← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

المدح والتشريف، وإن كان كل من النباتين يخرج بإذن الله تعالى. ومنها: الكناية في قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾؛ أي: بمشيئته؛ لأنه كناية عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه، لأنه أوقعه في مقابلة قوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾. ومنها: الطباق بين قوله: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى﴾؛ لأنه شبه قيام الموتى من قبورهم بإخراج النبات من الأرض، فذكرت الأداة، ولم يذكر وجه الشبه، وهو مطلق الإخراج من العدم. ومنها: إيجاز القصر في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وهو جمع الألفاظ القليلة للمعاني الكثيرة، فالآية مع قلة ألفاظها جمعت معاني كثيرة استوعبت جميع الأشياء والشؤون على وجه الاستقصاء حتى قال ابن عمر: من بقي له شيء .. فليطلبه، وهذا الأسلوب البليغ يسمى إيجاز قصر. ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ وهو حذف أحد المتقابلين لعلمه من الآخر؛ لأن فيه محذوفا تقديره: ويغشي النهار الليل، وذكره في آية أخرى، فقال: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَنادى﴾ ﴿وَنادى﴾، وفي قوله: ﴿تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا﴾. ومنها: الاستفهام التوبيخي في مواضع. ومنها: الإنكاري في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾. ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿رُسُلُ رَبِّنا﴾.

стр. 4167

ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. ومنها: القصر في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ والله أعلم * * *

стр. 4168

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة (١) هذه الآية

стр. 4169

لما قبلها: أن الله ، لما ذكر في هذه السورة مبدأ الخلق الإنساني، وهو آدم ﵇، وقص من أخباره ما قص، واستطرد من ذلك إلى المعاد ومصير أهل السعادة إلى الجنة، وأهل الشقاوة إلى النار، وأمره تعالى بترك الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، وكان من بعث إليه رسول الله ﷺ أولا غير مستجيبين له ولا مصدقين لما جاء به عن الله .. قص تعالى عليه أحوال الرسل الذين كانوا قبله، وأحوال من بعثوا إليه على سبيل التسلية له ﷺ ، والتأسي بهم، فبدأ بنوح ﵇ إذ هو آدم الأصغر، وأول رسول بعث إلى من في الأرض، وأمته أدوم تكذيبا له وأقل استجابة. وعبارة المراغي هنا: أنه لما ذكر (١) مبدأ الإنسان ومعاده، وأن مرده إلى الله في يوم تجازى فيه كل نفس بما كسبت .. أردف ذلك بذكر قصص الأنبياء مع أممهم، وإعراضهم عن دعوتهم؛ ليبين للرسول أن الإعراض عن قبول دعوة الأنبياء ليس ببدء في قومك، بل سبق به أقوام كثيرون، وفي ذلك تسلية له ﷺ إلى ما فيه من التنبيه إلى أن الله تعالى لا يهمل أمر المبطلين، بل يمهلهم، وتكون العاقبة للمتقين، ومن العظة والاعتبار بما حل بمن قبلهم من النكال والوبال كما قال: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾. وفي «الخازن»: واعلم أن (٢) الله ﵎ لما ذكر في الآيات المتقدمة دلائل آثار قدرته، وغرائب خلقه وصنعته الدالة على توحيده وربوبيته، وأقام الدلالة القاطعة على صحة البعث بعد الموت .. أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما جرى لهم مع أممهم، وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ ؛ لأنه لم يكن الإعراض عن قبول الحق من قومه فقط، بل قد أعرض عنه سائر الأمم الخالية، والقرون الماضية، وفيه تنبيه على أن عاقبة أولئك الذين كذبوا الرسل كانت إلى الخسار والهلاك في الدنيا، وفي الآخرة إلى العذاب العظيم، فمن كذب بمحمد ﷺ من قومه .. كانت عاقبته مثل أولئك الذين خلوا من قبله من

стр. 4170

الأمم، وفي ذكر هذه القصص دليل على صحة نبوة محمد ﷺ ؛ لأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يلق أحدا من علماء زمانه، فلما أتى بمثل هذه القصص والأخبار عن القرون الماضية والأمم الخالية مما لم ينكره عليه أحد .. علم بذلك أنه إنما أتى به من عند الله ، وأنه أوحي إليه ذلك، فكان ذلك دليلا واضحا، وبرهانا قاطعا على صحة نبوته ﷺ . انتهى. التفسير وأوجه القراءة ٥٩ - واللام في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا﴾ وبعثنا ﴿نُوحًا إِلى﴾ مشركي ﴿قَوْمِهِ﴾ واقعة في جواب قسم محذوف تقديره: وعزتي وجلالي لقد أرسلنا نوح بن لمك - بفتح الميم وسكونها - بن متوشلخ ابن أخنوخ، وهو اسم إدريس ﵉، واسم نوح عبد الغفار، ولقب بنوح؛ لكثرة نياحته؛ وإما لدعوته على قومه بالهلاك، أو لمراجعته ربه في شأن ولده كنعان، أو لأنه مر بكلب مجذوم، فقال له: اخسأ يا قبيح، فأوحى الله إليه أعبتني أم عبت الكلب؟ فكثر نوحه على نفسه لذلك. وتركت (١) الواو هنا وذكرت في سورة هود والمؤمنون؛ لعدم تقدم ما يعطف عليه هنا بخلاف ما يأتي، وإنما أتى بالقسم هنا للرد على المنكرين، وهو مما يجب التأكيد فيه، وقدم قصة نوح؛ لأن قومه أول من كفر، ولأنه أول رسول أرسله الله إلى قومه المشركين كما هو رأي كثير من المحققين كما ثبت في حديث الشفاعة وغيره. والحاصل: أن الله أقسم للمخاطبين بهذه الآية من أهل مكة ومن جاورهم من العرب بأنه سبحانه أرسل نوحا ﵇ إلى قومه منذرا لهم بأسه، ومخوفهم سخطه على عبادتهم غيره، وقد كانوا ينكرون الرسالة والوحي إذ ليس عندهم من علوم الرسل والأمم شيء إلا ما يتلقونه من اليهود والنصارى في بلاد العرب والشام ﴿فَقالَ﴾ نوح ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وحدوه بالعبادة. وقوله: ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ في حكم العلة لقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: اعبدوا

стр. 4171

الله؛ لأنه ليس لكم إله غيره تتوجهون إليه في عبادتكم بدعاء تطلبون به ما تقدرون عليه، فربكم هو الخالق لكل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، وهو الإله الحق الذي يجب أن تتوجه إليه القلوب بالدعاء وغيره. ثم ذكر السبب في الأمر بعبادته وحده، وترك أدنى شوائب الشرك مثبتا للبعث والجزاء، فقال: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: إني أخاف عليكم عذاب يوم شديد هوله، وهو يوم البعث والجزاء إذا لم تمتثلوا ما أمرتكم به من عبادة الله وحده، وترك ما سواه، قال أبو السعود: هذه الجملة تعليل للعبادة ببيان الصارف عن تركها إثر تعليلها ببيان الداعي إليها، انتهى. قال أبو حيان: وفي هذه الجملة إظهار الشفقة والحنو عليهم. وقرأ (١) ابن وثاب والأعمش وأبو جعفر والكسائي: ﴿غيره﴾ - بالجر - على أنه بدل من لفظ إله، أو نعت له. وقرأ باقي السبعة بالرفع على أنه صفة لإله، أو بدل منه باعتبار محله الذي هو الرفع على الابتداء؛ لأن ﴿مِنْ﴾ زائدة، و ﴿لَكُمْ﴾ خبره. وقرأ عيسى بن عمر: ﴿غيره﴾ بالنصب على الاستثناء، والجر والرفع أفصح. ٦٠ - ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾؛ أي: الأشراف والرؤساء والكبراء ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ الذين جعلوا أنفسهم أضداد الأنبياء ﴿إِنَّا لَنَراكَ﴾ يا نوح ﴿فِي ضَلالٍ﴾ وخطأ عن الحق ﴿مُبِينٍ﴾؛ أي: بين واضح ظاهر بتركك ملة آبائك حيث نهيتنا عن عبادة آلهتنا ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهم شفعاؤنا عند الله، ووسيلتنا إليه فببركتهم يتقبل منا صالح أعمالنا، ويعطينا سؤلنا لما كانوا من الصلاح والتقوى، ونحن لا نستطيع أن نوجه دعواتنا دون وساطتهم؛ لما نجترحه من السيئات التي تبعدنا عن حظيرة ذلك القدس الأعظم. وخلاصة مقالتهم: أنت في غمرة من الضلال أحاطت بك، فجعلتك لا تجد إلى الصواب سبيلا، ولم يقل (٢) هنا: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ كما قال في قوم هود فيما سيأتي؛ لأن الملأ من قوم هود كان فيهم من آمن ومن كفر، بخلاف

