تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد العاشر»
стр. 4237
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 4238
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[١٠]
المناسبة
قوله تعالى: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ...﴾ الآيات (١)، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ هذه الآيات من تتمة قصص شعيب، ذكر فيها جواب الملأ من قومه عما أمرهم به من عبادة الله وحده، وإيفاء الكيل والميزان، وعدم الفساد في الأرض، وعما ختم به حديثه من التهديد والإنذار بقوله: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾.
وتولى الرد عليه أشراف قومه، كما هو الشأن في بحث كبريات المسائل ومهام الأمور.
وقوله تعالى: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها ظاهرة: وهي أنّ الله لمّا ذكر جواب الملأ من قوم شعيب، وطلبهم منه العود إلى ملتهم، وبيّن يأسهم منه بما كان من جوابه لهم الدال على ثباته في مقارعتهم، وأنّه دائم النصح والتذكير لهم علّهم يرعوون عن غيّهم .. ذكر هنا أنّهم حذروا من آمن منهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، إذ سيلحقهم الخسار في دينهم، والخسار في دنياهم، لعل ذلك يثنيهم عن عزيمتهم، ويردهم إلى الرشاد من أمرهم، بحسب ما يزعمون، فكانت عاقبة ذلك أن أصبحوا كأمس الدابر، وأصبحت ديارهم خرابا يبابا، لا أنيس فيها ولا جليس.
قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله لمّا ذكر (٢) حال الأمم السابقة مع أنبيائها، وبيّن من العظة والعبرة، فقد كانت العاقبة في كل حال للمتقين، والدائرة تدور على المبطلين .. أشار هنا إلى سنة الله في الأمم التي تكذب رسلها، أن ينزل بها البؤس وشظف العيش، وسوء الحال في دنياهم، ليتضرعوا إلى ربهم وينيبوا إليه بالإقلاع عن كفرهم، والتوبة من تكذيب أنبيائهم، وفي هذا من التحذير لقريش والتخويف لهم ما لا يخفى.
ثم ذكر أنّه بدل الرخاء بالبؤس ليعتبروا ويشكروا، لكنّهم لم يفعلوا فأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
стр. 4243
وقال أبو حيان (١): مناسبتها لما قبلها: أنّ الله لمّا ذكر ما حل بالأمم السالفة من بأسه وسطوته عليهم آخر أمرهم، حين لا تجدي فيهم الموعظة .. ذكر تعالى هنا أنّ تلك عادته في أتباع الأنبياء إذا أصروا على تكذيبهم. انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله لما بيّن أخذه لأهل القرى الذين كذبوا رسلهم، وكفروا بما جاؤوا به، وظلموا أنفسهم وظلموا الناس بما افتنّوا فيه من أفانين الشرك والمعاصي، كما حكى الله في محاورتهم لرسلهم، وإجابة الرسل لهم بما سلف ذكره .. ذكر هنا لأهل مكة ولسائر الناس ما كان يكون من إغداق نعمه تعالى عليهم لو آمنوا بالرسل، واهتدوا بهديهم، واعتبروا بسنة الله في الأمم من قبلهم، فإنّ سنته تعالى في الأمم واحدة، لا تبديل فيها ولا تحويل.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنّها خطاب وجّه إلى النبي ﷺ ، تسلية وتثبيتا له على الصبر على دعوته، بتذكيره بما في قصص أولئك الرسل مع أقوامهم، من وجوه العبر والمواعظ، وبيان أن ما يلاقيه منهم من ضروب العناد والاستكبار والإيذاء، ليس بدعا بين الأمم، بل ذلك طريق سلكه كثير من الأمم المجاورة لهم، كعاد وثمود وأصحاب الأيكة، وغيرهم ممن تقدم ذكرهم، وقصصهم تدور على ألسنتهم بحكم الجوار لهم، وطروق أرضهم في حلهم وترحالهم في رحلتي الشتاء والصيف.
التفسير وأوجه القراءة
٨٨ - ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ أي: قال الأشراف من قوم شعيب، الذين تكبروا وأنفوا عن الإيمان به، وعن اتباع ما أمرهم به وما نهاهم عنه؛ أي: قالوا مقسمين: والله ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ﴾ أنت من قريتنا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾؛ أي:
стр. 4244
ولنخرجن معك الذين آمنوا بك، والظرف متعلق بالإخراج لا بالإيمان، أي: والله لنخرجنك وأتباعك ﴿مِنْ قَرْيَتِنا﴾ مدين؛ أي: من بلادنا كلها، بغضا لكم ودفعا لغشكم ﴿أَوْ﴾ والله ﴿لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾؛ أي: أو لترجعن إلى ديننا ومعتقداتنا التي ورثناها عن آبائنا، وتدخلن في زمرتنا، وتندمجن في غمارنا.
الخلاصة (١): ليكونن أحد الأمرين: إخراجكم من البلاد، أو عودتكم في الملة، فاختاروا لأنفسكم ما ترونه أرفق بكم وأوفق لكم.
وشعيب ﵇ لم يكن قبل النبوة على ملة أخرى غير ملة قومه، فساغ لهم أن يطالبوه بالعود إلى ملتهم، وكونه لم يشاركهم في شركهم وفي بخس الناس أشياءهم - أمر سلبي لا يعده به جمهورهم خروجا عنهم - فلا منافاة بين هذا وعصمة الأنبياء عن الكفر.
قال في «الخازن»: وهذا الكلام فيه إشكال، وهو (٢) أنّ شعيبا ﵇ لم يكن قط على ملتهم حتى يرجع إلى ما كان عليه، فما معنى قوله: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾؟ وأجيب عن هذا الإشكال: بأنّ أتباع شعيب كانوا قبل الإيمان به على ملة أولئك الكفار، فخاطبوا شعيبا وأتباعه جميعا، فدخل هو في الخطاب، وإن لم يكن على ملتهم قط، وقيل معناه: لتصيرن إلى ملتنا، فوقع العود على معنى الابتداء، كما تقول: قد عاد عليّ من فلان مكروه، بمعنى قد لحقني منه ذلك، وإن لم يكن قد سبق منه مكروه، فهو كما قال الشاعر:
فإن تكن الأيّام أحسنّ مدّة ... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
أراد فقد حارت لهن ذنوب، ولم يرد أن ذنوبا كانت لهن قبل الإحسان.
انتهى.
﴿قالَ﴾ شعيب ﵇ ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ﴾؛ أي (٣): أتأمروننا أن نعود
стр. 4245
في ملتكم، وتهددوننا بالنفي من أوطاننا، والإخراج من ديارنا، إن لم نفعل، ولو كنا كارهين لكل من الأمرين؟ والاستفهام فيه للإنكار.
والمعنى: لا تطمعوا في عودنا مختارين ولا مكرهين، فتأمل - ذكره الصاوي - إنّكم لقد جهلتم أنّ الدين عقيدة وأعمال، يتقرب بها إلى الله الذي شرعها لتكميل الفطرة البشرية، كما جهلتم أنّ حب الوطن لا يبلغ منزلة حب الدين لدي ولدى قومي، فظننتم فيّ وفيمن آمن معي أنّنا نؤثر التمتع بالإقامة في الوطن على مرضاة الله تعالى بالتوحيد المطهّر من أدران الخرافات، وبالفضائل المهذبة للنفوس، والمرقية لها في معارج الكمال، حتى تتم لنا سعادة الدنيا والآخرة.
فللدين منزلة في النفوس لا تسمو إليها منزلة أخرى، فإن تمكن صاحبه من إقامته في وطنه، وإصلاح أهله به .. فهم أحق به، وإن فتن في دينه فيه .. كان تركه واجبا عليه، وقد أوجب الله الهجرة على من يستضعف في وطنه، فيمنع من إقامة دينه فيه، فإن لم يفعل ذلك .. دخل تحت وعيد قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا ٩٧ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ﴾ الآية.
وقال الشوكاني (١): وجملة قوله: ﴿قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ﴾ مستأنفة جواب عن سؤال مقدر، والهمزة لإنكار وقوع ما طلبوه من الإخراج أو العود، والواو للحال؛ أي: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا للعود إليها، أو أتخرجوننا من قريتكم في حال كراهتنا للخروج منها، أو في حال كراهتنا للأمرين جميعا؟
والمعنى: أنّه ليس لكم أن تكرهونا على أحد الأمرين، ولا يصح لكم ذلك، فإنّ المكره لا اختيار له، ولا تعد موافقته مكرها موافقة، ولا عوده إلى ملتكم مكرها عودا، وبهذا التقدير يندفع ما استشكله كثير من المفسرين في هذا
стр. 4246
المقام، حتى تسبب من ذلك تطويل ذيول الكلام.
٨٩ - ﴿قَدِ افْتَرَيْنا﴾ واختلقنا ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ ﴿كَذِبًا﴾ عظيما وتخرصنا عليه من القول باطلا ﴿إِنْ﴾ نحن ﴿عُدْنا﴾ ورجعنا ودخلنا في ﴿مِلَّتِكُمْ﴾ الباطلة، وقد علمنا فساد ما أنتم عليه من الملة والدين ﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ﴾ وخلصنا ﴿مِنْها﴾ وبصرنا خطأها، وهدانا الصراط المستقيم، باتباع ملة إبراهيم، وإذا كان اتباع ملتكم يعد افتراء على الله لأنّه قول عليه، لا علم لنا به بوحي ولا برهان من العقل .. فكيف بمن يفتري عليه ويضل عن صراطه على علم؟ فالكفر بالحق وغمطه بعد العلم به هو شر أنواع الكفر، والافتراء على الله فيه أفظع ضروب الافتراء، التي لا تقبل فيها الأعذار بحال.
