﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أنزلكم فيها، وجعلها مباءة لكم، والمباءة في الأصل أعطان الإبل، والأرض: المراد بها: أرض الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى.
﴿وَتَنْحِتُونَ﴾ والنّحت: نجر الشيء الصلب اه «أبو السعود». وفي «القاموس»: نحته ينحته - كيضربه وينصره ويعلمه - براه، ونحت السفر البعير أنضاه، وفلانا صرعه، والنحاتة البراية، والمنحت ما ينحت به اه. والعيث والعثي: الفساد.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التكرار في قوله: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾، وفي قوله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾، وفي قوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾، وفي قوله: ﴿وَاذْكُرُوا﴾، وفي قوله: ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، وفي قوله: ﴿سَفاهَةٍ﴾.
ومنها: المبالغة (١) بجعل الضلال ظرفا له حيث قالوا: ﴿إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وزادوا في المبالغة حيث صدروا الجملة بـ ﴿إن﴾ وزادوا في خبرها اللام.
ومنها: التعميم في قوله: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ لأنها أعم من الضلال، وذلك لأن ضلالة دالة على واحدة غير معينة، ونفي فرد غير معين نفي عام. وفيه أيضا المبالغة في الرد عليهم؛ لأنه نفى أن تلتبس به ضلالة واحدة فضلا عن أن يحيط به الضلال، ولو قال: لست ضالا لم يؤد هذا المؤدى.
ومنها: الإضافة في قوله: ﴿يا قَوْمِ﴾ استمالة لقلوبهم إلى الحق.
ومنها: الاستعطاف (٢) والتحضيض على تحصيل التقوى في قوله: ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾.
стр. 4202
ومنها: الإضافة لتشريف المضاف إليه في قوله: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ و ﴿فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ كالإضافة في بيت الله وروح الله.
ومنها: الرجوع في قوله: ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾، وفي قوله: ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾: وهو العود إلى الكلام السابق بالنقض والإبطال.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾، وفي قوله: ﴿فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها﴾.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لأن إسناد المجيء إلى الذكر مجاز.
ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: على لسان رجل منكم.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في مواضع كقوله: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ مثلا.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ لأنه كناية لطيفة عن استئصالهم جميعا بالهلاك.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ إفادة للتقليل والتنكير؛ أي: لا تمسوها بأدنى سوء.
ومنها: الإتيان بحرف الترجي في قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ للتنبيه (١) على عزة المطلب، وأن التقوى غير موجبة للرحمة، بل هي منوطة بفضل الله تعالى، وأن المتقي ينبغي له أن لا يعتمد على تقواه، ولا يأمن عذاب الله تعالى، كما مر.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا﴾ بين لفظي الجبال والسهول.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ لأن المعية (٢) مجاز عن
стр. 4203
المتابعة، وفي قوله: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ لأن (١) المس والأخذ هنا استعارة.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه تعالى أعلم
* * *
واستذلوهم، وعدوهم أراذل، وقوله: ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من الموصول بإعادة الجار بدل كل من كل إن قلنا: إن ضمير مِنْهُمْ عائد إلى قومه؛ أي: قالوا للمؤمنين الذين استضعفوهم بطريق الاستهزاء والسخرية، أو بدل بعض من كل إن قلنا: إن الضمير عائد إلى الذين استضعفوا؛ لأن في المستضعفين من ليس بمؤمن، ومقول القول قوله: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ﴾ إلينا وإليكم ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: لا تعلمون ذلك، والاستفهام فيه (١) للإنكار ﴿قالُوا﴾؛ أي: قال المستضعفون جوابا عن سؤال المستكبرين ﴿إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ﴾ صالح ﴿مُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: نحن مصدقون بما جاء به صالح من ربه، أجابوهم (٢) بأنهم مؤمنون برسالته مع كون سؤال المستكبرين لهم إنما هو عن العلم منهم هل تعلمون برسالته أم لا مسارعة إلى إظهار ما لهم من الإيمان، وتنبيها على أن كونه مرسلا أمر واضح مكشوف لا يحتاج إلى السؤال عنه، فأجاب المستكبرون تمردا وعنادا بقولهم: ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾؛ أي: إنا بالذي صدقتم به من نبوة صالح منكرون وجاحدون.
وعبارة المراغي هنا: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ...﴾ الخ. قد (٣) جرت سنة الله أن يكون الفقراء المستضعفون أسرع الناس إلى إجابة دعوة الأنبياء والرسل، وإلى كل دعوة لإصلاح، فإنه لا يثقل عليهم أن يكونوا تابعين لغيرهم، وأن يكفر بها أكابر القوم وأغنياؤهم المترفون إذ يشق عليهم أن يكونوا مرؤوسين لسواهم، كما يصعب عليهم الامتناع عن الإسراف في الشهوات، والوقوف عند حدود الاعتدال. وعلى هذا السنن سار الملأ من قوم صالح إذ قالوا للمؤمنين منهم: أتعلمون أن صالحا رسول من عند الله، ومرادهم بهذا: التهكم والاستهزاء بهم.
﴿قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: إنا بما أرسل به صالح من
стр. 4206
الحق والهدى مصدقون ومقرون بأنه من عند الله، وأن الله أمر به، وعن أمر الله دعانا صالح. وفي جوابهم هذا دون أن يقولوا نعم، أو نعلم أنه مرسل منه، أو إنا برسالته عالمون إيماء إلى أنهم علموا بذلك علما يقينيا إذعانيّا له السلطان على عقولهم وقلوبهم، وما كل من يعلم شيئا يصل علمه إلى هذه المرتبة، بل من الناس من يعلم الشيء بالبرهان، لكنه يجحده ويحاربه، وهو موقن به حسدا لأهله، أو استكبارا عنه كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.
٧٦ - ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن أمر الله، وأمر رسوله صالح ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ﴾؛ أي: صدقتم به من نبوة صالح، وأن الذي جاء به هو الحق ﴿كافِرُونَ﴾؛ أي: جاحدون منكرون لا نصدق به ولا نقر. وإنما لم يقولوا: إنا بالذي أرسل به صالح كافرون؛ لأن ذلك يتضمن إثبات الرسالة، فلو قالوه لكان شهادة منهم على أنفسهم بجحود الحق على علمهم به استكبارا وعنادا.
٧٧ - ثم ذكر ما فعلوه مما يدل على كفرهم بآيات ربهم، فقال: ﴿فَعَقَرُوا﴾؛ أي: عقر أولئك المستكبرون ﴿النَّاقَةَ﴾؛ أي: ناقة صالح وقتلوها، ونسب الفعل إليهم جميعا، والفاعل واحد منهم، وهو (١) قدار بن سالف، وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون أنه ابن زانية، ولم يكن لسالف، ولكنه ولد على فراشه، وكان قدار عزيزا متبعا في قومه قتلها بأمرهم في يوم الأربعاء، فقال لهم صالح: إن آية العذاب أن تصبحوا غدا صفرا، ثم أن تصبحوا يوم الجمعة حمرا، ثم أن تصبحوا يوم السبت سودا، ثم يصبحكم العذاب يوم الأحد؛ أي: نسب الفعل إليهم مع كون العاقر واحدا منهم كما جاء في سورة القمر: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ وجاء في «صحيح البخاري» مرفوعا: «فانتدب لها رجل ذو عزة ومنعة في قومه كأبي زمعة؛ لأنهم لما اتفقوا عليه ورضوا به صاروا كأنهم فعلوه جميعا». وفي ذلك تهويل وتفظيع لأمرهم، وإن أضراره ستصيبهم جميعا، ومثل هذا من الأعمال ينسب إلى الأمة في جملتها، وتعاقب عليه جميعها كما قال تعالى:
стр. 4207
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
﴿وَعَتَوْا﴾؛ أي: تكبروا ﴿عَنْ﴾ قبول ﴿أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ الذي أمرهم به صالح؛ أي: وتمردوا وتجبروا عن اتباع الحق الذي بلغهم صالح إياه، وهو ما سلف ذكره. روى أحمد والحاكم عن جابر قال: لما مر رسول الله ﷺ بالحجر قال: «لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح، وكانت الناقة ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم، وكانت تشرب يوما، ويشربون لبنها يوما، فعقروها، فأخذتهم صيحة أخمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله، وهو أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه».
