جسم الجمال وأحلام العصافير
وصف من هجاه بهذا بعظم الجسم مع صغر العقل، فجسم الجمل من أعظم الأجسام، وثقب الإبرة من أضيق المنافذ، فكان ولوج الجمل مع عظم جسمه في ثقب الإبرة الضيق محالا، فكذلك دخول الكفار الجنة محال؛ لأن المعلق بالمحال محال؛ لأن العرب إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون ذلك الجائز، وهذا كقوله: لا آتيك حتى يشيب الغراب، ويبيضّ القار. ومنه قول الشاعر:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللّبن الحليب
وقال آخر:
من رام العلم بلا كدّ ... سيدركها حين شاب الغراب
стр. 4095
والمعنى: كما (١) يستحيل دخول الذكر من الإبل في خرق الإبرة يستحيل دخول الكفار الجنة، ويقال: حتى يدخل القلس الغليظ - وهو الحبل الذي تشد به السفينة - في خرق الإبرة.
وقرأ أبو عمرو: ﴿لا تفتح﴾ - بتاء التأنيث والتخفيف -. وقرأ الكسائي وحمزة: - بالياء والتخفيف -. وقرأ باقي السبعة: بالتاء من فوق التشديد. وقرأ أبو حيوة وأبو البرهسم بالتاء من فوق مفتوحة والتشديد.
وقرأ ابن عباس (٢) فيما روى عنه شهر بن حوشب ومجاهد وابن يعمر وأبو مجلز والشعبي ومالك بن الشخير وأبو رجاء وأبو رزين وابن محيصن وأبان عن عاصم: ﴿الجُمَّل﴾ - بضم الجيم وفتح الميم مشددة - وفسر بالقلس الغليظ؛ وهو حبل السفينة تجمع حبال وتفتل وتصير حبلا واحدا. وقيل: هو الحبل الغليظ من القنب. وقيل: الحبل الذي يصعد به في النخل.
وقرأ ابن عباس في رواية مجاهد وابن جبير وقتادة وسالم الأفطس بضم الجيم وفتح الميم مخففة. وقرأ ابن عباس في رواية عطاء والضحاك والجحدري بضم الجيم والميم مخففة. وقرأ عكرمة وابن جبير في رواية بضم الجيم وسكون الميم. وقرأ المتوكل وأبو الجوزاء بفتح الجيم وسكون الميم. ومعناه في هذه القرآت كلها: القلس الغليظ؛ وهو حبل السفينة. وقراءة الجمهور: ﴿الْجَمَلُ﴾ - بفتح الجيم والميم - أوقع لأن سم الإبرة يضرب بها المثل في الضيق، والجمل وهو هذا الحيوان المعروف
يضرب به المثل في عظم الجثة كما ذكرناه سابقا. وقرأ عبد الله بن مسعود (٣): ﴿حتى يلج الجمل الأصغر في سم الخياط﴾.
وقرأ عبد الله وقتادة وأبو رزين وابن مصرف وطلحة بضم سين (٤): ﴿سم﴾. وقرأ أبو عمران الحوفي وأبو نهيك والأصمعي عن نافع بكسر السين. وقرأ عبد الله وأبو رزين وأبو مجلز: ﴿المِخْيَط﴾ - بكسر الميم وسكون الخاء وفتح
стр. 4096
الياء -. وقرأ طلحة بفتح الميم.
﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: ونجزي كل من صار الإجرام والشرك وصفا له جزاء مثل جزاء هؤلاء المكذبين المستكبرين من عدم فتح أبواب السماء، وعدم دخولهم الجنة، لا من أجرموا جرما بثورة غضب، أو نزوة شهوة، ثم لا يلبثون أن يندموا على ما فرط منهم كما قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ وقال أيضا: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
٤١ - ولما بين الله أنّ الكفار لا يدخلون الجنة أبدا .. بين أنهم من أهل النار، ووصف ما أعد لهم فيها، فقال ﴿لَهُمْ﴾: أي: لهؤلاء المكذبين المستكبرين ﴿مِنْ﴾ نار ﴿جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾؛ أي: فرش من تحتهم ﴿وَ﴾ لهم ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ منها ﴿غَواشٍ﴾؛ أي: لحف وأغطية تغطيهم، والمراد: أنها محيطة بهم مطبقة عليهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف، وأصل المهاد المتمهد الذي يقعد عليه، ويضطجع عليه كالفراش والبساط، والغواش جمع غاشية، وهي الغطاء كاللحاف ونحوه. وقرىء: ﴿غواش﴾ - بالرفع - كقراءة عبد الله: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ﴾. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: ونجزي كل من صار الظلم لنفسه وللناس وصفا لازما له جزاء مثل جزاء المكذبين المستكبرين من كون جهنم مهادا وغطاء لهم.
والآيتان تدلان على أن المجرمين والظالمين الراسخين في صفتي الإجرام والظلم هم الكافرون كما قال: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ والمؤمنون لا يكونون كذلك بحال.
٤٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: والذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به من وحيه وتنزيله وشرائع دينه ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾؛ أي: وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه في ذلك واجتنبوا ما نهاهم عنه، وقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها﴾؛ أي: ولا نكلف نفسا مكلفة إلا ما يسهل عليها من الأعمال، وما يدخل في قدرتها، ولا يضيق فيه عليها، كلام معترض بين المبتدأ والخبر، اعترض به لأنه من جنس ما قبله، فإنه بيان أن ذلك العمل غير خارج عن قدرتهم، وتنبيه على أن
стр. 4097
الجنة مع عظم قدرها يتوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب، والتقدير: والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ لا غيرهم ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيها مكثا مؤبدا لا يخرجون منها، ولا يسلبون نعيمها.
٤٣ - ﴿وَنَزَعْنا﴾؛ أي: وقلعنا وأخرجنا، وأزلنا وصفينا ما في صدور المؤمنين ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ وحسد وحقد وعداوة كانت بينهم في الدنيا، فجعلناهم إخوانا على سرر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله تعالى به بعضهم دون بعض. ومعنى نزع الغل: تصفية الطباع، وإسقاط الوساوس، ودفعها عن أن ترد على القلوب، والمراد خلقناهم في الجنة على هذه الحالة، وليس المراد أنهم دخلوا الجنة بما ذكر، ثم نزع منهم فيها، بل المراد أنهم دخلوها مطهرين منه. قاله أبو حيان.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقّوا أذن الله لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا». أخرجه البخاري.
وجملة قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ حال (١) من ضمير ﴿صُدُورُهُمْ﴾، والعامل فيها معنى الإضافة؛ أي حالة كونهم تجري وتسيل من تحت أشجارهم وقصورهم أنهار الخمر والعسل واللبن والماء زيادة في لذتهم وسرورهم، فيرونها وهم في غرفات قصورهم تتدفق في جناتها وبساتينها، فيزدادون حبورا وسرورا، لا تشوب صفاءهم شائبة كدر. قال أبو حيان: والظاهر أن جملة ﴿تَجْرِي﴾ خبر مستأنف عن صفة حالهم.
стр. 4098
﴿وَ﴾ إذا دخلوا الجنة، واستقروا في منازلهم ﴿قالُوا﴾ شاكرين لله بألسنتهم معبرين عن غبطتهم وبهجتهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾:؛ أي: وفقنا وأرشدنا في الدنيا للعمل الذي هذا ثوابه، وتفضل علينا به رحمة منه وإحسانا إلينا ﴿وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ ونرشد لذلك العمل الذي هذا ثوابه ﴿لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ﴾ إليه؛ أي: لولا أنه أرشدنا إليه ووفقنا بفضله ومنه وكرمه؛ أي: وما كان من شأننا ولا مقتضى فكرنا أن نهتدي إليه بأنفسنا لولا أن هدانا الله إليه بتوفيقه إيانا لاتباع رسله ومعونته لنا عليه، ورحمته الخاصة بنا إلى هدايته التي فطرنا عليها، وهداية ما خلق لنا من المشاعر والعقل. وفي الآية دليل على أن المهتدي من هداه الله، ومن لم يهده الله .. فليس بمهتد.
