← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ، ﴿الْقُرى﴾: بدل منه، أو عطف بيان له، ﴿نَقُصُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿مِنْ﴾: حرف جر وتبعيض، ﴿أَنْبائِها﴾: مجرور ومضاف إليه، الجار والمجرور، متعلق بـ ﴿نَقُصُّ﴾، أيضا، وجملة ﴿نَقُصُّ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، اللام: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿جاءَتْهُمْ﴾: فعل ومفعول، ﴿رُسُلُهُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه، ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾: متعلق بـ ﴿جاء﴾ والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة استئنافا بيانيا، ﴿فَما﴾: الفاء: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿لِيُؤْمِنُوا﴾: اللام: حرف جر وجحود، ﴿يؤمنوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود، ﴿بِما﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يؤمنوا﴾. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: كذبوه، و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾: وجملة ﴿يؤمنوا﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر كان، تقديره: فما كانوا مريدين لإيمانهم بما كذبوا من قبل. هذا على مذهب البصريين، وأما على مذهب الكوفيين: فاللام زائدة لتوكيد النفي، والتقدير عندهم: فما كانوا مؤمنين بما كذبوا من قبل. كما ذكرنا ذلك مبسوطا في كتابنا «الدرر البهية في إعراب أمثلة الآجرومية» وعرف بعضهم لام الجحود ببيت واحد: وكلّ لام قبله ما كانا أو ... لم يكن فللجحود بانا ﴿كَذلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَطْبَعُ﴾، والتقدير: يطبع الله على قلوب الكافرين من أمتك طبعا مثل طبعه على قلوب الكافرين من الأمم الماضية، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (١٠٢)﴾. ﴿وَما﴾ الواو: إستئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿وَجَدْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة

стр. 4272

مستأنفة، ﴿لِأَكْثَرِهِمْ﴾ (١): متعلق بوجد، كقولك: ما وجدت له مالا؛ أي: ما صادفت له مالا ولا لقيته، ويحتمل أن يكون حالا ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾؛ لأنّه في الأصل صفة نكرة، فلمّا قدم عليها نصب على الحال، والأصل: وما وجدنا عهدا لأكثرهم، وهذا لم يذكر أبو البقاء غيره، وعلى هذين الوجهين: ف ﴿وجد﴾ متعد لواحد، وهو ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾، ومن مزيدة فيه، والوجه الثالث: أنه في محل نصب مفعولا ثانيا لوجد، إذ هي بمعنى علم، والمفعول الأول هو ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾، وقد يترجح هذا بأن ﴿وجد﴾ الثانية علمية لا وجدانية، بمعنى الإصابة، فإذا تقرر هذا .. فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام، ومناسبة له، ومن يرجح الأول يقول: إن الأولى لمعنى، والثانية لمعنى آخر اه «سمين». ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة ﴿إِنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: وإن الشأن والحال، ﴿وَجَدْنا﴾: فعل وفاعل، ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مفعول أول لوجد؛ لأنّها علمية ﴿لَفاسِقِينَ﴾: اللام فارقة بين المخففة والنافية، ﴿فاسقين﴾: مفعول ثان لوجد على حد قول ابن مالك: وخفّفت أنّ فقلّ العمل ... وتلزم اللّام إذا ما تهمل وجملة وجد في محل الرفع خبر ﴿إِنْ﴾ المخففة، وجملة ﴿إِنْ﴾ المخففة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ وقال بعض (٢) الكوفيين: إن ﴿إِنْ﴾ في مثل هذا التركيب هي النافية، واللام بمعنى إلا، والمعنى: وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ وفي السمين (٣): وعاد في لسانهم لها استعمالان: أحدهما: وهو الأصل، أنّه الرجوع إلى ما كان عليه من الحال الأول. والثاني: استعمالها بمعنى صار، وحينئذ ترفع الاسم وتنصب الخبر، فلا تكتفي

стр. 4273

بمرفوع كقولهم: عاد السعر رخيصا، واستشكلوا على كونها بمعناها الأصلي أنّ شعيبا ﵇ لم يكن قط على دينهم، ولا في ملتهم، فكيف يحسن أن يقال: أو لتعودن؛ أي: ترجعن إلى حالتكم الأولى، والخطاب له ولأتباعه؟ وقد أجيب عنه بثلاثة أجوبة: أحدها: أنّ هذا القول من رؤسائهم قصدوا به التلبيس على العوام، والإيهام لهم أنّه كان على دينهم وعلى ملتهم. الثاني: أن يراد بعوده رجوعه إلى حاله قبل بعثته من السكون؛ لأنّه قبل أن يبعث إليهم كان يخفي إيمانه، وهو ساكت عنهم، بريء من معبوداتهم غير الله. الثالث: تغليب الجماعة على الواحد؛ لأنّهم لما أصحبوه مع قومه في الإخراج .. سحبوا عليه وعليهم حكم العود إلى الملة تغليبا لهم عليه، وأما إذا جعلنا بمعنى صار .. فلا إشكال في ذلك، إذ المعنى: لتصيرن في ملتنا بعد أن لم تكونوا، وفي ملتنا حال على الأول، خبر على الثاني، وعدي عاد بفي الظرفية تنبيها على أنّ الملة صارت لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا﴾؛ أي: اقض؛ لأنهم يسمون القاضي: الفاتح والفتاح؛ لأنّه يفتح مواضع الحق اه كرخي، وفي «السمين»: أن الفتح: الحكم بلغة حمير، وقيل: بلغة مراد، وفي «المراغي» الفتح: إزالة الإغلاق والإشكال وهو قسمان: حسي يدرك بالبصر، كفتح العين والقفل والكلام الذي يكون من القاضي، ومعنوي يدرك بالبصيرة، كفتح أبواب الرزق والمغلق من مسائل العلم، والنصر في وقائع الحرب، والمبهم من قضايا الحكم، ويقال: فتح الله عليه إذا جد وأقبلت عليه الدنيا، وفتح الله عليه نصره، وفتح الحاكم بينهم، وما أحسن فتاحته؛ أي: حكمه كما قال شاعرهم: ألا أبلغ بني وهب رسولا ... بأنّي عن فتاحتهم غنيّ ويقال: بينهم فتاحات؛ أي: خصومات، وولي الفتاحة؛ أي: القضاء. انتهى. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الرجف الحركة والاضطراب، والمراد منها: الزلزلة

стр. 4274

الشديدة، ومنه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ﴾ وقال هنا وفي سورة العنكبوت: الرجفة، وفي سورة هود ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾؛ أي: صيحة جبريل وصرخته عليهم من السماء، ولعلها؛ أي: الصيحة كانت في مبادىء الرجفة، فأسند هلاكهم إلى السبب القريب تارة، وإلى البعيد أخرى. اه أبو السعود. وقال قتادة (١): بعث الله شعيبا إلى أصحاب الأيكة وإلى أهل مدين، فأما أصحاب الأيكة .. فأهلكوا بالظلة، وأمّا أهل مدين .. فأخذتهم الرجفة، صاح بهم جبريل ﵇ صيحة فهلكوا جميعا، وقال أبو عبد الله البجلي: كان أبو جاد وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت، ملوك مدين، وكان ملكهم في يوم الظلة اسمه كلمن، فلما هلك رثته ابنته بشعر اه. ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أصله يغنيوا بوزن يفعلوا، استثقلت الضمة على الياء ثم حذفت، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء، أو يقال: تحركت الياء وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا، فالتقى ساكنان ثم حذفت الألف فصار: يغنوا بوزن يفعوا، وفي «المصباح»: غني بالمال يغنى غنى، مثل رضي يرضى رضى، فهو غني، والجمع أغنياء، وغني بالمكان: إذا نزل به واقام فيه فهو غان. اه. ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ والأسى شدة الحزن، وأصل آسى أأسى بهمزتين، قلبت الثانية ألفا، وفي «المصباح» وأسى أسا - من باب تعب - حزن، فهو أسى مثل حزين. اه. ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ قال أهل اللغة: السيئة كل ما يسوء صاحبه، والحسنة: كل ما يستحسنه الطبع والعقل، فأخبر الله تعالى في هذه الآية بأنه يؤاخذ أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة، وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج. ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ﴾ القرية المدينة الجامعة لزعماء الأمة ورؤسائها - العاصمة - والبأساء الشدة والمشقة، كالحرب والجدب، وشدة الفقر، والضراء ما

стр. 4275

يضر الإنسان في بدنه، أو نفسه، أو معيشته، والأخذ بها، جعلها عقابا لهم. والتضرع إظهار الضراعة؛ أي: الضعف والخوضع ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾؛ أي: حتى نموا وكثروا عددا وعددا، من عفا النبات والشعر إذا كثر وتكاثف ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة، فهو الأخذ حال السعة والرخاء، لا حال الجدب كما قيل؛ فإنّه قد بدل بالسعة. اه أبو السعود. ﴿بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ﴾ تشمل معارف الوحي العقلية، ونفحات الإلهام الربانية، والمطر، ونحوه مما يوجب الخصب والخير في الأرض، وبركات الأرض، النبات والثمار، وجميع ما فيها من الخيرات والأنعام والأرزاق، والأمن، والسلامة من الآفات، وكل ذلك من فضل الله وإحسانه على عباده، وأصل البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، وسمي المطر بركة السماء لثبوت البركة فيه، وكذا ثبوت البركة في نبات الأرض، لأنّه نشأ من بركات السماء، وهي المطر، وقال البغوي: أصل البركة المواظبة على الشي؛ أي: تابعنا عليهم المطر من السماء، والنبات من الأرض، ورفعنا عنهم القحط والجدب. اه خازن. ﴿بَأْسُنا بَياتًا﴾ البأس العذاب، بياتا؛ أي: وقت بيات، وهو الليل. ﴿ضُحًى﴾؛ أي: ضحوة النهار، وهي في الأصل ضوء الشمس إذا ارتفعت، اه أبو السعود، وفي «السمين»: والضحى: انبساط الشمس، وامتداد النهار، وسمى به الوقت، ويقال: ضحى وضحاء، إذا ضممته قصرته، وإذا فتحته مددته، وقال بعضهم: الضحى - بالضم والقصر - لأول ارتفاع الشمس، والضحاء - بالفتح والمد - لقوة ارتفاعها قبل الزوال، والضحى مؤنث اه. ﴿يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: يلهون من فرط غفلتهم ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾: والمكر التدبير الخفي الذي يفضي بالممكور به إلى ما لا يحتسب، وفي «المختار»: المكر الاحتيال والخديعة، وقد مكر من باب نصر، فهو ماكر ومكّار. اه وفي «السمين»: والمراد بمكر الله هنا: فعل يعاقب به الكفرة على كفرهم، وأضيف إلى الله لما كان عقوبة على ذنبهم ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ يقال: هداه