﴿وَقالُوا﴾ استهزاء وتهكما ﴿وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ وتخوفنا به من العذاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ من عند الله تعالى حقا، فإنهم كذبوا صالحا في قوله: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقرأ ورش والأعمش: ﴿يا صالِحُ ائْتِنا﴾ وأبو عمرو إذا أدرج بإبدال همزة فائتنا واوا لضمة حاء صالح. وقرأ باقي السبعة بإسكانها. وفي كتاب ابن عطية قال أبو حاتم: قرأ عيسى وعاصم: ﴿أوتنا﴾ - بهمزة وإشباع ضم - انتهى. فلعله عاصم الجحدري، لا عاصم بن أبي النجود أحد القراء السبعة ذكره أبو حيان في «البحر». والوعد يكون في الخير والشر؛ أي: قالوا له: ائتنا بما وعدتنا به من عذاب الله ونقمته إن كنت رسولا إلينا، وتدعي أن وعيدك تبليغ عنه، فالله ينصر رسله على أعدائه، فعجل ذلك لنا
٧٨ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أي: الزلزلة الشديدة من الأرض، والصيحة من السماء ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾؛ أي: فصاروا في بلدهم خامدين ميتين، لا يتحركون، والمراد: كونهم كذلك عند ابتداء نزول العذاب من غير اضطراب ولا حركة؛ أي: لم يلبثوا أن سقطوا مصعوقين جثثا هامدة نزلت بهم الصيحة في أرضهم.
وفي سورة الحجر: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾، وفي سورة حم السجدة: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ﴾ وفي سورة الذاريات: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ والمراد
стр. 4208
بالجميع الصاعقة، فإن لنزولها صيحة شديدة القوة ترجف من هولها الأفئدة، وتضطرب الأعصاب، وربما اضطربت الأرض، وتصدع ما فيها من بنيان.
وقد علم أن سبب حدوثها اتصال كهربائية الأرض بكهربائية الجو التي يحملها السحاب، فتحدث صوتا كالصوت الذي يحدث باشتعال قذائف المدافع، وهذا الصوت هو المسمى بالرعد، وتحدث الصاعقة تأثيرات عظيمة، كصعق الناس والحيوان، وهدم المباني أو تصديعها، وإحراق الشجر ونحو ذلك، وقد هدى العلم إلى الطريق في اتقاء أضرارها بالمباني العظيمة بوضع ما يسمونه: «مانعة الصواعق».
وقد يجوز أن الله جعل هلاكهم في وقت ساق فيه السحاب المشبع بالكهرباء إلى أرضهم بحسب السنن المعروفة، وقد يجوز أن الله قد خلق تلك الصاعقة لأجلهم على سبيل خرق العادة، وأيهما كان قد وقع .. فقد صدق الله رسوله، وحدث ما أنذرهم به.
٧٩ - ﴿فَتَوَلَّى﴾ وأعرض صالح ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: خرج من بينهم قبل موتهم ﴿وَقالَ﴾؛ أي: صالح ﴿يا قَوْمِ﴾ والله ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ وأوصلت إليكم ﴿رِسالَةَ رَبِّي﴾؛ أي: ما أرسلني به ربي إليكم ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾؛ أي: بذلت لكم النصيحة بالترغيب والترهيب، وبذلت وسعي في نصيحتكم، ولكن لم تقبلوا مني ذلك كما قال: ﴿وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾؛ أي: لا تطيعوا الناصحين لكم، بل تستمروا على عداوتهم. وروي (١) أن صالحا خرج في مئة وعشرة من المسلمين وهو يبكي، فالتفت فرأى الدخان ساطعا، فعلم أنهم قد هلكوا، وكانوا ألفا وخمس مئة دار.
والمعنى (٢): قال لهم صالح بعد أن جرى عليهم ما جرى، مغتما متحسرا، كما يقول المتحسر على من مات جانيا على حياته بالتفاني في شهواته: ألم أنهك عما يوردك ريب المنون؟ ألم أحذرك تلك العاقبة الوخيمة التي لم تتداركها قبل
стр. 4209
وقوعها؟ فماذا أفعل إذ فضلت لذة الساعات والأيام على عيش هنيء يدوم عشرات الأعوام؟
وروي مثل هذا مرفوعا عن النبي ﷺ من ندائه بعض قتلى قريش ببدر بعد دفنهم في القليب - البئر غير المبنية - «يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟». قال راوي الحديث أبو طلحة الأنصاري، قال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها - أو فيها - فقال رسول الله ﷺ :
«والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» رواه البخاري وغيره من طريق قتادة عن أبي طلحة الأنصاري ﵁ ثم قال: قال قتادة أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ﷺ توبيخا وتصغيرا لهم، ونقمة وحسرة وندما عليهم اه. قال العلماء: ومثل هذا مما اختص به الأنبياء وبهذا الحديث ونحوه مما ورد من حياة الأنبياء والشهداء في البرزخ يستدل زوار الأضرحة والقبور الذين يدعون أصحابها لقضاء حاجاتهم، ويقولون إن كل من دعا ميتا من الصالحين يسمع منه، ويقضي حاجته قياسا على ذلك مع علمهم بأن الأمور الغيبية يقتصر فيها على ما سمع عن الأنبياء، ولا يدخلها باب القياس.
وحاصل قصة قوم صالح ﵇ (١): أن الله لما أهلك عادا .. أقام ثمود مقامهم، وطال عمرهم، وكثر تنعمهم، ثم عصوا الله وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحا - وكان منهم - فطالبوه بالمعجزة، فقال: ما تريدون؟ فقالوا: تخرج معنا في عيدنا ونخرج أصناما، فتسأل إلهك، ونسأل أصنامنا، فإذا ظهر أثر دعائك اتبعناك، وإن ظهر أثر دعائنا اتبعتنا، فخرج معهم، ودعوا أوثانهم، فلم تجبهم، ثم قال: سيدهم جندع بن عمرو لصالح ﵇، وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل - يقال لتلك الصخرة كاثبة -:
أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة كبيرة جوفاء براء، فإن فعلت ذلك صدقناك. فأخذ
стр. 4210
صالح عليهم المواثيق أنه إن فعل ذلك آمنوا، فقبلوا، فصلى ركعتين ودعا الله تعالى، فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض الحامل، ثم انفجرت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء، وكانت في غاية الكبر، ثم نتحت ولدا مثلها في العظم، فآمن به جندع ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به، فنهاهم ذؤاب بن عمرو والحباب صاحبا أوثانهم، ورباب بن صمعر كاهنهم، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء، وكانت ترده غبا، فإذا كان يومها .. وضعت رأسها في البئر، فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيها، ثم تفرج بين رجليها، فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم، فيشربون ويدخرون، وكانت إذا وقع الحر تصيفت بظهر الوادي، فيهرب منها أنعامهم، وإذا وقع البرد تشتت ببطن الوادي، فتهرب مواشيهم، فشق ذلك عليهم، وزينت عقرها لهم امرأتان: عنيزة بنت غانم، وصدقة بنت المختار لما أضرت به مواشيهم، فعقروها واقتسموا لحملها وطبخوه، فرقى ولدها جبلا
مسمى بقارة، فرغا ثلاثا، وقال لهم صالح ﵇: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب، فلم يقدروا عليه، وانفتحت الصخرة بعد رغائه، فدخلها فقال لهم صالح: تصبحون غدا وجوهكم مصفرة، وبعد غد وجوهكم محمرة، واليوم الثالث وجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه، فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين. ولما كان اليوم الرابع واشتد الضحى تحنطوا بالصبر، وتكفنوا بالإنطاع، فأتتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض، فتقطعت قلوبهم وهلكوا.