стр. 4172

الملأ من قوم نوح، فكلهم أجمعوا على هذا الجواب، فلم يكن أحد منهم مؤمنا، فإن قيل: سيأتي في سورة هود تقييد قوم نوح بالذين كفروا، فالجواب: أن ما سيأتي في دعائهم إلى الإيمان في أثناء زمن رسالته، فكان فيهم من آمن ومن كفر، وأما ما هنا فهو في أول دعائه لهم. ٦١ - ﴿قالَ﴾ نوح ﵇ مجيبا لهم: ﴿يا قَوْمِ﴾ ـي، ناداهم بإضافتهم إليه استمالة لقلوبهم نحو الحق ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾؛ أي: ليس بي نوع من أنواع الضلالة البتة ﴿وَلكِنِّي رَسُولٌ إليكم مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. والمعنى (١): قال نوح ﵇ في الجواب لهم: يا قوم لم آمركم بما أمرتكم به من توحيد الله، وإخلاص الطاعة له دون الآلهة والأنداد خروجا مني عن محجة الحق، وضلالا عن سبيل الرشاد، ولكني رسول من رب العالمين إليكم أهديكم باتباعي إلى ما يوصلكم إلى السعادة في دنياكم وآخرتكم، وأنقذكم من الهلاك الأبدي بالشرك بالله والمعاصي المدنسة للأنفس، والمفسدة للأرواح، ومن رحمة ربكم بكم أن لا يدعكم في عمايتكم وشرككم الذي ابتدعتموه بجهلكم حتى يبين لكم الحق من الباطل على يد رسول من لدنه يسلك بكم السبيل السويّ الموصل إلى النجاة. وإنما (٢) قال: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ ولم يقل: ليس بي ضلال؛ لأن نفيها أعم من نفي الضلال؛ لأن ضلالة دالة على واحدة غير معينة، ونفي فرد غير معين نفي عام بخلاف ضلال؛ فإنه مصدر يعم الواحد والتثنية والجمع، ونفيه لا يقتضي على سبيل القطع النفي العام، فكان قوله: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ أبلغ في نفي الضلال عن نفسه من قوله: ليس بي ضلال. ولكن جاءت هنا أحسن مجيء لأنها بين نقيضين؛ لأن الإنسان لا يخلو من أحد شيئين: ضلال وهدى، والرسالة لا تجامع الضلال. وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تنبيه على أنه ربهم؛ لأنهم من جملة العالم؛ أي: من ربكم المالك

стр. 4173

لأموركم الناظر لكم بالمصلحة حيث وجه إليكم رسولا يدعوكم إلى إفراده بالعبادة. وجملة قوله: ٦٢ - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾ في محل رفع على أنها صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾، أو هي مستأنفة مبينة لحال الرسول؛ أي: أرسلني إليكم لأبلغكم ما طلب إلي تبليغه إليكم من التوحيد والإيمان بالله واليوم الآخر، والوحي والرسالة، والملائكة، والجنة والنار، والآداب والمواعظ والأحكام العامة من عبادات ومعاملات إلى نحو ذلك. والرسالات: كل ما أرسله الله به إليهم مما أوحاه إليه، وجمعها (١) باعتبار ما أوحى إليه في الأزمان المتطاولة، أو باعتبار المعاني المختلفة من الأمر والنهي، والزجر والوعظ، والتبشير والإنذار، أو باعتبار ما أوحي إليه، وإلى من قبله. قيل: في صحف إدريس وهي ثلاثون صحيفة، وفي صحف شيث وهي خمسون صحيفة. وقرأ أبو عمرو: ﴿أبلغكم﴾ هنا في الموضعين، وفي الأحقاف بالتخفيف من أبلغ من باب أفعل، وباقي السبعة بالتشديد، والهمزة والتضعيف للتعدية فيه. ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾؛ أي: أخلص لكم النصيحة بتحذيركم عقاب الله تعالى على كفركم به، وتكذيبكم لي، وردكم نصحي. روى مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال: «الدين النصيحة». قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». فتبليع (٢) الرسالة هو يعرفهم أنواع تكاليف الله، وأقسام أوامره ونواهيه، والنصيحة هي: أن يرغبهم في الطاعات، ويحذرهم عن المعاصي بأبلغ الوجوه. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنكم إن عصيتم أمره عاقبكم في الدنيا بالطوفان، وفي الآخرة بعقاب شديد خارج عما تتصوره عقولكم؛ أي: وأعلم من جهته بالوحي ما لا تعلمون من الأمور الآتية، أو أعلم من شؤونه وبطشه الشديد ما لا تعلمون. وحاصل المعنى: أي وأنا (٣) في هذا التبليغ وذلك النصح على علم من الله أوحاه إلي لا تعلمون منه شيئا، كما أني أعلم من الله وشؤونه ما لا تعلمون في

стр. 4174

نظام هذا العالم وما ينتهي إليه، وكما أعلم ما بعده من أمر الآخرة والحساب والجزاء، فإذا نصحت لكم، وأنذرتكم عاقبة شكركم من إنزال العذاب بكم في الدنيا إذا جحدتم وعاندتم .. فإنما أنصح لكم عن علم يقيني لا تعلمونه. قال ابن (١) عطية: وما أحسن سياق هذه الأفعال، قال أولا: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾، وهذا مبدأ أمره معهم؛ وهو التبليغ كما قال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾، ثم قال: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾؛ أي: أخلص لكم في تبيين الرشد والسلامة في العاقبة إذا عبدتم الله وحده، ثم قال وأعلم من الله ما لا تعلمون من بطشه بكم، وهو مآل أمركم إذا لم تفردوه بالعبادة، فنبه على مبدأ أمره ومنتهاه معهم. انتهى. ٦٣ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف، والواو عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف؛ أي: أكذبتم وعجبتم من ﴿أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ﴾؛ أي: موعظة ووحي كائن ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: من مالك أموركم ﴿عَلى﴾ لسان ﴿رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: من جنسكم تعرفونه، ولم يكن ذلك على لسان من لا تعرفونه، أو لا تعرفون لغته، فإنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح ﵇، ويقولون: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة. وقوله: ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ علة للمجيء؛ أي: جاءكم ليحذركم، ويخوفكم عاقبة الكفر والمعاصي. وقوله: ﴿وَلِتَتَّقُوا﴾ عبادة غير الله علة ثانية مرتبة على التي قبلها. وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: ولكي ترحموا بالتقوى، فلا تعذبوا علة ثالثة مرتبة على التي قبلها، وهذا الترتيب في غاية الحسن، فإن المقصود من البعثة الإنذار، والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي، والمقصود من التقوى الفوز بالرحمة في دار الآخرة. وفائدة حرف الترجي هنا (٢): التنبيه على عزة المطلب، وأن التقوى غير موجبة للرحمة، بل هي منوطة بفضل الله تعالى، وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه، ولا يأمن عذاب الله تعالى. والمعنى: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة من ربكم على لسان رجل منكم، ليحذركم عاقبة كفرهم، ويعلمكم

стр. 4175

بما أعد لكم من العذاب على ذلك، ولتتقوا بهذا الإنذار ما يسخط ربكم عليكم بالشرك في عبادته، والإفساد في أرضه، وليعدكم بالتقوى لرحمته التي ترجى لكل من أجاب الدعوة واتقى. وفي قوله (١): ﴿عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ بيان لشبهتهم على الرسالة، وهي أن الرسول بشر مثلهم، فكأنهم كانوا يرون أن الاشتراك في البشرية والصفات العامة يقتضي التساوي في جميع الخصائص والمزايا، ويمنع الانفراد بشيء منها، والمشاهدة أكبر برهان على بطلان هذه القضية، فالتفاوت في الغرائز والصفات الفاضلة، والاختلاف في القوى العقلية والمعارف والأعمال الكسبية جد عظيم في البشر، وليس في الأنواع الأخرى ما يشبه الإنسان في ذلك إلى أنه لو فرض التساوي بينهم، فهل هذا يمنع أن يختص لله بعض عباده بما هو فوق المعهود في الغرائز والمكتسب بالتعلم؟ كلا، إنه تعالى قدير على ذلك، وقد قضت به مشيئته، ونفذت به قدرته. ٦٤ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ أي: فبعد ذلك كذبه جمهورهم، واستمروا على ذلك، وخالفوا أمر ربهم، ولجوا في طغيانهم يعمهون؛ أي: كذبوا نوحا في ادعاء النبوة، وتبليغ الأحكام من الله، وأصروا على ذلك التكذيب تلك المدة المتطاولة بعد ما كرر عليهم الدعوة مرارا، فلم يزدهم إلا فرارا حسبما نطق به قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (٥) ...﴾ الآيات. ﴿فـ﴾ أغرقناهم كما سيأتي آنفا، و ﴿أنجيناه﴾؛ أي: أنجينا نوحا من الغرق. ﴿وَ﴾ أنجينا ﴿الَّذِينَ﴾ آمنوا وصحبوا ﴿مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ من الغرق قيل: كانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل: كانوا تسعة، أبناؤه الثلاثة، وستة من غيرهم، وقيل: كانوا ثلاثة عشر، نوح وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث وأزواجهم، وستة ممن كانوا آمنوا به، وقد جاءت القصة مفصلة في سورة هود، وسيأتي فيها: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.