стр. 4276

السبيل وهداه إليه، وهداه له؛ أي: دله عليه وبينه له. ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ العهد الوصية، والوصية تارة يراد بها إنشاؤها وإيجادها، وأخرى يراد بها ما يوحى به، ويقال: عهدت إليه بكذا؛ أي: وصيته بفعله أو حفظه، وهو إما أن يكون بين طرفين - وهو المعاهدة - وإما من طرف واحد، بأن يعهد إليك بشيء، أو تلزم بشيء، والميثاق: هو العهد الموثق بضرب من ضروب التوكيد. وقال الراغب (١): عهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به في الكتاب وألسنة رسله، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع، كالنذور وما يجري مجراها اه ﴿الفاسقين﴾ والفسوق: الخروج عن كل عهد فطري وشرعي، بالنكث والغدر وغير ذلك من المعاصي، ووجدنا الأولى بمعنى ألفينا، والثانية بمعنى علمنا. البلاغة وقد تضمنت هذه الأيات أنواعا من البلاغة والفصاحة والبيان والبديع: فمنها: تغليب حكم الجماعة على الواحد في قوله: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾؛ لأنّ شعيبا لم يكن في ملتهم قط، فيعود فيها. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾، وقوله: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى﴾ لزيادة التقرير. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنا﴾؛ لأنّه كناية عن الإحاطة، وفي قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا﴾؛ لأن الفتح حقيقة في الأجسام كفتح الباب، وفي قوله: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾؛ لأنّه استعارة لاستدراجه العبد وأخذه من حيث لا يحتسب، كما ذكره أبو السعود. وفي قوله: ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ

стр. 4277

السَّماءِ﴾ شبه تيسير البركات عليهم بفتح الأبواب في سهولة التناول، فهو من باب الاستعارة التصريحية التبعية؛ أي: وسعنا عليهم الخير من جميع الأطراف. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، من الإسناد إلى السبب؛ أي: فأخذهم الله بالرجفة. ومنها: الطباق بين لفظ ﴿الْحَسَنَةَ﴾ و ﴿السَّيِّئَةِ﴾ وبين لفظ ﴿الضَّرَّاءِ﴾ و ﴿السراء﴾ في قوله: ﴿إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ وبين قوله: ﴿الضَّرَّاءُ﴾ و ﴿السَّرَّاءُ﴾ في قوله: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾. ومنها: التفخيم (١) والتهويل في تكرار لفظ ﴿أَهْلَ الْقُرى﴾ لما في ذلك من التسميع والإبلاغ والتهديد، ما لا يكون في الضمير لو قال: أو أمنوا؛ فإنّه متى قصد التفخيم والتعظيم والتهويل جيء بالاسم الظاهر. ومنها توسيط (٢) النداء باسمه العلمي بين المعطوفين في قوله: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾، لزيادة التقرير والتهديد، الناشئة عن غاية الوقاحة والطغيان؛ أي: والله لنخرجنك وأتباعك. ومنها: الإخبار المتضمن معنى التعجب في قوله: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، كأنّه قيل: ما أكذبنا على الله إن عدنا إلى الكفر، قاله الزمخشري. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 4278

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾. المناسبة لما قص (١) الله على نبيه أخبار نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وما آل إليه أمر قومهم، وكان هؤلاء لم يبق منهم أحد أتبع بقصص موسى وفرعون وبني إسرائيل، إذ كانت معجزاته من أعظم المعجزات، وأمته من أكثر الأمم تكذيبا وتعنتا واقتراحا وجهلا، وكان قد بقي من أتباعه عالم وهم اليهود .. فقص الله علينا قصصهم لنعتبر ونتعظ وننزجر عن أن نتشبه بهم.

стр. 4279

ومناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنّ بين موسى وشعيب ﵉ مصاهرة - كما حكى الله تعالى في كتابه - ونسبا لكونهما من نسل إبراهيم، ولما استفتح قصة نوح بأرسلنا بنون العظمة .. أتبع ذلك قصة موسى فقال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾، ذكره أبو حيان في «البحر». وعبارة «المراغي» هنا: هذه هي القصة السادسة من قصص الأنبياء التي ذكرت في هذه السورة، وفيها من الإيضاح والتفصيل ما لم يذكر في غيرها؛ لأن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات غيره ممن سبق ذكرهم، وجهل قومه كان أفحش، وقد ذكرت قصته في عدة سور مكية بين مطولة ومختصرة، وذكر اسمه في سور كثيرة، زادت على مئة وثلاثين مرة، وسر هذا أنّ قصته أشبه قصص الرسل بقصص النبي ﷺ ، إذ أنّه أوتي شريعة دينية دنيوية، وكوّن الله تعالى به أمة عظيمة، ذات ملك ومدنية. التفسير وأوجه القراءة ١٠٣ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى﴾؛ أي: ثمّ بعثنا من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ﵈، أو من بعد إهلاك الأمم المذكورة؛ أي: ثم بعدما فرغنا من ذكر قصص الأنبياء المذكورين وأممهم، نذكر قصة موسى وقومه فنقول: وعزتي وجلالي لقد أرسلنا موسى بن عمران من بعد إرسالنا لهؤلاء الرسل المذكورين في هذه السورة، وإهلاك أممهم، وقطع دوابرهم، حالة كونه مؤيدا ﴿بِآياتِنا﴾ ومعجزاتنا التسع، وملتبسا بأدلتنا وحججنا الدالة على صدقه، مثل العصا واليد، وغيرهما من الآيات التي جاء بها موسى ﵇، كما سيأتي التعبير عنها بهذا العدد في سورة الإسراء إن شاء الله تعالى: ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ﴾؛ أي: أشراف قومه، وتخصيصهم (٢) بالذكر مع عموم الرسالة لهم ولغيرهم؛ لأنّ من عداهم كالأتباع لهم، سموا (٣) ملأ لأنّهم يملؤون المجالس بأجرامهم،

стр. 4280

والعيون بجمالهم، والقلوب بمهابتهم. ذكره أبو السعود. وقال في «التحبير» (١): فرعون اسمه الوليد بن مصعب بن الريان، وكنيته أبو مرة، وقيل: أبو العباس، وهو فرعون الثاني الذي أرسل إليه موسى، وكان قبله فرعون آخر، وهو أخوه، واسمه قابوس بن مصعب ملك العمالقة، ولم يذكر في القرآن، وفرعون إبراهيم النمروذ، وفرعون هذه الأمة أبو جهل. انتهى. فائدة: كان ملك فرعون أربع مئة سنة، وعاش ست مئة وعشرين سنة، ولم ير مكروها قط، ولو كان حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو حمى ليلة، أو وجع .. لما ادعى الربوبية، وفرعون في الأصل علم لشخص، ثم صار لقبا لكل من ملك مصر، كما في «الشهاب». ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾؛ أي: ظلم فرعون وأتباعه بتلك الآيات، وجحدوا بها وأنكروها؛ لأنّ الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وكانت هذه الآيات معجزات ظاهرة قاهرة، فكفروا بها؛ أي (٢): وضعوا الإنكار في موضع الإقرار بها، ووضعوا الكفر في موضع الإيمان، وذلك ظلم منهم على تلك الآيات الظاهرة، أو معنى ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾؛ أي: ظلموا الناس بسببها لما صدوهم عن الإيمان بها، أو ظلموا أنفسهم بسببها ﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد، أو أيها المخاطب بعين بصيرتك ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ بالكفر من إهلاكهم؛ أي: أنظر بعين العقل والبصيرة كيف فعلنا بهم وكيف أهلكناهم، حيث صاروا مغرقين، وجعلناهم مثلا نوعد به كفرة من كان في عصرك يا محمد. وحاصل المعنى: أي ثمّ (٣) بعثنا - من بعد أولئك الرسل - موسى بالمعجزات التي تدل على صدقه فيما يبلغه عنا إلى فرعون وأشراف قومه، فظلموا أنفسهم وقومهم بالكفر بها كبرا وجحودا، فكان عليم إثم ذلك وإثم قومهم الذين حرموا من الإيمان باتباعهم لهم، وقال: ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ﴾ ولم يقل فرعون

стр. 4281

وقومه؛ لأن الملك ورجال الدولة هم الذين كانوا مستعبدين لبني إسرائيل، وبيدهم أمرهم، وليس لسائر المصرين من الأمر شيء؛ لأنّهم كانوا مستعبدين أيضا، ولكن الظلم كان على بني إسرائيل الغرباء أشد، ولو آمن فرعون وملؤه لآمن سائر المصريين؛ لأنّهم كانوا تبعا لهم، وقد كان موسى مرسلا إلى قومه بني إسرائيل قصدا، وإلى فرعون وملئه وسيلة ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: فانظر أيها الرسول كيف كان عاقبة فرعون وملئه المفسدين في الأرض، بالظلم واستعباد البشر، حين جحدوا آيات الله وكفروا بها. وفي هذا تشويق وتوجيه للنظر إلى ما سيقصه الله تعالى من عاقبة أمرهم، إذ نصر رسوله موسى - وهو واحد من شعب مستضعف مستعبد لهم - على فرعون وملئه، وهم أعظم أهل الأرض قوة وصولة، بأن أبطل سحرهم، وأقنع علماءهم وسحرتهم بصحة رسالته، وكون آياته من عند الله تعالى، ثم نصره بإرسال أنواع العذاب على البلاد، ثم بإنقاذ قومه وإغراق فرعون ومن تبعه من ملئه وجنوده، وهذه عبرة قائمة على وجه الدهر، وحجة على أنّ الغلب ليس للقوة المادية فحسب، كما يقوله المغرورون بعظمة الأمم الظالمة الأجنبية لمن استضعفتهم من أهل الوطن، كما هو مشاهد الآن في شرقي أفريقيا كأرمينيا. وبعد التشويق والتنبيه المتقدم، قص الله تعالى ما كان من أولئك القوم في ابتداء أمرهم، حتى انتهوا إلى تلك العاقبة فقال: ١٠٤ - ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤)﴾ وهذا كلام (١) مستأنف لتفصيل ما أجمل قبله من كيفية إظهار الآيات، وكيفية عاقبة المفسدين، ولم يكن هذا القول وما بعده من جواب فرعون إثر ما ذكر ههنا، بل بعد ما جرى بينهما من المحاورات المحكية بقوله تعالى: ﴿قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى﴾ الآيات. وقوله: ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ الآيات. فطوى ذكره هنا للإيجاز؛ أي: وقال موسى ﵇ حين دخل على فرعون ودعاه إلى الإيمان بالله تعالى، وإلى الإيمان به:

стр. 4282

إنّي رسول؛ أي: مرسل إليك وإلى قومك من رب العالمين؛ أي: من خالق العالمين كلهم، وسيدهم ومالكهم ومدبر جميع أمورهم، ١٠٥ - وأنا ﴿حَقِيقٌ﴾؛ أي: جدير وحريص ﴿عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا﴾ القول ﴿الْحَقَّ﴾ والكلام الصدق، فهو لا يقول على الله إلا القول الحق، إذ لا يمكن أن يبعث الله رسولا يكذب عليه، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، فهو معصوم من الكذب والخطأ في التبليغ. والخلاصة: أنّ كلامه اشتمل على عقيدة الوحدانية، وهي أنّ للعالمين ربا واحدا، وعلى عقيدة الرسالة المؤيدة منه تعالى بالعصمة في التبليغ والهداية. وقرأ نافع (١): ﴿عليّ أن لا أقول﴾ بتشديد الياء، جعل ﴿على﴾ داخلة على ياء المتكلم، ف ﴿حَقِيقٌ﴾: مبتدأ، وخبره ما دخلت عليه ﴿أَنْ﴾؛ أي: واجب وثابت علي ترك القول على الله إلا بالحق، وقرأ باقي السبعة عَلى بمد اللام على أنّها جارة للمصدر المنسبك مما بعدها، فـ ﴿حَقِيقٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: وأنا حقيق وحريص على عدم القول على الله إلا الحق، كما مر آنفا في حلنا. وقال أبو الحسن والفراء والفارسي: ﴿عَلى﴾: بمعنى الباء؛ أي: حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق، كما أنّ الباء تكون بمعنى ﴿على﴾ في قوله: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾؛ أي: على كل صراط، فكأنه قيل: حقيق بأن لا أقول، كما تقول: فلان حقيق بهذا الأمر وخليق به، ويشهد لهذا التوجيه قراءة أبي ﴿بأن لا أقول﴾ وضع مكان ﴿عَلى﴾ الباء، وقرأ عبد الله والأعمش ﴿حقيق أن لا أقول﴾ بإسقاط ﴿عَلى﴾ فاحتمل أن يكون على إضمار ﴿على﴾، كقراءة من قرأ بها، واحتمل أن يكون على إضمار الباء كقراءة أبي، وعلى كلا الاحتمالين يكون التعلق بـ ﴿حَقِيقٌ﴾. ولمّا ذكر أنّه رسول من عند الله، وأنّه لا يقول على الله إلا الحق .. أخذ يذكر المعجزة والخارق الذي يدل على صدق رسالته فقال: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ﴾ والخطاب فيه لفرعون وملائه الحاضرين معه؛ أي: قد جئتكم ببرهان قاطع ﴿مِنْ

стр. 4283

رَبِّكُمْ﴾ ومعجزة شاهدة على رسالتي، دالة على صدق ما أقول، وفي قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١) إيماء إلى أنّهم مربوبون، وأنّ فرعون ليس ربا ولا إلها، وإلى أنّ البينة ليست من كسب موسى ولا مما يستقل به ﵇. ثم فرع على مجيئه بالبينة طلبه منه أن يرسل معه بني إسرائيل؛ أي: يطلقهم من أسره ويعتقهم من رقه وقهره، ليذهبوا معه إلى دار غير داره، ويعبدوا فيها ربهم وربه فقال: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾؛ أي: أطلقهم من أسرك، وخلهم من استعبادك، ليذهبوا معي إلى الأرض المقدسة، التي هي وطن آبائهم مع أموالهم فكان فرعون عاملهم معاملة العبيد في الاستخدام والأعمال الشاقة، مثل ضرب اللبن، ونقل التراب، ونحو ذلك من الأعمال الشاقة. وقال المفسرون: كان سبب سكنى بني إسرائيل بمصر - مع أنّ أباهم كان بالأرض المقدسة - أن الأسباط أولاد يعقوب جاؤوا مصر إلى أخيهم يوسف، فمكثوا وتناسلوا في مصر، فلما ظهر فرعون .. استعبدهم واستعملهم في الأعمال الشاقة، فأحب موسى أن يخلصهم من هذا الأسر، ويذهب بهم إلى الأرض المقدسة وطن آبائهم، وكانوا يؤدون إلى فرعون الجزاء، فاستنقذهم الله بموسى. وكان (٢) بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر، واليوم الذي دخل فيه موسى أربع مئة عام، والظاهر أن موسى لم يطلب من فرعون في هذه الآية إلا إرسال بني إسرائيل معه، وفي غير هذه الآية دعاه إياه إلى الإقرار بربوبية الله تعالى وتوحيده، قال تعالى: ﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)﴾ وكل نبي داع إلى توحيد الله تعالى، وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ فهذا ونظائره دليل على أنّه طلب منه الإيمان، خلافا لمن قال: إنّ موسى لم يدعه إلى الإيمان، ولا إلى التزام شرعه. وليس بنو إسرائيل من قوم فرعون والقبط؛ ألا ترى أنّ بقية القبط - وهم الأكثر - لم يرجع إليهم موسى، ثمّ حكى سبحانه ما قاله فرعون حينئذ: ١٠٦ - ﴿قالَ﴾ فرعون لموسى ﴿إِنْ كُنْتَ﴾ يا موسى ﴿جِئْتَ﴾ وأتيت من عند من أرسلك ﴿بِآيَةٍ﴾ ومعجزة وحجة دالة

стр. 4284

على صدقك ﴿فَأْتِ بِها﴾؛ أي: فأحضرها عندي ليثبت صدقك ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك أنّك رسول. أي: قال فرعون لموسى: إن كنت قد جئت مؤيدا بآية من عند من أرسلك كما تدّعي .. فأتني بها، وأظهرها لدي إن كنت ممن يقول الصدق، ويلتزم قول الحق. ١٠٧ - ثم ذكر أن موسى أجابه إلى ما طلبه فقال: ﴿فَأَلْقى﴾ موسى ﴿عَصاهُ﴾؛ أي: فلم يلبث موسى أنّ ألقى ورمى عصاه - التي كانت بيمينه - أمام فرعون ﴿فَإِذا هِيَ﴾؛ أي: العصا ﴿ثُعْبانٌ﴾؛ أي: حية ضخمة صفراء ذكر ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر بيّن، لا خفاء ولا شك في كونه ثعبانا حقيقيا، يسعى وينتقل من مكان إلى آخر، وتراه الأعين من غير أن يسحرها ساحر فيخيل إليها أنّها تسعى. روي (١) أنّه لما ألقاها صارت ثعبانا أشعر فاغرا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعا، قائما على ذنبه، مرتفعا من الأرض بقدر ميل، وضع لحيه الأسفل على الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون ليبتلعه، فوثب فرعون عن سريره هاربا وأحدث، وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، فصاح فرعون: يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذه وأنا أؤمن بك وأرسل بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصا، فإن قلت: وصفها هنا بالثعبان، والثعبان من الحيات العظيم الضخم، ووصفها في آية أخرى بأنّها جان، والجان الحية الصغيرة، فبين الوصفين معارضة؟ قلت: يمكن الجمع بين الوصفين أنّها كانت في عظم الحية كالثعبان العظيم، وفي خفة الحركة كالحية الصغيرة، وهي الجان. ذكره في «الخازن». قيل (٢): بدأ بالعصا دون سائر المعجزات لأنّها معجزة تحتوي على معجزات كثيرة، قالوا منها: أنّه ضرب بها باب فرعون ففزع من قرعها، فشاب رأسه فخضبه بالسواد، فهو أول من خضب السواد. ومنها: انقلابها ثعبانا،

стр. 4285

وانقلاب خشبة لحما ودما قائما به الحياة من أعظم الإعجاز، ويحصل من إنقلابها ثعبانا من التهويل ما لا يحصل في غيره، وضربه بها الحجر فينفجر عيونا، وضربه بها الأرض فتنبت، قاله ابن عباس، ومحاربته بها اللصوص والسباع القاصدة غنمه، واشتعالها في الليل كاشتعال الشمعة، وصيرورتها كالرشا لينزح بها الماء من البئر العميقة، وتلقفها الحبال والعصي التي للسحرة، وإبطالها لما صنعوه من كيدهم وسحرهم. ١٠٨ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾؛ أي: نزع موسى يده اليمنى، وجذبها وأخرجها وأظهرها من جيب قميصه بعد أن وضعها فيه - بعد إلقاء العصا - أو من تحت إبطه، وفي التنزيل ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، ﴿فَإِذا هِيَ﴾؛ أي: يده التي أخرجها ﴿بَيْضاءُ﴾ بياضا نورانيا، تتلألأ نورا غلب شعاعه شعاع الشمس يظهر ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ إليها؛ أي: لكل من ينظر إليها. ١٠٩ - ثم حكى الله ما قاله قومه، بعد أن رأوا من موسى ما رأوا فقال: ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾؛ أي: الأشراف ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ وهم أهل مشورته ورؤساء دولته ﴿إِنَّ هذا﴾ الرجل، يعنون موسى ﴿لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: حاذق في علم السحر، كثير في فهمه ومعرفته وفائق فيه، يعنون أنّه ليأخذ بأعين الناس، حتى يخيل لهم أنّ العصا صارت حية، ويرى الشيء بخلاف ما عليه، كما أراهم يده بيضاء وهو آدم اللون، وإنّما قالوا ذلك لأنّ السحر كان هو الغالب في ذلك الزمان، فلما أتى بما يعجز عنه غيره .. قالوا: ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾. فإن قلت (١): قد أخبر الله تعالى في هذه السورة أنّ هذا الكلام من قول الملأ لفرعون، وقال في سورة الشعراء: ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فكيف الجمع بين الآيتين؟ قلت: لا يمتنع أن يكون قاله فرعون أولا، ثم إنّهم قالوه بعده، فأخبر الله تعالى عنهم هنا، وأخبر عن فرعون في سورة الشعراء. وقيل: يحتمل أنّ فرعون