٨٠ - ﴿وَ﴾ لقد أرسلنا ﴿لُوطًا﴾؛ أي: لوط بن هاران بن تارخ، وهو ابن أخ إبراهيم، وإبراهيم عمه: ﴿إِذْ قالَ﴾؛ أي: وقت قوله: ﴿لِقَوْمِهِ﴾ أهل سدوم، وكان قد أرسل إليهم، وذلك أن لوطا بعد موت والده هاجر مع عمه إبراهيم ﵇ إلى الشام، وكانت ولادته في الطرف الشرقي من جنوب العراق في موضع يسمى أرض بابل، فنزل إبراهيم ﵇ أرض فلسطين، ونزل لوط ﵇ الأردن، فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم يدعوهم إلى الله تعالى، وينهاهم عن فعلهم القبيح، وهو قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾؛ أي: أتفعلون الفعلة الخسيسة القبيحة التي هي غاية في القبح، وكانت فاحشتهم: إتيان الذكران في
стр. 4211
أدبارهم، ولما كان هذا الفعل معهودا قبحه، ومركوزا في العقول فحشه أتى بها معرفا بالألف واللام ذكره أبو حيان. والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ؛ أي: لا ينبغي لكم أن تفعلوها، والحال أنه ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ ﴿من﴾ الأولى زائدة (١) لتوكيد النفي، وإفادة معنى الاستغراق، والثانية للتبعيض.
والمعنى: ما سبقكم أيها القوم بهذه الفعلة الفاحشة أحد من العالمين قبلكم. والجملة (٢) استئنافية مقررة للإنكار كأنه وبخهم أولا بإتيان الفاحشة، ثم باختراعها، فإنه أسوأ. قال عمرو بن دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا قبل قوم لوط ﵇. والمعنى (٣): أي ما عملها أحد قبلكم في أي زمان، بل هي من مبتدعاتكم في الفساد، فأنتم فيها أسوة وقدوة، فتبؤون بإثمها وإثم من اتبعكم فيها إلى يوم القيامة. وفي هذا بيان بأن ما اجترحوه من السيئات مخالف لمقتضيات الفطرة، ومن ثم لم تتطلع إليه نفوس أحد من البشر قبلهم إلى ما فيه من مخالفة لهدي الدين. قال الحسن: كانوا يأتون الغرباء كانت بلادهم الأردن تؤتى من كل جانب لخصبها، فقال لهم إبليس - وهو في صورة غلام -: إن أردتم دفع الغرباء .. فافعلوا بهم هكذا، فمكنهم من نفسه تعليما لهم، ثم فشا، واستحلوا ما استحلوا.
وفي تسمية (٤) هذا الفعل بالفاحشة دليل على أنه يجري مجرى الزنا يرجم من أحصن، ويجلد من لم يحصن، وفعله عبد الله بن الزبير: أتى بسبعة منهم، فرجم أربعة أحصنوا، وجلد ثلاثة، وعنده ابن عمر وابن عباس، ولم ينكروا به، وبه قال الشافعي. وقال مالك: يرجم أحصن أو لم يحصن، وكذا المفعول به إن كان محتلما، وعنده يرجم المحصن ويؤدب، ويحبس غير المحصن؛ وهو مذهب عطية وابن المسيب والنخعي وغيرهم. وعن مالك أيضا: يعزر أحصن أو لم يحصن؛ وهو مذهب أبي حنيفة. وحرّق خالد بن الوليد ﵁ رجلا يقال له الفجاء عمل ذلك العمل، وذلك برأي أبي بكر وعلي، وإن أصحاب
стр. 4212
رسول الله ﷺ أجمع رأيهم عليه، وفيهم علي بن أبي طالب ذكره أبو حيان.
٨١ - والاستفهام في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ للإنكار والتوبيخ أيضا، وهذا أشنع مما سبق؛ لتأكيده بأن وباللام واسمية الجملة. ذكره أبو السعود، وهذا بيان لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾؛ أي: أئنكم أيها القوم لتأتون وتطؤون أدبار الرجال ﴿شَهْوَةً﴾؛ أي: لمجرد الشهوة واللذة، لا للولد ولا للألفة، وقوله: ﴿مِنْ دُونِ النِّساءِ﴾ حال من الواو في ﴿تَأْتُونَ﴾؛ أي: تطؤون أدبار الرجال حال كونكم متجاوزين النساء، وتاركين إياهن، أو حال من ﴿الرِّجالَ﴾؛ أي: حال كونهم منفردين عن النساء. والمراد بالإتيان هنا: الاستمتاع الذي عهد بمقتضى الفطرة بين الزوجين، وداعيته الشهوة وقصد النسل.
وإنما (١) ذمهم وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل القبيح الخبيث؛ لأن الله ﵎ خلق الإنسان، وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمران الدنيا، وجعل النساء محلا للشهوة وموضعا للنسل، فإذا تركهن الإنسان، وعدل عنهن إلى غيرهن من الرجال، فكأنما أسرف وجاوز الحد واعتدى؛ لأنه وضع الشيء في غير محله، وموضعه الذي خلق له؛ لأن أدبار الرجال ليست محلا للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان.
وقد سجل عليهم هنا أنهم يبتغون الشهوة وحدها، فهم أخس من سائر أفراد الحيوان؛ لأن الذكور منها تطلب الإناث بدافع الشهوة والنسل الذي يحفظ النوع، ألا ترى أن الطيور والحشرات تبدأ حياتها الزوجية ببناء الأعشاش في أعلى الأشجار، أو الوكن في قلل الجبال، أو الأحجار في باطن الأرضين، ولكن هؤلاء المجرمين لا غرض لهم إلا إرضاء شهواتهم، ومن يقصد اللذة وحدها دون النسل .. فقد أسرف فيها، وانقلب نفعها ضرا، وصار خيرها شرا.
وقرأ نافع وحفص عن عاصم (٢): ﴿إنّكم﴾ - بهمزة واحدة مكسورة - على
стр. 4213
الخبر المستأنف؛ وهو بيان لتلك الفاحشة. وقرأ ابن كثير بهمزتين بدون ألف بينهما وبتسهيل الثانية، وأبو عمرو كذلك لكنه أدخل الألف بينهما، وهشام بتحقيق الهمزتين بينهما مد، والباقون بتحقيقهما من غير مد بينهما على الأصل.