стр. 4176

وروي (١): أن نوحا ﵇ صنع السفينة بنفسه في عامين، وكان طولها ثلاث مئة ذراع، وعرضها خمسين، وسمكها ثلاثين، وجعل لها ثلاث طبقات، فحمل في أسفلها الدواب والوحوش، وفي وسطها الإنس، وفي أعلاها الطير، وركبها في عاشر رجب، ونزل منها في عاشر المحرم. ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾؛ أي: برسولنا نوح، بالطوفان ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ عن الحق غير مستبصرين به لما قام بهم من عمى البصيرة والقلب. أي (٢): وأغرقنا من كذب بآياتنا بالطوفان بسبب تكذيبهم وما كان ذلك التكذيب إلا لعمى بصائرهم الذي حال بينهم وبين الاعتبار بالآيات، وفهمهم للدلائل الدالة على وحدانية الله تعالى، وقدرته على إرسال الرسل، وحكمته في ذلك، والثواب والعقاب في يوم الجزاء يوم يحشر الناس لرب العالمين، ويوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكنهم من شدة العذاب حيارى. قال أبو حيان: وفي قوله: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ إعلام بعلة الغرق؛ وهو التكذيب، وبآياتنا يقتضي أن نوحا ﵇ كانت له آيات ومعجزات تدل على إرساله. ذكر قصة هود ﵇ ٦٥ - ﴿وَ﴾ لقد أرسلنا ﴿إِلى عادٍ﴾ الأولى؛ وهي قبيلة سميت باسم جدهم الأكبر، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇ (٣) ﴿أَخاهُمْ﴾ في النسب لا في الدين، وقوله: ﴿هُودًا﴾ عطف بيان من ﴿أَخاهُمْ﴾، وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وكانت منازل عاد بالأحقاف باليمن، والأحقاف: الرمل الذي عند عمان وحضر موت.

стр. 4177

وكان بين هود ونوح ثمان مئة سنة (١)، وعاش هود أربع مئة سنة وأربعا وستين سنة. وإنما (٢) صرح هنا وفيما سيأتي في صالح وشعيب بتعيين المرسل إليهم دون ما سبق في نوح وما سيأتي في لوط؛ لأن المرسل إليهم إذا كان لهم اسم قد اشتهروا به ذكروا به، وإلا فلا، وقد امتازت عاد وثمود ومدين بأسماء مشهورة. وإنما جعل رسول كل قوم منهم (٣)؛ لأنهم أفهم لقوله، وأعرف بحاله، وأرغب في اتباعه؛ لمعرفتهم شمائله وأخلاقه ﴿قالَ﴾ هود لهم ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: أفردوا الله بالعبادة، ولا تجعلوا معه إلها غيره؛ لأنه ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾؛ أي: ليس لكم إله غيره تعالى يستحق العبادة منكم، لأنه هو الخالق لكم المدبر لأموركم. والحكمة في قوله هنا (٤): ﴿قالَ﴾: بدون الفاء، وفي قصة نوح: ﴿فَقالَ﴾ بالفاء أن نوحا كان مواظبا على دعوة قومه غير متوان فيها على ما حكي عنه في سورة نوح من قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (٥)﴾ فناسبه التعقيب بالفاء، وأما هود فلم يكن كذلك، بل كان دون نوح في المبالغة في الدعاء، والهمزة في قوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتركتم التفكر في مصنوعات الله وما فعله بقوم نوح ﵇، فلا تتقون، ولا تخافون عقابه بعبادتكم غيره، واقترافكم الشرك والمعاصي، وهذا استبعاد وإنكار لعدم اتقائهم العذاب بعد ما علموا ما حل بقوم نوح. وإنما قال هنا (٥): ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ وفي سورة هود: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لعله خاطبهم بكل منهما، وقد اكتفى بحكاية كل منهما في موطن عن حكايته في موطن آخر، كما لم يذكر هنا ما ذكر هناك من قوله:

стр. 4178

﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ وقس على ذلك حال بقية ما ذكر وما لم يذكر من القصص. ذكره أبو السعود. ولما كانت هذه القصة معطوفة على قصة نوح، وقد علموا ما حل بهم من الغرق .. حسن قوله هنا: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ يعني: أفلا تخافون ما نزل بهم من العذاب، ولما لم يكن قبل واقعة قوم نوح شيء .. حسن تخويفهم من العذاب، فقال هناك: ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ٦٦ - ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾ والرؤساء ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ أي: من قوم هود، وجحدوا توحيد الله، وأنكروا رسالة هود إليهم، وإنما وصف (١) الملأ هنا بالكفر دون ملأ قوم نوح؛ لأن الملأ من قوم هود كان فيهم من آمن ومن كفر، فممن آمن منهم مرثد بن أسعد أسلم وكان ممن يكتم إيمانه، بخلاف الملأ من قوم نوح، فكلهم أجمعوا على ذلك الجواب، فلم يكن أحد منهم مؤمنا في أول دعائه إياهم إلى الإيمان ﴿إِنَّا لَنَراكَ﴾ يا هود ﴿فِي سَفاهَةٍ﴾ وحماقة وجهالة وقلة عقل؛ أي: إنا لنتيقن كونك يا هود متمكنا ومتعمقا في سفاهة وخفة عقل عن الحق، والصواب حيث فارقت ديننا، وتركت عبادة آلهتنا الذي اتخذت لهم الأمة الصور والتماثيل تخليدا لذكراهم، والتقرب بشفاعتهم إلى ربنا وربهم، وإنما (٢) أخبر الله عن قوم نوح ﵇ أنهم قالوا له: في ضلال مبين، وعن قوم هود أنهم قالوا له: في سفاهة، لأن نوحا لما خوف قومه بالطوفان، وشرع في عمل السفينة، فعند ذلك قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ حتى تتعب نفسك في إصلاح سفينة في أرض ليس فيها من الماء شيء، وأما هود ﵇، فإنه لما نهاهم عن عبادة الأصنام التي سموها صمدا وصمودا، ونسب من عبدها إلى السفه، وهو قلة العقل .. قابلوه بمثل ما نسبهم إليه، فقالوا له: ﴿إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ﴾. اه «خازن». ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ﴾ يا هود ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ في ادعائك أنك رسول من عند الله تعالى، وفي قولهم هذا إيماء إلى تكذيبهم كل رسول؛ إذ هم قد عبروا عن

стр. 4179

أصحاب هذه الدعوى بالكاذبين، وجعلوه واحدا منهم. ٦٧ - ﴿قالَ﴾ هود لهؤلاء الملأ الذين نسبوه إلى السفه: ﴿يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾؛ أي: ليس بي شيء مما تنسبونني إليه من السفه؛ أي: ليس الأمر كما تدعون من أن بي سفاهة ﴿وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أرسلني إليكم لأبلغكم رسالات ربي وأؤديها إليكم، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فلا يختار لها إلا من عرفوا برجحان العقل، وحصافة الرأي، وكمال الصدق، وإنما جمع الرسالة نظرا لاختلاف أوقاتها، ولتنوع معانيها، أو لأن المراد بها المرسل به؛ وهو يتعدد. ذكره أبو السعود. ٦٨ - ثم بين وظيفة الرسول وحاله ﵇ فيما بلغ، فقال: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾؛ أي: أؤدي إليكم ما أرسلني به ربي إليكم من أوامره ونواهيه، وشرائعه وتكاليفه ﴿وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ﴾ فيما آمركم به من عبادة الله ، وترك عبادة ما سواه أَمِينٌ؛ أي: موثوق فيما أبلغه عن ربي، فلا أكذب عليه في وحيه إلي، والأمين الثقة على ما ائتمن عليه. وهذا رد لقولهم (١): ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فكأن هودا قال لهم: كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم، ما وجدتم مني غدرا ولا مكرا ولا كذبا، واعترفتم لي بكوني أمينا، فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب؟ وفي هذا دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها، وإنما أتى هود (٢) بالجملة الاسمية في قوله: ﴿وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ﴾؛ ونوح بالفعلية حيث قال: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾؛ لأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة، وكان نوح ﵇ يكرر في دعائهم ليلا ونهارا من غير تراخ، فناسب التعبير بالفعل، وأما هود فلم يكن كذلك، بل كان يدعوهم وقتا دون وقت، فلذا عبر بالاسمية. وفي إجابة (٣) هؤلاء الأنبياء لأقوامهم بتلك الإجابة الصادرة عن الحكمة والإغضاء عما قالوا من وصفهم إياهم بالسفاهة والضلالة أدب حسن، وخلق

