الياء -. وقرأ طلحة بفتح الميم.
﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: ونجزي كل من صار الإجرام والشرك وصفا له جزاء مثل جزاء هؤلاء المكذبين المستكبرين من عدم فتح أبواب السماء، وعدم دخولهم الجنة، لا من أجرموا جرما بثورة غضب، أو نزوة شهوة، ثم لا يلبثون أن يندموا على ما فرط منهم كما قال تعالى في وصف المؤمنين: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ وقال أيضا: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
٤١ - ولما بين الله أنّ الكفار لا يدخلون الجنة أبدا .. بين أنهم من أهل النار، ووصف ما أعد لهم فيها، فقال ﴿لَهُمْ﴾: أي: لهؤلاء المكذبين المستكبرين ﴿مِنْ﴾ نار ﴿جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾؛ أي: فرش من تحتهم ﴿وَ﴾ لهم ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ منها ﴿غَواشٍ﴾؛ أي: لحف وأغطية تغطيهم، والمراد: أنها محيطة بهم مطبقة عليهم من كل جانب، فلهم منها غطاء ووطاء وفراش ولحاف، وأصل المهاد المتمهد الذي يقعد عليه، ويضطجع عليه كالفراش والبساط، والغواش جمع غاشية، وهي الغطاء كاللحاف ونحوه. وقرىء: ﴿غواش﴾ - بالرفع - كقراءة عبد الله: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ﴾. ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: ونجزي كل من صار الظلم لنفسه وللناس وصفا لازما له جزاء مثل جزاء المكذبين المستكبرين من كون جهنم مهادا وغطاء لهم.
والآيتان تدلان على أن المجرمين والظالمين الراسخين في صفتي الإجرام والظلم هم الكافرون كما قال: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ والمؤمنون لا يكونون كذلك بحال.
٤٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: والذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به من وحيه وتنزيله وشرائع دينه ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾؛ أي: وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه في ذلك واجتنبوا ما نهاهم عنه، وقوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها﴾؛ أي: ولا نكلف نفسا مكلفة إلا ما يسهل عليها من الأعمال، وما يدخل في قدرتها، ولا يضيق فيه عليها، كلام معترض بين المبتدأ والخبر، اعترض به لأنه من جنس ما قبله، فإنه بيان أن ذلك العمل غير خارج عن قدرتهم، وتنبيه على أن
стр. 4097
الجنة مع عظم قدرها يتوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب، والتقدير: والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات ﴿أُولئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ لا غيرهم ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيها مكثا مؤبدا لا يخرجون منها، ولا يسلبون نعيمها.
٤٣ - ﴿وَنَزَعْنا﴾؛ أي: وقلعنا وأخرجنا، وأزلنا وصفينا ما في صدور المؤمنين ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ وحسد وحقد وعداوة كانت بينهم في الدنيا، فجعلناهم إخوانا على سرر متقابلين، لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله تعالى به بعضهم دون بعض. ومعنى نزع الغل: تصفية الطباع، وإسقاط الوساوس، ودفعها عن أن ترد على القلوب، والمراد خلقناهم في الجنة على هذه الحالة، وليس المراد أنهم دخلوا الجنة بما ذكر، ثم نزع منهم فيها، بل المراد أنهم دخلوها مطهرين منه. قاله أبو حيان.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقّوا أذن الله لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا». أخرجه البخاري.
وجملة قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ حال (١) من ضمير ﴿صُدُورُهُمْ﴾، والعامل فيها معنى الإضافة؛ أي حالة كونهم تجري وتسيل من تحت أشجارهم وقصورهم أنهار الخمر والعسل واللبن والماء زيادة في لذتهم وسرورهم، فيرونها وهم في غرفات قصورهم تتدفق في جناتها وبساتينها، فيزدادون حبورا وسرورا، لا تشوب صفاءهم شائبة كدر. قال أبو حيان: والظاهر أن جملة ﴿تَجْرِي﴾ خبر مستأنف عن صفة حالهم.
стр. 4098
﴿وَ﴾ إذا دخلوا الجنة، واستقروا في منازلهم ﴿قالُوا﴾ شاكرين لله بألسنتهم معبرين عن غبطتهم وبهجتهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا﴾:؛ أي: وفقنا وأرشدنا في الدنيا للعمل الذي هذا ثوابه، وتفضل علينا به رحمة منه وإحسانا إلينا ﴿وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ ونرشد لذلك العمل الذي هذا ثوابه ﴿لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ﴾ إليه؛ أي: لولا أنه أرشدنا إليه ووفقنا بفضله ومنه وكرمه؛ أي: وما كان من شأننا ولا مقتضى فكرنا أن نهتدي إليه بأنفسنا لولا أن هدانا الله إليه بتوفيقه إيانا لاتباع رسله ومعونته لنا عليه، ورحمته الخاصة بنا إلى هدايته التي فطرنا عليها، وهداية ما خلق لنا من المشاعر والعقل. وفي الآية دليل على أن المهتدي من هداه الله، ومن لم يهده الله .. فليس بمهتد.
وقرأ ابن عامر (١): ﴿ما كنا﴾ بغير واو وكذا هي في مصاحف أهل الشام، وذلك لأنه جار مجرى التفسير لقوله: ﴿هَدانا لِهذا﴾ فلما كان أحدهما عين الآخر وجب حذف الحرف العاطف.
وقالوا أيضا حين رأوا ما وعدهم به الرسل عيانا تبجحا بما نالوه: والله ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا﴾ في الدنيا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ما أخبرونا به في الدنيا من الثواب صدق، فقد حصل لنا عيانا، وهذا مصداق ما وعدنا به في الدنيا على التوحيد وصالح العمل ﴿وَنُودُوا﴾؛ أي: نادتهم الملائكة عند رؤيتهم الجنة من مكان بعيد ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾؛ أي: تلك الدار التي ترى لكم من بعد هي الجنة التي وعدتكم الرسل بها في الدنيا، فـ ﴿أَنْ﴾ مفسرة لما في النداء، وكذا في سائر المواضع الخمسة الآتية. وجملة قوله: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾؛ أي: أعطيتموها حال من الجنة، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة؛ أي: حالة كونها موروثة معطاة لكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا، فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمة الله تعالى، فإذا دخلوها بأعمالهم .. فقد ورثوها برحمته، ودخلوها برحمته؛ إذ أعمالهم رحمة منه لهم، وتفضل منه عليهم.
стр. 4099
روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (١): «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما الكافر فإنه يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة». زاد في: «رواية فذلك قوله تعالى: ﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾».
وأخرج ابن جرير عن السدي قال (٢): ليس من مؤمن ولا كافر إلا وله في الجنة والنار منزل مبين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ودخلوا منازلهم رفعت الجنة لأهل النار، فنظروا إلى منازلهم فيها، فقيل: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله، ثم يقال: يا أهل الجنة، أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فيقتسم أهل الجنة منازلهم.
وفي الآية (٣): دلالة واضحة على أن الجنة تنال بالعمل، وفي معناها آيات وأحاديث كثيرة. أما حديث أبي هريرة الذي رواه الشيخان: «لن يدخل أحدا عمله الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته» فيراد منه أن عمل الإنسان مهما كان عظيما .. فلا يستحق به الجنة لذاته لولا رحمة الله وفضله حين جعل هذا الجزاء العظيم على ذلك العمل القليل، فدخول الجنة بالعمل دخول بفضل الله ورحمته، ومن ثم قال بعده:
«فسددوا وقاربوا»؛ أي: لا تبالغوا ولا تغلوا في دينكم، ولا تتكلفوا من العمل ما لا طاقة لكم به.
وأدغم النحويان (٤) - أبو عمرو والكسائي - وحمزة وهشام الثاء المثلثة في التاء الفوقية في قوله: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ وأظهرها باقي السبعة.
الإعراب
﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾.
стр. 4100
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾: منادى مضاف منصوب بالياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وجملة النداء مستأنفة. ﴿خُذُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب. ﴿زِينَتَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خُذُوا﴾، والكلام على (١) حذف مضاف تقديره: عند قصد كل مسجد. ﴿وَكُلُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿خُذُوا﴾. وكذلك قوله: ﴿وَاشْرَبُوا﴾ معطوف عليه. ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿خُذُوا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة لتعليل النهي المذكور قبلها.
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ. ﴿حَرَّمَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول القول. ﴿الَّتِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿زِينَةَ﴾. ﴿أَخْرَجَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿لِعِبادِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَخْرَجَ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: أخرجها لعباده. ﴿وَالطَّيِّباتِ﴾: معطوف على ﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾. ﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿وَالطَّيِّباتِ﴾.
﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿كَذلِكَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿هِيَ﴾: مبتدأ. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول
стр. 4101
القول. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿فِي الْحَياةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة لـ ﴿الْحَياةِ﴾. ﴿خالِصَةً﴾ بالنصب: حال من الضمير المستكن في الخبر المحذوف؛ أي: هي كائنة لهم في الدنيا حالة كونها خالصة يوم القيامة، وبالرفع: خبر ثان لـ ﴿هِيَ﴾. ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خالِصَةً﴾. كَذلِكَ: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، والتقدير: نفصل الآيات تفصيلا مثل ذلك التفصيل السابق. ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُفَصِّلُ﴾، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ صفة لـ ﴿قوم﴾.
﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّما﴾: أداة حصر بمعنى ما النافية، وإلا المثبتة. ﴿حَرَّمَ رَبِّيَ﴾: فعل وفاعل. ﴿الْفَواحِشَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿ما﴾: موصولة في محل النصب بدل من ﴿الْفَواحِشَ﴾ بدل تفصيل من مجمل. ﴿ظَهَرَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْها﴾: متعلق بـ ﴿ظَهَرَ﴾. ﴿وَما﴾: معطوف على ما الأولى. ﴿بَطَنَ﴾: صلته. ﴿وَالْإِثْمَ﴾: معطوف على ﴿الْفَواحِشَ﴾ عطف عام على خاص. ﴿وَالْبَغْيَ﴾: معطوف على ﴿الْإِثْمَ﴾ عطف خاص على عام لمزيد الاعتناء به، وكذلك ما بعده. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الْبَغْيَ﴾. ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا﴾: فعل وفاعل وناصب. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على ﴿الْإِثْمَ﴾ عطف خاص على عام تقديره: وإشراككم بالله. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة. ﴿لَمْ يُنَزِّلْ﴾: فعل وجازم، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُنَزِّلْ﴾. ﴿سُلْطانًا﴾: مفعول به لـ ﴿يُنَزِّلْ﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير
стр. 4102
﴿بِهِ﴾. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾: فعل وفاعل وناصب. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على ﴿الْإِثْمَ﴾ عطف خاص على عام تقديره: وقولكم على الله. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿بِهِ﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما لا تعلمونه.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿أَجَلٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿فَإِذا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، أو فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت لكل أمة أجلا، وأردت بيان كيفية ذلك الأجل .. فأقول لك: ﴿إذا جاء أجلهم﴾ ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جاءَ أَجَلُهُمْ﴾: فعل وفاعل والجملة في محل جر مضاف إليه لجواب ﴿إذا﴾، على كونها فعل شرط لها والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فعل وفاعل والجملة جواب ﴿إذا﴾ ولم يؤت هنا بالفاء الرابطة للجواب مع اقترانه بلا النافية؛ لأن المضارع المنفي بلا إذا وقع جوابا لإذا في الظاهر .. جاز أن يتلقى بالفاء، وأن لا يتلقى بها. قال الشيخ: ويبنغي أن يعتقد أن بين الفاء والفعل بعدها اسما مبتدأ، فتصير الجملة اسمية، ومتى كانت كذلك .. وجب أن تتلقى بالفاء أو إذا الفجائية ذكره في «الفتوحات». ﴿ساعَةً﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾. ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾: على كونها جوابا لـ ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾.
﴿يا بَنِي آدَمَ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مستأنفة. ﴿إِمَّا﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ﴿ما﴾ الزائدة، ﴿ما﴾:
стр. 4103
زائدة. ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ﴿يأتين﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد الثقيلة: حرف لا محل له من الإعراب، و ﴿الكاف﴾: ضمير المخاطبين في محل النصب مفعول به. رُسُلٌ: فاعل. مِنْكُمْ: جار ومجرور صفة أولى لـ رُسُلٌ. يَقُصُّونَ: فعل وفاعل. عَلَيْكُمْ: متعلق به. آياتِي: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة ثانية لـ رُسُلٌ. فَمَنِ: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبا؛ لكون الجواب جملة اسمية. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب أو الشرط أو هما، أو ﴿من﴾ موصولة في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة قوله: ﴿فَلا خَوْفٌ ...﴾ إلخ. ﴿اتَّقى﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿وَأَصْلَحَ﴾: معطوف على ﴿اتَّقى﴾. ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية، ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ليس. ﴿خَوْفٌ﴾: اسمها مرفوع. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، وفيه مراعاة لمعنى ﴿من﴾ بعد مراعاة لفظها في ﴿اتَّقى وَأَصْلَحَ﴾، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم جواب ﴿من﴾ الشرطية، أو خبر ﴿من﴾ الموصولة، وعلى هذا الوجه، فجملة ﴿اتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ صلة ﴿من﴾ الموصولة، وجملة ﴿من﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، أو جملة ﴿من﴾ الموصولة من المبتدأ والخبر جواب ﴿إن﴾ الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها جواب النداء لا محل لها من الإعراب. وَ ﴿لا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ليس. ﴿هُمْ﴾: في محل الرفع اسمها، وجملة ﴿يَحْزَنُونَ﴾: في محل النصب خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾ من اسمها وخبرها في محل الجزم معطوف على جملة ﴿لا﴾ الأولى.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ أول. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿عَنْها﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾. ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ
стр. 4104
ثان. ﴿أَصْحابُ النَّارِ﴾: خبر للمبتدأ الثاني ومضاف إليه، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ على كونها جواب ﴿إن﴾ الشرطية، وإيراد الاتقاء في الجواب الأول للإيذان بأن مدار الفلاح ليس مجرد عدم التكذيب، بل هو الاتقاء والاجتناب، وإدخال الفاء في الجزاء الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد، والمسامحة في الوعيد. اه «كرخي». ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيها﴾: متعلق بـ ﴿خالِدُونَ﴾. ﴿خالِدُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿أَصْحابُ النَّارِ﴾.
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ﴾.
﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿من﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾. افْتَرى: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿افْتَرى﴾. ﴿كَذِبًا﴾: مفعول به. ﴿أَوْ﴾ حرف عطف. ﴿كَذَّبَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿افْتَرى﴾ على كونها صلة لـ ﴿من﴾ الموصولة. ﴿بِآياتِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يَنالُهُمْ﴾ فعل ومفعول. ﴿نَصِيبُهُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة استئنافا بيانيا. ﴿مِنَ الْكِتابِ﴾: جار ومجرور حال من قوله: ﴿نَصِيبُهُمْ﴾.
﴿حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
﴿حَتَّى﴾: غائية لكونها غاية لما قبلها، ابتدائية لدخولها على الجملة. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جاءَتْهُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿رُسُلُنا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إِذا﴾، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال
стр. 4105
من ﴿رُسُلُنا﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ مستأنفة من حيث اللفظ، وغاية لما قبلها من حيث المعنى. ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَيْنَ﴾: اسم استفهام للاستفهام الاستخباري في محل الرفع خبر مقدم. ﴿ما﴾: موصولة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول القول. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من الضمير المحذوف في ﴿تَدْعُونَ﴾، أو متعلق به، وجملة ﴿تَدْعُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: أين الآلهة التي كنتم تدعونهم من دون الله.
﴿قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾.
﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿ضَلُّوا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَنَّا﴾: متعلق به، والجملة مقول لـ ﴿قالُوا﴾. ﴿وَشَهِدُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على قالُوا. ﴿عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَهِدُوا﴾. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿كافِرِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿شَهِدُوا﴾ تقديره: وشهدوا على أنفسهم كونهم كافرين.
﴿قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾: إلى قوله: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿ادْخُلُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿فِي أُمَمٍ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿أُمَمٍ﴾، والجملة في محل الجر صفة أولى لـ ﴿أُمَمٍ﴾ ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه صفة ثانية لـ ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ جار ومجرور، صفة ثالثة لـ ﴿أُمَمٍ﴾. ﴿فِي النَّارِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ادْخُلُوا﴾، واعترض بأنه: كيف يتعلق حرفا جر
стр. 4106
متحدا اللفظ والمعنى بعامل واحد؟ فأجيب عنه بأحد جوابين: إما بأن في الأولى ليست للظرفية، بل للمعية كأنه قيل: ادخلوا مصاحبين لأمم في الدخول، وإما بأن قوله ﴿فِي النَّارِ﴾: بدل من قوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ بدل اشتمال، فتكون الظرفية الأولى مجازا؛ لأن الأمم ليسوا ظروفا لهم حقيقة، وإنما المعنى: ادخلوا في جملة أمم. كذا في «الفتوحات».
﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾.
﴿كُلَّما﴾: اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها من الإعراب، أو في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿كُلَّما﴾. ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿أُمَّةٌ﴾، والجملة جواب ﴿كُلَّما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كُلَّما﴾ مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: غائية ابتدائية. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿ادَّارَكُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيها﴾: متعلق به. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من واو ﴿ادَّارَكُوا﴾، والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إِذَا﴾، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿لِأُولاهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قالَتْ﴾، واللام فيه للتعليل؛ أي: لأجلهم، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ مستأنفة، ولكنها غاية لما قبلها في المعنى. ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا﴾ إلى قوله: ﴿قالَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَتْ﴾، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول. ﴿هؤُلاءِ﴾: مبتدأ. ﴿أَضَلُّونا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول القول على كونها جواب النداء. ﴿فَآتِهِمْ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، لكون ما قبلها علة لما بعدها، ﴿آتهم عذابا﴾: فعل ومفعولان؛ لأنه بمعنى أعطهم، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة: ﴿أَضَلُّونا﴾ على كونها خبر المبتدأ. ﴿ضِعْفًا﴾: صفة أولى لـ ﴿عَذابًا﴾؛ لأنه بمعنى مضاعف. ﴿مِنَ النَّارِ﴾: صفة ثانية لـ ﴿عَذابًا﴾.