стр. 4286

قال هذا القول، ثم إنّ الملأ من قومه - وهم خاصته - سمعوه منه، ثم إنّهم بلغوه إلى العامة، فأخبر الله هنا عن الملأ، وأخبر هناك عن فرعون، والله أعلم. ١١٠ - وجملة قوله: ﴿يُرِيدُ﴾؛ أي: موسى ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ أيها القبطيون ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ووطنكم مصر، صفة ثانية لساحر. والمعنى: قال (١) الأشراف والرؤساء من قوم فرعون: إنّ هذا الرجل لساحر عليم؛ أي: ماهر في فنون السحر، قد وجه كل همه لسلب ملككم منكم، وإخراجكم من أرضكم بسحره، إذ به يستميل الشعب إليه، وينتزع منكم الملك، ثم يخرج الملك وعظماء رجاله من البلاد، حتى لا يناوئوه في شؤون الملك واستعادته منه، استشعرت (٢) نفوسهم الخبيثة ما صار إليه أمرهم، من إخراجهم من أرضهم، وخلو مواطنهم منهم، وخراب بيوتهم، فبادروا إلى الإخبار بذلك، وكان الأمر كما استشعروا، إذ أغرق الله فرعون وآله، وأخلى منازلهم منهم، وهذا المذكور من كلام الملأ لفرعون، وأما قوله: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فقيل (٣): هو من كلام فرعون؛ أي: قال فرعون للملأ - لما قالوا ما تقدم - بأي شيء تأمرونني فيه؟ وقيل: هو من كلام الملأ؛ أي: قالوا لفرعون: فبأي شيء تأمرنا فيه؟ وخاطبوه بما يخاطب به الجماعة تعظيما له، كما يخاطب الرؤساء أتباعهم، ولكن كون هذا من كلام فرعون هو الأولى، بدليل ما بعده، وهو قوله: ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١)﴾؛ أي: قال الملأ لفرعون حين استشارهم بقوله: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أرجه وأخاه هارون؛ أي: أخر الفصل والقضاء في أمره وأمر أخيه، وأرسل في مدائن ملكك جماعات من رجال شرطتك وجندك، ﴿حاشِرِينَ﴾؛ أي: جامعين لك السحرة منها، وسائقيهم إليك، وكان رؤساء السحرة ومهرتهم في أقصى مدائن الصعيد.

стр. 4287

وقد كان السحر في زمانهم غالبا كثيرا ظاهرا، ومن ثم خيل إلى كثير منهم أنّ ما جاء به موسى من قبيل ما تشعبذ به سحرتهم، فلهذا جمعوا له السحرة ليعارضوه بنظير ما أراهم من البينات، كما حكى الله عن فرعون حيث قال: ﴿أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠)﴾. ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾؛ أي: إن ترسلهم .. يأتوك هؤلاء الذين أرسلتهم بكل ساحر عليم؛ أي: بكل ماهر في السحر، كثير العلم بصناعته، فيكشفوا لك حقيقة ما جاء به موسى، فلا يفتن به أحد، وإنّما قالوا: ﴿فِي الْمَدائِنِ﴾؛ لأن السحر من العلوم التي توجد في المدائن الجامعة المأهولة بدور العلم والصناعة؛ وإنّما نصحوه بإحضار السحرة الماهرين؛ لأنّهم الجديرون أن يأتوا موسى بمثل ما أتى به من الأمر العظيم. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ بفتح النون، على أنّ النون نون علامة الرفع هنا وفي الشعراء، وروى كردم عن نافع: بكسر النون فيهما، على أنّ النون نون الوقاية، حذفت بعدها ياء المتكلم. ١١١ - ﴿قالُوا أَرْجِهْ﴾ فيه (٢) ست قراءات، ثلاث بإثبات الهمزة التي بعد الجيم، وهي: كسر الهاء من غير إشباع لابن ذكوان عن أبي عامر، وضمها كذلك لأبي عمرو، وبإشباع حتى يتولد من الضمة واو على الأصل لابن كثير وهشام عن ابن عامر، وثلاث بحذف الهمزة، وهي: سكون الهاء وصلا ووقفا لعاصم وحمزة، وكسر الهاء من غير إشباع لقالون، وبه حتى يتولد منها ياء لنافع والكسائي وورش. وقرأ الأخوان حمزة والكسائي (٣): ﴿بكل سحار﴾ هنا، وفي يونس والباقون

стр. 4288

﴿ساحِرٍ﴾ وفي الشعراء أجمعوا على ﴿سَحَّارٍ﴾ لتناسب ﴿سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ لكونهما من ألفاظ المبالغة، ولما كان قد تقدم ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ .. ناسب هنا أن يقابل بقوله: ١١٢ - ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾. فذلكة في السحر وضروبه: السحر (١) أعمال غريبة وحيل تخفى حقيقتها على جماهير الناس لجهلهم لأسبابها، وقد كان فنا من الفنون التي يتعلمها قدماء المصريين في مدارسهم الجامعة مع كثير من العلوم الكونية، واقتفى أثرهم في ذلك البابليون، والهنود، وغيرهم، ولا يزال يؤثر عن الوثنيين من الهنود أعمال غريبة مدهشة من السحر، اهتم بعض الإنجليز وغيرهم بالبحث عن حقيقة أمرها، فعرفوا بعضا وجهلوا تعليل الأكثر. وهو لا يروج إلا بين الجاهلين، وله مكانة عظيمة في القبائل الهمجية، والبلاد ذات الحضارة تسميه بالشعوذة - الاحتيال والدجل - وهو أنواع ثلاثة: ١ - ما يعمل بأسباب طبيعية من خواص المادة، معروفة للساحر، مجهولة عند من يسحرهم بها، كالزئبق الذي قيل إن سحرة فرعون وضعوه في حبالهم وعصيهم، كما سنذكره بعد، ولو ادعى علماء الطبيعة والكيمياء في هذا العصر السحر في أواسط أفريقيا وغيرها من البلاد التي يروج فيها السحر .. لأروهم العجب العجاب من غرائب الكهرباء وغيرها، حتى لو ادعوا فيهم الألوهية .. لخضعوا لهم، فضلا عن النبوة والولاية. ٢ - الشعوذة التي ملاك أمرها خفة اليدين في إخفاء بعض الأشياء وإظهار بعض، وإراءة بعضها بغير صورها، وغير ذلك مما هو معروف في هذه البلاد وغيرها من البلاد المتمدنة. ٣ - ما يكون مداره على تأثير الأنفس ذات الإرادة القوية، في الأنفس الضعيفة، القابلة للأوهام والانفعالات التي يسميها علماء النفس: بالأنفس الهستيرية، وأصحاب هذا النوع يستعينون على أعمالهم بأرواح الشياطين، ومنهم

стр. 4289

من يكتب بالأوفاق والطلسمات للحب والبغض، إلى نحو ذلك، ومن ذلك ما استحدث في هذا العصر من التنويم المغناطيسي، وعلى الجملة: فالسحر صناعة تتلقى بالتعليم كما ثبت بنص الكتاب الكريم، وبالاختبار الذي لم يبق فيه شك بين العلماء في هذا العصر. وبعد أن ذكر فيما سلف أنّهم طلبوا إليه تأخير الفصل في أمره، حتى يحضر السحرة ليفسدوا عليه أعماله، ويبينوا خبيىء حيله .. ذكر هنا أن السحرة جاؤوا وطلبوا المثوبة من فرعون إن هم نفذوا ما طلبه، فأجابهم إلى ذلك، ففعلوا أفاعيلهم السحرية التي أوقعت الرهب في قلوب المشاهدين فقال: ١١٣ - ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ﴾ الذين حشرهم أعوان فرعون وشرطته ﴿فِرْعَوْنَ﴾ اللعين، وقال أبو حيان: وفي الكلام حذف يقتضيه المعنى، تقديره: فأرسل جنده حاشرين، وجمعوا السحرة، وأمرهم بالمجيء، وجاؤوا إليه وحين جاؤوا ﴿قالُوا﴾ لفرعون ﴿إِنَّ لَنا لَأَجْرًا﴾؛ أي: إن لنا عليك لجعلا عظيما وأجرا وجائزة، كفاء ما نقوم به من العمل العظيم الذي يتم به الغلب على موسى ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ على موسى. قرأ (١) نافع وابن كثير وحفص عن عاصم ﴿إِنَّ لَنا﴾ بهمزة واحدة على الإخبار فكأنهم قاطعون بالجعل، وإنّه لا بد لهم منه، وجوز أبو علي أن تكون ﴿إِنَّ﴾ استفهاما حذفت منه الهمزة، كقراءة الباقين الذين أثبتوها، قال: والاستفهام أشبه بهذا الموضع؛ لأنّهم لم يقطعوا أن لهم الأجر، وإنّما استفهموا عنه. ذكره ابن الجوزي في «زاد المسير»، وقرأ حمزة والكسائي، وابن عامر وأبو بكر وأبو عمرو بهمزتين، فمنهم من حققهما، ومنهم من سهل الثانية، ومنهم من أدخل بينهما ألفا، كأبي عمرو، والخلاف في كتب القراءات مبسوط على الاستفهام، استفهموا فرعون عن الجعل الذي سيجعله لهم على الغلبة، والاستفهام هنا للتقرير. واشتراط (٢) الأجر وإيجابه على تقدير الغلبة، لا يريدون مطلق الأجر، بل المعنى: إن لنا لأجرا عظيما، ولهذا قال الزمخشري: والتنكير للتعظيم، كقول