وفي قوله: ﴿إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ﴾، أيضا فيه من الإشكال (١) مثل ما في الأول، وهو أنّ شعيبا ﵇ ما كان في ملتهم قط حتى يقول: ﴿إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها﴾ والجواب عنه مثل ما أجيب به عن الإشكال الأول، وهو أن تقول: إنّ الله نجى قومه الذين آمنوا به من تلك الملة الباطلة، إلا أنّ شعيبا نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئا مما كانوا عليه من الكفر، فأجرى الكلام على حكم التغليب، وقيل: معنى ﴿نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها﴾ علمنا قبح ملتكم، وفسادها، فكأنّه خلصنا منها. وعبارة المراغي قوله: ﴿إِذْ نَجَّانَا﴾؛ أي: نجى أصحابي منها، فهو تغليب بإدخاله في زمرتهم، أو: نجاني من الإنتماء إلى هذه الملة التي ما كنت أؤمن بعقيدتها، ولا أعمل بعمل أهلها. انتهى.
﴿وَما يَكُونُ لَنا﴾؛ أي: ما ينبغي لنا، ولا يصح منا، ولا يستقيم ﴿أَنْ نَعُودَ﴾ ونرجع إلى ملتكم وندخل ﴿فِيها﴾ ونترك الحق الذي نحن عليه في حال من الأحوال ﴿إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾؛ أي: إلا في حال مشيئة ربنا أن نعود فيها، فهو وحده القادر على ذلك، لا أنتم ولا نحن، لأنّا موقنون بأن ملتكم باطلة، وملتنا هي الحق، التي بها صلاح حال البشر وعمران الأرض، فحينئذ يمضي
стр. 4247
قضاء الله وقدره فينا، وينفذ سابق مشيئته علينا.
وهذه الجملة (١) رفض آخر للعود إلى ملتهم، مؤكد أبلغ التأكيد، مؤس لهم من عودته ومن آمن معه إلى ملتهم، فبعد أن نفى وقوع العود منهم باختيارهم، نفاه نفيا مؤكدا بأنّه ليس من شأنهم، ولا يجىء من قبلهم بحال من الأحوال، كالترغيب والترهيب، بالرجاء في المنافع، والخوف من المضار، كالإخراج من الديار إلا حالا واحدة، وهي مشيئة الله، ومشيئته تجري بحسب علمه وحكمته في خلقه، وسنته في خلقه أن ينصر أهل الحق على أهل الباطل ما داموا ناصرين له، وقائمين بما هداهم إليه منه.
وخلاصة ذلك: لا تطمعوا أن يشاء ربنا الحفي بنا، عودتنا في ملتكم، بعد إذ نجانا منها بفضله، فما كان الله ليدحض حجته ويغير سنته.
وقال الواحدي: معنى (٢) العود هنا الابتداء.
والذي عليه أهل العلم والسنة في هذه الآية: أنّ شعيبا وأصحابه قالوا: ما كنا نرجع إلى ملتكم بعد أن وقفنا على أنّها ضلالة تكسب دخول النار، إلا أن يريد الله إهلاكنا، فأمورنا راجعة إلى الله، غير خارجة عن قبضته، يسعد من يشاء بالطاعة، ويشقي من يشاء بالمعصية، وهذا من شعيب وقومه استسلام لمشيئة الله تعالى، ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾. وكان نبينا محمد ﷺ كثيرا ما يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». قال الزجاج - رحمه الله تعالى -: المعنى: وما يكون لنا أن نعود فيها، إلا أن يكون قد سبق في علم الله ومشيئته أن نعود فيها، وتصديق ذلك قوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾؛ أي: أحاط علم ربنا أزلا بكل الأشياء، ويعلم ما كان وما سيكون، قبل أن يكون، فالسعيد من سعد في علم الله، والشقي من شقي في علم الله، فهو يعلم كل حكمة ومصلحة ومشيئة تجري على موجب الحكمة، فكل
стр. 4248
ما يقع فهو مشتمل عليها، وفي هذا إيماء إلى عدم الأمن من مكر الله سبحانه ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ لا على غيره ﴿تَوَكَّلْنا﴾؛ أي: اعتمدنا، وفي أن يثبتنا على ما نحن عليه من الإيمان، ويحول بيننا وبين الكفر وأهله، ويتم علينا نعمته ويعصمنا من نقمته، وإليه استندنا في أمورنا كلها، فإنّه الكافي لمن توكل عليه؛ أي: إلى الله وحده وكلنا أمورنا، مع قيامنا بكل ما أوجبه علينا من الحفاظ على شرعه ودينه، فهو الذي يكفينا تهديدكم، وما ليس في استطاعتنا من جهادكم ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. إذ من شروط التوكل الصحيح القيام بالأحكام الشرعية، ومراعاة السنن الكونية، والاجتماعية، فمن يترك العمل بالأسباب .. فهو الجاهل المغرور، لا المتوكل المأجور.
كيف وقد قال النبي ﷺ لمن سأله: أيترك ناقته سائبة ويتوكل على الله؟ «إعقلها وتوكل». رواه الترمذي، وقال تعالى مخاطبا رسوله ﷺ ، بعد أن أمره بمشورة أصحابه في غزوة أحد: ﴿فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾؛ وإنما يكون العزم بعد الأخذ في الأسباب، فقد لبس من يومئذ در عين، وأعد العدة لقتال أعدائه، ورتب الجيوش بحسب القوانين المعروفة في ذلك العصر.
وخلاصة رد شعيب على الملأ من قومه: أنّه عجب من تهديدهم وإنذارهم، وأقام الأدلة على امتناع عودهم إلى ملة الكفر باختيارهم، وعدم استطاعة أحد إجبارهم عليه، غير الله الفعال لما يريد، ثمّ ثنى بذكر توكله على الله الذي يكفي من توكل عليه ما أهمه، مما هو فوق كسبه واختياره، ثمّ ثلث بالدعاء الذي لا يكون مرجو الإجابة إلا بعد القيام بعمل ما في الطاقة من الأعمال الكسبية مع التوكل على الله فقال: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ﴾ واحكم وافصل واقض ﴿بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالعدل الذي لا جور فيه، ولا ظلم ولا حيف، الذي مضت به سنتك في التنازع بين المرسلين والكافرين، وبين المحقين والمبطلين. وكرر الظرف في قوله: ﴿بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا﴾ بخلاف قوله: ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ زيادة في تأكيد تميزه ومن معه من قومه ا. هـ. «سمين» ﴿وَأَنْتَ﴾: يا ربنا ﴿خَيْرُ
стр. 4249
الْفاتِحِينَ﴾؛ أي: خير الحاكمين لإحاطة علمك بما يقع به التخاصم، وتنزهك عن ابتاع الظلم واتباع الهوى في الحكم.
٩٠ - ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ أي: وقال جماعة من أشراف قوم شعيب ممن كفر به لآخرين منهم؛ أي: قال الرؤساء من قومه للسفلة ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ في دينه ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾ في حال اتبعتموه فيما يقول ﴿لَخاسِرُونَ﴾؛ أي: لمغبونون في الدين وفي الدنيا؛ لأنّه يمنعكم من أخذ الزيادة من أموال الناس.
والمعنى: وقال الكافرون من قوم شعيب - وهم الملأ الذين جحدوا آيات الله، وكذبوا رسوله، وتمادوا في غيهم - لآخرين منهم: والله لئن اتبعتم شعيبا فيما يقول، وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه من توحيد الله، وأقررتم بنبوته ..
إنّكم إذا لخاسرون في فعلكم وترككم ملتكم التي أنتم عليها، وعمموا الخسران ليشمل خسران الشرف والمجد، إذ بإيثاركم ملته على ملة آبائكم وأجدادكم، تعترفون بأنّهم كانوا ضالين ومعذبين عند الله، وخسران الثروة والربح بما تحترفونه من تطفيف الكيل والميزان، وبخس الغرباء أشياءهم.
ووصف الملأ أولا بالاستكبار؛ لأنّه هو الذي جرّأهم على تهديده، وإنذاره بالإخراج من القرية، وإشعاره بأنّهم أرباب السلطان فيها، وثانيا بالكفر؛ لأنّه هو الحامل على الإغواء وصدهم عن الإيمان، والأخذ بما جاء به، ثم عللوا لهم صدهم بأنّ في ذلك لهم مصلحة أيما مصلحة، وفائدة أيما فائدة.
والخلاصة: أنه تعالى وصفهم أولا بالضلال، ثم وصفهم ثانيا بالإغواء والإضلال.