стр. 4107
﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لِكُلٍّ﴾ خبر مقدم. ﴿ضِعْفٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿وَلكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكِنْ﴾: حرف استدراك. ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾.
﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾.
﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾، وما بينهما اعتراض. ﴿لِأُخْراهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿قالَتْ﴾. ﴿فَما كانَ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿فَما﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قال لكم الرب ﷻ ، وأردتم بيان حالنا وحالكم .. فأقول لكم. ﴿ما كان لكم﴾:
﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كانَ﴾. ﴿عَلَيْنا﴾: متعلق بـ ﴿فَضْلٍ﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿فَضْلٍ﴾: اسم ﴿كانَ﴾ مؤخر، والتقدير: فما كان من فضل علينا كائنا لكم، وجملة ﴿كانَ﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قالَتْ﴾. ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، و ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿كانَ﴾. بِما ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: موصولة في محل الجر بالباء. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَكْسِبُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: بالذي كنتم تكسبونه، أو بكسبكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿ذوقوا﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: اسمها. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل صلة
стр. 4108
الموصول. ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿عَنْها﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تُفَتَّحُ﴾: فعل مضارع مغيّر الصيغة. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿أَبْوابُ السَّماءِ﴾: نائب فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، ولكنها خبر سببي، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.
﴿وَلا يَدْخُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لا تُفَتَّحُ﴾. ﴿الْجَنَّةَ﴾: منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿يَدْخُلُونَ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَلِجَ الْجَمَلُ﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد ﴿حَتَّى﴾: بمعنى إلى. ﴿فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَلِجَ﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى تقديره: إلى ولوج الجملة في سم الخياط، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَدْخُلُونَ﴾. ﴿وَكَذلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة، والتقدير: ونجزي المجرمين جزاء مثل جزاء المكذبين المستكبرين من عدم فتح أبواب السماء لهم، وعدم دخول الجنة إلى ولوج الجمل في سم الخياط.
﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.
﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ جَهَنَّمَ﴾: جار ومجرور بالفتحة؛ لأنه اسم لا ينصرف، والمانع له من الصرف العلمية والتأنيث المعنوي، الجار والمجرور حال من ﴿مِهادٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة تقدمت عليها. ﴿مِهادٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل النصب حال من واو ﴿يَدْخُلُونَ﴾. ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿غَواشٍ﴾: مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة؛ للتخلص من التقاء الساكنين منع من ظهورها الثقل؛ لأنه اسم منقوص، وسيأتي البحث عنه في مبحث الصرف إن
стр. 4109
شاء الله تعالى، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾. ﴿وَكَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والتقدير: ونجزي الظالمين جزاء مثل جزاء الذين كذبوا واستكبروا، والجملة مستأنفة.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نُكَلِّفُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿نَفْسًا﴾: مفعول به. ﴿إِلَّا وُسْعَها﴾: منصوب على الاستثناء، والجملة الفعلية معترضة بين المبتدأ والخبر الآتي، أو هي خبر أول له مع تقدير الرابط تقدر: لا نكلف نفسا منهم إلا وسعها. ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ ثان. ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره جملة كبرى في ضمنها جملة صغرى مستأنفة. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيها﴾: متعلق بـ ﴿خالِدُونَ﴾. ﴿خالِدُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب حال من ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾.
﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ﴾.
﴿وَنَزَعْنا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿نَزَعْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به. ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها. ﴿مِنْ غِلٍّ﴾: جار ومجرور حال من ﴿ما﴾. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ﴾: متعلق به. ﴿الْأَنْهارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية حال من ضمير ﴿صُدُورِهِمْ﴾. ﴿وَقالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَزَعْنا﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿ونودي﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول
стр. 4110
القول. ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿هَدانا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿لِهذا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿هَدانا﴾. ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾: واو الحال، أو استئنافية. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿لِنَهْتَدِيَ﴾: ﴿اللام﴾: لام الجحود، ﴿نهتدي﴾: منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كان﴾ تقديره: وما كنا مريدين للهداية لولا أن هدانا، وجملة ﴿كان﴾: مستأنفة، أو في محل النصب حال من ضمير المفعول في ﴿هَدانا﴾، والتقدير: الحمد لله الذي هدانا لهذا حالة كوننا عادمين الهداية لولا هدايته إيانا. ﴿لَوْلا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿أَنْ﴾: مصدرية. ﴿هَدانا﴾: فعل ومفعول في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ولفظ الجلالة ﴿اللَّهُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف وجوبا تقديره: لولا هدايته إيانا موجودة، وجواب ﴿لَوْلا﴾ محذوف دل عليها ما قبلها تقديره: لولا هدايته موجودة ما كنا لنهتدي، وجملة ﴿لَوْلا﴾ في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾.
﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جاءَتْ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف تقديره: نقسم والله، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿وَنُودُوا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، أو استئنافية. ﴿نُودُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قالُوا﴾، أو مستأنفة. ﴿أَنْ﴾: مفسرة بمعنى: أي. ﴿تِلْكُمُ﴾ مبتدأ. ﴿الْجَنَّةُ﴾: خبر، والجملة مفسرة لجملة ﴿نُودُوا﴾ لا محل لها من الإعراب، أو ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. ﴿تِلْكُمُ﴾، مبتدأ. ﴿الْجَنَّةُ﴾: خبره، والجملة في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿نُودُوا﴾. ﴿أُورِثْتُمُوها﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿الهاء﴾ في محل النصب مفعول ثان
стр. 4111
لأورثتموا، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿الْجَنَّةُ﴾، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة، والتقدير: حالة كونها موروثة لكم، ولا يجوز أن يكون حالا من ﴿تلك﴾ لوجهين:
أحدهما: أنه فصل بينهما بالخبر.
والثاني: أن تلك مبتدأ، والابتداء لا يعمل في الحال، ويجوز أن تكون ﴿الْجَنَّةُ﴾ نعتا لـ ﴿تِلْكُمُ﴾، أو بدلا، ﴿وأُورِثْتُمُوها﴾ الخبر، ولا يجوز أن تكون الجملة حالا من الكاف والميم؛ لأن الكاف حرف للخطاب، وصاحب الحال لا يكون حرفا، ولأن الحال تكون بعد تمام الكلام، والكلام لا يتم بتلكم. ذكره أبو البقاء. ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أورث﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوفا تقديره: تعملونه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ والزينة (١): فعلة من التزين، وهو اسم لما يتجمل به من ثياب وغيرها كقوله: ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾؛ أي: بالنبات، والزينة هنا المأمور بأخذها هو ما يستر العورة في الصلاة. قاله مجاهد والسدي والزجاج.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ قال الكلبي: معناه كلوا من اللحم والدسم، واشربوا من الألبان، وكانوا يحرمون جميع ذلك في الإحرام. ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ قال ابن عباس: الإسراف: الخروج عن حد الاستواء.
﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ﴾ الفواحش (٢): جمع فاحشة؛ وهي الخصلة التي يقبح فعلها لدى أرباب الفطر السليمة، والعقول الراجحة، ويطلقونها أحيانا على الزنا، والبخل، والقذف بالفحشاء، والبذاء المتناهي في القبح.
стр. 4112
﴿وَالْإِثْمَ﴾ الإثم لغة: القبيح الضار؛ وهو شامل لجميع المعاصي كبائرها كالفواحش، وصغائرها كالنظر بشهوة لغير الحليلة. وقال (١) الفضل: الإثم: الخمر وأنشد:
نهانا رسول الله أن نقرب الخنا ... وأن نشرب الإثم الّذي يوجب الوزرا
وأنشد الأصمعي أيضا:
ورحت حزينا ذاهل العقل بعدهم ... كأنّي شربت الإثم أو مسّني خبل
قال: وقد تسمى الخمر إثما، وأنشد:
شربت الإثم حتى زال عقلي
﴿وَالْبَغْيَ﴾ والبغي: تجاوز الحد، وقد يقال: بغى الجرح إذا تجاوز الحد في الفساد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾؛ أي: مدة (٢) العمر من أولها إلى آخرها.
وقوله: ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: آخر هذه المدة، فلذلك أظهر لاختلاف معنى الأجل في الموضعين، فالأجل يطلق على جميع مدة العمر بتمامها، وعلى الجزء الأخير منها. وفي «المصباح»: أجل الشيء مدته ووقته الذي يحل فيه، وهو مصدر أجل الشيء أجلا - من باب تعب - وأجل أجولا - من باب قعد لغة - وأجلته تأجيلا جعلت له أجلا، والآجال جمع أجل مثل سبب وأسباب. والأمة: قال ابن عطية: الفرقة والجماعة من الناس؛ وهي لفظة تستعمل في الكثير من الناس. وقال غيره: والأمة الجماعة قلوا أو كثروا، وقد يطلق على الواحد كقوله في قس بن ساعدة: يبعث يوم القيامة أمة وحده، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾. ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ المراد بهم الجماعات والأحزاب وأهل الملل.
﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها﴾ أصله: تداركوا بوزن تفاعلوا، فأدغمت التاء في الدال بعد قلبها دالا وتسكينها، ثم اجتلبت همزة الوصل، فصار اداركوا، وهذه (٣) المسألة نصوا على نظيرتها، وهي أن تاء الافتعال إذا أبدلت إلى حرف
стр. 4113
مجانس لما بعدها - كما تبدل طاء أو دالا في نحو: اصطبر، واضطرب، وازدجر - إذا وزن ما هي فيه قالوا: نلفظ في الوزن بأصل تاء الافتعال، ولا نلفظ بما صارت إليه من طاء أو دال، فنقول: وزن اصطبر افتعل لا افطعل، ووزن ازدجر افتعل لا افدعل، فكذلك نقول هنا: وزن اداركوا تفاعلوا لا افّاعلوا، فلا فرق بين تاء الافتعال، وتاء التفاعل في ذلك.
﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ وأخراهم وأولاهم يحتمل أن يكون فعلى أنثى أفعل الذي للمفاضلة، والمعنى على هذا كما قال الزمخشري: أخراهم منزلة؛ وهم الأتباع والسفلة لأولاهم منزلة؛ وهم القادة والسادة والرؤساء، ويحتمل أن تكون أخرى بمعنى آخرة تأنيث آخر مقابل أول، لا تأنيث آخر الذي للمفاضلة كقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ والفرق بين أخرى بمعنى آخرة، وبين أخرى تأنيث آخر بزنة أفعل التفضيل أن التي للتفضيل لا تدل على الانتهاء كما لا يدل عليه مذكرها، ولذلك يعطف أمثالها عليها في نوع واحد تقول: مررت بامرأة وأخرى وأخرى، كما تقول: مررت برجل وآخر وآخر، وهذه تدل على الانتهاء كما يدل عليه مذكرها، ولذلك لا يعطف أمثالها عليها، ولأن الأولى تفيد إفادة غير، وهذه لا تفيد إفادة غير، والظاهر في هذه الآية الكريمة أنهما ليستا للتفضيل، بل لما ذكرت لك. اه «سمين».
﴿عَذابًا ضِعْفًا﴾ والمراد بالضعف هنا (١): تضعيف الشيء وزيادته إلى ما لا يتناهى، لا الضعف بمعنى مثل الشيء مرة واحدة. اه. «كرخي». وفي «السمين»: قوله: ﴿ضِعْفًا﴾ قال أبو عبيدة: الضعف: مثل الشيء مرة واحدة. وقال الأزهري: ما قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاري كلامهم، والضعف في كلام العرب المثل إلى ما زاد، ولا يقتصر به على مثلين، بل تقول: هذا ضعفه؛ أي: مثلاه وثلاثة أمثاله؛ لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ لم يرد به مثلا ولا مثلين، وأولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله كقوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ
стр. 4114
فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ فأقل الضعف محصور وهو المثل، وأكثره غير محصور اه.
﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ وفي «السمين»: والولوج: الدخول بشدة، ولذلك يقال: هو الدخول في ضيق، فهو أخص من مطلق الدخول، والوليجة: كل ما يعتمده الإنسان، والوليجة: الداخل في قوم ليس هو منهم. وفي «المصباح»: ولج الشيء في غيره يلج - من باب وعد - ولوجا إذا دخل، وأولجته إيلاجا: أدخلته. اه. والجمل: الذكر من الإبل قيل: لا يقال له ذلك إلا إذا بلغ أربع سنين، وأول ما يخرج ولد الناقة حوار إلى الفطام، وبعده فصيل إلى سنة، وفي الثانية ابن مخاض وبنت مخاض، وفي الثالثة ابن لبون وبنت لبون، وفي الرابعة حق وحقة، وفي الخامسة جذع وجذعة، وفي السادسة ثني وثنية، وفي السابعة رباع ورباعية مخففة، وفي الثامنة سديس لهما، وقيل: سديسة للأنثى، وفي التاسعة بازل وبازلة، وفي العاشر خلف وخلفة، وليس بعد البزول والأخلاف سن بل يقال: بازل عام أو عامين، وخلف عام وعامين حتى يهرم، فيقال: له عود.
﴿سَمِّ الْخِياطِ﴾ وفي «المصباح»: السم: ما يقتل بالفتح في الأكثر، وجمعه سموم - مثل فلس وفلوس - وسمام أيضا مثل: سهم وسهما، والضم لغة لأهل العالية، والكسر لغة لبني تميم، والسم ثقب الإبرة، وفيه اللغات الثلاث، وجمعه سمام كسهام. وفي «السمين»: وسم الخياط: ثقب الإبرة، وهو الخرق وسينه مثلثة، وكل ثقب ضيق فهو سم، وقيل: كل ثقب في البدن، وقيل: كل ثقب في أنف أو أذن فهو سم، وجمعه سموم، والسم القاتل سمي بذلك للطفه، وتأثيره في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، وهو في الأصل مصدر، ثم أريد به معنى الفاعل؛ لدخوله باطن والبدن، وقد سمه إذا أدخله فيه، ومنه السامة للخاصة الذين يدخلون في باطن الأمور ومسامها، ولذلك يقال لهم: الدخال، والسموم: الريح الحارة؛ لأنها تؤثر تأثير السم القاتل. والخياط والمخيط: الآلة التي يخاط بها فعال ومفعل كإزار ومئزر، ولحاف وملحف، وقناع ومقنع. اه.
﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾؛ أي: فراش ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾: جمع غاشية أصله: غواشي بتنوين الصرف، فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فاجتمع ساكنان الياء والتنوين، فحذفت الياء، ثم لوحظ كونه على صيغة مفاعل في
стр. 4115
الأصل، فحذف تنوين الصرف، فخيف من رجوع الياء فيحصل الثقل، فأتي بالتنوين عوضا عنها، فغواش المنون ممنوع من الصرف؛ لأن تنوينه تنوين عوض كما علمت، وتنوين الصرف قد حذف، وهذا بناء على أن الإعلال؛ أي: التغيير والتصرف بالحذف مقدم على منع الصرف؛ أي: حذف التنوين، وإنما كان الراجح تقديم الإعلال؛ لأن سببه ظاهر؛ وهو الثقل، وسبب منع الصرف خفي؛ وهو مشابهة الفعل.
وفي «السمين»: وللنحاة في الجمع الذي على مفاعل إذا كان منقوصا بقياس خلاف: هل هو منصرف أو غير منصرف؟ فبعضهم قال: هو منصرف؛ لأنه قد زالت منه صيغة منتهى الجموع، فصار وزنه وزن جناح، وقد زال فانصرف. وقال الجمهور: هو ممنوع من الصرف، والتنوين تنوين عوض، واختلف في المعوض عنه ماذا؟ فالجمهور: على أنه عوض من الياء المحذوفة.
وذهب المبرد: إلى أنه عوض من حركتها، والكسر ليس كسر إعراب، وهكذا جوار وموال، وبعض العرب يعرب غواش ونحوه بالحركات على الحرف الذي قبل الياء المحذوفة، فيقول: هؤلاء جوار، وقرىء: ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ - برفع الشين - كما مر.
﴿مِنْ غِلٍّ﴾ والغل: - بالكسر - الغش والحق أيضا، وقد غل صدره يغل - بالكسر - غلا إذا كان ذا غش أو ضغن أو حقد. اه من «المختار» ويجمع على غلال.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرار في قوله: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ لأن المراد بالمسجد الصلاة والطواف علاقته المحلية، ولما كان المسجد محل الصلاة والطواف أطلق عليهما ذلك.
стр. 4116
ومنها: الجناس المغاير بين ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ وبين ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾.
ومنها: الطباق بين ظهر وبطن في قوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ وبين أولاهم وأخراهم، في قوله: ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ وبين مهاد وغواش، في قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾.
ومنها: الظرفية المجازية في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾؛ أي: ادخلوا حال كونكم في أمم.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿وَالْإِثْمَ﴾؛ لأنه معطوف على ﴿الْفَواحِشَ﴾، فيشمل الفواحش وغيرها.
ومنها: عطف الخاص على العام؛ لمزيد الاعتناء به في الثلاثة المذكورة بعد ﴿الْإِثْمَ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿سُلْطانًا﴾ استعاره للحجة؛ لأن لها تسلطا على القلب.
ومنها: التفصيل بعد الإجمال في قوله: ﴿ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ .. وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها﴾ اعترض به بين المبتدأ والخبر.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ لأنه كناية عن عدم قبول عملهم ودعائهم.
ومنها: تعليق الممكن بالمستحيل إفادة لاستحالته في قوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ فاستفيد منه أن دخول الكافر الجنة مستحيل.
стр. 4117
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ لأن المراد ما في قلوبهم علاقته المحلية.
ومنها: الإتيان باسم الإشارة البعيدة في قوله: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ إشارة إلى عظم رتبتها ومكانتها على حد قوله: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ قال أبو حيان: هذا استعارة لما يحيط بهم من النار.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع
والله أعلم
* * *
قبلها: أن الله ، لما ذكر (١) وعيد الكفار وثواب أهل الإيمان .. أردف ذلك ببيان بعض ما يكون بين الفريقين، فريق أهل الجنة وفريق أهل النار من المناظرة والحوار بعد استقرار كل منهما في داره.
وفيها دليل على أن الدارين في أرض واحدة يفصل بينهما سور لا يمنع إشراف أهل الجنة، وهم في أعلى عليين على أهل النار؛ وهم في هاوية الجحيم، وأن بعضهم يخاطب بعضا بما يزيد أهل الجنة عرفانا بقيمة النعمة، ويزيد أهل النار حسرة وشقاء على ما كان من التفريط في جنب الله تعالى.
وهذا التخاطب لا يقتضي قرب المكان على ما هو معهود في الدنيا، فعالم الآخرة عالم تغلب فيه الروحانية على ظلمة الكثافة الجسدية، فيمكن الإنسان أن يسمع من بعيد المسافات، ويرى من أقاصي الجهات. وإن ما جد الآن من المخترعات والآلات التي يتخاطب بها الناس من شاسع البلاد، وتفصل بينهما ألوف الأميال، إما بالإشارات الكتابية كالبرق - التلغراف اللاسلكي والسلكي - وإما بالكلام اللساني كالمسرة التليفون اللاسلكي والسلكي، ليقرب هذا أتم التقريب، ويزيدنا فهما له. وقد تم لهم الآن أن يروا صورة المتكلم بالتليفون مطبوعة على الآلة التي بها الكلام، وأن ينقلوا الصور من أقصى البلدان إلى أقصاها بهذه الآلة التلفاز.
قوله تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله ، لما ذكر (٢) مقال أهل الجنة لأهل النار، ومقال أصحاب الأعراف لأهل النار .. أردف ذلك بما قال أهل النار لأهل الجنة، وطلبهم منهم بعض ما عندهم من نعم الله عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه
стр. 4120
الآية لما قبلها: أن الله ، لما ذكر أحوال أهل الجنة، وأهل النار، وأهل الأعراف، وذكر الحوار الذي كان بين هذه الفرق الثلاثة على وجه يحمل الناظر فيها على الحذر والاحتراس، والتأمل في العواقب لعله يرعوي عن غيه، ويهتدي إلى سبيل رشده .. عقب ذلك بذكر حال الكتاب الكريم، وعظيم فضله، وجليل منفعته، وأنه حجة الله على البشر كافة، وأنه أزاح به علل الكفار، وأبطل معاذيرهم، ثم يذكر حال المكذبين، وما يكون منهم يوم القيامة من الندم والحسرة، وتمني العودة إلى الدنيا لإصلاح أعمالهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ...﴾ الآيات، علمت مما سلف من قبل أن الأسس التي عني القرآن الكريم بشأنها هي التوحيد والنبوة والمعاد والقضاء والقدر، وإثبات المعاد موقوف على إثبات الوحدانية لله تعالى، والعلم الشامل والقدرة التامة. ومناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (١) بسط القول فيما سلف في أمر المعاد، وبين فئات الناس في ذلك اليوم، وما يدور من حوار بين أصحاب النار وأصحاب الجنة .. قفى على ذلك بذكر الخلق والتكوين، وبيان مقدوراته تعالى وعظيم مصنوعاته؛ لتكون دليلا على الربوبية والألوهية، وأنه لا معبود سواه.
قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما ذكر الأدلة على توحيد الربوبية .. قفى على ذلك بالأمر بتوحيد الألوهية بإفراده تعالى بالعبادة، وروحها ومخها الدعاء والتضرع له.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) تفرده بالملك والملكوت، وتصرفه في العلوي والسفلي وتدبيره الأمر وحده، وطلب إلينا أن ندعوه متضرعين خفية وجهرا، ونهانا عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، وأبان لنا أن رحمته
стр. 4121
قريب من المحسنين .. قفى على ذلك بذكر بعض ضروب من رحمته؛ إذ أرسل إلينا الرياح وما فيها من منافع للناس فيها ينزل المطر الذي هو مصدر الرزق وسبب حياة كل حي في هذه الأرض، وفي ذلك عظيم الدلالة على قدرته تعالى على البعث والنشور.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) ذكر الدلائل على كمال إلهيته وقدرته وعلمه من العالم العلوي .. أتبعها بالدلائل من العالم السفلي؛ وهي محصورة في آثار العالم العلوي، منها الريح والسحاب والمطر، وفي المعدن والنبات والحيوان، ويترتب على نزول المطر أحوال النبات، وذلك هو المذكور في الآية، وانجر مع ذلك الدلالة على صحة الحشر والنشر، والبعث والقيامة، وانتظمت هاتان الآيتان محصلتين المبدأ والمعاد.
انتهى.
التفسير وأوجه القراءة
٤٤ - ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ﴾ حين استقرار أهل الجنة في الجنة، واستقرار أهل النار في النار إذا ما وجهوا إليهم أبصارهم يسألونهم سؤال افتخار على حسن حالهم، وسؤال تهكم وتذكير بجناية أهل النار على أنفسهم بتكذيب الرسل، وسؤال تقرير لهم بصدق ما بلغهم الرسل من وعد ربهم لمن آمن واتقى بجنات النعيم قائلين لهم: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا﴾؛ أي: قد وجدنا وتيقنا ﴿ما وَعَدَنا رَبُّنا﴾ على ألسنة رسله من النعيم والكرامة ﴿حَقًّا﴾ وصدقا لا شبهة فيه، وها نحن نستمتع بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ﴾ يا أهل النار ﴿ما وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: ما أوعدكم ربكم من الخزي والنكال والعذاب على الكفر ﴿حَقًّا﴾؛ أي: صدقا ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال أهل النار مجيبين لأهل الجنة: ﴿نَعَمْ﴾؛ أي: وجدنا ما أوعدنا به ربنا حقا كما بلغنا على ألسنة الرسل، و ﴿نَعَمْ﴾ حرف يجاب به عن الاستفهام في إثبات المستفهم عنه، ونونها
стр. 4122
وعينها مفتوحتان، ويقرأ بكسر العين؛ وهي لغة، ويجوز كسرهما جميعا على الإتباع. ذكره أبو البقاء.
فإن قلت (١): هل هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار، أو من البعض للبعض؟
قلت: ظاهر قوله: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ﴾ يفيد العموم، والجمع إذا قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد، فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في دار الدنيا. فإن قلت: إذا كانت الجنة في السماء، والنار في الأرض فكيف يمكن أن يبلغ هذا النداء، أو كيف يصح أن يقع؟
قلت: إن الله قادر على أن يقوي الأصوات والأسماع، فيصير البعيد كالقريب. اه «خازن». ويحتمل أنه تعالى يقرب إحدى الدارين من الأخرى؛ إما بإنزال العليا، وإما برفع السفلى.
فإن قلت: كيف يرى أهل الجنة أهل النار وبالعكس مع أن بينهما حجابا وهو سور الجنة؟.
أجيب: باحتمال أن سور الجنة لا يمنع الرؤية لما وراءه لكونه شفافا كالزجاج، وباحتمال أن فيه طاقات تحصل الرؤية منها. وقرأ (٢) ابن وثاب والأعمش والكسائي في جميع القرآن: ﴿نعم﴾ - بكسر العين -. قال مكي من قال: ﴿نِعَم﴾ بكسر العين فكأنه أراد أن يفرق بين نعم التي هي جواب، وبين نعم التي هي اسم للبقر والغنم والإبل.
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾؛ أي: فنادى مناد ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين أهل الجنة وأهل النار؛ أي: نادى مناد أسمع الفريقين كلهم قائلا: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم الجانين عليها بما أوجب حرمانها من النعيم المقيم، وهذا المؤذن إما مالك خازن النار، وإما ملك غيره يأمره الله بذلك.
стр. 4123
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والبزي بتشديد (١): ﴿أنّ﴾ ونصب ﴿لعنة﴾ وهو الأصل، وقرأ الباقون ﴿أَنْ﴾ بالتخفيف ورفع ﴿لَعْنَةُ﴾ على أنها المخففة من الثقيلة، أو المفسرة. وقرأ الأعمش بكسر همزة ﴿إن﴾ على إضمار القول،
٤٥ - ثم المراد بالظالمين ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: الذين يعرضون بأنفسهم عن سلوك سبيل الله الموصلة إلى مرضاته وثوابه، ويمنعون الناس عن سلوكها تارة بالزجر والقهر، وأخرى بسائر الحيل ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾؛ أي: يطلبون اعوجاجها؛ أي: يريدون إثبات كونها معوجة مائلة عن الحق بإلقاء الشكوك في أدلتها، أو ينفرون الناس عنها، ويقدحون في استقامتها بقولهم: إنها غير حق، وأن الحق ما هم عليه. وفي «أبي السعود» في آل عمران: بأن يلبسوا على الناس، ويوهموهم أن فيها ميلا عن الحق بنفي النسخ، وتغيير صفة الرسول ﷺ عن وجهها، ونحو ذلك. اه. وفي «الخازن»: هنا (٢) ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾؛ أي: يحاولون أن يغيروا دين الله وطريقته التي شرع لعباده ويبدلونها. وقيل معناه: أنهم يصلون لغير الله، ويعظمون ما لم يعظمه الله، وذلك أنهم طلبوا سبيل الحق بالصلاة لغير الله، وتعظيم ما لم يعظمه الله، فأخطؤوا الطريق وضلوا عن السبيل. اه.