стр. 4290

العرب: إنّ له لإبلا، وإن له لغنما، يقصدون الكثرة، وفي خطاب السحرة بذلك لفرعون دليل على استطالتهم عليه باحتياجه إليهم، وبما يحصل للعالم بالشيء من الترفع على من يحتاج إليه، ١١٤ - وعلى من لا يعلم مثل علمه ﴿قالَ﴾ فرعون مجيبا لهم إلى ما طلبوا ﴿نَعَمْ﴾. قرأ الكسائي (١) بكسر العين؛ أي: إنّ لكم لأجرا عظيما على ما تقومون به من ذلك العمل الجليل ﴿وَإِنَّكُمْ﴾ مع ذلك الأجر ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إلينا، فتجمعون بين المال والجاه، وذلك منتهى ما تطمعون فيه من نعيم الدنيا وسعادتها، والمعنى (٢): إنّ فرعون قال للسحرة: إنّي لا أقتصر معكم على الأجر، بل أزيدكم عليه، وتلك الزيادة أني أجعلكم من المقربين إلي بالمنزلة، قال الكلبي: تكونون أول من يدخل علي، وآخر من يخرج من عندي. وفي (٣) مبادرة فرعون لهم بالوعد والتقريب منه، دليل على شدة اضطراره لهم، وأنّهم كانوا عالمين بأنّه عاجز، ولذلك احتاج إلى السحرة في دفع موسى ﵇. ١١٥ - ﴿قالُوا﴾؛ أي: قالت السحرة لموسى بعد وعد فرعون لهم: ﴿يا مُوسى﴾ اختر ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ما عندك أولا ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾؛ أي: وإما أن نلقي نحن ما عندنا أولا، وفي هذا التخير منهم له دليل على اعتدادهم بسحرهم، وثقتهم بأنفسهم، وعدم المبالاة بعمله، ولولا ذلك لما خيروه، إذ المتأخر في العمل يكون أبصر بما تقتضيه الحال بعد وقوفه على منتهى جهد خصمه. ١١٦ - ﴿قالَ﴾ لهم موسى ﵇ وهو واثق بشأنه، محتقر لهم غير مبال بهم - ﴿أَلْقُوا﴾ ما أنتم ملقون، وهو ﵇ لم يأمرهم بفعل السحر ابتداء؛ وإنّما أمرهم بأن يتقدموه فيما جاؤوا به لأجله، ولا بد لهم منه، وأراد بذلك التوصل إلى إظهار بطلان السحر لا إثباته، وإلى بناء ثبوت الحق على بطلانه، ولم يكن هناك وسيلة للإبطال إلا ذلك، وقد صرح فيما حكاه الله تعالى عنه: ﴿قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ

стр. 4291

الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾. ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ ما ألقوا من حبالهم وعصيهم ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾؛ أي: قلبوها وغيروها عن صحة إدراكها بما جاؤوا به من التمويه والتخييل الذي يفعله المشعوذون وأهل الخفة؛ أي: خيلوا إليهم ما لا حقيقة له، كما قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾. ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾؛ أي: استرهبوا الناس وأفزعوهم وأوقعوا في قلبهم الرهب والخوف، وأرهبوهم إرهابا شديدا، حيث خيلوها حيات تسعى ﴿وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في مظهره، كبير في تأثيره في أعين الناس، يخافه كل من رآه، قال ابن كثير: أي: خيلوا إلى الأبصار أنّ ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال. قال ابن عباس ﵄: ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وهذا هو السحر الذي هو محض تخييل في عين الرائي، والشيء المسحور حقيقته على ما هي عليه لم تقلب، وأما المعجزة ففيها قلب حقيقة الشيء - كالعصا - حيث صارت حية، هذا هو الفارق بين السحر والمعجزة اه. «خازن». قال ابن إسحاق (١): صف خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ساحر حباله وعصيه، وفرعون في مجلسه مع أشراف مملكته، فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى رجل منهم ما في يده من العصيّ والحبال، فإذا هي حيات كأمثال الجبال - قد ملأت الوادي - يركب بعضها بعضا، وكانت سعة الأرض ميلا في ميل، فصارت كلها حيات، قيل (٢): إنّهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق، وجعلوا الزئبق في دواخل تلك العصي، فلما أثّر تسخين الشمس فيها .. تحركت والتوى بعضها على بعض، وكانت كثيرة جدا، فالناس تخيلوا أنها تتحرك وتلتوي باختيارها وقدرتها ﴿اسْتَرْهَبُوهُمْ﴾؛ أي: بالغوا في تخويف عظيم للعوام من حركات تلك الحيات والعصي، وخاف موسى أن يتفرقوا قبل ظهور معجزته، فكان خوفه لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوه من أمر تلك الحيات، وليس خوفه لأجل سحرهم؛

стр. 4292

لأنه كان على ثقة من الله تعالى أنّهم لن يغلبوه وهو غالبهم. فعلى هذا (١): يكون سحرهم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية إذا صح خبرها، ويمكن أن تكون هناك حيلة أخرى، كإطلاق أبخرة أثرت في الأعين، فجعلتها تبصر ذلك، أو أنّ الحبال والعصي جعلت على صور الحيات، وحركت بمحركات خفية سريعة، لا تدركها أبصار الناظرين. ١١٧ - ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى﴾ على لسان جبريل بـ ﴿أَنْ أَلْقِ عَصاكَ﴾ فألقاها، فلما ألقاها ﴿فَإِذا هِيَ﴾؛ أي: العصا ﴿تَلْقَفُ﴾؛ أي: تأخذ وتبتلع ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾؛ أي: ما يكذبون فيه من الحبال والعصى، ويقلبونه من الحق إلى الباطل؛ لأنّه لا حقيقة له في الواقع، بل هو كذب وزور وتمويه وشعوذة؛ أي (٢): ولما ألقى موسى العصا .. صارت حية عظيمة، حتى سدت الأفق، ثم فتحت فكها، فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعا، وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، وكانت حمل ثلاث مئة بعير، فلما أخذها موسى .. صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم أصلا. وظاهر السياق (٣) يقتضي أن إلقاء العصا وانقلابها حية وقع مرتين بحضرة فرعون: الأولى كانت سببا في جمع السحرة، والثانية بحضرتهم، فالأولى ذكرت سابقا بقوله: ﴿فَأَلْقى عَصاهُ﴾ الخ، والثانية هي المذكورة هنا، ووقع انقلابها حية أيضا مرة أخرى قبل هاتين المرتين، ولم يكن حاضرا هناك أحد غير موسى، وقد ذكرت هذه المرة في صورة طه في قوله: ﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نارًا إلى قوله: قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠)﴾. وقرأ حفص (٤): ﴿تَلْقَفُ﴾، بسكون اللام من لقف، من باب علم وفهم، وقرأ باقي السبعة بفتح اللام وتشديد القاف، من تلقف يتلقف، من باب تفعل الخماسي، حذفت إحدى تائيه، إذ الأصل: تتلقف، وقرأ البزي بإدغام تاء المضارعة في التاء في الأصل، وقرأ ابن جبير ﴿تلقم﴾ بالميم؛ أي: تبلع كاللقمة

стр. 4293

قال الشاعر: أنت عصا موسى الّتي لم تزل ... تلقم ما يأفكه آلسّاحر ١١٨ - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾؛ أي: فظهر الحق الذي جاء به موسى، وثبت ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر؛ أي: ظهر بطلانه وفساده. وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصينا، فلما فقدت .. ثبت أن ذلك حصل بقدرة الله تعالى، لا لأجل السحر، فتبين لمن حضره وشهده أنّ موسى رسول من عند الله، يدعو إلى الحق، وأنّ ما عملوه ما هو إلا إفك السحر وكذبه ومخايله ١١٩ - ﴿فَغُلِبُوا﴾؛ أي: فرعون وقومه ﴿هُنالِكَ﴾؛ أي: في ذلك الموقف الذي أظهروا فيه سحرهم ﴿وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾؛ أي: صاروا ذليلين مبهوتين؛ أي: غلب موسى فرعون وجموعه في ذلك الجمع العظيم، الذي كان في عيد لهم، ضربه موسى موعدا لهم كما جاء في سورة طه: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾ وعادوا من ذلك الحفل صاغرين أذلة بما رزئوا من خيبة وخذلان. ١٢٠ - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠)﴾؛ أي: خروا سجدا لله تعالى؛ أي: فكأنّهم من سرعة سجودهم ألقوا؛ أي: وألقي السحرة حينما عاينوا عظيم قدرة الله تعالى ساقطين على وجوههم سجدا لربهم؛ لأنّ الحق قد بهرهم واضطرهم إلى السجود، حتى كأن أحدا دفعهم وألقاهم. والخلاصة (١): أن ظهور بطلان سحرهم، وإدراكهم فجأة لآية موسى، وعلمهم بأنّها من عند الله تعالى، لا صنع فيها لمخلوق، ملأت عقولهم يقينا، وقلوبهم إيمانا، فكأن اليقين الحاكم على الأعضاء والجوارح هو الذي ألقاهم على وجوههم سجدا لرب العالمين، الذي بيده ملكوت كل شيء، وزالت من نفوسهم عظمة فرعون الدنيوية الزائلة، بعد أن ظهر لهم صغاره أمام هذه الآية، فنطقوا بما حكى الله عنهم ١٢١ - ﴿قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١)﴾؛ أي: قالوا صدقنا بما

стр. 4294

جاءنا به موسى، وأنّ الذي علينا أن نعبده هو رب الإنس والجن وجميع المخلوقات، المدبر لها. وهذه الجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ماذا قالوا عند سجودهم أو في سجودهم؟ وأجيب: بأنّهم قالوا: آمنا برب العالمين، ولما قالوا ذلك فكأن فرعون قال: إياي تعنون؟ فقالوا: لا بل ١٢٢ - ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)﴾؛ أي: مالكهما ومعبودهما. ولما (١) ظفروا بالمعرفة .. سجدوا لله تعالى في الحال، وجعلوا ذلك السجود شكرا لله تعالى على الفوز بالإيمان والمعرفة، وعلامة على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان، وإظهارا للخضوع والتذلل لله تعالى، فكأنهم جعلوا ذلك السجود الواحد علامة على هذه الأمور الثلاثة، على سبيل الجمع، وأولئك القوم كانوا عالمين بحقيقة السحر، فلما وجدوا معجزة موسى خارجة عن حد السحر .. علموا أنّها أمر من الله، فاستدلوا بها على أن موسى نبي صادق من عند الله تعالى. فصل اختلفوا في عدد السحرة على ثلاثة عشر قولا (٢): أحدها: اثنان وسبعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: اثنان وسبعون ألفا، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال مقاتل. والثالث: سبعون، روي عن ابن عباس أيضا. والرابع: إثنا عشر ألفا، قاله كعب. والخامس: سبعون ألفا، قاله عطاء، وكذلك قال وهب في رواية، إلا أنّه قال: فاختار منهم سبعة آلاف. والسادس: سبع مئة، وروى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب أنه