стр. 4180

عظيم، وتعليم لعباده كيف يقابلون السفهاء، وكيف يغضون عن قالة السوء التي تصدر عنهم. ٦٩ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف، والواو: عاطفة على ذلك المحذوف، كما مر نظيره آنفا تقديره: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر وموعظة وبيان من ربكم وخالقكم ﴿عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: على لسان رجل من جنسكم ونسبكم ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ويخوفكم من عقاب ربكم على ما أنتم عليه مقيمون من الضلالة ﴿وَاذْكُرُوا﴾ فضل الله عليكم ونعمته لكم ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ﴾ في الأرض ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ إغراق ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وجعلكم ورثتهم ﴿وَزادَكُمْ﴾ على غيركم ﴿فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾؛ أي: زادكم سعة في الأبدان والقوى على ما أعطاه لغيركم، وقد كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان قيل: كان طول الطويل منهم خمسمئة ذراع، وطول القصير ثلاثمئة ذراع بذراع نفسه، وكان رأس الواحد منهم قدر القبة العظيمة، وكانت عينه بعد موته تفرخ فيها الضباع ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ هذا تعميم بعد تخصيص كما في «البيضاوي»؛ أي: فاذكروا نعم الله وفضله عليكم، واشكروه على ذلك بإخلاص العبادة له، وترك الإشراك به، وهجر الأوثان والأصنام ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لكي تنجوا من العذاب، وتفوزوا بما أعده الله للشاكرين لنعمه الراجين للمزيد منها، وتدركون الخلود والبقاء، والنعيم الأبدي في دار القرار. ٧٠ - ثم ذكر ما ردوا به عليه، فقال: ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال قوم هود مجيبين له عن تلك النصائح العظيمة: ﴿أَجِئْتَنا﴾ يا هود ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾؛ أي: لأجل أن نخص الله بالعبادة وحده ﴿وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾؛ أي: ونترك ما كان يعبد أباؤنا معه من الأولياء والشفعاء، وهم الوسيلة عنده، وهم الذين يقربوننا إليه زلفى، وهل يقبل الله عبادتنا مع ذنوبنا إلا بهم ولأجلهم؟ وبعد أن استنكروا التوحيد، واحتجوا عليه بما لا يصلح عقلا ولا شرعا أن يكون حجة من تقليد الآباء والأجداد .. اقترحوا الوعيد، فقالوا: ﴿فَأْتِنا﴾؛ أي:

стр. 4181

فجئنا يا هود ﴿بِما تَعِدُنا﴾؛ أي: بما تهددنا به من العذاب على ترك الإيمان بك، وترك العمل بما جئت به من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في إخبارك بنزول العذاب، وغرضهم بهذا القول أنه إذا لم يأتهم هود بذلك العذاب ظهر لهم كونه كاذبا، وهذا استعجال منهم للعذاب الذي كان هود يعدهم به لشدة تمردهم على الله، ونكوصهم عن طريق الحق، وبعدهم عن ابتاع الصواب. ٧١ - فأجابهم هود على مقالتهم بقوله: ﴿قالَ﴾ هود لقومه: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾؛ أي: عذاب ﴿وَغَضَبٌ﴾؛ أي: سخط منه؛ أي: قد قضى عليكم ربكم ومالك أمركم بعذاب وطرد من رحمته، وقد كان عذابهم ريحا صرصرا ذات صوت شديد عاتية تنزع الناس من الأرض، ثم ترميهم صرعى كأنهم أعجاز نخل منقعر، أي: قد قلع من منابته وزال من أماكنه، وفي هذه الجملة جعل ما هو متوقع كالواقع تنبيها على تحقق وقوعه. ثم استنكر عليهم ما وقع منهم من المجادلة، فقال: ﴿أَتُجادِلُونَنِي﴾ والهمزة فيه للإنكار والاستقباح لإنكارهم مجيئه داعيا لهم إلى عبادة الله، وترك عبادة الأصنام؛ أي: أتخاصمونني ﴿فِي أَسْماءٍ﴾ عارية عن المسمى؛ إذ ليس فيها من معنى الألوهية شيء ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾؛ أي: سميتم بها ﴿أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ أصناما، وكانت ثلاثة سموا أحدها صمودا، والأخرى صمدا، والثالثة هبا، فإنهم سموا الأصنام بالآلهة مع أن معنى الألوهية فيها معدوم؛ أي: وضعتموها أنتم وأباؤكم الذي قلدتموهم على غير علم ولا هدى منكم، ولا منهم لمسميات اتخذوها، فاتخذتموها آلهة زاعمين أنها تقربكم إلى الله زلفى، وتشفع عنده لكم ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها﴾؛ أي: ما أنزل بعبادتها ﴿مِنْ سُلْطانٍ﴾؛ أي: من حجة ولا برهان يصدق زعمكم بأنه رضي أن تكون واسطة بينه وبينكم؛ لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل، وأن الأصنام لو استحقت العبادة .. كان استحقاقها بجعله تعالى؛ إما بإنزال آية، أو نصب دليل، فقوله تعالى: ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ عبارة عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة. والخلاصة: (١) أنه هو الذي يتوجه إليه وحده، ولا يشرك معه أحد من خلقه

стр. 4182

كما قال إبراهيم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وكل ما يتعلق بعبادة الله لا يعلم إلا بوحي منه ينزله على رسله إذ لا يعلم إلا من عباده المبلغين عنه. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام، وهو نزول العذاب الذي طلبتموه بقولكم: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لنزوله بكم، وفصل قضائه فينا وفيكم، وإنني لموقن بذلك وأنتم مرتابون. ٧٢ - ﴿فـ﴾ لما جاء أمرنا، ووقع ما وقع ﴿أنجيناه والذين معه﴾؛ أي: أنجينا هودا والذين آمنوا معه ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ عظيمة كائنة ﴿مِنَّا﴾ لهم ﴿وَقَطَعْنا﴾؛ أي: استأصلنا ﴿دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾؛ أي: آخرهم مع أولهم ﴿وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ما أبقينا أحدا من الذين لا يؤمنون، فلو علم الله أنهم سيؤمنون لأبقاهم. والمعنى: فلما جاء أمرنا، ووقع ما وقع أنجينا هودا والذين آمنوا به وبما دعا إليه من توحيد الله، وهجر الأوثان، وكانوا شرذمة قليلة يكتمون إيمانهم برحمة عظيمة من جهتنا بأن جعلوا في حظيرة ما يصل إليهم من الريح إلا ما يلين عليهم جلودهم وتلتذ به أنفسهم. وبعد ذلك (١) أتوا مكة مع هود، فعبدوا الله فيها حتى ماتوا، واستأصلنا دابر الدين جحدوا بآياتنا، ولم نبق منهم أحدا بريح صرصر ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ﴾ وكانت باردة ذات صوت شديد، ولا مطر فيها، وكان وقت مجيئها في عجز الشتاء، وابتدأتهم صبيحة الأربعاء لثمان بقين من شوال، وسخرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، فأهلكت رجالهم ونساءهم وأولادهم وأموالهم بأن رفعت ذلك في الجو فمزقته. وفي «الخازن»: قال السدي: بعث الله الريح العقيم، فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوها تبادروا إلى البيوت فدخلوها، وأغلقوا الأبواب، فجاءت الريح، فقلعت أبوابهم، ودخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فلما أهلكتهم أرسل الله عليهم

стр. 4183

طيرا أسود، فنقلتهم إلى البحر، فألقتهم فيه. وقيل: إن الله تعالى أمر الريح، فأهالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام يسمع لهم أنين تحت الرمل، ثم أمر الريح، فكشفت عنهم الرمل، ثم احتملتهم، فرمت بهم في البحر. اه. ٧٣ - ﴿وَ﴾ لقد أرسلنا ﴿إِلى ثَمُودَ﴾ اسم قبيلة من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر، وهو ثمود بن عامر بن سام بن نوح، وتسمى عادا الثانية ﴿أَخاهُمْ﴾ في النسب ﴿صالِحًا﴾؛ لأنه صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن المذكور، فهو من فروعه، فليس من أنبياء بني إسرائيل، وكان بين صالح وهود مئة سنة، وعاش صالح مئتين وثمانين سنة. وكانت (١) مساكن ثمود الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، والمعنى: وأرسلنا إلى بني ثمود أخاهم صالحا؛ لأن ثمود قبيلة. قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء القليل. ﴿قالَ﴾ صالح لثمود: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: أفردوا الله بالعبادة وحده ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾؛ أي: فليس لكم إله غيره تعالى يستحق منكم العبادة ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ ظاهرة ومعجزة واضحة كائنة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ تدل على صدقي فيما أقول لكم، وأدعوكم إليه من توحيد الله ، وإفراده بالعبادة دون ما سواه، وهي إخراج الناقة من الحجر الصلد. وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إيماء إلى أنها ليست من فعله ولا مما ينالها كسبه، وهكذا سائر ما يؤيد الله به الرسل من خوارق العادات، وهذه المقالة كانت لهم بعد نصحهم وتذكيرهم بنعم الله، وتكذيبهم له كما جاء في سورة هود: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها ...﴾ إلى آخر الآيات، وجملة قوله: ﴿هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ﴾ حالة كونها ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ على صدقي مشتملة على بيان البينة المذكورة أولا، وانتصاب ﴿آيَةً﴾ على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة، وفي