و ﴿بَلْ﴾ في قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ للإضراب الانتقالي من قصة إلى قصة؛ أي: بل أنتم قوم مجاوزون الحلال إلى الحرام؛ أي: إنكم لا تأتون هذه الفاحشة، ثم تندمون على ما فعلتم، بل أنتم قوم مسرفون فيها وفي سائر أعمالكم، ولا تقفون فيها عند حد الاعتدال، وقد جاء في سورة النمل: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾؛ أي: أنتم ذو سفه وطيش، وفي سورة العنكبوت: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ وفي كل هذا دليل على أنهم كانوا مسرفين في لذاتهم متعدين حدود العقل والفطرة، لا يعقلون ضرر ما يفعلون بجنايتهم على النسل والصحة والآداب العامة، فهم لو عقلوا ذلك .. لاجتنبوها، ولو كان لديهم شيء من الفضيلة .. لانصرفوا عنها. وقال هنا (١): ﴿مُسْرِفُونَ﴾ بصيغة اسم الفاعل؛ ليدل على الثبوت، ولموافقة ما سبق من رؤوس الآي في ختمها بالأسماء. وقال في النمل: ﴿تَجْهَلُونَ﴾ بالمضارع لتجدد الجهل فيهم، ولموافقة ما سبق من رؤوس الآي في ختمها بالأفعال.
٨٢ - ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا﴾؛ أي: ما كان جوابا من جهة قومه شيء من الأشياء في المرة الأخيرة من مرات المحاورة بينه وبينهم إلا قولهم لبعضهم الآخرين المباشرين لتلك الأمور معرضين عن مخاطبة لوط ﵇ ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾؛ أي: أخرجوا لوطا وابنتيه زعورا ورييشا ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ سذوم - بوزن رسول بالذال المعجمة - من قرى حمص بالشام ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾؛ أي: أي يتنزهون من أدبار الرجال، قالوا ذلك على سبيل السخرية بلوط وأهله، وعلى سبيل الافتخار بما هم فيه. وأتى هنا بقوله: ﴿وَما﴾ وفي النمل والعنكبوت بقوله: ﴿فَما﴾ والفاء هي الأصل في هذا الباب؛ لأن المراد أنهم لم يتأخر جوابهم عن نصحته، وأما الواو فالتعقيب أحد محاملها، فتعين هنا أنها للتعقيب
стр. 4214
لأمر خارجي؛ وهو القرينة في السورتين المذكورتين، لا أنها اقتضت ذلك بوضعها. اه «سمين».
والمعنى (١): أي وما كان جواب قومه عن هذا الإنكار وتلك النصيحة شيئا من الحجج المقنعة، أو الأعذار المسكنة لثورة الغصب، بل كان جوابهم الأمر بإخراجه هو ومن آمن معه من قريتهم، وما حجتهم على تبرير ما عزموا عليه إلا أن قالوا: إن هؤلاء أناس يتطهرون، ويتنزهون عن مشاركتهم في فسوقهم ورجسهم، فلا سبيل إلى معاشرتهم ولا مساكنتهم لما بينهم من الفوارق في الصفات والأخلاق. والظاهر أن قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ تعليل للإخراج؛ أي: لأنهم لا يوافقوننا على ما نحن عليه، ومن لا يوافقنا .. وجب أن نخرجه. ذكره أبو حيان.
وهذا الجواب منهم يدل على منتهى السخرية والتهكم والافتخار بما كانوا فيه من القذارة كما يقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظوهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف، وأريحونا من هذا المتزهد. وقد بلغ من قحتهم وفجورهم أن يفعلوا الفاحشة ويفخروا بها، ويحتقروا من يتنزه عنها، وهذا أسفل الدركات، ولا يهبط إليه إلا من لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
٨٣ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: فأنجينا لوطا وأهله؛ وهم بنتاه من العذاب الذي حل بقومه ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾؛ أي: زوجته الكافرة - واسمها واهلة -؛ لأنها ﴿كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾؛ أي: من الباقين في ديارهم، فهلكت في العذاب مع الهالكين فيها؛ لأنها تسر الكفر موالية لأهل سذوم، وقال: ﴿مِنَ الْغابِرِينَ﴾ تغليبا للذكور. وأما لوط فخرج مع بنتيه من أرضهم، وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا، ووصل إلى إبراهيم، وهو في فلسطين؛ أي: فأنجيناه وأهل بيته الذين آمنوا معه إلا امرأته، فإنها لم تؤمن به، بل خانته بولاية قومه الكافرين، فكانت من جماعة الهالكين، أو الباقين الذين نزل بهم العذاب في الدنيا، وبعده عذاب الآخرة.
стр. 4215
٨٤ - ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾؛ أي (١): وأرسلنا عليهم إرسال المطر وإنزاله في الكثرة جرّا محروقا معجونا بالكبريت والنار. قال مجاهد: نزل جبريل ﵇، وأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط، فاقتلعها ورفعها إلى السماء، ثم قلبها، فجعل أعلاها أسفلها، ثم أتبعوا بالحجارة. وقيل المعنى (٢): وأنزلنا على الخارجين من المدائن الخمسة حجارة من السماء معلمة عليها اسم من يرمى بها. وروي أن تاجرا منهم كان في الحرم، فوقف الحجر له أربعين يوما حتى قضى تجارته، وخرج من الحرم، فوقع عليه فأهلكه.
والإمطار (٣) حقيقة في المطر مجاز فيما يشبهه في الكثرة من خير وشر مما يجيء من السماء، أو من الأرض؛ أي: وأرسلنا عليهم مطرا عجيبا أمره؛ وهو الحجارة التي رجموا بها. وجاء في سورتي هود والحجر أنها حجارة من سجيل مسومة؛ أي: معلمة ببياض في حمرة، وقد يكون سبب إمطار الحجارة عليهم إرسال إعصار من الريح حمل تلك الحجارة، وألقاها عليهم، أو أن تلك الحجارة من بعض النجوم المحطمة التي يسميها علماء الفلك: الحجازة النيزكية؛ وهي بقايا كوكب محطم تجذبه الأرض إليها إذا صار بالقرب منها؛ وهي تحترق غالبا من سرعة الجذب وشدته، وهي الشهب التي ترى بالليل، فإذا سلم منها شيء من الاحتراق، ووصل إلى الأرض .. ساخ فيها، وكان لسقوطه صوت شديد، وقد وجد بعض الناس بعض تلك الحجارة ووضعوها في دور الآثار.
﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ هؤلاء ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ وآخر أمرهم الذين كذبوا بالله ورسوله الذي أرسل إليهم، وعملوا الفواحش كيف أهلكناهم بعذاب مستأصل لهم، وهذا الخطاب، وإن كان للنبي ﷺ ، لكن المراد به غيره من أمته؛ ليعتبروا بما جرى على هؤلاء، فينزجروا بذلك الاعتبار عن
стр. 4216
الأفعال القبيحة والفواحش الخبيثة، والمعنى: فانظر أيها المعتبر هذا القصص وتأمله حق التأمل؛ لتعلم عذاب الأمم على ذنوبها في الدنيا قبل الآخرة.
وهذا العقاب أثر طبيعي لذلك، فإنك ترى الترف والفسق يفسدان أخلاق الأمم، ويذهبان ببأسها، ويفرقان كلمتها، ويجعلانها شيعا وأحزابا متعادية، فيسلط الله عليها من يستذلها، ويسلبها استقلالها، ويسخرها لمنافعه، ولا يزال بها هكذا حتى تنقرض وتكون من الهالكين، وقد يكون هلاكها بسنن الله في الأرض من إرسال الجوائح كالزلازل والرياح العاصفة، أو بالأوبئة والأمراض الفتاكة، أو بالثورات والفتن والحروب، ونحو ذلك مما يكون سببا في انقراض الأمم وفنائها.
وخلاصة القول في تحريم هذه الفاحشة:
١ - أنها مفسدة للشبان بالإسراف في الشهوات.
٢ - أنها مفسدة للنساء اللواتي ينصرف أزواجهن عنهن، ويقصرون فيما يجب عليهم من إحصانهن.