стр. 4295

قال: كان عدد السحرة الذين عارضوا موسى سبعين ألفا متخيرين من سبع مئة ألف، ثم إنّ فرعون اختار من السبعين الألف سبع مئة. والسابع: خمسة وعشرون ألفا. قاله الحسن. والثامن: تسع مئة. قاله عكرمة. والتاسع: ثمانون ألفا. قاله محمد بن المنكدر. والعاشر: بضعة وثلاثون ألفا. قاله السدي. والحادي عشر: خمسة عشر ألفا. قاله ابن إسحاق. والثاني عشر: تسعة عشر ألفا. رواه أبو سليمان الدمشقي. والثالث عشر: أربع مئة. حكاه الثعلبي. فأما أسماء رؤسائهم .. فقال ابن إسحاق: رؤوس السحرة: ساتور، وعاذور، وحطحط، ومصفى، وهم الذين آمنوا، كذا حكاه ابن ماكولا، ورأيت عن غير ابن إسحاق: سابورا، وعاذورا وقال مقاتل: اسم أكبرهم شمعون. قال ابن زيد (١): كان اجتماعهم بالاسكندرية، وبلغ ذنب الحية وراء البحر، ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم، واحدا واحدا، حتى ابتعلت الكل، وقصدت القوم الذين حضروا ذلك المجمع، ففزعوا ووقع الزحام، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا، وفرعون يضحك تجلدا، فأقبلت الحية نحو فرعون، فصاح: يا موسى يا موسى، فأخذها موسى فصارت في يده عصا كما كانت، فلما رأت السحرة ذلك .. عرفوا أنّه ليس بسحر، فعند ذلك خروا ساجدين، وآمنوا برب العالمين. وكل هذا مبالغات إسرائيلية، وتهويلات لم يصح شيء منها، وليس في التوراة ما يأيدها.

стр. 4296

فائدة (١): وبدؤوا هنا بموسى قبل هارون - وإن كان أكبر سنا من موسى قيل بثلاث سنين - لأنّ موسى هو الذي ناظر فرعون، وظهرت المعجزتان في يده وعصاه؛ ولأن قوله: ﴿وَهارُونَ﴾، فاصلة، وجاء في طه ﴿رب هارون وموسى﴾؛ لأنّ ﴿مُوسى﴾ فيها فاصلة، ويحتمل وقوع كل منهما مرتبا من طائفة وطائفة، فنسب فعل بعض إلى المجموع في سورة، وبعض إلى المجموع في سورة أخرى. قال المتكلمون: وفي الآية دلالة على فضيلة العلم؛ لأنّهم لما كانوا كاملين في علم السحر .. علموا أنّ ما جاء به موسى حق خارج عن جنس السحر، ولولا العلم .. لتوهموا أنّه سحر، وأنّه أسحر منهم. ذكره أبو حيان في «البحر». ١٢٣ - ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ للسحرة ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: آمنتم برب موسى وهارون، أو صدقتم بموسى واتبعتموه مذعنين لرسالته ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ فيه وآمركم به؛ أي: قال ما ذكر منكرا على السحرة، موبخا لهم على ما فعلوه، فالاستفهام للإنكار والتوبيخ ﴿إِنَّ هذا﴾ الصنيع الذي صنعتموه من الإيمان بموسى واتباعه ﴿لَمَكْرٌ﴾؛ أي: لحيلة وخديعة ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾؛ أي: احتلتموه ودبرتموه اتفاقا مع موسى، وأنتم ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: في مدينة مصر قبل أن تخرجوا إلى هذا الميعاد وإلى هذه الصحراء، بما أظهرتم من المعارضة والرغبة في الغلب عليه مع إسرار اتباعه، بعد ادعاء ظهور حجته، كما قال في سورة طه: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ فأجمعتم كيدكم لنا في هذه المدينة ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْها﴾؛ أي: من المدينة ﴿أَهْلَها﴾ من القبطيين؛ أي: لأجل أن تخرجوا المصريين منها بسحركم، ويكون لكم فيها مع بني إسرائيل ما هو لنا الآن من الملك والرياسة والتصرف في البلاد. وكل (٢) ذي لب وفطنة يعلم أنّ هذه مقالة لا نصيب لها من الصحة، ولا ظل لها من الحقيقة؛ فإن موسى - إثر مجيئه من مدين - دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة، فلم يكن من فرعون إلا أن أرسل جنده في المدائن حاشرين، ووعدهم بالعطاء الجزيل، وموسى لا يعرف منهم أحدا، ولا رآه ولا

стр. 4297

اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنّما قال ذلك تسترا وتدليسا على رعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ﴾. والحاصل (١): أن قوله: ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ﴾ وقوله: ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْها﴾ الخ. هاتان شبهتان ألقاهما إلى أسماع عوام القبط، فأراهم أنّ إيمان السحرة مبني على المواطأة بينهم وبين موسى، وأنّ غرضهم بذلك إخراج القوم من المدينة، وإبطال ملكهم، ومعلوم أنّ مفارقة الأوطان مما لا يطاق فجمع اللعين بين الشبهتين تثبيتا للقبط على ما هم عليه، وتهييجا لعداوتهم لموسى، ثم عقبهما بالوعيد ليريهم أن لهم قوة فقال: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ما أصنع بكم من العذاب جزاء على هذا المكر والخداع، ١٢٤ - ثم بين ذلك بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾؛ أي: والله لأنكّلن بكم أشد التنكيل، فلأقطعن الأيدي والأرجل منكم، حالة كونها مختلفة في شق وجانب؛ أي: أنه يقطع من كل شق طرفا فيقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، فيخالف بينهما في القطع ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: ثم بعد قطع الأيدي والأرجل لأعلقنكم على الأخشاب، ممدودة أيديكم على صورة الصليب؛ أي: ثمّ لأصلّبنّ كل واحد منكم - وهو على تلك الحال - لتكونوا عبرة لمن تحدثه نفسه بالكيد لنا، والترفع عن الخضوع لعظمتنا، قال ابن عباس ﵁: أول من قطع الأيدي والأرجل وصلب فرعون. والخلاصة: أنّ اتهامه السحرة بالتواطؤ مع موسى، إنّما كان تمويها على قومه المصريين، إذ خاف عاقبة إيمان الشعب بموسى، فادعى أنّه لا ينتقم من السحرة إلا حبا فيهم، ودفاعا عنهم، وابقاء لاستقلالهم في وطنهم، كما هو شأن كل رئيس أو ملك في شعب يخاف أن ينتفض عليه وتجتمع كلمته على اختيار زعيم آخر، يقوم بدعوة دينية أو سياسية، وجاء هنا بـ ﴿ثُمَّ﴾ وفي يونس والشعراء بـ ﴿الواو﴾؛ لأنّ الواو صالحة للمهلة، فلا تنافي في الآيات. ذكره في «الفتوحات».

стр. 4298

واختلف (١) في قوله: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ هنا وفي طه وفي الشعراء على أربع مراتب: الأولى: قراءة الأخوين حمزة والكسائي وأبي بكر، عن عاصم وهي تحقيق الهمزتين في السور الثلاث من غير إدخال ألف بينهما، وهو استفهام إنكار، وأما الألف الثالثة فالكل يقرؤونها كذلك، وهي فاء الكلمة يجب قلبها ألفا لكونها بعد همزة مفتوحة، وأما الأولى: فمحققة ليس إلا، والثانية: قراءة حفص وهي ﴿أمنتم﴾ بهمزة واحدة بعدها ألف، والثالثة: قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر والبزي عن ابن كثير وهي تحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين، والرابعة: قراءة قنبل عن ابن كثير فقرأ في هذه السورة حال الابتداء ﴿أآمنتم﴾ بهمزتين، أولاهما محققة والثانية مسهلة بين بين وألف بعدها، كقراءة البزي، وحال الوصل يقرأ ﴿قال فرعون وآمنتم﴾ بإبدال الأولى واوا، وتسهيل الثانية بين بين وألف بعدها، وقرأ في سورة طه كقراءة حفص، وفي سورة الشعراء كقراءة البزي. وقرأ (٢) مجاهد وحميد المكي وابن محيص: ﴿لأقطعن﴾: مضارع قطع الثلاثي، و ﴿لأصلبنكم﴾ مضارع صلب الثلاثي، بضم لام ﴿لأصلبنكم﴾ وروي بكسرها، وجاء هنا بـ ﴿ثُمَّ﴾ وفي السورتين بالواو في ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ فدل على الواو أريد بها معنى (ثم)، من كون الصلب بعد القطع، والتعدية قد يكون معها مهلة وقد لا يكون. ١٢٥ - وعند ما سمع السحرة التهديد والوعيد السابق من ذلك الجبار المتكبر أجابوه بقولهم: ﴿قالُوا﴾؛ أي: السحرة ﴿إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: راجعون بالموت بلا شك، سواء كان بقتلك أو لا، فيحكم بيننا وبينك، وإنّا إلى رحمة ربنا راغبون. أي (٣): إنّهم لا يبالون بقتلهم؛ لأنّهم راجعون إلى ربهم، راجون مغفرته ورحمته، فتعجيل القتل يكون سببا لقرب لقائه، والتمتع بجزائه، قال أبو حيان (٤): وهذا تسليم واتكال على الله تعالى، وثقة بما عنده، والمعنى: إنّا نرجع

стр. 4299

إلى ثواب ربنا يوم الجزاء على ما نلقاه من الشدائد، أو: إنا ننقلب إلى لقاء ربنا ورحمته، وخلاصنا منك ومن لقائك، أو: إنا ميّتون منقلبون إلى الله فلا نبالي بالموت، إذ لا تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه. انتهى. وقد يكون المعنى: إنا وإياك سننقلب إلى ربنا، وما أنت بمخلّد بعدنا، فلئن قتلتنا .. فسيحكم الله بعدله بينك وبيننا، وما أحسن قول الشاعر: إلى ديّان يوم الدّين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم وفي هذا إيماء إلى تكذيبه في دعوى الربوبية، وتصريح بإيثار ما عند الله على ما عنده من الشهوات الدنيوية الزائلة. وما جاء في سورة الشعراء من قولهم: ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾ يؤيد المعنى الأول. ١٢٦ - ﴿وَما تَنْقِمُ مِنَّا﴾؛ أي: وما تكره منا ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا﴾؛ أي: إلا إيماننا وتصديقنا بآيات ربنا ومعجزاته، التي ظهرت على يد عبده ورسوله موسى ﵇ ﴿لَمَّا جاءَتْنا﴾؛ أي: حين جاءتنا على يد موسى؛ أي: ما تعيب علينا إلا إيماننا بآيات ربنا، أو: ما لنا عندك ذنب تعذبنا عليه إلا إيماننا بآيات ربنا حين جاءتنا، وهذا الاستثناء شبيه بقوله: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب والخلاصة: أي وما تعيب منا وما تنكر منا إلا خير الأعمال، وأصل المفاخر، الذي هو الإيمان بالله تعالى، ومثل هذا لا يمكن العدول عنه مرضاة لك، ولا طلبا للزلفى إليك، وفيه تيئيس له، وكأنهم قالوا: لا مطمع لك في رجوعنا عن إيماننا، وإنّ تهديدك لا يجدي فائدة. وقرأ الحسن وأبو حيوة وأبو اليسر هاشم، وابن أبي عبلة (١): ﴿وما تنقم﴾ بفتح القاف، مضارع نقم بكسرها، وهما لغتان، والأفصح قراءة الجمهور. وقد ختم الله كلام السحرة بدعائهم بقولهم: ﴿رَبِّنا﴾ ويا

стр. 4300

مالك أمرنا ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾؛ أي: أصبب علينا صبرا كاملا تاما عند القطع والصلب ليكلا نرجع كفارا؛ أي: هب لنا صبرا واسعا وأكثره علينا، حتى يفيض علينا ويغمرنا، كما يفرغ الماء إفراغا، ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: أمتنا ثابتين على الإسلام، منقادين لأوامرك، مخلصين لك على دين موسى وإبراهيم، والمعنى: ربنا (١) هب لنا صبرا واسعا تفرغه علينا، وأيدنا بروحك حتى لا يبقى في قلوبنا شيء من خوف غيرك، ولا من الرجاء في سوى فضلك، وتوفنا إليك، مذعنين لأمرك ونهيك، مستسلمين لقضائك، غير مفتونين بتهديد فرعون، ولا مطيعين له في قوله ولا فعله، وقد ذكر المؤرخون قديما وحديثا أنّ المؤمنين بالله واليوم الآخر، من كل ملة ودين، يكونون أعظم شجاعة، وأكثر صبرا على مشاق الحروب من غيرهم، ومن ثم يحرص زعماء الشعوب على بث النزعة الدينية بين رجالات الجيوش، قال ابن عباس ﵄: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء. قال الكلبي: إن فرعون قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم، وقال غيره إنّه لم يقدر عليهم لقوله تعالى: ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾. الإعراب ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿بَعَثْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿بَعَثْنا﴾. ﴿مُوسى﴾: مفعول به ﴿بِآياتِنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من موسى؛ أي: حال كونه ملتبسا بآياتنا. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿بَعَثْنا﴾. ﴿وَمَلَائِهِ﴾: معطوف على ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿فَظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿بَعَثْنا﴾ ﴿بِها﴾: متعلق بـ ﴿ظلموا﴾. ﴿فَانْظُرْ﴾: ﴿الفاء﴾:

стр. 4301

فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ظلمهم بها، وأردت التعجب من عاقبتهم .. فأقول لك ﴿انظر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطب ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر ﴿كانَ﴾ مقدم عليه وجوبا لكونه مما يلزم الصدارة ﴿عاقِبَةُ﴾: اسم ﴿كانَ﴾، ﴿الْمُفْسِدِينَ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿كانَ﴾: جملة استفهامية في محل النصب على إسقاط حرف جر تقديره: فانظر إلى مآل عاقبة المفسدين. كما في «الفتوحات» وجملة ﴿انظر﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤)﴾. ﴿وَقالَ مُوسى﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَعَثْنا﴾ ﴿يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ﴾ إلى قوله: ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ﴾ مقول محكى لـ ﴿قالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء، ﴿فِرْعَوْنُ﴾: في محل النصب منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿إِنِّي﴾: ﴿إن﴾ حرف نصب، والياء اسمها ﴿رَسُولٌ﴾: خبرها ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾: صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾ جواب النداء في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥)﴾. ﴿حَقِيقٌ﴾: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنا حقيق ﴿عَلى﴾: حرف جر ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ﴿لا﴾ نافية. ﴿أَقُولَ﴾ فعل مضارع منصوب ﴿أَنْ﴾ المصدرية، وفاعله ضمير المتكلم يعود على موسى، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أَقُولَ﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿الْحَقَّ﴾: مفعول به لـ ﴿أَقُولَ﴾ لأنّه بمعنى: أذكر أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: إلا القول الحق، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلى﴾ تقديره: على عدم قولي إلا الحق، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿حَقِيقٌ﴾ ولكن ﴿عَلى﴾ بمعنى الباء؛ أي: حقيق بعدم قولي إلا الحق، هذا على قراءة الجمهور، وقرأ نافع: ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ﴾

стр. 4302

بتشديد الياء، وذلك لقلب ألف ﴿على﴾ ياء وإدغامها في ياء المتكلم، فعلى هذه القراءة ﴿حَقِيقٌ﴾: مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة عمله في الجار والمجرور بعده، فإنّ ﴿علي﴾: متعلق بـ ﴿حَقِيقٌ﴾ وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على الخبرية تقديره: حقيق على عدم قولي على الله إلا الحق، والجملة الإسمية على كلا التقديرين في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿جِئْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل، ومفعول، ﴿بِبَيِّنَةٍ﴾: متعلق به، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: صفة لـ ﴿بينة﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فَأَرْسِلْ﴾ الفاء: حرف عطف وتفريع، ﴿أرسل﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾ والجملة في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿جِئْتُكُمْ﴾. ﴿مَعِيَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أرسل﴾، ﴿بَنِي إِسْرائِيلَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، والجملة مستأنفة ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَلْقى﴾ عَصاهُ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: إِنْ ﴿:﴾ حرف شرط ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية ﴿جِئْتَ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِآيَةٍ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر كان ﴿فَأْتِ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية ﴿ائت﴾ فعل أمر في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه جوابا لها، مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾. ﴿بِها﴾ جار ومجرور، متعلق به، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ إِنْ ﴿:﴾ حرف شرط ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إِنْ﴾ معلوم مما قبلها تقديره: إن كنت من الصادقين .. فأت بها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾.

стр. 4303

﴿فَأَلْقى﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع ﴿ألقى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿قالَ﴾، ﴿عَصاهُ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿فَإِذا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿إذا﴾: فجائية حرف لا محل لها من الإعراب، ﴿هِيَ﴾: مبتدأ ﴿ثُعْبانٌ﴾: خبره، ﴿مُبِينٌ﴾: صفة لـ ﴿ثُعْبانٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿ألقى﴾. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿ألقى﴾ ﴿فَإِذا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿إذا﴾: حرف فجأة ﴿هِيَ﴾: مبتدأ ﴿بَيْضاءُ﴾: خبره، ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ متعلق بـ ﴿بَيْضاءُ﴾، أو صفة له؛ لأنّه اسم فاعل لمؤنث، كحمراء وأحمر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿نَزَعَ﴾. ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾. ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من ﴿الْمَلَأُ﴾. ﴿إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿قالُوا﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾ هذا حرف نصب، واسم الإشارة اسمها ﴿لَساحِرٌ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿ساحر﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿عَلِيمٌ﴾: صفة ﴿ساحر﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾ أو على ﴿ساحر﴾، والجملة الفعلية في محل النصب، حال من الضمير المستكن في ﴿ساحر﴾، أو في محل الرفع صفة ثانية ﴿لَساحِرٌ﴾، ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: يريد إخراجه إياكم ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾، متعلق بـ ﴿يُخْرِجَكُمْ﴾. ﴿فَماذا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة داخلة على قول محذوف تقديره: فقال فرعون: ماذا تأمرون؟ ﴿ماذا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول ثان مقدم وجوبا للزومه صدر الكلام، ﴿تَأْمُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والواو عائدة على ﴿الْمَلَأُ﴾، والمفعول الأول محذوف تقديره: فقال فرعون: أي شيء تأمرونني فيه؟ والجملة الفعلية في

стр. 4304

محل النصب مقول لـ ﴿قالَ﴾ المحذوف، وجملة ﴿قال﴾ المحذوف معطوفة على جملة قوله: ﴿قالَ الْمَلَأُ﴾ ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ اسم استفهام مبتدأ ﴿ذا﴾: اسم موصول بمعنى الذي، في محل الرفع خبره، وجملة ﴿تَأْمُرُونَ﴾: صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: فقال فرعون ما الذي تأمرونني فيه؟. ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافيا بيانيا ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَرْجِهْ﴾: فعل أمر مبني بسكون على الهمزة المحذوفة للتخفيف؛ لأنه من أرجأ و ﴿الهاء﴾: ضمير للمفرد المذكر الغائب في محل النصب مفعول به، مبني على السكون تشبيها له بهاء السكت مع إجراء الوصل مجرى الوقف، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿وَأَخاهُ﴾: معطوف على ضمير المفعول ﴿وَأَرْسِلْ﴾: فعل أمر معطوف على ﴿أَرْجِهْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، ﴿فِي الْمَدائِنِ﴾: متعلق به، ﴿حاشِرِينَ﴾: مفعول به لـ ﴿أَرْسِلْ﴾، ومفعول ﴿حاشِرِينَ﴾ محذوف تقديره: حاشرين السحرة ﴿يَأْتُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بالطلب السابق ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق به. ﴿عَلِيمٍ﴾: صفة ﴿ساحِرٍ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣)﴾. ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة بعاطف مقدر على جملة ﴿جاءَ﴾ تقديره: وجاء السحرة فرعون فقالوا: ﴿إِنَّ لَنا لَأَجْرًا﴾ إلى آخر الآية. مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿لَنا﴾: خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾، ﴿لَأَجْرًا﴾: اسمها مؤخر ﴿واللام﴾: حرف ابتداء وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿إِنَّ﴾: حرف شرط، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بإن على كونه فعل شرط لها، ﴿نَحْنُ﴾: ضمير فصل، أو مؤكد لاسم كان،

стр. 4305

﴿الْغالِبِينَ﴾: خبر كان، وجواب ﴿إِنَّ﴾ الشرطية معلوم مما قبلها تقديره: إن كنا نحن الغالبين .. فإن لنا لأجرا، وجملة ﴿إِنَّ﴾: الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾. ﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا، ﴿نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ:﴾ مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿نَعَمْ﴾: حرف جواب وتصديق، قائم مقام الجملة الجوابية تقديرها: قال: إن لكم لأجرا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿وَإِنَّكُمْ﴾: الواو عاطفة ﴿إن﴾: حرف نصب ﴿والكاف﴾: اسمها ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ جار ومجرور خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ المحذوفة، القائم مقامها حرف ﴿نَعَمْ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قالَ﴾. ﴿قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿يا مُوسى﴾: إلى آخر الآية. مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿يا مُوسى﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿إِمَّا﴾: حرف تخيير ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تُلْقِيَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، وفاعله ضمير يعود على موسى، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب، على كونه مفعولا لفعل محذوف تقديره: اختر إما إلقاءك، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ على كونها جواب النداء، ﴿وَإِمَّا﴾: الواو عاطفة لـ ﴿إِمَّا﴾ على ﴿إِمَّا﴾، ﴿أَنْ نَكُونَ﴾: ناصب وفعل ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود على السحرة ﴿نَحْنُ﴾: ضمير فصل، أو مؤكد لاسم ﴿نَكُونَ﴾، ﴿الْمُلْقِينَ﴾: خبر نكون، وجملة ﴿نَكُونَ﴾ في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من الجملة التي قبلها تقديره: إختر إما إلقاءك وإما إلقاءنا، ومفعول الإلقاء في الموضعين محذوف لعلمه تقديره: إختر إما إلقاءك حبالك وعصيك، وإما إلقاءنا حبالنا وعصينا. ﴿قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.

стр. 4306

﴿قالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾، والجملة مستأنفة ﴿أَلْقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن موسى أمرهم بالإلقاء، وأردت بيان ما وقع منهم بعد أمره بالإلقاء .. فأقول لك ﴿لما ألقوا﴾ ﴿لما﴾: حرف شرط غير جازم ﴿أَلْقُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾، ﴿سَحَرُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿أَعْيُنَ النَّاسِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة استئنافا بيانيا، ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿سَحَرُوا﴾، ﴿وَجاؤُ﴾: فعل، وفاعل معطوف على ﴿سَحَرُوا﴾، ﴿بِسِحْرٍ﴾: متعلق بـ ﴿جاؤُ﴾، ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿سحر﴾. ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾. ﴿وَأَوْحَيْنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِلى مُوسى﴾: جار ومجرور، متعلق به ﴿أَنْ﴾: مفسرة أو مصدرية ﴿أَلْقِ﴾: فعل أمر في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسى﴾ ﴿عَصاكَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: وأوحينا إلى موسى إلقاءه عصاه ﴿فَإِذا هِيَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فألقاها فإذا هي ﴿إذا﴾: فجائية حرف لا محل لها من الإعراب، ﴿هِيَ﴾: مبتدأ، ﴿تَلْقَفُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على العصا، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة، ﴿مَا﴾: موصولة في محل النصب مفعول ﴿تَلْقَفُ﴾، أو مصدرية، وجملة ﴿يَأْفِكُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ما يأفكونه، أو الجملة صلة ما المصدرية، والتقدير: تلقف إفكهم؛ أي: مأفوكهم من الحبال والعصي. ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩)﴾.

стр. 4307

﴿فَوَقَعَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿وقع الحق﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَوْحَيْنا﴾، ﴿وَبَطَلَ﴾: فعل ماض، ﴿ما﴾: موصولة في محل الرفع فاعل لـ ﴿بَطَلَ﴾، ويصح أن تكون مصدرية، ﴿كانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما كانوا يعملونه، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية والتقدير: وبطل عملهم، وجملة ﴿بَطَلَ﴾ معطوفة على جملة ﴿وقع﴾. ﴿فَغُلِبُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿غلبوا﴾: فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿بَطَلَ﴾، ﴿هُنالِكَ﴾ ﴿هنا﴾: اسم إشارة يشار به للمكان البعيد، في محل النصب على الظرفية المكانية مبني على السكون، ﴿اللام﴾: لبعد المشار إليه، ﴿والكاف﴾: حرف دال على الخطاب، والظرف متعلق بـ ﴿غلبوا﴾، ﴿وَانْقَلَبُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿غلبوا﴾، ﴿صاغِرِينَ﴾: حال من الواو في ﴿انْقَلَبُوا﴾. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢)﴾. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾: فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿غلبوا﴾ ﴿ساجِدِينَ﴾: حال من ﴿السَّحَرَةُ﴾. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية حال ثانية من ﴿السَّحَرَةُ﴾ والتقدير: وألقي السحرة حالة كونهم ساجدين قائلين: آمنا برب العالمين. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿رَبِّ مُوسى﴾: بدل من ﴿بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾، ﴿وَهارُونَ﴾: معطوف على ﴿مُوسى﴾. ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾. ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿قالُوا﴾ مقول محكي، وإنّ شئت قلت: ﴿آمَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، متعلق به، والجملة في محل النصب مقول القول، ﴿قَبْلَ﴾: منصوب

стр. 4308

على الظرفية، متعلق بـ ﴿آمَنْتُمْ﴾، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿آذَنَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾. وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه تقديره: قبل إذني لكم. ﴿إنْ﴾: حرف نصب، ﴿هذا﴾: اسمها، ﴿لَمَكْرٌ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿مكر﴾: خبرها، وجملة ﴿أَنْ﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿مكر﴾، ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾، ﴿لِتُخْرِجُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وكي ﴿تخرجوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ مضمرة بعد لام كي ﴿مِنْها﴾ متعلق بـ ﴿تخرجوا﴾، ﴿أَهْلَها﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإخراجكم منها أهلها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مَكَرْتُمُوهُ﴾، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم مكركم وأردتم بيان عاقبته .. فأقول لكم سوف تعلمون ما يحل بكم، وجملة ﴿سوف تعلمون﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول لقوله: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾. ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾. ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿أقطعن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير المتكلم المستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: معطوف عليه ﴿مِنْ خِلافٍ﴾: جار ومجرور، حال من الأيدي والأرجل؛ أي: حالة كونها مختلفة في القطع، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أصلبنكم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد لضمير المخاطبين، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب

стр. 4309

معطوفة على جملة القسم الأول. ﴿قالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّا إِلى رَبِّنا﴾ إلى قوله: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ﴾: مقول محكي لـ ﴿قالُوا﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾: حرف نصب واسمه ﴿إِلى رَبِّنا﴾: متعلق بـ ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾، ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾: خبر ﴿إِنَّا﴾ وجملة إنّ في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾. ﴿وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾. ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿تَنْقِمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنُ مِنَّا﴾: جار ومجرور، متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّا إِلى رَبِّنا﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿آمَنَّا﴾: فعل ماض، وفاعله في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿بِآياتِ رَبِّنا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء تقديره: إلا إيماننا بآيات ربنا، ﴿لَمَّا﴾: حينية في محل النصب على الظرفية، ﴿جاءَتْنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الآيات، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾ تقديره: حين مجيئها إيانا، والظرف متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، ﴿رَبِّنا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ﴿أَفْرِغْ﴾: فعل دعاء سلوكا مسلك الأدب مع الباري سبحانه، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿عَلَيْنا﴾: متعلق به، ﴿صَبْرًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾ على كونها جواب النداء ﴿وَتَوَفَّنا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿مُسْلِمِينَ﴾: حال من ضمير المتكلمين، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَفْرِغْ﴾ على كونها جواب النداء. التصريف ومفردات اللغة ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ﴾. ﴿مُوسى﴾ (١) موسى ابن عمران

стр. 4310

- بكسر العين - وأهل الكتاب يقولون: عمرام بفتح أوله، وإنّما سمي موسى لأنّه ألقي بين ماء وشجر، فالماء بالقبطية: مو، والشجر: سى، وذلك أنّ أمه وضعته بعد ولادته في تابوت - صندوق - وأقفلته إقفالا محكما، وألقته في نهر النيل، خوفا من فرعون وحكومته أن يعلموا به فيقتلوه، إذ كانوا يذبحون ذكور بني إسرائيل عند ولادتهم، ويتركون نساءهم، وفرعون لقب لملوك مصر القدماء، كلقب قيصر لملوك الروم، وكسرى لملوك الفرس، كما مر، والراجح لدى كثير ممن يعنون بالتاريخ المصري القديم، أن فرعون موسى هو الملك منفتاح، وكان يلقب بسليل الإله: رع؛ أي: الشمس وقد كتب بجانب هيكله الذي بدار الآثار المصرية. الآية الكريمة ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ ﴿وَمَلَائِهِ﴾ والملأ أشراف الناس، يملؤون المجالس بأجرامهم، والعيون بجمالهم، والقلوب بمهابتهم، كما مر عن أبي السعود، ومن المراد هنا ما يشمل الرفيع والوضيع ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾؛ أي: جحدوا بها وكفروا ﴿حَقِيقٌ﴾؛ أي: جدير وخليق به، يقال: أنت حقيق بكذا، كما يقال: أنت جدير به وخليق، وقال الليث: حق الشيء معناه: وجب، ويحق عليك أن تفعله، وحقيق أن أفعله، فهو بمعنى فاعل، وقد يكون بمعنى مفعول، تقول: فلان محقوق عليه أن يفعل ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ والنزع إخراج الشيء من مكانه ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾؛ أي: تشيرون في أمره، يقال: مرني بكذا على معنى: أشر علي وأدل رأيك. ﴿أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾؛ أي: أرجىء أمره وأخره ولا تقض فيه بادىء الرأي، وهو من أرجأ الرباعي ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ﴾ جمع مدينة، ومدينة على وزن فعيلة، فالياء زائدة في المفرد، فلذلك تقلب همزة في الجمع على حد قوله في الخلاصة: والمدّ زيد ثالثا في الواحد ... همزا يرى في مثل كالقلائد والمدينة من مدن بالمكان يمدن، إذا أقام به، فالفعل من باب نصر، وفي «السمين»: والمدائن جمع مدينة ووزنها فعيلة، فميمها أصلية، وياؤها زائدة، مشتقة من مدن يمدن مدونا؛ أي: أقام ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ يجوز (١) أن يكون استفعل هنا
следующие страницы →