стр. 4184

إضافة ﴿ناقَةُ﴾ إلى ﴿اللَّهَ﴾ تعالى تشريف لها وتكريم كما يقال: بيت الله وروح الله. ووجه كونها معجزة له خارقة للعادة أنها خرجت من صخرة في الجبل، وكونها لا من ذكر ولا من أنثى، وكان خلقها من غير حمل ولا تدريج؛ لأنه خلقت في ساعة، وخرجت من الصخرة، وقيل: لأنها كان لها شرب يوم ولجميع قبيلة ثمود شرب يوم، وهذه من المعجزة أيضا؛ لأن ناقة تشرب ما تشربه قبيلة معجزة، وكانوا يحلبونها في يوم شربها قدر ما يكفيهم جميعهم، ويقوم لهم مقام الماء، وهذا أيضا معجزة. وقيل: إن سائر الوحوش والحيوانات كانت تمتنع من شرب الماء في يوم نوبتها، وتشرب في يوم نوبة ثمود، وهذا أيضا معجزة، وإنما أضافها إلى الله؛ لأن الله تعالى خلقها من غير واسطة ذكر وأنثى. وقيل: لأنها لم يملكها أحد إلا الله تعالى. وقيل: لأنها كانت حجة الله على قوم صالح، وإنما استشهد صالح على صحة نبوته بالناقة؛ لأنهم سألوه إياها آية دالة على صدق دعوته، وصحة نبوته. ثم ذكر ما يترتب على كونها آية من أنه لا ينبغي التعرض لها، فقال: ﴿فَذَرُوها﴾؛ أي: فاتركوها حالة كونها ﴿تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾؛ أي: في الحجر؛ أي: إن الأرض أرض الله، والناقة ناقة الله، فاتركوها تأكل ما تأكل في أرض ربها، وليس لكم أن تحولوا بينها وبين أرض ربها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم، وكانت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء ترد غبا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر، فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيها، ثم تفجج فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون. وقرأ أبو جعفر في رواية: ﴿تأكل﴾ - بالرفع - وهو في محل حال حينئذ. ﴿وَلا تَمَسُّوها﴾؛ أي: ولا تقربوها ﴿بِسُوءٍ﴾؛ أي: بضرر من عقر وضرب مثلا؛ أي: لا تضربوها ولا تعقروها ولا تطردوها ولا تقربوها بشيء من أنواع الأذى، ولا تتعرضوا لها بوجه من الوجوه التي تسوؤها وتضرها في نفسها، ولا في أكلها إكراما لآية الله تعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ بسبب أذاها؛ أي: فإنكم

стр. 4185

إن فعلتم ذلك أخذكم عذاب أليم؛ أي: إذا لم تتركوا مسها بشيء من السوء أخذكم عذاب أليم، أي: شديد الألم. وقد وصف العذاب في سورة هود بالقريب، وهو يقع بعد ثلاثة أيام من مسهم إياها بالسوء، وكذلك كان، وجاء في سورة القمر: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ وجاء تفسير هذا في سورة الشعراء: ﴿هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾؛ أي: إن الماء الذي كانوا يشربون منه قسمة بينهم وبين الناقة؛ إذ كان ماء قليلا، فكانوا يشربونه يوما وتشرب هي يوما، وقد روي عن ابن عباس: أنهم كانوا يستعيضون عن الماء يوم شربها بلبنها. ٧٤ - ثم ذكرهم بنعم الله عليهم، وبوجوب شكرها بعبادته تعالى وحده، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا﴾؛ أي: وتذكروا يا قومي نعم الله عليكم، وإحسانه إليكم ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ﴾؛ أي: جعلكم خلفاء في الأرض عن عاد في الحضارة والعمران والقوة والبأس ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أنزلكم وأسكنكم منازلهم في الأرض حالة كونكم ﴿تَتَّخِذُونَ﴾؛ أي: تعملون وتصنعون ﴿مِنْ سُهُولِها﴾؛ أي: من سهول الأرض - جمع سهل - والسهل من الأرض: اللين، وهو غير الجبل؛ أي: تصنعون وتأخذون من سهول الأرض وترابها ﴿قُصُورًا﴾؛ أي: مادة قصور كالطين واللبن والآجر، والمعنى: تتخذون من سهولها قصورا زاهية ودورا عالية بما ألهمكم الله من حذق في الصناعة، فجعلكم تضربون اللبن وتحرقونه آجرا - الطوب المحرق - وتستعملون الجص، وتجيدون هندسة البناء ودقة النجارة ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا﴾؛ أي: تنقبون من الجبال بيوتا؛ إذ علمكم صناعة النحت، وآتاكم القوة والجلد. روي أنهم كانوا يسكنون الجبال في الشتاء لما في البيوت المنحوتة من القوة، فلا تؤثر فيها الأمطار والعواصف، ويسكنون السهول في باقي الفصول للزراعة والعمل. وقال الشوكاني: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا﴾؛ أي: تتخذون في الجبال التي هي صخور بيوتا تسكنون فيها، وقد كانوا لقوتهم وصلابة أبدانهم ينحتون الجبال، فيتخذون فيها كهوفا يسكنون فيها؛ لأن الأبنية والسقوف لطول أعمارهم كانت تفنى قبل فناء أعمارهم. اه.

стр. 4186

والخلاصة: تبنون قصورا عالية، وبيوتا رفيعة للصيف بما تعملون من سهول الأرض من الطين واللبن والآجر والجبس، وتنقبون في الجبال بيوتا للشتاء، وذلك لطول أعمارهم، فإن السقوف والأبنية تتهدم قبل انقضاء أعمارهم، فكان عمر واحد منهم ثلاث مئة سنة إلى ألف سنة كقوم هود. قال (١) وهب: كان الرجل يبني البنيان، فتمر عليه مئة سنة، فيخرب، ثم يجدده، فتمر عليه مئة سنة، فيخرب، ثم يجدده، فتمر عليه مئة سنة، فيخرب، فأضجرهم ذلك، فاتخذوا الجبال بيوتا. وسميت القصور قصورا؛ لقصور الفقراء عن تحصيلها وحبسهم عن نيلها. ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾؛ أي: تذكروا نعم الله تعالى عليكم بالشكر عليها، فإنكم متنعمون مترفون ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قال قتادة (٢): معناه ولا تسيروا في الأرض مفسدين ومكثرين فيها الفساد، والعثو: أشد الفساد. وقيل: أراد به عقر الناقة، وقيل: هو على ظاهره، فيدخل فيه النهي عن جميع أنواع الفساد، والمعنى على هذا: ولا تعملوا في الأرض شيئا من أنواع الفساد، والمعنى: وتذكروا هذه النعم العظام، واشكروها له بتوحيده، وإفراده بالعبادة، ولا تتصرفوا فيها تصرف كفران وجحود بفعل ما لا يرضي الله الذي خلقها لكم بالكفر، والعثي في الأرض بالفساد. وقرأ الحسن (٣): ﴿وتنحَتون﴾ - بفتح الحاء - وزاد الزمخشري أنه قرأ: ﴿وتنحاتون﴾ - بإشباع الفتحة -. وقرأ ابن مصرف بالياء من أسفل وكسر الحاء. وقرأ أبو مالك بالياء من أسفل وفتح الحاء، ومن قرأ بالياء فهو التفات، وقرأ الأعمش: ﴿تِعثوا﴾ - بكسر التاء - لقولهم: أنت تعلم وهي لغة. قصة الناقة وروي: أن هذه الناقة هي آية مقترحة لقوم صالح لما حذرهم وأنذرهم سألوه آية، فقال: أية آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم من السنة، فتدعو إلهك، وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك، وإن استجيب

стр. 4187

لنا اتبعتنا. قال صالح: نعم. فخرج معهم، فدعوا أوثانهم وسألوها الإجابة، فلم تجبهم، ثم قال سيدهم - جندع بن عمرو بن جواس، وأشار إلى صخرة منفردة من ناحية الجبل يقال لها: الكاثبة - أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء عشراء، والمخترجة: ما شاكلت البخت من الإبل، فأخذ صالح ﵇ مواثيقهم لئن فعلت ذلك لتؤمنن ولتصدقن قالوا: نعم. فصلى ركعتين، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم تحركت، فانصدعت عن ناقة كما وصفوا، لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله عظما، وهم ينظرون، ثم نتجت سقبا مثلها في العظم، فآمن به جندع ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا، فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، والحباب صاحبا أوثانهم، وريان ابن كاهنهم، وكانوا من أشراف ثمود، وهذه الناقة وسقبها مشهور قصتهما عند جاهلية العرب. قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود، فذرعت صدر الناقة، فوجدته ستين ذراعا. الإعراب ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾. ﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم المحذوف. ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿أَرْسَلْنا نُوحًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف مستأنفة. ﴿إِلى قَوْمِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنا﴾. فَقالَ: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿قال﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿نوح﴾، والجملة معطوفة مفرعة على جملة ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿يا قَوْمِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قال﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء. ﴿ما﴾ نافية. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿يَشْكُرُونَ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿إِلهٍ﴾: صفة لـ ﴿إِلهٍ﴾ تابع لمحله، والتقدير: ما

стр. 4188

إله غير الله كائن لكم، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها مسوقة لتعليل العبادة، أو للأمر بها كما في «أبي السعود» إِنِّي: ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿الياء﴾: اسمها. ﴿أَخافُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿نوح﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَخافُ﴾. ﴿عَذابَ يَوْمٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿الله﴾، وجملة ﴿أَخافُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ معللة للعبادة ببيان الصارف عن تركها إثر تعليلها ببيان الداعي إليها. ذكره «أبو السعود». ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾. ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من ﴿الْمَلَأُ﴾. ﴿إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب. ﴿نا﴾: ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها. ﴿لَنَراكَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿نراك﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين. ﴿فِي ضَلالٍ﴾: جار ومجرور في محل النصب على كونه مفعولا ثانيا لـ ﴿رأى﴾؛ لأن ﴿رأى﴾ هنا من أفعال القلوب. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿ضَلالٍ﴾، وجملة ﴿رأى﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١)﴾. ﴿قالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿نوح﴾، والجملة مستأنفة. ﴿يا قَوْمِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿بِي﴾: جار ومجرور خبر لـ ﴿لَيْسَ﴾ مقدم على اسمها. ﴿ضَلالَةٌ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل النصب مقول على كونها جواب النداء. ﴿وَلكِنِّي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف استدراك، و ﴿النون﴾: للوقاية، و ﴿الياء﴾: اسمها. ﴿رَسُولٌ﴾: خبرها. ﴿مِنْ رَبِ

стр. 4189

الْعالَمِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾، وجملة ﴿لكن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها استدراكا على ما قبلها. ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾. ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾: فعل ومفعول أول. ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، وفاعله ضمير يعود على ﴿نوح﴾. ﴿وَأَنْصَحُ﴾ فعل مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر وجوبا تقديره آنا يعود على نوح ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾. ﴿وَأَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على نوح، والجملة معطوفة على جملة ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، أو حال من ﴿ما﴾ الموصولة المذكورة بعده، أو من عائده المحذوف؛ لأن علم هنا بمعنى عرف، فيتعدى إلى مفعول واحد. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول علم. ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما لا تعلمونه. ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ﴿أَوَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿عَجِبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: أكذبتم وعجبتم، والجملة المحذوفة مع ما عطف عليها في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿أَنْ﴾: مصدرية. ﴿جاءَكُمْ﴾: فعل ومفعول في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية. ﴿ذِكْرٌ﴾: فاعل لـ ﴿جاء﴾. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: صفة لـ ﴿ذِكْرٌ﴾، أو متعلق بـ ﴿جاء﴾، وجملة ﴿جاء﴾ في تأويل مصدر منصوب بـ ﴿عَجِبْتُمْ﴾ تقديره: أو عجبتم مجيء ذكر من ربكم. ﴿عَلى رَجُلٍ﴾: جار ومجرور إما متعلق بـ ﴿جاء﴾؛ لأنه بمعنى نزل، أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور قبله؛ أي: ذكر كائن من ربكم حال كونه نازلا على رجل منكم. ﴿منكم﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رَجُلٍ﴾. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿ينذركم﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي،

стр. 4190

وفاعله ضمير يعود على ﴿رَجُلٍ﴾، والجملة في تأويل مصدر مجرور بلام كي، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جاء﴾، والتقدير: أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لإنذاره إياكم. ﴿وَلِتَتَّقُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لِتَتَّقُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولاتقاءكم عذاب الله، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله على كونه متعلقا بـ ﴿جاء﴾. ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تُرْحَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة معطوفة على جملة ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾؛ لأنها علة ثالثة؛ أي: جاءكم لإنذاركم، ولاتقائكم عذاب الله، ولرجائكم رحمة الله تعالى. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قال لهم نوح وما قالوا له، وأردت بيان عاقبة أمره وأمرهم .. فأقول لك:﴾ كذبوه﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أنجيناه﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿كذبوه﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على الضمير في ﴿أنجيناه﴾. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة الموصول. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنجيناه﴾، أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الظرف قبله. ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أنجيناه﴾. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِآياتِنا﴾: متعلق بـ ﴿كذّبوا﴾. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿قَوْمًا﴾: خبرها. ﴿عَمِينَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمًا﴾ منصوب بالياء، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها أعني: أغرقنا. ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾.

стр. 4191

﴿وَإِلى عادٍ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِلى عادٍ﴾: جار ومجرور معطوف على قوله: ﴿إلى نوح﴾ على كونه متعلقا بـ ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿أَخاهُمْ﴾: مفعول ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿هُودًا﴾: بدل من ﴿أَخاهُمْ﴾، أو عطف بيان له. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿هود﴾، والجملة مستأنفة. ﴿يا قَوْمِ﴾ إلى قوله: ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾ محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ إِلهٍ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُهُ﴾ صفة لـ ﴿إِلهٍ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿أَفَلا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري الاستبعادي داخلة على محذوف. ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، والتقدير: أتعرضون فلا تتقون الله. ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦)﴾. ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْمَلَأُ﴾. ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: جار ومجرور حال من واو ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿إِنَّا لَنَراكَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿نا﴾: ضمير المتكلمين اسمها. ﴿لَنَراكَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿نراك﴾: فعل ومفعول أول. ﴿فِي سَفاهَةٍ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني؛ لأن ﴿رأى﴾ هنا قلبية، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، وجملة ﴿رأى﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿وَإِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَنَظُنُّكَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿نظنك﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين. ﴿مِنَ الْكاذِبِينَ﴾: في محل المفعول الثاني، وجملة ﴿نظنك﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة إن الأولى. ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧)﴾.

стр. 4192

﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على هود، والجملة مستأنفة. ﴿يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ناقص. ﴿بِي﴾: خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾. ﴿سَفاهَةٌ﴾: اسم ليس مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَلكِنِّي﴾: ناصب واسمها. ﴿رَسُولٌ﴾: خبر ﴿لكن﴾. ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾: صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾، وجملة ﴿لكن﴾ استدراكية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَيْسَ﴾. ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾. ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على هود. ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لتقرير رسالته وتفصيل أحكامه، وقيل: صفة أخرى لـ ﴿رَسُولٌ﴾، ولكنه راعى الضمير السابق الذي للمتكلم، فقال: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾، ولو راعى الاسم الظاهر بعده لقال: يبلغكم، والاستعمالان جائزان في كل اسم ظاهر سبقه ضمير حاضر من متكلم أو مخاطب، فيجوز لك وجهان: مراعاة الضمير السابق وهو الأكثر، ومراعاة الاسم الظاهر، فتقول: أنا رجل أفعل كذا مراعاة لأنا، وإن شئت قلت: أنا رجل يفعل كذا مراعاة لرجل، ومثله: أنت رجل تفعل ويفعل بالخطاب والغيبة اه «سمين». ﴿وَأَنَا﴾: مبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿ناصِحٌ﴾. ﴿ناصِحٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿أَمِينٌ﴾: صفة له، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾. ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾. ﴿أَوَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف. ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿عَجِبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: أكذبتم وعجبتم، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿أَنْ﴾: مصدرية. ﴿جاءَكُمْ﴾: فعل ومفعول في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية. ﴿ذِكْرٌ﴾: فاعل ﴿جاء﴾. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: صفة لـ ﴿ذِكْرٌ﴾، وجملة

стр. 4193

﴿جاء﴾ في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعول ﴿جاء﴾ تقديره: أو عجبتم مجيء ذكر من ربكم، أو مجرور بمن المحذوفة تقديره: أو عجبتم من مجيء ذكر من ربكم. ﴿عَلى رَجُلٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جاء﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: صفة ﴿رَجُلٍ﴾. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾: ﴿اللام﴾ لام كي، ﴿ينذركم﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَجُلٍ﴾، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإنذاره إياكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جاء﴾. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ﴿وَاذْكُرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿اذْكُرُوا﴾. ﴿جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ﴾: فعل ومفعولان، وفاعلة ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿خُلَفاءَ﴾. ﴿وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿جَعَلَكُمْ﴾ على كونها مضافا إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿فَاذْكُرُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿اذكروا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿اذكروا﴾ الأول للتأكيد. ﴿آلاءَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿تُفْلِحُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَجِئْتَنا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَجِئْتَنا﴾: ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام الإنكاري، ﴿جِئْتَنا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي، ﴿نعبد الله﴾: فعل ومفعول منصوب

стр. 4194

بأن مضمرة، وفاعله ضمير المتكلمين. ﴿وَحْدَهُ﴾: حال من الجلالة، والجملة في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل تقديره: أجئتنا لأجل عبادتنا الله وحده، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جاء﴾. ﴿وَنَذَرَ﴾: معطوف على ﴿نعبد﴾ منصوب بأن مضمرة. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿نَذَرَ﴾. ﴿كانَ﴾: زائدة لزيادتها بين الموصول وصلته، أو الموصوف وصفته، أو شأنية. ﴿يَعْبُدُ آباؤُنا﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كان يعبده آباؤنا. ﴿فَأْتِنا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت إنكارنا عليك، وأردت بيان غاية قولنا لك .. فنقول لك أتنا، ﴿أتنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿هود﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أتنا﴾. ﴿تَعِدُنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على هود، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما تعدناه. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية. ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف دل عليه ما قبله تقديره: إن كنت من الصادقين .. فأتنا بما تعدنا، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿هود﴾، والجملة مستأنفة. ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿وَقَعَ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَقَعَ﴾ أيضا، أو حال من ﴿رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿رِجْسٌ﴾: فاعل ﴿وَقَعَ﴾. ﴿وَغَضَبٌ﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿أَتُجادِلُونَنِي﴾: ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام

стр. 4195

الإنكاري الاستقباحي. ﴿تُجادِلُونَنِي﴾: فعل وفاعل ونون وقاية ومفعول به مرفوع بثبات النون، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فِي أَسْماءٍ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾: فعل وفاعل، ومفعول ثان، والمفعول الأول محذوف تقديره: أصناما؛ أي: سميتم الأصنام بها، والجملة في محل الجر صفة أولى لـ ﴿أَسْماءٍ﴾. ﴿أَنْتُمْ﴾: تأكيد لضمير الفاعل ليصح العطف عليه. ﴿وَآباؤُكُمْ﴾: معطوف على ضمير الفاعل. ﴿ما﴾: نافية. ﴿نَزَّلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِها﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿أَسْماءٍ﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿سُلْطانٍ﴾: مفعول به لـ ﴿نَزَّلَ﴾. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿انتظروا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿قَدْ وَقَعَ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿الياء﴾: اسمها. ﴿مَعَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الْمُنْتَظِرِينَ﴾. ﴿مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾. ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة كما في «أبي السعود»؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قالوا لهود وما قال هود لهم، وأردت بيان عاقبة الفريقين .. فأقول لك: أنجيناه، ﴿أنجيناه﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على هاء ﴿أنجيناه﴾. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة الموصول. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أنجينا﴾. ﴿مِنَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رحمة﴾. ﴿وَقَطَعْنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أنجينا﴾ على كونه مقولا لجواب إذا المقدرة. ﴿دابِرَ الَّذِينَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿وَما﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿كانُوا﴾

стр. 4196

معطوفة على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾ على كونها صلة الموصول، وهو عطف علة على معلول، أو عطف توكيدا. كما في «الفتوحات». ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾. ﴿وَإِلى ثَمُودَ﴾: جار ومجرور معطوف على قوله: ﴿إِلى عادٍ﴾ وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي؛ لأنه بمعنى القبيلة، فإن لم يرد به القبيلة، بل أريد به الحي .. صرف لكنه لم يقرأ بالصرف هنا إلا شذوذا، ذكره في «الفتوحات». ﴿أَخاهُمْ﴾: مفعول أرسلنا. ﴿صالِحًا﴾ بدل منه، أو عطف بيان له. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿صالح﴾، والجملة مستأنفة، أو حال من ﴿صالِحًا﴾. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾: إلى قوله: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم. ﴿مِنْ إِلهٍ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُهُ﴾: صفة لـ ﴿إِلهٍ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها معللة للعبادة. ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: صفة لـ ﴿بَيِّنَةٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها علة بعد علة. ﴿هذِهِ﴾: مبتدأ. ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها مستأنفة مسوقة لبيان البينة، ويصح أن تكون الجملة في محل الرفع بدلا من ﴿بَيِّنَةٌ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر ثان لاسم الاشارة، أو حال من ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾، أو معمول لمحذوف تقديره: أعني لكم. ﴿آيَةً﴾: حال من ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾، والعامل فيها: إما معنى التنبيه، وإما معنى الإشارة، كأنه قال: أنبهكم عليها، أو أشير إليها في هذه الحال. ﴿فَذَرُوها﴾ ﴿الفاء﴾: تفريعية لكون ما قبلها علة لما بعدها؛ أي: ذروها لكونها آية من آيات الله، ﴿ذروها﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل

стр. 4197

النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿تَأْكُلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الناقة، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَأْكُلْ﴾. ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَمَسُّوها﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿بِسُوءٍ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿ذروها﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قالَ﴾ ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿يأخذكم﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي. ﴿عَذابٌ﴾ فاعل. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة له، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره: لا يكن مسكم إياها بسوء فأخذ عذاب أليم إياكم. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. ﴿وَاذْكُرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى متعلق بـ ﴿اذْكُرُوا﴾. ﴿جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ عادٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جعل﴾، أو صفة لـ ﴿خُلَفاءَ﴾. ﴿وَبَوَّأَكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿جَعَلَكُمْ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿بَوَّأَكُمْ﴾. ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من كاف المخاطبين في ﴿بَوَّأَكُمْ﴾. ﴿مِنْ سُهُولِها﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، أو حال من ﴿قُصُورًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿قُصُورًا﴾: مفعول به لـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ على احتمال كون اتخذ متعديا لواحد، ويجوز أن يكون متعديا لاثنين ثانيهما: ﴿مِنْ سُهُولِها﴾. ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة معطوفة على جملة ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ وهذا على تضمين نحت معنى ما يتعدى إلى مفعولين؛ أي: وتتخذون الجبال بيوتا بالنحت، ويجوز أن ينصب ﴿الْجِبالَ﴾: بنزع الخافض، و ﴿بُيُوتًا﴾: مفعولا به، ويجوز أن يكون

стр. 4198

﴿الْجِبالَ﴾: مفعولا به، ﴿بُيُوتًا﴾: حالا مقدرة منه، ولكن بتأويلها بمشتق؛ أي: مسكونة. ﴿فَاذْكُرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم بيان ما هو الأصلح اللازم لكم .. فأقول لكم: ﴿اذكروا آلاء الله﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَعْثَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به. ﴿مُفْسِدِينَ﴾: حال من واو ﴿تَعْثَوْا﴾ مؤكدة لعاملها؛ لأن العثو بمعنى الفساد. التصريف ومفردات اللغة ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ﴾ في «المصباح»: قوم الرجل: أقرباؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد، وقد يقيم الرجل بين الأجانب، فيسميهم قومه مجازا للمجاورة. وفي «التنزيل»: ﴿قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ قيل: كان مقيما بينهم، ولم يكن منهم، وقيل: كانوا قومه. اه. ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ واليوم هنا: يوم القيامة. ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ وفي «المصباح» أيضا: الملأ - مهموزا -: أشراف القوم سموا بذلك لملأتهم بما يلتمس عندهم من المعروف وجودة الرأي، أو لأنهم يملؤون العيون أبهة والصدور هيبة، والجمع أملاء مثل سبب وأسباب اه. وفي «أبي السعود»: الملأ: الذين يملؤون صدور المحافل بأجسادهم، والقلوب بجلالتهم وهيبتهم، والعيون بجمالهم وأبهتهم اه. ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وفي «المصباح»: ضل الرجل الطريق وضل عنه يضل - من باب ضرب - ضلالا وضلالة إذا زل عنه، فلم يهتد إليه، فهو ضال هذه لغة نجد، وهي الفصحى، وبها جاء القرآن في قوله: ﴿إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ وفي لغة لأهل العالية من باب تعب، والأصل في الضلال الغيبة، ومنه قيل للحيوان الضائع: ضالة - بالهاء - للمذكر والمؤنث، والجمع الضوال مثل: دابة ودواب اه.

стр. 4199

﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ يقال (١): نصحته ونصحت له كما يقال شكرته وشكرت له، والنصح: إرادة الخير لغيره كما يريده لنفسه. وقيل: النصح: تحري قول أو فعل فيه صلاح للغير. وقيل: حقيقة النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكر. والمعنى: أنه قال: أبلغكم جميع تكاليف الله وشرائعه، وأرشدكم إلى الوجه الأصلح والأصوب لكم، وأدعوكم إلى ما دعاني إليه، وأحب لكم ما أحب لنفسي. قال بعضهم: والفرق بين إبلاغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة أن يعرفهم جميع أوامر الله ونواهيه، وجميع أنواع التكاليف التي أوجبها عليهم، وأما النصيحة فهي أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات، ويحذرهم عذابه إن عصوه. ﴿ذِكْرٌ﴾ والذكر: الموعظة. ﴿عَلى رَجُلٍ﴾؛ أي: على لسانه ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: من جنسكم ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ وفي «المختار»: الفلك السفينة واحد وجمع تذكر وتؤنث قال تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فأفرد وذكر، وقال: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فأنث، ويحتمل الإفراد والجمع، وقال: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع وكأنه يذهب (٢) بها إذا كانت واحدة إلى المركب فتذكر، وإلى السفينة فتؤنث. اه. ﴿عَمِينَ﴾ عن فهم الحق (٣) جمع عم صفة مشبهة لكن تصرف فيه بحذف لامه كقاض إذا جمع، فأصله عميين بيائين: الأولى مكسورة، والثانية ساكنة حذفت الأولى تخفيفا على حد قول ابن مالك: واحذف من المقصور في جمع على ... حدّ المثنّى ما به تكمّلا وفي «السمين» ويقال: عم إذا كان أعمى البصير غير عارف بأموره،

стр. 4200

وأعمى؛ أي: في البصرة وهذا قول الليث. كما قال زهير: وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنّني عن علم ما في غد عمي وقيل: عم وأعمى بمعنى كخضر وأخضر. وقال بعضهم: عم فيه دلالة على ثبوت الصفة واستقرارها كفرح وضيق، ولو أريد الحدوث .. لقيل عام كما يقال: فارح وضائق. وقد قرىء: قوما عامين حكاها الزمخشري. اه. ﴿أَخاهُمْ هُودًا﴾ الأخ هنا: هو الأخ في النسب، وتقول العرب في أخوة الجنس: يا أخا العرب. ﴿فِي سَفاهَةٍ﴾ والسفاهة: خفة العقل والحمق. ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ والآلاء (١): جمع إلي - بكسر الهمزة وسكون اللام - كحمل وأحمال، أو جمع ألي - بضم الهمزة وسكون اللام - كقفل وأقفال، أو جمع إلى - بكسر الهمزة وفتح اللام - كضلع وأضلاع وعنب وأعناب، أو جمع ألى - بفتحهما - كقفا وأقفاء اه «سمين». والإلى على جميع أوجهها النعمة، وأما إلى الذي هو من حروف الجر .. فلا يجمع؛ لأنها حرف، والحرف لا يجمع. ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ هو (٢) مصدر محذوف الزوائد، وأصل هذا المصدر: الإيجاد من قولك: أوجدته إيجادا إذا أفردته، فحذفت الهمزة والألف، وهما الزائدان. ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ والرجس (٣): العذاب من الأرجاس الذي هو الاضطراب، والغضب: إرادة الانتقام. ﴿أَتُجادِلُونَنِي﴾ المجادلة: المماراة والمخاصمة، والسلطان الحجة والدليل، والدابر الآخر، ويراد به الاستئصال؛ أي: أهلكناهم جميعا. ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا﴾ وأخوة صالح لهم أخوة في النسب كأخوة هود لقومه، كما تقدم في مبحث التفسير، والبينة: المعجزة الظاهرة الدلالة. وَاذْكُرُوا؛ أي: تذكروا.

стр. 4201

﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أنزلكم فيها، وجعلها مباءة لكم، والمباءة في الأصل أعطان الإبل، والأرض: المراد بها: أرض الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى. ﴿وَتَنْحِتُونَ﴾ والنّحت: نجر الشيء الصلب اه «أبو السعود». وفي «القاموس»: نحته ينحته - كيضربه وينصره ويعلمه - براه، ونحت السفر البعير أنضاه، وفلانا صرعه، والنحاتة البراية، والمنحت ما ينحت به اه. والعيث والعثي: الفساد. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التكرار في قوله: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾، وفي قوله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾، وفي قوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾، وفي قوله: ﴿وَاذْكُرُوا﴾، وفي قوله: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، وفي قوله: ﴿سَفاهَةٍ﴾. ومنها: المبالغة (١) بجعل الضلال ظرفا له حيث قالوا: ﴿إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وزادوا في المبالغة حيث صدروا الجملة بـ ﴿إن﴾ وزادوا في خبرها اللام. ومنها: التعميم في قوله: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ لأنها أعم من الضلال، وذلك لأن ضلالة دالة على واحدة غير معينة، ونفي فرد غير معين نفي عام. وفيه أيضا المبالغة في الرد عليهم؛ لأنه نفى أن تلتبس به ضلالة واحدة فضلا عن أن يحيط به الضلال، ولو قال: لست ضالا لم يؤد هذا المؤدى. ومنها: الإضافة في قوله: ﴿يا قَوْمِ﴾ استمالة لقلوبهم إلى الحق. ومنها: الاستعطاف (٢) والتحضيض على تحصيل التقوى في قوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾.

стр. 4202

ومنها: الإضافة لتشريف المضاف إليه في قوله: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ و ﴿فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ كالإضافة في بيت الله وروح الله. ومنها: الرجوع في قوله: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾، وفي قوله: ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾: وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض والإبطال. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾، وفي قوله: ﴿فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها﴾. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لأن إسناد المجيء إلى الذكر مجاز. ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: على لسان رجل منكم. ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في مواضع كقوله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ مثلا. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ لأنه كناية لطيفة عن استئصالهم جميعا بالهلاك. ومنها: التنكير في قوله: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ إفادة للتقليل والتنكير؛ أي: لا تمسوها بأدنى سوء. ومنها: الإتيان بحرف الترجي في قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ للتنبيه (١) على عزة المطلب، وأن التقوى غير موجبة للرحمة، بل هي منوطة بفضل الله تعالى، وأن المتقي ينبغي له أن لا يعتمد على تقواه، ولا يأمن عذاب الله تعالى، كما مر. ومنها: الطباق في قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا﴾ بين لفظي الجبال والسهول. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ لأن المعية (٢) مجاز عن

стр. 4203

المتابعة، وفي قوله: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ لأن (١) المس والأخذ هنا استعارة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله سبحانه تعالى أعلم * * *

стр. 4204

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩) وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤) وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)﴾. التفسير وأوجه القراءة ٧٥ - قوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾ والأشراف ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: تكبروا عن الإيمان بالله تعالى وبصالح ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ أي: من قوم صالح. قرأ (١) ابن عامر: وقال الملأ - بواو عطف -. وقرأ الجمهور: ﴿قالَ﴾ بغير واو -. ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ منهم؛ أي: للمساكين الذين استضعفهم المستكبرون

стр. 4205

واستذلوهم، وعدوهم أراذل، وقوله: ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من الموصول بإعادة الجار بدل كل من كل إن قلنا: إن ضمير مِنْهُمْ عائد إلى قومه؛ أي: قالوا للمؤمنين الذين استضعفوهم بطريق الاستهزاء والسخرية، أو بدل بعض من كل إن قلنا: إن الضمير عائد إلى الذين استضعفوا؛ لأن في المستضعفين من ليس بمؤمن، ومقول القول قوله: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ﴾ إلينا وإليكم ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: لا تعلمون ذلك، والاستفهام فيه (١) للإنكار ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال المستضعفون جوابا عن سؤال المستكبرين ﴿إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ﴾ صالح ﴿مُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: نحن مصدقون بما جاء به صالح من ربه، أجابوهم (٢) بأنهم مؤمنون برسالته مع كون سؤال المستكبرين لهم إنما هو عن العلم منهم هل تعلمون برسالته أم لا مسارعة إلى إظهار ما لهم من الإيمان، وتنبيها على أن كونه مرسلا أمر واضح مكشوف لا يحتاج إلى السؤال عنه، فأجاب المستكبرون تمردا وعنادا بقولهم: ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾؛ أي: إنا بالذي صدقتم به من نبوة صالح منكرون وجاحدون. وعبارة المراغي هنا: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ...﴾ الخ. قد (٣) جرت سنة الله أن يكون الفقراء المستضعفون أسرع الناس إلى إجابة دعوة الأنبياء والرسل، وإلى كل دعوة لإصلاح، فإنه لا يثقل عليهم أن يكونوا تابعين لغيرهم، وأن يكفر بها أكابر القوم وأغنياؤهم المترفون إذ يشق عليهم أن يكونوا مرؤوسين لسواهم، كما يصعب عليهم الامتناع عن الإسراف في الشهوات، والوقوف عند حدود الاعتدال. وعلى هذا السنن سار الملأ من قوم صالح إذ قالوا للمؤمنين منهم: أتعلمون أن صالحا رسول من عند الله، ومرادهم بهذا: التهكم والاستهزاء بهم. ﴿قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: إنا بما أرسل به صالح من
следующие страницы →