وقرأ ابن عامر (١): ﴿ما كنا﴾ بغير واو وكذا هي في مصاحف أهل الشام، وذلك لأنه جار مجرى التفسير لقوله: ﴿هَدانا لِهذا﴾ فلما كان أحدهما عين الآخر وجب حذف الحرف العاطف.
وقالوا أيضا حين رأوا ما وعدهم به الرسل عيانا تبجحا بما نالوه: والله ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا﴾ في الدنيا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ما أخبرونا به في الدنيا من الثواب صدق، فقد حصل لنا عيانا، وهذا مصداق ما وعدنا به في الدنيا على التوحيد وصالح العمل ﴿وَنُودُوا﴾؛ أي: نادتهم الملائكة عند رؤيتهم الجنة من مكان بعيد ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾؛ أي: تلك الدار التي ترى لكم من بعد هي الجنة التي وعدتكم الرسل بها في الدنيا، فـ ﴿أَنْ﴾ مفسرة لما في النداء، وكذا في سائر المواضع الخمسة الآتية. وجملة قوله: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾؛ أي: أعطيتموها حال من الجنة، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة؛ أي: حالة كونها موروثة معطاة لكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا، فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمة الله تعالى، فإذا دخلوها بأعمالهم .. فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته؛ إذ أعمالهم رحمة منه لهم، وتفضل منه عليهم.
стр. 4099
روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (١): «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما الكافر فإنه يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة». زاد في: «رواية فذلك قوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾».
وأخرج ابن جرير عن السدي قال (٢): ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة والنار منزل مبين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ودخلوا منازلهم رفعت الجنة لأهل النار، فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله، ثم يقال: يا أهل الجنة، أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فيقتسم أهل الجنة منازلهم.
وفي الآية (٣): دلالة واضحة على أن الجنة تنال بالعمل، وفي معناها آيات وأحاديث كثيرة. أما حديث أبي هريرة الذي رواه الشيخان: «لن يدخل أحدا عمله الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته» فيراد منه أن عمل الإنسان مهما كان عظيما .. فلا يستحق به الجنة لذاته لولا رحمة الله وفضله حين جعل هذا الجزاء العظيم على ذلك العمل القليل، فدخول الجنة بالعمل دخول بفضل الله ورحمته، ومن ثم قال بعده:
«فسددوا وقاربوا»؛ أي: لا تبالغوا ولا تغلوا في دينكم، ولا تتكلفوا من العمل ما لا طاقة لكم به.
وأدغم النحويان (٤) - أبو عمرو والكسائي - وحمزة وهشام الثاء المثلثة في التاء الفوقية في قوله: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ وأظهرها باقي السبعة.
الإعراب
﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾.
стр. 4100
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾: منادى مضاف منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وجملة النداء مستأنفة. ﴿خُذُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿زِينَتَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خُذُوا﴾، والكلام على (١) حذف مضاف تقديره: عند قصد كل مسجد. ﴿وَكُلُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿خُذُوا﴾. وكذلك قوله: ﴿وَاشْرَبُوا﴾ معطوف عليه. ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿خُذُوا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة لتعليل النهي المذكور قبلها.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ. ﴿حَرَّمَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول القول. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿زِينَةَ﴾. ﴿أَخْرَجَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿لِعِبادِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَخْرَجَ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: أخرجها لعباده. ﴿وَالطَّيِّباتِ﴾: معطوف على ﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾. ﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿وَالطَّيِّباتِ﴾.
﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿كَذلِكَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿هِيَ﴾: مبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول