← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

فضلناه على جميع الكتب عالمين بأنه أهل للتفضيل عليها حالة كون ذلك الكتاب ﴿هُدىً﴾؛ أي: هاديا من الضلالة إلى الرشد ﴿وَرَحْمَةً﴾؛ أي: وذا رحمة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ به، ويعملون بما فيه من الأحكام، أو فصلناه لأجل الهداية والرحمة للمؤمنين. وقرىء ﴿هدى ورحمة﴾ - بالرفع؛ أي: هو هدى ورحمة لهم. وقرأ زيد بن علي: ﴿هدى ورحمة﴾ بالخفض على البدل من ﴿كتاب﴾، أو النعت، وعلى النعت لـ ﴿كتاب﴾ خرجه الكسائي والفراء رحمهما الله تعالى. وحاصل المعنى: ولقد (١) جئنا هؤلاء القوم بكتاب كامل البيان؛ وهو القرآن فصلنا آياته تفصيلا على علم منا بما يحتاج إليه المكلفون من العلم والعمل تزكية لنفوسهم، وتطهيرا لقلوبهم، وجعلناه سبب سعادتهم في معاشهم ومعادهم، وهدى ورحمة لمن يؤمن به إيمانا يبعثه على العمل بما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه. انظر إليه تجده قد أوضح أصول الدين العامة بما لا يطلب معه زيادة لمستزيد، فنعى على المقلدين الأخذ بآراء من تقدمهم من آبائهم ورؤسائهم دون بحث ولا تمحيص في مثل قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ وكرر القول ببطلان التقليد وضلال المقلدين، وحث على النظر والاستدلال، والاعتماد على البرهان في مثل قوله: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وبهذا كان الإسلام دين العقل والفطرة، وينبوع الهدى والحكمة. ٥٣ - والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ إنكاري؛ أي: ما ينتظر هؤلاء الكفار من أهل مكة وغيرهم إذ أعرضوا عن الإيمان به ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ وتفسيره؛ أي: إلا عاقبة ما وعدوا به في القرآن من حلول العذاب بهم يوم القيامة؛ أي ليس أمامهم شيء ينتظرونه في أمره إلا وقوع تأويله، وهو وقوع ما أخبر به من أمر الغيب الذي يقع في المستقبل في الدنيا، ثم في الآخرة مما وعد به المؤمنين من نصر وثواب، وأوعد به الكافرين من خذلان وعقاب.

стр. 4132

روي عن الربيع بن حسن أنه قال (١): لا يزال يقع من تأويله أمر حتى يتم تأويله يوم القيامة حين يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾؛ أي: يوم يأتي عاقبة ما وعد لهم في القرآن، وهو يوم القيامة، وهو ظرف لقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾؛ أي: تركوا القرآن، وأعرضوا عن الايمان به ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل أن يأتي تأويله، والمعنى (٢): إن الذين تركوا الإيمان بالقرآن في الدنيا يقولون يوم القيامة: ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ الذي أرسلهم الله تعالى به إلينا، وكذبناهم؛ أي: أنهم أقروا يوم القيامة بأن ما جاءت به الرسل من ثبوت البعث والنشر، والحشر والقيامة، والثواب والعقاب كل ذلك كان حقا، وقوله: ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ﴾: استفهام معناه التمني ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ اليوم من العذاب ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾؛ أي: أو يردنا الله إلى الدنيا حتى نوحده بدل ما أشركنا به، أو نطيعه بدل ما عصيناه، والمعنى: نتمنى وجود الشفعاء، فشفاعتهم لنا من العذاب، أو ردنا إلى الدنيا، فعملنا عملا غير الذي كنا علمناه أولا، فيقال لهم في جواب الاستفهامين: لا. وقال الشوكاني: ومعنى الآية (٣): هل لنا شفعاء يخلصونا مما نحن فيه من العذاب، أو هل نرد إلى الدنيا فنعمل صالحا غير ما كنا نعمل من المعاصي. والحاصل: أنهم (٤) يتمنون الخلاص بكل وسيلة ممكنة؛ إما بشفاعة الشفعاء، وإما بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا فيها غير ما كانوا يعملون في حياتهم الأولى، فيكونون أهلا لمرضاة ربهم. وإنما تمنوا الشفعاء وتساءلوا عنهم من حيث كان من أسس الشرك أن النجاة عند الله إنما تكون بوساطة الشفعاء، وعندما يستبين لهم الحق الذي جاءت به الرسل؛ وهو أن النجاة إنما تكون بالإيمان

стр. 4133

الصحيح والعمل الصالح .. يتمنون لو يردون إلى الدنيا؛ ليعملوا بما أمرهم به الرسل. وقرأ الجمهور (١): ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ - برفع الدال - ﴿فَنَعْمَلَ﴾ - بنصب اللام - عطف جملة فعلية على جملة اسمية، وتقدمهما استفهام، فانتصب الجوابان؛ أي: هل شفعاء لنا فيشفعوا لنا في الخلاص من العذاب، أو هل نرد إلى الدنيا فنعمل عملا صالحا. وقرأ الحسن فيما نقل الزمخشري بنصب الدال ورفع اللام. وقرأ الحسن فيما نقل ابن عطية وغيره برفعهما: عطف ﴿فَنَعْمَلَ﴾ على ﴿نُرَدُّ﴾. وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة بنصبهما، فنصب ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ عطفا على ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ جوابا على جواب، فيكون الشفعاء في أحد أمرين؛ إما في الخلاص من العذاب، وإما في الرد إلى الدنيا لاستئناف العمل الصالح، وتكون الشفاعة قد انسحبت على الرد، أو الخلاص، و ﴿فَنَعْمَلَ﴾ عطف على: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾، ويحتمل أن يكون ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ من باب لألزمنك أو تقضيني حقي، على تقدير من قدر ذلك: حتى تقضيني حقي، أو كي تقضيني حقي، فجعل اللزوم مغيا بقضاء حقه، أو معلولا له لقضاء حقه، وتكون الشفاعة إذ ذاك في الرد فقط. قال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: خسروا وغبنوا في تجارة أنفسهم حيث ابتاعوا الخسيس الفاني من الدنيا بالنفيس الباقي من الآخرة ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: بطل وذهب وغاب عنهم ما كانوا يزعمون ويكذبون في الدنيا من أن الأصنام تشفع لهم، فلما أفضوا إلى الآخرة ذهب ذلك عنهم وعلموا أنهم في دعواهم كانوا كاذبين، والمعنى: أنه بطل كذبهم وافتراؤهم الذي كانوا يقولونه في الدنيا، أو غاب عنهم ما كانوا يجعلونه شريكا لله، فلم ينفعهم ولا حضر معهم. وخلاصة ذلك: أنهم قد خسروا أنفسهم بتدنيسها بالشرك والمعاصي وعدم تزكيتهما بلفضائل والأعمال الصالحة فخسروا حظوظهما فيها وبطل كذبهم الذي

стр. 4134

كانوا يفترونه على الله، أو غاب عنهم ما كانوا يعبدونه من الأصنام. ٥٤ - ثم ذكر دلائل القدرة والوحدانية، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ أيها العباد وخالقكم ومعبودكم الذي يستحق منكم العبادة هو ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المعبود بحق في الوجود المنفرد في ذاته وصفاته وأفعاله ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وأوجد ﴿السَّماواتِ﴾ السبع ﴿وَالْأَرْضَ﴾ على غير مثال سابق فِي مقدار ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ من أيام الدنيا التي أولها الأحد، وآخرها الجمعة، وإنما خلقها في ستة أيام مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة بأن يقول لها: كوني فتكون؛ ليعلم عباده الرفق والتأني والتثبت في الأمور، وعدم العجلة، وفي آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾. ﴿ثُمَّ﴾ بعد خلق السموات والأرض وما بينهما ﴿اسْتَوى﴾؛ أي: علا وارتفع ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل نثبته، ونؤمن به على الوجه الذي يليق به مع تنزيهه عما لا يجوز عليه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ والإيمان بذلك غير موقوف على معرفة حقيقته وكيفيته، فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم، والأئمة من بعضهم لم يشتبه أحد منهم فيه. وقد أثر عن ربيعة شيخ الإمام مالك أنه سئل عن قوله: ﴿اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق. وقال الحافظ بن حجر: مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه. وقال نعيم بن حماد شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه .. فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت ما وردت به الآثار الصريحة والأخبار الصحيحية على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله النقائص ... فقد سلك سبيل الهدى. انتهى. وقال الإمام مالك ﵀: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان

стр. 4135

به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقال الإمام أحمد ﵀: أخبار الصفات تمر كما جاءت بلا تشبيه ولا تعطيل، فلا يقال: كيف ولم نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء، وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحدها حاد، نقرأ الآية والخبر ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله . وقال القرطبي: لم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن، وإحاطته بالسموات والأرض وما بينهما وما عليهما، وهو المراد هنا. وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾؛ أي: يجعل الليل كالغشاء والغطاء للنهار، فيغطي بظلمته ضوء النهار جملة حالية من فاعل ﴿اسْتَوى﴾؛ أي: استوى على العرش حالة كونه مغشيا الليل النهار. وقوله: ﴿يَطْلُبُهُ﴾؛ أي: يطلب الليل النهار طلبا ﴿حَثِيثًا﴾ حال من الليل ﴿اللَّيْلَ﴾؛ أي: حالة كون الليل طالبا للنهار طلبا حثيثا؛ أي: طلبا سريعا لا يفتر عنه بحال؛ أي: مسرعا. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿يغشّي﴾ بالتشديد من باب فعل المضعف. وقرأ الباقون بالتخفيف من باب أفعل، وهما لغتان، يقال: أغشى يغشي إغشاء، وغشى يغشي تغشية، ولم يذكر في هذه الآية، ويغشي النهار الليل اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر على حد ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾. وقرأ حميد بن قيس: ﴿يغشى الليل النهار﴾: على إسناد الفعل إلى الليل. وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ قال الأخفش: معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾ ﴿مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ﴾ حال منها؛ أي: وخلق الشمس والقمر والنجوم حالة كونها مذللات بأمره وإرادته، خاضعات لتصرفه، منقادات لحكمه، جاريات بمقتضى حكمته وتدبيره. وقرأ ابن عامر بالرفع في الأربعة على الابتداء والخبر، وقرأ أبان بن تغلب برفع والنجوم مسخرات فقط على الابتداء والخبر. ﴿أَلا﴾؛ أي: انتبهوا أيها العباد ﴿لَهُ﴾: لا لغيره ﴿الْخَلْقُ﴾؛ أي: الإيجاد والاختراع، فهو الخالق لجميع المخلوقات علويها وسفليها المالك لذواتها ﴿وَ﴾ له أيضا لا لغيره

стр. 4136

﴿الْأَمْرُ﴾؛ أي: التصرف والتدبير في جميعها؛ إذ هو المال لها لا شريك له فيها. وفي معنى الآية قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ وقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ وجاءت هذه الجملة توكيدا لما قبلها؛ لبيان أنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو الذي دبرهما وصرفهما بحسب إرادته. ولما ذكر الله في هذه الآية خلق السموات والأرض في ذلك الأمد اليسير، ثم ذكر استواءه على عرشه، وتسخير الشمس والقمر والنجوم، وأن له الخلق والأمر .. قال: ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾؛ أي: تزايد خيره وبره، وكثرت بركته وإحسانه، وعم نواله وإنعامه. وقال الأزهري: معنى: ﴿تَبارَكَ﴾ تعالى وتعاظم؛ أي: تعالى الله مالك العالمين بوحدانيته وألوهيته، وتعاظم بربوبيته وصفاته، وأن كل ما في هذا العالم من الخيرات الكثيرة، والنعم العظيم؛ فهو منه، فيجب على عباده أن يشكروه عليها ويعبدوه دون غيره مما عبدوه معه، وليس له من الخلق ولا من الأمر شيء. وفي هذه الآية رد على من يقول من أهل الضلال: إن للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم. ٥٥ - ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أي: اسألوا أيها العباد ربكم، ومتولي أموركم، وخالقكم حال كونكم ﴿تَضَرُّعًا﴾؛ أي: متضرعين متذللين وخاضعين له ومبتهلين إليه ﴿وَ﴾ حالة كونكم ﴿خُفْيَةً﴾؛ أي: مخفين ومسرين دعاءكم عن غيركم، أو هما صفتان لمصدر محذوف؛ أي: ادعوه دعاء تضرع، ودعاء خفية، والتضرع: الذلة والخشوع والاستكانة، والخفية: الإسرار به، فإن ذلك أقطع لعرق الرياء، وأحسن لباب من يخالف الإخلاص. وقرأ الجمهور بضم خاء ﴿وَخُفْيَةً﴾، وقرأ أبو بكر بكسرها؛ وهما لغتان. وفي هذا إيماء إلى أن الإخفاء في الدعاء أفضل إن لم يكن وجبا، ويدل على ذلك وجوه:

стр. 4137

١ - أنه تعالى أثنى على زكريا، فقال: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣)﴾؛ أي: أنه أخفاه عن العباد، وأخلصه لله، وانقطع به إليه. ٢ - روى أبو موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله ﷺ : «أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمّا ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم» رواه مسلم. ٣ - روي أنه ﷺ قال: «دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية» وقال: «خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي». ٤ - روي عن الحسن البصري أنه قال: إن كان الرجل لقد جمع، وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير، وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعند الزور، وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ اه. ٥ - أن النفس شديدة الرغبة في الرياء والسمعة، فإذا رفع المرء صوته بالدعاء امتزج الرياء به، فلا يبقى فيه فائدة البتة، ومن ثم كان الأولى الإخفاء؛ ليبقى مصونا عن الرياء. وفصل بعض العلماء، فقال: إن التضرع بالجهر المعتدل يحسن في حال الخلوة والأمن من رؤية الناس للداعي، ومن سماعهم لصوته، فلا جهره يؤذيهم، ولا الفكر فيهم يشغله عن التوجه إلى الرب وحده، أو يفسد عليه دعاءه بحب الرياء والسمعة، ويحسن الإسرار في حال اجتماع الناس في المساجد والمشاعر وغيرها إلا ما ورد فيه رفع الصوت من الجميع كالتلبية في الحج، وتكبير العيدين. وإذا كان الليل سترا ولباسا شرع فيه الجهر في قراءة الصلاة إلى أنه

стр. 4138

يطرد الوسواس، ويقاوم فتور النعاس، ويعين على تدبر القرآن، وبكاء الخشوع للرحمن لدى المتهجدين في خلواتهم. وقال الشيخ محمد بن عيسى الحكيم الترمذي: إن كان خائفا على نفسه من الرياء .. فالأولى إخفاء العمل صونا لعمله عن البطلان، وإن كان قد بلغ في الصفاء وقوة اليقين إلى حيث صار آمنا عن شائبة الرياء .. كان الأولى في حقه الإظهار لتحصل فائدة الاقتداء به. ﴿إِنَّهُ﴾ . قرأ ابن أبي عبلة ﴿إن الله﴾ جعل مكان المضمر المظهر. ذكره أبو حيان. ﴿لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: المجاوزين لما أمروا به في الدعاء بترك هذين الأمرين التضرع والإخفاء، وفي كل شيء، فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء .. فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين؛ أي: لا يثيبه البتة، ولا يحسن إليه، وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولا أوليا، ومن الاعتداء (١) في الدعاء أن يسأل الداعي ما ليس له كالخلود في الدنيا، أو إدراك ما هو محال في نفسه، أو يطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة، أو يرفع صوته بالدعاء صارخا به. وعن النبي ﷺ (٢): «سيكون قوم يعتدون في الدعاء، وحسب المرء أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل» ثم قرأ: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مغفل ﵁ .. وللاعتداء في الدعاء مظاهر شتى (٣): ١ - اعتداء خاص بالألفاظ كالمبالغة في رفع الصوت، والتكلف في صيغ الدعاء.

стр. 4139

٢ - اعتداء خاص بالمعنى؛ وهو طلب غير المشروع من وسائل المعاصي ومقاصدها كضرر العباد، وطلب إبطال سنن الله في الخلق، أو تبديلها كطلب النصر على الأعداء مع ترك وسائله كأنواع السلاح والعتاد، وطلب الغنى بلا كسب، وطلب المغفرة مع الإصرار على الذنب مع أن الله يقول: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾. ٣ - اعتداء بالتوجه فيه إلى غير الله تعالى؛ ليشفع له عنده، وهذا شر أنواع الاعتداء كما قال: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ومن طلب ذلك من غير الله .. فقد اتخذه إلها؛ لأن الإله هو المعبود كما روى أحمد عن النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة» وروى الترمذي عن أنس مرفوعا: «الدعاء مخ العبادة» وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله لي الوسيلة»، قالوا: وما الوسيلة؟ قال: «القرب من الله »، ثم قرأ: ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ وابتغاء ذلك يكون بدعائه وعبادته بما شرعه على لسان رسوله دون غيره. فائدة أخرى: وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب «الدعاء» (١)، والخطيب في «تاريخه» عن الحسن بن علي قال: أنا ضامن لمن قرأ هذه العشرين آية في كل ليلة أن يعصمه الله من كل سلطان ظالم، ومن كل شيطان مريد، ومن كل سبع ضاري، ومن كل لص عادي: آية الكرسي، وثلاث آيات من الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾، وعشرا من أول سورة الصافات، وثلاث آيات من الرحمن أولها: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، وخاتمة الحشر. وأخرج أبو الشيخ بن عبيد بن أبي مرزوق قال: من قرأ عند نومه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ...﴾ الآية .. بسط عليه ملك جناحه حتى يصبح، وعوفي من السرق. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن قيس صاحب عمر بن عبد العزيز قال: مرض رجل من أهل المدينة، فجاءه زمرة من أصحابه يعودونه، فقرأ رجل منهم:

стр. 4140

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية كلها، وقد أصمت الرجل، فتحرك، ثم استوى جالسا، ثم سجد يومه وليلته حتى كان من الغد من الساعة التي سجد فيها قال له أهله: الحمد لله الذي عافاك، قال: بعث إلى نفسي ملك يتوفاها، فلما قرأ صاحبكم الآية التي قرأ سجد الملك وسجدت سجوده، فهذا حين رفع رأسه، ثم مال فقضي عليه. انتهى. ٥٦ - ﴿وَلا تُفْسِدُوا﴾ أيها الناس ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي والكفر، والدعاء إلى غير طاعة الله تعالى: ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾؛ أي: بعد إصلاح الله إياها ببعثة الرسل، وبيان الشرائع، والدعاء إلى طاعة الله تعالى، وهذا المعنى قاله الحسن والسدي والضحاك والكلبي. وقيل معنى الآية: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاح الله لها بما خلق فيها من المنافع، وما هدى الناس إليها من استغلالها، والانتفاع بتسخيرها لهم، وامتنانه بذلك في مثل قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ وهذا الإفساد شامل لإفساد النفوس بالقتل، وقطع الأطراف والأعضاء، وإفساد الأموال بالغصب والسرقة، وإفساد الأديان بالكفر والمعاصي والبدع، وإفساد الأنساب بالإقدام على الزنا، وإفساد العقول بشرب المسكر ونحوه. والخلاصة (١): أن الإفساد شامل لإفساد العقول والعقائد، والآداب الشخصية والاجتماعية، والمعايش والمرافق من زراعة وصناعة وتجارة، ووسائل تعاون بين الناس. وإصلاح الله تعالى لحال البشر كان بهداية الدين، وإرسال الرسل، وتمم ذلك ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين الذي كان رحمة للعالمين، فبه أصلحت عقائد البشر، وهذبت أخلاقهم وآدابهم بما جمع لهم فيها من مصالح الروح والجسد، وما شرع لهم من التعاون والتراحم، وبما حفظ لهم من العدل والمساواة، وبما شرع لهم من الشورى المقيدة بقاعدة: درء المفاسد وحفظ المصالح، وبذا امتاز

стр. 4141

به دينهم عن بقية الأديان. وبعد أن بين في الآية الأولى شرط الدعاء .. أعاد الأمر به إيذانا بأن من لا يعرف أنه محتاج إلى رحمة ربه مفتقر إليها، ولا يدعو ربه تضرعا وخفية، ولا يخاف من عقابه، ولا يطمع في غفرانه يكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح، فقال: ﴿وَادْعُوهُ﴾؛ أي: وادعوا أيها الناس ربكم حالة كونكم ﴿خَوْفًا﴾؛ أي: خائفين من عقابه على مخالفتكم لشرعه المصلح لأنفسكم وأجسامكم، أو ذوي خوف من عقابه ﴿وَ﴾ حالة كونكم ﴿طَمَعًا﴾؛ أي: طامعين في رحمته وإحسانه في دنياكم وآخرتكم، أو ذوي طمع في رحمته، والخوف: الانزعاج من المضار التي لا يؤمن من وقوعها، والطمع: توقع حصول الأمور المحبوبة. فإن قلت (١): إنه تعالى قال في الآية الأولى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وقال هنا: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وهذا من عطف الشيء على نفسه، فما فائدة ذلك؟ قلت: الفائدة فيه أن المراد بقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أي: ليكن الدعاء مقرونا بالتضرع والإخبات، وقوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أن فائدة الدعاء أحد هذين الأمرين، فكانت الآية الأولى في بيان شرط صحة الدعاء، والآية الثانية في بيان فائدة الدعاء، وقيل معناه: كونوا جامعين في أنفسكم بين الخوف والرجاء في أعمالكم كلها، ولا تطمعوا أنكم وفيتم حق الله في العبادة والدعاء، وإن اجتهدتم فيهما. ودعاء المولى حين الشعور بالعجز والافتقار إليه مما يقوي الأمل بالإجابة، ويحول بينها وبين اليأس إذا تقطعت الأسباب، وجهلت وسائل النجاح، والدعاء مخ العبادة ولبها، وإجابته مرجوة حين استكملت شرائطها وآدابها، فإن لم تكن

стр. 4142

بإعطاء الداعي ما طلبه، فربما كانت بما يعلم الله أنه خير له منه. ثم بين فائدة الدعاء وعلل سبب طلبه، فقال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ وثوابه ﴿قَرِيبٌ مِنَ﴾ عباده ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ ذكر الخبر نظرا إلى أن الرحمة بمعنى الثواب كما فسرناه كذلك؛ أي: إن رحمته تعالى قريبة من المحسنين أعمالهم بأي نوع من الأنواع كان إحسانهم، لأن الجزاء من جنس العمل كما قال: ﴿هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠)﴾ فمن أحسن في عبادته .. نال حسن الثواب، ومن أحسن في الدعاء .. أعطي خيرا مما طلبه، وقد طلب الإحسان في كل شيء يهدي إليه دين الفطرة، وحرم الإساءة في كل شيء، وجعل جزاءها من جنسها كما قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. وقال ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شي، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». رواه مسلم. وأصل الرحمة (١): رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، وتستعمل تارة في الرقة المجردة، وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة، وإذا وصف بها الباري جل وعز، فليس يراد بها إلا الإحسان المجرد دون الرقة، فرحمة الله عبارة عن الإفضال والإنعام على عباده، وإيصال الخير إليهم. وكون الرحمة قريبة من المحسنين (٢)؛ لأن الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار عن الدنيا، وإقبال على الآخرة، وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة، وليس بينه وبين رحمة الله التي هي الثواب في الآخرة إلا الموت؛ وهو قريب من الإنسان. والأحسن (٣) في علة تذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ مع أن ﴿الرحمة﴾ مؤنثة أن يقال: تذكيره إما باعتبار أن الرحمة مجازية التأنيث، أو باعتبار أن المراد بها الثواب؛

стр. 4143

وهو مذكر، فيكون التذكير باعتبار معناها كما مر آنفا. تأمل. ٥٧ - قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ معطوف على قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾، والمعنى: إن ربكم الذي دبر السموات والأرض، وهو الذي يرسل ويبعث الرياح والهواء حالة كون تلك الرياح ﴿بُشْرًا﴾ بالنون؛ أي: منتشرة متسعة، وبالباء أي مبشرة بمجيء المطر؛ أي: يرسلها ويهيجها ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: أمام المطر الذي هو رحمته حالة كونها نشرا، أو بشرا، وإنما سمي المطر رحمة؛ لأنه سبب لحياة الأرض الميتة ﴿حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ﴾ ورفعت تلك الرياح، و ﴿حَتَّى﴾ غاية لقوله: ﴿يُرْسِلُ﴾ كما في «الشهاب» ﴿سَحابًا ثِقالًا﴾؛ أي: غيما مثقلا بالماء ﴿سُقْناهُ﴾؛ أي: سقنا ذلك السحاب ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؛ أي: إلى مكان لا نبات فيه لعدم الماء ﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ﴾؛ أي: في ذلك البلد ﴿الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ﴾ أي: بذلك الماء، أو في ذلك البلد ﴿مِنْ كُلِّ﴾ أنواع ﴿الثَّمَراتِ﴾ والزروع ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: كما أخرجنا الثمرات بالماء ﴿نُخْرِجُ الْمَوْتى﴾ أحياء من قبورهم بعد فنائهم دروس آثارهم ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ أيها المنكرون للبعث ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ هذا الشبه، فيزول عنكم استبعادكم للبعث بنحو قولكم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ أو المعنى: لكي تعتبروا أيها المنكرون للبعث، وتتذكروا أن القادر على إحياء هذه الأرض بالأشجار المزينة بالأزهار والثمار بعد موتها قادر على أن يحيي الأجساد بعد موتها. وحاصل معنى الآية: أن ربكم المدبر لأمور الخلق هو الذي يرسل الرياح بين يدي رحمته؛ أي: بين الأمطار وأمامها حال كونها مبشرات بها فينشيء بها سحابا ثقالا لكثرة ما فيها من الماء، حتى إذا أقلتها ورفعتها إلى الهواء ساقها لإحياء بلد ميت قد عفت مزارعه، ودرست مشاربه، وأجدب أهله. ونحو الآية قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾. ﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ﴾؛ أي: فأنزلنا بالسحاب الماء؛ إذ قد ثبت أنه حينما يسخن الهواء القريب من سطوح البحار وغيرها بتأثير الحرارة .. يرتفع في الجو

стр. 4144

ويبرد؛ لوصوله إلى منطقة باردة، أو لامتزاجه بتيار من الهواء البارد، فإذا برد تكاثف منه بخار الماء، وتكون السحاب، فالسحاب ناشيء من تكاثف بخار الماء من الهواء في الطبقات العالية من الجو، وهو لا يكون ثابتا في مكان، بل يسير في اتجاه أفقي مدفوعا بقوة الريح، ويتراوح بعده عن الأرض بين ميل وعشرة أميال، ويكون معتما مشبعا بالماء إذا كان قريبا من سطح الأرض، وهو الذي ينشأ عنه المطر؛ لتجميع قطيرات الماء التي فيه بعضها مع بعض بتأثير البرودة، فتكون قطيرات كبيرة تسقط من خلاله نحو الأرض؛ لثقلها بحسب سنة الله في جاذبية الثقل. وقد أثبت العلم ودلت المشاهدة: أن سكان الجبال الشامخة يبلغون في العلو حذاء السحاب الممطر، أو يتجاوزونه إلى ما فوقه، فيكون دونهم ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾؛ أي: فأخرجنا بالماء أنواع الثمار على اختلاف طعومها وألوانها وروائحها، فتخرج كل أرض أنواعا مختلفة منها تدل على قدرة الله تعالى وعلمه، ورحمته وفضله كما قال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾. وبعد أن ذكرهم بهذه الآيات .. قفى على ذلك بما يزيل إنكارهم للبعث، فقال: ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى﴾؛ أي: ومثل هذا الإخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة بإحيائها بالماء نخرج الموتى من الناس وغيرهم إذ القادر على هذا قادر على ذلك ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ هذا الشبه، فيزول استبعادكم للبعث بنحو قولكم: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، وقولكم: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾. فأمثال هذه المقالات الدالة على إنكار خروج الحي من الميت تزول إذا أنتم تذكرتم خروج النبات الحي من الأرض الميتة إذ لا فارق بين حياة النبات، وحياة الحيوان، فكل منهما خاضع لقدرة الإله القادر على كل شيء، والحياة في عرف المخاطبين كانت تعرف بالتغذي، والنمو في النبات، والحس والحركة

стр. 4145

في الحيوان. إعادة الموتى جاء في الكتاب الكريم قوله: ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾، وقوله: ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، وقوله: ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ فأثبت في هذه الآيات الإعادة، وشببها بالبدء، هو تشبيه في جملة ذلك، لا في تفصيله، فإنه كما خلق جسد الإنسان الأول خلقا ذاتيا مبتدأ، ونفخ فيه الروح يخلق أجسام أفراد الإنسان خلقا ذاتيا معادا، ثم ينفخ فيها أرواحها التي كانت بها أناسي في الحياة الدنيا، فما الأجساد إلا كالسكن للأرواح، وليس بالبعيد على خالق العالم كله أن يعيد أجساد ألوف الملايين دفعة واحدة. وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع والحسن والسلمي وأبو رجاء والأعرج وأبو جعفر وشيبة وعيسى بن عمر وأبو يحيى وأبو نوفل الأعرابيان (١): ﴿الرياح نُشُرا﴾ - جمعين بضم النون والشين - أرادوا جمع نشور، وهي الريح الطيبة الهبوب تهب من كل ناحية وجانب. وقرأ عبد الله وابن عباس وزر وابن وثاب والنخعي وطلحة بن مصرف والأعمش ومسروق وابن عامر وعبد الوارث والحسن البصري في رواية عنه: ﴿نُشْرا﴾ - بضم النون وسكون الشين - وهي في معنى ﴿نُشُرا﴾ - بضمتين - إلا أنهم سكنوا الشين تخفيفا من الضم كرسل في رسل. وقرأ حمزة والكسائي وخلف والمفضل عن عاصم: ﴿نَشْرا﴾ - بفتح النون وسكون الشين -. قال الفراء: النشر: الريح الطيبة اللينة التي تنشيء السحاب. وقال ابن الأنباري: النشر: المنتشرة الواسعة الهبوب. وقرأ أبو رجاء العطاردي وإبراهيم النخعي ومسروق في رواية عنهم ومورق العجلي: ﴿نَشَرا﴾ - بفتح النون والشين - إما جمع نشور كعمود وعمد، أو جمع ناشر كغائب وغيب وحافد وحفد. هذه

стр. 4146

قراءات من قرأ بالنون، فجملتها أربعة. وقد قرأ آخرون بالباء الموحدة، فقرأ ابن عباس والسلمي وابن أبي عبلة: ﴿الرِّياحَ﴾ - جمعا -: ﴿بُشُرا﴾ - بضم الباء والشين -. ورويت عن عاصم وهو جمع بشيرة كنذيرة ونذر. وقرأ عاصم كذلك إلا أنه سكن الشين تخفيفا من الضم. وقرأ السلمي: ﴿بَشْرا﴾ - بفتح الباء وسكون الشين - وهو مصدر بشر المخفف، ورويت عن عاصم. وقرأ ابن السميقع وابن قطيب: ﴿بشرى﴾ بألف مقصورة كرجعى، وهو مصدر. فهذه ثماني قراءات؛ أربعة في النون، وأربع في الباء. والمعنى على كلها: أنه يرسل الرياح ناشرات أو مبشرات. ٥٨ - وبعد أن ضرب الله إحياء البلاد بالمطر مثلا لبعث الموتى .. ضرب اختلاف نتاج البلاد مثلا لما في البشر من اختلاف الاستعداد لكل من الهدى والكفر، والرشاد والغي، فقال: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾؛ أي: والأرض الطيبة التربة السهلة السمحة ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ ووافيا حسنا كثيرا غزير النفع ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾؛ أي: بمشيئة الله تعالى وتيسيره بلا كد ولا عناء، كذلك المؤمن المخلص يؤدي ما أمر الله به بطيبة النفس ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾؛ أي: والبلد الذي خبث أرضه السبخة ترابه ﴿لا يَخْرُجُ﴾ نباته ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾؛ أي: إلا بتعب وعناء وكلفة، والمعنى: إلا حالة كونه قليلا عديم النفع. قال الشاعر في المعنى يذم إنسانا: لا تنجز الوعد إن وعدت وإن ... أعطيت أعطيت تافها نكدا يعني بالتافه: القليل، وبالنكد: العسير، ومعناه: إنك إن أعطيت أعطيت القليل بعسر ومشقة وكلفة، وكذلك المنافق لا يؤدي ما أمر الله به إلا كرها بغير طيبة النفس. قال (١) المفسرون: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فشبه المؤمن بالأرض الخيرة الطيبة التراب، وشبه نزول القرآن على قلب المؤمن بنزول المطر على الأرض الطيبة، فإذا نزل المطر أخرجت أنواع الأزهار والثمار، وكذلك المؤمن إذا سمع القرآن آمن به، وانتفع به، وظهرت منه الطاعات

стр. 4147

والعبادات، وأنواع الأخلاق الحميدة، وشبه الكافر بالأرض الرديئة الغليظة البسخة التي لا ينتفع بها وإن أصابها المطر، فكذلك الكافر إذا سمع القرآن لا ينتفع به، ولا يصدقه، ولا يزيده إلا عتوا وكفرا، وإن عمل الكافر حسنة في الدنيا كانت بمشقة وكلفة ولا ينتفع بها في الآخرة. قال ابن عباس ﵄: هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن يقول: هو طيب وعمله طيب، كما أن البلد الطيب ثمره طيب، ثم ضرب مثل الكافر كالبلدة السبخة المالحة التي خرجت منها البركة، فالكافر خبيث وعمله خبيث. ويدل (١) على صحة هذا التأويل ما روى الشيخان والنسائي وأحمد من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب التي تشرب ولا تنبت، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا، وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان - أرض مستوية - لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» وقد فسر النبي ﷺ القسم الأول؛ وهو الذي نفع وانتفع بالهادي المهتدي، وفسر القسم الثالث؛ وهو الذي لم ينفع ولم ينتفع بالجاحد، وسكت عن القسم الثاني؛ وهو الذي نفع غيره بعلمه، ولم ينتفع به هو؛ لأن له أحوالا كثيرة، فمنه المنافقون، ومنه المفرطون في دينهم، والمشاهدة تدل على أن الطيبي الأخلاق يفعلون الخير والبر بلا تكلف، وأن الخبيثين لا يفعلون الخير ولا يؤدون الواجب إلا نكدا بعد إلحاف أو إيذاء حين الطلب، أو إدلاء إلى الحكام. وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة وعيسى بن عمر (٢): ﴿يُخْرَجُ نَباتُهُ﴾: - مبنيا للمفعول -؛ أي: يخرجه البلد. وقرأ ابن القعقاع: نَكَدا - بفتح الكاف - قال

стр. 4148

الزجاج: وهي قراءة أهل المدينة. وقرأ ابن مصرف بسكونها، وهما مصدران؛ أي: ذا نكد. وقرأ الباقون: ﴿نَكِدًا﴾ بفتح النون وكسر الكاف. ﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك التصريف البديع والتكرير العجيب ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾؛ أي: نردد الآيات الدالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، ونكررها ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نعمتنا باستعمالها فيما تتم به حكمتنا، وبذلك يستحقون منا المزيد، ويكافؤون بالثواب عليها. وختم (١) هذه الآية بالشكر إذ كان موضوعها الاهتداء بالعلم والعمل والإرشاد، والآية التي قبلها بالتذكر لما كان موضوعها الاعتبار والاستدلال. وقرىء: ﴿يصرف﴾ - بالياء التحتية - مراعاة للغيبة في قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ ذكره أبو حيان. الإعراب ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾. ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، وسيأتي مقابله بقوله: ﴿وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ ...﴾ الخ. ﴿أَصْحابَ النَّارِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿أَنْ﴾: مفسرة بمعنى: أي؛ لسبقها بجملة فيها معنى القول دون حروفه مبنية على السكون، وجملة الفعل بعدها جملة مفسرة لـ ﴿نادى﴾ لا محل لها من الإعراب، وإن شئت قلت: ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿وَجَدْنا﴾: فعل وفاعل، وجملة ﴿وَجَدْنا﴾: في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة: في محل النصب مفعول نادى، أو في محل الجر بجار محذوف تقديره: ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار بأنه قد وجدنا الخ. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول أول لـ ﴿وَجَدْنا﴾. ﴿وَعَدَنا رَبُّنا﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾،

стр. 4149

أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما وعدناه ربنا. ﴿حَقًّا﴾: مفعول ثان لـ ﴿وَجَدْنا﴾، أو حال من الضمير المحذوف في ﴿وَعَدَنا﴾ إن كان ﴿وجد﴾ بمعنى أصاب. ﴿فَهَلْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هل﴾: حرف للاستفهام الاستخباري. ﴿وَجَدْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة وَجَدْنا. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول أول لـ ﴿وجد﴾. ﴿وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما وعده ربكم. ﴿حَقًّا﴾ مفعول ثان لـ ﴿وجد﴾، أو حال من الضمير المحذوف في ﴿وَعَدَ﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿نَعَمْ﴾: حرف جواب يجاب بها لتصديق الأخبار لا محل لها من الإعراب، والمجاب به محذوف لنيابة ﴿نَعَمْ﴾ عنه تقديره: وجدناه حقا. ﴿فَأَذَّنَ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿أذن مؤذن﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿نادى﴾. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أذن﴾، أو صفة لـ ﴿مُؤَذِّنٌ﴾. ﴿أَنْ﴾: تفسيرية بمعنى أي. ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جملة مفسرة لـ ﴿أذن﴾ لا محل لها من الإعراب، وإن شئت قلت: ﴿أَنْ﴾ المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في محل النصب مفعول ﴿أذن﴾ تقديره: فأذن مؤذن بينهم أنه لعنة الله على الظالمين، أو في محل الجر بحرف جر محذوف تقديره: فأذن مؤذن بينهم بأنه لعنة الله على الظالمين. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الجر صفة لـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾. ﴿يَصُدُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَصُدُّونَ﴾. ﴿وَيَبْغُونَها﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَصُدُّونَ﴾. ﴿عِوَجًا﴾: حال من الهاء في ﴿يَبْغُونَها﴾، ولكنها في تأويل معوجة، ويصح كونه مفعولا ثانيا. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور متعلق

стр. 4150

بـ ﴿كافِرُونَ﴾. ﴿كافِرُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَصُدُّونَ﴾. ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾. ﴿وَبَيْنَهُما﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿حِجابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿رِجالٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿رِجالٌ﴾. ﴿بِسِيماهُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَعْرِفُونَ﴾. ﴿وَنادَوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿أَنْ﴾: تفسيرية بمعنى أي مبنية على السكون. ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾: مبتدأ وخبر، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض الدعاء، والجملة الاسمية جملة مفسرة لجملة ﴿نادَوْا﴾ لا محل لها من الإعراب، وإن شئت قلت: ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن أنه سلام عليكم، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبرها، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في محل النصب مفعول ﴿نادَوْا﴾؛ أي: نادوهم أنه سلام عليكم، أو في محل الجر بحرف جر محذوف تقديره: نادوهم بأنه سلام عليكم. ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿نادَوْا﴾، أو مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل: ما صنع بأصحاب الأعراف .. فقيل: لم يدخلوها. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَطْمَعُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَدْخُلُوها﴾. ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾. ﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ﴾: ظرف

стр. 4151

ومضاف إليه متعلق بـ ﴿صُرِفَتْ﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾: مستأنفة. ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿لا﴾: دعائية جازمة. ﴿تَجْعَلْنا﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الدعائية، وفاعله ضمير يعود على الرب ﷻ ، والجملة الفعلية جواب النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿مَعَ الْقَوْمِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَجْعَلْنا﴾. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾. ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾. ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿رِجالًا﴾: مفعول به. ﴿يَعْرِفُونَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِسِيماهُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يعرفون﴾، وجملة ﴿يَعْرِفُونَهُمْ﴾: صفة لـ ﴿رِجالًا﴾، ولكنها سببية. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية بدل من جملة نادى بدل كل من كل. ﴿ما أَغْنى عَنْكُمْ﴾: إلى آخر الآية التالية مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿ما﴾: استفهامية استفهام توبيخ في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَغْنى﴾: فعل ماض. ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿جَمْعُكُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على ﴿جَمْعُكُمْ﴾ على كونه فاعل ﴿أَغْنى﴾ تقديره: ما أغنى عنكم جمعكم، وكونكم مستكبرين، أو استكباركم عن الحق، وجملة ﴿أَغْنى﴾ في محل الرفع خبر ﴿ما﴾ الاستفهامية، وجملة ﴿ما﴾ الاستفهامية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾. ﴿أَهؤُلاءِ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري التوبيخي، ﴿هؤُلاءِ﴾: مبتدأ.

стр. 4152

﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَنالُهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَنالُهُمُ﴾، وجملة ﴿يَنالُهُمُ﴾ جواب لقسم محذوف تقديره: والله لا ينالهم الله برحمة، وجملة ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾ مع جوابه صلة الموصول، والعائد الهاء من ﴿يَنالُهُمُ﴾. ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية نائب فاعل لقول محذوف تقديره: قد قيل لهم ادخلوا الجنة، وجملة القول المحذوف في محل الرفع خبر ثان لاسم الاشارة؛ أي: أهؤلاء قد قيل لهم ادخلوا الجنة. ﴿لا﴾: نافية تعمل عمل ليس. ﴿خَوْفٌ﴾: اسمها مرفوع. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لا﴾ من اسمها وخبرها في محل النصب حال من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾. ﴿وَلا﴾ الواو: عاطفة ﴿لا﴾. نافية. ﴿أَنْتُمْ﴾: اسمها، وجملة ﴿تَحْزَنُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لا﴾ الثانية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لا﴾ الأولى. ﴿وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠)﴾. ﴿وَنادى أَصْحابُ النَّارِ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه. ﴿أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿أَنْ﴾: مفسرة. ﴿أَفِيضُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْنا﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مفسرة لجملة نادى لا محل لها من الإعراب، وإن شئت قلت: ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وجملة ﴿أَفِيضُوا﴾ في محل الرفع خبرها، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في محل النصب مفعول ﴿نادى﴾، والتقدير: ونادى أصحاب النار أنه أفيضوا علينا، أو في محل الجر بجار محذوف تقديره: ونادى أصحاب النار بأنه أفيضوا علينا. ﴿مِنَ الْماءِ﴾: جار ومجرور صفة لمفعول محذوف تقديره: أن أفيضوا علينا شيئا من الماء. ﴿أَوْ مِمَّا﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله تقديره: أو أفيضوا علينا شيئا مما رزقكم الله تعالى. ﴿رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما رزقكم الله إياه.

стр. 4153

﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب، ﴿اللَّهُ﴾: اسمها. ﴿حَرَّمَهُما﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾، وجملة ﴿أَنْ﴾ في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْكافِرِينَ﴾: ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان. ﴿وَلَعِبًا﴾: معطوف على ﴿لَهْوًا﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿وَغَرَّتْهُمُ﴾: فعل ومفعول. ﴿الْحَياةُ﴾: فاعل. ﴿الدُّنْيا﴾: صفة لـ ﴿الْحَياةُ﴾، والجملة معطوفة على جملة الصلة. ﴿فَالْيَوْمَ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حالهم ودينهم، وأردت بيان عاقبتهم .. فأقول لك، ﴿اليوم﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿نَنْساهُمْ﴾. ﴿نَنْساهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿كَما﴾: ﴿الكاف﴾: حرف جر، ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿نَسُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِقاءَ يَوْمِهِمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. هذا: في محل الجر صفة لـ ﴿يَوْمِهِمْ﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف تقديره: كنسيانهم يومهم هذا، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: فاليوم ننساهم نسيانا كنسيانهم يومهم هذا. ﴿وَما كانُوا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِآياتِنا﴾: متعلق بـ ﴿يَجْحَدُونَ﴾، وجملة ﴿يَجْحَدُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية. ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من ﴿ما﴾ الأولى والتقدير: ننساهم نسيانا كنسيانهم لقاء يومهم، وكونهم منكرين أن الآيات من عند الله تعالى، ويجوز أن تكون الكاف للتعليل؛ أي فاليوم نتركهم لأجل نسيانهم وجحودهم، والتعليل

стр. 4154

واضح في المعطوف دون التشبيه كما سبق ذكره عن «الفتوحات». ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿جِئْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِكِتابٍ﴾: متعلق به، والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿فَصَّلْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿كتاب﴾. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿فصلنا﴾؛ أي: حالة كوننا متلبسين بعلم، أو من المفعول؛ أي: حالة كون ذلك الكتاب مشتملا على علم. ﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾ إما حال من هاء ﴿فَصَّلْناهُ﴾؛ أي: فصلناه حالة كونه هاديا وذا رحمة للمؤمنين، أو حالا من ﴿كتاب﴾، وجاز مجيء الحال منه لتخصصه بالوصف، أو منصوبان على أنهما مفعولان لأجله؛ أي: فصلناه لأجل الهداية والرحمة للمؤمنين. ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور تنازع فيه كل من ﴿هُدىً وَرَحْمَةً﴾، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صفة لـ ﴿قوم﴾. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾. ﴿هَلْ﴾ حرف للاستفهام الإنكاري. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿تَأْوِيلَهُ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿يَقُولُ﴾ الآتي. ﴿يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿نَسُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ مقول محكي لـ ﴿يَقُولُ﴾، وإن شئت قلت: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور حال

стр. 4155

من ﴿رُسُلُ رَبِّنا﴾؛ أي: حالة كونهم متلبسين بالحق. ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. ﴿فَهَلْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هل﴾: حرف للاستفهام الاستخباري، وفيه معنى التمني. ﴿لَنا﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ شُفَعاءَ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿مِنْ﴾ زائدة، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة: ﴿قَدْ جاءَتْ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿يَقُولُ﴾. ﴿فَيَشْفَعُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب الاستفهام. ﴿لَنا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره: فهل لنا ثبوت شفعاء فشفاعتهم لنا. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿نُرَدُّ﴾ فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ﴾ والتقدير: فهل لنا من شفعاء، أو هل نرد إلى الدنيا. ﴿فَنَعْمَلَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب الاستفهام، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره: فهل يوجد لنا رد إلى الدنيا فعملنا غير الذي كنا نعمل. ﴿غَيْرَ الَّذِي﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿نَعْمَلُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: غيره الذي كنا نعلمه. ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَضَلَّ﴾: فعل ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به. ﴿ما﴾ موصولة، أو مصدرية. ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْتَرُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾

стр. 4156

صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: وضل عنهم الآلهة اللاتي كانوا يفترونهن، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية تقديره: وضل عنهم افتراؤهم في الدنيا، وجملة ﴿ضَلَّ﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿رَبَّكُمُ﴾: اسمها. ﴿اللَّهُ﴾: خبرها، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿السَّماواتِ﴾: مفعول به. ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف عليه. ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب. ﴿اسْتَوى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول. ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقَ﴾، فالآية الكريمة من باب أعطيت زيدا عمرا؛ لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشيا ومغشيا، فوجب جعل الليل في قراءة الجماعة هو الفاعل المعنوي، والنهار هو المفعول من غير عكس اه «سمين». ﴿يَطْلُبُهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّيْلَ﴾، والضمير البارز يعود على ﴿النَّهارَ﴾، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يطلب﴾ ﴿حَثِيثًا﴾: صفة لمصدر محذوف تقديره: يطلبه طلبا حثيثا؛ أي: سريعا. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾: معطوفات على ﴿السَّماواتِ﴾. ﴿مُسَخَّراتٍ﴾ حال من الثلاثة. ﴿بِأَمْرِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مُسَخَّراتٍ﴾. ﴿أَلا﴾: حرف استفهام وتنبيه. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿الْخَلْقُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَالْأَمْرُ﴾:

стр. 4157

معطوف عليه، والجملة مستأنفة. ﴿تَبارَكَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿رَبُّ الْعالَمِينَ﴾: صفة للجلالة. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ حالان من واو ﴿ادْعُوا﴾، ولكنه بعد تأويلهما بمشتق؛ أي: ادعوا ربكم حالة كونكم متضرعين ومخفين في دعائكم، أو صفتان لمصدر محذوف تقديره: دعاء تضرع ودعاء خفية. ﴿إِنَّهُ﴾: ﴿إنّ﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها، وجملة ﴿لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾. ﴿وَلا﴾ الواو عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُفْسِدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة مستأنفة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿لا تُفْسِدُوا﴾. ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تُفْسِدُوا﴾ أيضا. ﴿وَادْعُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا﴾. ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: حالان من واو ﴿ادْعُوهُ﴾، ولكن بعد تأويلهما بمشتق تقديره: ﴿وَادْعُوهُ﴾ تعالى حالة كونكم خائفين من عقابه وطامعين في رحمته. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ﴾: اسمها ومضاف إليه. ﴿قَرِيبٌ﴾ خبرها. ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَرِيبٌ﴾؛ لأنه صفة مشبهة، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾. ﴿يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿بُشْرًا﴾: حال من ﴿الرِّياحَ﴾؛ أي: حالة كونها مبشرات أو ناشرات. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُرْسِلُ﴾.

стр. 4158

﴿حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. ﴿حَتَّى﴾: ابتدائية غائية. ﴿إِذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَقَلَّتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الرِّياحَ﴾. ﴿سَحابًا﴾: مفعول به. ﴿ثِقالًا﴾: صفة لـ ﴿سَحابًا﴾، والجملة الفعلية في محل الخفض على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿سُقْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿لِبَلَدٍ﴾: متعلق بـ ﴿سقنا﴾. ﴿مَيِّتٍ﴾: صفة ﴿لِبَلَدٍ﴾، والجملة جواب إِذا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ مستأنفة في اللفظ غاية لما قبلها في المعنى. ﴿فَأَنْزَلْنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿سقنا﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أنزلنا﴾. ﴿الْماءَ﴾: مفعول به. ﴿فَأَخْرَجْنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أنزلنا﴾. بِهِ: متعلق بـ ﴿أخرجنا﴾. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أخرجنا﴾ أيضا. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: ﴿نُخْرِجُ الْمَوْتى﴾ من قبورهم إخراجا مثل إخراج الثمرات من الأرض. ﴿نُخْرِجُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾. ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾: مبتدأ وصفة. ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿يَخْرُجُ﴾. ﴿وَالَّذِي﴾: مبتدأ. ﴿خَبُثَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَخْرُجُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على النبات، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿نَكِدًا﴾: حال من فاعل ﴿يَخْرُجُ﴾. ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: ونصرف الآيات

стр. 4159

تصريفا مثل تصريفنا الآيات السابقة. ﴿نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُصَرِّفُ﴾، وجملة ﴿يَشْكُرُونَ﴾ صفة لـ ﴿قوم﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ﴾ والنداء: رفع الصوت لطلب الإقبال ﴿ما وَعَدَنا﴾ والوعد: خاص بما كان في الخير أو يشمل الخير والشر، وهو الصحيح، والوعيد: خاص بالشر أو السوء، فتسمية ما كان لأهل النار وعدا؛ إما من قبيل التهكم، أو للمشاكلة. ﴿نَعَمْ﴾: هي حرف جواب كأجل وجير وإي وبلى، ونقيضها لا، ونعم لتكون لتصديق الأخبار، أو إعلام استخبار، أو وعد طالب، وقد يجاب بها النفي المقرون باستفهام، وهو قليل جدا، وتبدل عينها حاء، وهي لغة فاشية كما تبدل حاء حتى عينا، وكسر عينها لغة قريش. اه «سمين». ﴿فَأَذَّنَ﴾ التأذين: رفع الصوت بالإعلام بالشيء. ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ اللعنة: الطرد والإبعاد مع الخزي والإهانة. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقال: صد عن الشيء يصد - بضم الصاد - صدودا أعرض عنه، وصده عن الأمر إذا منعه، وصرفه عنه من باب رد، فهو يتعدى ولا يتعدى. ﴿عِوَجًا﴾؛ أي: ذات عوج؛ أي: غير مستوية ولا مستقيمة حتى لا يسلكها أحد والعوج - بالكسر - يكون في المعاني كالملة والدين والرأي والقول، ويكون في الأعيان ما لم يكن منتصبا، وبالفتح مختص بالأعيان المنتصبة كالرمح والحائط كما في «أبي السعود». ﴿حِجابٌ﴾ والحجاب: هو السور الذي بين الجنة والنار كما قال في سورة الحديد: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾.

стр. 4160

﴿الْأَعْرافِ﴾: جمع عرف - بزنة قفل - وهو أعلى الشيء، وكل مرتفع من الأرض وغيرها، ومنه عرف الديك والفرس والسحاب لعلوها، وجعل بعضهم الأعراف هو نفس الحجاب المتقدم ذكره، عبر عنه تارة بالحجاب، وتارة بالأعراف. قاله الواحدي، ولم يذكر غيره، ولذلك عرف الأعراف؛ لأنه عني به الحجاب. اه. ﴿بِسِيماهُمْ﴾ والسماء والسيمياء: العلامة. ﴿صُرِفَتْ﴾: حولت. والتلقاء جهة اللقاء؛ وهي جهة المقابلة يقال: فلان تلقاء فلان إذا كان حذاءه، ويستعمل تلقاء ظرف مكان كما هنا، ويستعمل (١) مصدرا كالتبيان، ولم يجىء من المصادر على التفعال بالكسر غير التلقاء والتبيان والزلزال، وإنما يجيء ذلك في الأسماء نحو التمثال والتمساح والتصفار، وانتصاب ﴿تِلْقاءَ﴾ ههنا على الظرف؛ أي: ناحية أصحاب النار. ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ﴾ إفاضة الماء: صبه، ثم استعملت في الشيء الكثير، فيقال: فاض الرزق والخير، وأفاض عليه النعم، وقالوا: أعطاه غيضا من فيض؛ أي: قليلا من كثير، وما رزقهم الله يشمل الطعام والأشربة غير الماء. ﴿لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ اللهو (٢): صرف الهم بما لا يحسن أن يصرف به، واللعب: طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب كما مر به ذكره «البيضاوي». ﴿بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ الكتاب: هو القرآن الكريم، والتفصيل جعل المسائل المراد بيانها مفصولا بعضها من بعض بما يزيل اشتباهها. ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ وتأويل الشيء: عاقبته ومرجعه ومصيره الذي يؤول ذلك الشيء إليه. ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ والرب (٣): هو السيد والمالك والمدبر والمربي، والإله هو المعبود الذي يدعى لكشف الضر،

стр. 4161

أو جلب النفع، ويتقرب إليه بالأقوال والأعمال التي يرجى أن ترضيه، و ﴿اللَّهُ﴾: اسم لخالق الخلق أجمعين، ولا يثبت الموحدون ربا سواه، وأكثر المشركين يقولون: إنه أكبر الأرباب، أو رئيسهم وأعظم الآلهة، وكان مشركوا العرب لا يثبت ربا سواه، وإنما يعبدون آلهة تقربهم إليه. ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ يراد بهما العالم العلوي، والعالم السفلي. الستة: رتبة من العدد معروفة، حاشيته العليا السبعة، وحاشيته السفلى الخمسة، وأصلها: سدسة أبدلت التاء من إحدى السينين، وأدغم فيها الدال، والدليل على ذلك أنك تقول: في التصغير: سديسة، وفي الجمع: أسداس، وتقول: جاء فلان سادسا. واليوم: الزمن الذي يمتاز عن غيره بما يحدث فيه كامتياز اليوم المعروف بما يحده من النور والظلام، وامتياز أيام العرب بما يقع فيها من الحرب والخصام، وليست هذه الأيام الستة من أيام الأرض، وهي التي مجموع ليلها ونهارها أربع وعشرون ساعة، فإن هذه إنما وجدت بعد خلق هذه الأرض، فكيف يعد خلقها بأيام منها. ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ والاستواء لغة: استقامة الشيء واعتداله، واستوى الملك على عرشه؛ أي: ملك، وثل عرشه؛ أي: هلك، واستوى هنا بمعنى علا وارتفع استواء يليق به . والعرش لغة: كل شيء له سقف، ويطلق على هودج للمرأة يشبه عريش الكرم، وعلى سرير الملك وكرسيه في مجلس الحكم والتدبير، وعرش الرحمن من أعظم المخلوقات محيطا بالسموات والأرض وما بينهما وما عليهما. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ يقال: غشي الشيء الشيء ستره وغطاه، وأغشاه إياه جعله يغشاه؛ أي: يغطيه ويستره، ومنه إغشاء الليل النهار. ﴿حَثِيثًا﴾؛ أي: مسرعا من قولهم: فرس حثيث السير؛ أي: سريعه، والحث: (١) الإعمال والسرعة، والحمل على فعل الشيء كالحض عليه، فالحث

стр. 4162

والحض أخوان يقال: حثثت فلانا، فأحثثت، فهو حثيث ومحثوث اه من «السمين». وفعله من باب رد كما في المختار». ﴿مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: مذللات لما يراد منها طلوع وغروب، ومسير ورجوع بأمره؛ أي: بتدبيره وتصرفه. ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ﴾ الخلق: التقدير، والمراد هنا الإيجاد بقدر ﴿تَبارَكَ اللَّهُ﴾؛ أي: تعاظمت بركاته وكثرت، والبركة: الخير الثابت الكثير، وهو فعل ماض جامد لا يتصرف؛ أي: لم يجئ منه مضارع ولا أمر، ولا اسم فاعل. ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ التضرع: التذلل؛ وهو إظهار ذل النفس من قولهم: ضرع فلان لفلان وتضرع إذا أظهر الذل له في معرض السؤال، والخفية: ضد العلانية من أخفيت الشي؛ أي: سترته، والاعتداء: تجاوز الحد، ومحبة الله للعمل: إثابته عليه، ومحبته للعامل: رضاه عنه. ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ أصل الخوف: انزعاج في الباطن يحصل من توقع أمر مكروه يقع في المستقبل، والطمع: توقع محبوب يحصل في المستقبل. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ والرياح (١): جمع ريح؛ وهي الهواء المتحرك، وأصل ريح روح، والرياح عند العرب أربع بحسب مهابها من الجهات الأربع: الشمال والجنوب، وسميا كذلك باسم الجهة التي يهبان منها، والصبا أو القبول؛ وهي الشرقية، وقد ينسبونها إلى نجد كما ينسبون الجنوب إلى اليمن، والشمال إلى الشام، والدبور؛ وهي الغربية، والريح التي تنحرف عن الجهات الأصلية، فتكون بين اثنتين منها تسمى النكباء. قال الراغب: كل موضع ذكر الله فيه إرسال الريح بلفظ الواحد كان للعذاب، وكل موضع ذكر فيه بلفظ الجمع كان للرحمة. وفي الخبر أنه ﷺ كان يجثو على ركبته حين هبوب الرياح، ويقول: «اللهم اجعلها لنا رياحا، ولا تجعلها ريحا، اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا

стр. 4163

بعذابك، وعافنا قبل ذلك». وعن ابن (١) عمر أنها ثمان؛ منها أربعة عذاب؛ وهي القاصف والعاصف والصرصر والعقيم، ومنها أربعة رحمة؛ وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات والنازعات. اه. ﴿بُشْرًا﴾ - بسكون الشين - مخفف بشرا بضمتين واحدها بشير بمعنى مبشرة، كغدر جمع غدير، نشرا بسكون الشين مع النون مخفف نشرا بضمتين، جمع نشور بمعنى منشورة غير مطوية، كرسول يجمع على رسل، والرحمة هنا المطر. ﴿حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ﴾؛ أي: رفعت يقال: أقل (٢) الشيء حمله ورفعه من غير مشقة، ومنه إقلال البطن عن الفخذ في الركوع والسجود، ومنه القلة؛ لأن البعير يحملها من غير مشقة، وأصله من القلة، فكأن المقل يرى ما يرفعه قليلا، واستقل به أقله. وفي «المصباح»: كل شيء حملته، فقد أقللته. والسحاب: الغيم، واحده سحابة، والسحاب (٣) اسم جنس جمعي تصح مراعاة لفظه ومراعاة معناه، فالثاني في قوله: ﴿ثِقالًا﴾ والأول في قوله: ﴿سُقْناهُ﴾، والثقال منه: المشبعة ببخار الماء و ﴿سُقْناهُ﴾ سيرناه، وقال أبو حيان: والسوق حمل الشيء بعنف. ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ وفي «المصباح»: البلد: يذكر ويؤنث، والجمع بلدان، والبلدة البلد، وجمعها بلاد مثل كلبة وكلاب. اه. وقال المراغي: والبلد (٤) والبلدة الموضع من الأرض عامرا كان أو خلاء، وبلد ميت أرض لا نبات فيها ولا مرعى. وفي «القاموس»: والبلد والبلدة: مكة، وكل قطعة من الأرض متحيزة عامرة أو غير عامرة، والتراب والبلد القبر والمقبرة والدار والأثر الخ. اه. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ واحدها: ثمرة، والثمرة: واحدة الثمر، وهو الحمل

стр. 4164

الذي تخرجه الشجرة سواء أكل أو لا، فيقال: ثمر الأراك وثمر النخل والعنب. ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ والنكد: كل شيء خرج إلى طالبه بتعسر يقال: رجل نكد - بفتح الكاف وكسرها - وناقة نكداء خفيفة الدر صعبة الحلب. وفي «المصباح»: نكد نكدا - من باب تعب - فهو نكد تعسر، ونكد العيش نكدا اشتد وعسر. اه. وفي «القاموس»: نكد عيشهم - كفرح - اشتد وعسر، والبئر قل ماؤها، ونكد زيد حاجة عمرو - كنصر - منعه إياها، ونكد فلانا منعه ما سأله، أو لم يعطه إلا أوله اه. ونكد الرجل (١): سئل إلحافا وأخجل، قال الشاعر: وأعط ما أعطيته طيّبا ... لا خير في المنكود والنّاكد ﴿كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ والتصريف: تبديل الشيء من حال إلى حال، ومنه تصريف الرياح. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المقابلة في قوله: ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ﴾ لأنه قابل الجمع بالجمع، والقاعدة: أن الجمع إذا قوبل بالجمع يوزع الفرد على الفرد، فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في دار الدنيا. ومنها: المشاكلة في قوله: ﴿ما وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ لأنه عبر عن الوعيد بالوعد لمشاكلة ما قبله. ومنها: التعبير بالماضي عما في المستقبل، في قوله: ﴿وَنادى﴾ إشعارا بتحقق وقوعه؛ لأن النداء إنما يكون في الآخرة. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾. وفيه أيضا الإبهام إفادة

стр. 4165

للتهويل والتعظيم. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿حَرَّمَهُما﴾؛ لأنه استعار التحريم للمنع لانقطاع التكليف حينئذ، وفي قوله: ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؛ لأنه شبه البلد المجدب الذي لا نبات فيه بالجسد الذي لا روح فيه بجامع عدم الانتفاع في كل على طريق الاستعارة التصريحية. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا﴾ وفي «زاده»: فشبه (١) معاملته تعالى مع الكفار بمعاملة من نسي عبده من الخير، ولم يلتفت إليه وشبه عدم إخطارهم لقاء الله ببالهم، وعدم مبالاتهم به بحال من عرف شيئا ونسيه، وكثر مثل هذه الاستعارات في القرآن؛ لأن تعليم المعاني التي في عالم الغيب لا يمكن أن يعبر عنها إلا بما يماثلها من عالم الشهادة. اه. وفي قوله: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾؛ لأنه شبه شغلهم بالدنيا بالطمع في طول العمر، وحسن العيش بغرور من يخدع في البيع مثلا، بجامع عدم الوصول إلى المقصود في الكل، وفي قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾؛ لأنه شبه لحوق (٢) وعيده لهم، وعدم فرارهم منه بانتظار الشيء وترقبه، فعبر عنه بالانتظار. ومنها: الالتفات في قوله: ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؛ لأنه التفت عن الغيبة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿فَسُقْناهُ﴾. ومنها: التتميم في قوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ ...﴾ الخ؛ لأنه لما قال أولا: ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ تمم هذا المعنى ببيان كيفية ما يخرج من النبات من الأرض الكريمة والسبخة. ومنها: تخصيص خروج النبات الطيب بقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ على سبيل

стр. 4166

المدح والتشريف، وإن كان كل من النباتين يخرج بإذن الله تعالى. ومنها: الكناية في قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾؛ أي: بمشيئته؛ لأنه كناية عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه، لأنه أوقعه في مقابلة قوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾. ومنها: الطباق بين قوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى﴾؛ لأنه شبه قيام الموتى من قبورهم بإخراج النبات من الأرض، فذكرت الأداة، ولم يذكر وجه الشبه، وهو مطلق الإخراج من العدم. ومنها: إيجاز القصر في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وهو جمع الألفاظ القليلة للمعاني الكثيرة، فالآية مع قلة ألفاظها جمعت معاني كثيرة استوعبت جميع الأشياء والشؤون على وجه الاستقصاء حتى قال ابن عمر: من بقي له شيء .. فليطلبه، وهذا الأسلوب البليغ يسمى إيجاز قصر. ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ وهو حذف أحد المتقابلين لعلمه من الآخر؛ لأن فيه محذوفا تقديره: ويغشي النهار الليل، وذكره في آية أخرى، فقال: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَنادى﴾ ﴿وَنادى﴾، وفي قوله: ﴿تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا﴾. ومنها: الاستفهام التوبيخي في مواضع. ومنها: الإنكاري في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿رُسُلُ رَبِّنا﴾.

стр. 4167

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. ومنها: القصر في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ والله أعلم * * *

стр. 4168

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة (١) هذه الآية

стр. 4169

لما قبلها: أن الله ، لما ذكر في هذه السورة مبدأ الخلق الإنساني، وهو آدم ﵇، وقص من أخباره ما قص، واستطرد من ذلك إلى المعاد ومصير أهل السعادة إلى الجنة، وأهل الشقاوة إلى النار، وأمره تعالى بترك الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، وكان من بعث إليه رسول الله ﷺ أولا غير مستجيبين له ولا مصدقين لما جاء به عن الله .. قص تعالى عليه أحوال الرسل الذين كانوا قبله، وأحوال من بعثوا إليه على سبيل التسلية له ﷺ ، والتأسي بهم، فبدأ بنوح ﵇ إذ هو آدم الأصغر، وأول رسول بعث إلى من في الأرض، وأمته أدوم تكذيبا له وأقل استجابة. وعبارة المراغي هنا: أنه لما ذكر (١) مبدأ الإنسان ومعاده، وأن مرده إلى الله في يوم تجازى فيه كل نفس بما كسبت .. أردف ذلك بذكر قصص الأنبياء مع أممهم، وإعراضهم عن دعوتهم؛ ليبين للرسول أن الإعراض عن قبول دعوة الأنبياء ليس ببدء في قومك، بل سبق به أقوام كثيرون، وفي ذلك تسلية له ﷺ إلى ما فيه من التنبيه إلى أن الله تعالى لا يهمل أمر المبطلين، بل يمهلهم، وتكون العاقبة للمتقين، ومن العظة والاعتبار بما حل بمن قبلهم من النكال والوبال كما قال: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾. وفي «الخازن»: واعلم أن (٢) الله ﵎ لما ذكر في الآيات المتقدمة دلائل آثار قدرته، وغرائب خلقه وصنعته الدالة على توحيده وربوبيته، وأقام الدلالة القاطعة على صحة البعث بعد الموت .. أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما جرى لهم مع أممهم، وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ ؛ لأنه لم يكن الإعراض عن قبول الحق من قومه فقط، بل قد أعرض عنه سائر الأمم الخالية، والقرون الماضية، وفيه تنبيه على أن عاقبة أولئك الذين كذبوا الرسل كانت إلى الخسار والهلاك في الدنيا، وفي الآخرة إلى العذاب العظيم، فمن كذب بمحمد ﷺ من قومه .. كانت عاقبته مثل أولئك الذين خلوا من قبله من

стр. 4170

الأمم، وفي ذكر هذه القصص دليل على صحة نبوة محمد ﷺ ؛ لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يلق أحدا من علماء زمانه، فلما أتى بمثل هذه القصص والأخبار عن القرون الماضية والأمم الخالية مما لم ينكره عليه أحد .. علم بذلك أنه إنما أتى به من عند الله ، وأنه أوحي إليه ذلك، فكان ذلك دليلا واضحا، وبرهانا قاطعا على صحة نبوته ﷺ . انتهى. التفسير وأوجه القراءة ٥٩ - واللام في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا﴾ وبعثنا ﴿نُوحًا إِلى﴾ مشركي ﴿قَوْمِهِ﴾ واقعة في جواب قسم محذوف تقديره: وعزتي وجلالي لقد أرسلنا نوح بن لمك - بفتح الميم وسكونها - بن متوشلخ ابن أخنوخ، وهو اسم إدريس ﵉، واسم نوح عبد الغفار، ولقب بنوح؛ لكثرة نياحته؛ وإما لدعوته على قومه بالهلاك، أو لمراجعته ربه في شأن ولده كنعان، أو لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: اخسأ يا قبيح، فأوحى الله إليه أعبتني أم عبت الكلب؟ فكثر نوحه على نفسه لذلك. وتركت (١) الواو هنا وذكرت في سورة هود والمؤمنون؛ لعدم تقدم ما يعطف عليه هنا بخلاف ما يأتي، وإنما أتى بالقسم هنا للرد على المنكرين، وهو مما يجب التأكيد فيه، وقدم قصة نوح؛ لأن قومه أول من كفر، ولأنه أول رسول أرسله الله إلى قومه المشركين كما هو رأي كثير من المحققين كما ثبت في حديث الشفاعة وغيره. والحاصل: أن الله أقسم للمخاطبين بهذه الآية من أهل مكة ومن جاورهم من العرب بأنه سبحانه أرسل نوحا ﵇ إلى قومه منذرا لهم بأسه، ومخوفهم سخطه على عبادتهم غيره، وقد كانوا ينكرون الرسالة والوحي إذ ليس عندهم من علوم الرسل والأمم شيء إلا ما يتلقونه من اليهود والنصارى في بلاد العرب والشام ﴿فَقالَ﴾ نوح ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وحدوه بالعبادة. وقوله: ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ في حكم العلة لقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: اعبدوا
следующие страницы →