٣ - قلة النسل، فإن من لوازم ذلك الرغبة عن الزواج، والرغبة في إتيان الأزواج في غير مأتى الحرث. وفي الحياة الزوجية الشرعية إحصان كل من الزوجين للآخر بقصر لذة الاستمتاع عليه، وجعل ذلك وسيلة للحياة الوالدية التي تنمو بها الأمة، ويحفظ بها النوع الإنساني من الزوال.
٨٥ - ﴿وَ﴾ أرسلنا ﴿إِلى﴾ أولاد ﴿مَدْيَنَ﴾ بن إبراهيم ﵇ ﴿أَخاهُمْ﴾ في النسب، لا في الدين ﴿شُعَيْبًا﴾ بن ثويب بن مدين بن إبراهيم الخليل بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر؛ وهو هود ﵇، فبين شعيب وهود على هذا القول ثمانية آباء، وكان شعيب أعمى، وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. وقال قتادة: أرسل شعيب مرتين: مرة إلى مدين، ومرة إلى أصحاب الأيكة.
قيل: شعيب هو ابن بنت لوط، وقيل: زوج بنته، وهذه مناسبة بين قصته وقصة لوط. وقيل: مدين اسم لقرية شعيب بينها وبين مصر ثمانية مراحل سميت
стр. 4217
باسم أبيهم مدين بن إبراهيم الخليل ﵇.
والمعنى: أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم في النسب لا في الدين؛ إذ ﴿قالَ﴾ شعيب لقومه؛ وهم أهل كفر، وبخس للكيل والميزان ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحده ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾؛ أي: ليس لكم إله يستحق العبادة منكم غيره تعالى؛ لأنه خالقكم وموجدكم ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾؛ أي: معجزة واضحة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ دالة على صدقي، ولم يذكر هنا ولا في أي سورة من سور القرآن آية معينة لشعيب ﵇، ولكن لا بد أن تكون له آية تدل على صدقه، وتقوم بها الحجة عليهم، وليست كل آيات الأنبياء مذكورة في القرآن. وقيل: أراد بالبينة مجيء شعيب بالرسالة إليهم، وقيل: أراد بالبينة الموعظة المذكورة بقوله الآتي: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ ...﴾ الخ. فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثلها آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة»؛ أي: أن كل نبي مرسل أعطاه الله تعالى من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر على مثله. والبينة كل ما يتبين به الحق، فتشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية، والأمم القديمة لم تكن تذعن إلا لخوارق العادات.
وكانت عادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يبدؤوا في الدعوة بالأهم فالأهم، ولما كانت الدعوة إلى توحيد الله وعبادته أهم الأشياء قال شعيب: اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ، ثم بعد الدعوة إلى التوحيد شرع في نهيهم عما هم عليه من المعاصي، ولما كان المعتاد من أهل مدين البخس في الكيل والوزن .. دعاهم إلى ترك هذه العادة القبيحة، وهي تطفيف الكيل والوزن، فقال: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ﴾؛ أي: أتموا كيل المكيال ووزن الميزان إذا بعتم أموالكم للناس ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾؛ أي: ولا تنقصوا عن الناس أشياءهم وأثمانهم إذا اشتريتم من الناس، أو المعنى (١): ولا تنقصوا حقوق الناس
стр. 4218
بجميع الوجوه كالغصب والسرقة، وأخذ الرشوة، وقطع الطريق وانتزاع الأموال بطريق الحيل وقيل: كانوا مكاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه كما يفعل أمراء الجور.
وعبارة المراغي هنا: قوله: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ قد (١) ثنى الله بالأمر بإيفاء الكيل والميزان إذا باعوا، والنهي عن بخس الناس أشياءهم إذا اشتروا بعد أن أمرهم بتوحيد الله؛ لأن ذلك كان فاشيا فيهم أكثر من سائر المعاصي، ومن ثم اهتم به كما اهتم لوط بنهي قومه عن الفاحشة السوء أي التي كانت فاشية فيهم، فقد كانوا من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس، أو وزنوا عليهم لأنفسهم ما يشترون من المكيلات والموزونات يستوفون حقهم، ويزيدون عليه، وإذا كالوهم، أو وزنوهم ما يبيعون لهم يخسرون الكيل والميزان؛ أي: ينقصونه، فيبخسون أشياءهم، وينقصونهم حقوقهم.
والبخس: يشمل نقص المكيل والموزون وغيرهما من المبيعات كالمواشي والأشياء المعدودة، ويشمل البخس في المساومة والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق، وفي الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل، وقد فشا كل من هذين النوعين في هذا العصر، فكثير من التجار باخسون مطففون فيما يبيعون وما يشترون، وكثير من المشتغلين بالعلوم والآداب والسياسة بخّاسون لحقوق بني جلدتهم، مدّعون للتفوق عليهم، منكرون لما خص الله به سواهم من المزايا والخصائص حسدا عليهم وبغيا. وقد روي أن قوم شعيب كانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه، ويقولون: هذه زيوف، فيقطعونها قطعا، ثم يشترونها منه بالبخس؛ أي: بالنقصان الظاهر، وأعطوه بدلها زيوفا، وكانت هذه المعصية قد فشت فيهم في ذلك الزمان مع كفرهم الذي نالتهم الرجفة بسببه.
﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾؛ أي: بعد أن أصلحها الله ببعثة الرسل، وإقامة العدل، وإفاضة النعم فيها،
стр. 4219
وكل نبي يبعث إلى قوم فهو صلاحهم، فالإضافة في إصلاحها كإضافة مكر الليل. قال ابن عباس ﵄ (١): كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيبا رسولا تعمل فيها المعاصي، وتستحل فيها المحارم، وتسفك فيها الدماء، فذلك فسادها، فلما بعث الله شعيبا، ودعاهم إلى الله صلحت الأرض؛ لأن بعثة كل نبي إلى قومه فهو صلاحهم.
وحاصل المعنى: أنه (٢) أصلح حال البشر بنظام الفطرة، ومكنهم في الأرض بما آتاهم من القوى العقلية وقوة الجوارح، وبما أودع في خلق الأرض من سنن حكيمة وقوانين مستقيمة، وبما بعث به الرسل من المكملات لنظام الفطرة من آدات وأخلاق، ونظم في المعاملات والاجتماع، وبما أرشد إليه المصلحين من العلماء والحكماء الذين يأمرون بالقسط، ويهدون الناس إلى ما فيه صلاحهم في دينهم، والعاملين من الزراع والصناع والتجار أهل الأمانة والاستقامة الذين ينفعون الناس في دنياهم.
فعليكم أن لا تفسدوا فيها ببغي ولا عدوان على الأنفس والأعراض والأخلاق بارتكاب الإثم والفواحش، ولا تفسدوا فيها بالفوضى وعدم النظام، وبث الخرافات والجهالات التي تقوض نظم المجتمع، وقد كانوا من المفسدين للدين والدنيا كما يستفاد من هذه الآية وما بعدها ﴿ذلِكُمْ﴾ الذي أمرتكم به من الإيمان بالله، ووفاء الكيل والميزان، وترك الظلم والبخس ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مما أنتم عليه من الكفر والمعاصي وظلم الناس في دينكم ودنياكم، فإن ربكم لا يأمر إلا بالنافع، ولا ينهى إلا عن الضار، ولأن الناس إذا علموا منكم الوفاء والصدق والأمانة .. رغبوا في المعاملات معكم، فكثرتم أموالكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مصدقين لي في قولي هذا؛ أي: وإنما يكون ذلك خيرا لكم إن كنتم مؤمنين بوحدانية الله وبرسوله، وبما جاءكم به من شرع وهدى، فالإيمان يقتضي الامتثال والعمل بما جاء به الرسول من عند الله، وإن خالف النفس
стр. 4220
والهوى. والمؤمن الموحد لا يخضع إلا لربه (١)، وإنما يطيع رسوله؛ لأنه مبلغ عنه كما قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ﴾.