٤٦ - ﴿وَبَيْنَهُما﴾؛ أي: وبين الفريقين؛ فريقي أهل الجنة وأهل النار، أو بين الجنة والنار ﴿حِجابٌ﴾؛ أي: حاجز يفصل كلّا منهما من الآخر، ويمنعه من الاستطراق إليه، وهذا الحجاب هو السور الذي سيأتي ذكره في سورة الحديد بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) ...﴾ الآية. ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ﴾؛ أي: وعلى أعالي ذلك السور المضروب بين الجنة والنار ﴿رِجالٌ﴾ يرون أهل الجنة وأهل النار جميعا قبل الدخول فيها، فـ ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ من أهل الجنة وأهل النار ﴿بِسِيماهُمْ﴾؛ أي: بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها كبياض الوجه وسواده، وهي التي وصفهم الله تعالى بها في نحو قوله: ﴿وُجُوهٌ
стр. 4124
يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾.
وهؤلاء الرجال هم طائفة من الموحدين قصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار جعلوا هناك حتى يقضى بين الناس، فبينما هم كذلك إذ يطلع عليهم ربهم فيقول لهم: «قوموا ادخلوا الجنة فإني قد غفرت لكم». أخرجه أبو الشيخ والبيهقي وغيرهما عن حذيفة، وفي رواية عنه: «يجمع الله الناس، ثم يقول لأصحاب الأعراف: ما تنتظرون؟ قالوا: ننتظر أمرك، فيقال: إن حسناتكم تجاوزن بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم، فادخلوها بمغفرتي ورحمتي».
وقيل (١): هؤلاء الرجال قوم قتلوا في سبيل الله، وهم عصاة لآبائهم، وقيل: هم قوم كان فيهم عجب، وقيل: هم قوم كان عليهم دين، فهذه الأقوال تدل على أن أصحاب الأعراف أقوام يكونون في الدرجة النازلة من أهل الثواب، وقيل: إنهم الأشراف من أهل الثواب، وقيل: إنهم الأنبياء، وإنما أجلسهم الله على ذلك المكان العالي تمييزا لهم على سائر أهل القيامة، وقيل: إنهم الشهداء وهم شهداء الله على أهل الإيمان والطاعة، وعلى أهل الكفر والمعصية، فهم يعرفون أن أهل الثواب وصلوا إلى الدرجات، وأهل العقاب وصلوا إلى الدركات، كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾.
﴿وَنادَوْا﴾؛ أي: ونادى رجال الأعراف ﴿أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ حين رأوهم قائلين لهم ﴿أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ يا أهل الجنة، وهذا السلام إما تحية ودعاء، وإما إخبار بالسلامة من المكروه والنجاة من العذاب؛ أي سلمتم من الآفات، وحصل لكم الأمن والسلام، هذا إن كان قبل دخول الجنة. فإن كان بعدها فهي تحية خالصة تدخل في عموم قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا (٢٦)﴾ وجملة قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حال من فاعل ﴿نادَوْا﴾ ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ حال
стр. 4125
من فاعل ﴿يَدْخُلُوها﴾؛ أي: نادوهم مسلمين عليهم حال كونهم؛ أي: حالة كون رجال الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد؛ أي: الآن، والحال أنهم طامعون في دخولها لما بدا لهم من يسر الحساب. وقد جاء (١) في الآثار، أن الناس يكونون في الموقف بين الخوف والرجاء، لا تطمئن قلوب أهل الجنة حتى يدخولها. وروى أبو نعيم عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: لو نادى مناد يا أهل الموقف ادخلوا النار إلا رجلا واحدا .. لوجدت أن أكون ذلك الرجل، ولو نادى ادخلوا الجنة إلا رجلا واحدا .. لخشيت أن أكون ذلك الرجل. وقرأ ابن النحوي (٢): ﴿وهم طامعون﴾ وقرأ إياد بن لقيط: ﴿وهم ساخطون﴾ وقال مجاهد: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء، فعلى هذا القول: إنما يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة، وليرى غيرهم شرفهم وفضلهم، والمراد من هذا الطمع طمع يقين؛ أي: وهم يعلمون أنهم سيدخلون الجنة.
٤٧ - ﴿وَإِذا صُرِفَتْ﴾؛ أي: وجهت ﴿أَبْصارُهُمْ﴾؛ أي: أبصار رجال الأعراف بغير قصد. وقرأ الأعمش: ﴿وإذا قلبت أبصارهم﴾. ﴿تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ﴾؛ أي: إلى جهنم، وقد قرىء ﴿تِلْقاءَ﴾ هنا بمده وقصره قراءتان سبعيتان. ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال رجال الأعراف نعوذ بالله ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: وكلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم، والمقصود من جميع هذه الآيات الإنذار والتخويف من التقليد الرديء؛ ليتبصر المرء في عاقبة أمره، فيفوز بالثواب المقيم في جنات النعيم. وفي التعبير (٣) بصرف الأبصار وتحويلها إيماء إلى أنهم يوجهون أبصارهم إلى أصحاب الجنة بالقصد والرغبة، ويلقون إليهم السلام، ويكرهون رؤية أهل النار، فإذا حولت أبصارهم إليهم من غير قصد ولا رغبة، بل بصارف يصرفهم إليها .. قالوا: ربنا لا تجعلنا معهم حيث يكونون، وفي ذلك من استعظام حال الظالمين،
стр. 4126
واستفظاع مآلهم، وشناعة أمرهم ما لا يخفى. وعن سعيد بن جبير أن ابن مسعود ﵁ قال: يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة .. دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة .. دخل النار، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ...﴾ الآيتين، ثم قال: إن الميزان يخفف بمثقال حبة ويرجح، ومن استوت حسناته وسيئاته .. كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرض أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الحنة قالوا سلام عليكم، وإذا صرفت أبصارهم إلى يسارهم رأوا أهل النار فقالوا: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ نعوذوا بالله من منازلهم.
قال: فأما أصحاب الحسنات، فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطي كل عبد يومئذ نورا، وكل أمة نورا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ وأما أصحاب الأعراف، فإن النور كان في أيديهم، فلم ينزع من أيديهم، فهنالك يقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ فكان الطمع دخولا قال سعيد: فقال ابن مسعود: على أن العبد إذا عمل حسنة كتب له بها عشر، وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة، ثم قال: هلك من غلب وحدانه أعشاره. اه.
٤٨ - ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا﴾ من أهل النار كانوا عظماء في الدنيا، وهذا نداء آخر من بعض أصحاب الأعراف لبعض المستكبرين الذين كانوا يعتزون في الدنيا بغناهم وقوتهم، ويحتقرون ضعفاء المؤمنين لفقرهم وضعف عصبيتهم، أو لحرمانهم من عصبية تمنعم وتذود عنهم، ويزعمون أن من أغناه الله، وجعله قويا في الدنيا فهو الذي يكون له نعيم الآخرة كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾. ومن هؤلاء زعماء قريش وطغاتها الذين قاوموا الإسلام في مكة، وعذبوا أهله كأبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل.
أي: نادى أصحاب الأعراف رجالا من أهل النار ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾؛ أي: يعرف أصحاب الأعراف أولئك الرجال بسيماهم وعلاماتهم كسواد الوجوه وزرقة
стр. 4127
العيون وتشويه الخلق، واختار أبو مسلم أنهم يعرفونهم بسيماهم الخاصة التي كانوا عليها في الدنيا، وقيل: بسيما المستكبرين؛ إذ قد جاء في الأثر ما يدل على أن لمن تغلب عليهم رذيلة خاصة علامة تدل عليهم، فيعرفون بها، فقد روى البخاري: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيعرفه، فيشفع له، فلا تقبل شفاعته، ثم يمسخه الله ذئبا منتنا ليزول عن إبراهيم خزيه» فمسخه ذئبا مناسب لحماقته ونتن الشرك. وقوله: ﴿قالُوا﴾ بدل من ﴿نادى﴾؛ أي قال أصحاب الأعراف لأولئك الرجال وهم في النار: يا وليد بن المغيرة، ويا أبا جهل بن هشام، ويا أمية بن خلف مثلا ﴿ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾؛ أي: أي شيء دفع عنكم جمعكم في الدنيا من المال والخدم والأتباع ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: وما أغنى عنكم استكباركم عن قبول الحق، وعلى الناس المحقين، والاستفهام فيه للتقريع والتوبيخ.
والخلاصة (١): أنهم نادوهم قائلين لهم: ما أغنى عنكم جمعكم للأموال والخدم، ولا استكباركم على المستضعفين والفقراء من أهل الإيمان؛ إذ لم يمنع عنكم العقاب، ولا أفادكم شيئا من الثواب. وقرىء: ﴿تستكثرون﴾ - بالثاء المثلثة - من الكثرة؛ أي: وما أغنى عنكم إكثاركم من الأموال والجند.
٤٩ - ثم زادوا لهم على هذا التبكيت بقولهم: ﴿أَهؤُلاءِ﴾ الضعفاء الذين عذبتموهم في الدنيا كصهيب وبلال وسلمان وخباب وعمار وأشباههم هم ﴿الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾؛ أي: حلفتم في الدنيا يا معشر الكفار ﴿لا يَنالُهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى ولا يصيبهم ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ منه؛ إذ لم يعطوا في الدنيا مثل ما أعطيتم من الأتباع والأشياع وكثرة الأموال؛ أي: أقسمتم في الدنيا لا يدخلهم الله الجنة في الآخرة، وقد دخلوا الجنة الآن على رغم أنوفكم. وقد قيل الآن من جهة الله لهؤلاء الذين أقسمتم على عدم دخولهم الجنة ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ بفضل الله تعالى، فهذا من بقية كلام أصحاب الأعراف، فهو خبر ثان عن اسم الاشارة؛ أي: أهؤلاء قد قيل لهم من
стр. 4128
جهة الله تعالى: ادخلوا الجنة ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب ﴿وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفتم في الدنيا، فظهر كذبكم في إقسامكم وحلفكم، ويدل على هذا المعنى قراءتان شاذتان: ﴿أدخلوا﴾ - بصيغة الماضي المبني للمفعول - من أدخل الرباعي، و ﴿دخلوا﴾، وعلى هاتين القراءتين تقع هذه الجملة خبرا، والتقدير: دخلوا الجنة مقولا فيهم: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.
وقيل (١): إن أصحاب الأعراف لما قالوا لأهل النار ما قالوا .. قال لهم أهل النار: إن دخل هؤلاء الضعفاء، فأنتم لم تدخلوا الجنة، فلما عيروهم بذلك .. قيل لأصحاب الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، أي: لا خوف عليكم مما يكون في مستقبل أمركم، ولا أنتم تحزنون مما ينغص عليكم حاضركم. وقرأ الحسن وابن هرمز (٢): ﴿أدخلوا﴾ أمر من أدخل الرباعي؛ أي: أدخلوا أنفسكم، أو يكون خطابا للملائكة؛ أي: أدخلوا أيها الملائكة هؤلاء الضعفاء الجنة، ثم خاطب بعد للبشر بقوله: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾. وقرأ عكرمة: ﴿دخلوا﴾ إخبارا بفعل ماض. وقرأ طلحة وابن وثاب والنخعي: ﴿ادخلوا﴾ خبرا مبنيا للمفعول كما ذكرنا هاتين القراءتين آنفا.
٥٠ - ﴿وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ﴾؛ أي: بقولهم صبوا علينا من الماء صبا كثيرا ﴿أَوْ﴾ ألقوا علينا ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من ثمار الجنة، وأطعمونا منها. وهذا الكلام يدل على حصول العطش الشديد، والجوع الشديد لأهل النار.
والمعنى: أن أهل النار يستغيثون بأهل الجنة ويطلبون منهم أن يفيضوا عليهم من النعم الكثيرة التي يتمتعون بها من شراب وطعام. وعن ابن عباس ينادي الرجل أخاه، فيقول: يا أخي أغثني، فإني قد احترقت، فأفض علي من الماء، فيقال: أجبه، فيقول: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ.
стр. 4129
وعن أبي الدرداء (١): أنّ الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يزداد عذابهم، فيستغيثون، فيغاثون بالضريع - نبات رطبه يسمى شبرقا، ويابسه يسمى ضريعا - لا تقربه دابة لنتن ريحه - لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ - ثم يستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصة، ثم يذكرون ويستغيثون، فيدفع إليهم الحميم والصديد بكلاليب الحديد، فيقطع ما في بطونهم، ويستغيثون إلى أهل الجنة، فيقول أهل الجنة: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ، ويقولون لمالك: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، فيجيبهم بعد ألف عام، ويقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها، فيجيبهم الله بقوله: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ، فعند ذلك ييأسون من كل خير، ويأخذون في الزفير والشهيق. وهذا طلب (٢) منهم مع علمهم باليأس من إجابته؛ إذ يعرفون دوام عقابهم، وأنه لا يفتر عنهم أبدا، ولكن اليائس من الشيء قد يطلبه كما قالوا في أمثالهم: الغريق يتعلق.
﴿قالُوا﴾؛ أي: قال أصحاب الجنة لأهل النار في جواب سؤالهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ قد ﴿حَرَّمَهُما﴾؛ أي قد حرم ماء الجنة ورزقها ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ كما حرم عليهم دخولها، فلا سبيل لإفاضة شيء منهما عليهم، وهم في النار، إذ ليس لهم إلا ماؤها الحميم، وطعامها من الضريع والزقوم. وقوله:
٥١ - ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا﴾؛ أي: باطلا ﴿وَلَعِبًا﴾؛ أي: فرحا صفة للكافرين؛ أي: الذين جعلوا اللهو واللعب دينا وديدنا لهم، فاللهو صرف الهم إلى ما لا يحسن أن يصرف إليه، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ عن الآخرة؛ أي: شغلهم
الطمع في طول العمر، وحسن العيش، وكثرة المال، وقوة الجاه، ونيل الشهوات عن الاستعداد والتزود للآخرة.
والخلاصة: أن الدنيا شغلتهم بزخارفها العاجلة، وشهواتها الباطلة، فغرتهم
стр. 4130
وضرتهم، وهي من شأنها أن تغر وتضر وتمر، ثم ذكر عاقبة أمرهم، فقال: ﴿فَالْيَوْمَ﴾؛ أي: في هذا اليوم الحاضر يعني: يوم القيامة ﴿نَنْساهُمْ﴾؛ أي: نتركهم في النار ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾؛ أي: كما تركوا هم في الدنيا الاستعداد والتزود للقاء يومهم هذا؛ أي: نتركهم في عذابهم تركا مثل تركهم العمل للقاء يومهم هذا، أو المعنى: نعاملهم معاملة من نسي، فنتركهم في النار؛ لأنهم أعرضوا عن آياتنا، والمراد من هذا النسيان: أن الله لا يجيب دعاءهم، ولا يرحمهم، بل يتركهم في النار كما تركوا العمل وقوله: ﴿وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ معطوف على ﴿ما نسوا﴾؛ أي: كَما نَسُوا وك ما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ؛ أي: ينكرونها؛ أي: وكما كانوا منكرين أن الآيات من عند الله إنكارا مستمرا، ورفضوا ما جاءت به رسله ظلما وعلوا.
والخلاصة: فاليوم نتركهم في العذاب كما تركوا العمل في الدنيا للقاء الله يوم القيامة، وكما كانوا بآيات الله وحججه التي احتج بها عليهم الأنبياء والرسل يجحدون، ولا يصدقون بشيء منها. ويجوز (١) أن تكون الكاف للتعليل، أي: نتركهم في النار لأجل نسيانهم وجحودهم بآياتنا، والتعليل واضح في المعطوف دون التشبيه.
٥٢ - ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد جئنا هؤلاء الكفار من مشركي مكة وغيرهم ﴿بِكِتابٍ﴾؛ أي: بقرآن كريم أنزلناه عليك يا محمد ﴿وفَصَّلْناهُ﴾؛ أي: بينا حلاله وحرامه، ومواعظه وقصصه حالة كوننا ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ منا بما فيه من العقائد والأحكام وغيرها؛ أي: عالمين بكيفية تفصيل أحكامه، أو المعنى: حالة كون ذلك الكتاب مشتملا على علم كثير، وفضل كثير مختلف، وقد نظم بعضهم الأنواع التسعة التي اشتمل عليها القرآن في قوله:
حلال حرام محكم متشابه ... بشير نذير قصّة عظة مثل
وقرأ ابن محيصن والجحدري (٢): ﴿فضلناه﴾ - بالضاد المنقوطة - والمعنى:
стр. 4131
فضلناه على جميع الكتب عالمين بأنه أهل للتفضيل عليها حالة كون ذلك الكتاب ﴿هُدىً﴾؛ أي: هاديا من الضلالة إلى الرشد ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ أي: وذا رحمة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ به، ويعملون بما فيه من الأحكام، أو فصلناه لأجل الهداية والرحمة للمؤمنين. وقرىء ﴿هدى ورحمة﴾ - بالرفع؛ أي: هو هدى ورحمة لهم. وقرأ زيد بن علي: ﴿هدى ورحمة﴾ بالخفض على البدل من ﴿كتاب﴾، أو النعت، وعلى النعت لـ ﴿كتاب﴾ خرجه الكسائي والفراء رحمهما الله تعالى.
وحاصل المعنى: ولقد (١) جئنا هؤلاء القوم بكتاب كامل البيان؛ وهو القرآن فصلنا آياته تفصيلا على علم منا بما يحتاج إليه المكلفون من العلم والعمل تزكية لنفوسهم، وتطهيرا لقلوبهم، وجعلناه سبب سعادتهم في معاشهم ومعادهم، وهدى ورحمة لمن يؤمن به إيمانا يبعثه على العمل بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه. انظر إليه تجده قد أوضح أصول الدين العامة بما لا يطلب معه زيادة لمستزيد، فنعى على المقلدين الأخذ بآراء من تقدمهم من آبائهم ورؤسائهم دون بحث ولا تمحيص في مثل قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وكرر القول ببطلان التقليد وضلال المقلدين، وحث على النظر والاستدلال، والاعتماد على البرهان في مثل قوله: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وبهذا كان الإسلام دين العقل والفطرة، وينبوع الهدى والحكمة.
٥٣ - والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ إنكاري؛ أي: ما ينتظر هؤلاء الكفار من أهل مكة وغيرهم إذ أعرضوا عن الإيمان به ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ وتفسيره؛ أي: إلا عاقبة ما وعدوا به في القرآن من حلول العذاب بهم يوم القيامة؛ أي ليس أمامهم شيء ينتظرونه في أمره إلا وقوع تأويله، وهو وقوع ما أخبر به من أمر الغيب الذي يقع في المستقبل في الدنيا، ثم في الآخرة مما وعد به المؤمنين من نصر وثواب، وأوعد به الكافرين من خذلان وعقاب.
стр. 4132
روي عن الربيع بن حسن أنه قال (١): لا يزال يقع من تأويله أمر حتى يتم تأويله يوم القيامة حين يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾؛ أي: يوم يأتي عاقبة ما وعد لهم في القرآن، وهو يوم القيامة، وهو ظرف لقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾؛ أي: تركوا القرآن، وأعرضوا عن الايمان به ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل أن يأتي تأويله، والمعنى (٢): إن الذين تركوا الإيمان بالقرآن في الدنيا يقولون يوم القيامة: ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ الذي أرسلهم الله تعالى به إلينا، وكذبناهم؛ أي: أنهم أقروا يوم القيامة بأن ما جاءت به الرسل من ثبوت البعث والنشر، والحشر والقيامة، والثواب والعقاب كل ذلك كان حقا، وقوله: ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ﴾: استفهام معناه التمني ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ اليوم من العذاب ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾؛ أي: أو يردنا الله إلى الدنيا حتى نوحده بدل ما أشركنا به، أو نطيعه بدل ما عصيناه، والمعنى: نتمنى وجود الشفعاء، فشفاعتهم لنا من العذاب، أو ردنا إلى الدنيا، فعملنا عملا غير الذي كنا علمناه أولا، فيقال لهم في جواب الاستفهامين: لا. وقال الشوكاني: ومعنى الآية (٣): هل لنا شفعاء يخلصونا مما نحن فيه من العذاب، أو هل نرد إلى الدنيا فنعمل صالحا غير ما كنا نعمل من المعاصي.
والحاصل: أنهم (٤) يتمنون الخلاص بكل وسيلة ممكنة؛ إما بشفاعة الشفعاء، وإما بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا فيها غير ما كانوا يعملون في حياتهم الأولى، فيكونون أهلا لمرضاة ربهم. وإنما تمنوا الشفعاء وتساءلوا عنهم من حيث كان من أسس الشرك أن النجاة عند الله إنما تكون بوساطة الشفعاء، وعندما يستبين لهم الحق الذي جاءت به الرسل؛ وهو أن النجاة إنما تكون بالإيمان
стр. 4133
الصحيح والعمل الصالح .. يتمنون لو يردون إلى الدنيا؛ ليعملوا بما أمرهم به الرسل.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ - برفع الدال - ﴿فَنَعْمَلَ﴾ - بنصب اللام - عطف جملة فعلية على جملة اسمية، وتقدمهما استفهام، فانتصب الجوابان؛ أي: هل شفعاء لنا فيشفعوا لنا في الخلاص من العذاب، أو هل نرد إلى الدنيا فنعمل عملا صالحا. وقرأ الحسن فيما نقل الزمخشري بنصب الدال ورفع اللام. وقرأ الحسن فيما نقل ابن عطية وغيره برفعهما: عطف ﴿فَنَعْمَلَ﴾ على ﴿نُرَدُّ﴾. وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة بنصبهما، فنصب ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ عطفا على ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ جوابا على جواب، فيكون الشفعاء في أحد أمرين؛ إما في الخلاص من العذاب، وإما في الرد إلى الدنيا لاستئناف العمل الصالح، وتكون الشفاعة قد انسحبت على الرد، أو الخلاص، و ﴿فَنَعْمَلَ﴾ عطف على: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾، ويحتمل أن يكون ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ من باب لألزمنك أو تقضيني حقي، على تقدير من قدر ذلك: حتى تقضيني حقي، أو كي تقضيني حقي، فجعل اللزوم مغيا بقضاء حقه، أو معلولا له لقضاء حقه، وتكون الشفاعة إذ ذاك في الرد فقط.
قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: خسروا وغبنوا في تجارة أنفسهم حيث ابتاعوا الخسيس الفاني من الدنيا بالنفيس الباقي من الآخرة ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: بطل وذهب وغاب عنهم ما كانوا يزعمون ويكذبون في الدنيا من أن الأصنام تشفع لهم، فلما أفضوا إلى الآخرة ذهب ذلك عنهم وعلموا أنهم في دعواهم كانوا كاذبين، والمعنى: أنه بطل كذبهم وافتراؤهم الذي كانوا يقولونه في الدنيا، أو غاب عنهم ما كانوا يجعلونه شريكا لله، فلم ينفعهم ولا حضر معهم.
وخلاصة ذلك: أنهم قد خسروا أنفسهم بتدنيسها بالشرك والمعاصي وعدم تزكيتهما بلفضائل والأعمال الصالحة فخسروا حظوظهما فيها وبطل كذبهم الذي
стр. 4134
كانوا يفترونه على الله، أو غاب عنهم ما كانوا يعبدونه من الأصنام.
٥٤ - ثم ذكر دلائل القدرة والوحدانية، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ أيها العباد وخالقكم ومعبودكم الذي يستحق منكم العبادة هو ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود بحق في الوجود المنفرد في ذاته وصفاته وأفعاله ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وأوجد ﴿السَّماواتِ﴾ السبع ﴿وَالْأَرْضَ﴾ على غير مثال سابق فِي مقدار ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ من أيام الدنيا التي أولها الأحد، وآخرها الجمعة، وإنما خلقها في ستة أيام مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة بأن يقول لها: كوني فتكون؛ ليعلم عباده الرفق والتأني والتثبت في الأمور، وعدم العجلة، وفي آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾. ﴿ثُمَّ﴾ بعد خلق السموات والأرض وما بينهما ﴿اسْتَوى﴾؛ أي: علا وارتفع ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل نثبته، ونؤمن به على الوجه الذي يليق به مع تنزيهه عما لا يجوز عليه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ والإيمان بذلك غير موقوف على معرفة حقيقته وكيفيته، فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم، والأئمة من بعضهم لم يشتبه أحد منهم فيه.
وقد أثر عن ربيعة شيخ الإمام مالك أنه سئل عن قوله: ﴿اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق. وقال الحافظ بن حجر: مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه. وقال نعيم بن حماد شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه .. فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت ما وردت به الآثار الصريحة والأخبار الصحيحية على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله النقائص ... فقد سلك سبيل الهدى. انتهى.
وقال الإمام مالك ﵀: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان
стр. 4135
به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقال الإمام أحمد ﵀: أخبار الصفات تمر كما جاءت بلا تشبيه ولا تعطيل، فلا يقال: كيف ولم نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء، وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحدها حاد، نقرأ الآية والخبر ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله . وقال القرطبي: لم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن، وإحاطته بالسموات والأرض وما بينهما وما عليهما، وهو المراد هنا. وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾؛ أي: يجعل الليل كالغشاء والغطاء للنهار، فيغطي بظلمته ضوء النهار جملة حالية من فاعل ﴿اسْتَوى﴾؛ أي: استوى على العرش حالة كونه مغشيا الليل النهار. وقوله: ﴿يَطْلُبُهُ﴾؛ أي: يطلب الليل النهار طلبا ﴿حَثِيثًا﴾ حال من الليل ﴿اللَّيْلَ﴾؛ أي: حالة كون الليل طالبا للنهار طلبا حثيثا؛ أي: طلبا سريعا لا يفتر عنه بحال؛ أي: مسرعا.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿يغشّي﴾ بالتشديد من باب فعل المضعف. وقرأ الباقون بالتخفيف من باب أفعل، وهما لغتان، يقال: أغشى يغشي إغشاء، وغشى يغشي تغشية، ولم يذكر في هذه الآية، ويغشي النهار الليل اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر على حد ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. وقرأ حميد بن قيس: ﴿يغشى الليل النهار﴾: على إسناد الفعل إلى الليل. وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ قال الأخفش: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾ ﴿مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ﴾ حال منها؛ أي: وخلق الشمس والقمر والنجوم حالة كونها مذللات بأمره وإرادته، خاضعات لتصرفه، منقادات لحكمه، جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره. وقرأ ابن عامر بالرفع في الأربعة على الابتداء والخبر، وقرأ أبان بن تغلب برفع والنجوم مسخرات فقط على الابتداء والخبر. ﴿أَلا﴾؛ أي: انتبهوا أيها العباد ﴿لَهُ﴾: لا لغيره ﴿الْخَلْقُ﴾؛ أي: الإيجاد والاختراع، فهو الخالق لجميع المخلوقات علويها وسفليها المالك لذواتها ﴿وَ﴾ له أيضا لا لغيره