٩١ - ثم ذكر عاقبة أمرهم وما أصابهم من نكال فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أي: الزلزلة الشديدة المهلكة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ﴾؛ أي: فصاروا في مساكنهم ﴿جاثِمِينَ﴾؛ أي: منكبين على وجوههم ميّتين. وقد بين سبحانه في سورة الشعراء أنّ الله أرسل شعيبا إلى أصحاب الأيكة - وهم إخوة مدين في النسب -. أخرج ابن عساكر، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: كانوا أصحاب غيضة بين ساحل البحر ومدين، وفي ذلك دليل على أن الله أرسله
стр. 4250
إلى أهل مدين وإلى من اتصل بهم إلى ساحل البحر، وأن حال الفريقين في الكفر والمعاصي كانت واحدة، وكان ينذرهم متنقلا بينهم، وكان عذاب مدين بالصيحة والرجفة المصاحبة لها، وعذاب أصحاب الأيكة بالسموم والحر الشديد، وقد انتهى ذلك بظلة من السحاب، فزعوا إليها يتبردون بظلها، فأطلقت عليهم فاختنقوا بها أجمعون.
٩٢ - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: استؤصلوا بالمرة، وصاروا كأنّهم لم يقيموا في قريتهم أصلا؛ أي: عوقبوا بقولهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا﴾. وصاروا هم المخرجين من القرية إخراجا لا دخول بعده أبدا ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ دينا ودنيا دون الذين اتبعوه؛ فإنّهم الرابحون في الدارين.
وعبارة «المراغي» هنا: قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ الآية. جاءت هذه الجملة بيانا من الله لما انتهى إليه أمرهم، وكيف كان عاقبة عملهم، فكأنّ سائلا سأل عما آل إليه تهديدهم لشعيب وقومه بقولهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا﴾ وقولهم لقومهم: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ﴾ فأجاب عن الأول جوابا مناقضا له بقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا ...﴾ إلخ؛ أي: الذين كذبوا شعيبا وأنذروه بالإخراج من قريتهم قد هلكوا وهلكت قريتهم، فحرموها كأن لم يقيموا فيها، ولم يعيشوا فيها بحال، وأجاب عن الثاني: بقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾؛ أي: الذين كذبوا وزعموا أنّ من يتبعه يكون خاسرا، كانوا هم الخاسرين لما كانوا موعودين به من سعادة الدنيا والآخرة، دون الذين اتبعوه؛ فإنّهم كانوا هم الفائزين المفلحين.
وفي الآية (١) إيماء إلى أنّ الحريص على التمتع بالوطن والاستبداد فيه على أهل الحق، تكون عاقبته الحرمان الأبدي منه، كما أنّ الحريص على الربح، بأكل أموال الناس بالباطل، ينتهي بالحرمان منه ومن غيره.
стр. 4251
٩٣ - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾؛ أي: فأدبر شعيب عنهم، وخرج من بين أظهرهم حين أتاهم عذاب الله ﴿وَقالَ﴾ حزنا عليهم ﴿يا قَوْمِ﴾ والله ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾ وأديت إليكم ما بعثني به إليكم، من الأوامر والنواهي والتوحيد وَنَصَحْتُ لَكُمْ؛ أي: وأظهرت لكم النصح فأبيتم قبوله، فجاءكم العذاب ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾؛ أي: فكيف أحزن على عذاب قوم جحدوا وحدانية الله، وكذبوا رسله، وأتوجع لهلاكهم، بعد أن أعذرت إليهم، وبذلت جهدي في سبيل هدايتهم ونجاتهم، فاختاروا ما فيه هلاكهم؛ لأنّهم هم الذين أهلكوا أنفسهم بسبب إصرارهم على الكفر وإنّما يأسى من قصر فيما يجب عليه من النصح والإنذار.
والمعنى (١): لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة مما حل بكم، فلم تسمعوا قولي، ولم تقبلوا نصحي، فكيف آسى عليكم؟ والمراد: أنّهم ليسوا مستحقين بأن يأسى الإنسان عليهم، والاستفهام فيه للإنكار وفيه معنى التعجب.
٩٤ - ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ﴾ من القرى ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾؛ أي: نبيا من الأنبياء فكذبه أهلها ﴿إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها﴾؛ أي: عاقبناهم ﴿بِالْبَأْساءِ﴾؛ أي: بالشدة في أحوالهم، كالخوف وضيق العيش ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾؛ أي: الأمراض والأوجاع، أي: وما أرسلنا في قرية من القرى نبيا من الأنبياء، فكذبه أهلها، إلا أخذنا أهلها وعاقبناهم بالفقر والجوع، والأوجاع والأمراض ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾؛ أي: لكي يتضرعوا ويتذللوا، فيدعوا ما هم عليه من الاستكبار وتكذيب الأنبياء، وينقادوا لأمر الله تعالى.
والمعنى: أنّ سنتنا قد جرت - ولا مبدل لها - أنّنا إذا أرسلنا نبيا في قوم وكذبوه .. أنزلنا بهم الشدائد والمصائب، لنعدّهم ونؤهّلهم للتضرع والإخلاص في دعائنا بكشفها، وقد ثبت بالتجارب لدى علماء الأخلاق: أنّ الشدائد تربي الناس، وتصلح فساد أحوالهم، فالمؤمن قد يشغله هناء العيش عن حاجته إلى
стр. 4252
ربه، لكن الشدائد تذكره به، والكافر بالنعم قد يعرف قيمتها له بفقدها، وتنبهه الشدائد والأهوال إلى وجود الرب الخالق، والمدبر لأمور الخلق، وتذكره الأهوال بمصدر هذا النظام في الكون
٩٥ - ﴿ثُمَّ﴾ بعدما أخذناهم بالبأساء والضراء ﴿بَدَّلْنا﴾؛ أي: أعطينا لهم ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾؛ أي: بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة ﴿الْحَسَنَةَ﴾؛ أي: الرخاء والسعة؛ أي: ثمّ أعطيناهم السعة والصحة بدل ما كانوا فيه من البلاء والمرض؛ لأنّ ورود النعمة في المال والبدن يدعو إلى الاشتغال بالشكر، والمراد: بدلنا مكان الحال السيئة من البأساء والضراء، الحال الحسنة من السراء والنعمة حَتَّى ﴿عَفَوْا﴾؛ أي: حتى كثروا في أنفسهم وأموالهم ونموا، إذ إنّ الرخاء مما يكون سببا في كثرة النسل، وبه تتم النعمة في الدنيا على الموسرين، ومن هذه الحسنات: ما حدث لقوم هود من النعم التي بطروا بها، وذكرهم هود بها في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وكذا ما قاله صالح لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. ﴿وَقالُوا﴾ قولا يدل على أنّهم لا يعتبرون بأحداث الزمان، إذ قالوا: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنَا﴾ ممن قبلنا ﴿الضَّرَّاءُ﴾؛ أي: ما يسؤهم من الشدائد والأمراض ﴿وَالسَّرَّاءُ﴾؛ أي: ما يسرهم من الرخاء والراحة والخصب، كما أصابنا، وما نحن إلا مثلهم، فيصيبنا مثل ما أصابهم، وهذه عادة الزمان في أهله، فمرة يحصل فيهم الشدة والنكد، ومرة يحصل لهم الرخاء والراحة، وتلك عادة الدهر بأبنائه، فلا الضراء عقاب على ذنب يرتكب، ولا السراء جزاء على صالحات تكتسب، فصبروا على دينهم، فنحن مثلهم، نقتدي بهم، فليست عقوبة من الله بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل، فلمّا لم ينقادوا بالشدة وبالرخاء، ولم ينتفعوا بذلك الإمهال .. أخذهم الله بغتة أينما كانوا، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾ بعد ذلك ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة بالعذاب ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: والحال أنّهم لا يعلمون وقت نزول العذاب بهم، ولا يخطرون ببالهم شيئا من المكاره، أي: فكان عاقبة أمرهم أن أخذناهم بالعذاب فجأة، وهم لا شعور لديهم بما سيحل بهم، إذ هم
стр. 4253
قد جهلوا سنن الله التي وضعها في شؤون الاجتماع، فلا هم اهتدوا إليها بعقولهم، ولا هم صدقوا الرسل فيما أنذروهم به، ونحو هذه الآية قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾.
فالكافرون إذا مسهم الشر .. يئسوا وابتأسوا، وإذا مسهم الخير .. بطروا واستكبروا وبغوا في الأرض، وأهلكوا الحرث والنسل، والمؤمنون بالله وما جاء به رسله تكون الشدائد والمصائب تربية لهم وتمحيصا.
ولما ترك (١) المسلمون هدى القرآن في حكوماتهم ومصالحهم العامة، في أعمال الأفراد .. سلبهم الله ما أعطاهم من أنواع العلم والحكمة، واتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، فاتبعوا أهل الكتاب في خرافاتهم وحفلهم، وتقليد آبائهم وأجدادهم، فغشيهم الجهل والثابتة منهم قلدوا الإفرنج في الفسق والفجور، وشر ما وصلوا إليه في طور فساد حضارتهم، وقلدوهم حتى فيما لا يوافق أحوالهم وبلادهم ومصالحهم.
٩٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى﴾ الذين أهلكناهم ﴿آمَنُوا﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ﴿لَفَتَحْنا﴾؛ أي: لبسطنا ﴿عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ﴾ بالمطر ﴿وَ﴾ بركات من ﴿الْأَرْضِ﴾ بالنبات، والثمار، والحبوب، والمواشي، والأمن، والسلامة؛ أي: لوسعنا عليهم الخيرات من فوقهم ومن تحتهم، ومن كل الجوانب من النعم التي لم يروا مثلها قط. وقال (٢) السدّي: المعنى: لفتحنا عليهم أبواب السماء والأرض بالرزق، وقيل: بركات السماء إجابة الدعاء، وبركات الأرض تيسير الحاجات. وقيل: البركات النمو والزيادة، فمن السماء بجهة المطر والريح والشمس والقمر، ومن الأرض بجهة النبات والحفظ لما نبت؛ وذلك لأنّ السماء تجري مجرى الأب، والأرض تجري مجرى الأم،
стр. 4254
ومنهما تحصل جميع الخيرات بخلق الله وتدبيره. ذكره أبو حيان.
وقرأ ابن (١) عامر وعيسى الثقفي وأبو عبد الرحمن: ﴿لَفَتَحْنا﴾ بتشديد التاء. ومعنى الفتح هنا التيسير عليهم، كما تيسر على الأبواب المنغلقة بفتحها، ومنه: فتحت على القارىء، إذا يسرت عليه بتلقينك إياه ما تعذر عليه حفظه من القرآن إذا أراد القراءة.
والمعنى (٢): ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى﴾ التي أرسلنا إليها رسلنا ﴿آمَنُوا﴾ بالرسل المرسلين إليهم ﴿وَاتَّقَوْا﴾ ما صمموا عليه من الكفر، ولم يصروا على ما فعلوا من القبائح ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: ليسرنا لهم خير السماء والأرض، كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها، ويجوز أن يكون اللام في ﴿الْقُرى﴾ للجنس، والمعنى: ولو أنّ أهل القرى أينما كانوا، وفي أي بلد سكنوا آمنوا واتقوا. إلى آخر الآية.
وقيل المعنى (٣): ولو أنّ أهل مكة ومن حولهم من أهل القرى آمنوا بما دعاهم إليه خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه، من عبادته تعالى وحده، واتقوا ما نهاهم عنه من الشرك والفساد في الأرض، بارتكاب الفواحش والآثام .. لفتحنا عليهم أنواعا من بركات السماء والأرض لم يعهدوها من قبل، فتكون لهم أبواب نعم وبركات، غير التي عهدوا في صفاتها ونمائها وثباتها وأثرها فيهم، فأنزلنا عليهم الأمطار النافعة التي تخصب الأرض، وتكسب البلاد رفاهية العيش، وآتيناهم من العلوم والمعارف، وفهم سنن الكون، ما لم يصل إلى مثله البشر من قبل.
والخلاصة: أنّهم لو آمنوا .. لوسعنا عليهم الخير من كل جانب، ويسرناه لهم، بدل ما أصابهم من عقوبات بعضها من السماء، وبعضها من الأرض.
والقاعدة التي أقرها القرآن الكريم: أنّ الإيمان الصحيح، ودين الحق سبب
стр. 4255
في سعادة الدنيا، ويشارك المؤمنين في المادي منها الكفار، وكما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: إنّ ذلك الفتح كان ابتلاء واختبارا لحالهم، وكان من أثره فيهم البطر والأشر، بدلا من الشكر لمولي النعم، فكان نقمة لا نعمة، وفتنة لا بركة، ولكن المؤمنين إذا فتح الله عليهم .. كان أثره فيهم شكر الله تعالى عليه، والاغتباط بفضله، واستعماله في سبيل الخير دون الشر، وفي الإصلاح دون الإفساد، وكان جزاؤهم على ذلك زيادة النعم في الدنيا، وحسن الثواب عليها في الآخرة.
﴿وَلكِنْ كَذَّبُوا﴾ بالأنبياء ولم يؤمنوا ولا اتقوا ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾ بالعذاب والجدوبة ﴿بـ﴾ سبب ﴿ما كانوا يكسبون﴾ من الذنوب والمعاصي الموجبة لعذابهم، أو بسبب كسبهم الذنوب.
أي: ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا، بل كذبوا، فأخذناهم بما كانوا يعملون من أعمال الشرك والمعاصي التي تفسد نظم المجتمع البشري، وذلك الأخذ بالشدة أثر لازم لكسبهم المعاصي، بحسب السنن التي وضعها المولى في الكون، ويكون فيه العبرة لأمثالهم، إن كانوا يعقلون هذه النواميس العامة، التي لا تبديل فيها ولا تغيير.
٩٧ - ثم عجب من حالهم وذكر من غفلتهم فقال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ والتقريع، والهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف، والتقدير: أجهل أهل مكة وغيرهم من أهل القرى الذين بلغتهم الدعوة والذين ستبلغهم ما نزل بمن قبلهم، وغرهم ما هم فيه من نعمة فأمنوا؟ ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا﴾؛ أي: عذابنا ﴿بَياتًا﴾؛ أي: ليلا ﴿وَهُمْ نائِمُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم غافلون عن ذلك، فلا ينبغي لهم أن يأمنوا ذلك،
٩٨ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي أيضا، داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أجهلوا ذلك وأمنوا؟ ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا﴾؛ أي: عذابنا ﴿ضُحًى﴾؛ أي: نهارا ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: والحال أنّهم يشتغلون بما لا ينفهم؛ أي: والحال أنّهم مشتغلون باللعب،
стр. 4256
ومنهمكون في أعمالهم التي هي كأنّها لعب أطفال، لعدم الفائدة التي تترتب عليها.
والخلاصة: أنّه تعالى خوفهم نزول العذاب بهم في أوقات الغفلات، إما وقت النوم، وإمّا وقت الضحى، إذ يكثر فيه تشاغل الناس باللذات. وفي «الخازن»: والمقصود من الآية أنّ الله خوفهم بنزول العذاب وهم في غاية الغفلة، وهو حال النوم في الليل، ووقت الضحى في النهار؛ لأنّه الوقت الذي يغلب على الإنسان التشاغل فيه بأمور الدنيا، وأمور الدنيا كلها لعب، ويحتمل أن يكون المراد خوضهم في كفرهم، وذلك لعب أيضا يضر ولا ينفع.
انتهى.
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر (١): ﴿أو أمن﴾ بسكون الواو، وجعل أو عاطفة، ومعناها التنويع، لا أن معناها الإباحة أو التخيير، خلافا لمن ذهب إلى ذلك، وحذف ورش همزة: ﴿أَمِنَ﴾ ونقل حركتها إلى الواو الساكنة، والباقون بهمزة، فالاستفهام بعدها واو العطف، وتكرر لفظ ﴿أَهْلُ الْقُرى﴾ لما في ذلك من التسميع والإبلاغ والتهديد والوعيد بالسامع، ما لا يكون في الضمير لو قال: أو أمنوا؛ فإنه متى قصد التفخيم والتعظيم والتهويل جيء بالاسم الظاهر.
٩٩ - والاستفهام في قوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ للتقريع (٢) والتوبيخ وإنكار ما هم عليه من أمان ما لا يؤمن من مكر الله بهم وعقوبته لهم في هذين الوقتين، وفي تكرير هذا الاستفهام زيادة تقرير لإنكار ما أنكره عليهم، وجاء العطف بالفاء وإسناد الفعل إلى الضمير؛ لأن الجملة المعطوفة تكرير لقوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ أو ﴿أَمِنَ﴾ وتأكيد لمضمون ذلك، فناسب إعادة الجملة مصحوبة بالفاء.
وقال أبو السعود: تكرير المكرر لزيادة التوبيخ والتقريع، والمراد بـ ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ هنا إتيان بأسه في الوقتين المذكورين؛ ولذلك عطف الأول والثالث بالفاء؛ فإنّ الإنكار فيهما متوجه إلى ترتب الأمن على الأخذ المذكور، وأما الثاني فمن تتمته
стр. 4257
الأول، فلذلك عطف بالواو. انتهى.
و ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ مصدر مضاف إلى الفاعل، وهو كناية عن أخذه العبد من حيث لا يشعر. قال ابن عطية: و ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ هي إضافة مخلوق إلى الخالق، كما تقول: ناقة الله وبيت الله، والمراد فعل معاقب به مكر الكفرة، فلما كان عقوبة الذنب .. أضيف إلى الله؛ فإن العرب تسمى العقوبة - على أي جهة كانت - باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة. وهذا نص في قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾. انتهى، وقال عطية: ألقوا في مكر الله: عذابه وجزاؤه على مكرهم، وقيل: مكره تعالى استدراجه بالنعمة والصحة، وأخذه على غرة، وكرر المكر مضافا إلى الله تحقيقا لوقوع جزاء المكر بهم. ذكره أبو حيان في «البحر».
والمذهب الأسلم الذي نلقى الله عليه: أن مكر الله تعالى صفة ثابتة له تعالى فنثبتها، ولا نكيفه ولا نعطله، أثرها أخذ العبد من حيث لا يشعر.
والمعنى: أجهلوا بأس الله تعالى بمن قبلهم، فأمنوا مكر الله لهم في هذين الوقتين: البيات والضحى ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ وعذابه ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾؛ أي: إلا الكافرون الذين خسروا أنفسهم، حتى صاروا إلى النار المؤبدة.
وقال المراغي: وإذا كانت الآية ناطقة بأن أمن الصالح المتعبد من مكر الله جهلا يورث الخسر، فما بال من يأمن مكر الله وهو مسترسل في معاصيه، إتكالا على عفوه ومغفرته ورحمته؟!. وقد كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء بقوله: «اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك». وذكر سبحانه أنّ الراسخين في العلم يدعونه فيقولون: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ
هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
وكما أن الأمن من مكر الله خسران ومفسدة .. فاليأس من رحمة الله كذلك، فكلاهما مفسدة تتبعها مفاسد.
١٠٠ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها﴾ للتوبيخ والتقريع، كالتي قبلها، وهي داخلة على محذوف، والواو عاطفة ما بعدها على
стр. 4258
ذلك المحذوف، والتقدير: أجهل الذين يرثون أرض مكة وما حولها من بعد إهلاك أهلها الذين هم أسلافهم سنتنا فيمن قبلهم؟ أي: أجهل هؤلاء الوارثون سنتنا فيمن قبلهم، من إهلاكهم بذنوبهم، ولم يهد لهم؛ أي: ولم يتبين لهؤلاء الوارثين من بعد إهلاك أهلها، الذين هم أسلافهم. ﴿أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كما أصبنا أولئك المتقدمين؛ أي: أجهلوا سنتنا فيمن قبلهم ولم يبين لهم؟ أي: لهؤلاء الوارثين أنّه؛ أي: أن الشأن والحال، لو شئنا وأردنا إصابة هؤلاء الوارثين بذنوبهم، أصبناهم وأهلكناهم بذنوبهم، وكفرهم بمحمد ﷺ ، كما أصبنا وأهلكنا أولئك الموروثين الذين هم أسلافهم بذنوبهم، والواو في قوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ بمعنى (أو) التي تمنع الجمع، عاطفة ما بعدها على أصبناهم؛ أي: أو نطبع ونختم على قلوب هؤلاء الوارثين إن نهلكهم بالعذاب، كما طبعنا على قلوب أولئك المتقدمين ﴿فَهُمْ﴾؛ أي: هؤلاء الوارثون حينئذ؛ أي: حين إذ طبعنا على قلوبهم ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ الموعظة من أخبار الأمم المهلكة، ولا يقبلونها.
والمراد (١): لو شئنا نفعل بهؤلاء الوارثين إما الإهلاك وإما الطبع على القلب؛ لأنّ الإهلاك لا يجتمع مع الطبع على القلب، فإذا أهلك شخص يستحيل أن يطبع على قلبه؛ وإنّما يجعل الطبع حال استمراره على الكفر، فهو يكفر أولا، ثم يكون مطبوعا عليه في الكفر، ولم يكن هذا التقرير منافيا لصحة عطف قوله: ﴿وَنَطْبَعُ﴾ على ﴿أَصَبْناهُمْ﴾.
والمعنى: أي أكان (٢) ما ذكر آنفا مجهولا لأهل القرى، وأنه هو سنة الله، ولم يتبين لأولئك الذين يرثون الأرض من بعد أهلها، قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، أنّ شأننا فيهم، كشأننا فيمن سبقهم، فهم خاضعون لمشيئتنا، فلو نشاء أن نعذبهم بسبب ذنوبهم لعذبناهم، كما أصبنا أمثالهم ممن قبلهم بمثلها، وأهلكناهم كما أهلكناهم، فإن لم نهلكهم بالعذاب .. نطبع على قلوبهم، فلا يسمعون
стр. 4259
الحكم والنصائح سماع تفقه وتدبر ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾. إذ أن قلوبهم قد ملئت بمعتقدات وشهوات تصرفها عن غيرها، فجعلتهم من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا، وقد كان في مثل هذه القصص عبرة للمسلمين أيما عبرة، فكتابهم يقص عليهم قصص الأمم قبلهم، ويبين لهم أنّ ذنوب الأمم لا تغفر، كذنوب الأفراد، وسننه فيها لا تتبدل ولا تتحول، فكان عليهم أن يتقوا كل ما قصه من ذنوب الأمم التي هلك بها من قبلهم، وزالت بها الدولة لأعدائهم، ولكنهم قصروا في وعظ الأمة بها، وإنذارهم عاقبة الإعراض عنها، وكان عليهم أن يعتبروا بقول النبي ﷺ : «شيبتني هود وأخواتها» وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾.
وفي «زاد المسير» وقرأ يعقوب (١): ﴿نهد﴾ بالنون، وكذلك في طه والسجدة. قال الزجاج: من قرأ بالياء .. فالمعنى: أو لم يبين الله لهم؟ ومن قرأ بالنون .. فالمعنى: أو لم نبين؟ انتهى.
وقال الشوكاني: قرىء ﴿نهد﴾ (٢) بالنون وبالتحتية، فعلى قراءة النون يكون فاعل الفعل هو الله ، ومفعول الفعل: ﴿أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: أنّ الشأن هو هذا، وعلى قراءة التحتية يكون فاعل يَهْدِ هو ﴿أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: أخذناهم بكفرهم وتكذيبهم، والهداية هنا بمعنى التبيين، ولهذا عدّيت باللام. انتهى.
١٠١ - ﴿تِلْكَ الْقُرى﴾ التي بعد عهدها، وطال الأمد على تاريخها، وجهل قومك حقيقة حالها التي أهلكناها - وهي قرى قوم نوح، وهود وصالح، ولوط، وشعيب - المتقدم ذكرها ﴿نَقُصُّ﴾ ونتلو ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمد ونخبرك ﴿مِنْ أَنْبائِها﴾؛ أي: بعض أخبارها، مما فيه العبرة لقومك، والتسلية لك وللمؤمنين؛ لأنّه (٣) إنّما قص عليه ﷺ ما فيه عظة وإنزجار، دون غيرهما، ولها أنباء غيرها لم يقصها عليه؛
стр. 4260
وإنّما قص عليه أنباء أهل هذه القرى؛ لأنّهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم، فتوهموا أنّهم على الحق، فذكرها الله تعالى لقوم محمد ﷺ ليحترزوا عن مثل تلك الأعمال.
أي: نقص أنباءها عليك لتتسلى، وليحذر كفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصاب هذه القرى، والمضارع يحتمل أن يكون على معناه، والمعنى: نقص عليك فيما سيأتي مفترقا في السور، كما هو الواقع، فإنّ القرى المذكورة فيما سبق ستأتي قصصها في السور الآتية بأبسط مما ذكر هنا، ويحتمل أن يكون بمعنى الماضي، ويحتمل أن يكون بالمعنيين.
وقال المراغي: والحكمة في تخصصها بالذكر، أنّها كانت في بلاد العرب وما جاورها، وكان أهل مكة. وغيرهم ممن وجهت إليهم الدعوة أول الإسلام يتناقلون بعض أخبارها، وهي جميعا طبعت على غرار واحد في تكذيب الرسل، والمماراة فيما جاؤوا به من النذر، فحل بهم النكال بعذاب الاستئصال، فالعبرة في جميعها واحدة، ومن ثم فصلها في قصة موسى الآتية؛ لأنّ قومه آمنوا به، وإنّما كذب فرعون. انتهى.
واللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ موطئة للقسم؛ أي: إنّ من أخبارهم - والله - لقد جاءتهم؛ أي: لقد جاءت كل أمة من تلك الأمم المهلكة أنبياءهم، الذين أرسلوا إليهم بالبينات؛ أي: المعجزات الواضحة، الدالة على صحة رسالتهم الموجبة للإيمان ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: فما كان أهل تلك القرى - بعد رؤية تلك المعجزات - ليؤمنوا بالشرائع التي كذبوها قبل رؤية تلك المعجزات، والمعنى (١): كانت كلّ أمة من تلك الأمم في زمن الجاهلية يتسامعون بكلمة التوحيد من بقايا من قبلهم فيكذبونها، ثم كانت حالهم بعد مجيء نبيهم الذي أرسل إليهم كحالتهم قبل ذلك، كأن لم يبعث إليهم أحد.
стр. 4261
والمعنى (١): ولقد جاء أهل تلك القرى رسلهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم، وبالآيات التي اقترحوها عليهم لإقامة حجتهم، فجاء كل رسول قومه بما أعذر به إليهم، ولكن لم يكن من شأنهم أن يؤمنوا بعد مجيء البينات بما كذبوا به من قبل مجيئها حين بدأ الدعوة إلى التوحيد، وعبادة الله وحده بما شرعه، وترك الشرك والمعاصي.
ذاك أنّ شأن المكذبين عنادا أو تقليدا .. أن يصروا على التكذيب بعد إقامة الحجة، إذ لا قيمة لها في نظرهم، فهم إمّا جاحدون ومعاندون ضلوا على علم، وإما مقلدون يأبون النظر والفهم.
﴿كَذلِكَ﴾؛ أي: كما طبع الله ، وختم على قلوب كفار الأمم الخالية، من أهل القرى المذكورة وأهلكهم ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ ويختم ﴿عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ﴾ الذين كتب عليهم أنّهم لا يؤمنون من قومك، فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر، فلا ينجع فيهم بعد ذلك وعظ ولا تذكير، ولا ترغيب ولا ترهيب؛ أي: مثل ما ذكر من عناد هؤلاء وإصرارهم على الضلال، وعدم تأثير الدلائل والبينات في عقولهم .. يكون الطبع على قلوب من ران الكفر على قلوبهم، وصار العناد ديدنهم، سنة الله في أخلاق البشر وأحوالهم، إذ هم يأنسون بالكفر وأعماله، وتستحوذ أوهامه على عقولهم، ويملأ حب الشهوات أفئدتهم، فلا يقبلون بحثا، ولا فيما هم عليه نقدا، فما مثلها إلا مثل السكة التي طبعت على طابع خاص أثناء سبك معدنها وإذابته، ثمّ جمدت، فلا تقبل بعد ذلك نقضا ولا شكلا آخر. وفي الآية تسلية للنبي ﷺ ، وإعلام له بأنّ أهل مكة قد وصلوا إلى حال من الجمود والعناد، وفساد الفطرة وإهمال النظر والعقل، لا تؤثر فيها البينات وإن وضحت، والآيات وإن اقترحت، وقد كانوا يقترحون عليه الآيات، وكان يتمنى أن يؤتيه الله ما اقترحوا منها حرصا على إيمانهم، حتى بين الله له طباعهم وأخلاقهم، ليعرف مبلغ أمرهم في قبول دعوته، وأنّه لا أمل له
стр. 4262
فيهم بحال
١٠٢ - ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾؛ أي: وما وجدنا (١) لأكثر الأمم الخالية والقرون الماضية، الذين قصصنا خبرهم عليك يا محمد - من وفاء بالعهد الذي عهدنا إليهم، وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق - قال ابن عباس: إنّما أهلك الله أهل القرى .. لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به؛ أي: وما وجدنا (٢) لأكثر أولئك الأقوام عهدا يفون به، سواء أكان عهد الفطرة التي فطر الله الناس عليها، إذ قد فطر الله أنفس البشر على الشعور بسلطان غيبي فوق جميع القوى، وعلى إيثار الحسن، واجتناب غيره، وعلى حب الكمال، وكراهة النقص، أم كان العهد الذي أخذه ربهم عليهم - وهم في الأصلاب - أنه ربهم ومليكهم، وأنّه لا إله إلا هو، وأقروا بذلك، وشهدوا على أنفسهم به، وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا معه غيره، بلا دليل ولا حجة من عقل ولا شرع، وقد جاء في «صحيح مسلم»: «يقول الله: إنّي خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم» وفي «الصحيحين»: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ..
﴿وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾؛ أي: وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين خارجين عن طاعتنا وأمرنا، وهذا المعنى على مذهب الكوفيين من كون ﴿إِنْ﴾ للنفي واللام بمعنى إلا، وعند غيرهم إنّ ﴿إِنْ﴾ مخففة، واسمها ضمير الشأن، واللام فارقة، والمعنى حينئذ أي: وإنّ الشأن والحال وجدنا أكثر الأمم في عالم الشهادة، خارجين عن كل عهد فطري وشرعي وعرفي، فهم ناكثون غادرون للعهود، مرتكبون أفانين المعاصي، وفي التعبير بالأكثر إيماء إلى أنّ بعضهم قد آمن والتزم كل عهد عاهده الله عليه، أو تعاهد عليه مع الناس.
الإعراب
﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ﴾.
стр. 4263
﴿قالَ الْمَلَأُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، كأنّه قيل: فماذا قالوا بعد سماعهم هذه المواعظ من شعيب؟ إه أبو السعود. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول صفة للملأ ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، مِنْ قَوْمِهِ: جار ومجرور، حال من واو ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾. ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ﴾ إلى قوله: ﴿قالَ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ﴾ اللام: موطئة للقسم ﴿نخرجنك﴾ فعل ومفعول، ونون توكيد، وفاعله ضمير يعود على المتكلمين، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم المحذوف في محل النصب مقول قالوا ﴿يا شُعَيْبُ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء مقول القول على كونها معترضة ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب، معطوف على الكاف في ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول ﴿مَعَكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نخرجنك﴾ وفي «الفتوحات» قوله: ﴿مَعَكَ﴾ متعلق بالإخراج لا بالإيمان ﴿مِنْ قَرْيَتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نخرجنك﴾ ﴿أَوْ﴾: حرف عطف، ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ واللام: موطئة للقسم المحذوف ﴿تعودن﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكين، في محل الرفع فاعل؛ لأنّ أصله تعودونن، والجملة الفعلية جواب للقسم المحذوف، وجملة القسم معطوف على جملة القسم في قوله: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ﴾. ﴿فِي مِلَّتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تعودن﴾.
﴿قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ﴾.
﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿شُعَيْبُ﴾: والجملة مستأنفة. ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ﴾ إلى قوله: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾. وإن شئت قلت: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف تقديره: أتعيدوننا في ملتكم، أو تخرجوننا من قريتكم كارهين، كلا الأمرين، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ (١). قال الزمخشري: الهمزة:
стр. 4264
للاستفهام، والواو: واو الحال تقديره: أتعيدوننا في ملتكم في حال كراهتنا، أو مع كوننا كارهين. انتهى. فجعل الاستفهام خاصا بالعود في ملتهم، وليس كذلك، بل الاستفهام هو عن أحد الأمرين: الإخراج أو العود، وجعل الواو واو الحال، وقدره: تعيدوننا في حال كراهتنا وليست واو الحال التي يعبر عنها النحويون بواو الحال، بل هي واو العطف، عطفت على حال محذوفة كقوله: ردوا السائل ولو بظلف محرق، ليس المعنى ردوه في حال الصدقة عليه بظلف محرق، بل المعنى: ردوه مصحوبا بالصدقة، ولو مصحوبا بظلف محرق. ذكره أبو حيان في «البحر». والواو: واو الحال: ﴿لَوْ﴾: حرف شرط بمعنى إن الشرطية ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿كارِهِينَ﴾: خبره، وجملة كان فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. وجوابها معلوم مما قبلها تقديره: أو لو كنا كارهين تعيدوننا أو تخرجوننا؟ وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب، حال من ضمير المفعول في الفعل المحذوف تقديره: أتعيدوننا، أو أتخرجوننا، حالة كوننا كارهين كلا الأمرين؟
﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾.
﴿قَدِ افْتَرَيْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة على كونها مقول ﴿قالَ﴾. وجواب القسم محذوف تقديره: والله لقد افترينا ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿افْتَرَيْنا﴾. ﴿كَذِبًا﴾: مفعول به ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿عُدْنا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾، على كونها فعل شرط لها فِي ﴿مِلَّتِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿عُدْنا﴾: وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن عدنا في ملتكم .. فقد افترينا على الله كذبا. وجملة ﴿إِنْ﴾: الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿بَعْدَ﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿عُدْنا﴾. ﴿بَعْدَ﴾: مضاف ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مضاف إليه، ﴿نَجَّانَا اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْها﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، والتقدير: بعد وقت تنجية الله تعالى إيانا منها ﴿وَما﴾ الواو: عاطفة ما: نافية، ﴿يَكُونُ﴾:
стр. 4265
فعل مضارع ناقص ﴿لَنا﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿يَكُونُ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿نَعُودَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿إِنْ﴾: وفاعله ضمير المتكلمين يعود على ﴿شُعَيْبُ﴾ وأتباعه ﴿فِيها﴾ جار ومجرور، متعلق به، والجملة الفعلية صلة ﴿أنْ﴾ المصدرية ﴿أنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿يَكُونُ﴾ تقديره: وما يكون العود فيها كائنا لنا، وجملة ﴿يَكُونُ﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من عام الأحوال ﴿أنْ﴾: حرف مصدر، ﴿يَشاءَ﴾: منصوب به، ﴿اللَّهِ﴾: فاعل، ﴿رَبُّنا﴾: بدل من الجلالة، أو عطف بيان منه، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: عودنا، وجملة، ﴿أنْ﴾ المصدرية مع ما في حيزها في تأويل مصدر مجرور بإضافة المستثنى المقدر إليه والتقدير: وما يكون لنا أن نعود فيها في حال من الأحوال، إلا في حال مشيئة الله عودنا فيها ﴿وَسِعَ رَبُّنا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول به لـ ﴿وَسِعَ﴾. ﴿عِلْمًا﴾: تمييز محول عن الفاعل؛ أي: وسع علمه كل شيء ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَوَكَّلْنا﴾. ﴿تَوَكَّلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿رَبُّنا﴾ منادى مضاف ﴿افْتَحْ﴾ فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾: ﴿بَيْنَنا﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿افْتَحْ﴾. ﴿وَبَيْنَ قَوْمِنا﴾: ظرف ومضاف إليه، معطوف على الظرف الأول ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿افْتَحْ﴾. ﴿وَأَنْتَ﴾: مبتدأ ﴿خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٩٠)﴾.
﴿وَقالَ الْمَلَأُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْمَلَأُ﴾، كَفَرُوا: صلة الموصول، ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: حال من الواو ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾: إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: اللام: موطئة للقسم ﴿إن﴾: حرف شرط ﴿اتَّبَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿شُعَيْبًا﴾: مفعول به، ﴿إِنَّكُمْ﴾: ﴿إن﴾: حرف نصب، والكاف:
стр. 4266
اسمها، ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء ملغاة لا عمل لها لعدم دخولها على الفعل.
﴿لَخاسِرُونَ﴾: اللام: حرف ابتداء، ﴿خاسرون﴾: خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: من اسمها وخبرها جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم تقديره: إن اتبعتم شعيبا .. فإنّكم لخاسرون.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب ﴿أخذتهم الرجفة﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾، الفاء: عاطفة ﴿أصبحوا﴾: فعل ناقص، واسمه ﴿فِي دارِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿جاثِمِينَ﴾، جاثِمِينَ خبر ﴿أصبحوا﴾، وجملة ﴿أصبحوا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، ﴿كَأَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن تقديره: كأنهم ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿يَغْنَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿كَأَنْ﴾ وجملة ﴿كَأَنْ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾: مبتدأ، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْخاسِرِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣)﴾.
﴿فَتَوَلَّى﴾: الفاء: عاطفة، ﴿تولى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على شعيب، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، وما بينهما اعتراض، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تولى﴾ ﴿وَقالَ﴾: معطوف على ﴿تولى﴾، ﴿يا قَوْمِ﴾: إلى آخر الآية مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿يا قَوْمِ﴾: منادى
стр. 4267
مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿لَقَدْ﴾: اللام: موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول، ﴿رِسالاتِ رَبِّي﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية، جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَنَصَحْتُ﴾: فعل وفاعل ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَبْلَغْتُكُمْ﴾. ﴿فَكَيْفَ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿كيف﴾: اسم استفهام في محل النصب على التشبيه بالحال، ﴿آسى﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿شُعَيْبُ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿نَصَحْتُ﴾، ﴿عَلى قَوْمٍ﴾ متعلق بـ آسى، ﴿كافِرِينَ﴾ صفة ﴿قَوْمِ﴾.
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾.
﴿وَما﴾: نافية ﴿أَرْسَلْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾، متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنا﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿نَبِيٍّ﴾: مفعول ﴿أَرْسَلْنا﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من عام الأحوال، ﴿أَخَذْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿أَهْلَها﴾: مفعول ﴿أَخَذْنا﴾، ﴿بِالْبَأْساءِ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَذْنا﴾، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: معطوف على ﴿البأساء﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿أَرْسَلْنا﴾ ولكنها على تقدير قد والتقدير: وما أرسلنا في قرية من القرى المهلكة، نبيا من الأنبياء، في حال من الأحوال، إلا في حال كوننا آخذين أهلها بالبأساء والضراء، ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترج، والهاء اسمها وجملة ﴿يَضَّرَّعُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة: مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿بَدَّلْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾: مفعول ﴿كان﴾ ومضاف إليه، أو منصوب بنزع الخافض؛ أي: في مكان السيئة، ﴿الْحَسَنَةَ﴾: مفعول أول، والمعنى: بدلنا مكان الحال السيىء الحال الحسن، فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة، ومكان السيئة هو المتروك الذاهب، وهو الذي تصحبه الباء في مثل هذا التركيب، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَخَذْنا﴾
стр. 4268
﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية ﴿عَفَوْا﴾: فعل وفاعل، في محل النصب بأن المضمرة، ﴿وَقالُوا﴾: معطوف عليه، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ الجار والمجرور، متعلق بـ ﴿بَدَّلْنا﴾؛ أي: بدلنا مكان السيئة الحسنة إلى عفوهم، وقولهم: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، ﴿مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، ﴿وَالسَّرَّاءُ﴾: معطوف على ﴿الضَّرَّاءُ﴾: والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾ الفاء: عاطفة ﴿أخذناهم﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿قالُوا﴾. ﴿بَغْتَةً﴾ مفعول مطلق؛ أي: أخذ بغتة، أو حال من فاعل ﴿أخذنا﴾. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ وجملة ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من هاء ﴿أخذناهم﴾.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ الواو: استئنافية ﴿لَوْ﴾: حرف شرط ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ﴿أَهْلَ الْقُرى﴾: اسمها ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿وَاتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ وجملة ﴿آمَنُوا﴾: في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف بعد لو الشرطية؛ لأن ﴿لَوْ﴾ لا يليها إلا الفعل، والتقدير: ولو ثبت إيمان أهل القرى وتقواهم .. ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ﴾ اللام:
رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾. ﴿فتحنا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به: ﴿بَرَكاتٍ﴾ مفعول به، ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: صفة لـ ﴿بَرَكاتٍ﴾، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّماءِ﴾ وجملة ﴿فتحنا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾: لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَلكِنْ﴾: الواو عاطفة ﴿لكِنْ﴾: حرف استدراك، ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة، على جملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية، ﴿فَأَخَذْناهُمْ﴾: الفاء: حرف عطف وتفريع، ﴿أخذناهم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾، ﴿بِما﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أخذنا﴾، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كانوا يكسبونه.
стр. 4269
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧)﴾.
﴿أَفَأَمِنَ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف ﴿أمن أهل القرى﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أجهل أهل القرى من مكة وما حولها سنتنا فيمن قبلهم فأمنوا؟ ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر، ﴿يَأْتِيَهُمْ﴾: فعل ومفعول، ﴿بَأْسُنا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: أفأمنوا إتيان بأسنا إياهم؟، ﴿بَياتًا﴾: حال من ﴿بَأْسُنا﴾؛ أي: بائتا مستخفيا في الليل، وقيل: هو منصوب على الظرفية؛ أي: ليلا، ﴿وَهُمْ نائِمُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من هاء ﴿يَأْتِيَهُمْ﴾، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، هذا على مذهب الزمخشري، وأما على مذهب الجمهور: الفاء: عاطفة ما بعدها على ﴿أخذناهم بغتة﴾، وما بينهما اعتراض.
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾.
﴿أَوَ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والواو: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿أَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أغفل أهل القرى عن سنننا فيمن قبلهم، وأمنوا أن يأتيهم بأسنا؟ والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا﴾: جملة فعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره:
إتيان بأسنا إياهم، ﴿ضُحًى﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿يأتي﴾. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَلْعَبُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من هاء ﴿يَأْتِيَهُمْ﴾.
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (٩٩)﴾.
﴿أَفَأَمِنُوا﴾ الهمزة: داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف ﴿أمنوا﴾: فعل وفاعل، ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والتقدير: أجهلوا سنتنا فأمنوا مكر الله؟ والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿فَلا يَأْمَنُ﴾: الفاء: استئنافية، ﴿لا﴾: نافية ﴿يَأْمَنُ مَكْرَ
стр. 4270
اللَّهِ﴾: فعل ومفعول ومضاف إليه، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿الْقَوْمُ﴾: فاعل، ﴿الْخاسِرُونَ﴾: صفته، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾.
﴿أَوَلَمْ﴾ الهمزة: للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف، والواو: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم، ﴿يَهْدِ﴾ ﷺ : فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾: وعلامة جزمه حذف حرف العلة، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنْ بَعْدِ أَهْلِها﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَرِثُونَ﴾. ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: أنه ﴿لَوْ﴾: حرف شرط ﴿نَشاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ومفعول المشيئة محذوف تقديره: لو نشاء أصبنا إياهم، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿أَصَبْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وأتى بجواب ﴿لَوْ﴾ هنا خاليا عن اللام، وهو جائز على قلة، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل الرفع خبر ﴿أَنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿أَنْ﴾ المخففة في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿يَهْدِ﴾ والتقدير: أغفل الذين يرثون الأرض من بعد أهلها، عن سننا فيمن قبلهم، ولم يهد ويبين لهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو نشاء الإصابة لهم، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلقان بـ ﴿أَصَبْناهُمْ﴾ ﴿وَنَطْبَعُ﴾ الواو: عاطفة بمعنى ﴿أو﴾ التي تمنع الجمع، ﴿نَطْبَعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿نَطْبَعُ﴾، والجملة معطوفة على ﴿أَصَبْناهُمْ﴾ على كونها جواب ﴿لَوْ﴾. ﴿فَهُمْ﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع، ﴿هم﴾: مبتدأ وجملة ﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة مفرعة على ﴿نَطْبَعُ﴾:
﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١)﴾.
стр. 4271
﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ، ﴿الْقُرى﴾: بدل منه، أو عطف بيان له، ﴿نَقُصُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿مِنْ﴾: حرف جر وتبعيض، ﴿أَنْبائِها﴾: مجرور ومضاف إليه، الجار والمجرور، متعلق بـ ﴿نَقُصُّ﴾، أيضا، وجملة ﴿نَقُصُّ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، اللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿جاءَتْهُمْ﴾: فعل ومفعول، ﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه، ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾: متعلق بـ ﴿جاء﴾ والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة استئنافا بيانيا، ﴿فَما﴾: الفاء: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾: اللام: حرف جر وجحود، ﴿يؤمنوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، ﴿بِما﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يؤمنوا﴾. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: كذبوه، و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾: وجملة ﴿يؤمنوا﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر كان، تقديره: فما كانوا مريدين لإيمانهم بما كذبوا من قبل. هذا على مذهب البصريين، وأما على مذهب الكوفيين: فاللام زائدة لتوكيد النفي، والتقدير عندهم: فما كانوا مؤمنين بما كذبوا من قبل. كما ذكرنا ذلك مبسوطا في كتابنا «الدرر البهية في إعراب أمثلة الآجرومية» وعرف بعضهم لام الجحود ببيت واحد:
وكلّ لام قبله ما كانا أو ... لم يكن فللجحود بانا
﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَطْبَعُ﴾، والتقدير: يطبع الله على قلوب الكافرين من أمتك طبعا مثل طبعه على قلوب الكافرين من الأمم الماضية، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)﴾.