هذا والبشر لم يصلوا في عصر من العصور إلى عشر ما وصلوا إليه في هذا العصر من العلم بالمنافع والمضار، ومعرفة المصالح والمفاسد في المعاملات والآداب، ومع هذا فإن العلم وحده لم يغنم شيئا، فكثرت في البلاد الجرائم من قتل وسلب وإفساد زرع وفسق وفجور ونحو ذلك مما كان سببا في تدهور نظم المجتمعات، فلم يبق اليوم من الإسلام إلا رسمه، ولا من الدين إلا اسمه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فخير وسيلة لإصلاح الأمم تربية الأحداث والنابتة تربية دينية بإقناعهم بمنافع الفضائل كالصدق والأمانة والعدل، وإقناعهم بمضار الرذائل؛ لأن الوازع النفسي أقوى من الوازع الخارجي.
٨٦ - ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾؛ أي: ولا تجلسوا على كل طريق محسوس حالة كونكم توعدون، وتخوفون بالقتل من مر عليكم ممن يذهب إلى شعيب ليؤمن به. وقد روي عن ابن عباس: أن بلادهم كانت خصبة، وكان الناس يمتارون منهم، فكانوا يقعدون على الطريق، ويخوفون الناس أن يأتوا شعيبا، ويقولون لهم إنه كذا فلا يفتننكم عن دينكم؛ أي: يقعدون على الطريق، ويخوفون الغرباء الذين يريدون الإيمان بشعيب بالقتل إن آمن به.
﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: وتمنعون عن طاعة الله وعبادته ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾؛ أي: من آمن بالله أو بشعيب ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾؛ أي: وتطلبون لسبيل الله ودينه زيغا وميلا عن الحق، وعدولا عن القصد والصواب بإلقاء الشكوك والشبهات فيها. وجملة الأفعال الثلاثة - التي هي توعدون وتصدون وتبغون - أحوال؛ أي: لا تقعدوا موعدين وصادين وباغين.
والخلاصة:
أنه نهاهم عن أشياء ثلاثة:
١ - قعودهم على الطرقات التي توصل إليه مخوفين من يجيئه ليرجع عنه
стр. 4221
قبل أن يراه ويسمع دعوته.
٢ - صدهم من وصل إليه وآمن به بصرفه عن الثبات على الإيمان، والاستقامة على الطريق الموصلة إلى سعادة الدارين.
٣ - ابتغاؤهم جعل سبيل الله المستقيمة معوجة بالطعن، وإلقاء الشبهات المشككة فيها، أو المشوهة لها، وهم بعملهم هذا ارتكبوا ضلالتين: التقليد والعصبية للآباء والأجداد، وضلالة الغلو في الحرية الشخصية التي أباحت لهم الطعن في الأديان حتى بلغوا في ذلك حد الطغيان.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾؛ أي: وتذكروا الزمن الذي كنتم فيه قليلي العدد ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ الله بما بارك في نسلكم، واشكروا له ذلك بعبادته وحده واتباع وصاياه في الحق، والإعراض عن الفساد في الأرض. وقد روي أن مدين بن إبراهيم تزوج بنت لوط، فولدت له، فرمى الله في نسلهما البركة والنماء فكثروا. وقيل المعنى: إذ كنتم مقلين فقراء، فجعلكم مكثرين موسرين، وقيل: إذ كنتم أذلة قليلي العدد، فأعزكم بكثرة العدد والعدد.
﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: فانظروا وتأملوا نظر اعتبار كيف كان آخر أمر المفسدين في الأرض من الأمم والشعوب المجاورة لكم كقوم نوح وعاد وثمود، وكيف أهلكهم الله بفسادهم وبغيهم في الأرض، فاعتبروا بما حل بهم واحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
٨٧ - ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ﴾؛ أي: جماعة كائنة ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها القوم ﴿آمَنُوا﴾ وصدقوا ﴿بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ إليكم من الأحكام والشرائع التي شرعها الله تعالى لكم ﴿وَطائِفَةٌ﴾ أخرى منكم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ ولم يصدقوا بما أرسلت به إليكم ﴿فَاصْبِرُوا﴾؛ أي: فانتظروا أيها المؤمنون والكافرون من الطائفتين ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ وبينكم جميعا من مؤمن وكافر بإعلاء درجات المؤمنين ونصرهم، وبإظهار خزي الكافرين وذلهم ﴿وَهُوَ﴾ ﴿خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾؛ أي: أفضلهم وأعلمهم؛ لأنه تعالى حاكم عادل منزه عن الجور لا معقب لحكمه ولا حيف فيه، ولا يخفى ما في هذا من الوعيد والتهديد، وحكم الله بين عباده ضربان:
стр. 4222
١ - حكم شرعي يوحيه إلى رسله، وعليه جاء قوله تعالى في سورة المائدة بعد الأمر بالوفاء بالعقود وإحلال البهيمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾.
٢ - حكم فعلي يفصل فيه بين الخلق بمقتضى سننه فيهم كقوله في آخر سورة يونس: ﴿وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)﴾.
والمعنى: وإن كان جماعة صدقوا بالذي أرسلت به إليكم من إخلاص العبادة لله، وترك معاصيه من ظلم الناس وبخسهم في المكاييل والموازين، واتبعوني في كل ذلك، وجماعة أخرى لم يصدقوني وأصروا على شركهم، وإفسادهم. فاصبروا على قضاء الله الفاصل بيننا وبينكم، وهو خير من يفصل، وأعدل من يقضي؛ لتنزهه عن الباطل والجور، وليعتبر كفاركم بعاقبة من قبلهم، وسيحل بهم مثل ما حل بأولئك بحسب السنن التي قدرها العليم الحكيم، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا، والله أعلم.
الإعراب
﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥)﴾.
﴿قالَ الْمَلَأُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْمَلَأُ﴾. ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول. ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من واو ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قالُوا﴾ ﴿اسْتُضْعِفُوا﴾: فعل ونائب فاعل صلة الموصول. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور بدل من الجار والمجرور قبله كقولهم: مررت بزيد بأخيك. ﴿آمَنَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة ﴿من﴾ الموصولة. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿آمَنَ﴾. ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قالُوا﴾. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ﴿صالِحًا﴾: اسمها. ﴿مُرْسَلٌ﴾: خبرها. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: متعلق به، أو
стр. 4223
صفة له، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: أتعلمون إرسال صالح من ربه. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت ﴿إنّ﴾: حرف نصب، و ﴿نا﴾: ضمير المتكلمين في محل النصب اسمها. ﴿بِما﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُؤْمِنُونَ﴾: ﴿أُرْسِلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿صالح﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أُرْسِلَ﴾ ﴿مُؤْمِنُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾.
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٦)﴾.
﴿قالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصولة. ﴿إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿نا﴾: اسمها. ﴿بِالَّذِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كافِرُونَ﴾. ﴿آمَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿كافِرُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿فَعَقَرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿عقروا الناقة﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾. ﴿وَعَتَوْا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿فَعَقَرُوا﴾. ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عَتَوْا﴾. ﴿وَقالُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿عَتَوْا﴾. ﴿يا صالِحُ ائْتِنا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا صالِحُ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿ائْتِنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿صالِحُ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿ائْتِنا﴾. ﴿تَعِدُنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿صالِحُ﴾ والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما تعدنا إياه. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم
стр. 4224
بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كان﴾، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية معلوم مما قبلها تقديره: إن كنت من المرسلين فائتنا بما تعدنا من العذاب، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٨)﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿أخذتهم الرجفة﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾. ﴿فَأَصْبَحُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿أصبحوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِي دارِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جاثِمِينَ﴾. ﴿جاثِمِينَ﴾: خبر ﴿أصبح﴾ منصوب بالياء، وجملة ﴿أصبحوا﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾. ﴿فَتَوَلَّى﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿تولى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿صالِحُ﴾ ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أصبحوا﴾. ﴿وَقالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿صالِحُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿تولى﴾. ﴿يا قَوْمِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة لقسم محذوف. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿رِسالَةَ رَبِّي﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونه جواب النداء. ﴿وَنَصَحْتُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿وَلكِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. لكِنْ: حرف استدراك. ﴿لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قالَ﴾.
﴿وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠)﴾.
стр. 4225
﴿وَلُوطًا﴾: معطوف على نوحا؛ أي: وأرسلنا لوطا أيضا. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بأرسلنا المحذوف. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿لوط﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿لِقَوْمِهِ﴾: متعلق بـ ﴿قالَ﴾. ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي. ﴿تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿ما﴾: نافية. ﴿سَبَقَكُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿بِها﴾: متعلق بـ ﴿سبق﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿أَحَدٍ﴾: فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿مِنَ الْعالَمِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَحَدٍ﴾.
﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾.
﴿إِنَّكُمْ﴾ ﴿إنّ﴾: حرف نصب، و ﴿الكاف﴾: اسمها، ﴿لَتَأْتُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿تأتون الرجال﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿شَهْوَةً﴾: مفعول من أجله، أو حال من واو ﴿تأتون﴾؛ أي: مشتهين، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿مِنْ دُونِ النِّساءِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من الواو في ﴿تأتون﴾؛ أي: حال كونكم متجاوزين النساء، أو من الرجال؛ أي: حال كونهم منفردين من النساء. ﴿بَلْ﴾: حرف للاضراب الانتقالي. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿قَوْمٌ﴾: خبر. ﴿مُسْرِفُونَ﴾: صفته، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾.
﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿جَوابَ قَوْمِهِ﴾: خبرها ومضاف إليه مقدما على اسمها. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، والجملة في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كانَ﴾
стр. 4226
مؤخرا تقديره: وما كان جواب قومه إلا قولهم، وجملة ﴿كانَ﴾ مستأنفة. ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: اسمها. ﴿أُناسٌ﴾: خبرها، وجملة ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾ صفة لـ ﴿أُناسٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣)﴾.
﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قال لهم لوط وما قالوا له، وأردت بيان عاقبة أمره وأمرهم .. فأقول لك، ﴿أنجيناه﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: معطوف على الهاء في ﴿أنجيناه﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿امْرَأَتَهُ﴾: مستثنى ومضاف إليه. ﴿كانَتْ﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على المرأة. ﴿مِنَ الْغابِرِينَ﴾: جار ومجرور خبرها، وجملة ﴿كان﴾: مستأنفة استئنافا بيانيا وقع جوابا عن سؤال نشأ من استثنائها، كأنه قيل: فماذا كان حالها؟ فقيل: كانت من الغابرين. ذكره أبو السعود.
﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾.
﴿وَأَمْطَرْنا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به ﴿مَطَرًا﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ على كونها مقولا لجواب إذا المقدرة. ﴿فَانْظُرْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿انظر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على كل من يصلح للخطاب، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَأَمْطَرْنا﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر ﴿كانَ﴾ مقدم عليها وجوبا. ﴿كانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾: اسمها ومضاف إليه. وفي «الفتوحات»: ﴿كَيْفَ﴾ وما في حيزها معلقة للنظر عن العمل،
стр. 4227
فهي وما بعدها في محل نصب على إسقاط الخافض، والنظر هنا التفكر، و ﴿كَيْفَ﴾ خبر ﴿كانَ﴾ واجب التقدم. اه «سمين».
﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾.
﴿وَإِلى مَدْيَنَ﴾: جار ومجرور متعلق بأرسلنا محذوفا ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي. ﴿أَخاهُمْ﴾: مفعول أرسلنا المحذوف. ﴿شُعَيْبًا﴾: بدل من ﴿أَخاهُمْ﴾، أو عطف بيان له، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿شعيب﴾، والجملة مستأنفة. ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء مقول ﴿قالَ﴾. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿ما﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ إِلهٍ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿غَيْرُهُ﴾: صفة لـ ﴿إِلهٍ﴾ تابع لمحله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: صفة لـ ﴿بَيِّنَةٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم مجيء بينة من ربكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: ﴿أوفوا الكيل﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَالْمِيزانَ﴾: معطوف على ﴿الْكَيْلَ﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿أوفوا﴾.
﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 4228
﴿وَلا تُفْسِدُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به. ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿لا تُفْسِدُوا﴾. ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبره، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف دل عليها ما قبلها تقديره: إن كنتم مؤمنين فبادروا إلى ما أمرتكم به، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾.
﴿وَلا تَقْعُدُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾. ﴿تُوعِدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من واو ﴿تَقْعُدُوا﴾. ﴿وَتَصُدُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تُوعِدُونَ﴾. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَصُدُّونَ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول تصدون. ﴿آمَنَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿آمَنَ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿وَتَبْغُونَها﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿عِوَجًا﴾: حال من الهاء، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على ﴿تَصُدُّونَ﴾ على كونها حالا من واو ﴿تَقْعُدُوا﴾. ﴿وَاذْكُرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَأَوْفُوا﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى في محل النصب على الظرفية متعلق بـ ﴿اذْكُرُوا﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿قَلِيلًا﴾: خبره، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿كثركم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿كُنْتُمْ﴾. ﴿وَانْظُرُوا﴾:
стр. 4229
فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أوفوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: فعل ناقص واسمه ومضاف إليه و ﴿كَيْفَ﴾ معلقة لـ ﴿انْظُرُوا﴾ عن العمل فيما بعدها، و ﴿كَيْفَ﴾ وما في حيزها في محل النصب بإسقاط الخافض كما في «الفتوحات» في هذا الموضع.
﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. إِنْ: حرف شرط. كانَ طائِفَةٌ: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْكُمْ﴾: صفة لـ ﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب خبر ﴿كانَ﴾. ﴿بِالَّذِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾. ﴿أُرْسِلْتُ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿وَطائِفَةٌ﴾: معطوف على ﴿طائِفَةٌ﴾. ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب خبر ﴿كانَ﴾؛ أي: وإن كانت طائفة منكم مؤمنين بالذي أرسلت به وطائفة غير مؤمنين. ﴿فَاصْبِرُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبا، ﴿اصبروا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جوابا لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ على كونها مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَحْكُمَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد ﴿حَتَّى﴾. ﴿بَيْنَنا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿فَاصْبِرُوا﴾، والتقدير: فاصبروا إلى حكم الله بيننا وبينكم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من الجلالة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: تكبروا، فالسين فيه زائدة.
стр. 4230
﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾؛ أي: نحروها، وأصل العقر الجرح، وعقر الإبل قطع قوائمها، وكانوا يفعلون ذلك بها قبل نحرها لتموت في مكانها ولا تنتقل. وفي «السمين»: والعقر أصله: كشف العراقيب في الإبل، وهو أن يضرب قوائم البعير أو الناقة، فيقع، وكانت سنتهم في الذبح، ثم أطلق على كل عقر، وإن لم يكن فيه كشف العراقيب تسمية للشيء بما يلازمه غالبا إطلاقا للسبب على مسببه هذا
قول الأزهري. وقال ابن قتيبة: العقر: القتل كيف كان، يقال: عقرتها فهي معقور، وقيل: العقر الجرح. اه.
وفي «المصباح»: عقره عقرا - من باب ضرب - جرحه وعقر البعير بالسيف عقرا ضرب قوائمه به، ولا يطلق العقر في غير القوائم، وربما قالوا: عقره إذا نحره، فهو عقير وجمال عقري. اه.
﴿وَعَتَوْا﴾؛ أي: تمردوا مستكبرين، والعتو: الامتناع من الشيء: إما عن عجز وضعف ومنه عتا الشيخ عتيا إذا أسن وكبر، وإما عن قوة كعتو الجبارين والمستكبرين، ويقولون: نخلة عاتية إذا كانت عارية يمتنع جناها على من يريدها إلا بمشقة التسلق والصعود.
وفي «الفتوحات»: العتو والعتي النتو؛ أي: الارتفاع عن الطاعة، يقال منه: عتى يعتو عتوا وعتيا بقلب الواوين ياءين، والأحسن فيه إذا كان مصدرا تصحيح الواوين -: كقوله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ - وإذا كان جمعا الإعلال: نحو قوم عتي؛ لأن الجمع أثقل، فناسبه الإعلال تخفيفا، وقوله تعالى: ﴿أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا﴾ يحتمل الوجهين. اه «سمين».
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الرجفة: المرة من الرجف، وهو الحركة والاضطراب، يقال: رجف البحر إذا اضطربت أمواجه، ورجفت الأرض زلزلت واهتزت، ورجف القلب والفؤاد من الخوف. ﴿فِي دارِهِمْ﴾ دار الرجل ما يسكنها هو وأهله، ويطلق على البلد؛ وهو المراد هنا.
﴿جاثِمِينَ﴾ يقال: جثم الناس إذا قعدوا لا حراك بهم، وفي «السمين» وقال: أبو عبيدة: الجثوم للناس والطير كالبروك للإبل. اه. وفي «المصباح»:
стр. 4231
جثم الطائر والأرنب يجثم من بابي دخل وجلس جثوما، وهو كالبروك من البعير، وربما أطلق على الظباء والإبل، والفاعل جاثم وجثام مبالغة، ثم استعير الثاني مؤكدا بالهاء للرجل الذي يلازم الحضر ولا يسافر، فقيل فيه: جثامة وزان علامة ونسابة، ثم سمي به، ومنه الصعب بن جثامة الليثي. اه. وفي «القاموس»: جثم إذا لزم مكانه ولم يبرح، أو وقع على صدره. اه.
﴿وَلُوطًا﴾ هو (١) لوط بن هاران ابن أخي إبراهيم ﵉ ولد في الطرف الشرقي من جنوب العراق، وكانت تسمى أرض بابل، وكان قد سافر بعد موت والده مع عمه إبراهيم ﵇ إلى ما بين النهرين، وكان يسمى جزيرة قورا، وهناك كانت مملكة أشور، ثم أسكنه إبراهيم شرقي الأردن، لجودة مراعيها، وكان في ذلك المكان المسمى بعمق السديم بقرب البحر الميت، أو بحر لوط قرى خمس سكن لوط في إحداها المسماة بسذوم، وكانت تعمل الخبائث، ولا يوجد الآن ما يدل على موضعها بالتحديد، وبعض الناس يقول: إن البحر قد غمرها، ولا دليل لهم على ذلك.
﴿شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ﴾ شهوة إما مفعول لأجله، أو مصدر واقع موقع الحال؛ أي: مشتهين ملتذين، أو باق على مصدريته، ناصبه أَتَأْتُونَ؛ لأنه بمعنى: أتشتهون شهوة، ويقال: شهي يشهى شهوة وشهى يشهو شهوة من بابي تعب وعلا. كما في «المصباح».
﴿مِنَ الْغابِرِينَ﴾ في «المصباح»: غبر غبورا - من باب قعد - إذا بقي، ويستعمل فيما مضى أيضا، فيكون من الأضداد، قال الزبيدي: غبر غبورا: مكث. اه.
﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ قال أبو عبيد (٢): يقال: مطر في الرحمة، وأمطر في
стр. 4232
العذاب. وقال الراغب: ويقال: مطر في الخير، وأمطر في العذاب قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ وهذا مردود بقوله تعالى: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ فإنهم إنما عتوا بذلك الرحمة، وهو من أمطر رباعيا، ومطر وأمطر بمعنى واحد يتعديان لمفعول واحد، يقال: مطرتهم السماء وأمطرتهم، وقوله: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ ضمن معنى أرسلنا، ولذلك عدو يعلى، وعلى هذا فمطرا مفعول به؛ لأنه يراد به الحجارة، ولا يراد به المصدر أصلا إذا لو كان كذلك؛ لقيل إمطارا، اه «سمين».
﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ﴾ والكيل (١): مصدر كنى به عن الآلة التي يكال بها كقوله في هود: ﴿الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾، فطابق قوله: ﴿وَالْمِيزانَ﴾ وهو باقي على المصدرية، وأريد بالميزان المصدر كالميعاد لا الآلة، فتطابقا، أو حمل الميزان على حذف مضاف؛ أي: ووزن الميزان والكيل على إرادة المكيال، فتطابقا.
﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ يقال: بخسه حقه؛ أي: نقصه ﴿وَلا تُفْسِدُوا﴾ والإفساد شامل لإفساد نظام الاجتماع بالظلم، وأكل أموال الناس بالباطل، وإفساد الأخلاق والآداب بارتكاب الإثم والفواحش، وإفساد العمران بالجهل وعدم النظم.
﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ وإصلاح الأرض هو إصلاح حال أهلها بالعقائد الصحيحة، والأعمال الصالحة المزكية للأنفس، والأعمال المرقية للعمران المحسنة لأحوال المعيشة. ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ الصراط: الطريق المحسوس.
﴿تُوعِدُونَ﴾؛ أي: تخوفون الناس بالقتل والضرب. وفي «القاموس» الوعيد: التهديد، والتوعد: التهدد كالإيعاد. اه. ثم قال: وهدده خوفه. اه.
стр. 4233
﴿إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ يحتمل (١) قلة العدد، ويحتمل قلة المال، ويحتمل قلة القوة التي هي الضعف، فقوله: ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾؛ أي: كثر عددكم وكثركم بالغنى بعد الفقر، وكثركم بالقوة بعد الضعف.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الطباق بين قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ .. و ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾: وبين ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿كافِرُونَ﴾، وبين ﴿الرِّجالَ﴾ و ﴿النِّساءِ﴾ في قوله: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ﴾، وبين قوله: ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا﴾ وقوله ﴿وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾، وفي قوله: ﴿أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ﴾، وفي قوله: ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾، وفي قوله: ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَعَقَرُوا﴾ لأن العاقر واحد منهم، فنسب العقر إلى الكل لرضاهم له نسبة لما للبعض إلى الكل.
ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أي: والصيحة من السماء وقد وقع التصريح بها آية أخرى، فكان عذابهم بالرجفة والصيحة، فذكر في كل موضع واحدة منهما اه «قاري».
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾.
ومنها: السخرية والاستهزاء بلوط وأهله في قوله: ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾
стр. 4234
ويسمى هذا النوع في علم البديع التعريض بما يوهم الذم، ولذلك قال ابن عباس: عابوهم بما يمدح به، وهذا مثل قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
والله أعلم (١)
* * *
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد العاشر»
стр. 4237
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 4238
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[١٠]