﴿وَما﴾ الواو: إستئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿وَجَدْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة
стр. 4272
مستأنفة، ﴿لِأَكْثَرِهِمْ﴾ (١): متعلق بوجد، كقولك: ما وجدت له مالا؛ أي: ما صادفت له مالا ولا لقيته، ويحتمل أن يكون حالا ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾؛ لأنّه في الأصل صفة نكرة، فلمّا قدم عليها نصب على الحال، والأصل: وما وجدنا عهدا لأكثرهم، وهذا لم يذكر أبو البقاء غيره، وعلى هذين الوجهين: ف ﴿وجد﴾ متعد لواحد، وهو ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾، ومن مزيدة فيه، والوجه الثالث: أنه في محل نصب مفعولا ثانيا لوجد، إذ هي بمعنى علم، والمفعول الأول هو ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾، وقد يترجح هذا بأن ﴿وجد﴾ الثانية علمية لا وجدانية، بمعنى الإصابة، فإذا تقرر هذا .. فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام، ومناسبة له، ومن يرجح الأول يقول: إن الأولى لمعنى، والثانية لمعنى آخر اه «سمين». ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة ﴿إِنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: وإن الشأن والحال، ﴿وَجَدْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مفعول أول لوجد؛ لأنّها علمية ﴿لَفاسِقِينَ﴾: اللام فارقة بين المخففة والنافية، ﴿فاسقين﴾: مفعول ثان لوجد على حد قول ابن مالك:
وخفّفت أنّ فقلّ العمل ... وتلزم اللّام إذا ما تهمل
وجملة وجد في محل الرفع خبر ﴿إِنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿إِنْ﴾ المخففة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ وقال بعض (٢) الكوفيين: إن ﴿إِنْ﴾ في مثل هذا التركيب هي النافية، واللام بمعنى إلا، والمعنى: وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ وفي السمين (٣): وعاد في لسانهم لها استعمالان:
أحدهما: وهو الأصل، أنّه الرجوع إلى ما كان عليه من الحال الأول.
والثاني: استعمالها بمعنى صار، وحينئذ ترفع الاسم وتنصب الخبر، فلا تكتفي
стр. 4273
بمرفوع كقولهم: عاد السعر رخيصا، واستشكلوا على كونها بمعناها الأصلي أنّ شعيبا ﵇ لم يكن قط على دينهم، ولا في ملتهم، فكيف يحسن أن يقال: أو لتعودن؛ أي: ترجعن إلى حالتكم الأولى، والخطاب له ولأتباعه؟ وقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنّ هذا القول من رؤسائهم قصدوا به التلبيس على العوام، والإيهام لهم أنّه كان على دينهم وعلى ملتهم.
الثاني: أن يراد بعوده رجوعه إلى حاله قبل بعثته من السكون؛ لأنّه قبل أن يبعث إليهم كان يخفي إيمانه، وهو ساكت عنهم، بريء من معبوداتهم غير الله.
الثالث: تغليب الجماعة على الواحد؛ لأنّهم لما أصحبوه مع قومه في الإخراج .. سحبوا عليه وعليهم حكم العود إلى الملة تغليبا لهم عليه، وأما إذا جعلنا بمعنى صار .. فلا إشكال في ذلك، إذ المعنى: لتصيرن في ملتنا بعد أن لم تكونوا، وفي ملتنا حال على الأول، خبر على الثاني، وعدي عاد بفي الظرفية تنبيها على أنّ الملة صارت لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم.
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا﴾؛ أي: اقض؛ لأنهم يسمون القاضي: الفاتح والفتاح؛ لأنّه يفتح مواضع الحق اه كرخي، وفي «السمين»: أن الفتح: الحكم بلغة حمير، وقيل: بلغة مراد، وفي «المراغي» الفتح: إزالة الإغلاق والإشكال وهو قسمان: حسي يدرك بالبصر، كفتح العين والقفل والكلام الذي يكون من القاضي، ومعنوي يدرك بالبصيرة، كفتح أبواب الرزق والمغلق من مسائل العلم، والنصر في وقائع الحرب، والمبهم من قضايا الحكم، ويقال: فتح الله عليه إذا جد وأقبلت عليه الدنيا، وفتح الله عليه نصره، وفتح الحاكم بينهم، وما أحسن فتاحته؛ أي: حكمه كما قال شاعرهم:
ألا أبلغ بني وهب رسولا ... بأنّي عن فتاحتهم غنيّ
ويقال: بينهم فتاحات؛ أي: خصومات، وولي الفتاحة؛ أي: القضاء.
انتهى.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الرجف الحركة والاضطراب، والمراد منها: الزلزلة
стр. 4274
الشديدة، ومنه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ وقال هنا وفي سورة العنكبوت: الرجفة، وفي سورة هود ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾؛ أي: صيحة جبريل وصرخته عليهم من السماء، ولعلها؛ أي: الصيحة كانت في مبادىء الرجفة، فأسند هلاكهم إلى السبب القريب تارة، وإلى البعيد أخرى. اه أبو السعود.
وقال قتادة (١): بعث الله شعيبا إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل مدين، فأما أصحاب الأيكة .. فأهلكوا بالظلة، وأمّا أهل مدين .. فأخذتهم الرجفة، صاح بهم جبريل ﵇ صيحة فهلكوا جميعا، وقال أبو عبد الله البجلي: كان أبو جاد وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، ملوك مدين، وكان ملكهم في يوم الظلة اسمه كلمن، فلما هلك رثته ابنته بشعر اه.
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أصله يغنيوا بوزن يفعلوا، استثقلت الضمة على الياء ثم حذفت، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، أو يقال: تحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا، فالتقى ساكنان ثم حذفت الألف فصار: يغنوا بوزن يفعوا، وفي «المصباح»: غني بالمال يغنى غنى، مثل رضي يرضى رضى، فهو غني، والجمع أغنياء، وغني بالمكان: إذا نزل به واقام فيه فهو غان. اه.
﴿فَكَيْفَ آسى﴾ والأسى شدة الحزن، وأصل آسى أأسى بهمزتين، قلبت الثانية ألفا، وفي «المصباح» وأسى أسا - من باب تعب - حزن، فهو أسى مثل حزين. اه.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ قال أهل اللغة: السيئة كل ما يسوء صاحبه، والحسنة: كل ما يستحسنه الطبع والعقل، فأخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه يؤاخذ أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة، وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج.
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ﴾ القرية المدينة الجامعة لزعماء الأمة ورؤسائها - العاصمة - والبأساء الشدة والمشقة، كالحرب والجدب، وشدة الفقر، والضراء ما
стр. 4275
يضر الإنسان في بدنه، أو نفسه، أو معيشته، والأخذ بها، جعلها عقابا لهم.
والتضرع إظهار الضراعة؛ أي: الضعف والخوضع ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾؛ أي: حتى نموا وكثروا عددا وعددا، من عفا النبات والشعر إذا كثر وتكاثف ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة، فهو الأخذ حال السعة والرخاء، لا حال الجدب كما قيل؛ فإنّه قد بدل بالسعة. اه أبو السعود.
﴿بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ﴾ تشمل معارف الوحي العقلية، ونفحات الإلهام الربانية، والمطر، ونحوه مما يوجب الخصب والخير في الأرض، وبركات الأرض، النبات والثمار، وجميع ما فيها من الخيرات والأنعام والأرزاق، والأمن، والسلامة من الآفات، وكل ذلك من فضل الله وإحسانه على عباده، وأصل البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وسمي المطر بركة السماء لثبوت البركة فيه، وكذا ثبوت البركة في نبات الأرض، لأنّه نشأ من بركات السماء، وهي المطر، وقال البغوي: أصل البركة المواظبة على الشي؛ أي: تابعنا عليهم المطر من السماء، والنبات من الأرض، ورفعنا عنهم القحط والجدب. اه خازن.
﴿بَأْسُنا بَياتًا﴾ البأس العذاب، بياتا؛ أي: وقت بيات، وهو الليل.
﴿ضُحًى﴾؛ أي: ضحوة النهار، وهي في الأصل ضوء الشمس إذا ارتفعت، اه أبو السعود، وفي «السمين»: والضحى: انبساط الشمس، وامتداد النهار، وسمى به الوقت، ويقال: ضحى وضحاء، إذا ضممته قصرته، وإذا فتحته مددته، وقال بعضهم: الضحى - بالضم والقصر - لأول ارتفاع الشمس، والضحاء - بالفتح والمد - لقوة ارتفاعها قبل الزوال، والضحى مؤنث اه.
﴿يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: يلهون من فرط غفلتهم ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾: والمكر التدبير الخفي الذي يفضي بالممكور به إلى ما لا يحتسب، وفي «المختار»: المكر الاحتيال والخديعة، وقد مكر من باب نصر، فهو ماكر ومكّار. اه وفي «السمين»: والمراد بمكر الله هنا: فعل يعاقب به الكفرة على كفرهم، وأضيف إلى الله لما كان عقوبة على ذنبهم ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ يقال: هداه